← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

حاجتهم فستخطفُهم المؤسساتُ التنصيرية وستقدِّمُ لهم الطعامَ والكساءَ والتعليم بيدٍ وبالأخر تقدِّمُ لهم الإنجيلَ المحرَّفَ وتسلخُهم من إسلامِهم الحق، أو يقعون فريسةً للفسادِ الشيوعيِّ والانحلالِ الخُلُقي ويصبحون عالةً على المسلمين فيما بعدُ. ٥ - وحين تُعنَى المؤسساتُ الكافرةُ هناك بالإعلامِ وتركِّز على التعليم، فهل يُولِي المسلمون هذه الجوانبَ المهمة عنايتَهم بفَتْحِ المدارسِ واستقدامِ طلاب المِنَح، والعنايةِ بالجوانب الإعلامية بكافة صُورِها وقنواتِها لصالحِ المسلمين في البوسنة وقضيتِهم المشروعة؟ ٦ - وأخيرًا فإنني أهمسُ في أذنِ عددٍ من التجارِ والسيّاحِ أن يتجهوا بتجارتِهم وسياحتِهم إلى بلادِ المسلمين هنا وسيجدونَ فيها من جمالِ الطبيعة وحسنِ الأجواء ما يدعوهم للسياحةِ، وستكون فرصةً لاطِّلاعهم على أحوال إخوانِهم المسلمين ودعمِهم، فليس مَنْ رأَى كمن سمعَ، بدل أن يتجهوا لسياحتِهم وتجارتِهم واستثماراتِهم إلى بلادِ الكفر والعهرِ، فتذهبُ أموالُنا إلى صناديقِ أعدائنا، فندعمُهم من حيثُ لا نشعر -وهم ليسوا بحاجةٍ إلى دعمِنا- وننسى دعمَ إخواننا وهم في أشدِّ الحاجةِ لدعمنا. تِلكُم معاشرَ المسلمين خلاصةُ رؤىً ومشاهدَ ومشاعرَ عشتُها مع إخوانِنا في ألبانيا والبوسنة والهرسك .. رأيتُ أن أُشرِكَكم فيها، وأن أحمِّلَكم مع نفسي مسؤوليةَ الدعمِ والمناصرةِ لهؤلاء المسلمين. اللهم انصرْ دينَك وعبادَك الصالحين، اللهم اكفِنا شرورَ الأعداء. اللهم هل بلَّغتُ.

стр. 2452

لغة القوة ماذا تعني وماذا تنتج ؟ (١) الخطبةُ الأولى: إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ منْ شرورِ أنفسِنا ومنْ سيئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِهِ اللهُ فلا مُضلَّ لهُ، ومنْ يضلِلْ فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، اللهمَّ صلِّ وسلِّم عليهِ وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلينَ، وارضَ اللهمَّ عنِ الصحابةِ أجمعينَ والتابعينَ وتابعيهمْ بإحسانٍ إلى يومِ الدِّينِ وسلِّمْ تسليمًا كثيرًا. أيَّها المسلمونَ: لغةُ الغطرسةِ والكبرياءِ ماذا تعني وماذا تُنتِجُ؟ سؤالٌ يتردَّدُ دائمًا ولكنهُ يُثارُ أكثرَ حينَ تكثرُ مستنقعاتُ الدماءِ، وحينَ يُظلَمُ الضعفاءُ، ويُقتَلُ الأبرياءُ ويُشمَلُ بالقتلِ الأطفالُ والنساءُ. والمتأمِّلُ اليومَ في كونِ اللهِ الواسعِ يرى ظُلْمًا وعدوانًا، وقتلًا وتشريدًا منْ دولٍ تملكُ القوةَ، وتلوِّحُ بعصاها الغليظةِ، وتمتدُّ بأذرعِها الضاغطةِ هنا وهناكَ. ومنَ المؤسفِ والمؤلمِ أنْ تكونَ الأرضُ المباركةُ، حيثُ مسرى الأنبياءِ وبيتُ المقدسِ، أكثرَ هذهِ الأماكنِ تعرُّضًا للظُّلْمِ والصَّلَفِ والكبرياءِ، وأنْ يكونَ الشعبُ الفلسطينيُّ الأعزلُ .. إلّا منْ حجارةٍ يحملُها الأطفالُ .. وهُتافاتٍ يُصوِّتُ بها الرجالُ، وأدعيةٍ ودموعٍ تُطلقُها وتَسكبُها ألسنةُ وعيونُ النساءِ .. أنْ يكونَ هذا الشعبُ الأبيُّ منْ أكثرِ الشعوبِ التي وَقَعَ عليها الظُّلمُ والاعتداءُ في هذهِ الأيامِ.

стр. 2453

ونعودُ للسؤالِ المطروحِ مرةً أخرى: ماذا تعني لغةُ الغطرسةِ والكبرياءِ .. ؟ إنَّ ممَّا تَعنيهِ هذهِ اللغةُ أنها تنفيسٌ عنِ الحقدِ الدفينِ، وهيَ أسلوبٌ سافلٌ منْ أساليبِ الاستفزازِ، هي نزغةٌ منْ نَزَغاتِ الشيطانِ، وهيَ محاولةٌ لتصفيةِ القضيّةِ العادلةِ على حسابِ الجماجمِ والأشلاءِ البشريّةِ .. وهيَ كذلكَ فهمٌ منْ فهومِ السلامِ عندَ مَنْ يَرَوْنَ أنفسَهمْ حُماةَ السلامِ .. وتعني كذلكَ فَرْضَ القوّةِ وإشعارُ الأطرافِ الأخرى بعدمِ قدرتها على التحدِّي. بلْ قدْ تعني هذهِ الغطرسةُ الأخيرةُ أَبْعدَ منْ ذلكَ، فقدْ تكونُ رسالةً موجَّهةً .. وقدْ تكونُ مؤشِّرًا لعدوانٍ أوسعَ. عبادَ اللهِ: ومهما عنتْه هذهِ الحركاتُ والاستفزازاتُ والقتلُ والتدميرُ فإنَّ الناتجَ لها سلبيٌّ، ولعلَّ أكثرَ المتضرِّرينَ منها همُ المُشعِلونَ لفتيلِها. نعمْ إنَّ الضغطَ يولِّدُ الانفجارَ .. والتحدِّيَ يخلُقُ تحدِّيًا آخرَ، والضعيفَ إذا حوصرَ وضيِّقتْ عليهِ المسالكُ قد يتقوَّى؛ لأنهُ لمْ يبقَ لهُ شيءٌ يَخشى على فواتِه، وبالتالي فسيُجازفُ بأغلى ما يَملكُ، وبكلِّ حالٍ سيتضرَّرُ الطرفُ الآخرُ. والقويُّ إذا لم يُحسنِ استثمارِ قوّتِهِ وضبْطَ قدراتهِ؛ عادتْ هذهِ القوةُ وبالًا عليهِ، ومِنْ سننِ اللهِ في كَوْنهِ أنَّ الظُّلْمُ إذا بلغَ حدَّه تهدَّمتْ عروشُ الظالمينَ، وكانتْ تلكَ بدايةَ النهايةِ لهم، وفي كتابِ اللهِ العزيز تصديقُ ذلكَ، مثلُ قولِهِ تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ (١). قولِهِ تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ (٢).

стр. 2454

أينَ فرعونُ ذو الأوتادِ؟ أينَ فرعونُ ذو الأوتادِ؟ وأينَ قارونُ صاحبُ الأموالِ؟ أينَ عادٌ التي لمْ يُخلَقْ مثلها في البلادِ؟ وأينَ ثمودُ الذينَ جابُوا الصخرَ بالوادِ؟ لقدْ أهلكَ اللهُ ﴿عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ (١) .. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ (٢). عبادَ الله: إنَّ المسلمَ حينَ يتأملُ واقعَ اليومِ بحروبهِ الشاملةِ، وتدميرِه المتعدِّدِ المواقعِ والأشكالِ .. فهناكَ تدميرٌ للممتلكاتِ، وهناكَ تدميرٌ للقِيَمِ .. وفوقَ هذا وذاكَ هناكَ تدميرٌ للإنسانِ نفسِهِ، وفي كلِّ يومٍ تُزهقُ أرواحٌ بريئةٌ، وتُغتالُ البسمةُ على شفاهِ الأطفالِ والنساءِ والشيوخِ والعجائزِ، وكلُّ ذلكَ ترعاهُ دولٌ عظمى - إنَّ المسلمَ حينَ يتأمَّلُ هذا الواقعَ المرَّ يَروعُهُ ذلكَ، لكنهُ يخرجُ بنتيجةٍ مفادُها أنَّ الحضارةَ القائدةَ للعالمِ اليومَ ليستْ على مستوى مسؤوليةِ القيادةِ، فهيَ عاجزةٌ عنْ تأمينِ الأمنِ والطمأنينةِ - رغم إمكاناتِها الماديةِ الهائلةِ - وهيَ أعجزُ عنْ تأمينِ السعادةِ الحقَّةِ لبني البشرِ .. وإنْ وفَّرتْ لهمْ منْ وسائلِ التقنيةِ والترفيهِ ما لمْ يتوفَّرْ مثلُه منْ قبلُ، بلْ وهيَ عاجزةٌ عنْ تحقيقِ أدنى درجاتِ العدلِ .. وإنْ توفَّرَ لها منَ المنظَّماتِ والهيئاتِ ما تدَّعي بهِ توفيرَ العدلِ - كمحكمةِ العدلِ الدوليةِ، ومجلسِ الأمنِ، وهيئةِ الأممِ المتحدةِ، وسواها منْ منظَّماتٍ وهيئاتٍ لا تعدُو أن تكونَ الألقابُ مملكةً في غيرِ موضعِها: كالهرِّ يحكي انتفاخًا صولةَ الأسدِ وعلى المسلمينَ أن يُدرِكوا مسؤوليتَهمْ في القيادةِ، وأنْ يهيِّئوا أنفسَهمْ للصدارةِ.

стр. 2455

أيُّها المسلمونَ: وحينَ نُقلِّبُ صفحاتِ التاريخِ نجدُ أنَّ الحضاراتِ الماديةَ البعيدةَ عنْ هَدْيِ السماءِ - قديمًا أوْ حديثًا - لمْ تستطعْ أن توفِّرَ ما يتطلبُه الإنسانُ منْ أمنٍ ورخاءٍ وطمأنينةٍ وسعادةٍ، بلْ يعيشُ الناسُ في ظلِّها في بؤسٍ وشقاءٍ، وظُلْمٍ وجَوْرٍ .. تتقلَّبُ فيها فئةٌ قليلةٌ منَ الناسِ بأنواعِ النعيمِ والملذاتِ .. ولتشقى شعوبٌ بأكملِها وأفرادٌ كثيرةٌ أخرى. أجلْ إنَّ حضارةَ الرُّومِ وحضارةَ الفُرْسِ هما الحضارتانِ اللتانِ كانتا تَسُودانِ العالمَ قبلَ بعثةِ محمدٍ ﷺ ، وحينَ بلغتا منَ الفسادِ والشرورِ والظُّلْمِ والطغيانِ مبلغَهما جاءتْ رسالةُ الإسلامِ مخلِّصةً للعالَمِ منْ نَكَدِهما وشرورِهما .. وكانتْ نهايتُهما على أيدي المسلمينَ، فكانَ المسلمونَ وكانتِ الحضارةُ الإسلاميةُ هيَ البديلَ الصالحَ الذي وفَّرَ السعادةَ والطمأنينةَ والرحمةَ والعدلَ في الكونِ، ليسَ فقطْ لمنْ يَدِينونَ بالإسلامِ بلْ ولغيرِ المسلمينَ منْ أهلِ الذمَّةِ الذينَ بدأُوا يَدخلونَ في الإسلامِ تباعًا على أثرِ رؤيتِهمْ لعدالةِ الإسلامِ ورحمةِ المسلمينَ. ومَنْ هؤلاءِ المسلمونَ الذينَ وفَّروا السعادةَ والعدلَ والطمأنينةَ للناسِ؟ أكانوا ملائكةً منَ السماءِ .. أمْ كانوا بشرًا منْ غيرِ طينةِ البشرِ؟ .. كلا، إنهمْ بشرٌ لكنَّهمُ اتَّصَلوا بالسماءِ، واهتدَوْا بالقرآنِ، وتربَّوا في مدرسةِ محمدٍ ﷺ ، فكانَ تفوُّقُهمْ وكانَ عدلُهمْ .. باختصارٍ: الدينُ الحقُّ غيَّرَ حياتَهمْ وأشعرَهمْ بمسؤوليتهمْ في هذا الكونِ .. وإلا فقدْ كانوا قبلَ الإسلامِ أسوأَ منْ غيرِهمْ: حياتُهمْ قائمةٌ على الحروبِ والمنازعاتِ ولأتْفَهِ الأسبابِ .. والظُّلمُ يعتبرونَهُ منْ شِيَمِ النفوسِ .. والضعيفُ في نظرِهمْ هُوَ الذي لا يستطيعُ أن يَظلِمَ، ومنْ حروبِهمُ التي وَعاها محمدٌ ﷺ قبلَ بعثتهِ (حربُ الفِجَارِ) وتلكَ لها منِ اسمها نصيبٌ، فقدْ كانتْ حربًا فاجرةً ظالمةً، وبها استحلَّ المحارِبونَ المحارِمَ بينهمْ، ولذا فإنَّ الذينَ قالوا بعدمِ مشاركة الرسولِ ﷺ فيها -منْ أهلِ السِّيَرِ- علَّلوا عَدَمَ مشاركتهِ بأنها كانتْ

стр. 2456

حربَ فجارٍ بينَ كفّارٍ .. بينَ كنانةَ وقريشٍ من جهةٍ، وقيس عَيْلانَ من جهةٍ أخرى .. أمّا الذين قالوا بمشاركتِه فيها فعلَّلوا ذلكَ بأنه اشتركَ دفاعًا عن المقدَّساتِ والمحارمِ ولاسيَّما أنَّ قيسَ عَيْلان هيَ المعتديةُ .. وبكلِّ حالٍ فهذا نموذجٌ لحروبِ العربِ في جاهليّتهمْ، فكيفَ إذا أُضيفَ إليها حربُ البَسُوسِ وداحسَ والغَبْراءِ بويلاتِها وآثارِها؟

стр. 2457

الخطبةُ الثانيةُ: الحمدُ للهِ ربِّ العالَمينَ، ولا عُدوانَ إلا على الظالمينَ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، إلهُ الأوَّلينَ والآخِرينَ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُه المبعوثُ رحمةً للناسِ أجمعينَ، اللهمَّ صلِّ وسلمْ عليهِ وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلينَ. إخوةَ الإسلامِ: وانقلبتْ أحوالُ الجزيرةِ من مَسْرحٍ للأحداثِ والحروبِ .. تتهارشُ فيها البشرُ كما تتهارشُ الوحوشُ الضاريةُ، وتتطاحنُ القبائلُ والأممُ لأدنى سببٍ، إلى واحةٍ للأمنِ والإيمانِ، يسيرُ الراكبُ فيها من صنعاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ ومنْ بلادِ فارسَ إلى بلادِ الرُّومِ - بلْ وأبعدَ منْ ذلكَ - لا يخافُ إلا اللهَ والذئبَ على غَنَمِهِ. إنَّه الإسلامُ غيَّرَ تفكيرَ الشعوبِ .. ونقلَ الطاقةَ المُهدَرةَ ووظَّفَها في مجالاتٍ بنائيةٍ نافعةٍ، فعادَ الكونُ يُعمرُ بذِكْرِ اللهِ، وعادتِ الحياةُ بلونٍ جديدٍ وطعمٍ جديدٍ .. يَشعرُ الضعيفُ بحقِّهِ وحمايتِه كما يشعرُ القويُّ بذلكَ تمامًا. وعادَ المحارِبونَ بلا هدفٍ يحملونَ راياتِ الجهادِ فاتحينَ وداعينَ إلى الدِّينِ الحقِّ .. وليستْ حركةُ الفتوحِ الإسلاميةِ انتشارًا للإسلامِ بحدِّ السيفِ، أو بِلُغةِ القوةِ كما يحلو للمستشرقينَ وأتباعِهمْ أن يروِّجُوهُ .. بلْ كانتْ دعوةً إلى دينِ اللهِ، وفتحًا للقلوبِ بالقرآنِ قبلَ فتحِ البلادِ بالقتالِ، ولمْ يكنِ القتالُ حركةً توسُّعيةً تهدفُ إلى السيطرةِ والاستعلاءِ .. ولكنَّها كانتْ تعميمًا للخيرِ في أرضِ اللهِ، ونشرًا للعدلِ، ومحاصرةً للباطلِ، وقمعًا للمبطِلينَ، وحينَ يُحطِّمُ المسلمونَ المجاهدونَ القياداتِ الظالمةَ يكونُ شعارُهم: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي

стр. 2458

الدِّينِ﴾ (١)، فلا إكراهَ للشعوبِ على الإسلامِ، إذا كانَ هدفُ الجهادِ في الإسلام إزاحةَ الطواغيتِ التي تُرغمُ الشعوبَ على العبوديةِ لغيرِ اللهِ، وتَحكُمُ فيهمْ بغيرِ شرعِ اللهِ .. وفرقٌ كبيرٌ بينَ هذا اللونِ منَ الجهادِ الإسلاميِّ وبينَ الحروبِ الظالمةِ في الجاهلياتِ القديمةِ والمعاصرةِ، التي تُهلِكُ الحَرْثَ والنَّسلَ، وهدفُها السيطرةُ والاستعلاءُ والاستعمارُ والسَّلبُ والنهبُ. إخوةَ الإيمانِ: وإذا كانتْ لغةُ القوَّةِ والجبروتِ والعُنفِ فاشلةً على مستوى الدولِ والأممِ، فهيَ كذلكَ سيئةُ الآثارِ والنتائجِ على مستوى الأفرادِ. نَعَمْ، إنَّ التفاهمَ بينَ الآباءِ والأبناءِ لا تستقيمُ فيهِ لغةُ القوةِ والعنفِ، بلْ هُوَ أحوجُ إلى المفاهمةِ والتقديرِ والاحترامِ والطاعةِ منْ قِبَلِ الأبناءِ، والرحمةِ والشفقةِ والعطفِ منْ قِبَلِ الآباءِ. وهكذا تخدمُ في العلاقاتِ الزوجيةِ لغةُ التفاهمِ والتعاونِ والرفقِ واللِّينِ أكثرَ ممّا تخدمُ لغةُ القوةِ والتحدِّي والمعاندةِ والمكابرةِ. وبمثلِ ذلكَ يقالُ عنْ علاقةِ الإخوانِ والجيرانِ .. فهيَ تستقيمُ مَعَ الرأفةِ والرِّفقِ ولينِ الجانبِ والتقديرِ والاحترامِ المتبادَلِ .. ولا تستقيمُ مَعَ الصَّلَفِ والغِلظةِ والجفاءِ، ويستطيعُ المعلِّمُ الناجحُ أن يربِّيَ الطلابَ برفقِهِ وتشجيعهِ وتقديرهِ واحترامهِ للطلابِ .. وقد يُخفقُ حينَ تكونُ لغةُ القوةِ دائمًا والشدةِ أبدًا هيَ وسيلتَهُ في التربيةِ والتعليمِ. وإذا كانتِ الحيواناتُ التي لا تعقلُ محتاجةً إلى الرأفةِ والرفق .. وتنفرُ منَ الشدَّةِ والغلظةِ .. فكيفَ يسوغُ معاملةُ مَنْ يَعقلونَ بهذهِ الشدَّةِ والغلظةِ التي لا تُنتِجُ إلا نفورًا وفسادًا.

стр. 2459

عبادَ اللهِ: وحينَ نتحدَّثُ عنْ آثارِ لغةِ القوةِ والغطرسةِ والكبرياءِ، وندعُو للمفاهمةِ والعدلِ والرحمةِ والرأفةِ، فدِينُنا أساسًا يُعلِّمُنا هذهِ القِيَمَ، ويدعُونا إلى تمثُّلِها في واقعِ الحياةِ. أجلْ، إنَّ منَ التوجُّهاتِ الربّانيةِ لمعلِّم البشريةِ وقائدِ سفينةِ الإسلامِ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (١) ومنها: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (٢). ولعبادِ اللهِ كلِّهمْ جاءتِ الوصيةُ منَ السماءِ: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ (٣)، وإذا كانتِ الوصيةُ بحُسنِ العبارةِ في القولِ، فالوصيةُ بغيرِها منَ الأفعالَ منْ بابِ أَولى. إخوةَ الإسلامِ: إنَّ من علائمِ السعادةِ في المجتمعاتِ أن تسودَها الرحمةُ، فالراحمونَ يرحمُهمُ الرحمنُ .. وحينَ تُنزَعُ الرحمةُ منْ أمّةٍ أوْ مجتمعٍ أوْ فردٍ فتلكَ علامةُ الشقوةِ، ففي الهَدْيِ النبويِّ: «لا تُنزعُ الرحمةُ إلا منْ شقيٍّ» (٤). ومفهومُ القوةِ في الإسلامِ ليسَ استعراضًا للعضلاتِ بغيرِ حقٍّ، وليسَ تدميرًا بلا هدفٍ، بلْ هُوَ ضبطٌ للمشاعرِ وتحكُّمٌ في القوةِ، وصرفٌ للطاقةِ في وجهِها المشروعِ، وقد عبَّرَ الرسولُ ﷺ عنْ شيءٍ من هذا بقولهِ: «ليسَ الشديدُ بالصُّرَعةِ، وإنما الشديدُ الذي يَملكُ نفْسَه عندَ الغضبِ».

стр. 2460

أيسر العبادات وأزكاها (١) الخطبة الأولى: الحمدُ للهِ العليِّ الأعلى، أحمدُه تعالى وأشكرُه وله الأسماءُ الحُسْنى والصفاتُ العُلى، وأشهدُ أن لا إله إلا هو بذِكْرِه تطمئنُّ القلوب، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه خيرُ الذاكرين وخيرُ الشاكرين وما زال لسانُه رطبًا بذِكْرِ الله حتى لحقَ بالرفيقِ الأعلى. اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ عليه وعلى سائرِ الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهمَّ عن الصحابةِ أجمعين والتابعين ومن تبعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣). عبادَ الله: كم نُفرِّط في ثواب الآخرة وهو عظيم والآخرة خيرٌ وأبقى ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٤).

стр. 2461

وكم نُجهِدُ أنفسَنا في سبيلِ حُطامِ الدنيا واللهُ يقول: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (١). والفرقُ كبيرٌ بين مُريدِ العاجلةِ ومُريدِ الآخرة، وعنهما قال ربُّنا: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ (٢). أيها المسلمون: وثَمّةَ طريقٌ سهلٌ من طرقِ الآخرة طالما غَفَلَ عنه نفرٌ من المسلمين. وهناك عبادةٌ ميسَّرة وعظيمةُ الأجرِ وطالما زهدَ فيها نفرٌ من المسلمين. إنها عبادةُ الذِّكرِ لله .. يَصِلُ بها الذاكرُ إلى درجاتِ المجاهدين - بل يفوق - وإلى درجاتِ المنفقين والمتصدِّقين بل تزيد. يقول ﵊: «ألا أنبِّئُكم بخيرِ أعمالِكم وأزكاها عندَ مَلِيكِكم، وأرفعِها في درجاتِكم، وخيرٌ لكم من إنفاقِ الذهب والورِقِ، وخيرٌ لكم من أن تَلقَوْا عدوَّكم فتضرِبوا أعناقَهم ويَضرِبوا أعناقَكم؟ ذِكرُ اللهِ» رواه الترمذي وابنُ ماجه والحاكم بسند صحيح (٣). أجل إن الذِّكرَ بشهادةِ المصطفى ﷺ خيرُ الأعمالِ وأزكاها عند المِلك العلام، وأعظمُها في رِفْعةِ الدرجات. هل يُعجِزُك يا أخا الإسلام أن تقولَ: سبحانَ اللهِ وبحمدِه؟ وهل تدري أنَّ هؤلاء الكلماتِ المعدوداتِ طريقٌ لمغفرةِ الذنوبِ والخطايا مهما عَظُمَت، وفي

стр. 2462

صحيح البخاري وغيره: «مَن قال: سبحانَ الله وبحمدِه، في يومٍ مائةَ مرةٍ حُطَّت خطاياه وإنْ كانت مثلَ زَبَدِ البحرِ». يا أخا الإيمان، ويا مَن تبحثُ عن الحمايةِ والتحرُّزِ من الشيطان .. أنت واجدُه في ذِكْر الله .. وواجدٌ معه مزايا ومِنَحًا ربانيةً أُخرى، وفي الحديث المتفق على صحته قال ﷺ : «مَن قال: لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ في يومٍ مائةَ مرةٍ، كانت له عَدْلَ عشرِ رقابٍ، وكُتِبتْ له مائةُ حسنةٍ، ومُحِيَتْ عنه مائةُ سيئة، وكانت له حِرزًا من الشيطانِ يومَه ذلك حتى يُمسيَ، ولم يأتِ أحدٌ بأفضلَ مما جاء به إلا أحدٌ عَمِلَ أكثرَ من ذلك». أيها المسلمون: إن الذِّكرَ حِرزٌ وأمانٌ وحِصن وسِيَاج .. وهل يخفى أن للسفرِ أذكارًا وللمنزلِ دخولًا أو خروجًا أذكارًا، وللأكلِ والشربِ والنوم والاستيقاظ أذكارًا وعند نزولِ المنزل، وعند قضاءِ الحاجة وعند إتيانِ الرجِ أهلَه. كلّ ذلك وسواه من الأحوالِ له أذكارٌ تَحفَظُ وتُبارِك .. والموفَّق من عَلِمَ فعَمِل، وما زال لسانُه رَطْبًا بذِكْر الله بُكْرةً وعشيًّا .. ذلك نداءُ الرحمن لأهلِ الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (١). أيها المسلمون: كم تَضِيقُ الصدورُ أحيانًا وكم تمرضُ قلوبُنا أحيانًا - ثم نظلُّ نبحثُ عن العلاجِ المكافحِ للضِّيقِ والقلقِ هنا وهناك .. وأعظمُ علاجٍ للقلوبِ ذِكرُ الله، وتلك شهادةُ الذي خَلَقَ وهو أعلمُ بمن خلق ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (٢).

стр. 2463

نعم إنَّ المكروبَ يجدُ في ذِكْر الله ما يفرِّجُ عنه كُربتَه، وفي ذِكْر الله إنقاذٌ حين يغيبُ المنقذون: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). والمريضُ يجدُ في ذِكْر الله ما يُسرِّي عنه ويخفِّف آلامَه، والغريبُ يجدُ في الذِّكر إيناسًا له وتخفيفًا لآلام غُرْبته، إن الذِّكْر يجعلُ من القليلِ كثيرًا ومن الضعيفِ قويًا، ييسِّر العسير ويخفِّفُ المَشَاقَّ، ومن شكَّ فليُجرِّبْ مع استحضارِ عَظَمةِ الله حالَ الذِّكر، والثقةِ بعونِه وتفريجِه. والمرأةُ تجدُ في ذِكْر الله عونًا لها على مسؤولياتِها، وهذه فاطمةُ بنت محمد ﷺ شَكَتْ ما تلقى من أثرِ الرَّحى، فانطلقتْ حين علمتْ أن النبيَّ ﷺ أتاه سَبْيٌ لتأخذَ منه خادمًا لها، فلم تجدْ أباها ووجدتْ أمِّ المؤمنين عائشةَ ﵂ فأخبرتها بحاجَتِها، فلما جاء النبيُّ ﷺ أخبرته عائشةُ بمجيءِ فاطمةَ، فجاء النبيُّ ﷺ إلى بيتِ عليٍّ وفاطمة وقد أخذا مضجعَهما، فقدَ بينهما .. ثم قال: «ألا أعلِّمُكما خيرًا مما سألتُماني، إذا أخذتُما مضاجعَكما فكَبِّرا أربعًا وثلاثين وسبِّحا ثلاثًا وثلاثين وتَحمَّدا ثلاثًا وثلاثين، فهو خيرٌ لكما من خادمٍ». يا أخا الإسلامِ: وحين تضيقُ عليك الدنيا وتَقِلُّ ذاتُ يدِك فلا مالَ عندَك ولا عَقَار، فاعلمْ أن بإمكانك أن تعوِّضَ بالذِّكْر ما فاتك من الدنيا لتزرعَ ما شئتَ للآخرة، وفي وصيةِ إبراهيمَ لمحمدٍ عليهما الصلاة والسلام ليلةَ الإسراءِ والمعراجِ قال إبراهيمُ: يا محمدُ أَقْرِئ أُمتَك مني السلامَ وأخبِرْهم أنَّ الجنةَ قيعانٌ، وأنها طيِّبةُ التربةِ عَذْبةُ الماء، وأن غِراسَها: سبحانَ اللهِ، والحمدُ لله،

стр. 2464

ولا إله إلا اللهُ، واللهُ أكبر .. رواه الترمذيُّ وحسَّنَه. فأينَ الذين يَغرِسون بالذِّكْر اليومَ ما يغتبطون له غدًا في الجنةِ؟ وغرسُ الآخرةِ لا مُنازعَ له ولا مانعَ منه، بل هو فضلُ الله يؤتيهِ مَن يشاء. يا عبدَ الله: وإذا وفَّقكَ اللهُ للذِّكْر في سحابةِ النهار، وحين تكونُ يقظانَ فلا تفرِّط في الذِّكر حين يَجِنُّ الليلُ وتستيقظُ من النوم، وإليك هذا الحديثَ النبوي فاعقِلْه واعملْ به، يقول ﷺ : «مَن تَعارَّ من الليلِ - يعني استيقظ - فقال: لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له المُلْكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، الحمدُ لله، وسبحانَ الله، ولا إله إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله، ثم قال: اللهمَّ اغفِرْ لي، أو دعا استُجِيب له، فإن توضَّأَ وصَلَّى قُبِلَت صلاتُه». رواه البخاري يا أخا الإسلام: وبشكلٍ عامٍّ فالذِّكرُ عبادةٌ ميسَّرة، وهي ذاتُ مكارمَ وفضائلَ والمغبونُ من كان نصيبُه من الذِّكر قليلًا -لا سيَّما والذكرُ لا يحتاجُ إلى تفرُّغٍ، بل يمكنُ العاملُ أن يذكرَ الله وهو يزاول مهنتَه، والموظفُ بإمكانه أن يذكرَ الله دون أن يؤثِّر على وظيفتِه، وهكذا وهو يقودُ سيارتَه أو بين أهلِه وأولاده .. بل تستطيعُه المرأةُ وهي تزاولُ عملَ بيتِها، ولا يحتاجُ الذِّكرُ إلى طهارةٍ ولا وقتَ يُنهَى فيه عن الذِّكر .. بل يُمارَسُ في كلِّ حينٍ حتى وهو مستلقٍ على فراشِه .. وما أجملَ المرءَ يغيبُ عن الحياةِ ويودِّعُ الدنيا بالنوم وهو ذاكرٌ لله، ثم يستقبلُ الحياةَ بالاستيقاظ بذِكْر الله. وهل علمتَ أن الذِّكرَ من أحبِّ الأعمالِ إلى الله وأكبرِها عندَ الله، قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (١) وقد سأل معاذُ بن جبلٍ ﵁ رسولَ الله ﷺ :

стр. 2465

أيُّ الأعمالِ أحبُّ إلى الله ؟ قال: «أن تموتَ ولسانُكَ رطبٌ من ذِكْرِ الله » (١). وفي الذِّكر تعويضٌ عما يَفُوتُ المرءَ من صدقةٍ وحجٍّ وعمرةٍ وجهاد .. كما في حديثِ فقراءِ المهاجرين الذين جاؤوا رسولَ الله ﷺ يقولون: ذهبَ أهلُ الدُّثورِ بالدرجاتِ العُلى والنعيمِ المقيم، فقال ﷺ : «وما ذاكَ؟ » قالوا: يُصلُّون كما نصلّي، ويصومون كما نصومُ، ولهم فضلُ أموالِهم يحجّون بها ويعتمرون، ويجاهدون ويتصدَّقون؟ فقال ﷺ : «ألا أُعلِّمُكم شيئًا تُدرِكون به من سَبَقَكم وتَسبِقُون به مَن بعدَكم، ولا أحدَ يكون أفضلَ منكم إلا من صَنعَ ما صنعتُم؟ ». قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «تُسبِّحون وتَحمَدُون وتكبِّرون خلفَ كلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين» متفق عليه (٢). وحَسْبُ الذاكرين اللهَ كثيرًا والذاكراتِ أنَّ الله وعدَهم مغفرةً وأجرًا عظيمًا، كما قال تعالى في آخرِ آية الأحزاب: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣).

стр. 2466

الخطبةُ الثانية: الحمدُ لله ربِّ العالمين، هو الحيُّ لا إله إلا هو فاعبدُوه مُخلِصين له الدِّين، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، ولو أنَّ السماواتِ السبعَ وعامرَهنَّ غيرَ الله والأرَضِينَ السبعَ وُضِعتْ في كِفّة، ولا إله إلا الله في كفةٍ، لرجحتْ بهنَّ لا إله إلا الله، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسوله، مَن صلَّى عليه صلاةً صلَّى اللهُ عليه بها عشرًا، اللهمَّ صلَّ وسلِّمْ عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. إخوةَ الإسلام: هنيئًا للذين لا تزالُ شفاهُهم تتحرَّك بذِكْرِ الله في حال خَلْوتِهم أو في حال اجتماعِهم مع الناس، وهنيئًا للذين يَعقِدون أناملَهم بالتسبيحِ والتحميدِ والتكبير والتهليل في حالِ إقامتِهم أو سفرِهم. إن أُولي الألبابِ هم الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبِهم. والمؤمنون حقًا هم الذين إذا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قلوبُهم والذين آمنوا هم الذين تطمئنُّ قلوبُهم بذِكْر الله .. وفَرْقٌ بين هؤلاء وبين مَنْ إذا ذُكِرَ اللهُ وحدَه اشمأزَّت قلوبُهم وإذا ذُكِر الذين من دونِه إذا هم يستبشرون. أجل يا عبادَ الله، إن المصلِّين أكثرُ الناس ذِكرًا لله وتلاوةً واستغفارًا، كيف لا وفي الصلاة ذِكرٌ ودعاءٌ وتسبيحٌ وتهليل وتكبير وتحميدٌ، بل لقد سمَّى اللهُ الصلاةَ ذِكرًا كما في قوله تعالى: ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١). أمّا المنافقون فهم أضعفُ الناسِ وأقلُّهم للهِ ذِكرًا ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٢) لأنهم إذا قاموا إلى الصلاةِ قاموا كُسالى.

стр. 2467

عبادَ الله: كم هو عظيمٌ عندَ الله أن يتذكَّرَ المرءُ عَظَمةَ الله، ويذكرَ آلاءهَ ونعمَه فيخشعَ قلبُه لذِكْر الله وتفيضَ عيناهُ بالدموع حيث لا يراهُ إلا الله، وأحدُ السبعةِ الذين يُظلُّهم الله في ظلِّه يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه رجلٌ ذكرَ الله خاليًا ففاضت عيناه، وربُّنا في محكم التنزيل يقول: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (١). وكم هو عظيمٌ كذلك أن يُذكِّر المرءُ بذكر الله فيَذكرَ اللهَ في حالِ اجتماع الناس ليذكِّرَهم بالله -وكفى أولئك فخرًا أن الله يَذكُرهم في ملإٍ خيرٍ من الملأ الذين ذكروا اللهَ عندهم .. ذلك وعدٌ غيرُ مكذوب «مَن ذَكَرني في ملإٍ ذكرتُه في ملأٍ خيرٍ منهم» ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (٢). وما أعظمَ الأمرَ حين يشاهِدُ المرءُ خَلقًا عظيمًا أو صُنعًا عجيبًا في الكون فيذكِّرُه ذلك بمَن خلقَ العظيم ومن صنَع العجيب، ومن عجبٍ أن نعجبَ أحيانًا من الطائرة في جوِّ السماء وننسى عظمةَ مَن خلقَ السماء وأمسك السماواتِ والأرضَ أن تزولا .. وهل من قادرٍ على إمساكِهما لو زالتا؟ كلَّا بل هو اللهُ العزيزُ الحكيم. يا أخا الإيمان: وإذا أثقلتْكَ الخطايا وتلبَّستَ بالمعاصي وأحسستَ بالذنْبِ فعليك بالذِّكر فهو كفَّارةٌ للخطايا، وفي صحيحِ الأدب المفرَد للبخاري: أن رسول الله ﷺ أخذ غصنًا فنفضَه فلم ينتفض، ثم نفضَه أخرى فلم ينتفضْ، ثم نفضَه فتحاتَّتْ ورقُها، ثم قال: «إنَّ سبحانَ الله والحمد لله ولا إله إلا الله تَنفُضُ الخطايا كما تنفضُ الشجرةُ ورقَها» (٣).

стр. 2468

وهل سمعتُم بحديثِ البطاقة وما فيه من عَظَمةِ الذِّكر وعدلِ ربِّ العالمين، فقد روى الترمذيُّ وحسَّنه والنَّسَائيُّ والحاكمُ وصححه ووافقه الذهبيُّ مرفوعًا: «يُصَاحُ برجلٍ من أمتي على رؤوسِ الخلائقِ يومَ القيامة فيُنشَرُ له تسعةٌ وتسعون سجلًا، كلّ سِجِلٍّ فيها مدَّ البصرِ، ثم يقال: أتُنكِر من هذا شيئًا؟ أظلمَك كَتَبَتي الحافظون؟ فيقول: لا ياربِّ، فيقال: أفَلكَ عُذرٌ أو حسنةٌ؟ فيهابُ الرجلُ فيقول: لا، فيقال: بلى، إنَّ لكَ عندنا حسنةً وإنه لا ظلمَ عليك اليومَ فيُخرَجُ له بطاقةٌ فيها: أشهدُ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبدُه ورسولُه، فيقول: يا ربِّ، ما هذه البطاقةُ مع هذِه السِّجِلاتِ؟ فيقال: إنك لا تُظلَمُ، فتوضَعُ السجلاتُ في كفَّةٍ والبطاقة في كفةٍ فطاشت السجلاتُ وثَقُلَت البطاقةُ». قال ابنُ القيِّم ﵀: فالأعمالُ لا تتفاضلُ بصُوَرِها وعددِها، وإنما تتفاضلُ بتفاضلِ ما في القلوب، فتكون صورةُ العملينِ واحدةً وبينهما من التفاضل كما بينَ السماءِ والأرض (١). ألا فاستحضِروا عَظَمَة الله حين تذكرونه، وأحْيُوا قلوبَكم بذِكْره، وإياكم وترانيمَ الأَذكارِ البِدْعيةَ، دون وعيٍ لما يقال، ولا تأثُّرٍ بالأذكار كما يفعلُ المتصوِّفة. يا أخا الإسلام: عوِّد نفسَك على ذِكْر الله ذكرًا كثيرًا، وذكِّرْ به مَن حولَك فالذِّكرى تنفعُ المؤمنين، وإياكَ أن تكونَ في عِدادِ الموتى وأنت بَعدُ على قيدِ الحياة، فالفرقُ بينَ من يَذكُرُ اللهَ ومن لا يذكرُ الله كالفرقِ بين الحيِّ والميتِ، والناصحون يقولون لك: عُدْ إلى حديثِ الأذكارِ وتأمَّلْ فضلَها واحفظْ واعملْ بها تيسَّرَ لك منها وستجدُ الطمأنينةَ والسعادةَ والحفظَ والعونَ في الدنيا ..

стр. 2469

وستجدُ الجزاءَ الأكبرَ يومَ تلقى الله .. ولا تكنْ حصيلتُك من الموعظةِ مجرَّدَ سماعها، وما أعظمَ البيوتَ حين تُعمَر بذِكْر الله، بل وما أعظمَ الأماكنَ العامةَ والمؤسساتِ حين يعلو بها ذِكرُ الله، كم نحتاجُ للتذكير بقيمة الذِّكر في وسائل الإعلام ومناهجِ التعليم، وفي المحاضراتِ والنَّدَوات، وفي الخُطَب والمناسبات، في البرِّ والبحرِ وفي جوِّ السماء، بل هناك مَن يرى أنَّ ثوابَ الذِّكر يصلُ الموتى .. تلك ذكرى والذِّكرى تنفعُ المؤمنين، ومن تزكَّى فإنما يتزكَّى لنفسِه، لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قدير، سبحانَ الله وبحمدِه عددَ خلقِه ورضاءَ نفسِه وزِنَةَ عرشِه ومِدادَ كلماتِه.

стр. 2470

من معالم القرآن وقصصه (١) الخطبةُ الأولى: إن الحمدَ لله نحمدُه ونستعينُه ونستهديهِ ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدِه اللهُ فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهم صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائرِ الأنبياء والمرسَلِين، وارضَ اللهم عن الصحابةِ أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٣). إخوةَ الإسلام: يؤسسُ القرآنُ في نفوسِ المسلمينَ معانيَ عُظْمى، ومعالمَ كُبْرى، وفي أيِّ وقتٍ عادوا إليها وجدوا فيها ما يروي الظمأَ .. وفي أيِّ مكانٍ تأمَّلوها وجدوا فيها أمنًا وتطمينًا، كيف لا والقرآنُ هُدًى وشفاءٌ ونورٌ ورحمةٌ للمؤمنينَ، ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٤)، ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (٥).

стр. 2471

فالمريضُ يجدُ في القرآنِ شفاءَه، والخائفُ المضطرِب يجدُ في آياتِه ما يطمئنُه ويسلِّيه، والضعيفُ يقفُ في القرآن على ما يقوِّيهِ ويشدُّ من أَزْرِه، والقويُّ المستكبِرُ يجدُ في القرآنِ ما يطأطئ من كبريائِهِ، والظالمُ يضعُ القرآنُ حدًّا لظلمِه .. وهكذا. وفي سُنن الله الدارجةِ في الكون تأكيدٌ على حقائقِ القرآنِ وشاهدٌ عليها، وتأكيدٌ كذلك على أن الضعيفَ يَقْوى إذا احتمى باللهِ وتوكَّلَ عليه والتزم شرعَه، وهو ما يُسمَّى بـ (قوة الضَّعف). والقويُّ يَضعفُ إذا طغى وتجبَّر وظنَّ أن القوةَ قوتُه، وأن الكيدَ كيدُه، ولربما زادَ في الطغيانِ فقال: «أنا ربُّكم الأعلى». وفي رحلةٍ مع شيءٍ من قَصَص القرآنِ دَعُونا نقرأْ نماذجَ لهذا وذاك، فأهلُ سبإٍ طَغَوْا وتجبَّروا وأعرضوا بعد أن مَكَّن اللهُ لهم ووهبهم من الرزقِ ما وهبهم وكان في جنتَيهِم آيةٌ .. فماذا كانت نتيجةُ طغيانِهم وإعراضِهم؟ قال تعالى: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ (١). وتأمَّلوا كيف تمَّ التدميرُ بالماء .. وهو في العادة مصدرُ نَماءٍ وحياةٍ، فعاد بقُدْرةِ الله وسيلةَ تدميرٍ وإهلاك؟ أيها المسلمون: وتأمَّلوا طائفةً من الأقوامِ والأممِ يَعرِضُ لها القرآنُ مشيرًا إلى طغيانِها وتمرُّدِها، وكيف صدُّوا عن السبيلِ وكانوا مستبصِرين، وكيف مُكِّن لهم في الأرضِ فما استقاموا على منهجِ الله - وفي النهايةِ وحين بلغ الطغيانُ والجحودُ مبلغَه كانت النهايةُ المؤسفةُ ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ

стр. 2472

مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (١). إخوةَ الإيمان: وحين يُقالُ: إن النمرودَ بنَ كنعانَ أحدُ الملوكِ الأربعةِ الذين ملكوا الدنيا، فمن المؤكدِ أن الذي حاجَّ إبراهيمَ ﵇ في ربِّه وصل غرورهُ وكبرياؤُه إلى حدٍّ قال فيه لإبراهيم: «أنا أُحْيي وأُميت»، وكُتبُ التفسير تشيرُ إلى نهايةٍ مؤلمةٍ لهذا الملكِ الجبّار، وفيها عِظَةٌ وعِبرة، نقل ابنُ كثير: قال زيدُ بن أسلمَ: وبعثَ اللهُ إلى ذلك الملكِ الجبارِ مَلَكًا يأمرُه بالإيمان بالله فأَبى عليه، ثم دعاه الثانيةَ فأَبى ثم الثالثةَ فأَبى، وقال: اجمعْ جموعَك وأجمعُ جموعي، فجمع النمرودُ جيشَه وجنودَه وقتَ طلوعِ الشمس، وأرسل اللهُ عليهم بابًا من البعوضِ بحيثُ لم يَرَوْا عينَ الشمس، وسلَّطَها عليهم، فأكلتْ لحومَهم ودماءَهم وتركتهم عِظامًا بادية، ودخلت واحدةٌ منها في مَنخِرَي الملِك فمكثتْ في منخريهِ أربعمائةِ سنةٍ، عذَّبه اللهُ بها فكان يضربُ رأسَه بالمِرْزاب في هذه المدةِ كلِّها حتى أهلكه اللهُ بها (٢). عبادَ الله: تأملوا فالفرقُ كبيرٌ بين رجلٍ يدَّعي الربوبيةَ وبين بعوضةٍ يتسع لدخولها المَنخِرُ، والمسافةُ هائلةٌ بين الدعوى الجائرةِ وبين النهاية بهذه البعوضةِ؟ وكذلك يمحَقُ الله الكافرين ويُنهي الظلم وينتقمُ من الظالمين.

стр. 2473

أُمةَ الإسلام: لا تخافوا البغيَ في الأرض، حين ترتبطوا بخالقِ الأرضِ والسماء، ولا تخافوا الضَّيعةَ من قُوى الأرض، فمِن فوقِها قوةُ السماء، ومهما بلغتْ قوةُ البشرِ فثِقُوا أن القوةَ لله جميعًا، وإذا توكَّلتم على اللهِ حقّ توكُّلِه فلن يستطيعَ أحدٌ أن يَكيدَكم، ولقد تحدَّى فردٌ أُمةً من الناس -لكنه كان مؤمنًا وهم مشركون، ونجح المتحدِّي وأبلَسَ المجرمون ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١). إخوةَ الإسلام: وعلى مشارفِ ولادةِ محمدٍ ﷺ هدَّد الأحباشُ النصارى العربَ بل أَتَبعوا التهديدَ بالغزو، وجاء أصحابُ الفيلِ ليهدِموا البيتَ الحرامَ ويُزِيلوه من الوجود، ويحوِّلوا الحجاجَ والمعتمرين إلى كنيسة القُلَّيس (٢)، وما كان للعربِ كافةً ولأهل مكةَ خاصةً قِبَلٌ بهذا الجيشِ العَرَمْرَمِ، وما كان أهلُ مكةَ حينها مسلمين، بل كانوا وثنيِّين ولكن الله وحدَه تولَّى الدفاعَ عن بيتِه والدفاعَ عن أُمةٍ قدَّر وقضى أن يبعثَ من رَحِمِها رحمةً للعالمين. وانتهى الظلمُ على أعتابِ مكةَ وردَّ اللهُ الظالمينَ وجعل كيدَهم في تضليل، وأرسل الله عليهم جندًا من جندِه - وللهِ جنودُ السماواتِ والأرض، وما يعلمُ جنودَ ربِّك إلا هو - فعادوا يجرُّون ذيولَ الهزيمةِ وجعل الله من حَدَثِهم عِظَةً وذِكْرى تُتلى في كتاب الله إلى قيامِ الساعة. إخوةَ الإيمان: وفي غُضونِ هذه الحادثةِ وُلِدَ محمدٌ ﷺ يتيمًا عائلًا فخَلَقَ له ربُّه من الضعفِ قوةً، ومن القِلَّة كثرةً، ومن الفقرِ غنىً ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى

стр. 2474

(٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾. لقد كان فردًا فصار أُمةً، وكان أُميًا فعلَّم الملايينَ من البشرِ، وكان فقيرًا ففتح اللهُ له كنوزَ الأرض، وأبصرَ مفاتيحَها قبلَ أن يفتحَ أصحابُه مواطنَها .. وما ذهب الجيلُ الذي صَحِبَه حتى زَعزَعَ أركانَ الأكاسرةِ والقياصرةِ .. وفتحوا بلادَ الفُرْس والروم .. وأورثَهم اللهُ أَرضَهم وديارَهم وأموالَهم واستبدلوا حضارتَهم القائمةَ على الظلمِ والطُّغيانِ والجحودِ والإنكارِ والتحريفِ لرسالاتِ السماء بحضارةٍ أشرقت شمسُها فاستضاء الكونُ كلُّه بضيائِها .. وطوى فجرُ الإسلام قرونًا من الظلمِ والطغيان، وساد العدلُ والرَّخاءُ شعوبَ الأرض، وكذلك يصنعُ الإسلامُ، وتلك من ثَمَراتِ الإيمان. أعوذ بالله من الشيطان: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (١).

стр. 2475

الخطبةُ الثانية: الحمدُ لله العزيزِ الحميدِ، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ ذو القوةِ المَتِين، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه أَوحى إليه ربُّه: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (١). اللهم صلِّ وسلِّمْ عليه وعلى سائر الأنبياءِ والمرسلين. إخوةَ الإسلام: وحتى تكتملَ الصورةُ في نماذجِ القرآن أَعرِضُ لنموذجينِ في كتاب اللهِ آتاهما اللهُ من المُلكِ والقوةِ والعدلِ والرحمةِ ما كان سببًا للتمكينِ في الأرض، ونفعِ الخلق، وإقرارِ الحق، والعبوديةِ الحقَّةِ لربِّ العالمين. أجل إنَّ ذا القَرْنينِ مكّن اللهُ له في الأرض وهيَّأ له من الأسبابِ ما طاف به الأرضَ، ودانتْ له الأُممُ وخضعتْ له الشعوبُ فساسَها بالعدل، وأقامَ بالقوةِ حضارةً، وبنى بالعلمِ والمعرفةِ سدًّا عظيمًا تُعدّ الموادُّ المستخدمةُ فيه سَبْقًا للعِلْم الحديث بقرونٍ لا يعلمُ عددَها إلا الله (٢). بَلَغ ذو القرنين مَطلِعَ الشمسِ، ومغرِبَها وهناك ساسَهُم بالعدلِ وقوَّمهم بالإيمان ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ (٣). وحين بلغَ بين السدَّينِ كان بنيانُه للسدِّ انتصارًا للمظلومِينَ ووَضَعَ به حدًّا للمفسدِين.

стр. 2476

وذو القرنينِ في أَوْجِ قوتِه لا يتجبَّرُ ولا يستكبرُ بل ينسبُ القوةَ العُظْمى لخالِقه، ويعترفُ بأن تمكينه على هذه المقدَّراتِ من لَدُنِ العزيزِ الحميد ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ (١). وحين أقامَ السدَّ شامخًا لم ينسَ أن يَنسُبَه لله الواحدِ القهّارِ، ولم يتعاظَمْ في نفسه تعاظمَ البنّاءِ، بل اعترف بأنه رحمةٌ من اللهِ وهو القادرُ على جعلِه دكَّاء إذا شاء ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ (٢). إخوةَ الإيمان: وكذلك تكون دعائمُ التمكينِ الحقِّ في الأرض .. قوةً وتخطيطًا، تأخذُ بكلِّ أسبابِ القوةِ المادية الممكِنةِ شرعًا وعقلًا، وتوكلًا على الله وإيمانًا بقدرتِه، تنفي الغرورَ بالنفسِ وتعظيمَ الذات ولا تنسى مَن خلقَ الأسبابَ وقدَّرها، وسياسةً حازمةً عادلةً مع خلقِ الله تَسُوسُهم بشرعِ الله تكافئُ المحسنَ، وتأخذُ على أيدي السَّفيه، وتمنعُ الظلمَ وتقيمُ دعائمَ الحق ولا تدعُ الضعفاءَ نهبًا للأقوياء، ولا تجعلُ من الناس سادةً أو عبيدًا أرقَّاءَ؟ أُمةَ القرآن: ومِن ذي القرنينِ إلى سليمانَ ﵇ وكلاهما في عِدادِ ملوكِ الأرض الأربعةِ -كما يقالا- ونبيُّ الله سليمانُ ﵇ دعا ربَّه مُلكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعدِه، فكانت الإجابةُ ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ (٣) وفوقَ ذلك: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ (٤)، أي: سخَّرَ الله له عينَ النُّحاس ليستخرجَ منها ما شاء (٥)، بل قال له

стр. 2477

ربه: هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب. نعم لقد حُشِرَ لسليمانَ جنودُه من الجنِّ والإنسِ والطيرِ فهم يُوزَعون، واستسلمتْ ملكةُ سبأٍ لسليمانَ وهي التي أُوتيَتْ من كل شيءٍ ولها عرشٌ عظيم، ولكن كان مُلْكُ سليمانَ -وقَبْله النبوةُ- نعمةً ورحمةً للعالَمين بإنسِهم وجِنِّهم، برجالِهم ونسائِهم، بأقويائِهم وضعفائهم، فملكةُ سبأ تتحوَّلُ من الكفر إلى الإيمان، وتعترفُ بالظلم وتُسلِمُ لربِّ العالمينَ ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١). والجنُّ تُسلِمُ قِيادَها لسليمانَ ﵇ فيُسخِّرُ قوّتَها في بناء المحاريبِ والتماثيل والجِفَانِ والقُدورِ الراسياتِ - وهذه الآليّاتُ كلُّها تُستخدمَ للخيرِ والجهاد وإطعامِ الطعام، ومَن تمرَّد من الجنِّ وعصى يُوثَقون في الأغلالِ والأكبال. وأبطلَ اللهُ مكرَ الشياطينِ ودعواهم على الإنسِ بعِلْم الغيب، فسليمانُ الذي قهَرَهم واستخدمَهم يموتُ حين يموتُ وهم ماضُونَ في العمل وهم يظنُّونه على قيدِ الحياة، وما دلَّهم على موتِه إلا دابةُ الأرضِ تأكلُ مِنسأتَه (أي: عصاه التي يتكئُ عليها). نعم إخوةَ الإيمانِ: إن سليمانَ ﵇ لم ينسَ شكرَ الله حيثُ أَنعمَ عليه وأمدَّه بهذه القُوى والمَقدِرات ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (٢). وأثنى ربُّه عليه وعلى أبيه داودَ ﵉ بالشكرِ فقال: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا

стр. 2478

وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (١). إن التمكينَ في الأرضِ والتفضيلَ على الخلقِ لا يستدعي الكفرَ والظلمَ والكبرياءَ، بل هو -في شرائِع السماء- سبيلٌ للشكرِ للخالقِ والإحسانِ للمخلوقين ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ (٢). معاشرَ المسلمينَ: وخُلاصةُ القولِ: أن آياتِ القرآنِ وقَصَصَه ترشدُنا إلى الارتباطِ الوثيق بالخالقِ في حالِ القوةِ أو الضعفِ، وتَهدِينا للعُبوديةِ الحقَّةِ لربِّ العالمينَ في حالِ السّراءِ والضرّاءِ، وتَدعُونا للشكرِ والعدلِ مع الله ومع خلقِه، وتُحذِّرُنا من مَغَبَّةِ الظلم والكفرِ عاجلًا أو آجلًا. وتقصُّ علينا من آثارِ الأُممِ والدولِ ما فيه مُدَّكَر .. وصدَقَ اللهُ إذ يقول في هذه القَصَص: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٣). اللهمَّ اهدِنا بالقرآنِ وانفَعْنا بمواعظِ القرآنِ. إن المتأملَ في قَصَص القرآن يجدُ أن عددًا من الأُممِ والقُوى الظالمةِ أخذها اللهُ بنوعٍ من العذابِ لا قِبَل للخَلقِ فيه، ويرى أن أسبابَ الهلاكِ جاءتْ من السماء ومن حيثُ لا يحتسبُ أهلُ الأرض، ويرى من جانبٍ ثالثٍ أن العقوبةَ

стр. 2479

تمَّتْ على مشهدٍ من الناسِ .. فالغرقُ وقع حيث يُبصَرُ الناجون، والخسفُ حصلَ حيثُ تماسكَتْ الأرضُ للمعاصِرينَ، والبعوضُ يَهزِم الجموعَ ويُهلِك النُّمرود، والرياحُ تُهلِك، والملائكةُ تقاتِل ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ (١) والطيرُ الأبابيلُ تُرسَل وتُدمِّر، والرعبُ والهلَعُ في القلوب سلاحٌ ربانيٌّ قَذَفَ اللهُ به قلوبَ يهودِ بني النَّضِير منْ حيثُ لم يحتسِبوا، وأصابَ به يهودَ بني قُريظةَ حين تحزَّبوا مع الأحزابِ وظاهروا. إنها أسلحةُ السماء والانتقامُ الربانيُّ، يُذكَّرُ بها أهلُ القرآنِ لا من أجل أن يتواكلوا ويقعُدوا عن العمِل والأخذِ بأسبابِ القوة .. بل ليستيقِنُوا أن النصرَ في النهايةِ من الله فلا تُرهِبُهم قوةٌ مهما بلغتْ فللهِ القوةُ جميعًا .. ولا يرعبُهم جمعٌ وجنودٌ مهما احتشدت فللهِ جنودُ السماواتِ والأرض، وما يعلمُ جنودَ ربِّك إلا هو. إنّ على المسلمينَ أن يتوكَّلوا على اللهِ حقَّ توكُّلِه ويقدِّروه حقَّ قدرِه، وينصروه إن رغِبوا منه النصرَ فاللهُ يقول: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ (٢) ويثقوا أن الإيمانَ به والعملَ بشرعِه ضمانةٌ للنصر ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣)، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ﴾ (٤)، وكم يعجبُ ربُّنا من خلقِه حين يستمدُّون النصرَ من غيرِه وهو وحدَه واهبُ النصرِ والعزَّة، وحين يُخيَّلُ لهم أن غيرَهم من البشرِ قادرون على الضُّرِّ أو النفعِ وهم لا يملكون لأنفسِهم نفعًا ولا يدفعون عنها ضُرًّا، ويُريهِم من آياتِه في الآفاقِ والأنفسِ ما يتبيَّنُ لهم به الحقُّ ثم يَظلُّون في مِريةٍ من لقاءِ ربِّهم.

стр. 2480

تداعي الأمم «انصر أخاك» (١) الخطبةُ الأولى: إن الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، مَن يَهدِه اللهُ فلا مضلَّ له ومَن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إله وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهم صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائرِ الأنبياء والمرسَلين، وارضَ اللهم عن الصحابةِ أجمعينَ والتابعين وتابعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وسلِّم تسليمًا كثيرًا. أيها المسلمون: الأيامُ دُوَل، والفتنُ والبلايا -قديمًا وحديثًا- تَحُلُّ وترتحِلُ، ومن قرأ التاريخَ وَجَد في حوادثِ الماضي ما يكشفُ له عن طبيعةِ المعركة في الحاضر. ومِن آلامِ هذا القرنِ وفتنِه إلى آلامِ القرنِ الثالثِ الهجري وفتنِه أنقلُكم عبرَ مشهدٍ من مشاهدِ الصراعِ بين المسلمينَ والنصارَى، تحدَّثَ عنه المؤرخون كابنِ جَرِير وابن الأثير وابن كَثِير، قالوا: في سنةِ ثلاثٍ وعشرينَ ومائتينَ خرجَ توفيلُ بنُ ميخائيلَ - ملكُ الرومِ النصارى -إلى بلادِ الإسلام، وأوقعَ بأهل زِبَطْرةَ ملحمةً عظيمةً قَتَلَ بها من الرجالِ وسَبَى الذريّةَ والنساءَ، وأغار على (مَلَطْيَة) وغيرِها من حصونِ المسلمينَ، وسبَى المسلماتِ، ويُقال: إن أكثرَ من ألفِ امرأةٍ وقعت في السَّبْي (٢)، ومَثَّلَ بمن صار في يدِه من المسلمين وسَمَلَ أعينَهم وقطعَ أنوفَهم

стр. 2481

وآذانَهم، فخرجَ إليه أهلُ الثغورِ من الشامِ والجزيرةِ، إلا مَنْ لم يكنْ له دابةٌ ولا سلاحٌ. أما الخليفةُ العباسيُّ المعتصِمُ فكان حينَها منشغلًا بفتنةِ بابَكَ الخُرَّمِيِّ، ويسَّر اللهُ له القضاءَ عليه، وأخمدَ فتنتَه، وكان ذلك سببًا في طَمَع النصارى في بلاد المسلمين، واستثمارًا سيِّئًا لهذه الفتنةِ في حينِ غفلةٍ من المسلمينَ عنهم -أو هكذا ظنُّوا- ولكنّ الخليفةَ المعتصمَ حين بلغه خبرُ النصارى وما صنعوا في بلادِ المسلمينَ استعظَمَ الأمرَ، وتألَّم لمُصابِ المسلمينَ على أيدي النصارى، وزادَ من ألمِه -كما ذكرَ ابنُ الأثيرِ- أنّ امرأةً هاشميةً صاحَتْ وهي أسيرةٌ في أيدي الروم تقول: (وامُعتصِماه) فبلغَهُ ذلك الصريخُ فأجابها من ساعتِه بقوله: لبّيكِ لبّيكِ، ونهضَ من ساعتِه وصاحَ في قصرِه: النفيرَ النفيرَ، وأمرَ بتعبئةِ الجيوشِ، واستدعى القاضيَ والشهودَ فأشهَدَهُم أن ما يملِكُه من الضِّياعِ ثلثُه صدقةٌ، وثلثُه لولدِه، وثلثُه لموالِيه .. وخرجَ قائدًا للجيشِ العظيمِ بنفسِه، وانتصارً للمسلمينَ المحاصَرينَ من قِبَلِ الروم بعثَ الرسلَ بين يديهِ ليأتوه بالأخبار، فرجعوا إليه يقولونَ: إن ملكَ الرومِ صنعَ ما صنعَ بالمسلمينَ ثم رَجَعَ قافلًا إلى بلادِه، فلم يَثْنِ ذلكَ من عَزْمِ الخليفةِ، بل أرادَ الانتصارَ للمسلمينَ وتأديبَ النصارَى وحصارَهم في أعظمِ مدنِهم، ولذا سأل المعتصمُ أُمراءَه قائلًا: أيُّ بلادِ الرومِ أمنعُ أَحصنُ؟ قالوا: عَمُّوريَة، فهي عينُ النصرانية، وهي أشرفُ عندهم من القُسطنطينيةِ، ولم يَعْرِضْ لها أحدٌ منذُ كان الإسلامُ، فقرَّر المعتصمُ غزوَها، وجهَّز لها جيشًا لم يجهِّزْه أحدٌ قبلَه من الخلفاء .. حتى فتحَها اللهُ على يديهِ وعلى أيدي الأبطالِ من المسلمينَ الذين أبلَوْا بلاءً حسنًا، حتى تمَّ الفتحُ لهم وكسَروا شوكةَ النصارَى، وعزَّ الإسلامُ وانتصرَ المسلمون (١).

стр. 2482

أيها المسلمون: ذلكمْ مشهدٌ من مشاهدِ تاريخِنا ونموذجٌ للنُّصرةِ والدفاعِ عن حِيَاضِ الإسلام والمسلمين عند أسلافِنا. واليومَ آهاتٌ وأنَاتٌ لملايينَ من المسلمينَ والمسلماتِ من شيوخٍ ونساءٍ وأطفالٍ تُقطِّعُ نِياطَ القلوبِ ولا تكادُ تجدُ لها سامعًا أو منقِذًا .. بل حصارٌ عالميٌّ وأُمميٌّ لا تدري أتعجَبُ فيه من عِظَم القوةِ المُحاصِرة أم من كبرياءِ أصحابِها؟ أم تعجبُ من ضعفِ المُحاصَرين والظلمِ الواقعِ عليهمْ وصمودِهمْ وثباتِهمْ رغمَ المِحَنِ داخليًا وخارجيًا، ورغمَ الحصارِ الواقعِ عليهمْ سَلَفًا .. والحصارِ والتهديدِ والإنزال الواقعِ عليهمْ حاضرًا .. وكانَ اللهُ في عونِ المسلمينَ وثَبّتَ أقدامَهم وأمدَّهم بنصرٍ من عندِه. إخوةَ الإسلامِ: ويزادُ العجبُ ويغضبُ الربُّ حينَ يتخاذلُ المسلمونَ عن نُصْرةِ إخوانِهم المظلومينَ .. فكيفَ إذا هَمَّ أو فكَّر أحدٌ من المسلمين بمشاركةِ الكافرينَ بضربِ المسلمين؟ إنها فِتنٌ تدعُ الحليمَ حيرانَ، ومصائبُ تتصدَّعُ من هَولِها الجبال، وإلى الله المُشتكَى وهو وحدَه المُسْتَعان. أيها الناسُ: إنَّ الإرهابُ مرفوضٌ من قِبَلِنا معاشرَ المسلمين مثلَ -بل أكثرَ- مما هو مرفوضٌ عندَ غيرِنا من الأُممِ، ولكنّ السؤالَ المهمَّ: ما هو مفهومُ الإرهابِ ومَن يصدِّرُه أكثر؟ وإذا رُفضَ الإرهابُ الفرديُّ أو الجمعيُّ ومن أيِّ فئةٍ قامت به، فأشدُّ من ذلكَ الإرهابُ العالميُّ بصورِه وأشكالِه المختلفةِ السياسيةِ والاقتصاديةِ والعسكريةِ والفكريةِ والعَقَديةِ، والذي يُمارسُه الغربُ على العالَمِ عبرَ قطارِ العولمةِ القَسْري، وعبرَ المؤتمراتِ والملتقَياتِ التي يُصرُّ الغربُ فيها على قلبِ الحقائقِ والضغطِ بقوةٍ حتى يَصدُرَ القرارُ باعتبارِ دولةِ الصهاينةِ دولةً ديمقراطيةً وليستْ في عِدادِ العنصريةِ وليست في عِدادِ الدولِ الإرهابيةِ، بل في قائمةِ الدولِ المتحضِّرةِ.

стр. 2483

وإذا كنا -معاشرَ المسلمين- نستنكرُ قتلَ الأبرياءِ بغير حق، وسواءٌ وَقَعَ ذلكَ في بلادِ الغربِ أمْ في بلادِ الشرقِ، فاستنكارُنا لقتلِ المسلمينَ الأبرياءِ أشدُّ، وأينَ العدلُ، بلْ وهلْ من مقرَّراتِ حقوقِ الإنسانِ أن يُثأَرَ للأمريكانِ على حسابِ الأفغانِ؟ وبأيِّ حقٍّ يُحاصَرُ ما يزيدُ على عشرينَ مليونِ مسلمٍ؟ والمبرِّراتُ المعلَنةُ للحصار والضربِ لا تزال في دائرة الشكوكِ والتُّهم، ولم تتجاوز حدودَ (المشتبَه به، والمتَّهَم الأول) ونحوَها من عباراتٍ لا تتكئُ على حقٍّ ولا تستندُ إلى برهان؟ وكان اللهُ في عونِكم يا مُسلمِي الأفغانِ، فلقد أُتِيتُم من فوقِكم ومن أسفلَ منكم، رَمتكُم مِلَلُ الكفرِ عن قوسٍ واحدة، وتخاذلَ عنكمْ إخوانُكم المسلمونَ في ذِروةِ الشدةِ، وقعَ عليكُمْ نوعٌ من الحصارِ فيما مَضى فأهلكَ الجوعُ شيوخًا ونساءً رُكَّعًا، وأطفالًا رُضَّعًا، وخلَّف أعدادًا من المهاجرين تَهِيمُ على وجهِها حتى تجدَ مأوى أو تَهلِكَ في البيداء. واليومَ يُحكَمُ الحصارُ عليكم وتُهدَّون بالضرب الماحقِ عشيةً أو ضحى، ويزيدُ من آلامِكم ويُعمِّقُ جرحَكم حينَ يُدعى إخوانُكم المسلمونَ لحصارِكم، وتلك وربِّي - حين تقعُ - مأساةٌ لا في حقِّكُمْ فحسبُ، بل في حقِّ المسلمينَ جميعًا، وإلا فأينَ عقيدةُ الولاءِ للمسلمينَ والبراءةِ منَ الكافرينَ، وتلكَ التي نقرأُ آياتِها في كتابِ ربِّنا صباحَ مساءَ ونعلِّمُها نساءَنا وأطفالَنا، ومنها قولُه تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (١) ويصف ربُّنا الذين يتولَّوْن الكافرين بقوله: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ

стр. 2484

وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (١). أتُرى نفرًا من المسلمين اتَّخَذوا هذا القرآنَ مهجورًا، وإلا فأين هم من هذا النداءِ الربانيِّ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢). أفلا يتأملُ مَن في قلبه مرضٌ شفاءَ القرآن في قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ (٣). أمةَ محمدٍ: وأين أنتُم من هَدْيِه ﵊ حيثُ يقول: «المسلمُ أخو المسلمِ لا يَظلِمُه ولا يُسلِمُه ... » متفق عليه، وفي روايةٍ: «لا يخونُه ولا يَكْذِبُه ولا يَخذُلُه، كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ: عِرضُه ومالُه ودمُه ... » (٤). أُمةَ الإسلام: لا بدَّ من مراجعةٍ للنفسِ ولنصوصِ الشرعِ، وما أجملَ تلك العبارةَ التي سَطَّرها أبو الوفاءِ بنُ عَقِيل ﵀ حين قال: «إذا أردتَ أن تَعلمَ محلَّ الإسلام من أهلِ الزمان فلا تَنْظُرْ إلى زِحامِهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجِهم في الموقفِ بـ «لبَّيك»، وإنما انظُرْ إلى مواطأةِ أعداءِ الشريعة ... » إلى أن يقول -وقد ذَكَر نموذجًا للولاءِ غير المشروع-: «وهذا يدلُّ على برودةِ الدِّينِ في القلب» (٥).

стр. 2485

يا أخوةَ الإسلام في أرضِ الأفغان: ونحن نُشهِدُ اللهَ ونُشهِدكم أننا نَبرأُ إلى الله مما يصنعُه بكم الأعداءُ، ونعتذرُ مما يصنعُه المسلمون؛ ونسألُ اللهَ أن يردَّهم إلى الحقِّ عاجلًا غيرَ آجِلٍ، ونقول لكم ناصحين: حين تُغلَق عنكم منافذُ الأرض فثِقُوا أن أبوابَ السماءِ مفتوحةٌ، وحين يتخلَّى عن نُصرتِكم البعيدُ والقريبُ، والعدوُّ والصديق فارتبِطوا بالله وحدَه يُجِرْكُم ويدافعْ عنكم، وتوكلوا على الله حقَّ توكُّلِه، ومَن يتوكَّلْ على الله فهو حَسْبُه، وحين تحققون أسبابَ النصر الواردةَ في آياتِ سورة الأنفال، فثِقُوا بنصر الله لكم، فالله يقول: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (١) ويقول: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٢).

стр. 2486

الخطبةُ الثانية: الحمدُ لله ربِّ العالمين، أَمَرَنا بالتعاونِ على البِرِّ والتقوى، ونهانا عن التعاونِ على الإثمِ والعُدْوان، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، أمَرَنا بالاعتصام بحبلِه المتين، ونهانا عن الفُرْقةِ والاختلاف، فذاك نهايةُ الأُمم مِن قبلِنا، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، قال وهو الصادقُ الأمينُ: «إن أَوثَقَ عُرَى الإيمانِ للحبْ في الله والبغضُ في الله»، اللهم صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائرِ الأنبياء والمرسلين. إخوةَ الإسلام: سؤالٌ مهمٌّ يَجدُر طرحُه والتفكيرُ -مليًّا- في الإجابة عليه، والسؤالُ يقول: ما الهدفُ من هذا التحالفِ الغربيِّ والشرقي، والاستعدادِ العسكريِّ الذي تقودُه أمريكا، ويُصوَّب ظاهرًا إلى أفغانستان؛ أيهدفُ بالفعل إلى ضرب أفغانستان -وحدَها-؟ فهي لا تحتاجُ لمثلِ هذه الحشود، أم إن الهدفَ ضربُ المفاعل النوويِّ الباكستاني؟ بل وشلُّ حركةِ الصناعةِ الحربية النَّشطةِ والمتطوِّرة في باكستانَ المسلمةِ، أم إن الأمرَ يتجاوز ذلك إلى ضربِ كل نشاطٍ إسلاميٍّ وعلى امتدادِ الكُرَة الأرضية كلِّها؟ وقد أعلنتِ الدوائرُ الغربيةُ عن عددٍ من المنظماتِ الإسلاميةِ لتكونَ هدفًا تُضرَبُ باسمِ محاربةِ الإرهاب؟ أم إن الأمرَ أوسعُ من ذلك، إذ يتجاوزُ لمحاصرةِ الإسلام وشنِّ الحرب على المسلمين عبرَ مخطَّطٍ طويلِ المَدى، تلك التي فلتت من لسانِ (بوش) وعَبَّر عنها بـ (الحرب الصليبية) ثم عاد وعادت بعضُ داوئرِه لتعتذرَ عنها كي لا تثيرَ حفيظةَ المسلمين؟ فهل يا تُرَى يتنبَّهُ المسلمون لطبيعةِ المعركةِ؟ إخوةَ الإيمان: إنَّ من حقائقِ القرآن التي لا تَقبَلُ الجدلَ الْتقاءَ اليهودَ والنصارى والمشركين على حربِ المسلمين وعداوتِهم حتى يَدخلوا مِلَّتَهم ﴿وَلَنْ

стр. 2487

تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (١) ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ (٢). ومن حقائقِ القرآن كذلك نهيُ المؤمنين عن مُوالاةِ الكافرين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ (٣). أما مظاهرةُ الكافرين ضدَّ المسلمين فهي خيانةٌ لله تعالى ورسولِه ﷺ وللمؤمنينَ كما قال تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٤). وما فِتِئَ العلماءُ قديمًا وحديثًا يُفْتونَ ويحذِّرون من هذه المُوالاةِ للكافرين ومساعدتِهم على المسلمين، ويعتبرون ذلك نِفاقًا أو كفرًا. وهنا أَنقلُ لكم اثنين فقط من هذه الفَتاوَى، الأُولى لأحدِ أئمةِ الدعوةِ السلَفيةِ الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵏ حيث قال -وقد سُئلَ عن النفاقِ وعلاماتِه وإطلاقِه-: «مَن ظَهَرَت منه علاماتُ النفاقِ الدالةُ عليه كارتدادِه عند التحزيبِ على المؤمنين وخِذْلانِهم عند اجتماعِ العدوِّ كالذينَ قالوا: لو نعلمُ قتالًا لاتَّبعناكُم، وكونِه إذا غَلَبَ المشركون التجأَ إليهم، ومدحِه للمشركين بعضَ الأحيانِ وموالاتِهم دون المؤمنين، وأشباهِ هذه

стр. 2488

العلاماتِ التي ذَكَرَ اللهُ أنها علاماتٌ للنفاقِ وصفاتٌ للمنافقين، فإنه يجوزُ إطلاقُ النفاقِ عليه وتسميتُه منافقًا ... » (١). أما الفتوى الثانيةُ فلسماحة المفتي السابقِ لبلاد الحرمينِ الشريفينِ فضيلةِ الشيخ عبدِ العزيز بن بازٍ ﵀ حيث قال: «وقد أجمعَ علماءُ الإسلامِ على أنَّ مَن ظاهَرَ الكفارَ على المسلمين وساعدهم عليهم بأيِّ نوعٍ من المساعدة فهو كافرٌ مثلُهم كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢). أيها المسلمونَ: وبإزاءِ هذه الهَجْمةِ النازلةِ بأهلِ الإسلام، واعتمادًا على هذه الآيات والفتاوى، فإنني أذكِّرُ الزعماءَ وقادةَ الدولِ الإسلامية ألا ينخدِعوا ويتورَّطوا في هذا المخطَّط المستهدِف للإسلامِ والمسلمين، حتى وإن أُعلن الإرهابُ قِناعًا له، وسيحفظُ التاريخُ كلَّ موقفٍ، وستَعِي ذاكرةُ الأجيالِ كلَّ ما قيل وسُطِّر، وليس يخفى أن الغربَ يتعاملُ مع الإرهابِ بشكلٍ انتقائي، وإلا فهل أشدُّ من إرهابِ الصهاينة والذين باتوا هذه الأيامَ يستثمرون الحدثَ لصالِحِهم في الأراضي المقدَّسة، وفي حالِ انشغالِ المسلمين عنهم، علمًا بأن أصابعَ الاتهام تُشيرُ إليهم -كما تشيرُ إلى غيرِهم- في تفجيرِ الأحداثِ الأخيرة. أما العلماءُ فإنني أذكِّرُهم بجهادِ الكلمة وقولِ كلمةِ الحقّ، والخَشْيةِ من الله وحدَه، وشموليةِ الفتوى، والنُّصحِ لأئمة المسلمين وعامَّتِهم. كما أُذكِّر الدعاةَ وطلبةَ العلمِ والمفكِّرين والإعلاميين وأصحابَ الوَجاهةِ والكلمةِ ببيان الحقِّ للناس، ومَلْءِ قلوبِهم بالثقةِ بالله، وشَحْذِ هِمَمِهم للدعوةِ

стр. 2489

للإسلامِ الحقّ، والنُّصرةِ للمسلمينَ المستضعَفين، وبيانِ خُطَط ومَكْرِ الكافرين. أما أغنياءُ المسلمين فيُذكَّرون بالجهادِ بالمالِ في سبيلِ الدعوةِ وسدِّ حاجةِ المحتاجين، ولا سيَّما إذا نَزلَت بأحدٍ من المسلمين نازلةٌ واحتاج إلى مساعدةِ إخوانِه المسلمين، وليس يليقُ أن تُعلِنَ منظَّماتٌ إغاثيةٌ عالميةٌ وغيرُ مسلمةٍ مساعدةَ اللاجئينَ والمهاجرين والمتضرِّرين من الشعوب المسلِمةِ ويظلُّ المسلمون في مَعزِلٍ عن الأحداث. معاشرَ المسلمين: يا أُمةَ القرآنِ، وبشكلٍ عامٍّ فعلى كل مسلمٍ ومسلمةٍ كِفْلُه من المسؤولية تجاهَ الإسلامِ والمسلمين؛ ومأساةٌ حين يظنُّ نفرٌ من المسلمين أنه يكفيهم أن يتابعوا الأخبارَ ويسألَ بعضُهم بعضًا: هل تمَّت ضربةُ الحلفاءِ للمسلمينَ أم لم تتمَّ بعدُ، ويكفيهم مجردُ استنكارِهم لضرب المسلمين (١) أن بإمكانِ كلِّ مسلمٍ أن يقدِّمَ شيئًا، ويخطئُ من يظنُّ أن سلاحَ الدعاءِ وحدَه هو الذي يملكُه المسلمون لمناصرةِ إخوانِهم المسلمين، وهذا السلاحُ رغمَ أهميتِه وحاجتِنا إليه فنحنُ نملكُ معه أسلحةً أخرى .. فسلاحُ الكلمةِ الصادقةِ سهمٌ، وتعميمُ الوعي بين الناس سلاحٌ، والمساعدةُ بالمال -صدقةً أو زكاةً-، قلَّ أو كَثُرَ سلاحٌ، والنصحُ والمَشُورةُ للمسلمين سهمٌ، والمهمُّ أن نستفرغَ طاقتَنا في سبيلِ نُصْرة إخوانِنا، ونستجيبَ لوصيةِ حبيبِنا محمدٍ ﷺ حين قال: «انصُرْ أخاك ظالمًا أو مظلومًا». أيها المؤمنونَ: ومع كلِّ ما تَبذلُون فاعلموا أن دينَ الله منصورٌ من قِبَلِ الذي أنزلَه، فهو أغيرُ لدينِه وحُرُماتِه منّا .. وإنما ننصرُ أنفسَنا، ونقدِّمُ لأنفسِنا، والله تعالى أَرحمُ بعبادِه منّا .. ولكننا مُمتَحنون في ولائِنا للمؤمنينَ وبراءتِنا من

стр. 2490

الكافرين، ومُمتَحنون في الخوفِ من البشرِ أو من ربِّ البشر، ألا فثِقُوا بالله ونَصْرِه وأَحسِنوا الظنَّ وعلِّقوا الرجاءَ بالله، ولا تموتُنَّ إلا وأنتم مسلمون. اللهم انصُرْ دينَك وعبادَك الصالحين، اللهم انتقِمْ للمظلومينَ من الظالمين «اللهم قاتِلِ الكفرةَ الذين يصُدُّون عن سبيلِك ويُكذِّبون رسلَك، واجعلْ عليهم رِجزَك وعذابَك، اللهم قاتل الكفرةَ الذين أُوتوا الكتابَ إلهَ الحقِّ» (١)، وصلُّوا وسلِّموا على نبيِّ الهدى والرحمةِ.
следующие страницы →