من ثمرات الأمن في الأوطان وأسبابه (١)
الخطبة الأولى:
الحمدُ لله ربِّ العالمين، منَّ علينا بنعمةِ الإيمان والأمنِ في الأوطان، والصحةِ والسلامةِ في الأبدان ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٢).
وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، كلَّ يومٍ هو في شأن، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه صلى الله عليه وعلى إخوانه من الأنبياءِ والمرسلين، ورضي الله عن أصحابه والتابعينَ، ومن تبعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين.
فأما بعد:
فاتّقوا الله أيها الناس: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٣).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (٤).
هذه وصيةُ الله لكم فاعقِلوها، وهذه نعمةُ ربِّكم فاشكروها.
أيها المسلمونَ: وحين نلتفتُ إلى الماضي قليلًا نتذكرُ ما نحن فيه من نعمةٍ حديثًا، لقد كانت هذه البلادُ - كما يحدِّثُنا التاريخُ في فترةٍ من الزمن - مسرحًا للفتن والحروبِ والنَّهب والسَّلبِ، حتى مَنّ اللهُ على أهلها بظهور دعوةِ التوحيد
стр. 2312
على يد الشيخِ الإمامِ المجدِّد محمدِ بن عبدِ الوهابِ يرحمه الله، وبمؤازرةٍ كريمةٍ من الإمام محمدِ بن سعودٍ يرحمُه اللهُ، وحينها التقى العلماءُ والحكامُ على نصرةِ هذا الدين، والقضاءِ على مظاهرِ الشركِ والفسادِ، فقامَ سلطانُ الدينِ ظاهرًا قويًّا، أمنَ الناسُ على أموالهِم، وأهليهم وعبدوا ربَّهم على علم وبصيرةٍ.
ولكنَّ الشانئينَ والحاسدين لم تطبْ نفوسُهم بهذا، وأجلبَ الشيطانُ بخيلِه ورَجِلِه على جندِه وأتباعِه، وعادِت الجزيرةُ - بعد حين من الدهرِ - مرة أخرى مسرحًا للسلبِ والنهب .. يعلو سلطانُ الحقِّ تارةً .. وترتفع أعلامُ الجاهليةِ تارةً أخرى، تُسفكُ الدماءُ، وتُستحلُّ المحارمُ، ولا يأمنُ المرءُ على نفسِه ومَن حولَه.
وفي ظل هذه الأجواء القلقة ينامُ المرءُ حين ينام وشبحُ اللصوصِ يمرُّ على خياله، ويستيقظُ حين يستيقظُ فرحًا مسرورًا إذ لم يكن شيء من عوَّادِ الدهرِ وفاجعاتِ الأحداثِ أصابَه.
يكسَبُ كلَّ يومٍ مرَّ وهو آمنٌ في سِرْبه، ولم يُخدش فيه حياؤه، أو تُسلبْ أموالُه، أو تُنهَ حياتُه، وما أطولَ ليلَ الخائفين! وما أشدَّ فرحَ غير الآمنين بضوءِ النهار يكشفُ لهم الحقيقة، ويخيفُ الغادرين، تُرى في هذه الأجواءِ أيطمئنُّ المسلمُ في عبادته لربِّه؟ وفي ظل هذه الظروف أتستقرُّ الحياةُ وينعمُ الأحياءُ؟ وأنّى للدعوة والخير أن تنتشرَ، وحِلَقُ العلم معطلةٌ، والعلماءُ كغيرهم لا يأمنونَ على أنفسِهم فضلًا أن يوفِّروا الأمنَ لمن يَحمل العلمَ عنهم.
إنها صورٌ ينبغي أن نتذكَّرَها، وإن لم يعش بعضُنا أحداثَها .. وإن كان يفصلُ بيننا وبينها عقودٌ من الزمن.
إخوةَ الإسلام: إن اغتباطَنا بما نحن فيه الآنَ من نعمةِ الأمنِ لا ينبغي أن ينسينا الماضي، بل إن من التحدُّث بنعمةِ الله أن نقارنَ بين الماضي والحاضر،
стр. 2313
ونتذكرَ بها نعمةَ اللهِ علينا في الحاضر.
أجل، لقد بدأ شبحُ الظلام يتوارى شيئًا فشيئًا، وفي كل بقعةٍ يتوارى الظلامُ تشعُّ فيها أنوارُ المعرفةِ والأمنِ والاستقرار .. حتى عمَّ الخيرُ وانتشر الأمنُ، وساد العلمُ وانطوى بساطُ الجهلِ .. وكانت بلادُ الحرمين مأوى الأفئدةِ، وملاذَ الخائفين، وبها تتوفرُ فرصُ العيشِ للوافدين .. فلك الحمدُ ربَّنا، وجزا اللهُ كلَّ من أسهمَ في نشرِ الخير وتوطيدِ دعائمِ الأمن في بلادِنا.
عبادَ الله: إن الأمنَ في الأوطانِ نعمةٌ لا يقدِّرُها حقَّ قدرِها إلا من عرفَ أو عاشَ خلافَها، وقد يتصورُ المرءُ خطًا وهو يعيشُ حالةَ الأمن والاستقرار أنَّ الناسَ كلَّهم كذلك، وليس الأمر كذلك ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ (١).
وفي حالِ غفلةِ الإنسان قد ينسى أو يجهلُ ثمراتِ الأمن .. وللأمنِ ثمراتٌ كثيرةٌ، ومنها: تحقيقُ العبوديةِ لله، والقيامُ بشرائع الدينِ كما أمرَ اللهُ، وكما جاء بها رسولُ الله ﷺ ، وهل يستطيعُ الخائفُ أن يعبدَ ربَّه كما أراد، والحق ﵎ يربطُ بين العبودية له، وبين الأمنِ وتوفُّرِ المَطعم، ويقول: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (٢).
إن توفرَ الأمن، ورغَدَ العيشِ مقوماتٌ أساسيةٌ للعبادة، وما من عبادةٍ إلا وتحتاجُ إلى هذا وذاك.
وإن فقدانَ الأمن، وشظفَ العيشِ بلوى يمتحنُ اللهُ بها عبادَه، ولكن الصبرَ طريقُ الفرج ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ
стр. 2314
عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (١).
ومن ثمراتِ الأمنِ في الأوطان: رخاءُ العيشِ، واستقرارُ الحياة، فإذا كان الإيمانُ سببًا للأمنِ كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٢).
فبركاتُ السماءِ والأرضِ تُفتَحُ لأهل الإيمان: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (٣).
إن الأمنَ ضرورةٌ لاستقرارِ الحياةِ ورَغَدِ الأحياءِ فبالأمنِ تُؤمنُ السُّبلُ، وتُجلبُ الخيراتُ، ويأمنُ التجارُ على أنفسِهم وأموالِهم، وبالأمنِ يُقمعُ الفسادُ، ويؤخذُ على أيدي المفسدين، وتكسدُ تجارةُ اللصوصِ ويُذلُّ (الشّطار).
ومن ثمراتِ الأمنِ: انتشارُ العلمِ وكثرةُ العلماءِ، والعلمُ أساسُ الحضارةِ، وميزانٌ لتقدمِ الدولِ، وهو مع الإيمانِ مجالُ سباقِ الأمم.
أما العلماءُ فهم ورثةُ الأنبياءِ ﵈ بهم يفتحُ اللهُ قلوبًا غُلْفًا، وآذانًا صُمًّا، وأعيُنًا عُميًا. وأنَّى للعلمِ أن ينتشرَ حين يُخافُ العلماءُ، وأنّى لأمةٍ أن تُسابقَ الزمنَ وأبناؤها خائفون على أنفسِهم، مشغولون بلقمةِ العيشِ لهم ولمن حولَهم؟ وحتى لو وُجِدَ علماءُ جُرَءاء، ينشرون العلم سرًّا في ظروفِ الخوفِ والقلق، فليس ذلك سبيلَ انتشارِ العلم، وإنما يهلكُ العلمُ إذا كان سِرًّا، وإنما سبيلُ نشرِه ونموِّ مؤسساتِه حين يتوفَّرُ الأمنُ، وتستَقرُّ الحياةُ، ويأمن الأحياءُ.
إخوةَ الإسلام: إن تحقيقَ الأمنِ مكسبٌ لنا جميعًا، وتوفيرُ الأمن مسئوليتُنا جميعًا، وعلى كلِّ واحدٍ منا كِفلٌ في تحقيق الأمنِ، وكلٌّ منّا مُطالبٌ أن يكون
стр. 2315
عينًا ساهرةً للكشفِ عن أوكارِ المفسدين، وتوفيرِ الأمن والأمانِ له ولإخوانِه المسلمين .. فمن رأى مُنكم منكرًا فليغيِّرْه بيدِه، وحين نغفلُ عن هذا الواجبِ، فسنتعرّضُ جميعًا للشِّقْوةِ ونكدِ العيشِ في الدنيا، والمصيبةُ أعظم إذا امتدّت شقوةُ الدنيا بضنكِ الآخرة.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (١).
стр. 2316
الخطبة الثانية:
الحمدُ للهِ ربّ العالمين قدَّر بلاءَ الناسِ بالشرِّ والخيرِ فتنةً وإليه المرجعُ والمصيرُ، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، حكمَ بالأمنِ مع الإيمان، ويذيقُ القرى لباسَ الجوعِ والخوفِ بالكفرِ والفسوقِ والعصيان، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه وخيرتُه من خَلقِه، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائرِ الأنبياء والمرسلين.
أيها المسلمونَ: وإذا علمنا شيئًا من ثمراتِ الأمنِ في الأوطان، فالسؤال المهم ما هي أسبابُ الأمنِ ومقوماتُه الأساسيةُ؟
إن أهمّ الأسبابِ للأمنِ: الإيمانُ بالله ومراقبتُه والشعورُ بأنه مطَّلعٌ على عبدِه في السرِّ والعَلنِ، فذلك الشعورُ يميتُ الجريمةَ قبل خروجِها، ويَهِنُ من عزيمةِ المجرمِ حالَ استحواذِ الشيطان عليه، وما أروعَ الطاقةَ حين تُصرفُ في الخير وعمل الصالحاتِ، حينها يتحول صاحبُها إلى إنسانٍ خيِّر يبني ولا يهدم، ويُؤمنُ ولا يُخافُ، وهذه النوعيةُ من البشرِ تستحقُّ الاستخلافَ في الأرض، ولها وعْدُ اللهِ بالأمن ورَغَدِ العيش كما قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (١).
ومع الإيمانِ وعملِ الصالحاتِ، لا بد من تصحيح المعتقَدِ من الشركياتِ والخرافاتِ، فتلكَ ضمانةٌ كبرى لتوفُّر الأمن، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٢).
стр. 2317
وقد فُسر (الظلمُ) في الآية (بالشركِ) ونهايةُ الآيةِ السابقةِ تؤكدُ هذا المعنى بوضوح: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾.
وعملُ الصالحات، ومن أهمها: الصلاةُ والزكاةُ مقوِّمٌ هامٌّ من مقوِّماتِ الأمن، فالصلاةُ تنهى عن الفحشاءِ والمنكرَ، وتوثيقٌ لصلةِ العبد بربِّه، والزكاةُ فيها مواساةٌ للفقراء وإغناءٌ للمحتاجين، وصلةٌ للخلق ببعضِهم وسبيلٌ لمحبَّتِهم وتعاطُفِهم فيما بينهم.
وكذا الأمرُ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ، ففيه نشرٌ للفضيلةِ وتحذيرٌ عن الرذيلة، وبه يؤخذُ على أيدي السفهاءِ، ويُمنعُ المجرمونَ من مزاولةِ الجريمة، وكلُّ ذلك يتضمَّنُه قولُه تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (١).
إخوةَ الإيمان: وتحكيمُ شريعةِ اللهِ في أرضِه، وإقامةُ الحدودِ التي شرعها سببٌ كبير ومقوِّمٌ من مقوماتِ الأمن، وإذا أفلستِ النظمُ البشريةُ والقوانينُ المستوردةُ - بعيدًا عن شرعِ اللهِ - في تأمين الأمنِ للناس، فإن في تحكيمِ شرعِ اللهِ ضمانةً كبرى للأمن يُصدِّقُ ذلك واقعُ الدولِ الكبرى التي بلغت من التقنية في متابعةِ الجريمةِ مبلغًا كبيرًا، ومع ذلك تنمو فيها معدلاتُ الجريمةِ ولا تنخفضُ، ويتكاثرُ المجرمونَ ولا يقلُّون ..
وتنعمُ (بلادُ الحرمين) بفضل اللهِ، ثم تحكيمِ الشريعةِ وتطبيقِ الحدود، بأمنٍ لا مثيلَ له في واقعنا المعاصرِ.
стр. 2318
أيها المسلمونَ: ومن أسبابِ الأمن شكرُ النعمِ، فالوعدُ حقٌّ ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (١).
وكفرُ النعم سبيلٌ لفناءِ الدولِ وانتشارِ الجوعِ والخوفِ، وفي أمثلةِ القرآن عبرةٌ لمن اعتبرَ: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (٢).
ومن مقوماتِ الأمن اجتماعُ الكلمةِ تحتَ مظلةِ التوحيدِ، فالاجتماعُ نعمةٌ، والخلافُ فرقةٌ وشتاتٌ، وما فتئ القرآنُ يُحذرُ من التنازعِ والخلافِ، ويذكرُ بمصير المتنازعينَ، ويكفي أن يتذكرَ المسلمُ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (٣).
ونهى رسولُ الله ﷺ عن كلِّ أسبابِ الخلافِ والتقاطعِ، وقال: «لا تقاطعوا ولا تَدابروا ولا تَباغَضُوا ولا تَحاسدوا، وكونوا عبادَ اللهِ إخوانًا كما أمركم الله» (٤).
إخوةَ الإسلام: ولا بد - في سبيلِ توفيرِ الأمنِ - أن ندركَ الأمنَ بمفهومِه الشاملِ، فالحفاظُ على الأمنِ الفكريِّ والعَقَدي، وذلك بحمايةِ العقولِ من الأفكار الخبيثةِ، وحمايةِ العقيدةِ من التصوراتِ والمعتقداتِ الباطلةِ .. لا يقلّ أهميةً عن الأمنِ على الأنفسِ والممتلكاتِ المادية.
اللهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلِحْ ووفِّقْ وُلاةَ أمرِنا، واجمعْ كلمةَ المسلمينَ على الحقِّ والهدى، إنك سميعُ الدعاءِ، هذا وصلُّوا وسلموا على نبيكم محمد.
стр. 2319
بين عُلوّ الهمّةِ والتوبة في رمضان (١)
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللهُ فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.
أيها المسلمون: والمتأملُ في أيامِ الله عمومًا، وفي الأيام الفاضلةِ على الخصوص يرى أنها تمضي سِرَاعًا، وأيامُ اللهِ عمومًا، ومواسمُ الطاعاتِ لا تنتظرُ الكسالى أو تتوقفُ للنائمين، أو تُحابي المفرِّطين.
إن عجلةَ الزمنِ تدورُ، والليلُ والنهارُ يتعاقبان، والحفظةُ الكرامُ يكتبون، وغدًا يُكشَفُ المخبوءُ، ويتبينُ الفائزون من الظالمين والمقتصِدين.
تُرى كم نُضيِّعُ من الفرصِ في حياتِنا؟ ! وما نَصيبُ فُرصِ الآخرةِ في تفكيرِنا وأعمالِنا؟
وما نصيبُ شهرِ رمضانَ من الفُرص المُضاعةِ في واقعِنا؟ وحين تذهبُ باحثًا عن أسباب هذا التفريطِ والضياعِ، أو ذاك الجِدّ والمسارعةِ لاغتنام فُرصِ الزمانِ تجدُ أن لعُلوِّ الهمّةِ أو ضعفِها أثرًا بالغًا في حياة الإنسانِ، فمن الناس من يُشعرُ نفسَه بأن فيه الكفايةَ لعظائمِ الأمور، ويجعل هذه العظائمَ هِمّتَه، وهذا عظيمُ الهمّةِ كبيرُ النفس. ومنهم مَن فيه الكفايةُ لعظائم الأمورِ، ولكن يبخسُ نفسَه
стр. 2320
فَيُضيِّعُ همَّه في سفاسفِ الأمور وصغائِرها، وهذا ما يُسمى بصغير الهِمّة أو صغيرِ النفْسِ.
ومن الناس من لا يكفي لعظائم الأمور ويُحسّ بأنه لا يستطيعها، وأنه لم يُخلَق لأمثالها، فيجعلُ هِمّتَه وسعيَه على قدر استعدادِه، وهذا الصنفُ بصيرٌ بنفسِه، متواضعٌ في سيرتِه. ورابع الأصناف من لا يكفي للعظائم، ولكنه يتظاهر بأنه قويّ عليها، مخلوقٌ لأَنْ يحملَ أثقالَها وهذا يُسمونَه (فخورًا) أو (مُتعظِّمًا) (١).
عبادَ الله: وإن شئتم أن تضعوا أيديَكم على الفَرْق بين عُلوِّ الهِمّةِ ودُنوِّها وتَرَوْا مواقعَكم فيها، فدونكم تعريفًا لكلٍّ منهما:
فعلوُّ الهِمّةِ هو استصغارُ ما دون النهايةِ من معالي الأمور، وطلبُ المراتب الساميةِ، واستحقارُ ما يَجودُ به الإنسانُ عند العطيةِ، والاستخفافُ بأوساطِ الأمور وطلبُ الغايات، والتهاونُ بما يملِكُه، وبَذْلُ ما يُمكنهُ لمن يسألُه من غيرِ امتنانٍ ولا اعتدادٍ به.
أما دنوُّ الهِمّة: فهو ضعفُ النفسِ عن طلب المراتِ العالية، وقصورُ الأملِ عن بلوغِ الغاياتِ، واستكثارُ اليسيرِ من الفضائل، واستعظامُ القليل من العطايا، والاعتدادُ به والرضا بأوساط الأمور وصغائِرِها (٢).
أيها المسلمون: فرق بين من تتعاظم هِمّتُه إلى التطّلع إلى جناتِ الفردوس، ثم هو في حياته يسعى إلى ذلك سعيًا حثيثًا، فإذا حلّت مواسمُ الخيراتِ استثمرها، وإذا أدرك فرصَ الطاعاتِ سابقَ إلى اغتنامها، وبين مَن هِمّتُه طِيبُ
стр. 2321
المطعمِ وأثيرُ الفراش، والسَّمرُ هنا أو هناك لتقطيعِ الأوقاتِ، حتى ولو سمع الفُحشَ أو رأى المنكراتِ!
أيها الصائمونَ: وحين يظنُّ البطَّالون أنّ في كثرةِ النوم أو كثرة الأكل والشُّرب - لاسيَّما في رمضانَ - نوعًا من السعادةِ وطريقًا للأُنس والراحة، يراها أصحابُ الهِمَمِ مورثةً للبلادَةِ جالبةً لأمراض التُّخمةِ .. وهذا عمرُ بنُ الخطاب ﵁ يقول: «من كَثُرَ نومُه لم يجدْ في عُمرِه بركةً» (١).
وهذا شيخُ الإسلام ابنُ تيميةَ ﵀ يقول: «فالذينَ يقتصدون في المآكلِ نعيمُهم بها أكثرُ من المسرفين فيها، فإن أولئكَ إذا أدمنوها وأَلِفُوها لا يبقى لها عندهم كبيرُ لَذّةٍ، مع أنهم قد لا يصبرون عنها وتكثُر أمراضُهم بسببها» (٢).
إن شهرَ الصيام فرصةٌ تعلو فيها الهِمَمُ - أو هكذا ينبغي أن يكون - فما تزالُ الهِمّةُ العاليةُ بصاحبها تضربُه بسياط اللّوم والتأنيب، وتزجُره عن مواقفِ الذُّلِّ واكتسابِ الرذائل وحرمانِ الفضائل، حتى ترفعَه من أدنى دركاتِ الحضيض إلى أعلى مقاماتِ المجد والسُّؤدُد.
كيف لا: والصائم بنهارِه يستمتع بالصيام، وهو بليلهِ سعيدٌ بالقيام .. وكيف لا! والصائمُ يقضي شطرًا من وقتِه يُناجي ربَّه يستغفرُه ويستهديهِ ويسألُه المزيدَ من فضلِه، يتلو كتابَه فيخشعُ قلبُه، ويذكُره في نفسِه، فيزدادُ تعظيمًا ومحبةً له - ثم هو يتصدقُ ويَصِلُ، فتطيبُ نفسُه وينشرحُ صدرُه، ويدعو الآخرين للخير، فيجعلُ له الرّحمنُ بين خلقِه وُدًّا.
نعم، إن هذه المعاني والأعمالَ الخيرةَ تحتاج من النَّفْسِ إلى صبرٍ ومصابرةٍ،
стр. 2322
لكنها تَلذُّ في النهاية - لمن وَفّقه اللهُ - فالمكارمُ مَنُوطةٌ بالمكارِهِ، والسعادةُ لا يُعْبَر إليها إلا على جسرِ المشقة .. ولكنها في النهاية تَلَذُّ وتصفو على حدّ تعبير الشاعر:
تَلَذُّ له المروءةُ وهي تؤذِي ... ومن يَعْشَقْ يَلَذُّ له الغرامُ
أيها الصائمون: تداركوا ما بقي من أيام رمضانَ، فالفرصُ الضائعةُ تُعوَّضُ، والفُرصُ الباقية يُعَضُّ عليها ولا يفرَّط في شيءٍ منها.
أيها المسلمون: وحين نصارحُ أنفُسَنا نقول: إن الهِممَ قد اعتراها حتى في شهرِ الصيام فتورٌ .. ولم يسلمِ الخَيِّرون - فضلًا عمّن سواهم - من هذا الفتور .. ودونكم نماذجَ لضَعفِ الهِمَم .. فمتى يحضرُ الصائمون لصلاة الجمعة؟ ! وكم عددُ الذين يَمكثون في المساجدِ بعد صلاةِ الفجرِ بالذِّكر والتلاوةِ؟ وأين الذين تمتلئُ بهمُ المساجدُ من بعد صلاة العصرِ إلى ما قبلَ الغروبِ .. هل زادتْ نوافِلُنا في رمضانَ؟ أم تعاظمت صدقاتُنا في شهر الإحسان؟ أين التبكيرُ للمساجد؟ إلى غير ذلك من أسئلة نجدُ في أنفسِنا حَرَجًا وضعفًا حين نريدُ الإجابةَ عنها.
عبادَ الله: إن من الفُرصِ في رمضانَ - بل وفي سائر العام - فرصةَ التوبةِ إلى اللهِ وهذه التوبةُ نُقصِّر في فَهمِها حين نظُنّها خاصةً بفئةٍ من المسلمين، بل هي عامةٌ، والدعوةُ فيها موجّهةُ للمؤمنين - فضلًا عن سواهم - وفي هذا يقول ربّنا ﵎: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١).
والإمامُ ابنُ القيِّم ﵀ عقد في كتابه «مدارج السالكين» فصلًا عن التوبةِ قال عنه: إنه من أنفع فصولِ الكتاب، والعبدُ أحوجُ شيءٍ إليه، وبه حصرَ اثني عشرَ
стр. 2323
نوعًا من المحرَّماتِ، وقال: إن عليها مدارَ كلِّ ما حرَّم اللهُ، وإليها انتهاءُ العالمِ بأسرهم إلا أتباعَ الرُّسل، وهذه الاثنا عشر قد يكون في الرجلِ أكثرُها وأقلُّها، أو واحدةٌ منها، وقد يعلمُ ذلك وقد لا يعلمُ، والتوبةُ النصوحُ إنما تكون بالتخلُّص منها والتحصين من مواقَعتِها .. ثم قال: ولا يستحقُّ العبدُ اسمَ (التائبِ) حتى يتخلّصَ منها، وهي: أجناسُ المحرّماتِ في كتاب الله .. وتلك هي الكفرُ، والشِّركُ، والنفاقُ، والفسوقُ، والعصيانُ، والإثمُ والعدوانُ، والفحشاءُ، والمنكرُ، والبغيُ، والقولُ على الله بغيرِ علمٍ، وإتباعُ غيرِ سبيلِ المؤمنين (١).
أيها المسلمون: إن التوبةَ كما قيل: وظيفةُ العمرِ، وبدايةُ العبدِ ونهايتُه، وأولُ منازلِ العبوديةِ، وأوسطُها وآخِرُها، لا يستغني عنها مسلمٌ، بل ينبغي أن تتجدَّد في حياته، وكلَّما أحدثَ معصيةً وذنبًا، أحدَثَ على إثرها توبةً وندَمًا واستغفارًا وما منّا إلا مفرّطٌ في واجبٍ، أو متساهلٌ في الكفّ عن محرّمٍ، وكلُّ ذلك محتاجٌ إلى توبةٍ. وما أحرانا معاشرَ المسلمين بالتوبةِ في شهرِ التوبةِ، وفي زمنٍ تُصفَّد فيه الشياطينُ، وتُفتحُ أبوابُ الجِنان.
إن مراجعةَ النفسِ مطلبٌ على الدوام، ولكنها تتأكدُ في مثل شهرِ الصيام - فهل نراجعُ أنفسَنا ونتوبُ إلى خالقِنا؟ ونستجيبُ لنداء خالقِنا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ (٢).
стр. 2324
الخطبة الثانية:
الحمدُ للهِ غافرِ الذّنْبِ، وقابلِ التوبِ، شديدِ العقاب، ذي الطّوْلِ، وأشهد أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له «يبسطُ يدَه بالليل ليتوبَ مُسيءُ النهار، ويبسط يدَه بالنهار ليتوبَ مسيءُ الليلِ، حتّى تطلعَ الشمسُ من مغربها» (١).
وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، أخبر وهو الصادقُ الأمينُ، أن الله أفرحُ بتوبةِ العبدِ من رجلٍ أضاع راحلَته وعليها متاعُه في أرضٍ فلاةٍ حتى أيسَ منها، فلما اشتدت حاجتُهُ إلى الشراب إذا بالراحلةِ عند رأسِه. اللهمّ صلِّ وسلّم عليه وعلى سائر الأنبياءِ والمرسلين:
إخوةَ الإسلامِ: وللتوبةِ فضائلُ كثيرةٌ، جاءتَ في آياتِ الكتاب وفي سنةِ المصطفى ﷺ ، والأمرُ بها يتكرّرُ على الأسماع، وقَلَّ من يستجيبُ .. ومن أخطائنا تأجيلُ التوبةِ، فقد يعلمُ المرءُ ذنبَه أو ذنوبَه، ولكنه يعيشُ على أملٍ خادعٍ لا يدري أيدركهُ أم تخرمه المنيةُ دونَه.
وحتى لو تمكّن من التوبةِ بعد حينٍ، فعليه ذنبُ التأخير.
قال ابنُ القيم ﵀: المبادرةُ إلى التوبة من الذنبِ فرضٌ على الفور، ولا يجوز تأخيرُها، فمتى أخّرَها عصى بالتأخير، فإذا تاب من الذنب بقي عليه توبةٌ أخرى، وهي توبةُ تأخيرِ التوبةِ .. وقَلَّ أن تخطرَ هذه ببالِ التائب (٢).
ويقول ابنُ الجوزيِّ ﵀ مخاطبًا الذين يؤخِّرون التوبةَ-: «يا بطّالُ، إلى كم تؤخّر التوبةَ، وما أنتَ في التأخير معذورٌ؟ إلى متى يُقال عنك: مفتونٌ مغرورٌ؟ يا مسكينُ قد انقضتِ أشهرُ الخير وأنت تَعدُّ الشهورَ، أتُرى مقبولٌ أنتَ
стр. 2325
أم مطرودٌ؟ أترى مواصلٌ أنت أم مهجورٌ؟ أترى تركب النُّجُبَ غدًا، أم أنت على وجهك مجرورٌ؟ أَتُرى من أهلِ الجحيم أنتَ أم من أرباب القُصورِ» (١).
إخوة الإسلام: ومن الأخطاء في التوبة تركُ التوبةِ مخافةَ لمزِ الناس له، أو سقوطِ جاهِه ومنزلتِه وذهابِ شهرتِه، وكلُّ ذلك وهمٌّ خادع، وخطأ فادحٌ - فاللهُ أحقُّ أن يُخشى، وأجلُّ مَنْ يُطاعُ، وأعظمُ من يُعصى، ومن يتّقِ اللهَ يجعلْ له مخرجًا، واللهُ يُحبُّ التوابين، والتوبةُ سبيلٌ للقوةِ والنماءِ وكثرةِ الأموالِ والبنين ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ (٢).
ومن أخطائنا في التوبة: التراخي بها والتمادي في الذنوبِ اعتمادًا على سَعَةِ رحمةِ اللهِ، وهذا الصنفُ من الناسِ - كما قال العارفون - يتعلَّقُ بنصوصِ الرجاء ويتّكِلُ عليها، وإذا عُوتبَ على الخطايا والانهماكِ فيها سَرَدَ لك ما يحفظُه من سَعَةِ رحمةِ الله ومغفرتِه ونصوص الرجاء، وللجُهال من هذا الضرب من الناس في هذا الباب غرائبُ وعجائبُ (٣).
ويضرب أبو حامدٍ الغزاليُّ ﵀ لهؤلاء مثلًا حين يقول: فهو كمن ينفقُ جميعَ مالِه ويتركُ نفسَه وعيالَه فقراءَ، منتظرًا من فضلِ اللهِ أن يرزقَه العثورَ على كنزٍ في أرضٍ خرِبة؟
ومَثلُه كذلك مثلُ من يتوقعُ النهبَ من الظَّلَمة في بلدِه، وقد ترك أموالَه وذخائرَه في صحن دارِه مكشوفةً مع قدرِته على دفنها، لكنه لم يفعل؛ بل قال: انتظرُ من فضل الله أن يُسلّط غفلةً أو عقوبةً على الظالم الناهبِ حتى لا يصلَ إلى
стр. 2326
داري، وإن وصل فأنا أنتظرُ أن يموتَ على باب داري .. إلى أن يقول: فمنتظر هذا كلِّه ممكنٌ .. ولكن المنتظرَ في غاية الحماقةِ والجهل، إذ قد لا يمكن ولا يكون (١).
إخوةَ الإسلام: وفي واقعنا المعاصر قد ترى شابًا أو كهلًا اقتنع بخطأ طريقِه، وهو يتمنّى التغييرَ، ويُفكرُ بالتوبةِ، لكنه ينتظر المناسبةَ للتوبة، كأن يموتَ له قريبٌ، أو يُصابَ هو بحادثٍ فيتّعظَ، ويهزُّه الموقفُ ويتذكّر الآخرةَ، ولكن ماذا لو كان هو الميتَ فاتّعظ به غيرُه، أو كان هذا الحادثُ الذي ينتظره فعلًا، لكن صارت فيه نهايتُه .. إذن فالأمر جِدّ خطِير، والتأخيرُ قد يحمل المفاجأةَ، والأمرُ لا يحتمل المخاطرةَ، والحزمُ والجِدُّ أن تقرّرَ التوبةَ حالًا، وأن تسلكَ طريقَ الاستقامةِ الآن، فلا تدري نفسٌ ماذا تكسب غدًا، وما تدري نفسٌ بأيِّ أرضٍ تموتُ.
عبادَ الله: وثمةَ شعورٌ خاطئٌ قد يغترُّ به بعضُ الناسِ، وقد يَمْنعُهم من تعجيل التوبةِ، وذلك حينما يقول أحدُهم: ما بالُنا نرى أقوامًا قد امتلأت فِجاجُ الأرضِ بمفاسدهم وظلمهِم وفجورهم؟ ! ومع ذلك نراهم وقد دُرَّت عليهم الأرزاقُ، وأُنسئت لهمُ الآجالُ، وهم بين الناس يعيشون في رَغَدٍ وأمانٍ، وهذا التصوُّر الخاطئُ فيه جهلٌ بسنن الله وآياتِه، فاللهُ يُمْهِلُ ولا يُهمِل، ولا يغترّ بإمهالِه إلا جاهلٌ، وهذا رسول الهدى ﷺ يُنذرُ ويحذِّر ويقول: «إن اللهَ ليُملي للظالم حتى إذا أخذَه لم يُفْلِتْهُ» ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (٢).
وفي الحديث الآخر قال ﵊: «إذا رأيتَ اللهَ يعطي
стр. 2327
العبدَ من الدنيا على معاصيهِ ما يحبّ، فإنما هو استدراجٌ، ثم تلا قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١).
وأنّى لهذا الظالم لنفسِه وللآخرين أن يفرَّ من عقوبة اللهِ، واللهُ يقول: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (٢).
وربما رأى العاصي سلامةَ بدنِه، فظن أن لا عقوبةَ، وغفلتُه عمّا عُوقبَ به وما ينتظرُه أقسى عقوبةً، بل ربما لو جالستَ هذا العاصي وسمعتَ إلى شيءٍ من همومه وضجرِه وضيقِه، لعلمت أن للمعصية ذُلًّا وضريبةً لا تكاد تُفارق العاصي وهو بعدُ في الدنيا، فكيف بالآخرة وصدق الله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (٣).
قال ابنُ الجوزيِّ ﵀: الواجبُ على العاقل أن يحذرَ مغبةَ المعاصي، فإنّ نارَها تحت الرّمادِ، وربما تأخّرت العقوبةُ، وربما جاءت مستعجلةً» (٤).
وقال بعضُ الحكماء: المعصيةُ بعد المعصيةِ عقابُ المعصيةِ، والحسنةُ بعد الحسنةِ ثوابُ الحسنةِ (٥).
إخوة الإسلام: أيها الصائمون، وختامًا أُذكِّر نفسي وإياكم وأقول: لئن ماتتِ الهِمَمُ أو ضعُفت في سائر العام فَحَريٌّ بها أن تحيى وتنشط في رمضان، ولئن تقاصرتِ النفوسُ عن المعالي وتخبّطت في دَرَك المعاصي في سائر الأيام،
стр. 2328
فأولى لها أن تسارعَ وتسابقَ إلى الخيراتِ في رمضانَ .. إن ليلَ المفرِّطين طويلٌ، وإن فجرَ المجتهدين مشرقٌ مبين .. وإذا كان تعدادُ السنينِ والشهورِ والأيامِ والساعاتِ واحدًا، فالفرقُ كبيرٌ في محصِّلتها واستثمارِها بين فئةٍ من الناس وأخرى.
وفرقٌ كذلك بين من يموتُ حين يموتُ والكائناتُ تُحسُّ بفقدِه، والخلقُ تتألَّم لفراقِه، وبين من قال الله عنهم ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ (١). واختر لنفسك أيها العاقلُ ما تشاءُ .. سدّدَ اللهُ خطاكَ على طريق الخيرِ، ورزقنا جميعًا هِمّةً عاليةً وتوبةً نصوحًا.
стр. 2329
حراسة الفضيلة (١)
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللهُ فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.
أيها المسلمون: المجتمعُ الفاضلُ هو الذي يحرسُ الفضيلةَ، ويُحاصر الرذيلةَ، والنبلاءُ والفضلاءُ - من الرجال والنساء - هم الذين يُنصِّبون أنفسَهم دعاةً للفضيلةِ، ويقاومون أسبابَ التَّفَسُّخ والتهتكِ والانحطاط الخُلقُي بكافة صورِه وأشكالهِ، ويفضحون رموزَ الفسادِ والانحلال، ويحذِّرون الأمةَ من آثارهم.
وما فتئَ العلماءُ والدعاةُ والمحتسِبون - قديمًا وحديثًا - يقومون بدورهم في بناءِ الأخلاقِ الفاضلةِ، والدعوة لها، ويحاربون الفسادَ، ويكشفون أوكارَ المفسدين والمبطلين، وتلك سنةٌ ماضية، فالأنبياءُ ﵈ دعاةٌ للفضيلة، وأعداؤهم يَعِيبونهم ويتهمونهم، بل ويحاربونهم على حراستها ﴿أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (٢)، ومنذ زمنٍ والأمة المسلمة مُبتلاةٌ بانحسار الفضيلةِ وانحطاطِ الأخلاق، وسَرَيان دعواتِ الانحلال والإباحيةِ، وفي مراحل
стр. 2330
الضعفِ وغلبة الشهواتِ، يوجدُ في بعضِ النفوس دواعي قَبول واستعدادٍ للسير في الأنفاقِ المظلمة، وإعطاء النفس حظَّها من المتعة، وإن كانت محرمةً، والنتيجةُ كما قال ربُّنا: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ (١).
عبادَ اللهِ: والمجالاتُ والأساليبُ التي تُحاصَرُ بها الفضيلةُ كثيرةٌ ومتنوعة، فالفضيلةُ تحاصَرُ في التعليم حين يختلط الرجالُ والنساءُ في المدارسِ والجامعاتِ أو سواها من مجالاتِ الحياةِ، وتُذبحُ الفضيلةُ في دعواتِ التبرُّج والسُّفور، وفي وسائل الإعلام، وحيث الطرحُ الهابطُ، والإسفافُ في الكتابةِ، تُخنقُ الفضيلةُ، ويتأذّى أصحابُها.
أما في القنواتِ الفضائية الماجنةِ فويلٌ للفضيلة من الرذيلةِ - وهناك تُصادَر الأخلاقُ والقيَمُ، ويُنزعُ الحياءُ، ويُصوَّر الخُلقُ والعفافُ بصورة التزمُّت والتطرُّف والتخلف عن رَكْبِ الحياةِ.
ومن مجالات محاصرةِ الفضيلة: الطروحاتُ الفكريةُ المنحرفةُ، وأصحابُ هذا الطرح لا يأبهون بتحطيم سياجِ الفضيلةِ، بل زيّن لهم الشيطانُ وأملى لهم أن ذلك ضربٌ من المدنيّةِ والحضارةِ، وصدق الله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (٢).
ومن مجالاتِ وأساليبِ محاصرةِ الفضيلةِ: إقامةُ الحفلاتِ الغنائيةِ الصاخبةِ، ومحاولةُ جرِّ الناسِ للاختلاط المَحمومِ.
ومنها السخريةُ بالدِّين عُمومًا وبالمتدينين خصوصًا، واعتبارُ الجلبابِ
стр. 2331
والحجاب واللِّحى، وعدمُ إسبالِ الثيابِ بقايا من تراث العصورِ المتخلِّفةِ ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ (١).
ألا ويحَ الذين يُحبون أن تشيعَ الفاحشةُ في الذين آمنوا، وما أولئك بنصَحَةٍ للأمة، ولا أوفياءَ لتاريخِهم وعقيدتِهم، وحسبهُم وعيدُ الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢).
إخوة الإيمان: ومن المصابيح المضيئةِ للفضيلةِ - والداعيةِ لمحاصرة الرذيلةِ كتابٌ خرج أخيرًا بعنوان «حراسة الفضيلة» وهو من تأليف العالمِ الفاضل الشيخ الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد، بارك اللهُ في علمِه وعمرِه وجزاهُ عن الإسلام والمسلمين خيرَ الجزاء، والكتابُ جُهدٌ مؤصِّل لقضايا الحجابِ وما يدور حولَه من اختلاطٍ وتبرُّجٍ وسُفورٍ وما قيلَ عنه مِن قِبَل الأدعياء أو المتعالِمين، يُفحِمُ الخصومَ بالحجة، ويحاصِر بالدليل المقنع من الكتاب والسُّنة والإجماعِ والقياس، لمن يبحث عن الحقِّ ويتحرَّى الدليلَ. لقد أدرك الشيخ (حفظه الله) الحاجةَ إلى تأليف هذا الكتابِ، في مثل هذا الزمنِ الذي تكاثرت فيه الطّروحاتُ، وتداخلت المُغرياتُ والمفسداتُ وكاد الحقُّ أن يختلط بالباطل، وزُلزل أهلُ الإيمان، من الرجال والنساءِ، ونطقَ السفيهُ وتكلَّمت الرُّويبضةُ وكثُر المفتون، ومما قاله في مقدمة الكتاب: إذًا لا بد من كلمةِ حقٍّ ترفعُ الضيمَ عن نساءِ المؤمنين، وتدفع شرَّ المستغربين المعتَدِين على الدين والأمةِ، وتُعلن التذكيرَ بما تعبَّدَ اللهُ به نساءَ المؤمنين من فرضِ الحجاب، وحفظِ الحَياءِ والعِفَّة والاحتشام والغيرةِ على المحارم، والتحذير مما حرَّم اللهُ ورسولُه من حربِ
стр. 2332
الفضيلة بالتبرُّج والسُّفور والاختلاط، وتَفْقَأُ الحِصْرمَ في وجوه خونةِ الفضيلة، ودعاةِ الرذيلة، ليقولَ لسانُ حالِ العفيفة:
إليكَ عنِّي إليكَ عنِّي ... فلستُ منكَ ولستَ منّي
وليثبِّت اللهُ من شاء من عباده على صيانةِ محارمِهم وصوْنِ نسائهم من هذه الدعواتِ، وإنه لا مجال لحملِ شيءٍ منهما محملَ إحسانٍ، لما يشاهدُه المسلمون من تيار الخلاعةِ والمجونِ والسُّفورِ، وشيوع الفاحشةِ في عامة المجتمعاتِ الإسلاميةِ التي سرتْ فيها هذه الدعاياتُ المضلِّلة. إلى أن يقولَ الشيخُ بكر حفظه الله: بل إن الصحافةَ تسفَّلت في النقيصة، فنشرت كلماتِ بعضِ المقبوحين بإعلانِ هوايةِ مقدِّمات البغاء مثل المعاكسةِ، وقولِ بعضِ الوضيعين إنه يَهوي معاكسة «بنات ذوي النَّسب» وهكذا من صيحاتِ التشرُّدِ النفسي والانفلات الخُلقي. الخ (١)
ومن المقدمة إلى فصولِ الكتاب - تجد الكاتبَ رعاه اللهُ - يأخذك أخذًا مؤصِّلًا نحو أصولِ الفضيلة العشرة، وهي:
١ - وجوبُ الإيمان بالفوارق بين الرجلِ والمرأة.
٢ - الحجابُ العام.
٣ - الحجابُ الخاص.
٤ - قرارُ المرأة في بيتها عزيمةٌ شرعيةٌ، وخروجها منه رخصة تُقدَّر بقدَرِها.
٥ - الاختلاط محرَّم شرعًا.
٦ - التبرُّج والسُّفور محرمان شرعًا.
٧ - لما حرَّم الله الزنا حرم الأسبابَ المفضيةَ إليه.
стр. 2333
٨ - الزواجُ تاج الفضيلة.
٩ - الأصل التاسع: وجوبُ حفظِ الأولاد عن البدايات المضِلَّةِ.
١٠ - وجوبُ الغيرة على المحارم وعلى نساء المؤمنين.
أما الفصلُ الثاني - من كتاب «حراسة الفضيلة» فبعنوان: كشف دعاةِ المرأة إلى الرذيلة، وبه ناقش المؤلفُ حفظه اللهُ خططَهم في:
أ- الحياة العامة، في مجال الإعلام، في مجال التعليم، في مجال العمل والتوظيف - علمًا بأن الفصلَ الأوَّل ردٌّ على الثاني - كما قال المؤلفُ.
ثم ختم المؤلفُ الكتابَ بالنقاط التاليةِ: توجيهُ النقد، تاريخُ نظريتي الحريةِ والمساواةِ، وآثارِهما التدميريةِ في العالم الإسلامي، إعادةُ المطالبِ المنحرفة بضرب الفضيلةِ في آخر معقل للإسلام، المتعيَّن إجراؤه تُجاهَ دعاةِ الرذيلةِ، والكتابُ بكلِّ حالٍ رسالةٌ مفتوحةٌ لكلِّ راغب حقٍّ، باحثٍ عن دليل.
إخوة الإيمان: تلك عناوين عامةٌ وسيجد القارئُ بداخلها من النصوصِ المقنعةِ والعرضِ المُقعَّد له، والمناقشة بهدوءٍ وعُمق - لكلِّ قضية، ما يشفى صدورَ المؤمنين، ويضع حجرًا، بل أحجارًا في أفواه المتطاولين.
ولذا، فإنني أنصحُ بقراءة الكتاب كلَّ مربٍّ ومربية، وشابٍّ وشابة، وأنصح الآباء والأمهاتِ، والمعلمين والمعلماتِ، والموظفين والموظفاتِ، وأربابَ الفكر، ورجالاتِ الإعلام، وأهلَ الفتوى .. أنصح هؤلاء جميعًا وغيرهم بقراءة هذا الكتاب والاستفادةِ منه، وإذا كنا لا ندَّعي العصمةَ لأحدٍ - سوى الأنبياء ﵈ فينبغي أن نقدرَ لأهل الفضلِ فضلَهم، ونشهدَ للمتميِّزين بتميُّزهم، ونثقَ بأهلِ الاختصاصِ إذا تحدثوا في تخصُّصهم، ونقولَ للمحسنِ: أحسنتَ ووفِّقتَ، ونقول للمسيء: أين أنت؟ ولقد أسأتَ.
стр. 2334
يا أهلَ الإيمان: استجيبوا لنداء ربكم ﴿كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ (١)، واستشعروا جميعًا مسئوليتكم في حراسةِ الفضيلة - وكلٌّ بحسبه - وويلٌ للفضيلة يوم تُنحَرُ على أيدي الأغرار، وفي مجتمعنا - بحمدِ اللهِ - ثُلَّةٌ كبيرةٌ من الأخيار، ألا واحذروا البداياتِ المضلَّة، فهي موصلةٌ للنهاياتِ المؤلمةِ، إذا لم تُعالج بحكمة ورويةٍ وحزمٍ وعزم، أذكِّرُ كلَّ مسئولٍ بعظمِ المسئوليةِ أمام اللهِ في الآخرة، أما في الدنيا فبناءُ الأخلاقِ سببٌ للبقاء، وانهيارُها سببٌ للفناء:
فإنما الأمم الأخلاقُ ما بقيت ... فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبُوا
وأبلغ من ذلك قولهُ تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (٢)، والمسئولُ اللبيبُ هو الذي يُميز بين الناصحين والمتآكلين.
يا أصحابَ الشهامةِ والمروءة: أخاطب فيكم شهامتكم إلا كنتم حُرّاسًا أوفياء للفضيلة، يا أصحابَ الأموال: إياكم أن تستخدموا أموالَكم لحرب الفضيلةِ، فتكون وبالًا عليكم وستسألون عمّا أنفقتم، يا أهلَ العلمِ والدعوةِ والفكر: بلّغوا ما اؤتمنتم عليه فستتعلَّق الأمةُ بكم أكثرَ منَ غيركم، وأنتم حملةُ الميثاقِ من ربِّ العالمين.
يا رجالاتِ الإعلام: احفظوا أمانةَ الكلمةِ ومسئوليةَ البلاغِ للناس، وكونوا من حملة رايةِ الفضيلةِ .. وإياكم أن تَجُرُّوا مجتمعَكم وأمَّتكم إلى مواخيرِ الأمم الأُميةِ في باب الأخلاقِ والقِيَم، وإن كانت رائدةَ الفضاءِ، سابقةً في المكتشفاتِ والمخترعات - ففرق بين هذا وذاك - ويخطئُ من يظن أن طريقَ اللحاقِ بهم تقليدُهم في كلِّ شيء.
стр. 2335
المفتون الأجلاء: وأنتم أدرى الناسِ بظروفِ الفتوى، وحالِ المستفتي، وما ينبغي قولُه أو تركُه في حالِ فسادِ الزمان، وشيوعِ الفتن، وحربِ الفضائيات للأخلاق والقِيَم، ونُعيذُكم أن تُنقلَ فتاواكم على غير ما أردتم، فتحصلُ الفتنةُ ويندسُّ أهلُ الريبِ مفسدين، وينخدع بذلك فِئَامٌ من المسلمين والمسلماتِ.
أيتها المرأةُ المسلمةُ: وأنتِ عنصرٌ مهمٌّ لحراسةِ الفضيلة عند أهلِ الإسلامِ، وفي المقابل بوابةٌ كبرى يُراهنُ عليها الأعداءُ والموتورون للفساد وإشاعةِ الفاحشة، والذي قامت السماواتُ بعدلهِ، ما أسلمَ ولا أسعدَ لَكُنَّ في الدنيا والآخرةِ من أن تُسلمنَ الوجهَ لله، والقيادةَ لمحمدِ بنِ عبد الله ﷺ ، ولا تلتفِتْنَ إلى الهَمَلِ دعاةِ الفواحشِ والأَفن.
ونحن وأنتمَّ مخاطبون جميعًا بقول ربِّنا: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (١).
стр. 2336
الوقت والإجازة (١)
الخطبة الأولى:
الحمدُ جعلَ الليلَ والنهارَ خِلْفةً لمن أراد أن يذّكر أو أراد شُكورًا، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريك له، أقسمَ بالوقت - في أكثر من موضع من كتابهِ - وفي ذلك إشارةٌ إلى قيمتِه والعنايةِ به، فقال تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ، وَالضُّحَى، وَالْعَصْرِ، وَاللَّيْلِ﴾.
وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، سطّر في سيرته جليلَ الأعمال في عُمرٍ لا يتجاوزُ الثالثةَ والعشرينَ عامًا ودعا أمتَه - في غير ما حديثٍ - إلى استثمار الأوقاتِ واستغلال الأعمارِ بما ينفع في الدنيا والآخرةِ.
اللهم صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائر الأنبياءِ والمرسلين، وارضَ اللهمّ عن أصحابِه والتابعين ومن تبعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٣).
عبادَ الله: ومن جميلِ النصائحِ وجليلِ الحِكَم، كتبَ عالمٌ إلى عالمٍ آخرَ مذكّرًا بقيمةِ الزمان وحفظِ الأوقاتِ، وليس المُذَكَّر بأقلّ من المُذكِّر، ولكنّ الذكرى تنفعُ المؤمنين.
стр. 2337
يقول الحسنُ البصريُّ في كتابٍ كتبه إلى عمرَ بن عبدِ العزيز - رحمهما الله - «لأصِفَنَّ لك الدنيا ساعةً بين ساعتين، ساعةٌ ماضيةٌ، وساعةٌ آتيةٌ، وساعةٌ أنت فيها، فأما الماضيةُ والباقيةُ فليس تجدُ لراحتهما لَذةً، ولا لبلائهما ألمًا، وإنما الدنيا ساعةٌ أنت فيها فخدعتكَ تلك الساعةُ عن الجنةِ وصيّرتك إلى النارِ، وإنما اليومُ - إنْ عقلتَ - ضيفٌ نزل بك وهو مرتحلٌ عنك، فإن أحسنتَ نُزُلَه وقِرَاه شهِدَ لك وأثنى عليك بذلك، وصَدَق فيك، وإن أسأتَ ضيافَتَه ولم تُحسنِ قِرَاه جال في عينيكَ .. إلى أن يقول: إن الذي بقي من العُمر لا ثمنَ له ولا عِدْلَ، فلو جُمعتِ الدنيا كلُّها ما عَدَلتْ يومًا بقيَ من عُمرِ صاحبهِ، فلا تَبعِ اليومَ ولا تعدِلْه من الدنيا بغير ثَمنهِ، ولا يكون المقبورُ أعظم تعظيمًا لما في يديك منك - وهو لك - فلعَمري لو أن مدفونًا في قبره قيل له: هذه الدنيا أولُها إلى آخِرها تجعلُها لولدِك من بعدكَ يتنعَّمون فيها من ورائك، فقد كنتَ وليس لكَ همٌّ غيرُهُم، أحبُّ إليك، أم يومٌ تُتْرَكُ فيه تعملُ لنفسِك لاختار ذلك .. بل لو اقتصر على ساعةٍ خُيّرَها، وما بين أضعافِ ما وصفتُ لك وأضعافِهِ، يكون لسواه إلا اختار الساعةَ لنفسِه على أضعافِ ذلك يكون لغيرِه، بل لو اقتصر على كلمةٍ يقولها تُكتبُ له، وبين ما وصفتُ لك وأضعافِه، لاختار الكلمةَ الواحدةَ عليه، فانتقدِ اليومَ لنفسِك، وأبصِرْه الساعةَ، وأعظم الكلمةَ، واحذرِ الحسرةَ عند نزول السّكرةِ».
عبادَ الله: ما أعظمَ الفرقَ بين هِمَمِنا وهِمَمِهم! وكم يبعدُ تفكيرُنا عن تفكيرهم؟ حتى ليخيَّلُ إليك أحيانًا - أن للقوم أهدافًا غير أهدافِنا - أو أن لنا غايةً غيرَ غايتِهم؟
كم تمضي علينا الساعاتُ والأيامُ - فضلًا عن الشهور والسنوات - ونحن في غفلة ساهون! وللأوقات مضيِّعون، وعن الآخرة غافلون .. وكم تخرج منا
стр. 2338
كلماتٌ لا نحسِب لها حسابًا، وقد توردُنا المهالكَ، وكم نبيعُ أغلى ما نملك - وهو الوقت بأبخس الأثمان! ! فنَفرحُ إذ نُزجيَه بالقيل والقال، والانبساط مع الأصحاب والشِّلل، دون فائدة تُذكرُ، والأدهى والأمَّرُّ إذا كان قضاءُ الأوقاتِ بما يَضُرّ في الدين والدنيا. إنك لتعجبُ غايَةَ العجب حين ترى من السلف عنايةً فائقةً بأوقاتِهم واستثمارها بما ينفعُ، إلى حدٍّ كانوا يُقلِّلون أوقاتَ الأكل، أو يعملون وهم يأكلون؟ وهذا أحدُهم يقول: وأنا أُقَصِّرُ بغايةِ جَهدي أوقاتَ أكلي حتى أختارَ سفَّ الكعكِ وتحَسِّيه بالماء على (أكل الخبز) لأجل ما بينهما من تفاوتِ المَضْغ، توفُّرًا على مطالعةٍ أو تسطيرِ فائدةٍ لم أُدركْها (١).
أيها المسلمون: وإذا كان الحديثُ يَطيب عن الوقت وأهمِّيتِه في حياة المسلم - في كلِّ وقتٍ - فماذا يُقال في الحديث عن الوقت في الإجازاتِ حين تُغلقُ المدارسُ، وتبدأ الإجازاتُ وتكثرُ السّفرياتُ؟
إن مجموعةً من التساؤلات تَرِدُ وتحتاج إلى إجابةٍ صادقة وواقعيةٍ، فإلى أيِّ شيءٍ يتطلّع جمهورُ الشباب في قضاء الإجازة؟ وبماذا تُفكّر الفتياتُ في استثمار وقتِ الفراغ؟ وماذا يدور في مخيّلةِ الأولياء نحو قضاءِ الإجازة، ما هي البرامجُ التي تتبناها المؤسساتُ التربويةُ وتسهمُ بها في استصلاح الشباب واستثمار أوقاتِ فراغِهم في عطلة الصيفِ؟ وهل تُعنى وسائلُ الإعلام ببرامجَ مفيدةٍ، وخاصةً في الإجازة لشريحةٍ مهمةٍ في المجتمع، بها تَصقلُ عقولَ الناشئةِ وتُحصِّنهم بإذن الله من التياراتِ الوافدةِ، وتملأُ فراغَهم بالنافع المفيدِ؟
ما الوسائلُ المشروعةُ التي يفكّر أصحابُ الأموالِ في استثمارها، حيث يسافرُ الناسُ ويحتاجون إلى خدمات؟
стр. 2339
وباختصار؛ ليسأل كلٌّ منا نفسَه بماذا يُفكِّر في هذه الإجازة، وما نصيبُ الآخرةِ؟ كيف تُقْضى الأوقاتُ، وتُنفقُ الأموالُ، وتحفظُ الطاقاتُ؟ إن أوقاتَنا وأموالَنا، وطاقاتنا أمانةٌ، وسوف نُسأل عنها.
إخوةَ الإسلام: وهناك ملاحظةٌ لا بد أن نَعِيَها، وهي تتعلّقُ بمحاضنِ التربيةِ، فمن المعلوم أنَّ المدرسةَ والبيتَ من محاضِن التربيةِ المهمةِ لأبنائنا وبناتِنا، وللحقِّ يُقال: إن المدرسةَ عونٌ للبيوت على تربية الأبناءِ والبناتِ - وذلك حين يتوفَّر معلِّمون ومعلِّماتٌ يُدركون واجبَهم في التربية وتهذيبِ السلوكياتِ ورعاية الأخلاقِ، بل ربما قيل: إن بعضَ البيوتِ تقومُ مسئوليةُ التربيةِ فيها على المدرسةِ وحدها. لكن المدرسةَ تُغلقُ الآن، فما حالُ التربيةِ في البيوت حين تنفرد في التربية؟ وهنا يقال: إن البيوتَ تتعاظمُ مسئوليّتُهَا، وربما انكشفتِ البيوتُ الضعيفةُ في التربية في حال غيابِ توجيهِ المدرسةِ، فأصبح الأبناءُ، وربما البناتُ، عالةً على المجتمع بالتجمعات الفارغةِ، والسهراتِ الصاخبةِ، والرحلاتِ الخارجيةِ، والسفرياتِ غيرِ المنضبطةِ، أو بكثرةِ خروج النساءِ إلى الأسواق دونما حاجةٍ، أو بقضاء معظمِ الوقتِ عبرَ سماعةِ الهاتف .. إنّ على رُعاة البيوتِ أن يُدركوا واجبَهم حين يغيبُ دورُ المدرسةِ، فهم أساسٌ في التربيةِ، والمدارسُ مكملةٌ لهم وليست بديلًا عنهم.
أيها المؤمنون: وحين يكون الحديثُ عن دورِ البيوتِ وأثرِها في التربية، فلا ينبغي أن نحمِّل المسئوليةَ كاملةً على الآباءِ والأمهاتِ، بل وعلى الأبناءِ والبناتِ الكبارِ كِفْلٌ من هذه المسئوليةِ لمساعدةِ آبائهم وأمهاتِهم .. وهنا عِتابٌ لطيفٌ أو همسةُ نُصْحٍ تُقال للشباب الملتزمِ والشاباتِ الملتزماتِ الذين يَضعفُ أثرُهم، أو يقلُّ عطاؤهم في بيوتِهم، إن من المؤسف - حقًّا - أن عددًا من الشباب يمتدُّ نفعُهم إلى كلِّ أحدٍ إلا أهلَ بيتهِ وعشيرتِه، فتراه يبخلُ عليهم بجلسةٍ نافعةٍ أو
стр. 2340
بهديةٍ قيمةٍ، وربّما مَنَّ عليهم بالذهاب بهم إلى قضاء حوائجِهم، أو زيارة أقاربهم، بينما تراه يتهللُ مع الأصحابِ ويفرح بخدمةِ الزملاء، وهنا غفلةٌ في مسئولية الدعوةِ في العشيرة والأقربينَ، وغفلةٌ عن احتسابِ الأجرِ لخدمةِ الأهل، والله يقول: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (١) فإذا كان هذا الخطابُ قيل لمن أُرسلَ للعالمين، فكيف بغيره؟ ! والنبيُّ ﷺ حين سأله سائلٌ وقال: من أبرّ؟ قال: «أُمك» قال: ثم مَنْ؟ قال: «أُمك» قال: ثم مَن؟ قال: «أُمك» قال: ثم مَنْ؟ قال: «أبوك» .. وبشكل عام، فالأقربون أولى بالمعروف، فهل يصحُّ مع هذه النصوص أن يُقدِّمَ بالدعوة والخدمةِ الآخرون على الوالدين والأقربين؟ ! إنها لفتةٌ وهمسةٌ لا تعني التقليلَ من الجهود الطيبةِ مع الآخرين .. لكن مراعاةِ الأقربين وتوجيهِ العنايةِ بمن يُظلُّهم سقفٌ واحدٌ من الأبوين والإخوةِ والأخواتِ.
وبكلِّ حالٍ، فالدعوةُ لنا جميعًا بقوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (٢).
стр. 2341
الخطبة الثانية:
الحمدُ لله ربّ العالمين، أمر بالعدل والإحسان ونهى عن الفحشاء والمنكر والآثامِ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريك له، كفى به حسيبًا ورقيبًا، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، ما فتئَ يوصي أُمتَه باغتنام الأوقاتِ بما ينفعُ، ويحذِّرهم ويذكِّرهم بالسؤالِ عن التفريط والإهمال، وهو القائل: «لا تزولُ قدَما عبدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسألَ عن عُمُرِهِ فيمَ أَفناهُ، وعن عِلْمِهِ فيمَ فعلَ، وعن مالِه من أين اكتسبَه وفيم أنفقَه، وعن جسمه فيم أبلاهُ» (١).
اللهمَّ صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياءِ والمرسلين.
إخوةَ الإسلام: وهناك مركزُ التربيةِ الدائم، وملتقى الإيمانِ، ومحضنٌ هامٌّ من محاضن التربيةِ للصغار، بل وللكبارِ .. لا يُغلَق أبدًا، ولا تنقطعُ رسالتُه في ليلٍ أو نهار .. ومع ذلك نغفلُ كثيرًا عن استثماره، وربما تجاوزناه إلى غيره وهو أعظمُ أهميةً .. إنها بيوتُ اللهِ مفتوحةٌ أبوابُها للكبار والصغارِ، والرجالِ والنساءِ، وأهلِ الحيِّ والزائرين، أو المسافرين والغرباءِ والمقيمين، فما هو أثرُ المسجد في الحيّ بشكلٍّ عام، وما البرامجُ التي يمكن أن يقومَ بها في إجازة الصيف مساهمةً في تربية أبنائنا وبناتِنا ورعايةً وتعليمًا للمحتاجين والوافدين؟ ما هي أنواعُ المسابقاتِ التي يمكن أن تنطلقَ من المسجد؟ إن في حفظ شيءٍ من كتابِ اللهِ أو سُنةِ نبيِّه ﷺ ، أو قراءةِ كتابٍ نافع .. أو صياغةِ مجموعةٍ من أسئلة نافعةٍ. يَعمُّ نفعُها للذكور والإناثِ والصغارِ والكبار .. وتكون جزءًا من رسالة المسجدِ .. هل يتعاون جماعةُ المسجدِ على معرفةِ أهلِ الحوائج في حيِّهم
стр. 2342
ويسدّوها، ويتعرفون على المقصِّرين في الصلاة فيهدون لهم النُّصحَ والتوجيهَ؟ هل تنظِّم الجهاتُ الرسميّةُ - على الأقلِّ في الصيف - دوراتٍ نافعةً للأطفالِ وأخرى للشبابِ، وثالثةً للنساء، ورابعةً لإخواننا الوافدين، لتعليمهم ما يحتاجون إليه؟
إن على الأئمة كِفْلًا من المسئولية للتفكير في عدد من الوسائل تَندرجُ ضمن رسالةِ المسجد، والتنسيقِ مع جهة الاختصاص فيما يحتاج إلى تنسيق، وعلى جماعة المسجدِ أن يكونوا عونًا له، فالتعاون على الخير مطلبٌ، وهو أساسُ النجاح، وإن المساجدَ أهلٌ لأن تكونُ مناراتِ توجيهٍ وإرشادٍ في الأحياء، فهل أدّتِ المساجدُ دورَها في الأحياء؟ وهل تنتهي مهمةُ المسجد عند قضاءِ الصلواتِ؟ مع عِظَمَ هذه الشعيرة، ولكنّ صلاةَ الجماعةِ والتِقاءَ المسلمين كلَّ يومٍ خمسَ مراتٍ حَرِيٌّ بأن يُستثمرَ لنشر الخيرِ وسدِّ الحوائج والنهي عن المنكر.
ولقد كان مسجدُ رسولِ الله ﷺ متعددَ الأغراضِ والنفع، فيه كان يقيم الغرباءُ، وبه كان يُداوي الجرحى، وبه يُربطُ الأسراءُ، وبه يُنفقُ على الفقراء، ومنه تنطلق راياتُ الجهادِ، وبه تُعقدُ حِلَقُ العلم، وبه يَتشاورُ المسلمون فيما يحتاجون إلى مشورة، بل وبه يُنشدُ الشعرُ دفاعًا عن الإسلام، وبه كانت تَأوي النساءُ اللائي أسلمن من أحياء العربِ ولم يَجدنَ مأوىً غير المسجد (١).
إلى غير ذلك من مهام جليلةٍ - انحسر معظمُها في مساجدنا اليوم وهي محتاجةٌ إلى البعث والتجديد.
إخوة الإيمان: وما أروعَ الأمرَ حين يكون مسجدُ الحيِّ ملتقى للناشئة، من خلاله يقرؤون ويتحلَّقون ويتعلَّمون، ومن خلاله يتسابقون ويتنافسون .. فيصطبغُ
стр. 2343
في قلوبهم حبُّ المساجدِ منذُ الصِّغر، ويعلمون آدابَ المسجدِ، وأحكامَ الصلاةِ، ونحوَها من معارفَ وآدابٍ وأخلاقٍ.
إن أحياءَ رسالةِ المسجدِ مسئوليةٌ لا يتحمّلُها الإمامُ وحدَه - وإن كان دورُه كبيرًا - بل هي مسئوليةُ جماعةِ المسجد، ومسئوليةُ الجهاتِ المسئولةِ عن المساجد .. ويوم أن تتضافرَ الجهودُ، فيبذلُ العالمُ من علمِه، ويشاركُ المربي في تربيته، وينفق الغنيُّ من ماله، ويشارك أهلُ الرأي برأيهم .. يومها سيغدو للمسجد شأنٌ آخر، وستتخرج أجيالٌ من المسجد كما تخرَّجت الأجيال الأولى، وسينعم أهلُ الحيّ بالهدوء والسكينةِ، وتنتهي التجمعاتُ الفارغةُ، والعبثُ بالسيارات وإيذاءُ المارّة.
إنها دعوةٌ لتفعيل دورِ المسجد لأكثر من غَرَض، فهل نبدأُها من هذه الإجازة؟
إخوة الإسلام: ومجالاتُ الخير أو فُرَصُ استثمار الوقتِ في هذه الإجازة كثيرةٌ متنوعةٌ - وما مضى قليلٌ من كثير - فالتفرغُ لحفظ كتابِ الله أو شيءٍ منه في هذه الإجازة مطلبٌ نفيسٌ .. والمطالعةُ في كتب العلم النافعةِ وتحصيلُ العلم مع الإخلاص قربةٌ إلى الله - وهو مما تُحفظُ به الأوقاتُ. والمساهمةُ في الدعوة إلى الله، إن في الحيِّ، أو في القرى النائيةِ، أو في بلادِ المسلمين القريبةِ أو البعيدةِ .. كلُّ ذلك جهادٌ في سبيل الله ودعوةٌ إلى دينه، والمساهمةُ في المراكزِ الصيفيةِ إشرافًا أو مشاركةً بهدف الإصلاح والاستصلاحِ كذلك يُعدُّ ثغرةً من ثغراتِ الدعوة، يحتاج إلى احتسابٍ وتجديد في الوسائل، واستصحابُ المسافر معه مجموعةً من الكتيبات، والأشرطةِ النافعة وتوزيعُها على المحتاجين عملٌ طيبٌ، وله آثارُه النافعةُ بإذن الله، وحين يقوم الشابُّ في العمل وظيفيًا، أو بيعًا وشراءً في هذه الإجازة لتأمين حوائجه والاستغناءِ عن المسألة .. بل والتفكير لإحصان نفسِه بالزواج مستقبلًا .. كلُّ ذلك رجولةٌ وشهامة، وقد كان خِيرةُ
стр. 2344
الخلقِ يأكلون من كسب أيديهم، إلى غير ذلك من وسائل يمكن أن يُستثمرَ بها الوقتُ في الإجازة، وهذا عامّ للرجال والنساء والموظفين ورجالاتِ الأعمال، والصغارِ والكبارِ .. ولهؤلاء جميعًا يُقال: احذروا من البطّالين ولصوصِ الأوقات، فإنهم من أعظم الأسباب لضياع العمرِ وقتلِ الأوقات - وهم ينشطون ويكثرون في الإجازات - وهؤلاء قد حذَّر منهم قبلنا العارفون، وشكي منهم ابنُ الجوزيِّ ﵀، فقد عقد في كتابه «صيد الخاطر» فصلًا في (أهل الفراغ بلاءٌ) فراجعه إن أردتَ معرفةَ ذلك.
اللهمَّ ألهمْنا رُشدَنا، وأعِنّا على استثمار أوقاتِنا بما ينفع، ولا تجعلِ الدنيا أكبر هَمّنا ولا مبلغَ عِلمنا.
стр. 2345
نحن وأهل الكتاب (١)
الخطبة الأولى:
الحمدُ لله ربّ العالمينَ، يهدي من يشاءُ ويضلُّ من يشاءُ، ومن يهدي اللهُ فما له من مضلٍّ، ومن يُضلل فليس له من سبيل.
وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له مقاليدُ السماواتِ والأرضِ، وله الخلقُ والأمر، تبارك الله ربُّ العالمين.
وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، بعثه اللهُ رحمةً للعالمين، ورسالتُه للناسِ كافّةً، وأخذ اللهُ له الميثاقَ على النّبيين بالإيمان والتصديق والنُّصرة له حين يُبعثُ، وكذلك أُخِذَ الميثاقُ على الأنبياءِ لتبليغ أُمِمهم بهذا الميثاق .. فمن أطاع محمدًا فقد أطاع الأنبياءَ ووفى بالميثاق، ومن عصاه ضلّ وهو في عدادِ الناقضين للميثاق، واقرءوا إن شئتمَ قولَه تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٢).
أيها المسلمون: المعركةُ بيننا وبين أهلِ الكتابِ من اليهود والنّصارى معركةٌ قديمةٌ متجدِّدة، والعداوةُ متأصِّلةٌ باقيةٌ حتى يدخلَ أحدُنا في دين الآخر ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ (٣).
وهذه المعركةُ لها سلاحان: سلاحٌ ماديٌّ يختلفُ ويتجدّد باختلاف العصور،
стр. 2346
فمن الحَرْبة والسيف إلى الدّبابة والمدفعيةِ والطائراتِ المقاتلةِ، وأنواعِ الأسلحةِ الحديثةِ، ونحن وإيّاهم في هذا السلاحِ نتناوبُ النصرَ والهزيمةَ، فتارةً نغلبُهم ونحطِّمُ قُواهُم - كما حصَل في فتراتٍ من التاريخ - وتارةً يغلبونَنا ويُذلِّون أعزاءنا ويقهروننا ويحتّلون أرضَنا ويسيئون إلى مقدساتنا - كما هو واقعٌ اليومَ - ولكن السلاحَ الآخرَ وهو السلاحُ المعنويُّ - سلاحُ الفكرِ والعقيدةِ - وما يَنتجُ عنه من حقٍّ أو باطلٍ - هذا السلاحُ لنا فيه الغلبةُ والتفوقُ قديمًا وحديثًا.
حكمَ القرآنُ بتفوّقِنا وصحّةِ دينِنا وحكَم على أهل الكتاب بالكذب وتلبيس الحقائق وكَتْمِ الحقِّ .. فقال عنّا وعن ديننا: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (١)، وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢)، وقال عن أهل الكتاب: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٤).
أجل؛ لقد خاطب اللهُ علماءَ أهلِ الكتاب ناهيًا لهم عن تحريف الحقِّ وكتْمِه والتلبيسِ بالباطل فقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٥).
وقرّر سبحانه - وهو أعلمُ بما تخفي صدورُهم - بمعرفتهم للحقّ الذي جاء به محمدٌ ﷺ وإن خالفوه - فقال: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (٦).
стр. 2347
عبادَ اللهِ: إنّ عقيدَتنا - معاشرَ المسلمين - مع كونِها الأحقَّ والأجدرَ بالبقاءِ، وهي الرسالةُ الأخيرةُ للبشر .. فهي أوسعُ وأرحبُ من الأديان والعقائد الأخرى .. فنحن نؤمن بالأنبياء جميعًا، ونُجلُّهم ونقدّرُهم .. ونؤمنُ كذلك بما أُنزل عليهم ونعتقد أنه - قبل التحريف - من عند الله يجبُ الإيمانُ به والتصديقُ، أما غيرُنا من اليهود والنصارى فيضيق أُفقُهم، ويؤمنون ببعض الكتابِ ويكفرون ببعضٍ، ويعظّمون أنبياءَ إلى حدِّ عبادِتهم من دون اللهِ .. ويعتدون على آخرين ظلمًا وعدوانًا بالسبِّ والتُّهم الباطلةِ والتكذيبِ، بل وصل الأمرُ بهم إلى قتْل بعضِهم، فضلًا عن تكذيبهم ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ (١).
أما نحن - معاشرَ المسلمين - فأحدُ أركانِ الإيمان عندَنا الإيمانُ بالكتب السماويةِ المنزَّلةِ، وبالرُّسل المرسلَةِ من اللهِ، وفي كتابنا العزيز: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (٢).
أيها المسلمون: وهناك حقيقةٌ لا بد أن نُدركَها وهي أنّ رفضَ أهلِ الكتاب للحقّ الذي يُمثّله دينُنا ليس سببُه الجهلَ دائمًا، بل قد يعلمون الحقَّ - ولا سيَّما العلماء منهم - ويُصرُّون على الباطل، وفي «صحيح البخاري» من حديثِ أبي سفيانَ وقصة نزوله عند هرقلَ - زعيمِ الروم - ما يكشفُ هذه الحقيقةَ بجلاءٍ .. وقد قال هرقلُ زعيم النصرانيةِ حينها، لزعيم الوثنيةِ حينها أبي سفيانَ: إن كان ما تقولُ حقًّا فسيملكُ موضعَ قدميَّ هاتين، وقد كنتُ أعلمُ أنه خارجٌ، لم أكن أظنّ أنه منكم، فلو أني أعلم أني أَخلصُ إليه لتجشّمتُ لقاءَه، ولو كنتُ عِندَه لَغَسَلْتُ عن قدمِه (٣).
стр. 2348
بل قال هرقلُ لعظماء الرومِ من بني قومِه: هل لكم في الفلاح والرُّشد، وأن يُثبَّتَ ملكُكم فتبايعوا هذا النبيَّ؟
ومع ذلك كلِّه، فقد ظل هرقلُ وعظماءُ الروم على نصرانيتِهم الباطلةِ وحاربوا الدّينَ الحقَّ .. وكانت معركةُ (مؤتة) بين المسلمين والنصارى والرسولُ ﷺ لا زال حيًا .. ثم استمر النصارى في صراعٍ مع المسلمين حتى قضوا على دولتِهم وملكوا موضعَ قدمَي هرقلَ، وغادر الشامَ منهزمًا أمام جند المسلمين، وهو يقول: «سلامٌ عليكِ يا سوريةَ لا لقاءَ بعدَه».
واليوم، ومع ضعفِ المسلمين وغَلبةِ أهلِ الكتابِ غلبةً ماديةً .. لا نشكُّ أنه يوجدُ من أهل الكتابِ من يعلمُ الحقَّ الذي يمتلكُه المسلمون وإنّما كتمانُ الحقِّ يتكررُ ويتجددُ بين أهل الكتابِ، ولكن مهما طال ليلُ الظالمين فستنكشفُ الحقيقةُ، وينبلجُ الصبحُ مؤذنًا بنصرةِ الحقِّ وأهلِه، وهزيمةِ الباطلِ وأنصارِه .. ولكن ذلك كذلك مرهونٌ بنصرةِ المسلمين لدينهم وثبَاتهم على حقِّهم وتمسُّكِهم بعقيدتهم ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (١)، ﴿وَكَانَ حقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٣).
إنّ كُتَبَ أهل الكتابِ - التي لم تُحرّفْ - تشهدُ على هذه الحقيقةِ، وتعترفُ بحقِّ المسلمين، وباللعنةِ والغضبِ على اليهود والنصارى .. وقديمًا أُقيمت الحجةُ على أهل الكتابِ من خلال كتبهم، وتحدّاهم الرسولُ ﷺ بقوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٤)، ثم ظهرت بعد قرون من وفاة النبيِّ ﷺ كتبٌ تردُّ على النصارى في دعواهم، وتكشفُ ما في كتبهم من تحريفٍ ومغالطات وتَستدلُّ بما لم يُحرَّفْ منها على الحقِّ الذي جاء به الرسولُ ﷺ ..
стр. 2349
وكان كتابُ شيخ الإسلامِ ابنِ تيمية ﵀ «الجوابُ الصحيح لمن بدّل دينَ المسيح» حجةً على القوم .. وردًا على المبطلين .. وكشفًا للحقيقة أمام المصنفين.
واليوم ظهرت دراساتٌ تكشفُ عن هذه النبوءات في التوراة، وتشير - فيما تشير إليه - إلى قربِ نهايةِ دولةِ إسرائيل - والعلمُ عند اللهِ - ولعلّ من أواخر هذه الدراساتِ وأحدثِها كتابٌ بعنوان «يومُ الغضب هل بدأ بانتفاضة رجبِ؟ » (١). وهو: قراءةٌ تفسيريةٌ لنبوءات التوراةِ عن نهاية دولةِ إسرائيلَ، وهي مأخوذةٌ من كتب القومِ وأسفارِهم، وفي مقدمة الكتابِ قال المؤلفُ: إن التوراةَ لا تدلُّ فحسب على أن قضيةَ الجنديِّ الصهيونيِّ غيرُ عادلةٍ، بل تدلّ على أنّ من الواجب عليه أن يُقاتل في الصف المقابلِ، كما تفرضُ على المستوطِن أن يعلمَ أن قدومَه إلى هذه الأرضِ، إنما هو لاستنزالِ عقوبةِ اللهِ وإحلالِ غضبهِ عليه، فلا أقَلّ من أن يرحلَ.
ثم يقول المؤلفُ: «إنني أنصحُ كلَّ يهوديٍّ في أرضنا المحتلةِ ألّا يدَعَ التوراةَ حِكْرًا على محترفي الكِهانة الذين يَحصلون على إعفاءٍ مجّاني من الخدمةِ العسكرية، بينما هو يُقدِّم نفسَه من أجلها وأجلِهم، إنني أنصحه أن يقرأها ولكن بعقلهِ ووعيهِ لا بشروحاتهم وتأويلاتهم، وسيرى الحقيقةَ التي لا بد للعالم كلِّه أن يراها عمّا قريب».
وفي الكتاب الأنف نصوصٌ وشواهدُ من كُتب القوم تشهدُ على كذبِ اليهودِ والنصارى في دعواهم الحقَّ في قضيتهم، وتكشفُ عن الزيف في النبوءات التي يُروّجها كهنةُ الأصوليين من اليهود والنصارى .. بل وفيه كذلك ما يشهد لنبوءات
стр. 2350
المسلمين عن نهاية اليهودِ وهزيمةِ المسلمين لهم.
ومن التوقع أن يكون لهذا الكتابِ أثرُه عند الباحثين عن الحقّ من أهل الكتابِ، لاسيّما وقد بدأت ترجمةُ الكتاب إلى اللغة الإنجليزيةِ، وسواء وقع الأثر الإيجابيُّ وانتفع به أو بغيره اليهودُ والنصارى أو لم ينتفعوا، فالحقُّ ظاهرٌ بإذن الله بوعدِ اللهِ، واللهُ لا يُخلفُ الميعادَ، أعوذ بالله ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (١).