← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

لابدَّ من مجاهدةِ النفسِ والصبرِ على طولِ الطريق، وتحمُّل عناءِ السفر، ومن وصايا الصالحين أسوق لكم هذه الوصية: «مَنْ لم يحتملْ ألمَ التعلُّم لم يَذُقْ لذةَ العلم ومَن لم يَكدَحْ لم يُفلح، إذا خلوتَ من التعلم والتفكيرِ فحرِّك لسانَك بالذكر وخاصةً عند النوم، وإذا حَدَث لك فرحٌ بالدنيا فاذكر الموتَ وسرعةَ الزوال وكثرةَ المنغِّصات، إذا حَزَبَك أمرٌ فاسترجِعْ، وإذا اعتَرَتْكَ غفلةٌ فاستغفِر، واعلم أن للدِّين عَبِقةً وعَرَقًا يُنادي على صاحبه، ونورًا وضيئًا يُشرِق عليه ويدلّ عليه. يا مُحيِي القلوبِ المَيْتةِ بالإيمان خُذْ بأيدينا من مَهْواة الهَلَكة وطهِّرنا من دَرَن الدنيا بالإخلاص لك (١).

стр. 2417

الإسلام والمسلمون في مقدونيا (١) الخطبةُ الأولى: إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسوله، اللهمَّ صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائرِ الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهمَّ عن الصحابة أجمعين والتابعين وتابعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين وسلِّمْ تسليمًا كثيرًا. إخوة الإيمان: كثيرةٌ هي البُؤَرُ المشتعلةُ في العالم، ولكنَّ نصيبَ المسلمين منها أكبرُ من غيرِهم، وبغضِّ النظرِ عمَّا يجري اليومَ من أحداثٍ داميةٍ في فلسطين، أو في إندونيسيا، والأفغان والفلبين وأرضِ الشيشان والبَلْقان. وقبلَ أن يتناسى المسلمون أحوالَ إخوانِهم المسلمين في البوسنة والهرسك، وكوسُوفا على أرضِ (البلقان) تُطِلُّ اليومَ قضيةٌ جديدةٌ قديمةٌ للمسلمين في (مقدونيا) إنها بِشارةٌ من جانبٍ، ومأساةٌ من جانبٍ آخر - بشارةٌ تؤكِّدُ وجودَ الإسلامِ الفاعل، وتحرِّكُ المسلمين للدفاعِ عن عقيدتِهم ودينِهم، والمطالبةِ بحقوقِهم المهضومة، ومأساةٌ حيث يتعاملُ النصارى الأرثوذكس المقدونيون مع المسلمينَ المقدونيين (وغالبيتُهم من الألبان) معاملةً دُونِيةً شرسةً، ويخطِّطون لتذويبِهم وسَلْخِهم من هُوَّيتِهم المسلمةِ مستقبلًا .. ومأساةٌ كذلك -إذ تجتمعُ القوى الكافرةُ من الغرب والشرقِ على حربِ المسلمين في البلقان عمومًا وعلى أرضِ مقدونيا- في هذه الأيام - خصوصًا.

стр. 2418

فماذا نعرفُ عن مقدونيا، والمسلمين فيها؟ وماذا عن حربِ النصارى وخططِهم تُجاهَ المسلمين؟ وما هو الدورُ الإسلاميُّ المطلوب؟ تقع (مقدونيا) في البلقان في أوروبا الشرقيةِ، وهي إحدى جمهورياتِ يوغوسلافيا السابقة، تحدُّها (اليونان) جنوبًا و (كوسوفا) وصربيا من الشمالِ، و (بلغاريا) من الشرق، و (ألبانيا) من الغرب، ويبلغُ سكانُها مليونين وأربعمائة ألفٍ، نسبةُ المسلمين خمسٌ وأربعون بالمائة ٤٥% وأغلبهم (ألبان)، ونسبةُ النصارى خمس وخمسون بالمائة ٥٥% معظمهم أرثوذكس، هذا حَسَبَ تقدير الألبان، أما تقديرُ الحكومة فيقول: إن نسبة المسلمين ٣٠%، والنصارى ٧٠% (١)، العاصمة (سكوبيا) وأهم المدن: تتوفا، مانانستير، كومانوفا، ستروغا. وقد دخل الإسلامُ إلى البلقانِ قبلَ الفَتْح العثماني، وذلك عن طريق التجارِ والدُّعاة، وفي العهدِ العثماني وبعد معركة (كوسوفا) عام ٧٩٢ هـ ثنتين وتسعين وسبعمائة هجرية ١٣٨٩ م دخل الألبانُ في دينِ اللهِ أفواجًا، وحينما ضَعُفتِ الدولةُ العثمانية اتَّحدت كلٌّ من (صربيا وبلغاريا واليونان) ضدَّ الدولةِ العثمانية وانتصروا عليها، وقاموا بتقسيمِ (مقدونيا) بينهم، وذلك عام ١٩١٣ م، وبقيت (مقدونيا) على تلك الحالِ حتى الحرب العالميةِ الثانية، وبعد الحربِ العالمية الثانية (١٩٤٥) جاء (تيتو) إلى المنطقة بالشيوعية، وكوّنَ الاتحادَ الفِدْرالي اليوغوسلافي الذي ضمَّ عددًا من دولِ البلقان، ومنها (مقدونيا)، وإنما شمل (تيتو) (مقدونيا) بالانفصال ليُحقِّقَ هدفَه من نشرِ الشيوعية وأهدافَه السياسيةَ الأخرى.

стр. 2419

وبعد سقوطِ الاتحادِ السوفيتي والنظامِ الشيوعي عام ١٩٩٢ أعلنت (مقدونيا) استقلالَها التامّ. ولكن كان زِمامُ الحكم بأيدي مُخلَّفات الشيوعية .. وعلى الرغمِ من مشاركةِ المسلمين في حركةِ الاستقلال إلا أن الحكومة المقدونية حكومةٌ نصرانيةٌ أرثوذكسية في الغالب، وتمثيلُ المسلمين في الحكومة والجيش ليس على حسبِ تعدادِ المسلمين ونسبتِهم (١) .. وهذا أوجدَ عند المسلمين منذُ الاستقلالِ وحتى اليومِ شعورًا بالظُّلمِ تجاهَهم، وشعورًا بأهدافِ النصارى لتذويبِهم وسَلْخ هويتِهم المسلمة. ولكن المسلمين في مقدونيا مُدرِكون لهذا الخطر، وقد استعصَوْا قديمًا على محاولةِ الشيوعيين في طمس هويتهم، وهم اليومَ يعلنون الرفضَ لحركات النصارى ضدهم وضد إسلامهم. أجل إنَّ الراصدين لحركةِ الإسلام في مقدونيا ونشاطِ المسلمين هناك يقولون: إن المتجوّلَ في مقدونيا ربما ظنَّها دولةً إسلاميةً لكثرةِ المساجد بها، حيث بلغَ عددُها سبعين وأربعمائة مسجدٍ، وفي مدينة (تتوفا) وحدَها ثمانون مسجدًا، وجامعان كبيران لأداءِ صلاة الجمعة، وفي مقدونيا كتاتيبُ وحِلَقٌ لتعليمِ القرآن تزيدُ على ثلاثٍ وستين حلقةً، وفي مقدونيا كذلك - كما يُقال - صحوةٌ إسلاميةٌ تُبشِّرُ بمستقبل خيرٍ للإسلام والمسلمين، كما يوجدُ في مقدونيا عددٌ من المؤسَّسات واللجانِ الإسلاميةِ العاملةِ في حقل الدعوة - وإن تفاوتتْ في نشاطها وتوجُّهاتها وعملِها-. هذه المظاهرُ الإسلامية وغيرُها لاشكَّ تُقلِقُ الأعداء .. لاسيما في وسطٍ

стр. 2420

يُسيطرُ عليها الأرثوذكس النصارى، ويُدعَمُ من قِبَل الدولِ الغربية والاتحاد الأوروبي. وهي بالطبع لا تريد للإسلامِ وجودًا ولا للمسلمين نشاطًا (١). معاشرَ المسلمين: ولهذا حَمَلَ النصارى في مقدونيا على المسلمين، وهل تعلمونَ أن ما يَقرُبُ من ثلاثمائةِ ألفِ مسلمٍ ألبانيٍّ يعيشون في مقدونيا ولا يحملون الجنسيةَ المقدونيةَ، ولا يحقُّ لهم دخولُ الانتخاباتِ، وهذا جزءٌ من مخطَّطِ النصارى في إضعافِ المسلمين في مقدونيا. - وفي عام ١٩٨٧ م سُمع دويُّ انفجارٍ هائلٍ في العاصمةِ (سكوبيا) وعند استبانةِ الحَدَث وُجِدَ أنه صوتُ تفجيرٍ لمئذنةِ مسجدٍ مضى عليه عشراتُ السنين دون مئذنةٍ، وحينما بدأ المسلمون في بنائِها وعلمَ النصارى الحُكّام بذلك فجَّروها بكميةٍ من المتفجِّرات - أراد النصارى تفجيرَ مشاعرِ المسلمين قبل تفجيرِ مئذنةِ مسجدٍ مضى على الصلاة فيه عشراتُ السنين! وعلى صعيدٍ آخر وفي مسلسلِ مضايقة المسلمين نَصَبَ النصارى صليبًا بلغ ارتفاعُه مائتي مترٍ، وعلى قمةِ جبل (فودنو)، ووُضِعَت على الصليبِ الأنوارُ ليُرى من بعيدٍ، عُمِلَ ذلك بمناسبةِ الألفية الثالثة. - وفي طريق التحدِّي لمشاعر المسلمين قام النصارى بتغييرِ تسمية مستشفى مدينة (أوهريد) التي يَقطُنُها المسلمون، وسُمِّي المستشفى باسم (القديس أرزمو). وأصدرت وزارةُ الداخلية كذلك تعليماتٍ تمنعُ رفعَ الأذانِ عبرَ مكبِّرات الصوت بدعوى أن ذلك يُسبِّب إزعاجًا للمواطنين، وأن صوتَ المؤذِّن غيرُ

стр. 2421

لائقٍ، قاتلهم اللهُ أنىَّ يُؤفَكون ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (١). عبادَ الله: واليومَ ماذا يجري في مقدونيا (ضدِّ المسلمين)؟ لقد جرَتِ اتصالاتٌ بين السلطاتِ المقدونية والسلطات الصِّربية لرسم الحدودِ بين البلدين - دون اعتبارٍ للمسلمين - ثم أُثِيرَ المسلمون أكثرَ حين جرى اتصالٌ آخرُ لترسيمِ الحدودِ مع كوسوفا، وهنا عارضَ المسلمون الألبانُ لأن هذه المنطقة يسكنُها الألبان، وهناك علاقاتٌ وقَراباتٌ أُسَرية، ومصالحُ مشتركة بين ألبانِ مقدونيا وألبان كوسوفا .. وكأن النصارى أرادوا قَطْعَها فثارت ثائرةُ المسلمين الألبان، ودعتِ الأحزابُ الألبانية في مجلسِ الشعبِ المقدونيِّ أن يتمَّ ذلك مع صربيا وليس مع كوسوفا، كما وجدوها فرصةً للمطالبةِ بحقوقِهم المهضومةِ مثلَ السماح لهم بالدراسةِ باللغة الألبانية، وتغييرِ الدستورِ المقدونيِّ بجعل الألبان شعبًا دستوريًا (له مشاركة في الدستور)، السماح بزيادةِ عدد الألبان في الدوائرِ الحكومية، ومَنْحِ الجنسية لمن لم يُمْنَحْ منهم، والقيامِ بتعدادِ السكانِ لمعرفةِ نسبةِ الألبان الحقيقيةِ والتعاملِ معهم وَفْقَ هذه النسبةِ، إلى غيرِ ذلك من مطالبَ لم تأبَهْ حكومةُ مقدونيا بها، بل أخذت تسيطرُ على بعضِ القرى المسلمة على الحدودِ بين مقدونيا وكوسوفا. وحين أحسَّ المسلمون بالضَّيْم والخطرِ يداهمُهم شكَّلوا (جيش التحرير الوطني الألباني) وهو تحت قيادةِ رجل تخرَّج من المدرسةِ الإسلامية بمقدونيا. وقبلَ عيدِ الأضحى عام ١٤٢١ هـ بدأت المصادماتُ وأُعلِنت حالةُ الطوارئ في البلادِ، وتقدَّم جيشُ التحرير في (تتوفا) على الجبال المجاورةِ للمدينة حتى

стр. 2422

وصلَ إلى مشارفِ طرق المدينة. وفي ٢٥/ ١٢/ ١٤٢١ هـ أرسلت السلطاتُ المقدونيةُ قواتٍ من الدباباتِ والأسلحةِ المتنوعة وشارك كثيرٌ من أفرادِ الجيش المقدوني والصِّربي، وحصلتْ مصادماتٌ ومعاركُ عنيفة، وفي ٧/ ١/ ١٤٢٢ هـ شنَّت الحكومةُ المقدونيةُ هجومًا جويًا على مواقعِ المسلمين كان مدعومًا بقواتٍ أجنبية من (أوكرانيا) وغيرِها، وقد قام بالتخطيط له خبراءُ (بريطانيون) وأصبحَ المسلمون في هَلَع، ونَتَج عن ذلك هجرةٌ من مقدونيا إلى الدولِ المجاورة، حتى بلغ عددُ اللاجئين ثلاثينَ ألفَ لاجئ. ومع هذا التحالفِ النصرانيِّ للدول المجاورة لمقدونيا وتلك القسوةِ والعنفِ مع المسلمين فقد انهالت على حكومةِ مقدونيا تأييداتُ الحكوماتِ الغربية، فأمريكا تؤيِّد الحكومةَ المقدونية، ووزيرُ خارجية روسيا يصفُ الألبان المسلمين في مقدونيا بأنهم يُثيرون نزاعًا جديدًا، أما (روبرتسون) أمينُ عامِّ حلفِ الأطلسي فقد قال: إن الحلفَ لن يسمحَ لمن أسماهم بـ (المتشدِّدين) بالإخلالِ باستقرارِ مقدونيا؟ ! حتى رئيسُ اليونان - الذي بينه وبين المقدون عداوةٌ - أكَّد دعمَه لحكومةِ مقدونيا .. أما صربيا، وروسيا وبلغاريا فلم تكتفِ بالتأييد بل أهدت للمقدون دباباتٍ وأرسلتْ مساعداتٍ عسكريةً، لماذا كلُّ هذا؟ لمواجهةِ المسلمين وتصفيةِ الإسلام هناك ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (١). أيها المسلمون: وفي هذه الأيام تشتدُّ الهجمةُ النصرانية في مقدونيا على إخوانِنا المسلمين، ويُستخدَمُ الجيشُ بآلياته وعَتادِه ورجالِه وغالبيتُهم من

стр. 2423

النصارى لضربِ المسلمين ومحاصرتِهم وتهجيرِهم، وكأنهم أرادوا تعجيلَ حَسْمِ المعركةِ قبل أن يشتدَّ عودُ الألبانِ المسلمين .. ومما يُدمي القلبَ أن هذه المعركةَ مع عدمِ تكافئها تُدعَمُ من قِبَل الدولِ النصرانية الكبرى المجاورة والبعيدة، بل ومن قِبَل الاتحاد الأوروبي .. ولا غرابةَ في ذلك، فالكلُّ عدوُّهم الإسلامُ، والكلُّ لا يطيقونَ وجودًا فاعلًا للمسلمين. ويبقى المسلمون المُستضعَفون في مقدونيا يقاومونَ في سبيلِ البقاء مع حفظِ هويتهم المسلمة - يُقاومون وحدَهم في غَفْلةٍ من المسلمين عنهم أو تراخٍ عن مدِّ يدِ العونِ لهم- إلا قليلًا من هيئاتٍ ومنظَّماتٍ إسلامية وعلى رأسها الوقفُ الإسلامي والندوةُ العالميةُ للشباب الإسلامي ورابطةُ العالم الإسلامي. عبادَ الله: وحين نَعرِضُ لوَضْع المسلمين في مقدونيا باختصارٍ يَرِدُ السؤالُ: وما هو الدَّورُ المطلوبُ من المسلمين تجاهَ إخوانِهم في مقدونيا؟ إن الشعورَ الحيَّ بقضيةِ المسلمين هناك والتفاعلَ معها جزءٌ من الواجب، فالمسلمون كالجسدِ الواحدِ إذا اشتكى منه عضوٌ تَداعَى له سائرُ الجسدِ بالسَّهر والحُمَّى، ونقل قضيتِهم العادلةِ للعالم عبرَ وسائلِ الإعلام كلِّها وما يريدُه النصارى لهم .. وكذلك مدُّ يدِ العونِ لهم والمساهمةُ في دعمِ المشاريعِ الإسلاميةِ القائمةِ هناك من إنشاءِ المساجد ودعمِ الدُّعاة ونحوِها، كذلك يُسهِمُ في تثبيتِ المسلمين ويمنعُ تذويبَهم، والدعاءُ لهم بالثبات على الحق والنصرِ والتمكينِ في الأرض، فذلك جزءٌ من حقوقِهم ولا يُعذَرُ منه أحدٌ من المسلمين. ومما يجدرُ بالمسلمين كذلك أن يَعُوا مخطَّطاتِ الأعداء عمومًا، وما يرادُ للمسلمين في بلادِ البلقان خصوصًا ومنها مقدونيا .. وألا ننخدعَ بالبياناتِ المزيَّفة والتهمِ الفارغةِ فذلك جزءٌ من الحربِ الإعلامية.

стр. 2424

الغلام الأمريكي المسلم والميلاد الجديد (١) الخطبةُ الأُولى: إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهدِهِ اللهُ فلا مُضلَّ لهُ، ومنْ يضلِلْ فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، اللهمَّ صلِّ وسلِّم عليهِ وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلينَ، وارضَ اللهمَّ عن الصحابةِ أجمعينَ والتابعينَ وتابعيهمْ بإحسانٍ إلى يومِ الدِّينِ وسلِّمْ تسليمًا كثيرًا. عبادَ الله: فضلُ الله يؤتيهِ مَنْ يشاءُ، ومِنْ أعظمِ الفضائل وأكبرِ النِّعَمِ الهدايةُ للدِّينِ الحقِّ دينِ الإسلامِ، إنها الفطرةُ يولَدُ عليها كلُّ مولودٍ .. ولكنَّ عواملَ التأثير بفعلِ الوالدَيْن أو غيرِهم تَحرِفُ عنِ الفطرةِ .. ولكنْ قدْ يعودُ المنحرفُ، بلُ وقد يُسلمُ الكافرُ استجابةً لنداءِ الفطرةِ التي فطرَ اللهُ الناسَ عليها. وسأحكي لكمْ هنا قصةً حديثةً معاصرةً وواقعيةً، قرأتُها في إحدى الصحفِ (٢) وحدثني بها شهودٌ عيانٌ. القصةُ وقعتْ في إحدى ولاياتِ أمريكا .. ولشابٍّ يبلغُ منَ العمرِ قُرابةَ عشرِ سنواتٍ، وُلدَ الغلامُ (ألكساندرُ) لأبوينِ نصرانيَّينِ عامَ تسعينَ وتسعَ مئةٍ وألفٍ للميلادِ، وقرَّرتْ أمُّه منذُ البدايةِ أنْ تتركَه ليختارَ الدِّينَ الذي يرغبُ بعيدًا عنْ أيِّ مؤثِّراتٍ عائليةٍ أو اجتماعيةٍ، وما أنْ تعلَّمَ الغلامُ القراءةَ والكتابةَ حتى أحضرتْ له أمُّه كُتبًا عنْ كلِّ الأديانِ السماويةِ وغيرِ السماويةِ، وبعدَ قراءةٍ متفحِّصةٍ قرَّرَ

стр. 2425

(ألكساندرُ) أنْ يكونَ مسلمًا! بل شُغفَ حُبًا بهذا الدِّينِ حتى أنه تعلَّمَ الصلاةَ وحفِظَ بعضَ سُوَرِ القرآنِ، وتعلَّمَ الأذانَ، وقرأَ شيئًا عنِ التاريخِ الإسلاميِّ، وتعلَّمَ بعضَ الكلماتِ العربيةِ. كلُّ هذا -كما يقولُ الخبرُ- دونَ أن يلتقيَ بمسلمٍ واحدٍ، ثمَّ قرَّر أنْ يكونَ اسمُه الجديدُ (محمدَ بنَ عبدِ الله) تيمُّنًا بالرسولِ ﷺ الذي أحبَّه منذُ نعومةِ أظفارهِ. إنها الفطرةُ هُديَ لها هذا الغلامُ الأمريكيُّ .. وفَضلُ اللهِ أدركَهُ فتخلَّصَ منْ ظلماتِ الكفرِ، وانحرافاتِ النصرانيةِ أو اليهوديةِ وسواهما .. ونسألُ اللهَ لهُ ولغيرهِ منَ المسلمينَ الثباتَ على الحقِّ. إخوةَ الإسلامِ! ولا يزالُ العجبُ يُحيطُ بقصةِ هذا الغلامِ، ولا يدري المطّلعُ على قصتِهِ أيعجبُ منْ عصاميَّةِ هذا الشابِّ وقوةِ إرادتهِ وقدرتهِ على اتخاذِ هذا القرارِ بالإسلامِ في وسطٍ اجتماعيٍّ لا يعترفُ بالإسلامِ وإنْ أعطتْهُ أمُّه حريّةَ الاختيارِ، أمْ يعجبُ المطّلِعُ كذلكَ منْ فهمِ الغلامِ لهذا الدِّينِ الجديدِ وحبِّه لهُ واعتناقِه لهُ رغمَ الصعوباتِ التي تواجههُ .. وفي إجاباتِ هذا الغلامِ ما يكشفُ الحقيقةَ أكثرَ .. فعندَ سؤالِه منْ أحدِ المسلمينَ المقابلينَ لهُ: ما هيَ الصعوباتُ التي تعاني منها لكونِكَ مُسلمًا في جوٍّ غيرِ إسلاميٍّ؟ أجابَ الغلامُ بكلِّ أسفٍ وحسرةٍ: تفوتُني بعضُ الصلواتِ في بعضِ الأحيانِ بسببِ عدمِ معرفتي بالأوقات! يا سبحانَ الله! غلامٌ حديثُ العهدِ بالإسلامِ، وفي بيئةٍ غيرِ مسلمةٍ يتحسَّرُ على فواتِ وقتِ الصلاةِ -أحيانًا- وعذرُهُ عدمُ معرفةِ الوقتِ، وليسَ تهاونًا أو كسلًا! فبماذا يا تُرى يُجيبُ من يتأخَّرونَ عنِ الصلاةِ، وربما فاتتْهمْ في عددٍ منَ الأوقاتِ .. وهمْ يسمعونَ الأذانَ ويرَوْنَ المسلمينَ وهمْ يصلُّونَ، بلْ وهمْ كبارٌ

стр. 2426

وفي بيئةٍ إسلاميةٍ تأمرُنا بالصلاةِ وتدعو إليها؟ ! إنَّه الكسلُ وضعفُ الهممِ وغلبةُ الهوى ونزغُ الشيطانِ .. إلا مَنْ كانَ معذورًا بسفرٍ أو مرضٍ. وهمَّةٌ أخرى .. بل صبرٌ على تكاليفِ الإسلامِ، وتحدٍّ لغيرِ المسلمينَ يبرزُ في قصةِ هذا الغلامِ وهو يُسأَلُ: هلْ صمتَ رمضانَ؟ فيبتسمُ ويقولُ: نعمْ لقد صمتُ رمضانَ الماضيَ كاملًا والحمدُ للهِ، وهيَ المرةُ الأُولى التي أصومُ فيها .. ثمَّ يواصلُ حديثَهُ قائلًا: لقدْ كانَ الصيامُ صعبًا عليَّ خاصةً في الأيامِ الأُولى، ولقدْ تحدَّاني والدي أنني لنْ أستطيعَ الصيامَ، ولكني صُمتُ، ولم يُصدقْ ذلكَ. وحين سُئلَ الغلامُ المسلمُ عن أُمنيتهِ في الحياةِ أجابَ: عندي العديدُ منَ الأمنياتِ ومنها حفظُ القرآنِ! وتعلُّم لغةِ القرآنِ، وقالَ: أتمنَّى أنْ أذهبَ إلى مكةَ وأقبِّلَ الحَجَرَ الأسودَ! هنا تدخلتْ أمُّه قائلةً: إنْ غُرفةَ ابنِها مملوءةٌ بصُوَر الكعبةِ، وأضافتْ: إنَّ إيمانَ ابنِها بأمورِ الإسلامِ عميقٌ إلى درجةٍ قدْ لا يُحسُّ بها أو يتصوَّرُها الآخرونَ! ثمَّ استطردَ الغلامُ قائلًا: إنني أحاولُ جمعَ ما تبقَّى منْ مصروفيَ الأسبوعيِّ لكيْ أتمكَّنَ منَ الذهابِ إلى مكةَ المكرَّمةِ يومًا ما .. لقد سمعتُ أنَّ الرحلةَ إلى هناك تكلِّفُ أربعةَ آلافِ دولارٍ تقريبًا، ولديَّ الآنَ منها ثلاثُ مئةِ دولارٍ .. ثمَّ علَّقتْ أمُّهُ والعاطفةُ تغالبُها لتحقيقِ أمنيةِ ابنها، تقولُ: ليسَ عندي أيُّ مانعٍ منْ ذهابهِ إلى مكَة، ولكنْ ليسَ لدينا المالُ الكافي لإرسالهِ في الوقتِ الحالي. ومرةً أخرى: فرْقٌ بينَ هذا الغلامِ حديثِ الإسلامِ في تطلُّعِه وشوقِه إلى زيارةِ البيتِ الحرامِ وأداءِ مناسكِ الحجِّ والعمرةِ .. وبينَ نفرٍ من المسلمينَ قدْ يكبرونهُ سنًّا، وقدْ يتوفَّرُ لهمْ ما يَحجُّونَ بهِ ويَعتمرونَ، ولكنهمْ مَعَ الأسفِ عنْ كلِّ ذلكَ غافلونَ!

стр. 2427

أخي المسلم! أيُّها المتهاونُ في الصلاةِ! وهلْ تدري عنْ قصةِ هذا الغلامِ مَعَ الصلاةِ في وقتِ الدراسةِ وفي مجتمعٍ لا يُقيمُ للصلاةِ وزنًا، بلْ يستنكرُها ويستنكرُ مَنْ يؤدِّيها؟ ! لقد سُئلَ هذا الشابُّ المسلمُ: هلْ تُصلي في المدرسةِ؟ فأجابَ: نعم، وقد اكتشفتُ مكانًا سريًّا في المكتبةِ أصلِّي فيهِ كلَّ يومٍ! وتابعَ المتحدِّثُ مَعَ هذا الشابِّ يقولُ: وحانَ وقتُ صلاةِ المغربِ وأنا أتحدَّثُ معهُ، فنظرَ إليَّ قائلًا: هلْ تسمحُ لي بالأذانِ؟ ثمَّ قامَ وأذَّنَ، في الوقتِ الذي اغرورقت وقتْ فيهِ عينايَ بالدموعِ! إنها العزّةُ بالإسلامِ، والفرحُ بذكْرِ اللهِ يُرفَعُ، والاستعدادُ للصلاةِ والتفرغُ لها مهما كانَ نوعُ الارتباطِ دونَ مجاملةٍ أو استحياءٍ في دينِ اللهِ! إخوةَ الإسلامِ: وأختمُ الحديثَ عنْ واحدةٍ من أُمنياتِ هذا الغلامِ الأمريكيِّ المسلمِ، تنمُّ عنْ وَعْيِه بحقوقِ المسلمينَ ومقدَّساتِهمْ، ووعيِه كذلكَ باعتداءِ اليهودِ واغتصابِهمْ، فقدْ ذَكَرَ منْ أمانيهِ أن تعودَ فلسطينُ للمسلمينَ، فهيَ أرضُهمْ وقد اغتصبَها اليهودُ منهمْ .. ولمْ يَثنِه عنْ هذا الرأيِ خلافُ والدتهِ لهُ .. بلْ قالَ: أمِّي لمْ تقرإِ التاريخَ، ولوْ قرأتْه كما قرأتُ لعرفتْ كما عرفتُ! إنها عقليةٌ مسلمةٌ شابةٌ يُرجى لها مستقبلٌ زاهرٌ عسى اللهُ أنْ ينفعَ بهِ الإسلامَ والمسلمينَ، وأنْ يهديَ مَنْ ضلَّ إلى الصراطِ المستقيمِ، أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيم: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (١).

стр. 2428

الخطبةُ الثانية: الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ يُعطي الدنيا مَنْ أحبَّ ومَنْ لمْ يحبَّ، ولا يُعطي الدِّين إلا مَنْ أحبَّ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحْدَهُ لا شريكَ له، يَهديْ منْ يشاءُ، ومَنْ يُضلِلِ اللهُ فما لهُ من هادٍ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه كانَ أحرصَ الناسِ على هدايةِ الأمّةِ للخيرِ في حياتهِ، وما تزالُ سنّتُه تدعو وترغِّبُ وتُبيِّنُ وتَهديْ، ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (١). يا عبدَ اللهِ: يقولُ العارفونَ: إنَّ الإنسانَ يولدُ مرتينِ: مرةً عندما يخرجُ منْ ظلماتِ رَحِمِ أمِّهِ إلى نورِ الدنيا، ومرةً عندما يَخرجُ منْ ظلماتِ المعصيةِ إلى نورِ الطاعةِ. وإذا كانَ الميلادُ الأولُ يشتركُ فيهِ الخَلْقُ كلُّهمْ مسلمُهمْ وكافرُهمْ، بَرُّهمْ وفاجرُهمْ، فإنَّ الميلادَ الآخَرَ خاصٌّ بمَنْ وفَّقهُ اللهُ للهدايةِ ودلَّه على طريقِ الاستقامةِ وأرادَ لهُ سعادةَ الدنيا والآخرةِ. إنَّ هذا النوعَ منَ الميلادِ - أعني التحوُّلَ منَ المعصيةِ إلى الطاعةِ، ومنَ الضلالةِ إلى الهدى- لا يتقيَّدُ بزمانٍ محدَّدٍ، فقدْ تُولَدُ ميلادَكَ الجديدَ وأنتَ في العشرينَ أو الأربعينَ من عمرِك أو قبلَ ذلكَ أو بعدَ ذلكَ، وقدْ تُولَدُ ميلادَكَ الجديدَ في نفسِ الساعةِ التي تولَدُ فيها ولادتَكَ الحقيقيةَ. وهذا النوعُ منَ الميلادِ -وهُوَ التحوُّلُ منْ السيِّئِ إلى الحسنِ- لا يتقيَّدُ بمكانٍ، فلربَّما وُلدتَ وأنتَ في المسجدِ، أو الشارعِ، أو البيتِ، أو السجنِ، أو على فراشِ المرضِ، في البَرِّ أو البحرِ أو الجوِّ، قدْ تُولَد وتهتدي وأنتَ في

стр. 2429

شاهقاتِ الجبالِ أوْ في بطونِ الأوديةِ والشِّعابِ، وكما يُولَدُ أناسٌ بجوارِ البيتِ الحَرامِ فقدْ يولَدُ آخرونَ في أرضِ المادِّيَةِ الغربيةِ .. أوْ في قعرِ اليهوديةِ والنصرانيةِ، أو في الأراضي الشرقية، حيثُ الإلحادُ والشيوعيةُ. إنه ميلادٌ ليسَ لهُ سببٌ واحدٌ محدَّدٌ، فلعلَّ السببَ في مولدِ الهدايةِ والاستقامةِ موعظةٌ صادقةٌ، أو موقفٌ مؤثِّرٌ، أو قراءةٌ في كتابٍ نافعٍ، أوْ سماعٌ لشريطٍ مؤثِّرٍ، أو لعلَّ السببَ يكونُ خليلًا ناصحًا، أو دعوةً في ظَهْرِ الغيبِ، أو رؤيا في المنامِ .. أو غيرَ ذلكَ منْ عواملِ الهدايةِ بإذنِ اللهِ تعالى. يا أخا الإسلام: ما أغلى هذا الميلادَ وما أسعدَ الفردَ بهِ، وكمْ منْ أناسٍ عاشُوا فترةً منْ حياتِهمْ في البؤسِ والشقاءِ، ولربَّما ظنُّوا أنَّ الناسَ كلَّهمْ كذلكَ .. بلْ وأنَّ الحياةَ كلَّها تسيرُ على هذهِ الوتيرةِ، فلمّا هداهمُ اللهُ واستنشقُوا عبيرَ الإيمانِ أدركوا نعمةَ اللهِ عليهمْ في الحاضرِ .. وأدركوا ما كانوا فيهِ منْ جحيمٍ في الماضي. يا أخا الإسلامِ: ومهما مرَّتْ بِكَ هذهِ الشقوةُ منْ عمرِكَ فأنتَ سعيدٌ أنْ ولدتَ مولدَ السعادةِ قبْلَ موتِكَ، وكلَّما تقدَّمتْ هذهِ الولادةُ في عمرِكَ كلَّما ازددتَ هديً وراحةً وسعادةً. يا أخا الإيمانِ: دعني أقصَّ عليكَ واحدةً منْ قصصِ التائبينَ، منْ أهلِ الميلادِ (١) الجديدِ، كانتْ هديتُه للنجاحِ رحلةً وسفرًا للخارجِ، يُحدِّثُنا عنْ مشاعرِه وأحاسيسهِ في هذهِ الرحلةِ ويقولُ: أخيرًا تركتُ أرضي إلى البلادِ المفتوحةِ، وصلْنا، كلُّ شيءٍ مُعَدٌ: الاستقبالُ، والفندقُ، وجدولُ الزياراتِ .. الأرضُ خضراءُ، والجوُّ جميلٌ، والمشاهدُ ساحرةٌ .. ولكنَّ العالمَ منْ حولي

стр. 2430

غريبٌ! تختلطُ فيهِ أصواتُ السكارى مَعَ آهاتِ الحيارى، لا تسألني: ماذا فعلتُ هناكَ؟ لقدْ فعلتُ كلَّ شيءٍ إلا الصلاةَ والقرآنَ، فلمْ يكنْ في البرنامجِ المعدِّ وقتٌ لهما! لقد مرَّ الوقتُ سريعًا ولمْ يبقَ على انتهاءِ الرحلةِ إلا يومٌ واحدٌ، وكانَ منْ فقراتِ حفلِ التوديعِ اختيارُ الشابِّ المثاليِّ في الرحلةِ، ووقعَ الاختيارُ عليَّ، وكانَ الوسامُ صليبًا ذهبيًّا، ولا غرابةَ! فعددٌ منَ المشتركينَ معنا في هذهِ الرحلةِ نصارى. فكّرت وقدّرتُ لماذا اختاروني وَحْدي وهناكَ الكثيرُ ممّنْ هو على دينِهمْ .. ألأنِّي مسلمٌ اختاروني؟ توالتِ الأسئلةُ في ذهني وترددتْ حيرتي، وزادَ عَجَبي، وهنا في هذا الموقفَ تذكرتُ أبي وصَلاتَه، وأمّي وتسبيحَها، وخطيبَ الجمعةِ وتحذيرَه منَ السفرِ للخارجِ .. بلْ قفزَ إلى ذِهْني رسولُ اللهِ ﷺ وكأنَّهُ يزجرُني ينهى عنْ مّا وصلتُ إليهِ. ولكنْ قطعَ هذا التفكيرَ كلَّه صوتُ المقدِّم للبرنامجِ يطلبُ مني التقدمَ إلى المنصّةِ لاستلامِ الصليبِ وهُوَ يُمسِكُ بهِ. وفي هذهِ اللحظاتِ تخيَّلتُ الصليبَ يلمعُ كالحقدِ، ويسطعُ كالمَكْرِ .. اقتربَ القائدُ وأمسكَ بعنقي ليُقلِّدَني الوسامَ وليلبسَني الصليبَ .. ! هنا وفي هذا الموقفِ الرهيبِ ولدتُ، وكأنني أسمعُ صارخًا يقولُ: قفْ إنكَ مسلمٌ! وتذكرْ أنكَ مغزوٌّ، وعُدْ إلى ربِّكَ مادامَ في الحياةِ مهلةٌ، فقدْ لا تعودُ منْ سفرِكَ، وماذا سيكونُ مصيرُكَ لوْ نزلَ بكَ رَيْبُ المَنُونِ وتلكَ حالُكَ، وتعالى شعورُ الإيمانِ وجذوةُ اليقينِ، وتخيّلتُ مشاهدَ الآخرةِ والبعثِ والحسابِ وكأنَها طيفٌ يمرُّ بي .. وهنا تشجَّعتُ وأمسكتُ بالصليبِ الذهبيِّ وقذفتُهُ في وجهِ القائدِ، بلْ ودستُه تحتَ قدميَّ، وأخذتُ أَجْري وأَجري وهمْ يظنُّونَ بي شيئًا منَ

стр. 2431

الجنونِ، وما بين جنونٌ، حتى صعدتُ إلى ربوةٍ مرتفعةٍ، وحينَ وصلتُ إلى قمّتِها صرختُ في آذانِهمْ، بلُ وفي أُذنِ الكونِ كلِّهِ، وأشهدُت الأرضَ والسماءَ على مولدي الجديدِ وأنا أقولُ: اللهُ أكبرُ .. اللهُ أكبرُ، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأشهدُ أنّ محمدًا رسولُ اللهِ، حينَها علمَ القومُ السرَّ، وخيَّمَ على وجوهِهمُ السكونُ .. فمنهمْ مستغربٌ، ومنهمُ المستهزئُ، ولكنني على ثقةٍ أن هذهِ الصرخةِ ستحضرُ في قلوبِهمْ ولوْ بعدَ حينٍ، وهيَ بكلِّ حالٍ ستكونُ -بإذنِ اللهِ- مولدًا لآخرينَ يَسمعونَ قصَّتي ويأخذونَ العبرةَ منْ موقفي.

стр. 2432

كنتُ في البلقان (١) المسلمون في ألبانيا (١) الخطبةُ الأولى: إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا ومن سيئات أعمالِنا، من يهدِهِ اللهُ فلا مضلَّ له ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهمَّ صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلين، وارضَ اللهم عن الصحابةِ أجمعين والتابعين وتابِعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وسلِّم تسليمًا كثيرًا. أيها المسلمون: كنتُ مع مجموعةٍ من إخوانٍ لي فضلاءَ في أرضِ البَلْقان، وفي جزءٍ مهمٍّ منها، حيث للإسلامِ تاريخٌ، وللمسلمين وجودٌ قديمٌ - ومن خلالِ مشاهداتي سأُحدِّثكُم .. ولستُ أدري أأحدِّثُكم عن غيابِ الهُويَّةِ الإسلامية وجهودِ الأعداءِ ومَكْرِهم وخُطَطِهم لسَلْخِ المسلمين عن دينِهم عبرَ عقودٍ خلتْ .. كيف آلَ إليه أمرُ المسلمين في ظلِّ هذه الظروفِ الصعبة؟ أم أحدِّثُكم عن الانبعاثِ الإسلاميِّ الجديد، والعودةِ إلى أصولِ الإسلام وتعاليمِه، وماذا يحتاجُه المسلمون العائدون من إخوانِهم المسلمين في كلِّ مكان .. ولا سيَّما في بلادِ الحرمينِ الشريفينِ حَرَسها الله. ولن أحدِّثَكم عن جمالِ الطبيعةِ هناك في ألبانيا، ولا عن الوِدْيانِ المتدفِّقة، والأنهارِ الجارية، ولا عن العيونِ الزرقاءِ ومياهِها العجيبة وظِلالِها الوارفة،

стр. 2433

فذاك دأْبُ أصحابِ كتب الرِّحلات، لكني سأحدِّثُكم عن شيءٍ من واقعِ المسلمين هناك، والصعوباتِ التي تواجهُهم، والحلولِ وأنواعِ الدعمِ التي يمكن أن تُقدَّمَ لهم. إخوةَ الإيمان: في أَلبانيا للإسلام جذورٌ وللمسلمين تاريخٌ، ولكنّ البلادَ حين حُكِمت بالشيوعية مؤخَّرًا مع العقودِ الأخيرة الخمسةِ من القرنِ الميلاديِّ المنصرمِ، عادت إليها غُرْبةُ الإسلام، وكانت خمسون عامًا حتى سنة ١٩٩٠ م كفيلةً بمَسْخِ صورةِ الإسلامِ ومحاصرةِ المسلمين والتضييقِ عليهم، حتى هُدمَت المساجدُ العامرةُ بالمصلِّين، وما بقي فيها -وهو نَزْرٌ يسيرٌ- كان يُستخدَم لِلَّهو واللعبِ ولدورِ السينما، بل ربما هُدِمَ المسجدُ وأُقيمَ مكانه دوراتٌ للمياهِ لمزيدِ النكاية بالمسلمين وأماكنِ عبادتِهم؟ والقويُّ من المسلمين -وهم قِلَّة كذلك- مَن باتَ يُصلِّي سرًّا، ويصومُ رمضانَ خُفْية- حتى إن المصابيح لتُطفَأُ، والنوافذَ تُغلَق ويوضعُ عليها ما يسترُ الأنظارَ حين يقومُ المسلمون في الأسحارِ لتناولِ طعام السحور. ووصَلَ سوءُ الحالِ والتضييقُ على المسلمينَ إلى السجن .. ليس لمن يقول: ربِّيَ الله، فقط، بل ولمن يقول: هناك ربٌّ؟ ! إذ يُروِّج الشيوعيون لفكرةِ الإلحاد القائلة: لا إلهَ والكونُ مادَّة .. تعالى اللهُ عما يقولُ الظالمون علوًّا كبيرًا. وفي ظلِّ هذه الأجواءِ الصعبةِ والقبضةِ الحديديّة الشيوعيةِ نشأ جيلٌ من أبناءِ المسلمين لا يعرفُ من الإسلام إلا اسمَه، ولا من القرآنِ إلا رسمَه، وما يسمعُه من أبويهِ -إن قُدِّر له أن يسمعَ شيئًا من ذلك- إذْ بلغ الحالُ ببعضِ الآباء أن يمنعَ أولادَه من تعلُّمِ شيءٍ من القرآن حتى لا يتعرَّضَ الابنُ أو تتعرضَ الأسرةُ كلُّها لعقوبةِ الشيوعيين، والجريمةُ تعلُّمُ القرآن؟ !

стр. 2434

عبادَ الله: هذه الصورةُ المظلِمة، وهذا الكبتُ الرهيبُ، والتضييقُ على الناس في كل شيء، حتى غدا الناسُ كلُّهم وكأنهم في سجنٍ داخلَ ألبانيا -كما يقول الألبان- هذه الحالةُ ما كان لها أن تستمرَّ، فقد ضَجِرَ الناسُ وضاقوا ذَرْعًا بالشيوعيةِ والشيوعيين، وكان في سقوطِ الشيوعية في الاتحاد السوفيتي- ثم ما تلاها من دولٍ أُخرى كانت تابعةً لها- متنفسٌ لهؤلاء الألبان، إذْ قاموا عامَ تسعين وتسعمائة وألف بثورةٍ شعبيةٍ عارمةٍ ضدَّ الشيوعية والشيوعيين وسرَتْ هذه الحركةُ الشعبية في طولِ البلادِ وعرضِها حتى سقطت الشيوعيةُ في ألبانيا وعاد الحكمُ ديمقراطيًا -كما يقولون- من عام ثنتين وتسعين وتسعمائة وألف، وهنا تنفَّس الألبانُ الصُّعَداءَ، وعادُوا للحياةِ من جديد .. وكأنهم من قبلُ كانوا في عِدادِ الموتى، وعاد المسلمون يمارِسون عبادتَهم التي طالما مُنِعوا من أدائِها .. إلَّا من ضَعُفَ أو انسلخَ من تكاليفِ الإسلام فأولئك ظلُّوا في غيِّهم يعمهون، وفي حَيْرتِهم يتردَّدون، ولذا فلا غرابةَ أن تسمعَ الرجلَ أو المرأةَ يعتَّزانِ بالانتماء إلى الإسلامِ، فإذا سألتَ عن الصلاةِ أو الصيامِ أو نحوِها من واجباتِ الإسلام لم تجدْ لها وجودًا عند هؤلاء؟ أيها المسلمون: وبرغم هذه الغُرْبة عن الإسلام، ووجودِ مسلمينَ بلا إسلامٍ حقيقي -هناك فَثمَّةَ صورةٌ مُشرِقة تقابلُ هذه الصورةَ، إذ يوجدُ نفرٌ من المسلمين والمسلماتِ يلتزمونَ بالإسلامِ عقيدةً وسلوكًا، انتماءً وواقعًا، أولئك يَعمُرونَ المساجدَ بالطاعة، ويذكُرون الله ويشكرونَه على تغيُّرِ الحال، أولئك حريصون على الخيرِ، وقائمون بما يستطيعون من تكاليفِ الإسلامِ وواجباتِه -بل وسُنَنِه- ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، والجميلُ في هذه الصحوةِ أن عمادَها الشبابُ، وهؤلاء الشبابُ حريصون على الخيرِ وعلى دعوةِ قومِهم وأهلِيهم، ولديهم من الهِمَّة والحيويَّة والجِدّيَّة ما يجعلُهم بإذنِ الله أملًا يُرجَى نفعُه في ألبانيا -بل

стр. 2435

وفيما جاوَرَهم من أرضِ البَلْقان. إخوةَ الإسلام: إن الزائرَ لألبانيا قبل عقدٍ من الزمن أو يزيد قليلًا .. والزائرَ اليوم يجدُ فرقًا كبيرًا في أوضاعِ المسلمين عمومًا، وفي أوضاعِ الشباب خُصوصًا، فمِن قَبلُ كان الشرودُ والضياعُ والقهرُ والاستبدادُ وفُقدانُ الهُويةِ، والعيشُ بلا هدفٍ، والسجنُ والأذى لمن يَحمِل همَّ الإسلام أو يُحدِّد أهدافًا غيرَ أهدافِ الشيوعية في الحياة. أما اليوم فالانتماءُ للإسلام مفخرةٌ، والمسلمون يعيشون لأهدافٍ نبيلة، والدعوةُ إلى الله يَرُوجُ سوقُها، ويشتدُّ ساقُها، والمساجد تُعمَر حِسًّا ومعنىً .. والمؤسساتُ الإسلامية والهيئاتُ الدعويّة تجدُ لها مجالًا في الدعوة، والدعاةُ إلى الله يَجِدُون من يُرحِّب بهم ويسمعُ إليهم. أيها المسلمون: وبشكلٍ عامٍّ ومعَ هذه المبشِّرات والإرهاصات، فالمسلمون في ألبانيا يواجهون صعوباتٍ تُحِيطُ بهم ومعوِّقات، ومن المناسبِ أن يعلمَها إخوانُهم المسلمون ليساهموا في حلِّها وتذليلِها، ومن هذه الصعوباتِ ما يلي: ١ - غربةُ الإسلامِ الماضية لا تزال آثارُها باقيةً، ومهما قيل عن نفرٍ من المسلمين وفَّقهم اللهُ وتجاوزوها، فَثمّةَ أكثريةٌ من المسلمين لا يزال الإسلامُ فيهم غريبًا، وتشكِّل الغُربة والجهلُ بالدِّين أكبرَ المعوِّقاتِ للدعوة ونشرِ الخير في ألبانيا. ٢ - والوجودُ النصرانيُّ قويٌّ في ألبانيا، لا بكثرةِ النصارى، فنسبةُ المسلمين هناك بين خمسةٍ وسبعين إلى ثمانين بالمائة من تعدادِ السكان، بينما يشكِّل النصارى ما بين عشرين إلى خمسةٍ وعشرين بالمائة. ولكن قوة النصارى بالدَّعمِ والمساندةِ سواءٌ من داخلِ ألبانيا أو من القُوى النصرانيةِ خارجَ ألبانيا .. وحتى

стр. 2436

تتضحَ الصورةُ وإن كانت مأساويةً، يُقال: إنه يوجد الآنَ في ألبانيا أكثرُ من مائةٍ وثلاثين مؤسسةً تنصيريةً، على حين تُعدُّ المؤسساتُ الإسلاميةُ العاملةُ هناك على الأصابعِ، وليس يخفى أنَّ ألبانيا تُحاطُ بالدولِ النصرانية من جميعِ جهاتِها. ٣ - الفسادُ الخُلُقيُّ هناك كثيرٌ، والمحرَّمات منتشرةٌ، والفتنةُ كبيرة، لا سيَّما مع تبرُّجِ النساءِ الفاضحِ، وانتشارِ الخمورِ والمخدّراتِ ونحوِها من موادِّ الفسادِ الفكرية عبرَ القنواتِ الغازيَةِ، والمسلمون في ألبانيا هدفٌ يُراهِنُ عليه الأعداءُ بكلِّ وسيلة. ولكن ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (١).

стр. 2437

الخطبةُ الثانية: الحمدُ لله يُعِزُّ من يشاءُ بالطاعةِ والاستقامة، ويُذِلُّ من يشاءُ بالمعصية والرذيلة، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، ومن يُهِنِ اللهُ فما له من مُكرِم، ومن يهدِ اللهُ فهو المهتدي وهو الموفَّق، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه دعا إلى الحنيفيّةِ السَّمْحة فهدى اللهُ به قلوبًا غُلْفًا، وأسمعَ اللهُ به آذانًا صُمًّا .. اللهم صلِّ وسلِّمْ عليه وعلى سائرِ الأنبياء والمرسلين. عبادَ الله: ومن الصعوباتِ والمعوِّقات التي تواجه المسلمين في ألبانيا: ٤ - الفقرُ والبطالة، والفقرُ كادَ أن يكون كفرًا، وهو ظاهرٌ لمن تأمَّلَ في ألبانيا، وتزيدُ البطالةُ من شدةِ الحال، وهذه وتلك تزيدُ من مشكلاتِ المسلمين في ألبانيا، وتُسهِمُ بشكلٍ أو بآخرَ في الفسادِ والانحراف. ٥ - والهجرةُ من ألبانيا- ولاسيما في أوساطِ الشباب - للدولِ الكافرة المجاورةِ للبحث عن العمل، هي الأخرى إشكاليةٌ وتحدٍّ ضدَّ الشعبِ الألباني، ولاشكَّ أن لهذه الهجرةِ مخاطرَها في تردِّي الأخلاقِ وانحرافِ الأفكار. ٦ - ويواجه الشبابُ المتديِّنُ والشاباتُ الملتزمات، وهم وهنَّ قليلٌ بالنسبة لغيرهم، تحدٍّ من أهلِيهم والأبعدِينَ لالتزامِهم وقيامِهم بأمر الإسلام، ولربما قيل لهم جهلًا أو تجاهلًا -: وما هذا الدينُ الذي أَتيتُم به؟ وحتى لو لم يُقَلْ لهم شيءٌ، فلك أن تتصوَّرَ وضعَ شابٍّ أو شابةٍ يعيشُ بين أبوينِ لا يُصليِّان ويشربانِ الخمرَ حتى يَثمَلا! ولا تسألْ عن التفريطِ في الواجباتِ الأخرى أو ارتكاب محرَّمات أخرى، ومع ذلك فالحقُّ يقال: إن هؤلاءِ الشبابَ صابرون ومحتسِبون على ما يلقَوْنَ، زادهم اللهُ ثباتَا وهدى، وفتحَ على قلوب أهلِيهم وهداهم للهُدى .. وبفضلِ الله ثم بجهودِ هؤلاءِ الشباب لم تعدِ اللحيةُ مستغربةً، ولم يَعُدِ

стр. 2438

الحجابُ معدومًا وإن كانت هذه وتلك لا تمثِّلُ إلا أقليةً وسطَ جموعِ شاردةٍ غافلة. إخوةَ الإسلام: هذه من أبرزِ الصعوباتِ والمعوِّقات التي تواجهُ المسلمين في ألبانيا -وقد يكون هناك غيرُها- ولكن ما الحلُّ .. وكيف يُسهِمُ المسلمون في تذليلِها أو بعضِها؟ والإجابةُ عبر النِّقاط والمقترَحات التالية: ١ - شعورُ المسلمين عمومًا -حكومات وأفرادًا، العلماءَ والدعاة، والأغنياءَ- بأوضاعِ المسلمين هناك، ومدُّ يدِ العونِ لهم، وكلٌّ على حسبِ قُدرتِه، ولا ينبغي أن يكون النصارى أسرعَ في النجدةِ والمساعدةِ من المسلمين، وهل تعلمُ أن كفالةَ اليتيم في ألبانيا لمدةِ شهرٍ بخمسٍ وعشرين دولارًا، وهل تعلمُ أن الدعوةَ تُقدَّم لليتيم مع الإطعام وبالمبلغِ نفسِه فهنالك مؤسساتٌ إسلاميةٌ ودعاةٌ إلى الله يقومون بكفالةِ الأيتام ودعوتِهم وتعليمِهم الخيرَ؟ ٢ - الإكثار من عقدِ الدَّوراتِ الشرعيةِ والملتَقَيات النافعةِ بالمسلمين والألبانِ عمومًا، وبالشباب المتديِّنِ على وجهِ الخصوص، فتلك ترفعُ من معنويَّاتِهم، وتفقِّهُهم في دينِ الله وتزيدُ من جهدِهم وعطائِهم بإذن الله. ٣ - بناءُ المساجدِ حتى يستطيعَ المسلمون إقامةَ الصلاةِ جماعةً، وقد عَلِمْنا أن قرىً بل مدنًا بأكملِها لا يوجدُ فيها مسجدٌ واحد. ٤ - كفالةُ الأئمةِ والدعاةِ إلى الله، فهناك مَن لديهِ استعدادٌ للدعوةِ لكن قد يشغلُه البحثُ عن المعاشِ له أو لمن يَعُولُ عن الدعوةِ إلى الله، ولو وُجِدَ من يَكفُلُهم لتفرَّغُوا للدعوة، وهل تعلمُ أن المبلغَ الذي يُكفَل به الداعيةُ -ذكرًا كان أم أنثى- مائةُ دولار شهريًا تقريبًا، ومن جهَّز غازيًا فقد غزا، والجهادُ بالمال لا يقلُّ أهميةً عن الجهادِ بالنفس.

стр. 2439

٥ - إقامةُ المشاريع الدَّعويةِ ذات الجوانب الإغاثيةِ، فهذه تستقطبُ عددًا من المسلمين لفقرِهم وحاجتِهم، ومن يُطعِمُ يستطيعُ أن يعلِّمَ ويدعوَ. ٦ - بعثُ الدعاةِ للإقامةِ هناك للدعوةِ وتعليمِ الخير، وكم من طاقةٍ معطَّلةٍ وفي بلادِ المسلمين حاجةٌ إليها، وأيُّ قَدْرٍ من العِلْم والدعوةِ يكفي هناك، إذِ المسلمون محتاجون إلى شيءٍ يُقدَّمُ لهم. ٧ - استقطابُ عددٍ من أبناءِ المسلمين الألبانِ إلى بلادِ المسلمين على هيئة مِنَحٍ دراسية يتعلَّمون العربيةَ والعلومَ الشرعية ثم يعودون إلى بلادِهم دعاةً إلى اللهِ على بصيرة، وأئمةً في المساجدِ، ومُفتِين .. وهكذا وللحقِّ فإنَّ لبلادِ الحرمين وللجامعةِ الإسلامية بالذاتِ والجامعات الأخرى سهمًا واضحًا، وأثرًا ملموسًا يراه الزائرُ رأْي العينِ. ولِما رأيناهُ من أثرٍ ندعو للمزيدِ، فالحاجةُ لا تزالُ قائمةً. ٨ - فتحُ مدارسَ للبنين تزاحمُ مدارسَ النصارى، وأُخرى للبناتِ تُحافظُ على الحِشْمة وتمنعُ الاختلاط .. وهذه وتلك من أنفعِ الوسائلِ إذا أُحسِنَ اختيارُ المعلِّمين والمناهجِ، واستمرَّت متابعةُ المتخرِّجين وتوظيفِهم. ٩ - دعمُ المؤسساتِ الإسلاميةِ الألبانيةِ العاملةِ هناك، وهي أحوجُ ما تكونُ للدعمِ والمساندة .. والفرقُ كبيرٌ بين إمكاناتِها ودعمِها وبينَ المؤسساتِ التنصيرية. ١٠ - وحيث تقومُ اليومَ عددٌ من المؤسَّسات والهيئاتِ الإسلاميةِ من خارج ألبانيا بالدعوةِ هناك، ولها أثرٌ واضحٌ وللدعاة فيها جهدٌ مشكورٌ، فهذه كذلك تستحقُّ الدعمَ والمساندة .. ومن أبرزِها مؤسسةُ الوَقْف الإسلامي، وهناك مؤسساتٌ غيرُها تُذكَر وتُشكَر وليس المجالُ حصرًا لشيءٍ منها. ١١ - وللإعلامِ دورٌ كبيرٌ في نقلِ الصورة، وعلى الإعلاميين كِفلٌ كبيرٌ من

стр. 2440

المسؤولية .. وذلك عبرَ الخبرِ والتحليلِ الصحفيِّ، والبرنامجِ الإذاعي، والقنواتِ المرئية .. فكلُّ ذلك يُسهِم في توعيةِ المسلمين في ألبانيا وينقلُ أخبارَهم، ويقدِّم الحلولَ لمشاكلهم. ١٢ - كما يُسْهِمُ في التوعيةِ هناك وجودُ مطبعةٍ تُسهِم في نشرِ تعاليم الإسلام عبرَ الكتاب والمجلَّة ونحوها. إن هذه الخطواتِ الإعلاميةَ ونظائرَها لو عُنِيَ المسلمون بها ووفَّروها لإخوانِهم في ألبانيا -لكان ذلك نافعًا ومؤثِّرًا بإذن الله لا على مستوى ألبانيا وحدَها، بل على مستوى البلقانِ كلِّها .. وعسى اللهُ أن يهيئَ للمسلمينَ مِن أمرِهم رُشدًا. عبادَ الله: تِلكُم جولةٌ سريعةٌ في أرضِ ألبانيا بأوضاعِها واحتياجاتِها والمقترَحات حيالَها -أسألُ الله أن ينفعَ بها، وللحديثِ بقيةٌ إن شاءَ الله في موقعٍ آخر .. وعن حالةٍ أُخرى أَستكملُها في الخطبةِ القادمةِ بإذن الله تعالى. اللهم اجمعْ كلمةَ المسلمين على الحقِّ والدِّين، وكلِّلْ جهودَ الدعاةِ والعاملين بالتوفيقِ والسَّداد، واخلُفْ على المتقينَ وأَغنِ فقراءَ المسلمين من فضلِك يا ربَّ العالمين.

стр. 2441

كُنتُ في البلقان (٢) المسلمون في البوسنة والهرسك (١) الخطبةُ الأولى: إنَّ الحمدَ لله نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، من يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه .. اللهم صلِّ وسلِّمْ عليه وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسَلين وارضَ اللهمَّ عن الصحابةِ أجمعين والتابعين ومن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (٣). إخوة الإسلام: ولئِن كان الحديثُ في الجمعةِ الماضيةِ عن الإسلامِ والمسلمين في ألبانيا بينَ آثارِ الشيوعيةِ والانبعاثِ الإسلاميِّ الجديد، فحديثُ اليوم عن فئةٍ أُخرى من المسلمين عاشوا هم الآخرون تحتَ وَطْأة الشيوعيةِ والشيوعيِّين فترةً من الزمن، ثم عاشوا تحتَ حُكْم النصارى العربِ والكُرْوات فترةً زمنيةً أخرى، ثم عادوا اليومَ يحكمُهم الشيوعيون والعِلْمانيون .. كانت

стр. 2442

أخبارُهم وأحوالُهم غائبةً عن المسلمين فترةً من الزمن، حتى إذا دقَّ النصارى طبولَ الحرب وأرادوا تصفيةَ الوجودِ الإسلاميِّ في البوسنة والهرسك، تحرَّكتْ عواطفُ المسلمين في المشرقِ والمغربِ، وعَرَفَ من لم يعرِفْ من قبلُ أن في البوسنة والهرسك رجالًا ونساءً وأطفالًا يقولون: ربُّنا الله. عبادَ الله: إلى أرضِ البوسنة والهرسك أنقلُكم -ولو ذِهْنيًا- وعن أحوالِ المسلمين البوسنيين أحدِّثُكم -ولو قليلًا- ومن لم يهتمَّ بأمرِ المسلمين فليس منهم. ولستُ أدري أمِنْ روائعِ الجهاد وبطولاتِ المقاتلين أَطُوف بكم .. وهناك لو استُنطِقَ الحجرُ لشهدَ على ملاحمِ البطولةِ وكرامةِ الشهداء، وتكادُ الأوديةُ الجاريةُ بالأنهار .. أن تختلطَ بها دماءُ القتلى والجرحى. يمكنُك في أرضِ البوسنة والهرسك أن تقرأ الحربَ وآثارَها في المُعاقِين والمرضى، وفي كثرةِ القبور الجماعية على جَنَباتِ الطُّرُق، وفي آثار التدميرِ في المنشآتِ والمباني التي لم تُرمَّمْ بعدُ. أم أتحدَّثُ عن وحشيةِ النصارى وما فعلوه بالمسلمين سواءً من داخلِ أرض البوسنة أم من خارجِها، ولا سيَّما الدولِ الكبرى، أم أتحدَّثُ إليكم عن مكاسبِ المسلمين وخسائرِهم في هذه الحربِ الأخيرة وما هو الدَّورُ المطلوبُ من المسلمين تجاهَ إخوانهم، بعد معرفةِ خُطَطِ النصارى ووجودِهم في البوسنة والهرسك. أيها المسلمون: وبدأتْ أكثريَّةُ المسلمين تعرفُ عن الإسلام والمسلمين في البوسنةِ والهرسك بعد الحربِ التي استمرَّتْ أكثرَ من ثلاثِ سنوات من عام ١٩٩٢ م إلى ١٩٩٥ م .. وكان لوحشيةِ النصارى الصِّربِ بالذاتِ في هذه الحربِ

стр. 2443

أثرٌ في تعاطُفِ المسلمين، بل وغيرِ المسلمين مع مُسلِمي البوسنة والهرسك. كيف لا يتعاطفون وقد خلَّفتِ الحربُ ما يزيدُ عن مائتي ألف قتيلٍ ما بين مسلمٍ ومسلمةٍ وطفلٍ؟ أما الجرحى والمعاقون -بأيِّ نوعٍ من الإعاقة- فهؤلاء يُقدَّرون بمائة ألفٍ، ولا يزال ما يَقرُبُ من ثلاثين ألفَ معاقٍ يُعانُون من أثرِ الإعاقة. كما خلّفت الحربُ خمسةً وعشرين ألف يتيمٍ، ولا تسأل عن حاجةِ هؤلاءِ للرعاية -لكافةِ جوانبِها. أما مَن فرَّ من المسلمين البوسنِّيين نتيجةَ ويلاتِ الحرب فيُقدَّرُون بمليونِ مسلمٍ، على هيئةِ لاجئين إما من قريةٍ إلى أخرى داخلَ البوسنة، أو من دولتِه إلى دولةٍ مجاورةٍ، ومنهم من فرَّ إلى دولٍ بعيدةٍ إسلاميةً كانت أم غيرَ إسلامية. إخوةَ الإيمان: ولم تقفْ آثارُ الحرب وهجمةُ النصارى على المسلمين في البوسنة عند هذا الحدِّ .. بل طالتِ الآثارُ العزَّلَ من السلاحِ والآمنين في بيوتِهم ولم تَسلَم النساءُ من خُبْثِ النصارى ووحشيَّتِهم .. ويؤكِّدُ البوسنيون أن أكثرَ من أربعين ألفَ امرأةٍ مسلمة فعلَ بها النصارى الفاحشةَ، هذا إنْ سَلِمَتْ من القتلِ والتشريد. وبيوتُ الله هي الأخرى أُسقطِت مآذنُها ومحاريبُها وهُدِّمت جدرانُها، وقد بلغ عددُ المساجدِ التي سُويِّتَ بالأرض ودُمِّرت تمامًا ستُّمائةِ مسجدٍ تقريبًا، وفوقَ ذلك أُصيبَ ثلاثُمائةِ مسجدٍ بشدوخٍ وتصدُّعاتٍ تحتاجُ معه إلى ترميمٍ وإصلاحٍ، ونال التدميرُ كذلك المنشآتِ والممتلكاتِ، وأُفسدت البُنَى التحتيةُ من طرقٍ وجسورٍ ومولِّداتِ كهرباء ونحوِها فضلًا عن تهديمِ البيوت ليصبحَ ساكنوها بلا مأوى، ويقال: إنه يوجدُ الآن أكثرُ من ثلاثِمائةِ ألفِ مسلمٍ لم يستطيعوا

стр. 2444

العودةَ إلى منازلِهم في البوسنة -على أثرِ تدميرِ الحرب وتشريدِ الشعوب. إخوةَ الإيمان: والمآسي هناك تَعصُر الفؤادَ، ووحشيةُ الصِّرب والكُرْوات والنصارى تظهرُ في أكثرَ من اتجاه .. ولئن نسي العالَمُ أو تناسَوْا هذه المآسيَ والجرائمَ، فلن ينسى المسلمون عامةً ومسلمو البوسنة والهرسكِ على وجه الخصوص تلك المذابحَ الجماعيةَ الغادرة التي تمَّت بتواطئٍ وتخطيطٍ من المجرمين، وما مذبحةُ (سربرنتسا) إلا نموذجًا لهذا الغدرِ الأثيم، فقد كانت مُحصّلةُ القتلى في هذه الحادثةِ وحدَها عشرة آلاف وأربعمائة قتيل وقتيلة، في مدةٍ لا تتجاوزُ الأسبوع! وفي هذه المذبحةِ غابتْ شِعاراتُ حقوقِ الإنسان عند الغربِ، بل وغاب معها قِيَمُ الغرب التي طالما تبجَّح بها، والسببُ أن العنصرَ الخاسرَ مسلمون حتى ولو كانوا أوربيين؟ لكن حقوق هؤلاءِ المسلمين المظلومين محفوظةٌ عند المسلمين، وجزاؤُهم وأجرُهم عند ربِّ العالمين. أيها المسلمون: وبرغمِ هذه الويلاتِ والخسائرِ المُرَّة لهجمةِ النصارى على المسلمين، إلا أن الأحداث برُمَّتِها لم تكن شرًا محضًا، بل كان في ثناياها من الخيرِ ما يحمل البِشرَ، والفأْلَ لحاضرِ المسلمين في البوسنة والهرسك ومستقبلِهم بإذن الله .. وهنا يَردُ السؤال .. وما هي الآثارُ الإيجابيةُ والمبشِّراتُ الإسلامية في أرضِ البوسنة والهرسك: ١ - لقد كان من أبرزِ هذه الآثارِ معرفةً عددٍ من المسلمين في العالم بإخوانٍ لهم في العقيدةِ في البوسنة والهرسك، وتعاطُفِهم معهم بالدَّعم والدعاءِ، وهذا في حدِّ ذاتِه مكسبٌ لإحياءِ مشاعرِ المسلمين وترابُطِهم إذا استمرَّ وأُنجِز. ٢ - وفي نفوسِ البوسنيين أَيقظتِ الحربُ بويلاتِها وشراسةِ النصارى وحِقْدِهم كوامنَ العقيدة في النفوس، فعادوا يتذكَّرون هويتَهم المفقودةَ ردحًا من الزمن، وبدؤوا يعدون إلى دينِهم ويعتزُّون بإسلامهم، في مقابلِ تعصُّب النصارى لدينِهم

стр. 2445

وحربِهم للمسلمين على عقيدتِهم، وبدأ يرتادُ المساجدَ مَنْ لم يكن يعرفُ طريقَها من قبلُ. ٣ - أما الأثرُ الأعظمُ فهو عودةُ عددٍ من شبابِ البوسنة للإسلام بمفهومِه الصحيحِ الشامل، وبالالتزامِ الصادق، بل والحماسِ للدعوة لهذا الدِّين، وبَعْثِه من جديدٍ في نفوس قومِهم البوسنيين، ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (١)، وقد رأينا بأمِّ أعينِنا -نماذجَ لهؤلاءِ الشبابِ الملتزمين زادهم اللهُ هدى وبصيرةً، وثبتَّهم وحَفِظَهم ونفعهم ونفعَ البلادَ والعبادَ بهم. ٤ - وأمرُ الوعي كذلك بدأَ في صفوفِ النساء -وإن كان بنسبٍ أقلَّ- فبدأتَ تسمعُ عن عددٍ من الملتزماتِ بل الداعياتِ، ولم يعُدِ الحجابُ -كما كان من قبلُ- مظهرًا من مظاهرِ التخلُّفِ والرجعيةِ، بل رمزًا للعِزَّةِ والكرامةِ والأصالةِ الإسلامية، وإن كان لا يزال نِسبٌ كبيرةٌ من النساءِ هناك يمثِّلنَ الضياعَ والانحرافَ ويشكِّلنَ عنصرًا من عناصرِ الفسادِ والفتنة، ثبَّت الله المهتدياتِ، وهدى الضالاتِ والمتبرِّجاتِ إلى الحقِّ والهدى. ٥ - وفي مقابل هدمِ النصارى للمساجدِ تعاطفَ المسلمون مع إخوانِهم في البوسنة، فعُمِّرت المساجدُ من جديدٍ وبمساحاتٍ أوسعَ وببناءٍ أقوى وأفخم، بل وبُنيَ إلى جانبها المراكزُ الإسلاميةُ للدعوةِ والتعليمِ ويُعدُّ مسجدُ ومركزُ خادمِ الحرمين الشريفين في سراييفو أكبرَ وأفخمَ مسجدٍ ومركزٍ، لا في البوسنةِ والهرسك وحدَها، بل ربما على مستوى البلقانِ، وحين يُفتَحُ المركزُ بخدماته وتقنيتِه العاليةِ ويُدعَم ويوفَّقُ لعاملين نَشِطِين مخلِصين، فسيكون له أثَرُه بإذنِ الله هناك، وهناك مساجدُ ومراكزُ أخرى، جزى الله العاملين المخلِصين المنفِقين عليها خيرَ الجزاء.

стр. 2446

٦ - ورغم ظروفِ البوسنيين وفقرِهم فقد تعاطَفُوا وشاركوا في بناءِ المساجدِ والمراكزِ هناك. ٧ - ودوَّتْ صيحاتُ الإغاثةِ في مشرقِ العالَم الإسلاميِّ ومغربِه للتعاطفِ مع الأيتام والأراملِ والمحتاجين من المسلمين في البوسنةِ، فقامت عددٌ من المؤسساتِ الإسلامية والهيئاتِ الإغاثية، ونفرٌ من أثرياءِ المسلمين وأهلِ الخير بكفالةِ عددٍ من الأيتام، ورعايةِ عددٍ من الأسر المحتاجة هناك -ولكنَّ الحاجة لا تزالُ قائمةً، وقائمةُ اليتامى التي تنتظرُ ربما تفوق قائمةَ المكفولين- وهذا التعاطفُ نوعٌ من تلاحُمِ المسلمين وأسلوبٌ من أساليبِ وَحْدتِهم، وهو مغيظٌ للأعداءِ بكلِّ حال. أعوذُ باللهِ من الشيطان الرجيم: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ (١).

стр. 2447

الخطبةُ الثانية: الحمدُ لله ربِّ العالمينَ، حَكَم في مُحكَم تنزيله بأخوّة المؤمنين مهما تباعدتْ ديارُهم أو اختلفتْ ألسنتُهم وألوانُهم فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (١)، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، أمرَ بالولاءِ للمؤمنين وحذَّرَ من الفتنةِ والفسادِ إذا لم يُفعَل هذا الولاءُ والبراءةُ من الكافرين ولو كانوا أقربَ قريبٍ، فقال: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ (٢). وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه أخبرَ عن ترابُطِ المؤمنين بقوله: «المؤمنونَ كرجلٍ واحدٍ إن اشتكَى رأسُه اشتكَى كلُّه، وإن اشتكَى عينُه اشتكى كلُّه» رواه أحمد ومسلم عن النعمان بن بشير (٣). اللهمَّ صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائرِ الأنبياء والمرسلين. إخوةَ الإيمان: ولعلَّ أحدَكم يسألُ ويقول: وكيف انتهتِ الحربُ في البوسنة والهرسك، وماذا عن اتفاقيةِ (دايتن) وما الدَّورُ المطلوبُ من المسلمين، وما الفرقُ بين وجودِ المؤسَّساتِ التنصيريةِ والمؤسساتِ الإسلاميةِ في البوسنةِ والهرسك بعد نهايةِ الحربِ إلى هذا اليوم؟ وللإجابةِ أقولُ: من المعلومِ أنَّ المسلمين في أُخرَياتِ أيامِ الحرب بدؤوا يتقدَّمون وتَسقُط بأيديهم المدينةُ تِلوَ الأخرى .. وكلما تقدموا تأخَّرَ النصارى .. ولكنَّ هذا الوضعَ أقلقَ الدولَ

стр. 2448

النصرانيةَ الكبرى، فبدأ التدخلُ سافرًا، بل بدأ الضغطُ على حكومةِ البوسنة بقُوَّة لإيقافِ الحربِ وإبرامِ وثيقةِ صلحٍ، وما كان للمجاهدينَ رغبةٌ في إيقافِ الحربِ .. ولكن أمامَ ضغطِ الحكومة والتي بدورِها واجهتْ ضغوطًا من الغربِ وفي مقدمتِه أمريكا، امتثلوا للأمرِ الواقع، وفوَّتوا على الغربِ خُطةً خبيثةً ماكرةً بإشعالِ الفتنةِ بين المسلمين حين يوافق بعضُهم على إيقافِ الحرب ويرفضُ آخرون إيقافَها. وبعدَ إيقافِ الحرب أشرفَ الغربُ كلُّه وفي طليعتِه أمريكا على اتفاقيةِ (دايتن) في فرنسا، والتي جاءتْ بنودُها وشروطُها مُجحِفةً بحقِّ المسلمين ومائلةً كلَّ الميلِ مع النصارى .. وهل يُتوقَّعُ من الأعداءِ غيرُ هذا؟ ومهما تبجَّحَ الغربُ برعايةِ السلام والعدلِ فذاك النفاقُ الذي سوَّد وجوهَ القوم .. ولكنهم حين يُجحِفون بحقِّ شعوبٍ أوروبية لكنها مسلمةٌ .. فذاك الذي يؤكِّد تزعُّمَهم لحربِ العقائد ويبعثُ في النفوس حميَّةَ الولاءِ للعقيدة لا للعِرقِ والجنسية! أجلْ لقد جاءتِ اتفاقيةُ (دايتن) لتضمنَ دولةً للصِّرب في البوسنة، أما المسلمون فبلا دولةٍ، بل يُحكَمون هم والكروات حكمًا فِدْراليًا، ويتولَّى الحكمَ بالتناوب مندوبٌ من الغرب. ليس ذلك فحسبُ، بل هذه الاتفاقيةُ الظالمة استهدفتْ ضربَ المؤسسةِ العسكريةِ للجيش البُوسني، وبدلَ أن يكون في الجيشِ مائتا ألفِ جنديٍّ مسلم متحمِّسٍ للقضاءِ على آخر صِربيٍّ في البلاد، قلَّصتْ الاتفاقيةُ هذا العددَ إلى ثلاثين ألفَ جنديٍّ فقط .. وهؤلاء كذلك منزوعو السلاحِ؟ ! واستهدفت الاتفاقيةُ الظالمةُ - فيما استهدفتْ - كتائبَ المجاهدين والذين أسمَتْهم الاتفاقيةُ (بالمقاتلين الأجانب) واشترطتْ حلَّ الكتيبة - وإن كان معظم أفرادها من الشبابِ البوسنيِّ، فالمجاهدون مهما كان نوعُهم وعددُهم يُرهِبون

стр. 2449

القوى الكبرى، ولذا يسعَوْن لمحاصرتِهم والتضييقِ عليهم. عبادَ الله: وكلمةُ حقٍّ تقال لهؤلاءِ المجاهدين - سواءٌ من داخلِ البوسنة أو خارجِها- إنهم بحقٍّ صمَامُ أمان، وصيحةُ الحقِّ والانتصارِ للمظلوم والغضبِ لله، ونداءُ تكبيرِهم دوَّت له الجبالُ .. باعوا أنفُسَهم لله، وحملوا أرواحَهم على أكُفِّهم جهادًا في سبيل الله ورغبةً في الشهادة. وكم تشهدُ أرضُ البوسنة أو سواها من مواقعِ الجهاد على شجاعتِهم وبَذْلِهم، وحُقَّ للجبال أن تبكيَ لوداعهم، وحين تُحدِّث الأرضُ أخبارهَا فستشهدُ على صلاتِهم بالليل والناسُ نِيَام، وبكائِهم من خَشْيةِ الله في الأسحار، وعلى طول سهرِهم مرابطينَ في سبيل الله، في وقتٍ كان فيه فِئامٌ من المسلمين يغطُّون في نومٍ عميق .. كذلك نحسبُهم والله حسبُنا وإياهم -اللهم اقبَلْ شهداءَهم، وثبِّتْ على الحقِّ أحياءَهم، واهدِهم صراطَك المستقيم. إخوةَ الإسلام في كلِّ مكان: أَتدرونَ ماذا يحتاجُه إخوانُكم المسلمون في البوسنة والهرسك منكم في ظروفِهم الحاضرة؟ ١ - إنهم محتاجون ألَّا تنسَوْا قضيتَهم في وقتٍ كثَّفَ النصارى وجودَهم وجهودَهم، نعم إنَّ من أخطائنا أننا نتعاطفُ مع إخواننا في وقتِ ذُروةِ الأَزْمة، ثم فجأةً ننسحبُ وننساهم وقضيتَهم، على حينِ تتركَّزُ جهودُ النصارى في وقتٍ يغيبُ فيه المسلمون فيُفسِدون ويهدِمون ما بناه المسلمون .. فهل يليقُ الانسحابُ حين تُقطَفُ الثمار .. ليس ذلك في البوسنة فقط، بل وفي كثيرٍ من مواقعِ الجهاد التي دعمناها .. ثم بسرعةٍ وفجأةً نسيناها، ولعلَّ مما يُثير دهشتَكم وحماسَكم أن تعلموا أن بأرض البوسنة والهرسك اليومَ أَكثرَ من ثلاثمائة مؤسسةٍ تنصيريةٍ حسبَ تقرير المجلس التنسيقي للمؤسساتِ غيرِ الحكوميةِ في البوسنة، وكما يعترفُ بذلك البوسنيون .. إنَّ من حقِّ البوسنيين أن يتحسَّروا على انسحابِ

стр. 2450

المؤسسات الإسلامية بعد الحربِ، ونحن معهم نتحسَّرُ على هذا الإخلاءِ في وقتٍ تكاثرَ فيه الدخلاءُ والنصارى. ولقد كانت تجربتُكم في ربطِ الدعوةِ مع الجهاد -في أرض البوسنة- تجربةً رائدة .. آتَتْ أُكُلَها في حينِها، ولا تزالُ أرضُ البوسنة تتروَّى من مَعِينها، والأملُ -بعدَ الله- كبيرٌ في شبابِ البوسنة الذين تربَّوْا في محاضنِ الجهاد .. واستفادوا من دعوةِ المجاهدين. ٢ - ولا تزال الحاجةُ قائمةً لبناءِ المساجد أو إكمالِ ما بُدئ به ولم يُكمَل، وقد رأيتُ ما بُدئ به ولم يُنجَزْ، علمًا بأن هذه المساجدَ على مستوى القريةِ والمدنِ هي الوحيدةُ. ٣ - والدعاةُ إلى اللهِ من البوسنيين أو غيرِهم يحتاجونَ إلى دعمٍ ماديٍّ يسدُّ حاجتَهم ويُفرِّغهم للدعوة بين أهلِيهم وبني قومِهم، كما يحتاجون إلى الدعمِ المعنويِّ وهو أهمُّ، وذلك بزيارةِ المشايخ والدُّعاةِ وطلبةِ العلم لهم، وإقامةِ الدورات الشرعيةِ والبرامجِ النافعة، والدروسِ والمحاضراتِ العامَّة لهم ولعمومِ المسلمين هناك، وكلُّ ذلك يُسهِم في تثبيتِهم -بإذن الله- أمامَ المدّ النصرانيِّ والصليبيِّ وموجاتِ العَلْمنة والتغريب .. وإذا كان حاكمُ الصِّرب المجرمِ وُكِّلَت إليه مهمةُ التصفية الجسدية لمسلمي البوسنة والهرسك -وقد اعترفَ العالَمُ الغربيُّ بأن حاكمَ الصرب مجرمُ حربٍ- فحاكمُ الكروات النصرانيُّ وُكِّل إليه أَوْربةُ البوسنيين (يعني جعلَ البوسنة أُوروبية الطابع والشخصية) فقد صرَّح الرئيس الكرواتي بأن الغربَ كلّفه بهذه المسؤولية .. فهل يهبُّ المسلمون لنجدةِ وحمايةِ إخوانهم من كيدِ النصارى. ٤ - وهناك عددٌ من اليتامى والأيامى والأراملِ والمعاقين من المسلمين خلَّفتها آثارُ الحرب، وهؤلاء إن لم يسبقِ المسلمون لمساعدتِهم وإيوائِهم وسدِّ

стр. 2451

حاجتهم فستخطفُهم المؤسساتُ التنصيرية وستقدِّمُ لهم الطعامَ والكساءَ والتعليم بيدٍ وبالأخر تقدِّمُ لهم الإنجيلَ المحرَّفَ وتسلخُهم من إسلامِهم الحق، أو يقعون فريسةً للفسادِ الشيوعيِّ والانحلالِ الخُلُقي ويصبحون عالةً على المسلمين فيما بعدُ. ٥ - وحين تُعنَى المؤسساتُ الكافرةُ هناك بالإعلامِ وتركِّز على التعليم، فهل يُولِي المسلمون هذه الجوانبَ المهمة عنايتَهم بفَتْحِ المدارسِ واستقدامِ طلاب المِنَح، والعنايةِ بالجوانب الإعلامية بكافة صُورِها وقنواتِها لصالحِ المسلمين في البوسنة وقضيتِهم المشروعة؟ ٦ - وأخيرًا فإنني أهمسُ في أذنِ عددٍ من التجارِ والسيّاحِ أن يتجهوا بتجارتِهم وسياحتِهم إلى بلادِ المسلمين هنا وسيجدونَ فيها من جمالِ الطبيعة وحسنِ الأجواء ما يدعوهم للسياحةِ، وستكون فرصةً لاطِّلاعهم على أحوال إخوانِهم المسلمين ودعمِهم، فليس مَنْ رأَى كمن سمعَ، بدل أن يتجهوا لسياحتِهم وتجارتِهم واستثماراتِهم إلى بلادِ الكفر والعهرِ، فتذهبُ أموالُنا إلى صناديقِ أعدائنا، فندعمُهم من حيثُ لا نشعر -وهم ليسوا بحاجةٍ إلى دعمِنا- وننسى دعمَ إخواننا وهم في أشدِّ الحاجةِ لدعمنا. تِلكُم معاشرَ المسلمين خلاصةُ رؤىً ومشاهدَ ومشاعرَ عشتُها مع إخوانِنا في ألبانيا والبوسنة والهرسك .. رأيتُ أن أُشرِكَكم فيها، وأن أحمِّلَكم مع نفسي مسؤوليةَ الدعمِ والمناصرةِ لهؤلاء المسلمين. اللهم انصرْ دينَك وعبادَك الصالحين، اللهم اكفِنا شرورَ الأعداء. اللهم هل بلَّغتُ.

стр. 2452

لغة القوة ماذا تعني وماذا تنتج ؟ (١) الخطبةُ الأولى: إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ منْ شرورِ أنفسِنا ومنْ سيئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِهِ اللهُ فلا مُضلَّ لهُ، ومنْ يضلِلْ فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، اللهمَّ صلِّ وسلِّم عليهِ وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلينَ، وارضَ اللهمَّ عنِ الصحابةِ أجمعينَ والتابعينَ وتابعيهمْ بإحسانٍ إلى يومِ الدِّينِ وسلِّمْ تسليمًا كثيرًا. أيَّها المسلمونَ: لغةُ الغطرسةِ والكبرياءِ ماذا تعني وماذا تُنتِجُ؟ سؤالٌ يتردَّدُ دائمًا ولكنهُ يُثارُ أكثرَ حينَ تكثرُ مستنقعاتُ الدماءِ، وحينَ يُظلَمُ الضعفاءُ، ويُقتَلُ الأبرياءُ ويُشمَلُ بالقتلِ الأطفالُ والنساءُ. والمتأمِّلُ اليومَ في كونِ اللهِ الواسعِ يرى ظُلْمًا وعدوانًا، وقتلًا وتشريدًا منْ دولٍ تملكُ القوةَ، وتلوِّحُ بعصاها الغليظةِ، وتمتدُّ بأذرعِها الضاغطةِ هنا وهناكَ. ومنَ المؤسفِ والمؤلمِ أنْ تكونَ الأرضُ المباركةُ، حيثُ مسرى الأنبياءِ وبيتُ المقدسِ، أكثرَ هذهِ الأماكنِ تعرُّضًا للظُّلْمِ والصَّلَفِ والكبرياءِ، وأنْ يكونَ الشعبُ الفلسطينيُّ الأعزلُ .. إلّا منْ حجارةٍ يحملُها الأطفالُ .. وهُتافاتٍ يُصوِّتُ بها الرجالُ، وأدعيةٍ ودموعٍ تُطلقُها وتَسكبُها ألسنةُ وعيونُ النساءِ .. أنْ يكونَ هذا الشعبُ الأبيُّ منْ أكثرِ الشعوبِ التي وَقَعَ عليها الظُّلمُ والاعتداءُ في هذهِ الأيامِ.

стр. 2453

ونعودُ للسؤالِ المطروحِ مرةً أخرى: ماذا تعني لغةُ الغطرسةِ والكبرياءِ .. ؟ إنَّ ممَّا تَعنيهِ هذهِ اللغةُ أنها تنفيسٌ عنِ الحقدِ الدفينِ، وهيَ أسلوبٌ سافلٌ منْ أساليبِ الاستفزازِ، هي نزغةٌ منْ نَزَغاتِ الشيطانِ، وهيَ محاولةٌ لتصفيةِ القضيّةِ العادلةِ على حسابِ الجماجمِ والأشلاءِ البشريّةِ .. وهيَ كذلكَ فهمٌ منْ فهومِ السلامِ عندَ مَنْ يَرَوْنَ أنفسَهمْ حُماةَ السلامِ .. وتعني كذلكَ فَرْضَ القوّةِ وإشعارُ الأطرافِ الأخرى بعدمِ قدرتها على التحدِّي. بلْ قدْ تعني هذهِ الغطرسةُ الأخيرةُ أَبْعدَ منْ ذلكَ، فقدْ تكونُ رسالةً موجَّهةً .. وقدْ تكونُ مؤشِّرًا لعدوانٍ أوسعَ. عبادَ اللهِ: ومهما عنتْه هذهِ الحركاتُ والاستفزازاتُ والقتلُ والتدميرُ فإنَّ الناتجَ لها سلبيٌّ، ولعلَّ أكثرَ المتضرِّرينَ منها همُ المُشعِلونَ لفتيلِها. نعمْ إنَّ الضغطَ يولِّدُ الانفجارَ .. والتحدِّيَ يخلُقُ تحدِّيًا آخرَ، والضعيفَ إذا حوصرَ وضيِّقتْ عليهِ المسالكُ قد يتقوَّى؛ لأنهُ لمْ يبقَ لهُ شيءٌ يَخشى على فواتِه، وبالتالي فسيُجازفُ بأغلى ما يَملكُ، وبكلِّ حالٍ سيتضرَّرُ الطرفُ الآخرُ. والقويُّ إذا لم يُحسنِ استثمارِ قوّتِهِ وضبْطَ قدراتهِ؛ عادتْ هذهِ القوةُ وبالًا عليهِ، ومِنْ سننِ اللهِ في كَوْنهِ أنَّ الظُّلْمُ إذا بلغَ حدَّه تهدَّمتْ عروشُ الظالمينَ، وكانتْ تلكَ بدايةَ النهايةِ لهم، وفي كتابِ اللهِ العزيز تصديقُ ذلكَ، مثلُ قولِهِ تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ (١). قولِهِ تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ (٢).

стр. 2454

أينَ فرعونُ ذو الأوتادِ؟ أينَ فرعونُ ذو الأوتادِ؟ وأينَ قارونُ صاحبُ الأموالِ؟ أينَ عادٌ التي لمْ يُخلَقْ مثلها في البلادِ؟ وأينَ ثمودُ الذينَ جابُوا الصخرَ بالوادِ؟ لقدْ أهلكَ اللهُ ﴿عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ (١) .. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ (٢). عبادَ الله: إنَّ المسلمَ حينَ يتأملُ واقعَ اليومِ بحروبهِ الشاملةِ، وتدميرِه المتعدِّدِ المواقعِ والأشكالِ .. فهناكَ تدميرٌ للممتلكاتِ، وهناكَ تدميرٌ للقِيَمِ .. وفوقَ هذا وذاكَ هناكَ تدميرٌ للإنسانِ نفسِهِ، وفي كلِّ يومٍ تُزهقُ أرواحٌ بريئةٌ، وتُغتالُ البسمةُ على شفاهِ الأطفالِ والنساءِ والشيوخِ والعجائزِ، وكلُّ ذلكَ ترعاهُ دولٌ عظمى - إنَّ المسلمَ حينَ يتأمَّلُ هذا الواقعَ المرَّ يَروعُهُ ذلكَ، لكنهُ يخرجُ بنتيجةٍ مفادُها أنَّ الحضارةَ القائدةَ للعالمِ اليومَ ليستْ على مستوى مسؤوليةِ القيادةِ، فهيَ عاجزةٌ عنْ تأمينِ الأمنِ والطمأنينةِ - رغم إمكاناتِها الماديةِ الهائلةِ - وهيَ أعجزُ عنْ تأمينِ السعادةِ الحقَّةِ لبني البشرِ .. وإنْ وفَّرتْ لهمْ منْ وسائلِ التقنيةِ والترفيهِ ما لمْ يتوفَّرْ مثلُه منْ قبلُ، بلْ وهيَ عاجزةٌ عنْ تحقيقِ أدنى درجاتِ العدلِ .. وإنْ توفَّرَ لها منَ المنظَّماتِ والهيئاتِ ما تدَّعي بهِ توفيرَ العدلِ - كمحكمةِ العدلِ الدوليةِ، ومجلسِ الأمنِ، وهيئةِ الأممِ المتحدةِ، وسواها منْ منظَّماتٍ وهيئاتٍ لا تعدُو أن تكونَ الألقابُ مملكةً في غيرِ موضعِها: كالهرِّ يحكي انتفاخًا صولةَ الأسدِ وعلى المسلمينَ أن يُدرِكوا مسؤوليتَهمْ في القيادةِ، وأنْ يهيِّئوا أنفسَهمْ للصدارةِ.

стр. 2455

أيُّها المسلمونَ: وحينَ نُقلِّبُ صفحاتِ التاريخِ نجدُ أنَّ الحضاراتِ الماديةَ البعيدةَ عنْ هَدْيِ السماءِ - قديمًا أوْ حديثًا - لمْ تستطعْ أن توفِّرَ ما يتطلبُه الإنسانُ منْ أمنٍ ورخاءٍ وطمأنينةٍ وسعادةٍ، بلْ يعيشُ الناسُ في ظلِّها في بؤسٍ وشقاءٍ، وظُلْمٍ وجَوْرٍ .. تتقلَّبُ فيها فئةٌ قليلةٌ منَ الناسِ بأنواعِ النعيمِ والملذاتِ .. ولتشقى شعوبٌ بأكملِها وأفرادٌ كثيرةٌ أخرى. أجلْ إنَّ حضارةَ الرُّومِ وحضارةَ الفُرْسِ هما الحضارتانِ اللتانِ كانتا تَسُودانِ العالمَ قبلَ بعثةِ محمدٍ ﷺ ، وحينَ بلغتا منَ الفسادِ والشرورِ والظُّلْمِ والطغيانِ مبلغَهما جاءتْ رسالةُ الإسلامِ مخلِّصةً للعالَمِ منْ نَكَدِهما وشرورِهما .. وكانتْ نهايتُهما على أيدي المسلمينَ، فكانَ المسلمونَ وكانتِ الحضارةُ الإسلاميةُ هيَ البديلَ الصالحَ الذي وفَّرَ السعادةَ والطمأنينةَ والرحمةَ والعدلَ في الكونِ، ليسَ فقطْ لمنْ يَدِينونَ بالإسلامِ بلْ ولغيرِ المسلمينَ منْ أهلِ الذمَّةِ الذينَ بدأُوا يَدخلونَ في الإسلامِ تباعًا على أثرِ رؤيتِهمْ لعدالةِ الإسلامِ ورحمةِ المسلمينَ. ومَنْ هؤلاءِ المسلمونَ الذينَ وفَّروا السعادةَ والعدلَ والطمأنينةَ للناسِ؟ أكانوا ملائكةً منَ السماءِ .. أمْ كانوا بشرًا منْ غيرِ طينةِ البشرِ؟ .. كلا، إنهمْ بشرٌ لكنَّهمُ اتَّصَلوا بالسماءِ، واهتدَوْا بالقرآنِ، وتربَّوا في مدرسةِ محمدٍ ﷺ ، فكانَ تفوُّقُهمْ وكانَ عدلُهمْ .. باختصارٍ: الدينُ الحقُّ غيَّرَ حياتَهمْ وأشعرَهمْ بمسؤوليتهمْ في هذا الكونِ .. وإلا فقدْ كانوا قبلَ الإسلامِ أسوأَ منْ غيرِهمْ: حياتُهمْ قائمةٌ على الحروبِ والمنازعاتِ ولأتْفَهِ الأسبابِ .. والظُّلمُ يعتبرونَهُ منْ شِيَمِ النفوسِ .. والضعيفُ في نظرِهمْ هُوَ الذي لا يستطيعُ أن يَظلِمَ، ومنْ حروبِهمُ التي وَعاها محمدٌ ﷺ قبلَ بعثتهِ (حربُ الفِجَارِ) وتلكَ لها منِ اسمها نصيبٌ، فقدْ كانتْ حربًا فاجرةً ظالمةً، وبها استحلَّ المحارِبونَ المحارِمَ بينهمْ، ولذا فإنَّ الذينَ قالوا بعدمِ مشاركة الرسولِ ﷺ فيها -منْ أهلِ السِّيَرِ- علَّلوا عَدَمَ مشاركتهِ بأنها كانتْ
следующие страницы →