فمن الحَرْبة والسيف إلى الدّبابة والمدفعيةِ والطائراتِ المقاتلةِ، وأنواعِ الأسلحةِ الحديثةِ، ونحن وإيّاهم في هذا السلاحِ نتناوبُ النصرَ والهزيمةَ، فتارةً نغلبُهم ونحطِّمُ قُواهُم - كما حصَل في فتراتٍ من التاريخ - وتارةً يغلبونَنا ويُذلِّون أعزاءنا ويقهروننا ويحتّلون أرضَنا ويسيئون إلى مقدساتنا - كما هو واقعٌ اليومَ - ولكن السلاحَ الآخرَ وهو السلاحُ المعنويُّ - سلاحُ الفكرِ والعقيدةِ - وما يَنتجُ عنه من حقٍّ أو باطلٍ - هذا السلاحُ لنا فيه الغلبةُ والتفوقُ قديمًا وحديثًا.
حكمَ القرآنُ بتفوّقِنا وصحّةِ دينِنا وحكَم على أهل الكتاب بالكذب وتلبيس الحقائق وكَتْمِ الحقِّ .. فقال عنّا وعن ديننا: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (١)، وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢)، وقال عن أهل الكتاب: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٤).
أجل؛ لقد خاطب اللهُ علماءَ أهلِ الكتاب ناهيًا لهم عن تحريف الحقِّ وكتْمِه والتلبيسِ بالباطل فقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٥).
وقرّر سبحانه - وهو أعلمُ بما تخفي صدورُهم - بمعرفتهم للحقّ الذي جاء به محمدٌ ﷺ وإن خالفوه - فقال: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (٦).
стр. 2347
عبادَ اللهِ: إنّ عقيدَتنا - معاشرَ المسلمين - مع كونِها الأحقَّ والأجدرَ بالبقاءِ، وهي الرسالةُ الأخيرةُ للبشر .. فهي أوسعُ وأرحبُ من الأديان والعقائد الأخرى .. فنحن نؤمن بالأنبياء جميعًا، ونُجلُّهم ونقدّرُهم .. ونؤمنُ كذلك بما أُنزل عليهم ونعتقد أنه - قبل التحريف - من عند الله يجبُ الإيمانُ به والتصديقُ، أما غيرُنا من اليهود والنصارى فيضيق أُفقُهم، ويؤمنون ببعض الكتابِ ويكفرون ببعضٍ، ويعظّمون أنبياءَ إلى حدِّ عبادِتهم من دون اللهِ .. ويعتدون على آخرين ظلمًا وعدوانًا بالسبِّ والتُّهم الباطلةِ والتكذيبِ، بل وصل الأمرُ بهم إلى قتْل بعضِهم، فضلًا عن تكذيبهم ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ (١).
أما نحن - معاشرَ المسلمين - فأحدُ أركانِ الإيمان عندَنا الإيمانُ بالكتب السماويةِ المنزَّلةِ، وبالرُّسل المرسلَةِ من اللهِ، وفي كتابنا العزيز: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (٢).
أيها المسلمون: وهناك حقيقةٌ لا بد أن نُدركَها وهي أنّ رفضَ أهلِ الكتاب للحقّ الذي يُمثّله دينُنا ليس سببُه الجهلَ دائمًا، بل قد يعلمون الحقَّ - ولا سيَّما العلماء منهم - ويُصرُّون على الباطل، وفي «صحيح البخاري» من حديثِ أبي سفيانَ وقصة نزوله عند هرقلَ - زعيمِ الروم - ما يكشفُ هذه الحقيقةَ بجلاءٍ .. وقد قال هرقلُ زعيم النصرانيةِ حينها، لزعيم الوثنيةِ حينها أبي سفيانَ: إن كان ما تقولُ حقًّا فسيملكُ موضعَ قدميَّ هاتين، وقد كنتُ أعلمُ أنه خارجٌ، لم أكن أظنّ أنه منكم، فلو أني أعلم أني أَخلصُ إليه لتجشّمتُ لقاءَه، ولو كنتُ عِندَه لَغَسَلْتُ عن قدمِه (٣).
стр. 2348
بل قال هرقلُ لعظماء الرومِ من بني قومِه: هل لكم في الفلاح والرُّشد، وأن يُثبَّتَ ملكُكم فتبايعوا هذا النبيَّ؟
ومع ذلك كلِّه، فقد ظل هرقلُ وعظماءُ الروم على نصرانيتِهم الباطلةِ وحاربوا الدّينَ الحقَّ .. وكانت معركةُ (مؤتة) بين المسلمين والنصارى والرسولُ ﷺ لا زال حيًا .. ثم استمر النصارى في صراعٍ مع المسلمين حتى قضوا على دولتِهم وملكوا موضعَ قدمَي هرقلَ، وغادر الشامَ منهزمًا أمام جند المسلمين، وهو يقول: «سلامٌ عليكِ يا سوريةَ لا لقاءَ بعدَه».
واليوم، ومع ضعفِ المسلمين وغَلبةِ أهلِ الكتابِ غلبةً ماديةً .. لا نشكُّ أنه يوجدُ من أهل الكتابِ من يعلمُ الحقَّ الذي يمتلكُه المسلمون وإنّما كتمانُ الحقِّ يتكررُ ويتجددُ بين أهل الكتابِ، ولكن مهما طال ليلُ الظالمين فستنكشفُ الحقيقةُ، وينبلجُ الصبحُ مؤذنًا بنصرةِ الحقِّ وأهلِه، وهزيمةِ الباطلِ وأنصارِه .. ولكن ذلك كذلك مرهونٌ بنصرةِ المسلمين لدينهم وثبَاتهم على حقِّهم وتمسُّكِهم بعقيدتهم ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (١)، ﴿وَكَانَ حقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٣).
إنّ كُتَبَ أهل الكتابِ - التي لم تُحرّفْ - تشهدُ على هذه الحقيقةِ، وتعترفُ بحقِّ المسلمين، وباللعنةِ والغضبِ على اليهود والنصارى .. وقديمًا أُقيمت الحجةُ على أهل الكتابِ من خلال كتبهم، وتحدّاهم الرسولُ ﷺ بقوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٤)، ثم ظهرت بعد قرون من وفاة النبيِّ ﷺ كتبٌ تردُّ على النصارى في دعواهم، وتكشفُ ما في كتبهم من تحريفٍ ومغالطات وتَستدلُّ بما لم يُحرَّفْ منها على الحقِّ الذي جاء به الرسولُ ﷺ ..
стр. 2349
وكان كتابُ شيخ الإسلامِ ابنِ تيمية ﵀ «الجوابُ الصحيح لمن بدّل دينَ المسيح» حجةً على القوم .. وردًا على المبطلين .. وكشفًا للحقيقة أمام المصنفين.
واليوم ظهرت دراساتٌ تكشفُ عن هذه النبوءات في التوراة، وتشير - فيما تشير إليه - إلى قربِ نهايةِ دولةِ إسرائيل - والعلمُ عند اللهِ - ولعلّ من أواخر هذه الدراساتِ وأحدثِها كتابٌ بعنوان «يومُ الغضب هل بدأ بانتفاضة رجبِ؟ » (١). وهو: قراءةٌ تفسيريةٌ لنبوءات التوراةِ عن نهاية دولةِ إسرائيلَ، وهي مأخوذةٌ من كتب القومِ وأسفارِهم، وفي مقدمة الكتابِ قال المؤلفُ: إن التوراةَ لا تدلُّ فحسب على أن قضيةَ الجنديِّ الصهيونيِّ غيرُ عادلةٍ، بل تدلّ على أنّ من الواجب عليه أن يُقاتل في الصف المقابلِ، كما تفرضُ على المستوطِن أن يعلمَ أن قدومَه إلى هذه الأرضِ، إنما هو لاستنزالِ عقوبةِ اللهِ وإحلالِ غضبهِ عليه، فلا أقَلّ من أن يرحلَ.
ثم يقول المؤلفُ: «إنني أنصحُ كلَّ يهوديٍّ في أرضنا المحتلةِ ألّا يدَعَ التوراةَ حِكْرًا على محترفي الكِهانة الذين يَحصلون على إعفاءٍ مجّاني من الخدمةِ العسكرية، بينما هو يُقدِّم نفسَه من أجلها وأجلِهم، إنني أنصحه أن يقرأها ولكن بعقلهِ ووعيهِ لا بشروحاتهم وتأويلاتهم، وسيرى الحقيقةَ التي لا بد للعالم كلِّه أن يراها عمّا قريب».
وفي الكتاب الأنف نصوصٌ وشواهدُ من كُتب القوم تشهدُ على كذبِ اليهودِ والنصارى في دعواهم الحقَّ في قضيتهم، وتكشفُ عن الزيف في النبوءات التي يُروّجها كهنةُ الأصوليين من اليهود والنصارى .. بل وفيه كذلك ما يشهد لنبوءات
стр. 2350
المسلمين عن نهاية اليهودِ وهزيمةِ المسلمين لهم.
ومن التوقع أن يكون لهذا الكتابِ أثرُه عند الباحثين عن الحقّ من أهل الكتابِ، لاسيّما وقد بدأت ترجمةُ الكتاب إلى اللغة الإنجليزيةِ، وسواء وقع الأثر الإيجابيُّ وانتفع به أو بغيره اليهودُ والنصارى أو لم ينتفعوا، فالحقُّ ظاهرٌ بإذن الله بوعدِ اللهِ، واللهُ لا يُخلفُ الميعادَ، أعوذ بالله ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (١).
стр. 2351
الخطبة الثانية:
الحمدُ لله ربِّ العالمينَ، أحمَدُه تعالى وأشكُره وهو أهلُ الثناءِ والحمدِ، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له في رُبوبيتهِ وأُلوهيتهِ وأسمائِه وصفاتِه، وأشهد أنّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وخِيرَتُه من خلْقِه وخاتَمُ رسلهِ وأنبيائه، اللهمَّ صلِّ وسلّم عليه وعلى سائر الأنبياءِ والمرسلين.
أيها المسلمون: واستكبارُ أهلِ الكتاب عن الحقِّ، وبُهتُ اليهودِ خاصّة، ليس وَليدَ الساعةِ، بل وقع في أيام الإسلامِ الأولى والرسولُ ﷺ حيٌّ يتلو ما أُوحي إليه، ويُخبرُ أهلَ الكتابِ بأنبيائهم وما نزلَ عليهم.
وإذا استثنينا طائفةً من اليهود والنصارى فتحَ اللهُ على قلوبهم واتّبعوا الحقَّ، وكانت أعينُهم تفيض من الدّمع إذا سمعوا من أُنزل على الرسولِ ﷺ ، وهم الذين قالوا: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ (١). ومنهم الذين إذا تلي عليهم القرآن يخرون للأذقان سجدًا ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (٢).
إذا استثنينا هذه النماذجَ المؤمنةَ المصدّقة، فالأكثريةُ من أهل الكتاب كفروا واستكبروا كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٣).
معاشر المسلمين: ودعونا نتوقفُ عند شاهدِ بني إسرائيل، كيف شَهِد؟ وعلى ما شهد؟ وما موقفُ قومِه من شهادته؟
стр. 2352
قال ابنُ كثيرٍ ﵀: وهذا الشاهدُ اسمُ جنسٍ يَعُمّ عبدَ اللهِ بنَ سلامٍ ﵁ وغيره (١).
وعبدُ اللهِ بنُ سلامٍ هذا واحدٌ من علماءِ اليهود وأحبارِهم شاء اللهُ له أن يكونَ في عِداد المسلمين، وأن يكشف سوءاتِ ومغالطاتِ اليهودِ، وقد شهد لمحمدٍ ﷺ بصدق الرسالةِ، وشهد على قومه بالبُهت والمُكابرة والكذبِ.
وقصتُه - كما في «صحيح البخاري» - عن أنسٍ ﵁: أن عبدَ الله بنَ سلام أتى إلى رسولِ الله ﷺ مَقْدَمهُ إلى المدينة فقال: إني سائلُك عن ثلاثٍ لا يعلمُها إلا نبيٌّ: ما أولُ أشراطِ الساعةِ؟ وما أولُ ما يأكلُه أهلُ الجنّةِ؟ ومِن أين يُشبهُ الولدُ أباه وأُمَّه؟
فقال: «أخبرَني بهنّ جبريلُ آنفًا». قال: ذاك عدوُّ اليهودِ من الملائكة. قال رسولُ الله ﷺ : «أمّا أولُ أشراطِ الساعة: فنارٌ تخرجُ من المشرقِ فتَحشُرُ الناسَ إلى المغربِ، وأما أولُ ما يأكلُه أهلُ الجنةِ: فزيادةُ كَبِدِ الحوتِ، وأما الشَّبَهُ: فإذا سبق ماءُ الرجلِ نَزَعَ إليه الولدُ، وإذا سبق ماءُ المرأةِ نزَعَ إليها». قال: أشهد أنك رسولُ الله، وقال: يا رسولَ الله، إن اليهودَ قومٌ بُهْتٌ، وإنهم إن يعلموا بإسلامي بَهتوني، فأرسِل إليهم فسَلْهم عنّي - يعني قبل أن يعلموا بإسلامي - فأرسل إليهم فقال: «أيُّ رجلٍ ابنُ سلامٍ فيكم؟ ». قالوا: حَبْرُنا، وابنُ حَبْرِنا، وعالِمُنا وابنُ عالِمنا، قال: «أَرأيتُم إن أسلمَ تُسلمونَ؟ ». قالوا: أعاذَه اللهُ من ذلك، قال: فخرج عليهم عبدُ الله، فقال: أشهدُ أنْ لا إله إلا الله وأن محمدًا رسولُ اللهِ، فقالوا: شَرُّنا وابن شرِّنا، وجاهِلُنا وابنُ جاهِلنا. فقال: يا رسول الله، ألم أُخبرْك أنهم قومٌ بُهت (٢).
стр. 2353
إخوة الإيمان: ونستفيد من هذه الحادثةِ عدةَ دروسٍ، منها: أولًا: أن أهلَ الكتابِ منهم مَن يسمعُ الحقَّ ويستجيبُ للدعوة؛ كعبدِ اللهِ بن سلامٍ، والنجاشيِّ، وأمثالِهم من مؤمني أهلِ الكتاب.
ومنهم - وهم الغالبيةُ - من يستكبرُ حتى ولو ظهر الحقُّ له، وهم الذين قال الله عنهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (١). وأولئك أفحمَهم القرآنُ وجادلهم الرسولُ ﷺ في عقائدهم، وما أنزل اللهُ في كتبهم، ولكنهم ظلّوا في غيِّهم سادِرين، وعن اتّباع محمدٍ ﷺ رافضين، وفي سورة آلِ عمرانَ والنساءِ والمائدةِ وغيرِها نماذجُ لهذه المحاورةِ المُفحِمة، ومن يضللِ اللهُ فما له من هادٍ، أولئك لم تنفع معهم البيّنةُ، وأولئك الذين قال الله عنهم: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَذينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٢).
ثانيًا: هناك فرقٌ بين عداوة المشركين من أهل الكتاب، وبين دعوتهم للحقِّ، فعداوتُهم من مقتضياتِ الوَلاءِ والبراءِ، والله نهانا أن نتَّخذهم أولياءَ، والحبُّ في اللهِ والبُغضُ في الله أوثقُ عُرى الإيمان.
أما دعوتُهم، فَذلك لإبراء الذّمةِ من جانبٍ، ولقطع الحُجّةِ عليهم ببيان الحقِّ من جانبٍ آخر، وتلك كان يمارسُها الرّسولُ ﷺ معهم، بل ويَدخلُ عليهم كنائسَهم من أجلها.
روى الحاكم وصحّحه ووافقه الذهبيُّ من حديث عوفِ بن مالكٍ ﵁ قال: انطلق نبيُّ الله وأنا معه حتى دخلنا كنيسةَ اليهودِ، فقال: «أروني يا معشَر يهودَ
стр. 2354
اثني عشرَ رجلًا يشهدون أن محمدًا رسولُ الله، يَحطُّ اللهُ عنكم الغضَبَ». فأُسكِتوا، ثم أعاد عليهم، فلم يُجبْه أحدٌ، قال: «فواللهِ لأنا الحاشرُ وأنا العاقبُ، وأنا المصطفى، آمنتُم أو كذّبتم». فلما كاد يخرجُ قال رجلٌ: كما أنت يا محمدُ، أيُّ رجلٍ تعلموني فيكم؟ قالوا: ما فينا أعلم منك، قال: فإني أشهدُ بالله أنه نبيُّ اللهِ الذي تجدونه في التوراةِ، فقالوا: كذبت، فقال رسولُ الله ﷺ : «كذبتُم». قال الراوي: فخرجنا ونحن ثلاثة وأُنزلت: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ﴾ (١).
ثالثًا: ونستفيد من هذه الحوادثِ والمروياتِ أنّ أسفارَ أهلِ الكتابِ التي لم تُحرَّفْ تدعو أهلَ الكتابِ للإيمان بمحمدٍ ﷺ واعتناقِ الإسلامِ، وترْكِ اليهوديةِ والنصرانيةِ، فأنبياءُ بني إسرائيلَ، بشّروا ببعثةِ محمدٍ ﷺ قبل أن يُبعثَ، وأخذوا على قومِهم لئن بُعث محمدٌ ﷺ وهم أحياءٌ ليؤمنُنّ به ولينصرُنَّه .. وإبراهيم ﵇ وهو أبو الأنبياء من بني إسرائيلَ، ما كان يهوديًّا ولا نصرانيًّا، ولكن كان حنيفًا مسلمًا .. ويعقوبُ ﵇ كانت وصيَّتُه لأبنائه حين حضرتْه الوفاةُ، وكان اعترافُ أبنائه له بالعبودية للهِ وحدَه أنهم مسلمون للهِ .. فأين يذهبُ أهل الكتاب إذا كانت كُتبهم المنزلةُ تدعوهم إلى الإسلام .. وأنبياؤهم يُوصونَهم حتى المماتِ بالإسلامِ .. إنها حُجَجٌ قاطعة، وإلزامات ما لهم عنها من خَلاصٍ ولا محيص، ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذبَ وأولئك لا يفلحون.
رابعًا وأخيرًا: وكما يوجد عند أهلِ الكتابِ استكبارٌ عنِ الحقِّ وعِنادٌ عن دخول الإسلامِ - إلا مَن رحمَ اللهُ - فثمّةَ ضعفٌ عند المسلمين في دعوتِهم ومجادلتِهم بالحُسنى - دون تنازلٍ عن شيء من الحقِّ .. بل وبأسلوب يُقنعون به
стр. 2355
الخصمَ، وإذا استكبر العالِمون المنتفعون فثمّةَ طوائفُ من عوامِّ أهلِ الكتابِ لا يعرفون الحقيقةَ وأولئك جَديرون بالدعوةِ، وإذا قيل للرسول: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ (١)، فليس غيرُ الرسولِ بُملزَمٍ بما فوق البلاغِ، فهل يا تُرى يستجمعُ المسلمون طاقتَهم الفكريةَ وأدلّتَهم الناصعةَ لدعوة أهلِ الكتاب .. إن ذلك سيقلبُ ميزانَ القُوى، وسينقذ اللهُ به أقوامًا من الضلالة إلى الهُدى.
стр. 2356
فتنة الشهوة (١)
الخطبة الأولى:
إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللهُ فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، اللهم صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.
إخوةَ الإسلام: منذُ قديم الزمانِ وحديثِه، وهناك نوعان من الفتن تتعرَّض لهما النفوسُ المسلمةُ، ولا سلامة منها إلا بالاعتصام بكتاب اللهِ، وهَدْي المصطفى ﷺ ، ومجاهدةِ النفس وترويضِها، ومغالبتِها على اتباع الحقِّ ورفضِ الباطلِ، هاتان الفتنتانِ هما: فتنةُ الشهواتِ، وفتنةُ الشُّبهاتِ.
تتعلَّق الأولى بالبطون والفروج غالبًا، وتتعلَّقُ الثانيةُ بالعقول والقلوبِ كثيرًا، وإليهما جاء التحذيرُ الإلهيُّ في الكتاب العزيز بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ (٢). وبقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ﴾ (٣).
عباد اللهِ: ولا تزال هاتان الفتنتان في الناس، فتُفسدُ فتنةُ الشُّبهاتِ عقولَ أقوامٍ وتُزيِّنُ لهمُ القبيحَ، وتصدُّهم عن سبيل اللهِ وسبيلِ المؤمنين، وإن كانوا
стр. 2357
يَرونَ أنهم يُحسنون صنعًا .. وتعمى قلوبُ هؤلاء عنِ الحقِّ، وإن كان عند غيرِهم أبلجًا، وفي هذا النوع من الفتن يجد الشيطانُ مرتعًا خصبًا، وتتكاثرُ الخواطرُ الشيطانيةُ، وتُولِّد الشُّبهةُ شبهةً أخرى .. وهكذا، نسألُ اللهَ السلامةَ من الفتن.
وأصحابُ هذه الفتنةِ -كما قال ابنُ القيّم ﵀ مركبُهم القِيلُ والقالُ، والشكُّ والتشكيكُ، وكثرةُ الجدالِ، ليس لها حاصلٌ من اليقين يُعوَّل عليه، ولا معتَقدٌ مطابقٌ للحقّ يُرجع إليه، يوحي بعضُهم إلى بعض زُخرفَ القول غرورًا، اتخذوا لأجل ذلك القرآنَ مهجورًا، وقالوا من عند أنفسِهم، فقالوا مُنكرًا من القول وزورًا، فهم في شكِّهم يَعمهون، وفي حَيرتهم يتردَّدون، اتبعوا ما تتلوا الشياطينُ على أَلْسنةِ أسلافهم من أهل الضلال، فهم إليه يتحاكمون، وبه يتخاصمون .. قد ضلُّوا من قبلُ وأضلُّوا كثيرًا وضلُّوا عن سواء السبيل (١).
وهنا حديثٌ يطولُ عن هذا النوع من الفتن، وليس هذا موطنَ بسطِه، ولكن الحديثَ اليومَ عن فتنة الشهواتِ وآثارِها، وصرعها وسُبل النجاةِ منها، وأخصُّ من ذلك شهوةَ الفروج، وقد يكون المفتونون بهذا النوع أكثرَ في زمنٍ كثُرت فيه المغرياتُ، وتفنَّن أصحابُ الشهواتِ في اقتناص المسلمين والمسلماتِ ..
أجل، لقد عَملتِ القنواتُ الفضائيةُ وغيرُها من وسائل الإعلامِ المنحرفةِ الأخرى عمَلَها في نشر الرذيلةِ، وتحطيم جُدُرِ الفضيلة، ووأْدِ الحياءِ، وتوارى الخُلقُ الكريم في عددٍ من البرامجِ .. بل صار التنافسُ المحمومُ لتقديم مادةٍ إعلاميةٍ تستهوي المشاهدين والمستمعين، حتى ولو كانت على حساب الدّين والخُلُق والمروءة والحياءِ، وفي ظل هذه الإثاراتِ تُستفزُّ المشاعرُ، وتُثارُ الغرائزُ.
стр. 2358
ولا يسلمُ من الوقوع في هاوية الرذائل إلا من عصمَه اللهُ، وأدرك خطورةَ المشاهدةِ أولًا، وخطورةَ الاستجابةِ لما بعد المشاهدةِ ثانيًا.
عبادَ الله: إنني أخاطبُكم جميعًا، ذُكرانًا وإناثًا، صغارًا وكبارًا .. واسمحوا لي أن أَخُصَّ بالخطاب أكثر الشبابَ والشاباتِ، فهم أكثرُ من غيرهم تأثُّرًا، والمروِّجون للفسادِ يُراهنون عليهم أكثر من غيرهم .. وحين أخصُّ هؤلاء وأخاطبكم جميعًا، أقفُ الوقفاتِ الثلاث التاليةِ في سبيل دَرْءِ الخطرِ، والتحصُّن من آثار هذه الفتنةِ:
الوقفة الأولى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ (١).
إنه أصدقُ خطابٍ وأرحمُ خطاب، يوجِّهه الرحمنُ الرحيمُ، والخلاقُ العليمُ لمن خلقَ، وهو أعلمُ بمن خَلقَ، إن في غضِّ الأبصار، وحفظِ الفروج تزكيةً للنفوس، وطهارةً للقلوب ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (٢).
وحين يعالج المرءُ نفسَه على غضّ بصرِه عمّا حرم اللهُ عليه، يورثه اللهُ حلاوةً في قلبه، ويَسلمُ من منغّصاتِ هذه النظرةِ وآثارِها، والمتأمّل في الآيةِ يرى البدءَ بغضِّ البصَرِ قبل حفظِ الفرج؛ لأن البصرَ رائدٌ للقلب، كما قيل:
ألم ترَ أن العينَ للقلبِ رائدٌ فما تألفُ العينانِ فالقلبُ آلفُ
قال العارفون: البصرُ هو البابُ الأكبرُ إلى القلب، وأعمرُ طرقِ الحواسِّ إليه، وبحسبِ ذلك كثُرَ السقوطُ من جهتِه، ووجب التحذير منه (٣).
ألا فاحذر يا عبدَ الله، وجاهدْ نفسَك عن النظرةِ المحرّمةِ، فإن الشيطانَ يريد منك ما بعدَها، وإذا كنتَ تنفرُ من كلمة الزنا وتَستوحشُ من آثارها - وحُقَّ لك ذلك - فهل علمتَ أن النظرةَ المحرَّمة زنا العينين، وفي «صحيح» مسلم قال ﷺ :
стр. 2359
«إنّ اللهَ كتبَ على ابنِ آدمَ حظَّه من الزنا، أدركَ ذلك لا محالةَ؛ فالعينانِ تَزنيانِ وزناهُما النظرُ» الحديث.
وكم تخون النظرةُ، وكم يُعظِّم الشيطانُ المنظورَ. ولو لم يكن بذاك، قال مجاهد ﵀: «إذا أقبلتِ المرأةُ جلسَ الشيطانُ على رأْسِها فزّينها لمن ينظرُ، فإذا أدبرتْ جلس على عَجُزها فزيَّنها لمن ينظر» (١).
وكم تُفسد النظرةُ المحرَّمة في القلب! .
قال خالدُ بنُ أبي عمران: «لا تُتْبِعنَّ النظرةَ النظرةَ، فربما نظر العبدُ نظرةً نَغِلَ منها قلبُه - أي فَسَدَ - كما يَنْغِل الأديمُ فلا يُنتفعُ بهِ» (٢).
بل إنّ الناظرَ يُرْمى بسهامِ النظرِ قلبُه من حيثُ يشعر أو لا يشعرُ، قال الشاعر:
يا راميًا بسهام اللَّحْظِ مجتهدًا ... أنتَ القتيلُ بما يُرمى فلا تُصِبِ
وباعثُ الطّرْفِ يرتادُ الشفاءَ له ... تَوَقَّه إنه يأتيكَ بالعَطَبِ (٣)
ونقل القرطبيُّ ﵀: أن الشعبيَّ ﵀ كرِهَ أن يُديمَ الرجلُ النظرَ إلى ابنتهِ أو أُمه أو أختِه. ثم قال القرطبي - وزمانه خيرٌ من زماننا هذا -: وحرامٌ على الرجل أن ينظرَ إلى ذاتِ مَحْرَمهِ نظرَ شهوةٍ يردِّدها (٤). وماذا يقولان لو علما ما سيكون في زماننا؟ !
أيها المسلمون: إن الإسلامَ يهدفُ إلى إقامةِ مجتمعٍ نظيف لا تُهاج فيه الشهواتُ في كلّ لحظةٍ، ولا تُستثارُ فيه دفعاتُ اللّحم والدّم في كلّ حين، فعملياتُ الاستثارةِ المستمرة تنتهي إلى سعار شهواني لا ينطفئ ولا يرتوي، أما النظرة الخائنة والحركةُ المثيرةُ، والزينة المتبرجةُ، والجسمُ العاري فهذه كلّها لا
стр. 2360
تصنع شيئًا إلا أن تُهيِّج ذلك السُّعار الحيوانيَّ المجنونَ، وإلا أن يَفْلِتَ زِمامُ الأعصابِ والإرادةِ، فإما الإفضاءُ الفوضويُّ الذي يضع النطفةَ في غير موضِعها، وإما الأمراضُ العصبيةُ والعقد النفيسةُ الناشئةُ من الكبح بعد الإثارة (١).
وما أعظم توجيه الخبير: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فَرُوجَهُنَّ﴾ (٢) الآية.
عباد الله: ومهما أطنبَ الخطباءُ، أو تحدث العلماءُ عن النظرة المحرَّمة وآثارِها، وعن حفظِ الفروج وسُبِلِها، فلن يبلغوا مبلغَ القرآن في دقّةِ تعبيرِه، وإيجازِ كلماتِه .. والخطابُ فيه للرجل والمرأة جميعًا.
إن التحذيرَ من آثار النظرةِ، والأمرَ بغضِّ الأبصار، وحفظِ الفروج، تتأكدُ الحاجةُ إليه في زمنٍ بات المسلمُ مبتلًى بما يرى مِنْ مشاهدَ مثيرةٍ، فالأفلامُ والصورُ الهابطةُ تغزو البيوتِ، والنساءُ الكاسياتُ العارياتُ تمتلئُ بهن الأسواقُ والمجمّعاتُ العامة، وسلطانُ الحياءِ قلّ عند بعض الرجالِ والنساء، ولباسُ الحشمةِ صار أمرًا مستغرَبًا عند بعضِ النساءِ، والحجابُ بات عند بعضهنّ عائقًا عن الحياة مقيِّدًا لحركة المرأةِ - زعموا - وراموا نشرَ الرذيلةِ باسم الحريةِ والتبعيةَ باسم التقدمِ! !
وصنفٌ آخرُ من النساء بات الحجابُ عندهم فنًّا للزينةِ، تعرضُه اليومَ بشكلٍ، ثم تختار غدًا شكلًا آخر، وهكذا، ولم يعدِ الحجابُ حجابًا مشروعًا .. بل
стр. 2361
سبيلًا للإثارة والزينة والفتنة، والمصيبةُ إذا استنوقَ الجملُ وطغى سلطانُ النساءِ، وضعُفت قِوامةُ الرجلِ، فلا تسأل حينها عن المفاسدِ والفتن!
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١).
стр. 2362
الخطبة الثانية:
الحمدُ للهِ حمدًا كثيرًا طيبًا مُباركًا فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهم صلّ وسلِّم عليه وعلى سائرِ الأنبياء والمرسلين.
عبادَ اللهِ ..
الوقفة الثانية: «يا معشرَ الشبابِ من استطاعَ منكمُ الباءةَ فليتزوج، فإنه أغضُّ للبصَرِ، وأحصنُ للفرجِ، ومن لم يستطعْ فعليهِ بالصومِ، فإنه له وِجاءٌ».
إن الزواجَ رحمةٌ ومودّةٌ واستجابةٌ للفطرة، وتهذيبٌ للغرائز، ووضع للبَذْرِ في منبتِه .. به تتكاثرُ الأمةُ، وبه تُغضُّ الأبصارُ وتُحفظُ الفروجُ.
إنه تاجُ الفضيلةِ، وسُنةُ الأنبياءِ والمرسَلين ﵈ وسبيلُ المؤمنين، واستجابةٌ لأمر اللهِ: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (١).
عظّم اللهُ شأنَه، وسمَّى عَقْدَه: ﴿مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (٢).
وجعله آيةً من آياته؛ إذ به جعل بين الغريبيْنِ البعيدين مودةً ورحمةً وسُكنى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣).
إن الزواجَ يرفعُ من عيشِ البطالةِ والفتنةِ، إلى معاش الجِدّ والعِفّة، وبالإعراض عن الزواج - لمن قَدِرَ عليه - ينقرضُ النسل، وتُطفأ مصابيحُ الحياةِ، وتُقبضُ العِفّة.
стр. 2363
عبادَ الله: ومن أقوى العللِ للإعراض عنِ الزواج، تفشّي أوبئة السُّفور والتبرُّج والاختلاط؛ لأن العفيفَ يخاف من زوجةٍ تستخفُّ بالعفاف والصّيانة، والفاجرُ يجد سبيلًا محرَّمًا لقضاءِ وَطَرِه متقلبًا في بيوت الدَّعارة - نسألُ اللهَ العافيةَ لنا ولإخواننا المسلمين - ومن هنا قال العارفون: إن مكافحةَ السَّفور والتبرُّج والاختلاطِ واجبٌ لمكافحةِ الإعراض عن الزواج (١).
معاشرَ الشبابِ - وإذا استطعتمُ الباءةَ - فلا تتردَّدوا في الزواج مخافةَ الفقر من جَرّاءِ الزوجةِ والعِيال، فسوف يُغنيكم اللهُ من فضلِه، وفي التنزيل: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٢).
معاشرَ الشباب: إن خطاب الرسول ﷺ لكم يحمل الدعوة ويفسر الهدف ويضع البديل والوجاء «يا معشر الشباب منِ استطاعَ منكم الباءةَ فليتزوج؛ فإنه أغضُّ للبصر، وأحصنُ للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصومِ؛ فإنه له وِجَاءٌ» (٣). وفي حديث آخر: «تزوّجوا؛ فإني مكاثِرٌ بكم الأُممَ، ولا تكونوا كرهبانية النصارى» (٤).
معاشرَ الأولياء: وأنتم مخاطَبون، بل مأمورونَ من اللهِ بإنكاح الأيامى - وهم من لا أزواجَ لهم من رجالٍ ونساء ثيِّباتٍ وأبكارٍ (٥)، يقول تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ (٦).
الوقفة الثالثة: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٧).
стр. 2364
معاشرَ الشبابِ: وتلك هي الوصيةُ الثالثةُ لكم، وهذا حكمُ العاجزِ عن النكاح - لسببٍ أو لآخرَ - أمرَه الله أن يستعِفَّ، أي: يكفَّ عن المحرَّم، ويفعلَ الأسبابَ التي تكفُّه عنه، من صرف دواعي قلبه بالأفكار التي تخطرُ بإيقاعِه فيه (١).
معاشرَ الشباب: ومهما بلغت دواعي الشهوةِ، ومثيراتُ الفتنِ، ووسائلُ الإغواءِ والإغراءِ، فمن يتَّقِ اللهَ يجعل له مَخرجًا، ومن يَستعفَّ يُعفَّه اللهُ، ومن يستغنِ يغنِه اللهُ.
وما أروع المسلمَ - عمومًا والشبابَ خصوصًا - وهو يتعالى عن مثيراتِ الفتنةِ، ويحفظُ فرجَه عن الحرام، ويستخدمُ نظرَه في الحلال.
قال العارفون: إن العبدَ إذا حفظ فرجَهُ وبصرَه عن الحرام ومقدِّماتِه مع دواعي الشهوةِ، كان حفظُه لغيره أبلغَ، ولهذا سمّاه اللهُ حافظًا: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ (٢). واعتبر ذلك من صفات المؤمنين.
إنّك لتُسَرُّ غايةَ السُّرور حين ترى طائفةً من الشباب يغضّون أبصارَهم تعفُّفًا وحياءً، وتستحي النساءُ المتبرجاتُ منهم بل تخافُهُم، فضلًا عن أن تُراودَهم على أنفسِهم، مع أن هؤلاء الشبابَ في مرحلةِ هَيَجان الغريزةِ، ولديهم رغبةٌ في النساء، لكنه العفافُ كَفَّهم وآثارُ الصلاح والتُّقى، به اللهُ حرَسَهم، اللهم زِدهم عفافًا وتُقًى، وأَغنهم من فضلك، وعوِّضهم بالحلال عن الحرام ..
وإذا كان ربُّك يَعجبُ من شابٍّ ليست له صبوةٌ، فأحَدُ الثلاثةِ الذين لا يُكلِّمهمُ اللهُ يومَ القيامةِ ولا يُزكيِّهم ولا يَنظرُ إليهم .. شيخٌ زانٍ (٣)، وفي مقابل
стр. 2365
ذلك فإنك لتعجبُ غايةَ العجبِ حين ترى كهلًا أو شيخًا كبيرًا لا يزال يُتبعُ النظرةَ النظرةَ، ويحقِّقُ النظرةَ في مواطنِ الزينةِ والشهوة في المرأةِ، مع أن لديه ما يُغنيه ويقضي وطَرَه - لكنها الفتنةُ وضعفُ الدِّيانة - نسألُ اللهَ يَعصمَ هؤلاء ويكفيَهم بما رزقهم، كما نسألُ اللهَ لنا ولإخواننا المسلمين السلامةَ من الفتن، ومنكراتِ الأقوالِ والأفعال.
أيها المسلمون: وهكذا يواجهُ الإسلامُ مشكلةَ الفتنةِ لشهوةِ الفروج مواجهةً عمليةً، فيُرشدُ عمومًا إلى غضِّ الأبصار، وحفظِ الفروجِ، ويأمرُ القادرين بالزواج لتتمَّ لهمُ العفةُ والحصانةُ المشروعةُ، وليحقِّق بالزواج المقاصدَ العظيمةَ، ويوجِّه العاجزين عن الزواج لأيّ سببٍ من الأسباب إلى الاستعفاف، حتى تتهيأَ لهم فرصُ الزواجِ. ويمنعُ من مقارفة وسائلَ أخرى كالزنا واللواط ونحوِها، ويحيط ذلكَ بأوصافِ الفاحشةِ والآثام وانتكاسِ الفِطر، في حين أنه يُثيبُ على قضاء الشّهوة في إطارها المشروع، ويَجزي بالحسنى على غَضِّ الأبصار وحِفظِ الفروج، فهل تَرون تنظيمًا يُداني أو يقاربُ هذا التنظيمَ الربانيَّ؟ ألا إنه يَستحقَّ الاستجابةَ، ويدعو وبواقعيتِه إلى العِفَّة والفضيلة.
стр. 2366
الجريمة مظاهر وعلاج (١)
الخطبة الأولى:
أسبابٌ ومقترحات
إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللهُ فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.
عبادَ الله: وقعَ في يدي مجموعةٌ من قُصاصاتٍ لعدد من الصُّحُفِ المحليةِ تحملُ عناوينَ مثيرةً، وتتضمنُ صيحاتٍ مُحذرةً، وتلتمسُ حلولًا لمشكلةٍ بدأت، وظواهرَ أطلَّتْ، حَرِيّةٌ بأن تُعالجَ وتُدرسَ قبلَ استفحالِ الخطرِ وشيوعِ الجرائمِ والفتنِ، وليس يُجدي أن نتجاهلَ ما يقعُ، ونَدُسَّ رءوسَنا في الرمالِ وكأننا لا نرى ولا نسمعُ.
ومن بين هذه العناوينِ المثيرةِ:
مُترفونَ يتحرَّشونَ بالفتياتِ عُنوةً (٢).
ضبطُ أشرطةِ فيديو تدعو للتنصيرِ في جدة (٣).
стр. 2367
ممارسةُ التهورِ ليس احتفالًا بالعيد (١).
ظاهرةُ الانتحار إلى أين؟ (٢).
التُّجارُ الحراميةُ يسرقونَ بثقةٍ لعدمِ تواجدِ رجالِ الأمنِ في الموقع (٣).
يتورطُ فيها المراهقون .. مُشادّةٌ كلامية تحفرُ قبرًا (٤).
منتحرُ جدة يلفظُ أنفاسَه الأخيرةَ (٥).
بدرية قتلت والدها بمساعدةِ أمّها ودفنته في الصحراءِ (٦).
إلى غير ذلك من أحداثٍ مؤلمةٍ، تكاد تنحصرُ أخبارُها في حدود أسبوعين فقط؟ حقًّا إنها عناوينُ مثيرةٌ، وأحداثٌ وممارساتٌ غريبةٌ على مجتمعنا، ولا تَمُتُّ بأدنى صلةٍ إلى قيمِنا وتعاليمِ إسلامِنا، نعم إن نزغاتِ الشيطانِ تجمَعُها .. ولكنها تخفي وراءها مسبباتٍ وأدواءَ وظواهرَ لا بد من دراستِها ولا بد من الجدِّيةِ في علاجها.
إنها خليطٌ من الفسادِ الخُلُقيِّ، والتهوُّرِ السلوكيِّ، والعنفِ المحموم، والسطوِ على حقوق الآخرين، والدعوةِ للرذيلة، بل وللأديانِ الباطلةِ، وفيها من ضعفِ الوازع الديني والعقوقِ لأصحابِ الحقوقِ ما لا يمكن وَصفُه، بل ويَصعبُ تصورهُ لولا أن الأحداثَ أثبتَتْهُ.
معاشرَ المسلمين: إننا جميعًا معنيونَ ومسئولون عن معالجةِ هذه الظواهر الغريبة .. ولكن قبلَ العلاج لا بد من استكمالِ توصيفِ الظاهرةِ ومعرفةِ أسبابها .. فما هي يا تُرى أبرزُ الأسبابِ لمثلِ هذه الظواهرِ المرفوضةِ؟
стр. 2368
إن البعضَ يتساءلُ: ألسنا في بلدٍ محافظٍ، فكيف يقعُ مثل هذه؟ !
وأقولُ: نعم، إن مجتمعَنَا - بعمومِه - محافظٌ والحمدُ لله، ويستنكرُ مثلَ هذه الممارساتِ، وهذه المظاهرُ لا تمثلُ المجتمعَ .. ولا تلغي محافظتَه .. ولكن قد يكون للثراءِ والنعمةِ أثرٌ في وجودِ بعضِ هذه الممارساتِ، لا سيَّما حركاتِ الشبابِ اللامسئولة ومضايقاتهم للناسِ عامةً وللنساءِ خاصةً؛ بسدِّ الشوارعِ تارةً، والاعتداءِ على الحُرماتِ تارةً أخرى، وما يَنجمُ عن ذلك من أضرارٍ على الأرواحِ أو الممتلكاتِ .. وهنا يَرِدُ السؤال: ومن أين لهؤلاء المراهقينَ السياراتُ التي يتسكعونَ ويفحطونَ ويضايقونَ الناس بها؟ أليست بتمويلِ الآباء؟ أليست أصداءَ للنعمةِ؟ أليست استغلالًا بشعًا لذوي النعمةِ والثراءِ؟
فهذا سببٌ، وسببٌ آخرُ - وهو عكسُ سابِقه- إذ تُمثلُ البطالةُ والفراغُ عند بعضِ الشبابِ الذين هم خارجَ المدرسةِ وبدونِ عملٍ عنصرًا مهًّا في بروز هذه الظواهرِ السيئةِ، فيقضونَ بها فراغَهم ويعبّرونَ بها عن سُخطهم وفراغِهم بطريقةٍ خاطئةٍ مرفوضةٍ عقلًا وشرعًا ..
أما السبب الثالث المهم: فهو ضعفُ الوازع الدينيِّ، واختلالُ القيمِ الأخلاقيةِ، وعدمُ تقديرِ مشاعرِ الآخرين، بل وتقصُّدُ الإضرارِ بهم.
أما السببُ الرابعُ: فهو وجودُ عناصرَ مشبوهةٍ من أصحابِ المِللِ والنِّحِلِ والأديانِ الفاسدة، تسعى جاهدةً لإفسادِ هذه البلادِ المباركةِ، متخذةً من الأشرطةِ والمنشوراتِ والكتيباتِ والمدارسِ الأجنبيةِ وسيلةً لترويجِ فِكْرها وبثِّ سمومها.
خامسًا: وللإعلامِ السيئ والقنواتِ الفضائيةِ وبرامجِ العنفِ، والتهتكِ الأخلاقيِّ، والغزوِ الفكري - لهذه وتلك - أثرُها في صياغةِ العقلياتِ وممارسةِ
стр. 2369
العنف، وترويجِ السلوكياتِ الشاذةِ على مستوى الطفلِ والشابِّ والرجلِ والمرأة، إلا من رحمَ ربُّك!
سادسًا: وثمةَ سببٌ يُنمِّي مثلَ هذه الظواهرِ، ويُكثرُ من أصحابها، إنه التساهلُ في معالجةِ الظاهرة في بدءِ نُشوئها، حتى إذا استفحلت شكَّلت خطرًا يحتاجُ إلى جهدٍ أكبرَ في العلاج، أجل إن التغافلَ عن حركاتِ الشبابِ البهلوانية المؤذيةِ عند فوزِ منتخبٍ، أو ممارسةِ التفحيطِ على الخطوطِ الدائريةِ، أو على السفوحِ الرمليةِ، أو في مناسباتِ الأعيادِ .. واعتبار ذلك تعبيرًا عن فرحةٍ وطنيةٍ .. كلُّ ذلك يُجرئُ السفهاءَ على خطواتٍ أخرى أحسَّت أجهزةُ الأمنِ - مؤخرًا - بخطورتها في احتفالات العيدِ بالرياض، ثم لا تلبثُ الأمورُ أن تتطورَ إلى سلوكياتٍ إجرامية لا بد من وضع جزاءٍ رادعٍ لها؛ فاللهُ يَزَعُ بالسلطانِ ما لا يزعُ بالقرآن.
وقد أكدَ وزيرُ الداخلية على محاسبةِ المقصرينَ في الأحداثِ المؤسفةِ في احتفالات العيد في الرياض (١).
وما حدث في الرياضِ يمكن أن يقعَ في غيره، إذا لم تكن الجِدِّيةُ في المعالجةِ، والمبادرةُ في الحزمِ في تطويقِ هذه الممارسات الخاطئة، ومعاقبةُ الجُناةِ والتنكيلُ بهم عقوبةً لهم ودرسًا بليغًا لغيرهم.
سابعًا: والدعواتُ المحمومةُ التي تُطلقُ بين الفَيْنَةِ والأخرى وتدعو إلى خروجِ المرأةِ وسُفورها واختلاطِها بالرجالِ الأجانبِ .. تلك سهامٌ تُشعلُ فتيلَ الفتنِ، وتهتك أستار الفضيلة، وتجرئُ السفهاءَ، ويتنفسُ خلالها من في قلبِه مرضٌ، وإذا اعتُدِي على المرأةِ وهي متحجبةٌ، فكيف الحالُ إذا خرجت سافرةً
стр. 2370
وبالزينةِ فاتنةً؟ وإذا لم تسلم من اعتداءِ الموتورينَ وهي بصحبةِ مَحرمِها، فكيف إذا انفردت وسافرت بالسيارةِ أنّى شاءت وحدَها؟ !
ثامنًا: وضعفُ التوعيةِ في المحاضنِ التربويةِ، وفي مقاعدِ الدراسةِ الجامعية، وفي المنزلِ والمسجدِ .. وغيابُ بعضِ الآباءِ والمربينَ والأمهاتِ والمعلماتِ عن مسئوليتهم .. كلُّ ذلك يساهمُ في وجودِ مثلِ هذه السلوكياتِ المنحرفةِ.
تاسعًا: وغفلةُ رجلِ الأمنِ عن مهمتهِ، أو عدمُ إخلاصِه في عملِه ومسئوليته، أو عدمُ دقَّتِه في رصدِ الجريمةِ ومتابعةِ المجرمين والحيلولةِ بينهم وبين ما يَشتهون .. ذلك يُفاقمُ الخطرَ ويقوي شوكةَ المجرمين.
عاشرًا: والمخدراتُ سببٌ لكلِّ بلاء، والمسكراتُ والخمرُ أُمّ الخبائث.
وقَلَّ أن توجدَ جريمةٌ إلا ولهذه الأوبئةِ رأسٌ مُطِلٌّ؛ إنْ ظاهرًا أو خفيًّا فيها. ورفيقُ السُّوء شؤمٌ على نفسِه وعلى الآخرين.
وكم من بريءٍ تورطَ في مزالقِ الجريمةِ نتيجةَ إغواءِ قرين السُّوء.
أيها المسلمونَ: تلك أسبابٌ عشرةٌ، وقد يكون هناك أسبابٌ أخرى، وقد تختلفُ هذه الأسبابُ وجودًا أو عدمًا، قوةً أو ضعفًا.
وفي سبيلِ العلاجِ لا بد أولًا من معرفةِ هذه الأدواءِ ومعالجتِها، ولا بد من استشعارِ المسئوليةِ، والسعي لمحاصرةِ هذه الظواهرِ السيئةِ، فالأمنُ مسئوليتُنا جميعًا، والحفاظُ على مكتسباتِ البلاد وصونِ الحُرمات شعارُنا وهدفُنا جميعًا، وما لم يشعر كلُّ فردٍ منا بالأذى الواقع على غيره، كما لو أن الأذى وقع عليه أو على قريبه، فما حققنا الأخوَّةَ بيننا، ومفهومُ المواطنةِ الصالحةِ مختلّ في سلوكياتنا.
وهنا وفي سبيلِ المعالجةِ لهذه الظواهر وأمثالِها - وفوقَ ما سبقَ - أُشيرُ إلى
стр. 2371
بعض الآراءِ والمقترحاتِ، وعسى الله أن ينفعَ بها، ويُعينَ كلَّ صاحبِ مسئوليةٍ على القيامِ بمسئوليته، فخيرُ الناسِ أنفعُهم للناس، ومن دعا إلى هدًى كان له من الأجرِ مثلُ أجورِ من عملَ به إلى يومِ القيامة، ومن دعا إلى ضلالةٍ كان عليه من الوِزرِ مثلُ من عمل به .. ومن يهدِ الله فهو المهتدِ، ومن يُضلل فلن تجدَ له وليًّا مرشدًا .. اللهم انفعنا بالقرآنِ وسنةِ خيرِ الأنام، أقولُ ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب.
стр. 2372
الخطبة الثانية:
أيها المسلمون: إن من أولوياتِ طرقِ العلاج لأيِّ مظاهرَ سلوكيةٍ منحرفةٍ تقويةَ الوازعِ الديني، وذلك عبرَ المنهجِ الدراسي المُطبق، وعبرَ وسائلِ الإعلامِ المقروءةِ والمرئيةِ والمسموعة، عبر المحاضرةِ الجيدة، والندوةِ المشتركة، وعبر توجيهاتِ الآباء والأمهاتِ.
ثانيًا: ولا بد من العنايةِ بأوقاتِ الفراغِ لدى الشبابِ والفتياتِ، وملؤها بما ينفعُ الفردَ ويخدمُ المجتمعَ، ويساهمُ في رُقيِّ الأمة، وإضافةً إلى المؤسساتِ القائمةِ بتوفير فرصِ العمل للخريجينَ والخريجاتِ يُطالبُ القطاعُ الخاصُّ والشركاتُ والمؤسساتُ بمزيد فتح الفرصِ للراغبينَ في العملِ من أبناء البلدِ، دعمًا لهم ماديًّا ومساهمةً في مزيدِ تأهيلهم للمسئوليةِ مستقبلًا.
ثالثًا: وإذا قيل هذا عن العمل، فنحتاجُ إلى مزيد فرصٍ تحتضنُ الشبابَ وتهيئُ لهم من البرامج الهادفةِ ما تُستثمرُ به أوقاتُ فراغِهم من جانبٍ، وتبني فيهم الخيريّةَ والإنتاجيةَ من جانبٍ آخر.
وفوقَ ما للمؤسسات الحكوميةِ والجمعياتِ الخيرية - هنا - من جُهدٍ مشكورٍ، فوزارةُ العَملِ والشئونِ الاجتماعية مؤهلةٌ لأن تزيدَ من فاعليتها ومشاركاتها لخدمة الفتيانِ والفتياتِ عبرَ برامجَ اجتماعية هادفةٍ، وعبر محاضنَ يُشرفُ عليها أهلُ خبرةٍ وصلاح، تُعلّمُ الأخرقَ مهنةً، وتُعنى بتدعيمِ روابطِ الأسرة، وتوفرُ وسائلَ للترويحِ النافع، وتُعنى بصقلِ مواهبِ الشباب على مدى العام لتكملَ ما تقومُ به المراكزُ الصيفية في أوقاتِ الصيف.
رابعًا: وحين لا تستوعبُ الجامعاتُ قبولَ جميع الخريجين، أو لا يكون بعضُ الخريجينَ من الثانويةِ قادرًا على مواصلةِ تعليمه الجامعي، فهل تُعنى
стр. 2373
الجامعات بتوفيرِ دوراتٍ تؤهلُ للعمل وتمنحُ دبلوماتٍ أو شهاداتٍ تهيئُ الفردَ للعيشِ الكريم هنا أو هناك، حتى لا يبقى أعدادٌ من الشبابِ عالةً على المجتمعِ وقد تضطرُّهم الحاجةُ إلى أمورٍ لا تُحمد عُقباها! .
خامسًا: وهل يُفكرُ كذلك - وفي سبيلِ معالجةِ عدم توفرِ الوظائف للخريجين - بإيجاد مراكزَ للتجنيدَ والتدريب، يقضي الشابُّ فيها فترةً من الزمنِ، ويتقاضى خلالها مرتبًا يسدُّ حاجتَه وحاجةَ من يَعُولُ، ويُنظم خلالها محاضراتٌ وندواتٌ تُسهمُ في توجيه الشبابِ ومزيدِ تربيِتهم وجدِّيتِهم، ويكون هؤلاء المدُربونَ جنودًا أوفياءَ للحفاظِ على مُقدراتِ البلدِ وحرماتِه عند الاقتضاء.
سادسًا: ومع ما تقومُ به وزارةُ الشئون الإسلاميةِ من جهودٍ في التوعيةِ والدعوة .. إلا أننا في زمنِ العولمةِ وحربِ الفضائياتِ نحتاجُ إلى مزيدٍ من الدعوةِ والتوعية لتعمَّ المدنَ والقرى، وتُخاطبَ المرأةَ كما تخاطبُ الرجل، وتستخدمَ تقنياتِ العصرِ لمزيدِ الفاعليةِ واتِّساعِ حجمِ التأثير.
سابعًا: وتعليمُ البنين والبناتِ حَريٌّ كذلك بمضاعفةِ التوعية، والعنايةِ بتطبيقِ معاني ومفاهيم المناهج الدراسية، وألا تكون المهمةُ الحفظَ للمقرراتِ والنجاحِ أو الرسوب في نهايةِ كل فصل .. بل يكون للقيمِ التربوية، والنواحي السلوكيةِ التطبيقيةِ قدرٌ كبيرٌ من الاهتمام، وهنا اقتراحٌ لطيفٌ يقضي بوجودِ مقررٍ خاصٍ برعايةِ الآدابِ والسلوكيات في المرحلةِ المتوسطةِ والثانوية، يُفرَدُ بالتأليف ويُخاطبُ العقلَ والعاطفةَ عن قيمةِ الأخلاقِ والآدابِ والسلوكياتِ الإسلامية، ويحذرُ من أضدادِها.
وحين يكون الحديث عن التوعيةِ فلا بد أن تُعنى القطاعاتُ الأمنيةُ بهذا الجانب، إذ ليست مهمتُها محصورةً في القبضِ على المجرمين .. بل يَنبغي أن تُقدِّمَ التوعيةَ عبر المطويةِ الجيدةِ، والإحصائيةِ الدقيقةِ المُحذِّرة، وعبرَ البرامجِ
стр. 2374
الإعلاميةِ المتكاملةِ، وعبر الملصقاتِ ذاتِ العباراتِ الهادفة .. فالوقايةُ خيرٌ من العلاج .. وذلك جانبٌ لم يَنَلْ من العنايةِ ما يستحقُّ في نظري.
ثامنًا: وأنتم أيها الآباء وأيتها الأمهات، تحمّلوا مسئوليتكم كاملةً عن أولادِكم، وتنافسوا في تربيتهم وأدبهم، بدلَ أن تتنافسوا في تأمينِ كلّ ما يطلبونَ، حتى وإن كان على حسابِ المجتمع .. بل ربما كان على حسابِ حياتهم هم، فكم أهلكَ الطيشُ من فتى، وكم للثراءِ من آثارٍ سيئةٍ إذا لم يُستثمَر.
تاسعًا: وأنتم معاشرَ الشبابِ الملتزم، ما هو دورُكم في استصلاح من انحرفَ أو بَدَتْ عليه أماراتُ الانحرافِ من الشباب؟ هل تنكفئونَ على أنفسكم، أم ترونه يكفي أن تختلطوا وترحلوا مع أمثالكم؟ أم ترونَ لإخوانكم الآخرين من الشبابِ حقًّا عليكم في النصحِ والتوجيه وحُسنِ المعاشرة والدعوةِ بالحسنى؟ فذلك ميدانٌ رحبٌ للمساهمةِ والدعوةِ والإصلاح.
عاشرًا: وعلى وزارةِ الإعلامِ مسئوليةٌ عُظمى في صياغةِ عقلياتِ الشباب، بل المتجمع كلِّه، عبرَ برامجَ هادفةٍ .. تخاطبُ الرجلَ والمرأةَ، والصغيرَ والكبيرَ، تؤصِّلُ التربيةَ الإيمانيةَ وتزرعُ الخوفَ من الله، تحذرُ من الجريمة، وتُثرِّبُ على المجرمين، وتُثمِّنُ القدوةَ الصالحةَ، وتجري مقابلاتٍ مع الخيِّرين .. لقد آنَ الأوانُ لأن يُنظَرُ في البرامجِ المقدَّمةِ، ويُقترحَ برامجُ جديدةٌ تتناسبُ والمرحلةَ الحاضرةَ والمستقبلية.
عبادَ الله: إنها باختصارٍ مسئوليتُنا جميعًا أمامَ اللهِ أولًا .. وأمامَ المجتمعِ، فنحن جميعًا في مركبةٍ واحدة، والعطبُ في جانبٍ من جوانبها يؤدي إلى غرق الجميع لا قدَّرَ اللهُ .. إنها ظواهرُ غريبةٌ، ومؤشراتٌ مخيفةٌ، تستحقّ منا كلَّ عنايةٍ وتعاون، واللهُ تعالى أمرَنا أن نتعاونَ على البرّ والتقوى، وحذَّرنا من السلبيةِ، وضربَ لنا أمثلةً في نجاةِ الذين ينهونَ عن السوء، وأخبر أن خيْريَّتَنا
стр. 2375
مشروطةٌ بالأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر.
وأولئك هم خيارُ الناسِ .. وأولئك همُ المفلحونَ .. وأولئك هم المؤمنون .. ألا فتآمَروا بالمعروفِ وتناهَوْا عن المنكرِ، وليستشعر كلُّ مسئولٍ وكلُّ وليٍّ دورَه في الإصلاحِ والتوجيه.
وهنا وفي نهايةِ الحديثِ ألتفتُ لمن بُلي بشيء من الجرائم، صغُرت أم كبُرت لأقول له: اتق الله يا أخي في نفسك وفي المجتمعِ من حولك .. كم تخسر ويخسرُ الناسُ من حولك بكلِّ جريمةٍ تتلبَّسُ بها .. ومهما ظننتَ أنك تنجو من عقابِ الدنيا فاعلم أن عقابَ اللهِ لك بالمرصادِ إن لم تتبْ إليه - تُبْ إلى الله .. وإذا لم ترضَ أن يُؤذي الناسُ أهلَك أو يعتدوا على شيءٍ من مقدراتك وأموالِ أهلك، فكذلك الناسُ .. كم فيك من خصالِ الخير .. لكنك استجبت حين مارستَ الجريمةَ لنزغاتِ الشيطان، فتعوَّذ باللهِ منه وخُطَّ لنفسك مسارًا آخرَ تجدْ السعادةَ وتجد الراحةَ والطمأنينة.
стр. 2376
العدل وفقه الائتلاف (١)
الخطبة الأولى:
الحمدُ لله ربِّ العالمين، أمرَ بالعدلِ والإحسانِ، ونهى عن الفحشاء والمنكرِ والبغي يعظكم لعلَّكم تذكَّرون، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، حَكمٌ عدلٌ ولا يظلمُ ربُّك أحدًا، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، جاءه الوحيُ من ربّه بالعدل، فقام به في نفسِه ومع الناس من حولِه، فشاعَ في الكون كلِّه العدلُ بعد الظلمِ، والإنصافُ بدل الإجحافِ .. اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياءِ والمرسلين، وارضَ اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٣).
عبادَ الله: كلُّنا يُحبُّ العدلَ ويرغبُ أن يُعامَلَ به .. ولكننا نخطئُ أحيانًا في التعاملِ مع غيرِنا بالعدل، فنظلمُ ونعتدي ونبخسُ الناسَ أشياءَهم .. بل قد نظلمُ أنفسَنا، وقد نشعر بذلك أو لا نشعرُ .. فما هو العدلُ؟ وكيف يكون مع النفس ومع الناسِ، ومع اللهِ؟ ما العدلُ في القول، وما العدلُ في الفعلِ؟ لماذا نظلمُ؟ وما السبيلُ للعدلِ؟ وكيف نعدلُ مع الصديقِ والعدوِّ، والقريبِ والبعيدِ؟ بل ومع
стр. 2377
المسلم والكافرِ؟ ما هي آثارُ العدلِ؟ وماذا من نماذجِ العدلِ تضيءُ لنا الطريقَ؟
أيها المسلمونَ: بالعدل قامت السماواتُ والأرضُ، وبالعدلِ أمرَ اللهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ (١). وأوصى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (٢). وبالعدل ألزم ربُّنا في التحاكم والحكم: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (٣).
أجل إن العدلَ سمةٌ مميزةٌ لشريعتِنا عاشَ في كنفِها البرُّ والفاجرُ، والمسلمُ والكافرُ - كلُّ هؤلاء بالعدلِ يُحكمونَ ولا يُظلمون، حتى وإن أبغضَنا الكافرَ فنحن مأمورونَ بالعدل معه، ذلك توجيه ربِّنا في كتابه العزيز: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (٤).
قال ابنُ تيميةَ ﵀: وهذه الآيةُ نزلت بسببِ بُغضهم للكفارِ، وهو بُغضٌ مأمورٌ به، فإذا كان البغضُ الذي أمرَ اللهُ به قد نُهيَ صاحبُه أن يَظلمَ من أبغضَه، فكيف في بُغض مسلمٍ بتأويلٍ وشبهةٍ أوبهوى نفس؟ فهو أحقُّ أن لا يُظلم، بل يُعدل عليه (٥).
إخوةَ الإسلام: ونحنُ مأمورونَ بالعدل مع ربِّنا، ومع أنفسِنا ومع الناس ممن حولَنا، فكيف نحققُ هذه المقاماتِ الثلاث من العدلِ؟ قال العلماءُ: أما العدلُ بين العبد وربِّه فبامتثال أوامِره، واجتنابِ نواهِيه، وبين العبدِ وبين نفسِه فبمزيدِ الطاعاتِ وتوقِّي الشُّبهاتِ والشَّهواتِ، وبين العبد وبين غيره بالإنصاف (٦).
стр. 2378
يا أخا الإيمانِ: ألستَ تُحبُّ من الآخرين أن ينصفوكَ، فعلام تظلمهم ولا تعدلُ معهم؟ أولستَ تشيدُ بالعدلِ وتمدحُ المنصفينَ، فكيف تظلمُ وتجورُ وتتجاوزُ وتبخس؟
إن العدلَ مؤشرٌ على سموِّ النفس، ومعالي الأخلاق، وكم نتحدثُ بألسنتنا عن العدلِ، ولكن الامتحانَ في المعاملةِ والأخلاقَ تكذبُ المرءَ أو تصدقه فيما ادّعاه.
لقد فاقَ المسلمون في تاريخنا المجيدِ غيرَهم في العدل وتجاوزوا بعدلِهم أهلَ الملةِ من المسلمين إلى أهلِ الذمةِ من اليهود والنصارى، ويُذكر أن عمرَ بنَ عبد العزيز ﵀ كتب إلى واليهِ على البصرةِ يقول له: «ثم انظر مَن قِبَلَكَ من أهل الذمةِ قد كَبُرَت سِنُّه، وضعُفت قوتُه، وولَّت عنه المكاسبُ، فأجْرِ عليه من بيتِ مالِ المسلمين ما يُصلحُه، وذلك أنه بلغني أن أميرَ المؤمنين عمرَ ﵁ مرّ بشيخ من أهلِ الذمةِ يسألُ على أبواب الناسِ فقال: ما أنصفناك، أن كُنّا أخذنا منك الجزيةَ في شبيبتك ثم ضيَّعناك في كِبرك، ثم أجرى عليه من بيتِ المال ما يصلحه» (١).
فإذا أنصفَ أسلافَنا أهلَ الذمة، أفنعجزُ عن إنصافِ أهلِ الملَّةِ؟
إن في حياتنا ممارساتٍ خاطئةً لا تستقيمُ مع العدل، ولا تسيرُ مع الإنصاف، ففي الخصوماتِ يظلم بعضُنا خصمَه، ولربما أخذ حقًّا ليس له، ولكن بقوة حجتِه وكذبه أو بشراءِ ذممٍ وشهداءِ زورٍ، وويل لمن اقتطع حقّ غيرِه بدون حقٍّ، وما زالَ رسولُ الهدى ﷺ يُحذرُ من شهادةِ الزور وقولِ الزور حتى تمنّى الصحابةُ ﵁ لو سكت!
стр. 2379
وفي تقويمنا للرجالِ المخالفينَ لنا في الرأي يقعُ ظلمٌ ونفقدُ العدلَ والإنصافَ، والويلُ لمن اتَّهم رجلًا بما ليس فيه .. أو لبَّسه لبوسًا لم يلبسه، وإذا كانت أموالُ إخواننا علينا حرام إلَّا بحقِّها، فكذلك أعراضُهم حرامٌ علينا هتكُها بغير حقٍّ .. كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ، دمُه ومالُه وعرضُه.
عبادَ الله: ونحن مأمورونَ بالعدلِ مع أولادنا والرسولُ ﷺ يقول: «اتقوا اللهَ واعدِلوا في أولادِكُم» (١).
فهل نعدلُ بينهم في المنِحَ والأُعطياتِ، وأساليبِ التعاملِ في الحياة، أم يوجدُ فينا من يُغدِقُ على بعضِ الأولادِ ويحرمُ إخوانًا لهم آخرين، وكأنهم ليسوا من بنَيهِ .. أفلا يتقِ الله أولئك الآباءُ الجائرون! وقد جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ ليُشهده على صدقةٍ له لبعض بنَيهِ، فقال له: «أفعلت هذا بولدِك كلِّهم؟ ». قالَ الرجل: لا، فقال الرسولُ ﷺ : «فلا تُشهدْني إذن، فإني لا أشهدُ على جَوْرٍ». وفي روايةٍ أنه قال له: «أيسرُّك أن يكونوا إليك في البِر سواءٌ؟ ». قال: بلى، قال: «فلا إذن» (٢).
أيها المسلمونَ: ونحن مأمورونَ كذلك بالعدلِ مع أهلنا وأزواجنا، وكم يقعُ على النساء من ظلمِ بعض الرجال، وقد يصلُ الحالُ إلى أن تكونَ المرأةُ كالمعلَّقة، فلا هي مطلقةٌ بإحسانٍ لتبحثَ عن غيرِه، ولا هي ممُسَكةٌ بمعروفٍ فتؤدّى إليها حقوقُها بالعَدلِ والإحسان، وويلٌ للرجلِ يستغلّ قوتَه وقدرتَه فيظلمُ المرأةَ ويبخسُ حقوقَها، والرسول ﷺ يقول لنا جميعًا: «فاتقوا اللهَ في النساءِ، فإنكم أخذتموهنَّ بأمانِ اللهِ، واستحللتم فُروجَهُنّ بكلمةِ اللهِ» (٣).
стр. 2380
إخوةَ الإسلام وثمةَ ممارساتٌ خاطئةٌ لا تقومُ على العدلِ والإنصافِ مع زملائنا في العملِ بتفضيلِ بعضِهم على بعضٍ في الأُعطياتِ أو الترقياتِ أو نحوها، ومع مكفولينا في العملِ مع إخواننا الوافدينَ بتحمِيلهم في العمل ما لا يطيقون أو ببَخسِ حقوقِهم حين يعملون.
عبادَ الله: ومن كمالِ شريعتِنا وعدلِ إسلامِنا أنه أمرَ بالعدلِ والإحسان إلى البهائم، فلا تُحَمّلُ ما لا تطيقُ، ولا تُضربُ فتؤذَى بلا حاجةٍ، ولا تُجاعُ حتى يلحقَ ظهرُها ببطنِها .. ومن هدي المصطفى ﷺ أنه مرّ ببعيرٍ قد لحقَ ظهرُه ببطنِه، فقال: «اتقوا اللهَ في هذه البهائمِ المُعجمةِ، فاركبوها صالحةً وكُلوها صالحةً» (١).
ومن تحذيراته ﷺ عن ظلمِ البهائمِ والحيواناتِ قولُه: «دخلتِ امرأةٌ النارَ في هِرّةٍ ربطَتْها، فلا هي أطعمَتْها، ولا هي أرسلتها تُرمرِمُ من خشاشِ الأرضِ حتى ماتت هَزْلًا» (٢).
ألا فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ، واعدلوا مع أنفسِكم ومع غيرِكم، فذاك أمرُ الله لنبيِّكم: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ (٣).
وتلك وصيتُه إليكم: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٤).
اللهم إنا نسألكَ العدلَ في أقوالِنا وأفعالِنا، مع أنفسِنا ومع غيرنا.
стр. 2381
الخطبة الثانية:
الحمدُ لله جلَّ شأنُه وتقدَّستْ أسماؤه، ولا إلهَ غيرُه، ولا معبودَ بحقٍّ سواه، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، والداعي إلى رضوانِه صلى الله عليه وعلى إخوانه وآلهِ.
أيها المسلمونَ: صحّ عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ ﵁ أنه قال: ما في القرآنِ آيةٌ أجمعَ لحلالٍ وحرامٍ، وأمرٍ ونهي من هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ (١).
فهل نأتمرُ بهذه الآيةِ العظيمةِ يا عبادَ الله؟ ! فنقيمُ حياتَنا على العدلِ، وننهى أنفسَنا عن الفحشاءِ والمنكرِ والبغي؟
إن من مظاهِرِ العدلِ قبولَ الحقِّ ممن جاءَ به، فالعِبرةُ بالقولِ لا بالقائل، وفي قصةِ الشيطانِ مع أبي هريرة ﵁ حين وكَّله الرسولُ ﷺ بحفظِ زكاةِ رمضانَ، ومجيء الشيطانِ إليه أكثرَ من مرةٍ حتى علّمه أن يقرأَ آيةَ الكرسي إذا أوى إلى فراشِه، وأنه بذلك يكونُ محفوظًا من الله، ولا يقربُهُ شيطانٌ حتى يُصبحَ، في هذه القصةِ صدّقَ الرسولُ ﷺ القولَ وإن صدرَ من الشيطانِ حيث قال: «أما إنه قد صدقَك وهو كذوب» (٢).
ومن فقهِ هذا الحديثِ وفوائدِه - كما قال ابنُ حجرٍ ﵀: «أن الحكمةَ قد يتلقّاها الفاجرُ فلا ينتفعُ بها، وتُؤخذُ عنه فيُنتفَعُ بها، وأن الكافرَ قد يَصدقُ ببعض ما يَصدقُ به المؤمنُ ولا يكون بذلك مؤمنًا، وبأن الكذّاب قَد يَصدُقُ» (٣).
وفي هذا الصددِ يُذكرُ من وصايا ابنِ مسعودٍ ﵁ قولُه لرجل قال له: أوصني
стр. 2382
بكلماتٍ جوامع، فكان مما أوصاه به أن قال: ومن أتاكَ بحقٍّ فاقبلْ منه وإن كان بعيدًا بغيضًا، ومن أتاك بالباطلِ فاردُدْه، وإن كان قريبًا حبيبًا (١).
إننا حين نفقدُ هذا الميزانَ في قبولِ الحقِّ قد نرفضُ حقًّا، لأنه جاء من شخصٍ نبغضُه أو لا نهواه، أو لا نرتضي منهجَه بشكلٍ عام، علمًا بأن قبولَ الحقِّ الذي جاءَ به لا يعني موافقتَه في كلّ شيءٍ ولا الرضا عنه فيما يخطئُ فيه، وقد يضطرنا هذا الخللُ في العدلِ في قبولِ الحقّ ورفضِ الباطل .. لقبولِ زلّةِ خطأٍ من شخصٍ نُحبُّه ونرتضي منهجَه علمًا بأن رفضَنا لهذه الزلَّةِ والخطأ منه، لا يعني بُغضَه ولا الانتقاصَ من قَدْرِه، ولا رفضَ بقيةِ الحقِّ الذي جاء به.
إنه العدلُ الذي ينبغي أن نأخذَ أنفسَنا به، ونتمنى به أن يُجريَ اللهُ الحقَّ على ألسنتِنا وألسنةِ خصومنا، وكم هو عظيمٌ الإمامُ الشافعيُّ ﵀ حين قال: «ما ناظرتُ أحدًا إلا قلتُ: اللهمّ أجرِ الحقَّ على قلبهِ ولسانِه، فإن كان الحقُّ معي اتبعَني، وإن كان الحقُّ معه اتبعتُه» (٢).
وأين هذا يا مسلمونَ ممن يتمنونَ انحرافَ خصومِهم، أو يرمون مخالِفيهم بالباطل، ويتهمونهم، وينفِّرونَ الناسَ منهم، وهم مسلمون، بل قد يكونون علماءَ، وقد يكون ما معهم من الحقِّ أكثرَ من خصومِهم، فإلى اللهِ المشتكى، وكم يتلاعبُ الشيطانُ أحيانًا ببعض المحبينَ وكم يُخطئُ هؤلاء وينسفونَ قواعدَ العدلِ وهم يَحسبونَ أنهم يُحسنونَ صنعًا، وكم نظلمُ أنفسَنا ونظلمُ غيرَنا بتصنيف هذا، وتجريح ذاك، واتهام ثالثٍ وإشعالِ معاركَ وهميةٍ بين نفرٍ من المسلمين، الكاسبُ الأولُ والأخيرُ منها هم الأعداءُ المتربِّصون - والخاسرُ الأكبرُ هم
стр. 2383
المعتدون الفاقدون للعدلِ والإنصاف .. وإن كانت الخسارةُ تَعمُّ والفتنةُ تقعُ على المسلمين! وأين نحنُ من هذا الموقفِ البديع والعدلِ حتى مع غير المسلمين .. يقدمه لنا شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ بسلوكه العمليِّ، فهو حين سعى بإطلاق سراحِ أسرى المسلمين من التتارِ أصرَّ كذلك على إطلاق سراحِ المأسورينَ من أهلِ الذمةِ قائلًا لمسئول التتر: «بل جميع من معك من اليهودِ والنصارى الذين هم أهلُ ذمّتِنا، فإنّا نفكُّهم ولا ندعُ أسيرًا لا من أهلِ الملَّةِ ولا من أهلِ الذمة» (١).
فإذا أنصفَ هذا العالمُ الربانيُّ وعدَلَ مع غير المسلمينَ، وكان سببًا لفكّ أسرِهم، فماذا يقولُ من يسعى للوقيعةِ بإخوانِه المسلمين ويتمنّى الضُّرَّ لهم بشكلٍ أو بآخر؟ !
إن للعدلِ - يا عبادَ اللهِ - آثارًا إيجابيةً على الفردِ والمجتمعِ والأمة، وفي الدنيا والآخرة يَشهدُها القائمونَ بالعدل، وتُنبئُ عنها تجاربُ الأفراد والأمم، وقد قال العالِمون: «إن الله يقيمُ الدولةَ العادلةَ وإن كانت كافرةً، ولا يقيمُ الظالمةَ وإن كانت مسلمةً» (٢).
عبادَ الله: ويبقى السؤالُ الأخيرُ: ما السبيل للعدل؟ وكيف نسلك بأنفسِنا للعدل؟
إن تأمُّلَ آياتِ الكتابِ العزيزِ في العدلِ كفيلةٌ بأن تربّى النفوسَ على العدل، وكذا ما في هدي محمدٍ ﷺ من نماذج العدلِ كلُّها نصوصٌ تأخذُ بالنفوسِ نحوَ العدل، ومساكينُ من يقرءون القرآنَ ثم هم يظنون أن المخاطَبَ غيرُهم، ومما يُسهمُ في العدلِ أن يتذكرَ المسلمُ أن العدلَ سببٌ للسعادةِ في الدنيا والآخرة،
стр. 2384
وأن الظلمَ ظلماتٌ في الدنيا والآخرة، وأن الظالمَ قد تُعجَّلُ له العقوبةُ في الدنيا، وقد ينتصرُ المظلومُ عليه وهم أحياء.
ألا يظن المفرطونَ في العدلِ أنهم مبعوثونَ ليومٍ عظيم؟
ألا يخشى الظالمونَ المعتدونَ يومًا عبوسًا قمطريرًا؟ أم تراهم ينسونَ ويذرونَ وراءهم يومًا ثقيلًا؟
إن من دواعي العدل أن يشعرَ المرءُ أنه يحبُّ من الناسِ أن يأتوا إليه ما أحبّ، أفلا يأتي إليهم بالذي يحبون؟ ! ألسنا جميعًا نكرهُ من يعتدي على أموالنا أو أعراضِنا .. أو يخدشُ في كرامِتنا .. أو يشكِّكُ في مصداقيتنا ظاهرًا وتُوكَل سرائرنا إلى اللهِ .. فلماذا نكره ذلك لأنفسنا ولا نكرهه للآخرين؟
أيها الناسُ: ورياضةُ النفس وتدريبُها على العدلِ ممكنةٌ، وما زال العقلاءُ بأنفسِهم حتى ألجموها بلجامِ العدلِ، وروّضوها على المعالي، وأدَّبوها مرةً إثرَ مرةٍ، حتى غدا العدلُ سجيّةً لها، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (١) وكُلنا يعلمُ أن أحدَ السبعةِ الذين يُظلهمُ اللهُ في ظلِّه يَومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه إمامٌ عادلٌ.
وهكذا إخوةَ الإسلام نروِّضُ أنفسَنا على العدلِ ونحنُ نرجو ثوابَ اللهِ ونخشى عقابَه .. وما أسعدَ من يسهمونَ في ملءِ الأرض عدلًا .. وما أنكدَ حياةَ من يسعونَ لملئها جورًا.
اللهم ارزقنا العدلَ في أقوالِنا وأفعالِنا مع من أحببنا ومع من لم نُحب.
стр. 2385
فقه الائتلاف (١)
الخطبة الأولى:
إن الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ من شرور أنفسِنا ومن سيئات أعمالِنا، ومن يهدِه الله فلا مضلّ له، ومن يُضلل فلا هاديَ له، أشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه .. اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائرِ الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعينَ ومن تَبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٣).
عبادَ الله: كان الحديثُ في الجمعةِ الماضية عن جوانبَ من العدلِ، وكم نحن بحاجةٍ إلى مزيد الحديث في مثل هذه المواضيع. ولئن كان الحديثُ كثيرًا عن أدبِ الخلاف - والحاجةُ تدعو لمثل ذلك - فثمةَ حديثٌ عن فِقه الائتلاف .. والحاجةُ لذلك داعيةٌ إليه وأكثر، وكيف لا، والأصلُ في أمةِ الإسلام الائتلافُ لا الاختلاف، والاجتماعُ لا الفرقة والتنازع ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (٤).
أيها المسلمونَ: إن من قواعدِ الائتلافِ إنصافِ عامةِ المسلمينَ وخاصتِهم .. فكيف السبيلُ لهذا الإنصاف؟