← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

الخطبة الثانية: الحمدُ لله جلَّ شأنُه وتقدَّستْ أسماؤه، ولا إلهَ غيرُه، ولا معبودَ بحقٍّ سواه، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، والداعي إلى رضوانِه صلى الله عليه وعلى إخوانه وآلهِ. أيها المسلمونَ: صحّ عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ ﵁ أنه قال: ما في القرآنِ آيةٌ أجمعَ لحلالٍ وحرامٍ، وأمرٍ ونهي من هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ (١). فهل نأتمرُ بهذه الآيةِ العظيمةِ يا عبادَ الله؟ ! فنقيمُ حياتَنا على العدلِ، وننهى أنفسَنا عن الفحشاءِ والمنكرِ والبغي؟ إن من مظاهِرِ العدلِ قبولَ الحقِّ ممن جاءَ به، فالعِبرةُ بالقولِ لا بالقائل، وفي قصةِ الشيطانِ مع أبي هريرة ﵁ حين وكَّله الرسولُ ﷺ بحفظِ زكاةِ رمضانَ، ومجيء الشيطانِ إليه أكثرَ من مرةٍ حتى علّمه أن يقرأَ آيةَ الكرسي إذا أوى إلى فراشِه، وأنه بذلك يكونُ محفوظًا من الله، ولا يقربُهُ شيطانٌ حتى يُصبحَ، في هذه القصةِ صدّقَ الرسولُ ﷺ القولَ وإن صدرَ من الشيطانِ حيث قال: «أما إنه قد صدقَك وهو كذوب» (٢). ومن فقهِ هذا الحديثِ وفوائدِه - كما قال ابنُ حجرٍ ﵀: «أن الحكمةَ قد يتلقّاها الفاجرُ فلا ينتفعُ بها، وتُؤخذُ عنه فيُنتفَعُ بها، وأن الكافرَ قد يَصدقُ ببعض ما يَصدقُ به المؤمنُ ولا يكون بذلك مؤمنًا، وبأن الكذّاب قَد يَصدُقُ» (٣). وفي هذا الصددِ يُذكرُ من وصايا ابنِ مسعودٍ ﵁ قولُه لرجل قال له: أوصني

стр. 2382

بكلماتٍ جوامع، فكان مما أوصاه به أن قال: ومن أتاكَ بحقٍّ فاقبلْ منه وإن كان بعيدًا بغيضًا، ومن أتاك بالباطلِ فاردُدْه، وإن كان قريبًا حبيبًا (١). إننا حين نفقدُ هذا الميزانَ في قبولِ الحقِّ قد نرفضُ حقًّا، لأنه جاء من شخصٍ نبغضُه أو لا نهواه، أو لا نرتضي منهجَه بشكلٍ عام، علمًا بأن قبولَ الحقِّ الذي جاءَ به لا يعني موافقتَه في كلّ شيءٍ ولا الرضا عنه فيما يخطئُ فيه، وقد يضطرنا هذا الخللُ في العدلِ في قبولِ الحقّ ورفضِ الباطل .. لقبولِ زلّةِ خطأٍ من شخصٍ نُحبُّه ونرتضي منهجَه علمًا بأن رفضَنا لهذه الزلَّةِ والخطأ منه، لا يعني بُغضَه ولا الانتقاصَ من قَدْرِه، ولا رفضَ بقيةِ الحقِّ الذي جاء به. إنه العدلُ الذي ينبغي أن نأخذَ أنفسَنا به، ونتمنى به أن يُجريَ اللهُ الحقَّ على ألسنتِنا وألسنةِ خصومنا، وكم هو عظيمٌ الإمامُ الشافعيُّ ﵀ حين قال: «ما ناظرتُ أحدًا إلا قلتُ: اللهمّ أجرِ الحقَّ على قلبهِ ولسانِه، فإن كان الحقُّ معي اتبعَني، وإن كان الحقُّ معه اتبعتُه» (٢). وأين هذا يا مسلمونَ ممن يتمنونَ انحرافَ خصومِهم، أو يرمون مخالِفيهم بالباطل، ويتهمونهم، وينفِّرونَ الناسَ منهم، وهم مسلمون، بل قد يكونون علماءَ، وقد يكون ما معهم من الحقِّ أكثرَ من خصومِهم، فإلى اللهِ المشتكى، وكم يتلاعبُ الشيطانُ أحيانًا ببعض المحبينَ وكم يُخطئُ هؤلاء وينسفونَ قواعدَ العدلِ وهم يَحسبونَ أنهم يُحسنونَ صنعًا، وكم نظلمُ أنفسَنا ونظلمُ غيرَنا بتصنيف هذا، وتجريح ذاك، واتهام ثالثٍ وإشعالِ معاركَ وهميةٍ بين نفرٍ من المسلمين، الكاسبُ الأولُ والأخيرُ منها هم الأعداءُ المتربِّصون - والخاسرُ الأكبرُ هم

стр. 2383

المعتدون الفاقدون للعدلِ والإنصاف .. وإن كانت الخسارةُ تَعمُّ والفتنةُ تقعُ على المسلمين! وأين نحنُ من هذا الموقفِ البديع والعدلِ حتى مع غير المسلمين .. يقدمه لنا شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ بسلوكه العمليِّ، فهو حين سعى بإطلاق سراحِ أسرى المسلمين من التتارِ أصرَّ كذلك على إطلاق سراحِ المأسورينَ من أهلِ الذمةِ قائلًا لمسئول التتر: «بل جميع من معك من اليهودِ والنصارى الذين هم أهلُ ذمّتِنا، فإنّا نفكُّهم ولا ندعُ أسيرًا لا من أهلِ الملَّةِ ولا من أهلِ الذمة» (١). فإذا أنصفَ هذا العالمُ الربانيُّ وعدَلَ مع غير المسلمينَ، وكان سببًا لفكّ أسرِهم، فماذا يقولُ من يسعى للوقيعةِ بإخوانِه المسلمين ويتمنّى الضُّرَّ لهم بشكلٍ أو بآخر؟ ! إن للعدلِ - يا عبادَ اللهِ - آثارًا إيجابيةً على الفردِ والمجتمعِ والأمة، وفي الدنيا والآخرة يَشهدُها القائمونَ بالعدل، وتُنبئُ عنها تجاربُ الأفراد والأمم، وقد قال العالِمون: «إن الله يقيمُ الدولةَ العادلةَ وإن كانت كافرةً، ولا يقيمُ الظالمةَ وإن كانت مسلمةً» (٢). عبادَ الله: ويبقى السؤالُ الأخيرُ: ما السبيل للعدل؟ وكيف نسلك بأنفسِنا للعدل؟ إن تأمُّلَ آياتِ الكتابِ العزيزِ في العدلِ كفيلةٌ بأن تربّى النفوسَ على العدل، وكذا ما في هدي محمدٍ ﷺ من نماذج العدلِ كلُّها نصوصٌ تأخذُ بالنفوسِ نحوَ العدل، ومساكينُ من يقرءون القرآنَ ثم هم يظنون أن المخاطَبَ غيرُهم، ومما يُسهمُ في العدلِ أن يتذكرَ المسلمُ أن العدلَ سببٌ للسعادةِ في الدنيا والآخرة،

стр. 2384

وأن الظلمَ ظلماتٌ في الدنيا والآخرة، وأن الظالمَ قد تُعجَّلُ له العقوبةُ في الدنيا، وقد ينتصرُ المظلومُ عليه وهم أحياء. ألا يظن المفرطونَ في العدلِ أنهم مبعوثونَ ليومٍ عظيم؟ ألا يخشى الظالمونَ المعتدونَ يومًا عبوسًا قمطريرًا؟ أم تراهم ينسونَ ويذرونَ وراءهم يومًا ثقيلًا؟ إن من دواعي العدل أن يشعرَ المرءُ أنه يحبُّ من الناسِ أن يأتوا إليه ما أحبّ، أفلا يأتي إليهم بالذي يحبون؟ ! ألسنا جميعًا نكرهُ من يعتدي على أموالنا أو أعراضِنا .. أو يخدشُ في كرامِتنا .. أو يشكِّكُ في مصداقيتنا ظاهرًا وتُوكَل سرائرنا إلى اللهِ .. فلماذا نكره ذلك لأنفسنا ولا نكرهه للآخرين؟ أيها الناسُ: ورياضةُ النفس وتدريبُها على العدلِ ممكنةٌ، وما زال العقلاءُ بأنفسِهم حتى ألجموها بلجامِ العدلِ، وروّضوها على المعالي، وأدَّبوها مرةً إثرَ مرةٍ، حتى غدا العدلُ سجيّةً لها، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (١) وكُلنا يعلمُ أن أحدَ السبعةِ الذين يُظلهمُ اللهُ في ظلِّه يَومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه إمامٌ عادلٌ. وهكذا إخوةَ الإسلام نروِّضُ أنفسَنا على العدلِ ونحنُ نرجو ثوابَ اللهِ ونخشى عقابَه .. وما أسعدَ من يسهمونَ في ملءِ الأرض عدلًا .. وما أنكدَ حياةَ من يسعونَ لملئها جورًا. اللهم ارزقنا العدلَ في أقوالِنا وأفعالِنا مع من أحببنا ومع من لم نُحب.

стр. 2385

فقه الائتلاف (١) الخطبة الأولى: إن الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ من شرور أنفسِنا ومن سيئات أعمالِنا، ومن يهدِه الله فلا مضلّ له، ومن يُضلل فلا هاديَ له، أشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه .. اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائرِ الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعينَ ومن تَبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٣). عبادَ الله: كان الحديثُ في الجمعةِ الماضية عن جوانبَ من العدلِ، وكم نحن بحاجةٍ إلى مزيد الحديث في مثل هذه المواضيع. ولئن كان الحديثُ كثيرًا عن أدبِ الخلاف - والحاجةُ تدعو لمثل ذلك - فثمةَ حديثٌ عن فِقه الائتلاف .. والحاجةُ لذلك داعيةٌ إليه وأكثر، وكيف لا، والأصلُ في أمةِ الإسلام الائتلافُ لا الاختلاف، والاجتماعُ لا الفرقة والتنازع ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (٤). أيها المسلمونَ: إن من قواعدِ الائتلافِ إنصافِ عامةِ المسلمينَ وخاصتِهم .. فكيف السبيلُ لهذا الإنصاف؟

стр. 2386

إن مما لا شك فيه أن المسلمين - قديمًا وحديثًا - يتفاوتون في مراتبِ الإيمان؛ فهناك من هُم في الذروة من الإيمانِ، وهناك من هم في أدنى درجات الإيمان، وهناك طائفةٌ في الوسط بين هؤلاء وأولئك، ولكن الجميع تجمعهم رابطةُ الإسلام، وحسابُهم على الله، وما لم يخرجِ المسلمُ من الملةِ، فإن له حقًّا في الموالاةِ على قدرِ إيمانِه. وما من شك كذلك أن الفِرقةَ الناجيةَ من خيرةِ المسلمين، وهم أهلُ السُّنةِ والجماعةِ الذين قالوا وعملوا بالكتابِ والسُّنة. ولكن دائرةَ المؤمنين تتسعُ لتشملَ غيرَ الفرقةِ الناجيةِ من عُصاة المسلمين ومن وُجدَ عندهم نوعُ انحراف .. لكنهم في دائرةِ الإسلام .. وهذا ما نص عليه الشيخُ ابنُ تيميةَ ﵀ حين قال: «وإذا قال المؤمنُ: ربّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، يَقْصدُ كلّ من سبقَه من قرونِ الأمةِ بالإيمان، وإن كان قد أخطأ في تأويلٍ تأوَّلَه فخالف السُّنةَ، أو أذنب ذنبًا، فإنه من إخوانه الذين سبقوه بالإيمان، فيدخلُ في العموم، وإن كان من الثنتين والسبعين فرقةً، فإنه ما من فرقةٍ إلا وفيها خلقٌ كثيرٌ ليسوا كفارًا، بل مؤمنون فيهم ضلالٌ وذنبٌ يستحقونَ به الوعيدَ كما يستحقُّه عصاةُ المؤمنين» (١). إخوةَ الإسلام وفي سبيلِ الائتلاف بين المسلمين أرشدَ العلماءُ إلى عددٍ من القواعدِ والآدابِ لا بد من مراعاتِها والوقوفِ عندها، ومنها: ١ - أنهم لا يُخرجونَ مسلمًا من الملَّةِ إلا بتوفُّر الشروط وانتفاءِ الموانع. ٢ - ويرون أن الخطأ في الحكمِ بالإيمان أهونُ من الحكمِ بالكفر. ٣ - وهم يتحفظونَ ويتحوَّطونَ أكثر عند تكفيرِ فردٍ بعينِه أو لعنِه.

стр. 2387

٤ - بل ولا يتسرعونَ في التكفيرِ، وإن خطّأوا أو بَدَّعوا أو فَسّقوا. ٥ - وفي مسائلِ الاجتهاد يرونَ أنه لا تأثيمَ ولا هُجران. ٦ - وإذا لزمَ الهجرُ، فإنما هو للتأديبِ لا للإتلافِ، وللشفاءِ لا للقتل. ٧ - وهو يرون الأخذَ بالظاهر، واللهُ يتولى السرائرَ، ويرون إجراءَ الأحكام على ظاهرِ الناس لا على القناعاتِ القلبية، وفي هذا يقول الشاطبيُّ ﵀: «فإنَّ سيدَ البشر ﷺ مع إعلامِه بالوحي يُجري الأمورَ على ظواهِرها في المنافقين وغيرِهم، وإن علِمَ بواطنَ أحوالهم» (١). أيها المؤمنونَ: ومما يعينُ على الإنصافِ ويحققُ الائتلافَ، ألا تكون الموالاةُ والمعاداةُ خاضعةً للانتماءِ والحزبيةِ الضيِّقة، والطائفةِ والقرابةِ والهوى، بل تكون المولاةُ للحقّ ومع أهلِ الحقِّ .. والمعاداةُ للباطل وأهلِ الباطل .. مهما كان قربُهم وبعدُهم وانتماؤهم، وهنا يُنبِّه ابنُ تيميةَ على صنفٍ يغضبونَ أو يَرضون لا بقصد أن تكونَ كلمةُ الله العليا، وأن يكونَ الدينُ كلُّه لله، بل يغضبون على كلِّ من خالفهم، وإن كان مجتهدًا معذورًا - لا يغضبُ الله عليه - ويرضونَ عمن كان يوافقهم، وإن كان جاهلًا سيِّئَ القصد، فيُفضي هذا إلى أن يَحمدوا من لم يَحمدْه اللهُ ورسولُه، ويَذموا من لم يَذمَّه اللهُ ورسُولُه وتصير موالاتُهم ومعاداتُهم على أهواءِ أنفسِهم، لا على دين الله ورسولِه ﷺ (٢). إن من أخطائنا - أننا نسرفُ في الثناءِ على من أحببنا - أو نُسرفُ في الذمّ، بل الهجوم أحيانًا على من أبغضْنَا وخالفْنَا، وقد يكون لهذا الذي أحببنا أخطاءُ ونغُضُّ الطرفَ عنها، وقد يكون لهذا الذي أبغضنا حسناتٌ وإيجابياتٌ غَمطناه

стр. 2388

حقَّه فيها ولم ننصِفْه في ذِكرها، والوسطيةُ منزلةٌ بين الغلوِّ والجفاء، ولهذا قال العلماء: «وإذا اجتمع في الرجل الواحدِ خيرٌ وشرٌّ، وفجورٌ وطاعة، وسُنةٌ وبدعة، استحقّ من الموالاةِ والثوابِ بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداةِ والعقاب بحسبِ ما فيه من الشر، فيجتمعُ في الشخص الواحد موجباتُ الإكرام والإهانةِ، فيجتمعُ له من هذا وهذا كاللصّ الفقيرِ تُقطع يَدُه لسرقتِه، ويُعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته» (١). أيها العلماءُ والدعاةُ وطلبةُ العلم: وأنتم قدوةٌ لغيركم في تحقيق الائتلاف وردمِ فجواتِ الاختلاف وآثارِها السيئة وإذا كان الخلافُ واردًا في بعضِ مسائل العلم، وفي عددٍ من الاجتهادات والأمور الفرعية، فينبغي أن يبقى حبلُ الودِّ متصلًا، فالخلافُ في الرأي لا يُفسد للودِّ قضيةً - كما يُقال - وإذا كان الصحابةُ رضوان اللهِ عليهم قد اختلفوا في بعض المسائلِ الاجتهادية - فميزتُهم أنهم كانوا مع ذلك أهلَ مودةٍ وتناصح، ومع تنازعهم في مسائلَ علميةٍ اعتقاديةٍ إلا أنهم حافظوا على بقاءِ الجماعةِ والأُلفة .. كما قررَ ذلك العلماءُ كالشاطبيِّ وابن تيميةَ وغيرِهم (٢). أما أنتم معاشرَ العَوامَ: فلا تظنوا أن الاختلافَ بين العلماء في بعض المسائلِ مؤشرٌ للشرور والفساد، بل قد يكون الاختلافُ رحمةً وتوسعة، ومن فقه عمرَ بنِ عبد العزيز ﵀ قولُه: ما يَسرُّني أن أصحابَ رسول الله ﷺ لم يختلفوا، لأنهم إذا اجتمعوا على قولٍ فخالفهم رجلٌ كان ضالًا، وإذا اختلفوا فأخذ رجلٌ بقول هذا، ورجلٌ بقول هذا كان في الأمر سَعةٌ (٣). ونقل ابنُ تيميةَ أن رجلًا صنَّف كتابًا سماه «كتابَ الاختلاف» فقال الإمام

стр. 2389

أحمدُ: سمِّه «كتاب السعة» (١). ومع ذلكَ كلِّه فعلى العلماءِ والدعاةِ وطلبةِ العلم والوعاظِ والمربين أن يسعوا إلى التأليف واجتماع الكلمة، ولو كان ذلك بترك فعلِ المستحبّات - أحيانًا - إذ أن مصلحةَ التأليفِ وجمعَ القلوبَ أولى وأعظمُ من فعل المستَحبّ أحيانًا، وفي هذا يقول شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ ﵀: «ويستحبُّ للرجل أن يَقصدَ إلى تأليفِ القلوبِ بترك هذه المستحباتِ، لأن مصلحةَ التأليف في الدين أعظمُ من مصلحةِ فعل مثلِ هذا، كما ترك النبيُّ ﷺ تغييرَ بناءِ البيت، لما في إبقائه من تأليف القلوبِ، وكما أنكر ابنُ مسعودٍ ﵁ على عثمانَ ﵁، إتمام الصلاةِ في السفر، ثم صلى خلفه مُتِمًّا، وقال: الخلافُ شرٌّ» (٢). وليس فقيهًا مَنْ فَرَّق المسلمين بفعل سنةٍ، لأنه أخلّ بواجبٍ؛ ولهذا كان الشيخُ ﵀ يرشدُ الأئمةَ إلى جمع كلمة الجماعة ولو تنازلَ عن بعض ما يراه ويقول: «ولو كان الإمامُ يرى استحبابَ شيءٍ، والمأمومونَ لا يستحبونه، فترَكه لأجل الاتفاق والائتلاف كان قد أحسن» (٣).

стр. 2390

الخطبة الثانية: الحمدُ لله ربِّ العالمين، أشهدَ نفسَه وملائكتَه وأولي العلمِ على وحدانيتِه وقيامِه بالقسط، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريك له يُحبُّ المقسطين، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، جاءت شريعتُه محقِّقةً للعدل، داعيةً للمودةِ والائتلاف، وناهيةً عن الفرقةِ والشقاقِ والتباغضِ، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. عبادَ الله: ومن قواعدِ الائتلاف استيعابُ المخالِفِ واستمالتُه للحقِّ بهدوءِ العبارة وحُسن المجادلةِ، وفتحِ الفرصِ المناسبةِ للحوار البنّاء، والوصولِ إلى نتائجَ طيبةٍ، أجل إن الله وجَّه رسولَه ﷺ في الحوار مع المشركين أن يقولَ لهم: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (١). فالرسولُ ﷺ على يقينٍ أن ما عليه هو الحقُّ، وما عليه المشركونَ باطلٌ، ولكنه أسلوبٌ من أساليبِ الحوار يُستمالُ به الخصمُ للحقِّ، ولا يقطعُ الطريقَ عليه لأول وَهْلَةٍ .. وإذا أخطأنا في أساليبِ الحوارِ مع إخواننا المسلمين، ولم نُعطِ أيَّ فرصةٍ لإبداء وجهةِ نظرِ الطرف الآخرِ، فعلينا أن نقرأ في السيرة النبوية وسنجدُ فيها أن رسولَ الله ﷺ وهو يحاورُ رمزًا من رموز الجاهليةِ ووَتًدا من أوتادِ قريش قال له: «قُل يا أبا الوليدِ أسمعْ». ولا يُبادرُه بسهام الحقِّ - وهو الأعلى - حتى يقولَ له: «أفرغتَ يا أبا الوليد؟ ». إنه ليس ضعفًا ولا تزلُّفًا ولا نفاقًا، وإنما الرغبةُ في استمالته ودعوتِه للحقِّ .. وقد كان شيءٌ من هذا .. ودخل في نفس الوليدِ شيءٌ من عظمةِ محمد ﷺ وعظمةِ القرآن، حتى قالت قريش: والله لقد جاءكم الوليدُ بغير الوجهِ الذي ذهب به.

стр. 2391

إنها مَلَكةُ الحكمةِ في الدعوة، والمهارةُ في الحوار، والقدرةُ على الإقناع، وليست سفسطةً، ولا جدلًا عقيمًا، أو ترفًا فكريًّا .. ففرقٌ بين هذا وذاك! ! أيها المسلمون: ومما يعين على الائتلاف التحذيرُ من الباطل دون التصريح بالمبطِلين، إلا إذا دعتِ الحالُ للتصريح، ذلك أن التعريفَ بالضلال تعرية لأهلِه، وقد يعودُ صاحبُ الضلالِ إلى الحقِّ إذا لم يُشهَّرْ به، والعلماءُ يقولون: ليس كلّ ما يُعلم مما هو حقٌّ يُطلبُ نشرُه .. لا سيما إن كان نشرُه يثيرُ فتنةً. ومن سُبلِ التأليف مخاطبةُ الناس بما ينفعُهم وعلى قدر عقولِهم، وفي هذا يقول عليٌّ ﵁: «حدِّثوا الناسَ بما يعرفون، ودعوا ما ينكرونَ، أتحبونَ أن يُكذَّبَ اللهُ ورسولُه». وعن ابن مسعود ﵁: «ما من رجلٍ يُحدّثُ قومًا حديثًا لا تبلُغه عقولُهم، إلا كان فتنةً لبعضهم». ويُعدد الغزاليُّ من وظائفِ المعلم المرشِد: أن يقتصرَ بالمتعلِّم على قدْر فهمِه، فلا يُلقى إليه ما لا يبلُغه عقلُه فيُنفِّره، وكذلك قيل: كِلْ لكلِّ عبدٍ بمعيار عقلِه، وزنْ له بميزانِ فَهمِه، حتى تسلمَ منه وينتفعَ بك، وإلا وقعَ الإنكارُ لتفاوتِ المعيار (١). على أن مما يوقعُ في الفرقةِ والخلافِ التعالمُ والتبجحُ بذكر المسائل العلميةِ لمن ليس من أهلِها، أو ذكرُ كبارِ المسائل لمن لا يحتملُ عقلُه إلا صغارَها، فمثلُ هذا يوقعُ في مصائبَ ونفرةٍ وخلافٍ؛ كما قررَ أهل العلم (٢)، فليحذر منه. أيها المسلمون: ومن قواعدِ الائتلاف الإنصافُ بالموازنةِ بين المصالحِ والمفاسدِ، فإسلامُ كافرٍ على يد مبتدعٍ أولى من بقاءِ الكافر على كفرِه. وتوبةُ فاجرٍ بسماعه أحاديثَ ضعيفةٍ خيرٌ من بقائه على فجوره.

стр. 2392

والصلاةُ خلفَ المبتدِع أولى من ترك الجماعةِ، بل يُستعانُ بالمبتدِعةِ في تحصيل واجبٍ أعظم، وتُحتملُ مفسدةُ بدعتِهم، وكذلك أخذَ السلفُ بعضَ الأحاديث عن أهل بدعةِ القَدَرِ في البصرة حين لم يجدوها عند غيرهم من أهل السُّنة، بعد موازنَتهم بين هجر الرواية عنهم زجرًا لهم عن بدعتهم وبين مصلحة حفظِ السّنةِ، وقررَ هذا ابنُ تيمية بقوله: «فلو تُرك روايةُ الحديثِ عنهم لاندرسَ العلمُ والسننُ والآثارُ المحفوظةُ فيهم». بل رتبَ على ذلك قاعدةً عامةً ومهمةً قال فيها: «فإذا تعذَّرَ إقامةُ الواجباتِ من العلم والجهاد وغيرِ ذلك إلا بمن فيه بدعةٌ مضرتُها دون مضرةِ ترك ذلك الواجب، كان تحصيلُ مصلحةِ الواجبِ مع مفسدةٍ مرجوحةٍ معه خيرًا من العكس» (١). إخوةَ الإسلام: ومما يُسهمُ في الائتلاف بين المؤمنين قابليةُ التنازلِ لمصلحة الجماعةِ، وإن كان المتنازلُ أحقَّ من غيره، وفي أحدِ غزواتِ المسلمين (ذات السلاسل)، أمّرَ عليهم الرسولُ ﷺ عمرو بنَ العاصِ ﵁، ثم بعثَ له مددًا من المهاجرين فيهم أبو بكرٍ وعمرُ، وأمَّر عليهم أبا عبيدةَ ابنَ الجراح ﵁، فلما وصلَ المددُ قال عمرو: أنا أميرُكم، فقال المهاجرون: بل أنت أميرُ أصحابِك، وأميرُنا أبو عبيدةَ، فقال عمروٌ: إنما أنتم مدَدٌ أُمددتُ بكم، فلما رأى ذلك أبو عبيدةَ - وكانَ رجلًا حسنَ الخُلُق، ليّنَ الشيمة، متبعًا لأمر رسول الله ﷺ مُحبًا للتأليفِ والجماعة - سلَّمَ الإمرةَ لعمرو وجمعَ الكلمة (٢). عبادَ الله: وحين يُوصي العلماءُ والدعاةُ وطلبةُ العلم بالحرصِ على الائتلاف ودفع الاختلاف بكلِّ وسيلة، فلا يعني ذلك تميعَ الدين أو السكوتَ عن الحقِّ

стр. 2393

وكشفِ الباطل .. لكنه الأدبُ في الاختلاف والسعيُ بكلِّ وسيلةٍ للائتلاف، وكم هو رائعٌ أن يدفعَ العلماءُ مفسدةَ فتنةِ العامة، بإظهارِ الوُدّ وتقديرِ بعضهم لبعض، وعدم التنازعِ على مشهد من الناس، ومما يُذكر في ذلك أن الإمام أحمدَ وإسحاقَ وعبدَ الرزاقِ خرجوا إلى المصلي في عيدِ الفطر، وكان أحمدُ وإسحاقُ يَرون سُنيةَ التكبير لعيد الفطر، بينما لا يرى عبدُ الرزاق سنيةَ التكبير إلا في عيدِ الأضحى، ولكن ما الذي حصل في المصلَّى؟ لم يكبر أحمدُ وإسحاقُ مراعاةً لاجتهاد عبدِ الرزاقِ، وعبدُ الرزاق عجبَ من عدم تكبيرِهما وقال: لو كبَّرتما لكبَّرت معكما، مداراةً لاجتهادهما، ودفعًا لفتنةِ العَوَام (١). وهكذا يحرصُ العلماءُ على توحيد المواقف أمامَ الناس، وإن اختلفت اجتهاداتُهم في بعض المسائل. ويُوصي العلماءُ وطلبةُ العلم - كذلك - في سبيلِ الائتلاف ودفع الاختلافِ والفرقةِ بالسكوتِ أحيانًا عن بعض المسائلِ غير المألوفةِ، لاسيما إذا كان الخلافُ فيها جاريًا، ونشرُها بين الناس يُحدثُ فتنةً لبعضهم، وهنا يرشدُ الشاطبيُّ ﵀ إلى ضابطٍ لعرض المسائلِ الشرعيةِ المثيرةِ ويقول: «وضابطه أنك تَعرضُ مسألتَك على الشريعةِ، فإن صحّت في ميزانِها، فانظر في مآلها بالنسبة إلى حالِ الزمانِ وأهلِه، فإن لم يؤدِّ ذكرُها إلى مفسدة فاعرِضها في ذهنك على العقول، فإن قبلتها فلكَ أن تتكلمَ فيها، إما على العمومِ، إن كانت مما تقبله العقولُ على العموم، وإما على الخصوص، إن كانت غيرَ لائقةٍ بالعموم، وإن لم يكن لمسألتِك هذا المساغُ فالسكوتُ عنها هو الجاري على وفقِ المصلحةِ الشرعية والعقلية» (٢).

стр. 2394

ومع هذه الوصايا للعلماءِ والدعاةِ وطلبةِ العلم يوصَى عوامُّ المسلمين وغيرُ المتفقهين منهم بالثقةِ بأهل العلم، وتوسيع المداركِ، وعدمِ العجلةِ بإصدار الأحكام، وعدمِ الفرحِ بالخلاف يقع بين العالِمَيْن، وبعدم التشكُّك في شيء من دين اللهِ، إذ الخلاف يقعُ في فروعِ الدين لا في أصولِه، وقد يكون في هذا الاختلافِ رحمةٌ وسَعَةٌ، وحين يقعُ التنازلُ فلا بد من ردِّه إلى اللهِ ورسولِه وإلى ورثةِ الأنبياء ﵈. عبادَ الله: كم نحن بحاجةٍ جميعًا إلى الفقه في الدِّين، ذلك الفقه الذي يجمعُ ويؤلفُ ويهدي ويرشدُ، وكم نحن بحاجة إلى أن نبلُغَ بدينِنا ما بلغ الليلُ والنهارُ .. دون أن نهدرَ شيئًا من طاقاتنا في الوقيعة والخلاف بين المسلمين .. وإنني بهذه المناسبة أوصي بقراءة كتابٍ نافعٍ جامع - كذا أحسبُه واللهُ حسيبنا جميعًا - هذا الكتابُ صدر مؤخرًا بعنوان «فقه الائتلاف - قواعدُ التعامل مع المخالفين بالإنصاف» ومؤلفه محمود محمد الخزندار وهو من مطبوعات دار طيبة في الرياض - أسألُ اللهَ أن يجزلَ المثوبةَ لمؤلفِه وأن ينفع به، وأن يعلِّمنا جميعًا ما ينفعُنا، وأن ينفعَنا بما علَّمنَا.

стр. 2395

الخطر المتجدد (١) الخطبة الأولى: الحمدُ لله ربِّ العالمينَ، مكّنَ لدينه الحقَّ، ونصرَ أولياءَه أصحابَ الحقِّ رَغم جحودِ الكافرين، وخَبَثِ المنافقين، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريك له، الدينُ عندَه الإسلامُ، ومن يَبتغِ غيرَ الإسلام دينًا فلن يُقبلَ منه وهو في الآخرة من الخاسرين، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، جاءت رسالتُه وكتابُ ربِّه مصدِّقًا لما بين يَديهِ من الكتابِ ومُهيمنًا عليه، وبالدعوة والجهادِ ارتفعتْ رايةُ الإسلامِ، وخاب المشركون .. اللهم صلّ وسلّم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلينَ، وارضَ اللهّم عن الصحابةِ أجمعين والتابعين ومن تبعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٣). عبادَ الله: تُهدِّد الأمةَ الإسلاميةَ في الماضي، وما تزال تُهدِّدها في الحاضر عِدّةُ مخاطرَ من ذواتِ أنفسِها متمثلةً في هوى الأنفُس وضعفِها وكيدِ الشيطان ووسوستِه، ومن داخل صفِّها متمثلةً في إرجافِ المنافقين، ومطامعِ المنتفعين وجهْل الجاهلين، ومن خارج دائرتِها، وذلك بحرب اليهود والنصارى، وعداوةِ المناوئين كافةً للإسلام والمسلمين، وسأقصرُ حديثَ اليوم على طائفةٍ من هذا

стр. 2396

النوع الثالثِ من الأعداء .. بات يتسلّلُ في بلاد المسلمين وغيرِها، ترعاه دولٌ كبرى، ويتخذُ من الهيئاتِ والمنظماتِ العالمية غطاءً لتنفيذ المخطّطات بعد رسم السياساتِ، وما يعجزُ عنه بالسياسة والتنصير يُستخدمُ له أسلوب القوة والقتل والتهجير. إنه الخطرُ النصرانيُّ واجهَ المسلمين في زمن النبوةِ، وما زال يواجُههم حتى اليوم، ولكنّ نارَه تخبو على صيحاتِ جهادِ المسلمين وفي زمن قوتِهم، ثم لا تلبثُ أن تتأجّجَ في مراحل ضعفِ المسلمين وتفرُّقهم، وغياب قادتِهم. أجل؛ لقد اعترف النصارى وغيرُهم من أهل الكتاب بصدقِ رسالةِ محمد ﷺ ، ولكن معظمَهم كتمَ الحقَّ وعارضَه، وصدَق وَعْدُ الله فيهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١). وعظيمُ الروم (هرقل) كان واحدًا من هؤلاء الذين اعترفوا بالإسلام وبصدْق محمدٍ ﷺ ، وقد جمع عظماءَ الروم في دَسكرةٍ له بحمص وقال لهم: هل لكم في الفلاح والرُّشد، وأن يثبت ملكُكم فتبايعوا هذا النبيَّ .. وهو الذي قال لأبي سفيان ﵁ بعد حواره معه -: «وقد كنتُ أعلم أنه خارجٌ .. فلو أني أعلمُ أني أخلُص إليه لتجشَّمتُ لقاءَه، ولو كنتُ عندَه لغسلتُ عن قدمِه» (٢). ومع ذلك كلِّه آثرَ (هرقلُ) ملكَه ولم يُسلِم، بل جهّز الجيشَ وأعدّ العُدّةَ لقتال المسلمين، ورسولُ الله ﷺ على قيد الحياةِ، وكانت غزوةُ (مؤتَة) التي استُشهد فيها عددٌ من المسلمين وفي مقدّمتهم أمراءُ المسلمين الثلاثةُ - واحدةً من المعارك بين الإسلام والنصرانيةِ، ومن كيدِ النصارى للمسلمين. ثم استمرَّ الكيدُ في زمن الخلفاءِ الراشدين، وكانت معركةُ اليرموكِ من أعنفِ

стр. 2397

المواجهاتِ مع النصارى، ولكنّ المسلمين أبلَوْا فيها بلاءً حسنًا، حتى تم النصرُ لهم. وعجِبَ النصارى من تفوّق المسلمين عليهم، وقال هرقلُ لمنهزمةِ الروم: ويلَكُم أخبروني عن هؤلاءِ القومِ الذين يُقاتلونكم، أليسوا بشرًا مثلَكم؟ قالوا: بلى، قال: فأنتم أكثرُ أم هم؟ قالوا: بل نحن أكثرُ منهم أضعافًا في كلِّ موطنِ. قال: فما بالُكُم تنهزمون؟ قال شيخٌ عظيمٌ منهم: من أجلِ أنهم يقومونَ الليلَ ويصومونَ النهارَ، ويوفونَ بالعهدِ، ويأمرون بالمعروفِ وينهون عن المنكرِ، ويتناصفون بينَهم، ومن أجل أنّا نشربُ الخمرَ، ونزني، ونركبُ الحرامَ، وننقضُ العهدَ، ونغضبُ ونظلِمُ ونأمرُ بالسّخطِ، وننهى عما يُرضي اللهَ، ونُفسدُ في الأرضِ، فقال هرقل: أنتَ صدقتني (١). وكذلك حين يَصدقُ المسلمون مع أنفسِهم ويتمسّكوا بإسلامهم يُنصَروا. إخوة الإسلام: واستمرتِ الجبهةُ النصرانيةُ في زمن الدولةِ الأمويةِ والعباسيةِ من أشدّ جبهاتِ الأعداءِ في مواجهةِ المدِّ الإسلاميِّ، ولم يتمكّنِ المسلمون من نشرِ دينِ اللهِ في ممالِك النصارى وغيرِها إلا بعد أن قدّموا عددًا من الشهداءِ، وتناثرتِ الجُثثُ في البَرِّ والبحر، والويلُ للمسلمين حين يَظفرُ بهمُ النصارى، وفي زمن عمر بن عبد العزيز ﵀ مثلًا - يروى أنه أرسل سريةً إلى بلد الروم وفيها ثلاثةُ إخوةٍ من أشعِ الناسِ، فقتَلوا في الروم مَقتلةً عظيمةً، ثم إنهم أُسروا ثلاثتُهم، وعَرضَ عليهمُ الملكُ التنصّرَ فأبَوْا، فأحرقَ اثنين واستبقى واحدًا وأعطاه لبعض بطارقتِه لينصِّرَه، فأسلم به هو وزوجتُه وولدُه، فَخَدّ لهمُ الملكُ - لما سمع بهم - أُخدودًا وطرحهم فيه، فأماتَهُم اللهُ قبل أن يَصلوا إلى النار (٢).

стр. 2398

ثم استمرتِ المناوشاتُ بين المسلمين والنصارى قرونًا متطاولةً، وكانت الحروبُ الصليبيةُ ضد المسلمين من أعتى هذه الحروبِ وأوسَعِها نِطاقًا، وذلك يومَ أن دعتِ البابويةُ - في أوروبا - لشنّ حربٍ على المسلمين تثأرُ بها الكنيسةُ الغربيةُ لما حلَّ بالعالمِ النصرانيِّ من خسائرَ نتيجةَ حركةِ الفتح الإسلاميِّ، ودخولِ أصقاعٍ وأممٍ في دين الإسلام. وفي هذه الحملاتِ الصليبيةِ تحرّك رجالُ الكنيسةِ، وبرزَ نشاطُ القساوسةِ والرُّهبانِ، واجتمع إليهم الساسةُ الأوربيون، كلُّ ذلك في سبيل إثارةِ العواطفِ ودفْعِ النصارى إلى التضحية بكلّ ما يملكون في سبيل القضاءِ على الإسلام والمسلمين، وقد عبّر عن حقيقةِ الأهدافِ الدينيةِ في هذه الحروبِ مؤرخو الغربِ، وقال أحدُهم: هذه المشاعرُ التي حرّكتِ النصرانيةَ للقيام بالحروب المقدسةِ لم يكن هدفُها القتالَ من أجل ممالكَ أرضيةٍ، بل في سبيل مملكةِ السماء (١). ولكنّ الله هيأَ للمسلمين قادةً صالحين، لم يقعد بهم نَسبُهم غيرُ العربيِّ عن مواصلةِ ما ابتدأه إخوانُهم من قَبلهم، فكان في العنصر التركيِّ والكردي والتركماني رجالٌ أوفياءُ لقّنوا الصليبيين دروسًا لن ينسَوْها، وبثُّوا في المسلمين رُوحَ الجهاد حتى خلَّصوا بلادَ ومقدساتِ المسلمين من سيطرة الصليبيين. وظلّ النصارى محتفظين بحقدِهم على الإسلام والمسلمين، وما زالوا يُخطِّطون للقضاء على وِحدةِ المسلمين، حتى تمّ لهم ما أرادوا حين قضوا على الخلافةِ الإسلاميةِ، وفرّقوا المسلمين على شكل دويلاتٍ تفصِلُها الحدودُ

стр. 2399

المصطنعةُ، وتخالِفُ بين شعوبها القومياتُ والنعراتُ الوافدةُ، وأصبح كلُّ حزبٍ بما لديهم فَرِحون. وفي ظلِّ هذه الأجواءِ كان الاستعمارُ يحكمُ عددًا من بلاد المسلمين، ولا تسأل عما خلّفه من فسادٍ في القيمِ والأخلاقِ، والتصوراتِ والمعتقداتِ، وسياساتِ الإعلام والتعليم والاقتصادِ، وحين كان الساسةُ الغربيون يُفسدون النُّظُمَ ويُشرّعون القوانينَ، كان إلى جانبهم رجالُ الدّينُ يُنصِّرون ويَنصبون الخيامَ للدعوة لتعاليم المسيح - كما يزعمون. وفوق ذلك كلِّه، فقد كانَ للنصارى دورٌ واضحٌ في زرعِ اليهودِ في أحضانِ العالمِ الإسلامي، ومنذُ وعدِ (بلفور) إلى يومنا هذا، وحواضرُ النصارى تدعمُ الوجودَ اليهوديَّ؛ لتكون قوةً مساندةً لهم في حربِ المسلمين، وقد كان. إنها سلسلةٌ من المكائد والحروبِ يَشهدُ بها التاريخُ على حقد النصارى وتعصُّبهم ضدَّ المسلمين، وكفى باللهِ شهيدًا، وبالقرآن حكمًا والله يقول: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (١)، لا يستثنى من ذلك إلا من آمنَ منهم ولم يستكبر عن قَبول الحقِّ، أولئك الذين عناهم اللهُ بقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ (٢). وأشار إليهم بقوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا

стр. 2400

فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ (١). إلى غير ذلك من نصوصٍ جاءت في مُؤمنةِ أهلِ الكتابِ الذين استجابوا للهِ والرسولِ. أما سواهم فقد جاء التحذيرُ الإلهيُّ عن موالاتِهم وحاكمًا على من وَالاهم، فقال تعالى مخاطبًا أهلَ الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ (٢).

стр. 2401

الخطبة الثانية: الحمدُ لله ربِّ العالمين، من توكّلَ عليه كفاهُ، ومن يعتصم بالله فقد هُديَ إلى صراطٍ مستقيم، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريك له، اقتضت حكمتُه أن يتدافعَ الحقُّ والباطلُ في الأرض إلى يوم الدين، ليميزَ اللهُ الخبيثَ من الطيبِ، ويجعلَ الخبيثَ بعضَه على بعضٍ فيركُمُه جميعًا فيجعلُه في جهنم، أولئك هم الخاسرون، وأشهد أنّ محمدًا عبدُه ورسولُه، نصر اللهُ به الحنيفيةَ السّمحاءَ، وجاءت رسالتُه متممةً لرسالاتِ السماء، وجاء بُنيانُه مكمِّلًا لبنيان الأنبياءِ قبلَه - وعليه وعليهم جميعًا أفضلُ الصلاةِ وأزكى التسليم. إخوة الإيمان: وحين أسوقُ لكم باختصارٍ نماذجَ للكيد النصرانيِّ ضد الإسلام والمسلمين، لا يفوتني أن أذكرَ بأن كيدَ النصارى سابقٌ لبعثةِ محمد ﷺ ، فقد كانوا لا يَرْضوْنَ بوجود دينٍ ينافسُ دينَهم، ولو كان دينُهم - هم - محرّفًا، ولو كان الدّينُ الذي ينافسُهم عبادةَ الأوثان، ولا يَرضوْن بقوم ينافسونهم على السِّيادة، ولو كانوا قِلّةً بجانب كثرتِهم هم، وكفرةً وثنيين، وهم يزعمون الإيمانَ ويتشبّثون بالدِّين، وفي قصة الفيلِ - التي جاء ذكرُها في القرآن - وغيره عبرةٌ وعِظةٌ - لمن تأمّل - في تاريخ النصرانية والنصارى. وقد جعل كيدَهم في تضليل، وحفظ بيتَه من عَبثِ النصارى، وأرسل عليهم طيرًا أبابيلَ، ترميهم بحجارةٍ من سِجيل، فجعلهم كعصفٍ مأكول. وكانت الحادثةُ إيذانًا بعدم صلاحية النصارى لقيادة العالم، وإرهاصًا لبعثةِ محمدٍ ﷺ ؛ لتكون الكعبةُ المحفوظةُ قِبلتَه، وليكون العربُ المنتصرون قومَه ورجالَه، واستجاب اللهُ دعاءَ عبد المطلب - زعيمِ قريشٍ حينها: لاهُمّ إنّ العبدَ يمنعْ ... رَحْلَه فامْنَعْ رِحالَكْ

стр. 2402

لا يَغلبنَّ صليبُهم ... ومِحالُهُم أبدًا مِحالَكْ إخوة الإسلام: ولا يقولنّ قائلٌ - حين يسمعُ مكائدَ النصارى -: ذاك تاريخٌ مضى، وهم اليوم يمثِّلون التسامحَ، ويَرعونَ التحضُّرَ في العالم، وتلك - وربِّي - نظرةُ تغفيلٍ تؤكّدُ الوقائعُ المُرَّةُ خلافَها، وتَشهدُ مخططاتُ النصارى للحاضرِ والمستقبلِ بنقيضها، ودونكم الحقائقَ عن حركاتِ التنصير في العالم فاعقِلوها واعتبروا بأحداثها. يقول المنصّرُ الألمانيُّ (هانز): لم يحدثْ أن اتفقت الكنائسُ واتّحدتْ إلا في هذا العصرِ الذي اتخذ فيه الجميعُ خطةَ تنصير المسلمين أُقنومًا رابعًا يُضاف إلى الأقانيم الثلاثةِ التي تقومُ عليها عقيدتُنا نحن المسيحيين (١). ومن التنظير إلى التنصير الفعلي حيث يَسري قطارُ النصرانيةِ من أقصى الشمالِ إلى أقصى الجنوبِ، ومن مَغْرِب العالم الإسلاميِّ إلى أقاصي المشرق، وينتقل (بابا) الفاتيكان من أفريقيا إلى آسيا، داعمًا حركةَ التنصيرِ، ويقول البابا بولس الثاني - حين قام بثالث رحلةٍ لأفريقيا خلال خمسة أعوام-: إنه يأملُ أن يُرسي قواعِدَ الكنيسةِ الكاثوليكيةِ الرومانيةِ ضدَّ النهضةِ الإسلاميةِ المتزايدِة في القارة (٢). وفي باكستانَ الدولة المسلمة يزورُ البابا (جون بول الثاني) كراتشي، بل ويُقيم (القُدّاسَ) في إستادها الرياضي، فماذا يعني ذلك؟ إنه التحدي لمشاعرِ المسلمين، والهجومُ الصارخُ على معاقلِ الإسلامِ (٣).

стр. 2403

ولعلَّكم تعجبون، بل تستغربون إذا علمتم أنّ في ماليزيا وحدها ما يَقرُبُ من خمس مائة منظمةٍ تنصيرية (١). إخوة الإيمان: ولكنَّ أمْرَ النصارى في واقعهم المعاصرِ أدهى من ذلك وأمَرُّ، فهم لا يكتفون بالدعوة السلميةِ ومحاولةِ تنصير الشعوبِ المسلمةِ وغيرِ المسلمةِ، بل يستخدمون القوةَ إذا شعروا بتفوّق المسلمين وأحسُّوا بيقظتهم، وفي أحداثِ الصربِ النصارى مع مسلمي البوسنة والهرسك، وما جرى في كوسوفا ويجري الآن في الشيشان، كلُّ ذلك وأمثالُه يُعدُّ وحشيةً يَنْدَى له جبينُ الإنسانية، وتُعدُّ نقاطًا مظلمةً تُسوَّدُ بها صحائفُ التاريخِ النصرانيِّ؟ واليوم تحدثُ مآسي في إندونيسيا ذاتِ الكثافةِ السكانيةِ المسلمةِ، ولم يكتفِ النصارى - ومن ورائهم الغربُ - بفصل (تيمور الشرقية) بل يتحركُ النصارى في جُزرٍ أخرى - على حين غفلةِ المسلمين عن إخوانهم - فيقتلون ويطردون المسلمين عن ديارهم. عبادَ الله: إن هذا الكَيدَ النصرانيَّ يؤكِّد - إلى جانبِ تعصُّبِ النصارى - يقظةُ المسلمين، فتلك اليقظةُ مقلقةٌ لعُبّاد الصليب، وحين نسوق نماذجَ لكيدهم لا ينبغي أن يداخلَنا شكٌّ في أن الغلبةَ للإسلام والمسلمين مستقبلًا، ولكن ينبغي أن تنشأ عندنا - معاشرَ المسلمين - تساؤلاتٌ، وتصحّحَ لنا مفاهيمَ خاطئةً، ومن بين هذه التساؤلات: وماذا يثير فينا هذا النشاطُ النصرانيّ المكثفُ من غيرةٍ لدين اللهِ وحماسٍ للدعوة للدين الحقِّ؟ ! وما هي برامجُ وخططُ المسلمين حاضرًا ومستقبلًا لمواجهة المدِّ النصراني الذي يحاولُ إعادةَ الاستعمار بطريقةٍ أخرى؟ وهل يُدرك العالمُ الإسلاميُّ خطورةَ السكوتِ على مخططاتِ الغربِ في اقتناصِ

стр. 2404

العالم الإسلاميِّ وحدةً وحدة، حتى يستحوذَ عليهم في النهاية أجمعين؟ ! إن الوعي بالخطر النصراني خطوة أولى، ولا بد أن تتبعها الخطوة الأخرى في الأعداد والعمل ولا بد - ثالثًا - من الصدق والصبر والمجاهدة حتى يأذن الله بالنصر إن على أيدينا أو على أيدي أبنائنا وأحفادنا. ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١) «ولينصرن الله من ينصره» .. اللهم انصر دينك وعبادك الصالحين، واجعلنا وذرارينا من أنصار دينك يا رب العالمين، اللهم اجعل كيد الكائدين في نحورهم، واجعل تدبيرهم تدميرًا عليهم يا حي يا قيوم.

стр. 2405

شعاع من المحراب الجزء التاسع إعداد د. سليمان بن حمد العودة

стр. 2406

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2407

شعاع من الحراب

стр. 2408

مظاهر وملاحظات في الإجازة الصيفية (١) الخطبة الأولى: الحمدُ لله يُقلِّبُ الليلَ والنهار، إن في ذلك لعبرةً لأولي الأبصار، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، كلَّ يومٍ هو في شأنٍ، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه خيرُ من صَلَّى وصام وحَفِظَ الجوارح .. واستثمرَ الزمان .. اللهمَّ صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائرِ الأنبياء والمرسَلين وارضَ اللهمَّ عن الصحابةِ أجمعينَ، والتابعينَ ومن تَبِعَهم بإحسان. أُوصِي نفسي وإياكم معاشرَ المسلمين بتقوى الله، وتلك وصيةُ الله للأولينَ وللآخرين: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٢). أيها المسلمون: ونحنُ الآنَ في نهايةِ الامتحاناتِ الطلابية وعلى أبوابِ الإجازة الصيفية .. بِمَ يُفكِّر الناس؟ وما هي أمَانيُّهم، وما مخطَّطاتُهم لهذه الإجازة، وكيف يُستثمرُ الوقتُ فيها؟ ما هي الملاحظاتُ والأمورُ التي يَحسُن التنبُّهُ لها والتذكيرُ بها؟ بِمَ يُفكِّر الشبابُ .. وكيف يُخطِّط الأولياءُ، وما هي جهودُ العلماءِ والدعاةِ وطلبةِ العِلم؟ وما أثرُ المؤسساتِ التربويةِ والقطاعاتِ الحكوميةِ في حماية الفضيلةِ ومحاصرة الرذيلة، والتقليلِ من نِسَبِ الجرائمِ في كلِّ حين، ولاسيَّما في الإجازةِ حيثُ الفراغُ، والتجمُّعاتُ والسَّهَراتُ والسفرياتُ وما ينتج عنها؟ عددٌ من التساؤلاتِ تَرِدُ، وعددٌ من المسؤولياتِ تُهمَل أو تُغفَل وبكل حالٍ

стр. 2409

فما أن تنتهيَ الامتحاناتُ وتُعلَنَ النتائجُ إلا وتبدأ المشاريعُ العائلية .. ولكلٍّ وِجْهةٌ هو مُولِّيها .. وبين يَدَي هذه المشاريعِ أُذكّرُ بالنِّقاطِ التالية: ١ - استحضارُ عَظَمةِ الله وتقديمُ أمره، والخوفُ من عقابِه قبل الإقدام على أيِّ مشروعٍ عائليّ، سواءٌ احتاجَ إلى سفر، أم كان داخلَ البلد وفي حدودِ الإقامة. ٢ - نذكِّرُ الأولياءَ لمسؤوليَّتِهم في الرعايةِ والقِوَامةِ، فكلُّكم راعٍ وكلُّكُم مسئولٌ عن رعيتِه .. وفَرْقٌ بين وليٍّ يُخطِّط ويستشيرُ أهلَه وأولادَه بالأصلَح .. وبين وليٍّ يُخطَّط من ورائه ويكون دورُه دورَ المنفِّذِ والمُنفِقِ لا أكثر؟ ٣ - وعلى الشبابِ والفتياتِ والأُمّهات أن يتذكَّروا قيمةَ الأعمار وأهميةَ استثمارِ الأوقات، وسرعةَ الآجال، وكثرةَ المنايا، فلا يأمروا أهليهم وأولياءَهم إلا بالخير .. ولا يُرهِقوهم بنفقاتٍ تضرُّهم ولا تنفعُهم، وتَحرِفهم ولا تهديهم سبيلًا. ٤ - وعلى المؤسَّسات التربويةِ والقطاعاتِ الحكوميةِ أن تقومَ بمسؤوليتها خيرَ قيام، وأن تخططَ للبرامجِ النافعة قبل أن يحزِمَ الناسُ أمتعتَهم للسفر فلا يلتفتون إلى برامجِهم، وربما لم يعلموا بما لديهم إلا بعدَ عودتهم من سفرهم. أيها الناس: وثَمّةَ مظاهرُ بدأت تنتشرُ بين الناسِ في الإجازة .. وأُنبّه إلى شيءٍ منها - وأكتفي بخمسٍ أو ستٍّ منها: ١ - السهر .. وتلك ظاهرةٌ لها مخاطرُها الصحية والأمنيةُ والخُلُقية .. كم يجري في بعض السَّهَراتِ من صَخَبٍ ومنكراتٍ تتقطع قلوبُ الغيورين لها بمجرَّد سماع أخبارِها .. وكم رُزِئت عوائلُ وخُدشت كرامةُ بعضِ أَفرادِها بسبب هذه السهراتِ الصاخبة. وحتى السهراتِ العائلية التي تَطُول إلى قرب الفجرِ، ثم ينام القومُ عن صلاة

стр. 2410

الفجر حتى يخرجَ وقتُها، تلك سهراتٌ نَصَبَ الشيطانُ فيها رايتَه، وهل يسهرُ أولئك على طول قيامٍ أو تلاوة قرآن؟ وأين نحنُ من قومٍ قال اللهُ عنهم: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (١). لقد رحلوا عنّا وقَدِموا إلى ما قدّموا - وخَلَفت من بعدهم خُلوفٌ أضاعوا الصلاةَ واتبعوا الشهواتِ. ٢ - أما السفرُ فهو سبيلٌ للتنفيس والترويحِ عن النفسِ والتأمُّلِ في كون الله الفسيح .. ولكنَّ المحظورَ حين يكونُ السفرُ مجاوزًا للحدودِ المشروعة، به تُهدَر الأموالُ وتُهدَر معها الكراماتُ، ويَضعُف الحياءُ، وتقلُّ الرقابةُ لله، ومن الفُهومِ الخاطئةِ عن بعض الناس أنه يَحِلُّ لهم في السفرِ ما لا يحلُّ لهم في الإقامة، أو شعورُ بعضهم بالخوفِ من الناس أكثرَ من خوفِهم من ربِّ الناس ... ! ومن المخاطرِ التي قد لا يتنبه لها بعضُ الأولياء السفرُ للخارج في بيئاتٍ تؤثرُ بشكلٍ أو بآخرَ على السلوكيات، وربما على المعتقَدَات. وضَعْفُ الرقابةِ في السفر له مؤثراتٌ سلبية حتى ولو كان السفرُ لأطهرِ بقعةٍ في الأرض، وكم يشكو رجالُ الهيئةِ من صِلاتٍ واتصالاتٍ غير مشروعة بين فتيانٍ وفتياتٍ كان أهلُهم يتعبَّدون، وهُمْ وهنَّ في الأسواق يتجوَّلون .. فهل يَعِي الأولياءُ تلك المخاطرَ ويراقبون ويهتمُّون بأوقاتِهم وأوقاتِ من يرحلون معهم من بنينَ أو بناتٍ؟ أخي الشاب: وقبل أن تحزم أمتعةَ السفر تَوقَّف وسائِل نفسَك: ما الهدفُ من السفر؟ وإلى أين تسافر؟ وماذا لو داهمَتْكَ المنيِّةُ وأنت تنوي السوءَ، أين أنت من هِمَّة شابٍّ قال عن نفسِه كما نقل الذهبيُّ: حفظتُ القرآنَ وأنا ابنُ سبع

стр. 2411

سنين، وما من علمٍ إلا وقد نظرتُ فيه وحصَّلتُ منه الكُلَّ أو البعض .. وما أعلمُ أني ضيَّعتُ ساعةً من عمري في لهوٍ أو لعب (١). لقد رَحَلَ هذا الشابُّ عن الدنيا وبقي ذِكرُه الطيبُ نديًّا عبرَ القرون، فهل فكّرتَ أخي الشاب بأي نوعٍ من الذكر سيبقى لك بعدَ رحيلِك؟ ٣ - والنُّزهة والسِّياحة لفظةٌ محبَّبةٌ للنفوس صِغارًا كانوا أم كِبارًا .. ولكن أيّ نزهةٍ، وما نوعُ هذه السياحة؟ إن النزهة لا يلزمُ أن تكون بمقارفةِ المحرَّماتِ ولا بإسقاط الحياء، ولا بسماع الغِناء والخَناء .. ومع الوعي في المجتمعِ لا بدَّ من اختيارِ النزهةِ المناسبة، تلك التي تُروِّح عن النفوس، وتُدخِل البهجةَ ويفرحُ لها الصغار ويأنس بها الكِبار .. لكن مع بقاءِ الحِشْمةِ والفضيلة ودونَ خوارمَ للمُروءة، أو إسقاطٍ للشَّهامةِ والرجولة. ومما يَجدُرُ التنبيهُ له أن البعض قد يرحلُ للنزهة والسياحة دون أن يستصحبَ أهلَه وأولاده، وذلك من بابِ الخوف عليهم وحمايتِهم لكنه يقعُ في المحظورِ الآخرِ حين تطولُ غَيْبتُهُ عن أسرته تاركًا الحبلَ على الغارب، فيحصلُ للأسرة في حالِ غَيْبته من الشرورِ والفساد ما يَنْدَى له الجبين، وقيِّمُ الأسرة غافلٌ في سياحته مستمتعٌ بتنزُّهه، ولربما صُدِمَ بالواقعِ بعد عودته .. لكنه بإهمالِه يتحمَّل مسؤولية ما أَهمَل، وبطولِ غَيبته وعدمِ رقابته يجني ثمارَه المُرَّة! ٤ - وحين يكون الحديثُ عن البيوتِ والأولاد .. يُمكن القولُ: إن لدينا قدرةً على ضبطِ بيوتنا - إذا أردنا - وتوجيهِ أولادنا إذا تَمَّت قناعتُنا، والدليلُ على ذلك أننا نُعلِنُ حالةَ الطوارئ أيامَ الامتحانات .. فنهتمُّ بإيقاظِ الأبناء والبناتِ مبكِّرين حتى لا تفوتَهم الامتحاناتُ، ونحرصُ على عدمِ سهرِهم حتى يستيقظوا نَشِطين،

стр. 2412

ونمنع مشاهدتَهم لبعضِ ما يشاهدون حتى لا تؤثِّرَ على دراستِهم، بل وفوقَ ذلك نشجِّعهم على مزيدِ الدراسة والتحصيل بالحوافزِ أثناءَ الامتحاناتِ وبالهدايا بعد التفوُّقِ والنجاح، وهذا شيءٌ طيِّب، ولكن أين مثلُه أو قريبٌ منه بعد انقضاءِ الامتحانات؟ إن الإخفاقَ الذي يَحصُل لابنِك وابنتِك حين ينحرفُ خُلُقُه -لا قَدَّر الله - أعظمُ من إخفاقِه في الامتحان، وإن الرسوبَ عن المعالي حين تمتلئُ البيوتُ بالشرورِ والآثامِ وتكونُ مستودَعًا لشياطينِ الإنسِ والجنّ .. لا تُقارَن مطلقًا بالرسوب في مادةٍ أو مادتين أو أكثرَ للبنين أو البنات. ونظرتُنا لمستقبلِ أولادنا ينبغي أن تكونَ أعمقَ وأشملَ من مجرَّد النجاح في الامتحان الدُّنيوي، والحصولِ على الشهادةِ والوظيفة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (١).

стр. 2413

الخطبةُ الثانية: الحمدُ لله ربِّ العالمينَ خَلَقَ فسوَّى، وقدَّر فهَدَى، وله الحكمُ في الآخرة والأولى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، ما من دابةٍ إلا هو آخذٌ بناصيتِها ويعلمُ مستقَرَّها ومستودَعَها .. وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسوله، صلى الله عليه وعلى إخوانه وآله. عبادَ الله: وثَمّةَ أمرٌ التذكيرُ به والتنبيهُ عليه غايةٌ في الأهمية في كلِّ زمانٍ ومكان .. ولكنّ الحاجةَ إلى التنبيه عليه في الإجازاتِ وحين السفريّاتِ والتنقلاتِ يكون أشدَّ. ٥ - إنه الغَيرةُ على المحارِم .. ذلكم الرباطُ الأُسَريُّ الذي خفّ ميزانُه عند البعض .. فنتج عن ذلك من المفاسدِ والضَّياعِ ما يَنْدَى له الجبين .. وعند رجالِ الأمن والحِسبة الخبرُ اليقين! إنَّ من أبرزِ مظاهرِ ضعف الغَيْرة عدم شعورِ الوليِّ بالمسؤولية .. أو عدمَ ممارسةِ هذه المسؤولية بالشكل المطلوب. ومن آثار ذلك غَفْلةُ الوليِّ أو تساهُلُه في ما يدخل البيوتَ من آلاتِ ووسائلِ اللهو، وأنواعِ الأشرطةِ والمجلات، وفتحِ الباب على مِصْراعيهِ على أنواع القنوات .. وتلك وربِّي تعملُ عملها في الصغير والكبير، والذكرِ والأنثى، والمتعلِّم والأُمي. ومن الآثار لضعف المسئوليةِ والقِوَامةِ المشروعة ذهابُ الأسرة حيث شاءوا للحدائقِ والمتنزَّهات أو نحوِها، ولربما ذهب بهم الأبُ أو الابنُ أو السائق فوضعهم في أطرافِ النهار ولم يَعُدْ لهم إلا في ساعاتٍ متأخرةٍ من الليل .. وهو لا يدري ماذا يصنعونَ ولا مَنْ يخالطون؟ وقُلْ مثلَ ذلك عن من يَضَعُون نساءَهم وبناتِهم في الأسواقِ لساعاتٍ طِوَال .. وقد يتعرَّضون لمخاطرَ ومراوداتٍ لا يستسلمون لها في البدايةِ وربما ضَعُفوا

стр. 2414

واستسلموا في النهاية .. وهو سببٌ في الإهمال .. وعليه كِفْلُه من الانحرافِ إذا لم يَحفَظِ الأمانةَ ولم يلتزمْ بالمسؤولية والقِوَامة .. وينبغي أن يُعلَمَ أن الثقة شيءٌ وفعلَ الأسباب المشروعةِ والأخذَ بأسبابِ النجاةِ والسلامة شيءٌ آخرُ، ولا تعارُضَ بين الأمرين. ومن آثار ضعفِ الغَيْرة أن بعضَ البيوت ولا سيَّما النساءِ -باتت تتَّصلُ بمطعمٍ أو آخر لتأمين وجبةٍ والمجيءِ بها للبيت في غَيْبة الرجل، ولا تسأل عن مخاطرِ حديث المرأة مع رجلٍ أجنبيّ .. فكيف إذا جاءَ للبيت وربما استقبلَتْه المرأةُ صاحبةُ الطلب، وسلَّمته المبلغَ واستلمتْ منه الطعام؟ كم من فرصةٍ للشيطانِ في هذه المُداخَلات والمحادَثات .. وهل هذه وتلك من المروءةِ والحياءِ في شيء؟ وهل يرضى بها أصحابُ الشَّهامة .. فضلًا عن أصحابِ الدِّيانة؟ إن الانشغالَ بالدنيا واللُّهاثَ وراءَ المادة .. ربما كان سببًا لبعض هذه المظاهر .. فالأبُ يفرحُ بمن يقضي عنه حوائجَ أهله .. وبأيِّ شكلٍ من الأشكال -دون تنبُّه للمخاطرِ والمفاسد المستقبلية، وكلما باشَرَ الرجلُ أو أحد أبنائه الكِبارِ قضاءَ حوائجِ أهله، واعتنى بذهابهم ومجيئهم، كان ذلك دليلَ النُّبل ومؤشرًا للاهتمامِ بالأهل والأولاد، وحين يَتصوَّرُ الوليُّ أن ذلك جزءًا من واجباتِه، وقد يكون أَوْلَى من بعضِ مسؤولياته التي يمارسُها وينشغلُ بها، كلما كان ذلك دليلًا على الوعي ومؤشرًا إلى إعطاءِ الحقوقِ وصيانة الحُرُماتِ، وحين نلومُ بعضَ النساء التي تتوسَّعُ في الخروج هنا وهناك، وفي كثرة الحديثِ مع الرجالِ الأجانب والاختلاطِ بهم، ينبغي أن نلومَ كذلك الرجالَ الذين يُقصِّرون في واجباتِهم مع أهليهم. عبادَ الله: لا ينبغي أن نكتفيَ بالتحسُّر على الواقعِ والتأثرِ لسماع الأخبار السيئة، ونُطأطأَ الرؤوسَ ونُحوقلَ عند سماع أنواعِ الجرائم الواقعة لمن حولَنا،

стр. 2415

بل ينبغي أن نحاسِبَ أنفسَنا ونمارسَ الرقابةَ والقِوامة داخلَ بيوتنا، هذا على مستوى الأفراد. أما على المستوى الآخَر فينبغي أن يكون للعلماءِ والدُّعاةِ وطلبةِ العلم دورٌ أكثرُ مما هم عليه في التحذيرِ من الجريمةِ وبيان سُبُل الوقاية في المدن والقرى والمناطقِ النائية، وإذا وُجِدَ فقراءُ يحتاجون لسدِّ جَوْعتِهم وستر عوراتِهم .. فثَمّةَ فقراءُ يحتاجون إلى نوع آخر من الطعام واللباس .. إنهم محتاجون إلى غذاءِ الإيمانِ ولباسِ التقوى، محتاجون إلى من يأخذُ بأيديهم إلى برِّ الأمن والإيمان .. ويُحذِّرهم من الفتنِ والشرورِ والآثام والحَيْرِة والقلق. وعلى صعيد آخرَ، فالجهاتُ المعنيةُ بالأمن وتخفيضِ معدَّلات الجريمة عليها كِفْلٌ كبير من المسؤولية، فهل تَرصدُ أبرزَ مظاهرِ الانحراف بأسبابها وآثارها، ونِسَبها؟ وهل تقوم باقتراح وتنفيذِ البرامج التي تُعالج وتحذِّر .. وتُرغِّب وترهِّب .. أم إن دورها ينتهي عند حدود المتابعةِ للجريمة إذا وقعت .. دون وضعِ حلولٍ مستقبليةٍ تمنع مَثيلاتِها -أو تمنع ما هو أعظمُ منها؟ وباختصارٍ أقول: إن حمايةَ المجتمع من أيِّ انحرافٍ مسؤوليتنا جميعًا أفرادًا ومؤسَّساتٍ، وحين نَصدُق ونُخلِص ونُفكر ونُخطط لابدَّ أن نُنتج. معاشرَ المسلمين: إن عجلةَ الزمان تدور، والوقتُ يمضي سريعًا، والموفَّق من حَفِظَ وقتَه واستثمرَه لعملِ الصالحات، والكيِّسُ من عَظَّم حُرماتِ الله في حالِ سفره أو إقامته، وفي حال قوّتِه أو ضعفه، والسعيدُ من جاءته منيَّتُه وهو مُستعدٌّ للقاءِ ربِّه، وإذا كان الكثيرُ منا يجهدُ ويخطِّط لدنياه، فكم هم الذين يُفكِّرون ويخطِّطون للآخرة بالقَدْر المناسبِ لطولِ الإقامة فيها، ولنوعِ النعيم أو الجحيمِ الموعودِ فيها؟

стр. 2416

لابدَّ من مجاهدةِ النفسِ والصبرِ على طولِ الطريق، وتحمُّل عناءِ السفر، ومن وصايا الصالحين أسوق لكم هذه الوصية: «مَنْ لم يحتملْ ألمَ التعلُّم لم يَذُقْ لذةَ العلم ومَن لم يَكدَحْ لم يُفلح، إذا خلوتَ من التعلم والتفكيرِ فحرِّك لسانَك بالذكر وخاصةً عند النوم، وإذا حَدَث لك فرحٌ بالدنيا فاذكر الموتَ وسرعةَ الزوال وكثرةَ المنغِّصات، إذا حَزَبَك أمرٌ فاسترجِعْ، وإذا اعتَرَتْكَ غفلةٌ فاستغفِر، واعلم أن للدِّين عَبِقةً وعَرَقًا يُنادي على صاحبه، ونورًا وضيئًا يُشرِق عليه ويدلّ عليه. يا مُحيِي القلوبِ المَيْتةِ بالإيمان خُذْ بأيدينا من مَهْواة الهَلَكة وطهِّرنا من دَرَن الدنيا بالإخلاص لك (١).

стр. 2417

الإسلام والمسلمون في مقدونيا (١) الخطبةُ الأولى: إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسوله، اللهمَّ صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائرِ الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهمَّ عن الصحابة أجمعين والتابعين وتابعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين وسلِّمْ تسليمًا كثيرًا. إخوة الإيمان: كثيرةٌ هي البُؤَرُ المشتعلةُ في العالم، ولكنَّ نصيبَ المسلمين منها أكبرُ من غيرِهم، وبغضِّ النظرِ عمَّا يجري اليومَ من أحداثٍ داميةٍ في فلسطين، أو في إندونيسيا، والأفغان والفلبين وأرضِ الشيشان والبَلْقان. وقبلَ أن يتناسى المسلمون أحوالَ إخوانِهم المسلمين في البوسنة والهرسك، وكوسُوفا على أرضِ (البلقان) تُطِلُّ اليومَ قضيةٌ جديدةٌ قديمةٌ للمسلمين في (مقدونيا) إنها بِشارةٌ من جانبٍ، ومأساةٌ من جانبٍ آخر - بشارةٌ تؤكِّدُ وجودَ الإسلامِ الفاعل، وتحرِّكُ المسلمين للدفاعِ عن عقيدتِهم ودينِهم، والمطالبةِ بحقوقِهم المهضومة، ومأساةٌ حيث يتعاملُ النصارى الأرثوذكس المقدونيون مع المسلمينَ المقدونيين (وغالبيتُهم من الألبان) معاملةً دُونِيةً شرسةً، ويخطِّطون لتذويبِهم وسَلْخِهم من هُوَّيتِهم المسلمةِ مستقبلًا .. ومأساةٌ كذلك -إذ تجتمعُ القوى الكافرةُ من الغرب والشرقِ على حربِ المسلمين في البلقان عمومًا وعلى أرضِ مقدونيا- في هذه الأيام - خصوصًا.

стр. 2418

فماذا نعرفُ عن مقدونيا، والمسلمين فيها؟ وماذا عن حربِ النصارى وخططِهم تُجاهَ المسلمين؟ وما هو الدورُ الإسلاميُّ المطلوب؟ تقع (مقدونيا) في البلقان في أوروبا الشرقيةِ، وهي إحدى جمهورياتِ يوغوسلافيا السابقة، تحدُّها (اليونان) جنوبًا و (كوسوفا) وصربيا من الشمالِ، و (بلغاريا) من الشرق، و (ألبانيا) من الغرب، ويبلغُ سكانُها مليونين وأربعمائة ألفٍ، نسبةُ المسلمين خمسٌ وأربعون بالمائة ٤٥% وأغلبهم (ألبان)، ونسبةُ النصارى خمس وخمسون بالمائة ٥٥% معظمهم أرثوذكس، هذا حَسَبَ تقدير الألبان، أما تقديرُ الحكومة فيقول: إن نسبة المسلمين ٣٠%، والنصارى ٧٠% (١)، العاصمة (سكوبيا) وأهم المدن: تتوفا، مانانستير، كومانوفا، ستروغا. وقد دخل الإسلامُ إلى البلقانِ قبلَ الفَتْح العثماني، وذلك عن طريق التجارِ والدُّعاة، وفي العهدِ العثماني وبعد معركة (كوسوفا) عام ٧٩٢ هـ ثنتين وتسعين وسبعمائة هجرية ١٣٨٩ م دخل الألبانُ في دينِ اللهِ أفواجًا، وحينما ضَعُفتِ الدولةُ العثمانية اتَّحدت كلٌّ من (صربيا وبلغاريا واليونان) ضدَّ الدولةِ العثمانية وانتصروا عليها، وقاموا بتقسيمِ (مقدونيا) بينهم، وذلك عام ١٩١٣ م، وبقيت (مقدونيا) على تلك الحالِ حتى الحرب العالميةِ الثانية، وبعد الحربِ العالمية الثانية (١٩٤٥) جاء (تيتو) إلى المنطقة بالشيوعية، وكوّنَ الاتحادَ الفِدْرالي اليوغوسلافي الذي ضمَّ عددًا من دولِ البلقان، ومنها (مقدونيا)، وإنما شمل (تيتو) (مقدونيا) بالانفصال ليُحقِّقَ هدفَه من نشرِ الشيوعية وأهدافَه السياسيةَ الأخرى.

стр. 2419

وبعد سقوطِ الاتحادِ السوفيتي والنظامِ الشيوعي عام ١٩٩٢ أعلنت (مقدونيا) استقلالَها التامّ. ولكن كان زِمامُ الحكم بأيدي مُخلَّفات الشيوعية .. وعلى الرغمِ من مشاركةِ المسلمين في حركةِ الاستقلال إلا أن الحكومة المقدونية حكومةٌ نصرانيةٌ أرثوذكسية في الغالب، وتمثيلُ المسلمين في الحكومة والجيش ليس على حسبِ تعدادِ المسلمين ونسبتِهم (١) .. وهذا أوجدَ عند المسلمين منذُ الاستقلالِ وحتى اليومِ شعورًا بالظُّلمِ تجاهَهم، وشعورًا بأهدافِ النصارى لتذويبِهم وسَلْخ هويتِهم المسلمة. ولكن المسلمين في مقدونيا مُدرِكون لهذا الخطر، وقد استعصَوْا قديمًا على محاولةِ الشيوعيين في طمس هويتهم، وهم اليومَ يعلنون الرفضَ لحركات النصارى ضدهم وضد إسلامهم. أجل إنَّ الراصدين لحركةِ الإسلام في مقدونيا ونشاطِ المسلمين هناك يقولون: إن المتجوّلَ في مقدونيا ربما ظنَّها دولةً إسلاميةً لكثرةِ المساجد بها، حيث بلغَ عددُها سبعين وأربعمائة مسجدٍ، وفي مدينة (تتوفا) وحدَها ثمانون مسجدًا، وجامعان كبيران لأداءِ صلاة الجمعة، وفي مقدونيا كتاتيبُ وحِلَقٌ لتعليمِ القرآن تزيدُ على ثلاثٍ وستين حلقةً، وفي مقدونيا كذلك - كما يُقال - صحوةٌ إسلاميةٌ تُبشِّرُ بمستقبل خيرٍ للإسلام والمسلمين، كما يوجدُ في مقدونيا عددٌ من المؤسَّسات واللجانِ الإسلاميةِ العاملةِ في حقل الدعوة - وإن تفاوتتْ في نشاطها وتوجُّهاتها وعملِها-. هذه المظاهرُ الإسلامية وغيرُها لاشكَّ تُقلِقُ الأعداء .. لاسيما في وسطٍ

стр. 2420

يُسيطرُ عليها الأرثوذكس النصارى، ويُدعَمُ من قِبَل الدولِ الغربية والاتحاد الأوروبي. وهي بالطبع لا تريد للإسلامِ وجودًا ولا للمسلمين نشاطًا (١). معاشرَ المسلمين: ولهذا حَمَلَ النصارى في مقدونيا على المسلمين، وهل تعلمونَ أن ما يَقرُبُ من ثلاثمائةِ ألفِ مسلمٍ ألبانيٍّ يعيشون في مقدونيا ولا يحملون الجنسيةَ المقدونيةَ، ولا يحقُّ لهم دخولُ الانتخاباتِ، وهذا جزءٌ من مخطَّطِ النصارى في إضعافِ المسلمين في مقدونيا. - وفي عام ١٩٨٧ م سُمع دويُّ انفجارٍ هائلٍ في العاصمةِ (سكوبيا) وعند استبانةِ الحَدَث وُجِدَ أنه صوتُ تفجيرٍ لمئذنةِ مسجدٍ مضى عليه عشراتُ السنين دون مئذنةٍ، وحينما بدأ المسلمون في بنائِها وعلمَ النصارى الحُكّام بذلك فجَّروها بكميةٍ من المتفجِّرات - أراد النصارى تفجيرَ مشاعرِ المسلمين قبل تفجيرِ مئذنةِ مسجدٍ مضى على الصلاة فيه عشراتُ السنين! وعلى صعيدٍ آخر وفي مسلسلِ مضايقة المسلمين نَصَبَ النصارى صليبًا بلغ ارتفاعُه مائتي مترٍ، وعلى قمةِ جبل (فودنو)، ووُضِعَت على الصليبِ الأنوارُ ليُرى من بعيدٍ، عُمِلَ ذلك بمناسبةِ الألفية الثالثة. - وفي طريق التحدِّي لمشاعر المسلمين قام النصارى بتغييرِ تسمية مستشفى مدينة (أوهريد) التي يَقطُنُها المسلمون، وسُمِّي المستشفى باسم (القديس أرزمو). وأصدرت وزارةُ الداخلية كذلك تعليماتٍ تمنعُ رفعَ الأذانِ عبرَ مكبِّرات الصوت بدعوى أن ذلك يُسبِّب إزعاجًا للمواطنين، وأن صوتَ المؤذِّن غيرُ
следующие страницы →