الخطبةُ الثانية:
الحمدُ لله ربِّ العالمين، أَمَرَنا بالتعاونِ على البِرِّ والتقوى، ونهانا عن التعاونِ على الإثمِ والعُدْوان، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، أمَرَنا بالاعتصام بحبلِه المتين، ونهانا عن الفُرْقةِ والاختلاف، فذاك نهايةُ الأُمم مِن قبلِنا، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، قال وهو الصادقُ الأمينُ: «إن أَوثَقَ عُرَى الإيمانِ للحبْ في الله والبغضُ في الله»، اللهم صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائرِ الأنبياء والمرسلين.
إخوةَ الإسلام: سؤالٌ مهمٌّ يَجدُر طرحُه والتفكيرُ -مليًّا- في الإجابة عليه، والسؤالُ يقول: ما الهدفُ من هذا التحالفِ الغربيِّ والشرقي، والاستعدادِ العسكريِّ الذي تقودُه أمريكا، ويُصوَّب ظاهرًا إلى أفغانستان؛ أيهدفُ بالفعل إلى ضرب أفغانستان -وحدَها-؟ فهي لا تحتاجُ لمثلِ هذه الحشود، أم إن الهدفَ ضربُ المفاعل النوويِّ الباكستاني؟ بل وشلُّ حركةِ الصناعةِ الحربية النَّشطةِ والمتطوِّرة في باكستانَ المسلمةِ، أم إن الأمرَ يتجاوز ذلك إلى ضربِ كل نشاطٍ إسلاميٍّ وعلى امتدادِ الكُرَة الأرضية كلِّها؟ وقد أعلنتِ الدوائرُ الغربيةُ عن عددٍ من المنظماتِ الإسلاميةِ لتكونَ هدفًا تُضرَبُ باسمِ محاربةِ الإرهاب؟
أم إن الأمرَ أوسعُ من ذلك، إذ يتجاوزُ لمحاصرةِ الإسلام وشنِّ الحرب على المسلمين عبرَ مخطَّطٍ طويلِ المَدى، تلك التي فلتت من لسانِ (بوش) وعَبَّر عنها بـ (الحرب الصليبية) ثم عاد وعادت بعضُ داوئرِه لتعتذرَ عنها كي لا تثيرَ حفيظةَ المسلمين؟ فهل يا تُرَى يتنبَّهُ المسلمون لطبيعةِ المعركةِ؟
إخوةَ الإيمان: إنَّ من حقائقِ القرآن التي لا تَقبَلُ الجدلَ الْتقاءَ اليهودَ والنصارى والمشركين على حربِ المسلمين وعداوتِهم حتى يَدخلوا مِلَّتَهم ﴿وَلَنْ
стр. 2487
تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (١) ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ (٢).
ومن حقائقِ القرآن كذلك نهيُ المؤمنين عن مُوالاةِ الكافرين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ (٣).
أما مظاهرةُ الكافرين ضدَّ المسلمين فهي خيانةٌ لله تعالى ورسولِه ﷺ وللمؤمنينَ كما قال تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٤).
وما فِتِئَ العلماءُ قديمًا وحديثًا يُفْتونَ ويحذِّرون من هذه المُوالاةِ للكافرين ومساعدتِهم على المسلمين، ويعتبرون ذلك نِفاقًا أو كفرًا.
وهنا أَنقلُ لكم اثنين فقط من هذه الفَتاوَى، الأُولى لأحدِ أئمةِ الدعوةِ السلَفيةِ الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵏ حيث قال -وقد سُئلَ عن النفاقِ وعلاماتِه وإطلاقِه-: «مَن ظَهَرَت منه علاماتُ النفاقِ الدالةُ عليه كارتدادِه عند التحزيبِ على المؤمنين وخِذْلانِهم عند اجتماعِ العدوِّ كالذينَ قالوا: لو نعلمُ قتالًا لاتَّبعناكُم، وكونِه إذا غَلَبَ المشركون التجأَ إليهم، ومدحِه للمشركين بعضَ الأحيانِ وموالاتِهم دون المؤمنين، وأشباهِ هذه
стр. 2488
العلاماتِ التي ذَكَرَ اللهُ أنها علاماتٌ للنفاقِ وصفاتٌ للمنافقين، فإنه يجوزُ إطلاقُ النفاقِ عليه وتسميتُه منافقًا ... » (١).
أما الفتوى الثانيةُ فلسماحة المفتي السابقِ لبلاد الحرمينِ الشريفينِ فضيلةِ الشيخ عبدِ العزيز بن بازٍ ﵀ حيث قال: «وقد أجمعَ علماءُ الإسلامِ على أنَّ مَن ظاهَرَ الكفارَ على المسلمين وساعدهم عليهم بأيِّ نوعٍ من المساعدة فهو كافرٌ مثلُهم كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢).
أيها المسلمونَ: وبإزاءِ هذه الهَجْمةِ النازلةِ بأهلِ الإسلام، واعتمادًا على هذه الآيات والفتاوى، فإنني أذكِّرُ الزعماءَ وقادةَ الدولِ الإسلامية ألا ينخدِعوا ويتورَّطوا في هذا المخطَّط المستهدِف للإسلامِ والمسلمين، حتى وإن أُعلن الإرهابُ قِناعًا له، وسيحفظُ التاريخُ كلَّ موقفٍ، وستَعِي ذاكرةُ الأجيالِ كلَّ ما قيل وسُطِّر، وليس يخفى أن الغربَ يتعاملُ مع الإرهابِ بشكلٍ انتقائي، وإلا فهل أشدُّ من إرهابِ الصهاينة والذين باتوا هذه الأيامَ يستثمرون الحدثَ لصالِحِهم في الأراضي المقدَّسة، وفي حالِ انشغالِ المسلمين عنهم، علمًا بأن أصابعَ الاتهام تُشيرُ إليهم -كما تشيرُ إلى غيرِهم- في تفجيرِ الأحداثِ الأخيرة.
أما العلماءُ فإنني أذكِّرُهم بجهادِ الكلمة وقولِ كلمةِ الحقّ، والخَشْيةِ من الله وحدَه، وشموليةِ الفتوى، والنُّصحِ لأئمة المسلمين وعامَّتِهم.
كما أُذكِّر الدعاةَ وطلبةَ العلمِ والمفكِّرين والإعلاميين وأصحابَ الوَجاهةِ والكلمةِ ببيان الحقِّ للناس، ومَلْءِ قلوبِهم بالثقةِ بالله، وشَحْذِ هِمَمِهم للدعوةِ
стр. 2489
للإسلامِ الحقّ، والنُّصرةِ للمسلمينَ المستضعَفين، وبيانِ خُطَط ومَكْرِ الكافرين.
أما أغنياءُ المسلمين فيُذكَّرون بالجهادِ بالمالِ في سبيلِ الدعوةِ وسدِّ حاجةِ المحتاجين، ولا سيَّما إذا نَزلَت بأحدٍ من المسلمين نازلةٌ واحتاج إلى مساعدةِ إخوانِه المسلمين، وليس يليقُ أن تُعلِنَ منظَّماتٌ إغاثيةٌ عالميةٌ وغيرُ مسلمةٍ مساعدةَ اللاجئينَ والمهاجرين والمتضرِّرين من الشعوب المسلِمةِ ويظلُّ المسلمون في مَعزِلٍ عن الأحداث.
معاشرَ المسلمين: يا أُمةَ القرآنِ، وبشكلٍ عامٍّ فعلى كل مسلمٍ ومسلمةٍ كِفْلُه من المسؤولية تجاهَ الإسلامِ والمسلمين؛ ومأساةٌ حين يظنُّ نفرٌ من المسلمين أنه يكفيهم أن يتابعوا الأخبارَ ويسألَ بعضُهم بعضًا: هل تمَّت ضربةُ الحلفاءِ للمسلمينَ أم لم تتمَّ بعدُ، ويكفيهم مجردُ استنكارِهم لضرب المسلمين (١) أن بإمكانِ كلِّ مسلمٍ أن يقدِّمَ شيئًا، ويخطئُ من يظنُّ أن سلاحَ الدعاءِ وحدَه هو الذي يملكُه المسلمون لمناصرةِ إخوانِهم المسلمين، وهذا السلاحُ رغمَ أهميتِه وحاجتِنا إليه فنحنُ نملكُ معه أسلحةً أخرى .. فسلاحُ الكلمةِ الصادقةِ سهمٌ، وتعميمُ الوعي بين الناس سلاحٌ، والمساعدةُ بالمال -صدقةً أو زكاةً-، قلَّ أو كَثُرَ سلاحٌ، والنصحُ والمَشُورةُ للمسلمين سهمٌ، والمهمُّ أن نستفرغَ طاقتَنا في سبيلِ نُصْرة إخوانِنا، ونستجيبَ لوصيةِ حبيبِنا محمدٍ ﷺ حين قال: «انصُرْ أخاك ظالمًا أو مظلومًا».
أيها المؤمنونَ: ومع كلِّ ما تَبذلُون فاعلموا أن دينَ الله منصورٌ من قِبَلِ الذي أنزلَه، فهو أغيرُ لدينِه وحُرُماتِه منّا .. وإنما ننصرُ أنفسَنا، ونقدِّمُ لأنفسِنا، والله تعالى أَرحمُ بعبادِه منّا .. ولكننا مُمتَحنون في ولائِنا للمؤمنينَ وبراءتِنا من
стр. 2490
الكافرين، ومُمتَحنون في الخوفِ من البشرِ أو من ربِّ البشر، ألا فثِقُوا بالله ونَصْرِه وأَحسِنوا الظنَّ وعلِّقوا الرجاءَ بالله، ولا تموتُنَّ إلا وأنتم مسلمون.
اللهم انصُرْ دينَك وعبادَك الصالحين، اللهم انتقِمْ للمظلومينَ من الظالمين «اللهم قاتِلِ الكفرةَ الذين يصُدُّون عن سبيلِك ويُكذِّبون رسلَك، واجعلْ عليهم رِجزَك وعذابَك، اللهم قاتل الكفرةَ الذين أُوتوا الكتابَ إلهَ الحقِّ» (١)، وصلُّوا وسلِّموا على نبيِّ الهدى والرحمةِ.
стр. 2491
الرمادةُ بين الماضي والحاضر (١)
الخطبةُ الأولى:
الحمدُ للهِ الذي أنزلَ على عبدِه الكتابَ ولم يجعلْ له عوجًا، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، أغنى وأَقْنى وأماتَ وأحيا .. وإليه يُرجَع الأمرُ كلُّه في الآخرة والأولى، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه أوصى بالفقراءِ واليتامى والمحتاجين خيرًا، بل نزلَ عليه في القرآنِ إطعامُ الأسارى من غير المسلمين ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (٢) اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ عليه وعلى سائرِ النبيين والمرسلين وارضَ اللهمَّ عن الصحابةِ أجمعين والتابعين ومَنْ تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين.
اتقوا اللهَ معاشرَ المسلمين، ومن يتّقِ الله يجعلْ له مخرَجًا ويرزُقْه من حيثُ لا يحتسب، ومن يتَّقِ الله يكفِّرْ عنه سيئاته ويُعظِمْ له أجرًا، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ (٣).
أيها المسلمون: لا غرابةَ ولا عجبَ أن تصيبَ المسلمين أو طائفةً منهم مِحنٌ وكوارثُ، ولكن الأمرَ المهمَّ كيف يتعاملُ المسلمون مع هذه المحنةِ أو تلك الكارثةِ .. وسواءٌ في ذلك مَن وقعتْ عليهم أو من لم تَقَعْ وهم مسلمون يشعرون
стр. 2492
بحقوقِ أُخوّة الإسلام وواجبِ النُّصرةِ للمسلمين.
وإذا كنا -معاشرَ المسلمين- أُمةً لها تاريخُها ولها تجاربُها وهذا التاريخُ محلُّ فخرٍ واعتزاز، وهذه التجارِبُ رصيدٌ يمكن أن يتأمَّلَه اللاحقون فيستفيدون من تَجرِبةِ السابقين.
إذا كنا كذلك فدعونا نقفْ عند صفحةٍ مشرقةٍ من تاريخِنا تحوَّلَتْ فيه المِحنُ إلى منِحَ، والبلايا إلى إحسانٍ وعطايا، استيقظ فيها الشعورُ الإسلامي، وهبَّ المسلمون في مشرِقِ الأرض ومغرِبها يُغِيثون الملهوفين ويُطعِمون الجائعين .. وخليفةُ المسلمين يتقدَّمُ الصفوفَ ويُلهِب مشاعرَ المسلمين، بل يُنفِق ويعملُ بنفسِه.
أجل، لقد كان العامُ السابع أو الثامنُ عشرة للهجرة موعدًا لقدرٍ ربانيٍّ لحصول مجاعةٍ وقحطٍ شديدٍ أصاب المسلمين في المدينةِ النبويةِ وما حولها .. وسُمِّي ذلك العامُ بعامِ الرمادة، ويُعرِّفُ الإمام الطَّبَريُّ ﵀ الرمادةَ بقوله: «كانت الرمادةُ جوعًا أصابَ الناسَ بالمدينة ومَنْ حولَها، فأهلكهم حتى جعلتِ الوحوشُ تأوي إلى الإنس، وحتى جعلَ الرجلُ يذبحُ الشاةَ فيعَافُها من قُبحِها وإنه لمُقفِرٌ» (١).
إخوةَ الإسلام: بل تجاوزتِ المجاعةُ في عهدِ الفاروقِ عمرَ ﵁ المدينةَ وما حولَها إلى أرضِ اليمن، فقد روى ابنُ سعدٍ: أن رجلًا من اليمنِ جاء إلى عمرَ وهو نائمٌ في المسجد، فنادى: واعُمَراهُ! فاستيقظ عمرُ مذعورًا وركضَ إلى الصوت، وإذا بأعرابيٍّ ممسِكٍ بخِطَام بعيره، والناسُ من حولِه، فلما نظرَ إلى عمرَ قال الناسُ: هذا أميرُ المؤمنين، فقال عمرُ: مَن آذاك؟ وظنَّ أنه مظلومٌ،
стр. 2493
فقال أبياتًا من الشِّعر ذكرَ فيها الجَدْبَ، فوضعَ عمرُ يدَه على رأسِه، ثم صاح: تدرونَ ما يقول؟ يذكرُ جَدْبًا وأستاتًا -يعني ضِيقًا وجوعًا- وأن عمرَ يشبعُ ويَرْوَى والمسلمون في ضيقٍ! ثم دعا الصحابةَ وقال: من يُوصِلُ إليهم المِيرةَ والتمرَ وما يحتاجون إليه؟ فوجَّهَ رجلين من الأنصار ومعهم إبلٌ كثيرةٌ عليها المِيرةُ والتمرُ، فدخلا اليمنَ وقسَّما ما كان معهما (١).
هكذا إخوةَ الإسلام كان عمرُ والمسلمون معه يتعاملون مع الكوارِثِ الواقعةِ على إخوانِهم المسلمين -ولو كانوا بعيدينَ عن مركزِ الخلافةِ- أما تعاملُ عمرَ والمسلمين معه في مَجاعةِ الرَّمادةِ في المدينة وما حولها فالأمرُ أعجبُ.
لقد كشفتِ المجاعةُ الواقعةُ في عهدِ عمر عن قوَّةِ عمرَ وعدلِه، وعن نظرتِه للمسلمين وإنصافِه من نفسِه .. كيف لا والخليفةُ عمرُ يُقسِمُ أن لا يأكلَ سمنًا ولا لحمًا حتى يحيا الناسُ (٢).
ولقد كتبَ عمرُ ﵁ إلى أمرائِه على الأمصارِ مستصرِخًا مستغيثًا ويقول: «مِن عبدِ الله عمرَ أميرِ المؤمنين إلى فلانِ بن فلان، أما بعدُ: فإنَّ العربَ قد دفَّت إلينا ولم تَحمِلْهم بلادُهم، ولا بدَّ لهم من الغَوْثِ، الغوثَ، الغوثَ .. حتى ملأَ الصحيفةَ، فربما كان في الصحيفةِ مائتا مرةٍ (٣).
وكان أمراؤُه عندَ حسنِ الظنِّ بهم وعند حدودِ المسؤوليةِ المُناطةِ بأعناقِهم، وهذا يزيدُ بنُ أبي سفيان -وهو أحدُ الأمراءِ في الشام- يَردُّ على الخليفةِ بقوله:
стр. 2494
لُبِّيَت لُبِّيَت، يا أميرَ المؤمنين، أتاك الغوثُ، بعثتُ إليك عِيرًا أولُها بالمدينةِ وآخرُها بالشام (١).
وما كان لعمرَ ﵁ أن يستصرخَ الناسَ ويقعدَ بنفسِه عن العمل، وهذا أبو هريرة ﵁ شاهدُ عِيانٍ لمشاركةِ عمرَ في الإغاثة إذ يقول: لقد رأيتُه -عامَ المجاعةِ- وإنَّه ليحمِلُ على ظهرِه جِرابينَ وعُكَّةَ زيتٍ في يدِه.
بل زاد الفاروقُ من اهتمامِه بالمحتاجين فلم يكتفِ بحملِ الطعامِ وصُنعِه لهم، بل رأى من واجبِه أن يرى الفَرْحةَ تَغمُرُ أطفالَهم بعد أن خيَّمَ الحزنُ عليهم وأقَضَّ البكاءُ مضاجعَهم.
ودونَكم هذه الروايةَ -عند الطبريِّ- يرويها زيدُ بن أسلمَ عن أبيه ويقول: خرجتُ مع عمرَ بنِ الخطاب ﵁ إلى حَرَّةِ واقمٍ، حتى إذا كنا بِصِرَار، إذا نارٌ تُؤرَى. فقال: يا أسلمُ، إني أرى هؤلاءِ ركبًا قَصَّر بهم الليلُ والبردُ، انطلِقْ بنا، فخرجْنا نهروِلُ حتى دنونا منهم، فإذا امرأةٌ معها صِبيانٌ لها، وقِدْرٌ منصوبةٌ على النار، وصبيانُها يتضاغَوْنَ، فسلَّمَ واستأذن وسأل: ما بالُكم؟ قالت: قَصَّر بنا الليلُ والبرد، قال: فما بالُ هؤلاءِ الصبيةِ يتضاغَوْنَ؟ قالت: الجوع، قال: وأيُّ شيءٍ في هذه القِدْر؟ قالت: ماءٌ أُسكِّتهم به حتى يناموا، اللهُ بيننَا وبينَ عمر، قال: أيْ رحمَكِ اللهُ، ما يُدرى عمرُ بكم؟ ! قالت: يتولَّى أمرَنا ويَغفُلُ عنا، قال أسلمُ: فأقبل عليَّ عمرُ وقال: انطلقْ بنا، فخرجنا نهرولُ حتى أتينا دارَ الدَّقيقِ، فأخرج منه طعامًا وقال: احمِلْه عليَّ، فقال أسلمُ: أنا أحملُه عنك، فردَّ عمرُ: بل احمِلْه عليَّ، فلما كرَّر عليه أسلمُ القولَ غضب عمرُ وقال: أنت تحملُ عني وِزْري يومَ القيامة لا أمَّ لك، فحمله عليه، ثم انطلقا حتى وصلا المرأةَ
стр. 2495
وأطفالَها، فبدأَ عمرُ يصنعُ لهم الطعامَ حتى رُئي الدخانُ يخرجُ من خَلَلِ لحيتِه الكثيفةِ، ولم يزلْ كذلك حتى نَضِجَ الطعامُ وأفرغَ للمرأةِ وصبيانها فأكلوا حتى شَبِعوا حتى شكرتْ له المرأةُ صنيعَه -وهي لا تعرفه- وقالت: أنت أَولى بهذا الأمرِ من أميرِ المؤمنين، فردَّ عليها عمرُ: قولي خيرًا وإنك إذا جئتِ أميرِ المؤمنين وجَدْتِني هناك.
يقول أسلمُ: ثم تنحَّى عنهم ورَبَضَ مربِضَ السَّبُع، فجعلتُ أقول له: إن لك شأنًا غيرَ هذا؟ وهو لا يكلِّمني، حتى رأيتُ الصبيةَ يصطرعون ويضحكون ثم ناموا وهدؤوا، فقام عمرُ وهو يَحمَدُ الله، ثم أقبل عليَّ فقال: يا أسلمُ، إن الجوعَ أسهرَهم وأبكاهم، فأحببتُ أن لا أنصرفَ حتى أرى ما رأيتُ منهم» (١).
عجبًا لك يا ابنَ الخطابِ، فلقد كنتَ في الجاهلية نموذجًا للغِلْظةِ والشدة حتى تدفنَ ابنتَك وهي حية وهي تنفُض الترابَ عن لحيتك، ثم أنت في الإسلامِ يُقلقُ مضجَعَك بكاءُ الجوعى لا من بيتِك وعائلِتك، بل من أبناءِ المسلمين وخارج المدينة، ولا تكتفي بحملِ الطعام وصُنعِه بل تنتظرُ حتى تتبدَّلَ مشاعرُ الأسى بالفرحةِ والأنُس، إنه الإسلامُ جعل منكَ عظيمًا في كل شيءٍ، وليس إغاثةُ الملهوفِينَ إلا جزءًا من هذه العَظَمة، حتى أشفقَ الصحابةُ على عمرَ من شدَّةِ اهتمامِه بالمسلمين، ويقول الصحابةُ المعاصرون له: لو لم يرفعِ اللهُ المَحْلَ عامَ الرمادة لظنَنّا أنَّ عمرَ يموتُ همًّا بأمرِ المسلمين (٢). بل تتجاوزُ العَظَمةُ في شخصيتِك، وتصلُ بك نُبْلُ المشاعرِ وبواعثُ الرحمةِ، على أن تتجاوزَ بني الإنسان إلى الرأفةِ بالحيوان، ويؤثَرُ عنك القول: «واللهِ لو أنَّ بغلةً سقطتْ في العراقِ لكان عمرُ مسئولًا عنها: لِمَ لمْ تمهِّدْ لها الطريقَ يا عمرُ! ».
стр. 2496
الله أكبرُ، إنها نماذجُ للرحمةِ والإيثارِ والعطفِ على الحيوانِ فضلًا عن بني الإنسانِ، يحثُّ عليها الإسلامُ ويمثِّلُها المسلمون كلَّما استيقظَ واعظُ القرآنِ في النفوس ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾.
وإذا شَمِلَ الإطعامُ غيرَ المسلمين، فالأَسرى حين نزولُ الآياتِ من غيرِ المسلمين -كما أكَّد على ذلك العلماء- (١) فالمسلمون من باب أَوْلى.
وأين المسلمون من هَدْيهِ ﵊ وقد سُئِلَ: أيُّ الإسلامِ خيرٌ؟ فأجاب: «تُطعِمُ الطعامَ وتقرأُ السلام على مَن عرفتَ ومَن لم تَعرِفْ» رواه البخاريّ.
стр. 2497
الخطبةُ الثانية:
الحمدُ لله ربِّ العالمين مالكِ يومِ الدين، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وليُّ الصالحين، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه إمامُ المتقين، اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ عليه وعلى سائرِ النبيين.
أيها المؤمنون: ومن مجاعةِ القرنِ الأول الهجريِّ وكيف تجاوزَ المسلمون مِحنةَ الرمادةِ .. أتحدَّثُ إليكم عن مجاعةِ القرنِ الخامسَ عشرَ الهجريِّ .. والكارثةِ الواقعةِ والمتوقَّعة في بلادِ الأفغان، وليس يخفى أنَّ البلاد -وطوالَ ما يقرُبُ من ربعِ قرنٍ تعيش حربًا متواصلة .. فَقَدَ فيها عددٌ من الأُسرِ عائلَها، وهاجرتْ أعدادٌ أخرى من مساكنِها، وأصبح عددٌ ثالثٌ لا يملكُ من الحياةِ إلا خيمةً لا تكادُ تتوفَّرُ فيها عددٌ من ضَرُورياتِ الحياة فضلًا عن كماليّاتِها .. وأصبح مع الأسفِ عددٌ من هذه الأُسَر فريسةً لمنظَّماتٍ تنصيرية جاءتْ إلى أفغانستانَ تحت عباءةِ الإغاثةِ الإنسانية؟
لقد عانى الشعبُ الأفغانيُّ كثيرًا في جهادِه ضدَّ المحتلِّين الرُّوس، ولكن انتصارَه في النهايةِ على الروس -وبدعمٍ من العالم الإسلامي- أنساه بعضَ معاناتِه، لكنه عادَ من جديدٍ يتحمَّلُ ويلاتِ الحرب ويتجرَّعُ بكلِّ مرارةٍ الصراعَ بين الفصائلِ الأفغانية بعد طردِ الروس.
ولم يكدْ يَذُقْ طعمَ الاستقرار بعد إزاحةِ هذه الفصائلِ وتوحيدِ معظم البلاد على يدِ (طالبان) حتى قُرِعَت طبولُ الحربِ الأمريكية ومعها الحلفاءُ ضدَّ هذا البلدِ المسلم؟
أجلْ، لقد أكلتِ الحروبُ السابقةُ الأخضرَ واليابس، ثم جاء الجفافُ ليضربَ كلَّ ما تبقَّى، ويتركَ الأسرةَ الأفغانية مجرَّدةً من معظمِ أسباب الحياة ..
стр. 2498
إلا إيمانَها وتوكُّلَها وتقشُّفَها وصبرَها.
ولا يعلم إلا اللهُ ما مصيرُها وما حالُ هذه الأُسر في حال نشوبِ حربٍ جديدةٍ تُستخدَمُ فيها الآلاتُ الحربيةُ المدمِّرةُ من قِبَل الحلفاءِ! !
إن المراقبين يتوقَّعون نزوحَ ملايينِ اللاجئينَ على حدودِ أفغانستانَ .. بل إنهم استَبَقُوا الأحداثَ .. وشاهد الناسُ نماذجَ لهؤلاء اللاجئين المهاجرين وهم يتدفَّقونَ بحثًا عن الملجَأ والغذاءِ، وكم هي مأساةٌ حين تَعجِزُ دولُ الحدودِ عن استيعابِ هؤلاءِ المهاجرين فتمنعُهم من الدخول إلى أراضيها .. وهم لا يَجِدُون ما يأكلون أو يستظلُّون به في بلادِهم .. فيكون الموتُ الجماعيُّ وحَتْفُ الأنفسِ مصيرًا بائسًا لعددٍ من هؤلاءِ المهاجرين اللاجئين المسلمين.
والمأساةُ أعظمُ حين تَنشَطُ المؤسَّساتُ الإغاثيةُ التنصيرية لاستقبالِ هؤلاء فتُؤوِيهم وتدعمُهم باليدِ وتُنصِّرُهم أو على الأقل تُفسِدُ عليهم إسلامَهم باليد الأخرى -وقد سمع العالَمُ عن عددٍ من هذه الهيئاتِ بدأتْ تستعدُّ للإغاثة في أعقابِ الحرب .. وعجبًا لهذا التناقضِ، فالذي يضربُ ويُحدِثُ الأذى وينشئ الفقراءَ هو الذي يطعمُ ويُؤْوي ويَظهرُ في أعين البسطاء وكأنه المنقذُ من المأزق .. والمتقدِّمُ حين تأخَّرَ الآخرون.
إن المسلمين أَوْلى بإخوانِهم المسلمين في حالِ السِّلْم أو في حالِ الحرب إذا ما وُجِدَت الحاجةُ عند أحدٍ من إخوانِهم المسلمين بشكلٍ عامّ، فكيف إذا اشتدَّتِ الحاجةُ للمساعدة.
إنَّ التقاريرَ تقولُ: إنَّ أعلى معدَّلٍ لوفياتِ الأطفال في أفغانستانَ وسيراليون وموزمبيق .. ووَفْقًا لتوقُّعات مسئولين بمكاتبِ الأممِ المتحدةِ في إسلام آباد فإن ما بين خمسةِ إلى ستةِ ملايين أفغانيٍّ معرَّضين لخطرِ المجاعة، ونِسَبُ الأطفالِ
стр. 2499
فيهم عالية، بل إن ثُلثَ الأطفال دون سنِّ الخامسة.
وتشيرُ التقارير كذلك إلى أن مخزونَ الغذاء والدواء في حالِ حدوثِ ضربةٍ لأفغانستان لن يكفيَ الشعبَ الأفغاني إلا لأسبوعٍ فقط، وسواءٌ صحَّت هذه التقاريرُ أو لم تصحَّ فنحن على ثقةٍ بأن الله هو الرزّاقُ ذو القوةِ المتينُ وأنه المُحْيي والمميتُ .. لكن يا أُمةَ القرآن ماذا نقولُ لرِّبنا إذا سألَنا عن موتِ هؤلاء الأطفالِ المسلمين ونحن قادرونَ على إغاثتِهم؟ هذا في الآخرة .. أمَّا في الدنيا فماذا سيقولُ العالَم عنا -معاشرَ المسلمين- ونحن نتركُ هؤلاءِ الأطفالَ يموتون حتفَ أنفهم .. ولربما سبقتْ إلى استبقاءِ حياة بعضِهم مؤسَّساتٌ لا تَمُتُّ للإسلامِ ولا للمسلمين بأدنى صِلَة.
إن أمريكا أرادت أن تُحرِجَ العالمَ بضربتِها العسكرية، وذلك حين بدأتْ تجمعُ التأييدَ من دولِ العالم -بما في ذلك العالَمِ الإسلاميّ- لضربِ أفغانستان، وهي تُصِرُّ بل ترضى اشتراكَهم بأيِّ شكلٍ من الأشكال، وهي اليومَ تُحرِجُهم في التقدم لإغاثةِ اللاجئين والمهاجرين الأفغان، إذ تُعلِنُ الأُممُ المتحدة عن توجُّهِها لجمع ٥٨٤ مليونَ دولارٍ من المساعداتِ لمنعِ وقوع كارثةٍ إنسانيةٍ في أفغانستان، وقد وعدَتْ أمريكا بتقديمِ حصَّتِها من هذه المساعدات، وأعلَنتِ اليابانُ عن تحمُّلِها عشرين بالمائة ٢٠% من المبلغ المعلَن من قِبَل الأمم المتحدة.
وكأنَّ أمريكا أرادت أن تُشرِكَ العالمَ كلَّه بمُصابِها، وباسمِ محاربةِ الإرهاب وتحقيقِ العدالة؟ وأين جِدِّيتُها في هذه الدعوى في منعِ الإرهاب اليهوديِّ في فلسطين، وأين عدالتُها في التعاملِ مع قضايا المسلمين، وهي التي صنعتْ ما صنعت في (تيمورا الشرقية) في أندونيسيا، وما نسيَ العالمُ العربيُّ والإسلاميُّ ضربَها لمصنعِ الأدويةِ في السودان، وما نسوا مواقفَها المُشينةَ مع الصِّرب
стр. 2500
النصارى في (البوسنةِ والهرسك) حين أقامتْ لهم دولةً مستقلةً رغمَ وحشيَّتِهم، بينما تركتِ المسلمين يُحكَمون بالمندوبِ السامي. وما نسيَ العالمُ مأساةَ (هيروشيما ونجازاكي) ولا الضربَ الأمريكيَّ لـ (فيتنام) إلى غير ذلك من حوادثَ ووقائعَ تقومُ بها أمريكا بنفسِها أو تقيمُ غيرَها بالوكالة .. ولذا فثَمَّةَ أصواتٌ عاقلةٌ في أمريكا بدأتْ تدعو لمراجعة النظرِ في السياسةِ الأمريكيةِ في الخارج .. ويقولون: إن هذه الضربةَ الأخيرةَ رَجْعٌ للصَّدى، وإعادةٌ للبضاعةِ المُزْجاةِ على أصحابها؟ ومع ذلك فنصيحتي للمسلمين عمومًا كِبارًا أو شبابًا بضَبْط النفسِ والتعاملِ مع الأحداث بهدوء وروِيَّةٍ ووَفْقَ توجيهاتِ الكتاب والسُّنة .. حتى لا يتصرفَ أحدٌ اليومَ تصرفًا يندَمُ عليه غدًا، وأن تظلَّ أحكامُنا مرتبطةً بميزانِ القرآن من مثلِ قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (١).
معاشرَ المسلمين: إننا في صددِ الحديثِ عن إغاثةِ الشعبِ الأفغانيِّ نذكرُ دعمَ المملكة بمبلغِ عشرةِ ملايين دولار .. ونأملُ أن يكونَ لهذا الدعمِ ما بعدَه، وأن يتحرَّك المسلمون حكوماتٍ وشعوبًا لدعم إخوانِهم في أفغانستان، بل وفي كلِّ مكان يحتاجُ فيه المسلمون إلى دعمٍ ومساندة -وإذ سمعتم أن الفاروقَ ﵁ يعتبرُ نفسَه مسئولًا عن الدابةِ تموتُ في أرضِ العراق: لِمَ لَمْ يُمهِّد لها الطريق؟ فكيف بموتِ آلافٍ بل ملايين من البشرِ المسلمين لا تصلُ إليهم حاجتُهم من الطعامِ أو الكساء؟ أو تصلُ إليهم بجهودِ اليهود والنصارى والمشركين فيُسِدُّون جَوْعَة بطونهم وتظلُّ قلوبُهم من الإيمانِ والإسلام جَوْعى.
стр. 2501
إنكم معاشرَ المسلمين تُدعَوْنَ اليومَ للإنفاق، وتُمتحَنون في أموالكم، وكما تُسألون: من أين اكتسبتُموها؟ فتسألون: وفيمَ أنفقتُموها؟
وهنا أَلِفتَ النظرَ إلى حكمٍ شرعيٍّ يقضي بتقديمِ الزكاة عند وجودِ المُوجِبِ لذلك، قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميّةَ ﵀ (١) -: «وأما تعجيلُ الزكاةِ قبل وجوبِها بعد سببِ الوجوبِ فيجوزُ عند جمهورِ العلماءِ كأبي حنيفةَ والشافعيِّ وأحمدَ .. ».
وليس يخفى حاجةُ المسلمين الأفغانِ من قبلِ الحصارِ ومن بعدِه وسواءٌ وقعتِ الضربةُ أم لم تقعْ .. فأَرُوا اللهَ من أنفسِكم خيرًا، وانصُروا إخوانكم .. ولا يَسبِقنَّكم غيرُ المسلمين -اللهمَّ أغْنِ فقراءَ المسلمين وسُدَّ حوائجَهم، وثبِّتْ على الحقِّ أقدامَهم، وانصُرهُم على القومِ الكافرين.
اللهمَّ صلِّ على محمدٍ ..
стр. 2502
مفهومُ النصر وتوظيفُ الحدث (١)
الخطبةُ الأولى:
إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسوله، اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ عليه وعلى سائرِ الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهمَّ عن الصحابةِ أجمعين والتابعين وتابعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين وسلِّمْ تسليمًا كثيرًا.
أيها المسلمون: ما حقيقةُ النصر؟ وما مفهومُ الهزيمة؟
يظنُّ بعضُ الناس أن التفوقَ في القوة، وكثرةَ القتلى والجَرْحى، وانتشارَ الدمارِ هنا وهناك، والغلبةَ على الخصمِ مؤشِّرٌ للنصر لمن حصلَ له، ومؤشِّرٌ لهزيمةِ من وقع عليه.
وكلنا حين نعودُ لنصوصِ القرآن والسنة نجدُ مفهومًا آخرَ للنصر، ومعنًى آخرَ للهزيمة.
فالثباتُ على المبدأ الحقِّ نصرٌ وإن أُهلِكَ أصحابُه في سبيله.
والموتُ على الإيمانِ بالله وحدَه نصرٌ - مهما تفنَّن القاتلون في نوعِ القتل، كيف لا وعددٌ من أنبياءِ الله قُتِلوا .. وهم بلا شكٍّ غالبون منتصرون في ميزانِ الحقّ، وفي المقابلِ تعلَّمْنا من نصوصِ الكتابِ والسُّنة أن الاستكبارَ والطغيانَ والتجرُّدَ من القِيَم والأخلاقِ العادلةِ والظُّلم والاستبدادِ هزيمةٌ ماحقةٌ وإن خُيِّلَ لأصحابها أنهم يتربَّعون على موائدِ النصر ويتسلَّوْنَ بمشاهدِ القتلى، ويتشفَّوْن
стр. 2503
ويتفاخرون بالانتصارِ على الضعفاء؟
وفي القرآنِ الكريم من مثلِ قِصَّة إحراقِ الخليل ﵇، وتقطيعِ الأيدي والأرجلِ من خلافٍ والصَّلْب في جُذوعِ النخل حتى الممات لسحرة فرعون .. وإحراقِ أصحابِ الأخدود .. في مثلِ هذه القصصِ نماذجُ لمفهوم النصرِ وحقيقةِ الهزيمة.
كيف لا وقد جاءَ في سياقِ هذه القصص: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ (١).
وعن سَحَرةِ فرعونَ خلَّدَ القرآنُ ثباتَهم وتحدِّيَهم لفرعونَ وصراحتَهم بالإيمان وكشفَهم لمفهوم الحياة الحقَّةِ حين قالوا: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (٢).
وهكذا انقلب السحرُ على الساحر، وأصبح فرعونُ لا يواجهُ موسى والمؤمنين معه بل يُبتلَى بثُلَّةٍ من أصحابه، ويُصاب بنفورٍ وانشقاقٍ من أقربِ الناس إليه، وكانت تلك بدايةَ النهايةِ لفرعونَ وجنودِه!
أما أصحابُ الأخدودِ فيكفيهم فخرًا وحسبُهم نصرًا أنهم يُساقَوْن إلى الموتِ وتُخَدّ لهم الأخاديدُ وهم ثَابتون على الإيمانِ بالله متحدُّون للجَبَروت والكبرياء، وحين تقاعست امرأةٌ تحملُ صبيًا لها وتردَّدتْ في دخولِ النار .. أنطقَ اللهُ الغلامَ بالحقِّ وليكونَ شاهدًا على مفهومِ النصر: «يا أمَّهْ اصبِري فإنكِ على الحقِّ» (٣).
стр. 2504
وتأمَّلوا كيف جاء التعليقُ في القرآن على أصحابِ الأُخدودِ ومَن فتنَهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ (١) هذا عن الفئةِ الأولى - ثم قال عن المؤمنين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ (٢).
فهذا مفهومُ الفوزِ في القرآن .. وتلك حقيقةُ النصرِ والهزيمةِ عندَ أهل الإسلامِ والقرآن.
عبادَ الله: إن الابتلاءَ للناس سُنَّةٌ ربانية ماضيةٌ متجدِّدة، والحكمةُ منها كما قال ربُّنا: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (٣).
إنَّ من الناس من يَفزَعُ للأحداثِ الكبيرة فزعًا يُفقِدُه صوابَه، وربما أحبطَ نفسَه وأَساء الظنَّ بربِّه ودينِه، فظنَّ أنَّ في تكالُبِ الأعداء على المسلمين وتهديدِهم لبعضِهم وقتلِهم للبعضِ الآخر نهايةً للإسلام وتصفيةً للمسلمين، فينزوي على نفسِه، وأنَّى لمثلِ هذا أن يقومَ بدعوةٍ أو يأمرَ بمعروفٍ أو ينهى عن منكر .. وهو أحوجُ إلى أن يُدعَى ويُؤمرَ ويُنهَى.
ومن الناس من هو على الضدِّ إذ قد يبلُغُ به الحماسُ غيرُ المنضبطِ إلى التسرُّعِ والتصرُّف فيما لا يَسُوغ ولا يجوز سواءٌ بالقول أم بالفعل، وسواءٌ كان حماسُه لهذا العمل أو ذاك، وخسارةٌ فادحة حين ترتدُّ السهامُ على النحورِ، وفتنةٌ عظمى حين يقعُ القتالُ بين فئاتِ المسلمين فتتمزَّقُ أوصالُ الأُمة ويذهبُ ريحُ
стр. 2505
المسلمين؛ فلنحذَرْ ولنحذِّر من هذا الصنيع.
ولاشكَّ أن أُمةَ الإسلام اليومَ تُمتحَنُ بتكالُبِ الأعداء عليها، وهي أمامَ تحدٍّ كبيرٍ تمارسه القُوى الكافرةُ ضدَّها، وهذه القوى حريصةٌ على إحداثِ الشِّقاق داخلَ الأمةِ المسلمةِ بين شعبٍ وشعب، بل داخلَ الشعب الواحدِ بين فئاتِه وأطيافِه ومؤسَّساتِه .. فهل يدركُ المسلمون هذا التحدِّي ويؤجِّلوا خلافاتِهم - ولو على الأقلَّ إلى حينٍ - ما دام العدوُّ المشترَكُ شاهرًا سلاحَه، إن تمزيقَ الأُمةِ المسلمة باللسانِ أو بالسِّنان لَمِن أعظمِ المخاطر التي يتحمَّلُ الغيورون المدرِكون للعواقبِ مسؤوليةَ دفعِها في ظلِّ هذا التوتُّرِ في المشاعرِ والعواطف.
ولا يَسُوغ بحالٍ أن نُخدعَ وننقلَ المعركةَ إلى داخل بلادِ المسلمين، فإنَّ ذلك يُسَرُّ له الأعداءُ، بل هو نجاحٌ نصنعُه لهم دون ثمن.
أيها المؤمنون: إنَّ التوظيفَ الصحيح للأحداثِ الواقعةِ اليومَ والمتوقَّعةِ غدًا يكون بعدَّة وسائلَ وبرامجَ وخططٍ مدروسةٍ، ومن ذلك:
١ - إصلاحُ الذات، والنظرُ في العيوب، والتوبةُ من الذنوب، وإخلاصُ العمل وتجريدُ التوحيدِ لله ربِّ العالمين .. فكم غَفَلْنا وكم أسرفْنا على أنفُسِنا بالمعاصي، وهذه الأحداثُ والفتنُ النازلة مؤشراتٌ لأخطائِنا وذنوبِنا، وهي امتحانٌ لتوبتِنا ويَقَظتِنا، واللهُ تعالى في كتابِه الكريم يربطُ بين الذنوبِ والمصائبِ ويقول جلّ ذِكرُه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (١).
وعن علي ﵁: «ما نزل بلاءٌ إلا بذنْبٍ، ولا رُفعَ إلا بتوبةٍ» فيا تُرى مَنْ منّا راجع نفسَه وتاب إلى ربه: «وكلُّ ابنِ آدم خطَّاءٌ، وخيرُ الخطَّاين التوَّابون» أم أن
стр. 2506
الأكثريةَ منا مشغولةٌ بغيرِها ومتناسيةٌ لنفسها؟ ومَنْ منَّا زاد في عبادتِه لربِّه والرسولُ ﷺ يقول: «العبادةُ في الهَرْج - يعني القتل والفِتَن - كهِجْرة إليّ»، ودَعُونا نطرحُ السؤالَ التالي وعليه يُقاسُ غيرُه على كلِّ واحدٍ منا: هل ما قرأتَ من كتابِ الله - في هذه الأيام - أكثرُ، أم ما قرأتَ من الصُّحف وتابعتَ من القَنَوات؟ وهل شكَوْنا إلى ربِّنا وتضرَّعْنا أم نسينا وقسَتْ قلوبُنا؟
وأنا هنا لا أَدعو إلى قلَّةِ الوعي .. ولكني أُشيرُ إلى خلَلٍ في التوازن بين الواجباتِ والمستحبَّات .. وإلى الاستجابةِ للعواطفِ أكثرَ من عملِ الصالحاتِ الباقيات - والتي بها تُدفَعُ الفتنُ وتُكشفَ النوازلُ والكُرُبات، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١).
ومما يلفت النظرَ أنه برَغمِ التشويهِ الذي حصل للعربِ والمسلمين إلا أن الإسلام بات ينتشرُ في أوساطِ غير المسلمين، ونقرأُ ونسمعُ هذه الأيامَ أن الغربيين أقبلوا على نَسْخِ المصاحفِ يطالعون في القرآنِ ونَفِدَت - أو كادت - الكتبُ التي تتحدَّث عن الإسلام، ومن يدري فقد تكون هذه الأحداثُ بدايةَ انطلاقةٍ كبرى للإسلامِ والمسلمين، فهل يستثمرُ المسلمون ذلك لصالحِ إسلامِهم ودعوتِهم.
٢ - السعيُ لإصلاحِ الآخرين وذلك بالدعوةِ إلى الله بكلِّ وسيلةٍ ممكنةٍ ومع كل طبقةٍ: الصغارِ والكبارِ، الرجالِ والنساءِ، الأغنياءِ والفقراء، المُثقَّفينَ والأُميِّين، داخلَ الحدودِ وخارجَها، وبالعربيةِ أو بغيرِها، وفي هذا الصددِ لابدَّ من إشعارِ المسلمين جميعًا أن قضيةَ الإسلام مسؤوليةٌ مشترَكةٌ لا يُعفَى أحدٌ من
стр. 2507
المساهمةِ في دفعِها ودَرْءِ المخاطر عن المسلمين إذا وقعتْ بهم نازلةٌ في أي مكان.
إننا نخطئُ حين نَحصُر الاهتمامَ بالدِّين والدعوةِ على فئةٍ معيَّنة نسمِّيها بـ (الملتزمين) فالأُمة كلُّها - وفي ظلِّ هذه الظروف - مطالبةٌ بنُصْرة الدين، وكلُّ مسلمٍ لا يخلُو من خيرٍ، والإيمانُ شُعَبٌ منها الظاهرُ ومنها الباطن، ورُبَّ ذي مَظهرٍ إيمانيٍّ وقلبُه خاوٍ أو غافلٍ، ورُبَّ ذي مَظْهرٍ لا يدلُّ على ما في قلبِه من خيرٍ، وما في عقلِه من حكمةٍ ورشد .. فهل نخسرُ هذه الطاقةَ، وهل يَسُوغُ لنا أن نحيِّدَ هذه الفئةَ عن الدعوة أو تُحيِّدَ هي نفسُها عن المشاركةِ في الدعوة بحُجَّة أن لديها تقصيرًا؟ لقد أعلنَها رسولُ الله ﷺ صريحةً عامةً حين قال: «مَن رأى منكم منكم مُنكَرًا فليغيِّرْه بيدِه، فإن لم يستطعْ فبلسانِه، فإن لم يستطعْ فبقلبِه» وأعلَنها كذلك بالبلاغ عنه ولو بآيةٍ: «بلِّغوا عنّي ولو آيةً»، والكلمةُ الطيبةُ صدقةٌ ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (١)، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (٢).
стр. 2508
الخطبةُ الثانية:
الحمدُ لله ربِّ العالمين، يحكُمُ ما يشاءُ ويفعل ما يريدُ، لا رادَّ لفضلِه ولا يكشفُ السوءَ إلا هو، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه وخِيرتُه من خلقِه، اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ عليه وعلى سائر الأنبياءِ والمرسلين.
إخوةَ الإسلام: ويلزمُنا في ظلِّ هذه الأحداثِ والمتغيِّرات:
٣ - أن نُحسِنَ الظنَّ بالله تعالى، وأنه لا يقع شيءٌ إلا بإذنِه وتقديره وقضائِه؛ وقضاؤُه خيرٌ، ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (١)، وألا نضخِّمَ دَوْرَ الأعداءِ ونُرجِفَ بأنفسِنا ومَن حولَنا، بل نتفاءَلُ، وقد مرَّتْ بالمسلمين في الماضي أزَماتٌ وتكالُباتٌ للأعداء فما زادهم ذلك إلا إيمانًا وتسليمًا، وفَرْقٌ كبيرٌ بين من قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (٢) وبين من قالوا: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (٣)، وأولئك قيلَ لهم: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (٤).
أما المؤمنونَ الصادقون الذين قيلَ لهم: إنَّ الناسَ قد جمعوا لكم فاخشَوْهم فزادَهم إيمانًا وقالوا: حسبُنا اللهُ ونعمَ الوكيل .. فكانت عاقبتُهم ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ
стр. 2509
مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (١).
٤ - إخوةَ الإيمان: ومع حُسنِ الظنِّ لابدَّ من العملِ ولابدَّ من تحقيقِ الإيمانِ في واقع الحياة، ومن لطائفِ القرآنِ - لمن تأملَ - أن الوعدَ بالنصرِ والعزةِ والنجاةِ لم تُعلَّقْ بمن اتَّصفَ بالإسلام فقط، بل خُصَّ ذلك بأهل الإيمان - والإيمانُ درجةٌ فوقَ الإسلام - وتَجِدُون مِصداقَ ذلك في مثلِ قوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٣) ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤) ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٥).
أيها المسلمون: إن أمةً تعيشُ حالةَ الحربِ الشاملةِ يجب أن تكونَ أبعدَ الناسِ عن اللهوِ واللعب .. وأنَّى لأمةٍ أن تواجهَ أعداءَها وهي بعدُ لم تنتصرْ على أنفُسِها ولم تتغلَّبْ على شهواتِها، هل يتحقَّقُ النصرُ لمن لا يأتون الصلاةَ إلا وهم كُسَالى، أو يَزعُمون أنهم يؤمنون بالكتابِ والسُّنة .. وإذا قيل لهم: تعالَوْا إلى ما أَنزلَ اللهُ وإلى الرسولِ رأيتَ الصدودَ والإعراض؟
هل يتحققُ النصرُ لمن يَدَّعي الإسلامَ وهو يُضمِرُ العداوةَ للمسلمين أو يَسخَرُ بشيءٍ من أوامرِ الدين؟ وهل يتحققُ النصرُ لمن لا يهتمُّ بأمرِ المسلمين ولا يُقدِّمُ النُّصرةَ والمَشُورةَ والدعوةَ والدعاءَ للمسلمين؟ وباختصارٍ فإذا تأخَّر النصرُ؛ فلأنَّ الأُمةَ بعدُ لم تصلْ إلى مستوى النصرِ ..
стр. 2510
٥ - ومن توظيفِ الأحداثِ الواقعة تعميقُ الوعي في نفوسِ المسلمين وذلك بتحديدِ طبيعةِ المعركةِ وهويَّتِها، وطبيعةِ الأعداءِ وَمكْرِهم وأهدافهم والشعورِ بمُصابِ المسلمين ومآسيهم ومواساتِهم ونُصْرتهم، والموازنةِ بين المكاسبِ والخسائر، وتَجْليةِ حقيقة النصر ومفهومِ الهزيمة، إنَّ من الموازناتِ التي ينبغي أن لا تغيبَ عن المسلمين أنَّ مسلمًا يُقتَلُ بغير حقٍّ بل ظلمًا وعدوانًا - رجلًا كان أو امرأةً، طفلًا أو كبيرًا. شيءٌ عظيمٌ وخسارةٌ فادحةٌ في حقِّ المسلمين، كيف لا وحُرْمةُ المسلم عندَ الله أعظمُ من حُرمةِ الكعبة، ولكنَّ فردًا من المسلمين يُقتَلُ لتَحيا به أُمةٌ من الناس نصرٌ عظيم، ومكسبٌ للإسلام والمسلمين، وفي صحيح مسلم: أن الغلامَ المؤمنَ قُتِلَ باسمِ الله ربِّ الغلام فآمن الناسُ قائلين: آمنَّا بربِّ الغلام، آمنَّا بربِّ الغلام، آمنَّا بربِّ الغلام .. وإن خُدَّت لهم الأخاديدُ وأُحرِقوا (١).
وإن قطرةَ دمٍ تنزفُ من جريحٍ مسلم أمرٌ مزعجٌ لنا معشرَ المسلمين، وهي خسارةٌ ونقصٌ في مخزونِ الدماءِ المسلِمة .. ولكنْ سَرَيانُ دمِ العِزّة والكرامةِ والرحمةِ والنُّصرة في عروقِ آخرين من المسلمين وربما غيرَ المسلمين فذاك نصرٌ كبير، وتعويضٌ عظيم.
٦ - عبادَ اللهِ والأحداثُ الواقعةُ فرصةٌ لتوحيدِ الصفِّ الإسلاميِّ العربيِّ والأعجميِّ، الأسودِ والأبيض .. ذلكم أنَّ الهجمةَ على الإسلام والمسلمين مستنكَرةً من قِبَلِ الجميع .. وإنِ اختلفوا في أساليبِ التعبير أو أسرَّ بعضُهم وجهرَ آخرون .. وهذا الاستنكارُ فرصةٌ لمزيدِ جمعِ الكلمة وتوحيدِ القُوى - وهي الأمرُ المهمُّ الذي يَغيبُ في واقعِ المسلمين - حيث الفُرْقةُ والخصومةُ
стр. 2511
والشَّتاتُ واختلافُ الأفهامِ والاهتماماتِ، وحين يُفلحُ المسلمون في توظيفِ هذه الأحداثِ للتقارُبِ والأُلفةِ وتحقيقِ الأخوَّة الإسلامية والتعاونِ على البرِّ والتقوى فذاك مكسبٌ عظيمٌ للأمة .. إنه ليس من حقِّ الإسلام ولا من حقِّ المعركة أن ينشغلَ المسلمون بعضُهم ببعضٍ باللسان ولا بالسِّنان، وأخطرُ من ذلك أن يتأوَّل أحدٌ في قتلِ أخيه المسلمِ بتأويلِ أو غيرِه، وفي الحديث: «إذا الْتقَى المسلمانِ بسَيفَيهِما فالقاتلُ والمقتولُ في النار»، «لا تَرجِعوا بعدي كفارًا يضربُ بعضُكم رقابَ بعضٍ».
٧ - إخوةَ الإيمان: أيها العلماءُ والدعاةُ والخيِّرون والعقلاءُ، إن عليكم كِفْلًا كبيرًا في تطمينِ الناس وتهدأتِهم في أزمانِ الفتنِ والشدائدِ وفَتْحِ مجالاتِ العمل النافعةِ لهم ولأمَّتِهم، ونقلِهم من العواطفِ والطيش غيرَ المثمرِ إلى سلوكياتٍ نافعةٍ في العبادةِ والدعوةِ والعلمِ والعمل والتخطيطِ والابتكارِ والتربيةِ وتحمُّلِ المسؤولية .. فهذه وتلك طريقُ أمَّتِنا للنهوض .. وهي التي قادتْ أسلافَنا إلى التفوُّقِ والتميُّزِ على الآخرين.
٨ - عبادَ الله: ومع اهتمامِنا بكلِّ قضيةٍ للإسلامِ والمسلمين فلا ينبغي أن تُنسِينَا الأحداثُ الواقعةُ قضيتَنا الكبرى في فلسطين، لاسيما والصهاينةُ المعتدون حاولوا استثمارَ الأحداثِ لصالحهم فباتوا يقتلون ويخرِّبون ويُفسِدون .. وحين يكون حديثُ العالَم عن الإرهاب فينبغي أن يرتفعَ صوتُنا بإرهابِ اليهود والنصارى والوقوفِ مع إخوانِنا الفلسطينيين المظلومين، وحين تَذكُر إحدى المجلاتُ الأمريكيةُ أن (٥٨%) من الأمريكانِ يعتبرون تعاملَ أمريكا مع اليهودِ هو السبب فيما جرى لهم، فتلك فرصةٌ على المسلمين أن يستثمروها لصالحِهم لمزيدِ فَضْح اللُّوبي الصهيوني.
стр. 2512
الشدائد محن ومنح ومحاذير ومبشرات (١)
الخطبةُ الأولى:
إن الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يَهدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ عليه وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلين، وارضَ اللهمَّ عن الصحابةِ أجمعين والتابعين وتابعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين وسلِّم تسليمًا كثيرًا.
إخوةَ الإسلام: وفي أزْمانِ الشدائدِ والفتن تُمتحَنُ القلوبُ، وتُمتحَن الألسنُ وتُمتَحن العواطفُ والمشاعر، تتمايزُ الصفوفُ، ويَمِيزُ اللهُ الخبيثَ من الطيِّب، ويعلمُ اللهُ - وهو أعلم - الصادقينَ من الكاذبين، وأهلَ الإيمان وأهلَ النفاق، نعم تُمتحَن القلوبُ في الولاءِ والبَرَاء، وفي الخَشْيةِ والإنابة، والتوكُّلِ والاستعانةِ، والثقةِ واليأس، والألمِ والأمل، والحبِّ والبُغْض، والخوفِ والرجاء، وحسنِ الظنِّ أو سوئِه .. وتُمتحَن الألسنُ - في أزمان الفتن أكثرَ - على الصدقِ والكذب، والتثبُّتِ مما يُنقَل ويُقال، أو الإسراعِ بالقِيلِ والقال، ولو كان القولُ بظُلمٍ، ولو كان الحديثُ بهوى، ولو كان الناقلُ للحديثِ فاسقًا .. فكيف إذا كان كافرًا، والله يقول: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (٢).
стр. 2513
تُمتحَن الألسنُ والأقلامُ في نُطْق الحقِّ والسكوتِ عن الباطل - وربما زلّ اللسانُ قال فُحشًا .. أو توارى عن كشفِ الباطلِ فكان شيطانًا ناطِقًا أو صامتًا، وربما كتب الغيورُ ناقدًا متأوِّلًا فزاد الجُرحَ عمقًا، وعكَّرَ صفوَ الاجتماع والأُلْفة، وياليتَ قومي يعلمون أنَّ ميدانَ المعركةِ مع عدوِّنا أرحبُ، ومجالاتِها لا تُحَدّ، وهم يُراهنون على إشعالِ الفتيل بين المسلمين، ومن نوادرِ الذهبيِّ ﵀ قوله: «ربما آلَ الأمرُ بالبمعروف بصاحبِه إلى الغضبِ والحِدَّة، فيقعُ في الهِجْران المحرَّم، وربما أفضى إلى التكفيرِ والسعيِ في الدم» (١).
نعم إنَّ الخطأ واردٌ، ولا عِصمةَ لأحدٍ إلا للأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام، ولكن لنترفَّقْ في النقدِ ولنُحسنِ الظنَّ بمن هم أهلٌ لذلك.
وفي أزمانِ الفتن كذلك تُمتحَن المشاعرُ والعواطفُ أكثرَ، فهذا باردُ الإحساسِ عديمُ المشاعر، وذاك تتوهَّجُ عاطفتُه وتَغْلي حتى تغلبَ عقلَه، وفئةٌ ثالثة لديها مشاعرُ وأحاسيسُ حيةٌ، لكنها توظِّفُها في خدمة الحقِّ دون تهوُّرٍ، وفي فضحِ الباطل دون تشنُّجٍ.
أيها المؤمنون: إن أيامَ الفتنِ شديدةٌ على النفوسِ لما فيها من الهَرْج والقتل، والخوفِ والقلق، واختلاطِ الحقّ بالباطل، ومن حقِّ المؤمن أن يتخَوَّفَ على نفسِه وعلى إخوانه من ملابساتِ الفتن، ولكنَّّ الفتنَ والنوازل كذلك فيها تجديدٌ للإيمان، وفيها إحياءٌ لمعالمَ في الدين - من ولاءٍ وبراءٍ، وخَشيةٍ وتوكل، وصبرٍ ومصابرة، ونُصرةٍ أو مظاهرة .. ومن هنا تتحوَّلُ المِحنُ إلى مِنَحٍ ربانية لمن وفَّقَهم اللهُ للحقِّ وهداهم للصراطِ المستقيم.
وفي أواخرِ القرنِ السابعِ للهجرة هجمَ التترُ على بلادِ المسلمين فكانت الفتنةُ
стр. 2514
وكان القتلُ، وكان الخوفُ والقلقُ .. ولكنَّ العلماءَ الصادقين المجاهدين اعتبروا هذه المحنةَ مِنحةً ربانيةً تستوجبُ الشكرَ لله عليها.
وقال شيخ الإسلام ابنُ تيميّة ﵀ مخاطبًا جمهورَ المسلمين: «واعلموا - أصلحكم الله - أن من أعظمِ النعمِ على من أراد اللهُ به خيرًا أن أحياه إلى هذا الوقتِ الذي يُجدِّدُ اللهُ فيه الدينَ، ويُحيي فيه شعارَ المسلمين، وأحوالَ المؤمنين والمجاهدين، حتى يكونَ شبيهًا بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصارِ، فمَن قام في هذا الوقتِ بذلك كان من التابعين لهم بإحسانٍ، الذين رضيَ اللهُ عنهم ورَضُوا عنه، وأعدَّ لهم جناتٍ تجري من تحتِها الأنهارُ ذلك الفوزُ العظيم، فينبغي للمؤمنين أن يشكروا اللهَ تعالى على هذه المحنةِ التي حقيقتُها مِنحةٌ كريمةٌ من الله، وهذه الفتنةِ التي في باطنها نعمةٌ جسيمةٌ .. » (١).
وتحدَّث شيخُ الإسلام ﵀ عن أصنافٍ من الناس في فتنةِ التتار وهجومِهم على العالم الإسلامي - حتى بلغوا الشامَ - فقال:
((فهذه الفتنةُ قد تفرَّقَ الناسُ فيها ثلاثَ فرقٍ: الطائفة المنصورة وهم المجاهدون لهؤلاءِ القومِ المُفسِدين، والطائفة المخالفة وهم هؤلاء القومُ (يعني التترَ) ومَن تحيّزَ إليهم من حُثالةِ المنتسبين إلى الإسلام، والطائفة المُخذِّلة وهم القاعدون عن جهادِهم، وإن كانوا صحيحي الإسلامِ، فلينظر الرجلُ أيكونُ من الطائفة المنصورة أم من الخاذلة أم من المخالفة، فما بقيَ قسمٌ رابع)) (٢).
يا أخا الإيمان: وإذا وقعتِ الفتنُ وأنت حيٌّ فانظُرْ موقعَك فيها، وجرِّدْ نفسَك من الهوى ومن حبِّ الدنيا، وامتحِنْ خَشْيتَك وخوفَك أتكونُ لله وحدَه أم يدخلُ في ذلك الشركاءُ؟
стр. 2515
إن من الناس من تمرُّ الفتنُ والنوازلُ بإخوانِه المسلمين ولا تحرِّكُ فيه ساكنًا، بل وكأنها لا تعنيهِ بشيء .. إنه باردُ الإحساس مُعطَّل القُوى، لا يُسخِطُه ما يُسخِطُ اللهَ، إن ذلك نوعٌ من الغفلةِ والإعراض عن الله كما قال أبو عبد الرحمن العمري: ((إنَّ من غفلتِك وإعراضِك عن الله أن ترى ما يُسخِطُه فتجاوِزُه، ولا تأمرُ ولا تنهى خوفًا ممن لا يملِكُ ضُرًّا ولا نفعًا)) (١).
وكم هي بليةٌ في الدِّين حين يرى المسلمُ مُنكَرًا ظاهرًا ولا يتمعَّرُ وجهُه لوقوعِه، بل يكون سلبيًا في التعاملِ معه، أو يرى معروفًا ثم لا يَفرَحُ به ولا يشاركُ في وجودِه ونشرِه .. وأولئك الصنفُ من الناسِ قال عنهم ابنُ القيمِ ﵀: ((وأيُّ دينٍ وأيُّ خيرٍ فيمن يَرَى محارمَ اللهِ تُنتهَكُ وحدودَه تُضيَّع، ودينُه يُترَك، وسُنةُ رسولِه ﷺ يُرغَبُ عنها، وهو باردُ القلبِ ساكتُ اللسن، شيطانٌ أخرسُ، كما أن المتكلمَ بالباطل شيطانٌ ناطق، وهل بليةُ الدينِ إلا من هؤلاءِ الذين إذا سَلِمَت لهم مآكلُهم ورياستُهم فلا مبالاةَ بما جَرَى على الدِّين، وخيارُهُم المتحزِّنُ المُتلمِّظ، ولو نُوزِعَ في بعضِ ما فيه غضاضةٌ عليه في جاهِه أو مالِه لبذلَ وتبذَّلَ وجَدّ واجتهد، واستعمل مراتبَ الإنكارِ الثلاثةَ بحسب وُسْعِه، وهؤلاء مع سقوطِهم من عينِ الله ومَقْتِه لهم قد بُلُوا في الدنيا بأعظمِ بلِيّةٍ تكون وهم لا يشعرون، وهو موتُ القلب، فإنَّ القلبَ كلما كانت حياتُه أتمَّ كان غضبُه للهِ ورسولِه أقوى، وانتصارُه للدِّين أكملَ)) (٢).
يا أخا الإسلام: ومن الإمام ابنِ القيِّم ﵀ إلى الإمام محمدِ بن عبد الوهاب ﵀ .. حيث يُجمِعُ هؤلاءِ على ضرورةِ الانتصارِ للدين وحمايةِ الحُرُماتِ والقيامِ بواجب الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكَر، ويقول الشيخ حمدُ بن عتيق ﵀:
стр. 2516
فَلو قُدِّر أن رجلًا يصومُ النهارَ ويقومُ الليلَ ويزهدُ في الدنيا كلِّها، وهو مع ذلك لا يغضبُ ولا يتمعَّرُ وجهُه ولا يحمرُّ لله، فلا يأمرُ بمعروفٍ ولا ينهى عن منكرٍ، فهذا الرجلُ من أبغضِ الناسِ عند اللهِ وأقلِّهم دِينًا .. إلى قوله: وقد حدَّثني من لا أتَّهِمُ عن الشيخ محمدِ بنِ عبدِ الوهاب - رحمه الله تعالى - أنه قال مرةً: أرى أُناسًا يجلسون في المسجدِ على مصاحفِهم يقرؤون ويَبكُون، فإذا رأوا المعروفَ لم يأمُروا به، وإذا رأوا المنكرَ لم يَنهَوْا عنه، وأرى أناسًا يَعكُفون عندهم يقولون: هؤلاء لِحى غوانمُ، وأنا أقول: إنهم لِحى فواين، فقال السامع: أنا لا أقدرُ أقول: إنهم لِحى فواينُ، فقال الشيخ: إنهم من العُمْي البكْم (١).
معاشرَ المسلمين: إنها خيريّةُ هذه الأُمةِ في قائمةِ شروطِها الأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكَر .. والغضبُ لله والانتصارُ لدينهِ .. تُرى أتكفي العُزلةُ والتعبُّدُ بعيدًا عن المجاهدةِ والأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر؟ إليكم هديَ واحدٍ من صحابةِ رسول الله ﷺ لقومٍ اعتزلوا يتعبَّدون، فقد أخرج البغويُّ في (شرح السُّنة ١٠/ ٥٤، ٥٥) عن الشَّعْبي قال: ((خرج ناسٌ من أهلِ الكوفة إلى الجَبَّانةِ (٢) يتعبَّدون، واتَّخَذُوا مسجدًا وبنَوْا بنيانًا، فأتاهم عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ فقالوا: مرحبًا بكَ يا أبا عبد الرحمن، لقد سرَّنا أن تزورَنا، قال: ما أتيتُكم زائرًا، ولستُ بالذي أَتركُ حتى يُهدَمَ مسجدُ الجَبَّان، إنكم لأهدى من أصحابِ رسول الله ﷺ ؟ ! أرأيتُم لو أن الناسَ صنعوا كما صنعتُم، مَن كان يُجاهدُ العدوَّ، ومَن كان يأمرُ بالمعروف وينهى عن المنكرِ، ومن كان يُقيم الحدودَ؟ ارجِعُوا فتعلَّموا ممَّن هو
стр. 2517
أعلمُ منكم، وعلِّموا من أنتم أعلمُ منهم، قال: واسترجَعَ، فما بَرِحَ حتى قَلَعَ أبنيتَهم وردَّهم)).
أعوذ بالله من الشيطانِ الرجيمِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١).
стр. 2518
الخطبةُ الثانية:
إخوةَ الإسلام: وحين نُورِدُ هذه النصوصَ وتلك الرُّؤَى لعلماءَ ربانيين .. لَنؤكِّدُ من خلالِها على قيمةِ الأمر بالمعروفِ والنهيِ عن المنكر والدعوةِ لدين الله .. وإذا كان ذلك مطلَبًا في كلِّ الأحوال والظروف فالأمرُ يتأكَّدُ في أزمانِ الفتن، وعلى حينِ غفلةِ الناس وانشغالِهم عن الأمرِ والنهي والدعوةِ وبذْلِ الخير.
ونؤكِّد ذلك كذلك لأن أزمانَ الشدائدِ والنوازِل فرصةٌ لأصحاب الرِّيبِ وأهلِ الأهواء، وأصحابِ الشهوات .. لينطلقوا بباطلِهم وخُبْثِهم مُستغلِّين غفلةَ الناسِ عنهم بأحداثٍ نازلةٍ بهم، ومن هنا فلا بدَّ من التنبهِ والعمل والدعوةِ والأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاصرةِ المُبْطِلين .. وكلُّ مسلمٍ على قَدْرِ طاقتهِ وجهدِه، ويكفيه أن يستشعرَ أنه على ثغرةٍ من ثغراتِ الإسلام، فاللهَ اللهَ أن يُؤتَى الإسلامُ من قِبَلِه، وليحذرْ أن يتسللَ الأعداءُ من ثغرِه.
عبادَ الله: ومَن قرأَ التاريخَ بعنايةٍ وتمعَّن بالذاتِ في السيرةِ النبوية وجدَ أن المنافقين وأهلَ الريب يتربَّصون بالمسلمين الدوائرَ في كلِّ حين، ولكنهم يَنشَطُون أكثرَ في الأوقاتِ العصيبةِ على المسلمين، يُرجِفون ويتَّهمون، ويَسخَرُون ويتشَفَّوْن .. ومواقفُهم في غزوة (أُحدٍ) و (الأحزاب) و (المُريسِيع) و (تبوكَ) خيرُ شاهدٍ على ما نقول.
أجل، لقد فَضَحَهم القرآنُ في (أُحد) بقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ (١).
بسلوكياتهم، ويُرتِّبون لباطِلهم في حين غفلةِ الناسِ عنهم .. إن الأمرَ من الأهميةِ والخطورةِ بحيثُ يستدعي اهتمامَنا جميعًا بهؤلاء المتسلِّلين، وذلك على مستوى الفردِ والدولةِ حتى لا نفاجَأ بعدَ حين بعملٍ مُشين لأصحاب السوءِ أُحكِمَتْ خيوطُه على حينِ غفلةٍ؟
أيها المسلمون: ومع التحوُّط والحذرِ في كلِّ ما يهدِمُ المعتقدَ أو يُخِلُّ بالأمن - وتلك مسؤوليتُنا جميعًا - فَثمَّةَ مبشِّراتٌ في أزمانِ الشدائد تؤكِّدُ قولَه تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (١).
فكم من شابٍّ غافلٍ سادرٍ في لهوِه لكنه استيقظَ على مطارقِ الأعداءِ يتَّهمون الإسلامَ ويُهدِّدون المسلمين، فتحرَّكتْ عاطفتُه وأقبلَ إلى ربِّه تائبًا مُنِيبًا واضعًا لنفسِه رقمًا صحيحًا في أعدادِ المسلمين.
وكم من فتاةٍ كانت تركُضُ وراءَ الموضةِ وتغرَقُ في تقليدِ المرأة الأجنبيةِ الكافرة فجاءتِ الأزمةُ موقِظةً لضميرِها، محرِّكةً لأصالتِها، باحثةً عن هويتِها المسلمةِ، مدرِكةً لخطإِ مسيرتِها ومعاهدةً ربَّها على بُغضِ الكافراتِ وحبِّ المؤمنات، فعاد الحياءُ خُلُقَها، والحجابُ عزَّتَها وفخرَها.
وكم من غنيٍّ أوجعتْهُ صيحاتُ الجَوْعى من المسلمين تملأُ الآفاقَ، وآلمَهُ الموتُ الجماعيُّ للأطفالِ والشيوخ والنساءِ مرضًا أو جوعًا أو قتلًا فأنفق من مالِه لهؤلاءِ وأولئك بسخاءٍ.
أيها المسلمون: وحين تَنشَطُ الكنيسةُ الغربيةُ في هذه الأزمةِ، ويسافر البابا - رغمَ المخاطر - بحثًا عن نصيبِه في الغنيمة .. يأبى اللهُ إلا أن يُتِمَّ نورَه ويُظهِرَ دينَه الحقَّ - ولو في حين ضعفِ المسلمين - فتنفَدُ المصاحفُ في عددٍ من
стр. 2521
الدُّولِ الغربية، ويُقبِلُ الغربيون بشكلٍ عجيب على الكتبِ الإسلامية والتعرُّفِ من خلالِها على الإسلام .. وفي إحدى الصحفِ المحليةِ جاء العنوانُ التالي: رُبَّ ضارَّةٍ نافعة [نفادُ المطبوعاتِ التعريفيةِ بالإسلام في أمريكا] وتحت الخبرِ وردَ: إنَّ جميعَ المطبوعاتِ والنَّشَراتِ التعريفيةِ الخاصةِ بالمفاهيم الأساسية للدِّينِ الإسلاميِّ قد نَفِدَت كلُّها، وقد بعثَ المُشرِفُ على مكتبِ النَّدوةِ العالميةِ للشبابِ الإسلاميِّ في الولايات المتحدةِ مُفيدًا أن الحاجةَ ماسَّةٌ لإعادة طباعةِ أكثرَ من ستِّمائة ألفِ نشرةٍ تعريفيّةٍ عن الإسلام في الوقتِ الراهن، وتطلبُ الندوةُ المشاركةُ في دعمِ هذا المشروعِ الدَّعويِّ (١).
ولعلَّ ذلك يقودُ أعدادًا كثيرةً للإسلام: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢).
стр. 2522
المسلمون بين فكَّيِ الكمّاشة (١)
الخطبةُ الأولى:
الحمدُ لله ربِّ العالمين شرَّفنَا بالإسلامِ وهَدَانا بالقرآن، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له جعلَنا خيرَ الأمم، وجعلَ كتابَنا مصدِّقًا للكتبِ السماوية السابقةِ ومُهَيمِنًا عليها، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه خاتَمُ المرسلين وأفضلُهم، اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ عليه وعلى سائرِ الأنبياء والمرسَلين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (٣).
إخوةَ الإسلام: المتأمِّلُ في كتابِ الله يجِدُ فيه شعورًا كاذبًا عند اليهودِ والنصارى بالتميُّزِ على غيرِهم، وفضلًا مزيَّفًا لا يتَّسعُ لغيرِهم من الشعوب والأمم، وقد كذَّب اللهُ هذه الدعاوَى كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (٤).
стр. 2523
وإذا وَقَعَ هذا الشعورُ الخاطئُ في زمنِ النبوة، وتطاوَلَ اليهودُ على محمدٍ ﷺ حينما كلَّمَ نفرًا من اليهود ودعاهم إلى اللهِ وحذَّرهم نقمتَه، فقالوا: ما تُخوِّفنا يا محمدُ؟ نحنُ أبناءُ اللهِ وأحبَّاؤُه!
فكذلك النصارى نَكَصُوا عن الحقّ واستكبروا عن إتِّباعِ المرسلين وإن أيقنوا بصِدْقِ محمدٍ ﷺ ، ومعرفتِهم بمبعثِه، بل قال هِرقلُ - عظيمُ الروم -: وقد كنتُ أعلمُ أنه - يعني النبيَّ ﷺ خارجٌ، لم أكن أظنُّ أنه منكم، فلو أني أعلمُ أني أَخلُصُ إليه لتجشَّمتُ لقاءَه، ولو كنتُ عنده لغَسَلْتُ عن قدمِه .. بل قال هرقلُ - وقد جمع الرومَ في دَسْكَرَةٍ له بحمصَ -: يا معشرَ الروم: هل لكم في الفلاحِ والرُّشدِ وأن يَثبُتَ مُلْكُكُم؟ فتبايعوا هذا النبيَّ (١).
ومع ذلك استكبرَ الخبيثُ وضنَّ بمُلكِه، وقاتلَ المسلمين في معركةِ مُؤْتة (٢).
أيها المسلمون: إذا وقعَ هذا الشعورُ الخاطئُ والاستكبارُ عن الحقِّ من اليهود والنصارى في زمنِ البعثةِ؛ والرسولُ ﷺ هو الداعي، والمسلمون حينها أعزّةٌ - فمِن بابِ أَوْلى أن تتكررَ هذه المشاعرُ في زمنِ ضعفِ المسلمين وبُعدِهم عن زمنِ النبوة، وتكاثُرِ اليهود والنصارى وغلبتِهم.
بل نجدُ في تقاريرِ اليهود اليومَ أكبرَ من هذا، ويقولون في أحدِ هذه التقارير: ((حينما نمكِّنُ لأنفسِنا فنكون سادةَ الأرض لن نُبيحَ قيامَ أيِّ دينٍ غيرِ دينِنا .. )) (٣).
وجاء في تلمودِهم: ((إن الإسرائيليَّ معتبَرٌ عندَ الله أكثرَ من الملائكة، فإذا ضرب أُمِّيٌّ إسرائيليًا فكأنه ضربَ العزّةَ الإلهية، وإن اليهوديَّ جزءٌ من الله، كما
стр. 2524
أن الابنَ جزءٌ من أبيه)) (١). تعالى اللهُ عما يقولُ الظالمون علوًا كبيرًا)).
وهذا كلُّه لا يعني إغفالَ دعوتِهم لكنه بيانٌ لحقيقةٍ كامنةٍ عندهم، وتوجيهٌ لأسلوبِ التعامل معهم.
أيها المؤمنون: إن القرآن مَورِدٌ لا يَنضَب، وقد كشفَ اللهُ للمؤمنين بالوحي خصائصَ وطبائعَ الأجدادِ ليُعلِّمَ المسلمين كيف يتعاملون مع الأحفادِ من اليهود، وهنا يمكنُ القولُ بأنَّ القرآنَ خاطبَ يهودَ البعثةِ بجرائمِ آبائِهم وأجدادِهم، وعَرَضَ لممارساتِهم مع النبوةِ، ونكولِهم عن العهدِ، وتحريفِهم للكَلِم، وكَنزِهم للذهبِ والفضة، وإشاعتِهم للربا، والإيمانِ ببعضِ الكتاب والكفرِ ببعضِه، وادِّعائِهم بأنهم أبناءُ اللهِ وأحبّاؤُه - إلى آخر صفاتِهم - مع أنَّ المسؤوليةَ في الإسلامِ فرديةٌ، فلا يُحمَّلُ الأبناءُ تَبِعَةَ وأوزارَ الآباء ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢) ولكنَّ الحكمَ - والله أعلم - في إيراد هذه النماذجِ والانحرافاتِ السابقةِ لليهود .. للتأكيدِ على أنَّ هذه الصفاتِ والخصائصَ متأصِّلةٌ ومتوارثةٌ من الآباءِ إلى الأبناء، إلى درجةٍ أصبحتْ وكأنها جِبلَّةٌ لا ينفكُّ عنها يهودُ، وستَصدقُ على الأحفادِ كما مارسها الأجدادُ، بل سوف تستمرُّ وتبقى هذه الخصائصُ منحدرةً في نسلِ اليهود، خالدةً مع الزمن، متجدِّدةً عبرَ الأحداثِ والصراعات .. ما بقي اليهودُ. ونحن اليومَ نشهدُ على استمرارِ هذه الخصائصِ عند يهودَ (٣).
عبادَ الله: وإذا كان أهلُ القرآنِ لا يشكُّون في عداوةِ اليهودِ والنصارى
стр. 2525
للمسلمين، والله يقولُ في مُحكَم التنزيل: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (١).
فينبغي أن لا نشكَّ في تقارُبِ الديانتينِ والجنسينِ - رَغْمَ ما بينَهم من خلافٍ - وتعاونِهما في ضربِ المسلمين.
وتقولُ الدراساتُ والبحوثُ: إن اليهود ساهموا في صياغةِ عقائدِ النصارى عبرَ القرون، وإنَّ عددًا من قادةِ النصارى يَرجِعون إلى أصولٍ يهودية، أو أصدقاءُ لليهود، من أمثالِ (كالفين) و (مارتن لوثر) وهما من زعماءِ حركاتِ الإصلاحِ الدِّيني في أوروبا - كما يزعمون - (٢).
بل يقال: إذا كان ستون بالمائةِ من الأمريكيين ٦٠% هم بروتستانت فإن خمسةَ عشرَ بالمائة - تقريبًا - من قُسُسِ البروتستانت الذين يُمارِسون الوعظَ يومَ الأحدِ في الكنائسِ النصرانية من اليهود! وأن البروتستانت يستعملون في صلواتِهم التوراةَ (العهد القديم) وأنهم - يعني النصارى - يؤمِنون بفكرةِ أرضِ الميعاد، وإعادةِ بناءِ الهيكل والوعدِ الإلهي لإسرائيل (٣).
أيها المسلمون: ونحنُ على أرض الواقع اليومَ نشهدُ التحالفَ والتآزُرَ بينَ اليهودِ والنصارى .. بل نشهدُ ما هو أسوأُ من ذلك في حصارِ المسلمين من قِبَلِ اليهودِ والنصارى .. ففي الأراضي المقدَّسةِ وعلى مَرْأى العالمِ كلِّه يُمارس اليهودُ الصَّلف والانتقامَ بأبشع صُوَرِهِ، مستغلِّين الأوضاعَ العالمية الراهنةَ، وتَدخُل الجرافاتُ المدنَ الفلسطينية لتهدمَ البيوتَ على مَن فيها مِن النساءِ