← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

الدُّولِ الغربية، ويُقبِلُ الغربيون بشكلٍ عجيب على الكتبِ الإسلامية والتعرُّفِ من خلالِها على الإسلام .. وفي إحدى الصحفِ المحليةِ جاء العنوانُ التالي: رُبَّ ضارَّةٍ نافعة [نفادُ المطبوعاتِ التعريفيةِ بالإسلام في أمريكا] وتحت الخبرِ وردَ: إنَّ جميعَ المطبوعاتِ والنَّشَراتِ التعريفيةِ الخاصةِ بالمفاهيم الأساسية للدِّينِ الإسلاميِّ قد نَفِدَت كلُّها، وقد بعثَ المُشرِفُ على مكتبِ النَّدوةِ العالميةِ للشبابِ الإسلاميِّ في الولايات المتحدةِ مُفيدًا أن الحاجةَ ماسَّةٌ لإعادة طباعةِ أكثرَ من ستِّمائة ألفِ نشرةٍ تعريفيّةٍ عن الإسلام في الوقتِ الراهن، وتطلبُ الندوةُ المشاركةُ في دعمِ هذا المشروعِ الدَّعويِّ (١). ولعلَّ ذلك يقودُ أعدادًا كثيرةً للإسلام: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢).

стр. 2522

المسلمون بين فكَّيِ الكمّاشة (١) الخطبةُ الأولى: الحمدُ لله ربِّ العالمين شرَّفنَا بالإسلامِ وهَدَانا بالقرآن، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له جعلَنا خيرَ الأمم، وجعلَ كتابَنا مصدِّقًا للكتبِ السماوية السابقةِ ومُهَيمِنًا عليها، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه خاتَمُ المرسلين وأفضلُهم، اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ عليه وعلى سائرِ الأنبياء والمرسَلين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (٣). إخوةَ الإسلام: المتأمِّلُ في كتابِ الله يجِدُ فيه شعورًا كاذبًا عند اليهودِ والنصارى بالتميُّزِ على غيرِهم، وفضلًا مزيَّفًا لا يتَّسعُ لغيرِهم من الشعوب والأمم، وقد كذَّب اللهُ هذه الدعاوَى كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (٤).

стр. 2523

وإذا وَقَعَ هذا الشعورُ الخاطئُ في زمنِ النبوة، وتطاوَلَ اليهودُ على محمدٍ ﷺ حينما كلَّمَ نفرًا من اليهود ودعاهم إلى اللهِ وحذَّرهم نقمتَه، فقالوا: ما تُخوِّفنا يا محمدُ؟ نحنُ أبناءُ اللهِ وأحبَّاؤُه! فكذلك النصارى نَكَصُوا عن الحقّ واستكبروا عن إتِّباعِ المرسلين وإن أيقنوا بصِدْقِ محمدٍ ﷺ ، ومعرفتِهم بمبعثِه، بل قال هِرقلُ - عظيمُ الروم -: وقد كنتُ أعلمُ أنه - يعني النبيَّ ﷺ خارجٌ، لم أكن أظنُّ أنه منكم، فلو أني أعلمُ أني أَخلُصُ إليه لتجشَّمتُ لقاءَه، ولو كنتُ عنده لغَسَلْتُ عن قدمِه .. بل قال هرقلُ - وقد جمع الرومَ في دَسْكَرَةٍ له بحمصَ -: يا معشرَ الروم: هل لكم في الفلاحِ والرُّشدِ وأن يَثبُتَ مُلْكُكُم؟ فتبايعوا هذا النبيَّ (١). ومع ذلك استكبرَ الخبيثُ وضنَّ بمُلكِه، وقاتلَ المسلمين في معركةِ مُؤْتة (٢). أيها المسلمون: إذا وقعَ هذا الشعورُ الخاطئُ والاستكبارُ عن الحقِّ من اليهود والنصارى في زمنِ البعثةِ؛ والرسولُ ﷺ هو الداعي، والمسلمون حينها أعزّةٌ - فمِن بابِ أَوْلى أن تتكررَ هذه المشاعرُ في زمنِ ضعفِ المسلمين وبُعدِهم عن زمنِ النبوة، وتكاثُرِ اليهود والنصارى وغلبتِهم. بل نجدُ في تقاريرِ اليهود اليومَ أكبرَ من هذا، ويقولون في أحدِ هذه التقارير: ((حينما نمكِّنُ لأنفسِنا فنكون سادةَ الأرض لن نُبيحَ قيامَ أيِّ دينٍ غيرِ دينِنا .. )) (٣). وجاء في تلمودِهم: ((إن الإسرائيليَّ معتبَرٌ عندَ الله أكثرَ من الملائكة، فإذا ضرب أُمِّيٌّ إسرائيليًا فكأنه ضربَ العزّةَ الإلهية، وإن اليهوديَّ جزءٌ من الله، كما

стр. 2524

أن الابنَ جزءٌ من أبيه)) (١). تعالى اللهُ عما يقولُ الظالمون علوًا كبيرًا)). وهذا كلُّه لا يعني إغفالَ دعوتِهم لكنه بيانٌ لحقيقةٍ كامنةٍ عندهم، وتوجيهٌ لأسلوبِ التعامل معهم. أيها المؤمنون: إن القرآن مَورِدٌ لا يَنضَب، وقد كشفَ اللهُ للمؤمنين بالوحي خصائصَ وطبائعَ الأجدادِ ليُعلِّمَ المسلمين كيف يتعاملون مع الأحفادِ من اليهود، وهنا يمكنُ القولُ بأنَّ القرآنَ خاطبَ يهودَ البعثةِ بجرائمِ آبائِهم وأجدادِهم، وعَرَضَ لممارساتِهم مع النبوةِ، ونكولِهم عن العهدِ، وتحريفِهم للكَلِم، وكَنزِهم للذهبِ والفضة، وإشاعتِهم للربا، والإيمانِ ببعضِ الكتاب والكفرِ ببعضِه، وادِّعائِهم بأنهم أبناءُ اللهِ وأحبّاؤُه - إلى آخر صفاتِهم - مع أنَّ المسؤوليةَ في الإسلامِ فرديةٌ، فلا يُحمَّلُ الأبناءُ تَبِعَةَ وأوزارَ الآباء ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢) ولكنَّ الحكمَ - والله أعلم - في إيراد هذه النماذجِ والانحرافاتِ السابقةِ لليهود .. للتأكيدِ على أنَّ هذه الصفاتِ والخصائصَ متأصِّلةٌ ومتوارثةٌ من الآباءِ إلى الأبناء، إلى درجةٍ أصبحتْ وكأنها جِبلَّةٌ لا ينفكُّ عنها يهودُ، وستَصدقُ على الأحفادِ كما مارسها الأجدادُ، بل سوف تستمرُّ وتبقى هذه الخصائصُ منحدرةً في نسلِ اليهود، خالدةً مع الزمن، متجدِّدةً عبرَ الأحداثِ والصراعات .. ما بقي اليهودُ. ونحن اليومَ نشهدُ على استمرارِ هذه الخصائصِ عند يهودَ (٣). عبادَ الله: وإذا كان أهلُ القرآنِ لا يشكُّون في عداوةِ اليهودِ والنصارى

стр. 2525

للمسلمين، والله يقولُ في مُحكَم التنزيل: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (١). فينبغي أن لا نشكَّ في تقارُبِ الديانتينِ والجنسينِ - رَغْمَ ما بينَهم من خلافٍ - وتعاونِهما في ضربِ المسلمين. وتقولُ الدراساتُ والبحوثُ: إن اليهود ساهموا في صياغةِ عقائدِ النصارى عبرَ القرون، وإنَّ عددًا من قادةِ النصارى يَرجِعون إلى أصولٍ يهودية، أو أصدقاءُ لليهود، من أمثالِ (كالفين) و (مارتن لوثر) وهما من زعماءِ حركاتِ الإصلاحِ الدِّيني في أوروبا - كما يزعمون - (٢). بل يقال: إذا كان ستون بالمائةِ من الأمريكيين ٦٠% هم بروتستانت فإن خمسةَ عشرَ بالمائة - تقريبًا - من قُسُسِ البروتستانت الذين يُمارِسون الوعظَ يومَ الأحدِ في الكنائسِ النصرانية من اليهود! وأن البروتستانت يستعملون في صلواتِهم التوراةَ (العهد القديم) وأنهم - يعني النصارى - يؤمِنون بفكرةِ أرضِ الميعاد، وإعادةِ بناءِ الهيكل والوعدِ الإلهي لإسرائيل (٣). أيها المسلمون: ونحنُ على أرض الواقع اليومَ نشهدُ التحالفَ والتآزُرَ بينَ اليهودِ والنصارى .. بل نشهدُ ما هو أسوأُ من ذلك في حصارِ المسلمين من قِبَلِ اليهودِ والنصارى .. ففي الأراضي المقدَّسةِ وعلى مَرْأى العالمِ كلِّه يُمارس اليهودُ الصَّلف والانتقامَ بأبشع صُوَرِهِ، مستغلِّين الأوضاعَ العالمية الراهنةَ، وتَدخُل الجرافاتُ المدنَ الفلسطينية لتهدمَ البيوتَ على مَن فيها مِن النساءِ

стр. 2526

والصِّبْية .. وتُصوِّبُ الأعيرةُ الناريةُ إلى صدورِ الرجالِ والشباب .. وفي كل يومٍ مذبحةٌ، وهناك يشاعُ الرعبُ عبرَ الطائراتِ والقنابلِ والمدفعيات، ولا تسألْ عن الإفسادِ في المقدَّسات وممارسةِ الحفرياتِ لبناء الهيكلِ المزعومِ. وعلى أرضِ أفغانستانَ يتنادى النصارى من كلِّ صَوْبٍ إلى هذا البلدِ الفقيرِ والشعبِ المسكين .. وعلى مدى ما يزيدُ على شهرٍ والطائراتُ تقصفُ تُشِيعُ الرعبَ وتقتلُ الآمنين، وتتقصَّدُ البُنَى لتجعلَها أنقاضًا حتى لا يُستفادَ منها مستقبلًا .. بل تجاوزتْ إلى المساجدِ المعمورة بالمصلِّين فهدَّمتْها وربما قتلتْ مَن فيها من المصلِّين - وإلى المساكنِ الآمنةِ حيث لم تَسلَم من قصفِ المجرمين .. وفي كل مرةٍ يقعُ مثلُ هذه الاعتداءاتِ الصارخة يُعتذَرُ بالخطأ، وعدمِ تحديد الهدفِ بدقَّةٍ أو تُضرَبُ الفنادقُ بحجةِ أن فيها مُحتمِين .. وهدفُ التدمير واضحٌ والظلمُ وإفسادُ الحرثِ والنسلِ قديمٌ يتجدَّد؟ تُرى أيهنَأُ للمسلمين عيشٌ وإخوانُهم المسلمون يتساقطون ضحايا بينَ فكَّيْ كمّاشةِ اليهودِ والنصارى؟ ! أيُّ قلبٍ يعتصرُه الأسى؟ وأيُّ عينٍ تبخلُ بالبكاء، وأيُّ يدٍ تَتردَّدُ في البذلِ والعطاء؟ أيُّ مشاعرَ لا تتحرَّكُ وسطَ بِرَكِ الدماء، وعلى أشْلاءِ القتلى والجرحى؟ ! والعالَمُ كلُّه يشهدُ أنّ البيِّنةَ غائبةٌ والتهمةَ كافيةٌ! يا أبناءَ فلسطينَ وشعبَ الأفغان في سبيلِ أن تحيا المشاعرُ الإسلاميةُ لأمةِ المِلْيار! ! ولتستمرَّ قنابلُ الغربِ التي بلغ وزنُ الواحدةِ منها مؤخَّرًا رقمًا خياليًا وهذه القنبلةُ (٨٢) تستخدمُ اليومَ في حربِ أفغانستان، وقد اعترضتْ جماعةُ حقوقِ الإنسان على استخدامها، فالاتفاقياتُ الدوليةُ تَحظُر استخدامَها في المناطقِ

стр. 2527

المأهولةِ بالسكان (١)، ومن المضحِكِ المُبْكي أن إحدى شعاراتِ هذه الحربِ في أفغانستان (العدالةُ)! ولكن مَن يضعُ هذه القوانينَ ومن يحميها؟ ومَن له حقُّ الاعتراضِ أو المناقشةِ فيها. تتفجر في أرضِ الأفغان ليتفجَّر معها كُرْهُ الشعوبِ المسلمة لرائدةِ السلامِ المزعوم، وينكشفَ القناعُ والخداع عن المصطلحاتِ الكاذبة من الحريةِ والعدل وحقوقِ الإنسان، ويعودَ المسلمون إلى هَدْيِ القرآن في معرفةِ الأصدقاء من الأعداء. إن من الخطأ أن يعتقد مسلمٌ أو غيرُ مسلمٍ أن جذورَ الإسلام تُجتَثُّ بهذه الممارساتِ البَشِعة .. بل إن هذا العدوانَ من اليهودِ والنصارى على المسلمين يُمثِّلُ أرضيةً تُنبِتُ العزةَ والكرامةَ للمسلمين، تُوقِظُ النائمين وتنبِّه الغافلين وتردُّ الشاردين، وتُحسِّس المسلمين أجمعَ بقيمةِ إسلامهم الذي أضحى خطرًا يهدِّد الآخرين، ويتحالفون من أجلِه لضربِ المسلمين، وصدقَ الله: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٢). أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ (٣).

стр. 2528

الخطبة الثانية: الحمدُ لله ربِّ العالمين يجعلُ بعدَ العُسرِ يسرًا، وبعدَ الكَرْبِ والشِّدةِ فَرَجًا ونصرًا، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ (١)، وحكمَ بأن جندَه هم الغالبون، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه جاهدَ في الله حقَّ جهادِه حتى أتاه اليقينُ .. بعد أن رسمَ الطريقَ للسالكين .. اللهمَّ صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائرِ النبيين والمرسَلين. إخوةَ الإسلام: وفي هذه الأيامِ يترقَّبُ المسلمون شهرَ الصيامِ وهم بينَ الألمِ والأمل .. لكنهم بكلِّ حالٍ فَرِحون إذ يحلُّ شهرُ رمضانَ ضيفًا عزيزًا، ومَرْتعًا خِصْبًا لعملِ الصالحات. إنَّ شهرَ رمضانَ شهرُ القرآن ففيه أُنزِلَ .. وفيه كان جبريلُ ﵇ يُدارِسُ محمدًا ﵊ القرآنَ. ورمضانُ فرصةٌ لمدارسةِ القرآنِ ومعرفةِ أحكامِه والاهتداءِ بهَدْيِه .. وكم في القرآنِ من هدايةٍ ودليلٍ طالما غابتْ عن المسلمين! وكم في القرآنِ من أحكامٍ ومفاهيمَ طالما هُجِرَت من نفرٍ من المسلمين! إنَّ في القرآنِ هدًى وشفاءً، فهل نهتدي ونتداوَى بالقرآن؟ ألا ويحَ من اتخذَ هذا القرآنَ مهجورًا؛ وهجرُ القرآنِ سواء كان بهجرِ تلاوِته أم بهجرِ العمل به. ويَفرَحُ المسلمون بشهرِ الصيام، لأن الصائمين يتزوَّدونَ بالصبرِ والتقوى، وهذانِ من أعظمِ الأسلحةِ الواقيةِ من الأعداء ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٢).

стр. 2529

ويفرحُ المسلمون بشهرِ رمضان حيثُ للدعاءِ فيه سهمٌ ومكانةٌ لا تخفى، كيف لا وآيةُ الدعاءِ في قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (١). جاءتْ على إثرِ آياتِ الصيام وشهرِ رمضانَ. وإذا كان بعضُ المسلمينَ يجهلُ قيمةَ الدعاء، أو لا يقدِّرُ الدعاءَ حقَّ قدرِه .. فَثمَّة طوائفُ من أعداءِ هذا الدِّينِ - قديمًا وحديثًا - يُخِيفُهم الدعاءُ، ويتحاشَوْنَ دعاءَ المسلمين .. فهل يستثمرُ المسلمون شهرَ الصيام للدعاءِ لهم ولإخوانِهم المسلمين وعلى أعدائِهم من اليهودِ والنصارى والمشركين والمنافقين؟ هل يُلِحُّ الصائمُ على ربِّه في إصلاح قلبِه وفي حفظِ دينِه وأمانتِه في وقتٍ باتَتِ الفتنُ تَتْرَى على المسلمين، وبات التحدي العَقَدي يمثِّلُ منعطفًا واضحًا في حياة الأمم والشعوب، نعم إنَّ أحداثَ اليوم تقولُ للمسلم بلسانِ حالها ومقالِها: إن اليهوديَّ يتحمَّسُ لديانتِه، ويناضلُ من أجلِها، بل ويقتلُ ظلمًا وعدوانًا من يخالفُه عليها، وإن النصرانيَّ والبُوذيَّ وأضرابَهم كذلك، فأين يكون موقعُ المسلمِ صاحبُ الدِّينِ الحقِّ، وصاحبُ القِسْطاسِ المستقيم؟ أيظلُّ المسلمون في لَهْوِهم وغفلتِهم سادرون، والأعداءُ يَنهَشُون في أطرافِهم، وكلما أجهزوا على فئةٍ اتجهوا للأخرى .. وهكذا؟ إنَّ أخشى ما يخشاه أعداؤنا أن تحيا فينا مشاعرُ الإسلام الصادقةِ والمنضبطةِ والمُلْجَمة بلجامِ الشرع .. والمنبثقةِ من هَدْي القرآن وتعاليمِ محمدٍ ﷺ . ولذا تردَّدَ الحديثُ عن إيقافِ الحَمَلاتِ العسكريةِ في شهر رمضان أَترونَ ذلك احترامًا لمشاعرِ المسلمين وتقديرًا لقُدْسيةِ شهرِ رمضان؟ فأين تقديرُ الحُرْمةِ للدماءِ المسلمة، وأين المشاعرُ النبيلةُ وأطفالُ المسلمين يموتون جوعًا أو قَصْفًا

стр. 2530

بحصارِهم وسلاحِهم .. إنها تحوُّطٌ وتخوُّفٌ لأنْ ينفجرَ البركانُ ويتحرَّكَ الإعصارُ .. لا سيما ومخزونُ الأمةِ المسلمة من الأسى والحسرة والكُرْه للمجرمين قد بلغ الزُّبَى .. واستفزازاتُ اليهودِ والنصارى للمسلمين في كلِّ مكان لا مَزِيدَ عليها. إن المسلمين حين يَرصُّون صفوفَهم ويوحِّدون كلمتَهم وينصرونَ إخوانَهم ينكشفُ عَوَرُ أعدائهم أكثرَ .. لا سيما وقد بدأ العَوَرُ يُكشَف وبدأتِ الصفحُ الغربية - غيرُ المسلمة - تُبرِزُ في عناوينها ما يكشفُ عن فشلِ الحملةِ العسكرية .. وخطأ القادةِ في خوض المعركة وبدؤوا يلومون غيرَهم ممن زوَّدهم بمعلوماتٍ مغلوطةٍ عن الأفغان كما يقولون. إن الغربَ يخسرُ بهذه المعركة غيرِ المتكافئة؛ يخسرُ سياسيًا واقتصاديًا - ويقال: إن تَكلِفةَ الحربِ يوميًا خمسُمائة مليونِ دولار، والله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ (١)، ويخسرون اجتماعيًا وإعلاميًا، ونقرأُ في الأخبارِ أن الرأيَ العامَّ الغربيَّ بدأ يتململُ من الحرب ويصفُها بأنها لم تَعُدْ حربًا على الإرهابِ قدَرَ ما هي حربٌ على الأفغان، ويصفون هذه المغالطةَ بالظلم المُجحِف (٢). وبدأَ الإعلامُ الغربيُّ يتخبَّطُ في التُّهمِ، فمرةً يشنُّ حربًا على كلِّ جمعيةٍ خيريَّةٍ - حتى ولو كانت إغاثيةً - ومرةً يشنِّعُ على الدولِ الإسلاميةِ، ثم يعودُ القادةُ يعتذرون .. وهكذا يَسُود التخبُّطُ والتناقضُ.

стр. 2531

وتلك الخسائرُ كلُّها مؤشِّراتٌ للهزيمةِ، وفاضحاتٌ للرمزِ الوهميِّ، والعملاقِ المصطنع! ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (١)، ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (٢).

стр. 2532

مشاريع رمضانية (١) الخطبةُ الأولى: الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ تفضّلَ على عبادِه بمواسمِ الطاعةِ ليتميزَ أُولو العزمِ والهمةِ .. ولينكشفَ على الحقيقة أصحابُ التراخي والمهانة، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ لهُ، أثنى على نفسِه خيرًا، وثنَّى بالتحيةِ على عبادِه الذين اصطفى، ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ (٢)، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه خيرُ البريةِ وأزكاها، صلى اللهُ عليه وعلى إخوانِه وآله، ورضيَ اللهُ عن الصحابةِ أجمعينَ والتابعينَ ومَن تَبعَهُم بإحسانٍ إلى يومِ الدين. معاشرَ المسلمينَ: بُشراكم جميعًا بشهرِ الصيامِ، أهلَّهُ اللهُ علينا بالأمنِ والإيمانِ والسلامةِ والإسلامِ، وجعله اللهُ علينا وعلى المسلمينَ شهرَ بركةٍ وخيرٍ ومغفرةٍ للذنوبِ ورفعةٍ للدرجاتِ. عبادَ الله: يحقُّ لنا أن نفرحَ بهذا الضيفِ العزيزِ بعدَ طولِ عناءٍ، وبعدَ رحلةٍ شاقةٍ في دروبِ الحياةِ الدنيا، تُملأُ بالصدودِ والإعراضِ، والإسرافِ في الذنوبِ، والظلمِ للنفسِ أو للآخرينَ، يشهدُ الكونُ فيها على الجِراحِ النازفة، والبلايا والخطوبِ النازلة، والفتنِ والملاحمِ المتتابعةِ، والضعفِ والفُرقةِ والتخاذُلِ بين المسلمينَ - إلا من رحمَ ربُّكَ وقليلٌ ما همْ - كيفَ لا نفرحُ فيكَ يا شهرَ الصيامِ ونفرٌ من المسلمينَ لا يُحِسُّون بآلامِ الجوعِ إلا حينَ يصومونَ! ! ومِنْ إخوانهمْ مَنْ يتضوَّرونَ جوعًا وهمْ مفطرونَ! !

стр. 2533

وكيف لا نفرحُ فيك يا شهرَ رمضانَ ونفرٌ من المسلمين تكادُ صِلتُهم بالقرآنِ مقطوعةً إلا في شهرِ رمضان! ! أجل لقد جَفّت مَآقِينا عن البكاء، فهل نجدُ فيك يا شهرَ الصيامِ باعثًا للبكاءِ من خَشْية الله؟ وطال سُباتُ نومِنا! فهل يكون شهرُ الصيام مُوقِظًا لقلوبِنا بالقيام، واختلط اللغوُ وكادت أصواتُ الخَنَا والغِناء أن تُصِمَّ الآذان، فهل تكونُ يا شهرَ الصيام سببًا لسلامةِ أسماعِنا؟ وتفنَّنَ الأعداءُ وأصحابُ الأهواء في إخراج الصُّورِ الفاضحةِ ليصدُّوا الناسَ ويَفتِنوهم - فهل يكون شهرُ رمضان سببًا في حفظِ أبصارِنا ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (١). معاشرَ الصائمين: إننا قبلَ الصيام وبعدَ الصيام مدعوُّون لأمرٍ عظيم هو غايةُ الصيام وحِكمتُه - وهو وصيةُ الله وكلمتُه - وسوقُه تَرُوج في الصيام أكثرَ من غيرِه، كيف لا وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢). إن التقوى وصيةُ الله للأوَّلين والآخِرين: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٣). وهي وصيتُه سبحانه لمحمدٍ ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ (٤).

стр. 2534

تَقْوى الله وصيتُه سبحانه للمؤمنينَ خاصةً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (١). وهي وصيتُه للناس كافةً: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ (٢). وبالتقوى أَوصى محمدٌ ﷺ على الدوامِ حيثما كان الزمانُ والمكانُ: ((اتقِ اللهَ حيثُما كنتَ)). إنَّ تقوى اللهِ نورٌ في القلوب تظهرُ آثارُه على الجوارح .. إنها سببٌ للفلاح والنجاح ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣)، ومنبعٌ للصلاح والإصلاح ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ (٤)، التقوى عِمادٌ للمؤمن في الدنيا وأَنيسُه في القبر، ودليلُه إلى جناتٍ ونَهَر. تقوى الله حِصنٌ حَصِين في الأزَمات، وذخيرةٌ عند الشدائدِ والمُلِمّات، وتثبِّتُ الأقدامَ في المزالق، وتربطُ القلوبَ في الفتن .. إنها أعظمُ كنزٍ يملكُه ويحملُه الإنسانُ في الدنيا، وأعظمُ زادٍ يَرِدُ به على اللهِ يومَ المَعادِ ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (٥). أفلا تستحقُّ بضاعةٌ تلك بعضُ صفاتِها وآثارِها أن يُسعَى لها؟ فهذا أوانُها وذلك الشهرُ خيرُ مُعينٍ على تحقيقِها، كم يدخلُ علينا من رمضان ولم نمتحِنْ أنفسَنا على اكتسابِ التقوى، فهل يكونُ العامَ - بآلامِهِ وآمالِه - فرصةً أكبرَ للتفطُّنِ

стр. 2535

لها ومَلءِ القلوبِ بها، وتسييرِ الجوارحِ على مقتضاها - إنه كسبٌ عظيمٌ وتجارةٌ رابحة - نسألُ الله أن يُعِينَنا على تحقيقِ التقوى؛ ومساكينُ مَنْ دخل عليهم رمضانُ وخرج ورصيدُ التقوى جامدٌ لا يتحرَّك، أو يتحرَّكُ ببطءٍ لا يكاد يُرى، إنني أدعو نفسي وإياكم إلى تحقيقِ التقوى، وأفتحُ لنفسي ولكم مشاريعَ تُسهِمُ في تحقيق التقوى، ومَن عمل صالحًا فلنفسِه ومَن أساءَ فعليها. أيها المسلمون: وأولُ هذه المشاريعِ الجالبةِ للتقوى التوبةُ النَّصُوحُ، فالتوبةُ هي بدايةُ الطريقِ ونهايتُه، وهي وظيفةُ العمر، وبدايةُ العبدِ ونهايتُه، ودليلُه إلى الخيرِ وسائقُه. وهي المنزلةُ التي يفتقرُ إليها السائرون إلى اللهِ في جميعِ مراحلِ سفرِهم، وحيث حلُّوا أو ارتحلوا. إنَّ التوبةَ ليست من منازلِ العُصاةِ والمُخلِّطين فحسبُ كما يظنُّ كثيرٌ من الناس - وإن كان هؤلاء العصاةُ أَحْوجَ من غيرِهم إليها - بل هي عامَّةٌ للطائعين والعابدين، وهذا سيدُ الطائعين وإمامُ العابدين محمدٌ ﷺ يخاطبُ الناسَ كافةً ويقول: ((يا أيُّها الناسُ تُوبُوا إلى اللهِ، فإني أتوبُ إلى الله في اليوم مائةَ مرةٍ)) رواه مسلم. وأهلُ الإيمان يُدعَوْنَ للتوبةِ ويقول سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١). إنه نداءُ الرحمن، أفلا تستجيبُ للديَّان ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ (٢).

стр. 2536

نعم يا عبادَ الله، كلُّنا محتاجٌ إلى التوبةِ النَّصُوح - فكلُّنا مخطِئون، وكلُّنا مُقصِّرون، وما أعظمَ ربَّنا وأرحمَه، وهو يَدعُونا إلى التوبةِ ليغفرَ لنا ذنوبَنا ويكفِّرَ سيئاتِنا وبها يدخلُنا ويُعِيذُنا من النار! إنها - أعني التوبةَ - تبدأُ بالهمةِ الصادقةِ وتستمرُّ بالعزيمةِ القوية، لتتحوَّلَ الشهواتُ المحرَّمة إلى طاعاتٍ وقُرُبات نأنَسُ بها في الدنيا، ونجدُ أجرَها يوم نرِدُ على الله. يا مَنْ غَلَبتْهم شهواتُهم وأهواؤُهم في رجبَ وشعبانَ - أفلا تَغلبِونها في رمضانَ ومِن بعدِ رمضان؟ ويا من سوَّفتَ في التوبة وأرجأتَ الإقلاعَ عن المعصية .. ها هو شهرُ رمضان حلَّ وما تدري أتدركُه عامًا آخرَ أم لا، بل ولستَ تدري أتُتِمُّ شهرَ الصيام حَيًّا .. أم تكونُ في عِدادِ الموتى وشهرُ الصيام لا يزال حيًّا؟ إنني أَدْعو نفسي وإياكَ للتوبةِ دائمًا .. وفي شهرِ الصيام فابدأْ وتوكَّلْ على الله، واعلمْ بأنك تَرِدُ على كريمٍ غفَّار يَبسُط يدَه بالليل ليتوبَ مسيءُ النهار، ويبسُط يدَه بالنهار ليتوبَ مسيءُ الليل - فلا تستكثرْ معاصِيَك عن التوبة .. وفتِّش وأنت أدري بنفسِك وبمعاصيك واعقِدِ العزمَ على التوبة، واحمَدْ ربَّك على أن بلَّغَك شهرَ رمضان، وستجدُ له طعمًا آخرَ حين تبدؤُه بالتوبةِ وتختمُه بالشكرِ والحمدِ لله، فما بكم من نعمةٍ فمِنَ الله .. ومَن شَكَر فإنما يشكُر لنفسه. أيها الراغبُ في التوبة، فإن قُلتَ: فما الطريقُ إلى التوبة، وهل من أمورٍ تُعِينُ على التوبة؟ فإليك عشرين طريقًا وسببًا للتوبة وهي: الإخلاصُ لله، وامتلاءُ القلبِ من محبَّتِه، المجاهدةُ، قِصَرُ الأمل، العلمُ، الاشتغالُ بما ينفعُ، البُعْدُ عن المُثِيراتِ ودواعي المعصية، غضُّ البصر، مصاحبةُ الأخيار، مجانبةُ الأشرار، النظرُ في العواقبِ، هجرُ العوائدِ، هجرُ العلائقِ - من دونِ الله -

стр. 2537

إصلاحُ الخواطر، استحضارُ فوائدِ تَرْك المعاصي، استحضارُ أنَّ الصبرَ على الشهوةِ أسهلُ من الصبرِ على ما تُوجِبُه الشهوةُ، الدعاءُ، الحياءُ، شرفُ النفسِ وزكاؤها، عرضُ الحالِ على من يُعِين ويُشِير بالخير (١). أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢).

стр. 2538

الخطبةُ الثانية: الحمدُ لله ربِّ العالمين، يَهدِي من يشاءُ ويُضِلُّ مَن يشاء، ومن يَهدي اللهُ فهو المهتدي، ومن يُضلِلْ فلن تجدَ له وليًا مرشدًا، والصلاةُ والسلام على المبعوثِ رحمةً للعالَمين، والسراجِ المنير، وعلى إخوانِه من النبيِّين. أيها الصائمُ: وثَمَّةَ مشاريعُ تؤكدُ حقيقةَ التقوى، ويُدلَّلُ بها على التوبةِ النَّصُوح - هذه المشاريعُ ساريةُ المفعولِ في كل حينٍ، ولكنها تَزكُو ويَعظُمُ أجرُها في شهرِ الصيام ومنها: مشروع الذِّكر والدعاء .. وكم نُفرِّط في الذِّكر وهو من أيسرِ العباداتِ وأزكاها، وخيرٌ من إنفاقِ الذهب والوَرِق، وخيرٌ لكم من أن تَلقَوْا عدوَّكَم فتضربوا أعناقَهم ويضربوا أعناقَكم .. وما أروعَ المسلمَ والمسلمةَ إذا ظلَّ لسانُهما رطبًا بذِكْر الله، وما أجملَ الصائمَ يُمضي شطرًا من ليلِه ونهارِه ذاكرًا لله .. يسجدُ ويَحمَدُ ويكبِّرُ ويهلِّلُ، يستغفرُ لنفسِه ولوالديهِ والمؤمنين، ويدعو بما شاءَ من خَيرَي الدنيا والآخرةِ، ولا يخصُّ بالدعوةِ نفسَه بل يشملُ غيرَه، ففضلُ الله واسعٌ والمَلَكُ الموكَّلُ بالدعاءِ للآخرين بظَهر الغيب يقول للداعي: ولكَ بمِثْلِ ما دعوتَ به. أيها الداعون ولا تنسَوْا أمواتَكم بالدعاء، وتعلَّموا آدابَ وسننَ الدعاء. يا عبدَ الله، كم في الذِّكرِ من فائدةٍ - وقد أوصلَها بعضُهم إلى المائة أو تزيدُ - وكم نُخطئُ بالليلِ والنهارِ وفي الاستغفار تُحرَقُ الخطايا وتذوبُ؟ وكم لنا من حاجةٍ؟ وكم بإخوانِنا المسلمين من بَأْساءَ؟ فهل نتضرَّعُ إلى اللهِ بالدعاء لرفعِها، والكريمُ يقولُ لنا: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (١) وللصائم دعوةٌ لا تُرَدُّ، لا سيما عندَ فِطْرِه، وفي الأسحارِ وبينَ الأذانِ والإقامة، وفي السُّجود،

стр. 2539

وحين تَلِينُ القلوبُ، ونحوِها من مواطنِ إجابة الدعاء - فهل نَستثمرُ فرصةَ الذِّكر والدعاء في رمضان؟ ٢ - مشاريعُ الإنفاقِ والصدقة، أيها الصائم: شعاراتُنا وأدلتُنا في القرآن والسُّنة تقول لنا في كل حين: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ (١) ((اللهمَّ أعطِ منفِقًا خَلَفًا، وأعطِ ممسِكًا تلَفًا)). وفي شهرِ رمضانَ للنفقةِ والصدقة مزيَّةٌ؛ فرسولُنا وقُدْوتُنا محمدٌ ﷺ كان أجودَ الناسِ بالخير .. وأجْودُ ما يكون في رمضانَ، فهل نقتدي، وهل تتضاعفُ صدَقتُنا في شهرِ مضاعفةِ الحسنات؟ فهذا مُعسِرٌ تفُكُّ من إعسارِه، وهذا محتاجٌ تسدُّ حاجتَه، وثالثٌ مَدِين تقضي ديْنَه، ورابع جائعٌ فتطعمُه وهكذا .. وفي الحديث: ((أفضلُ الأعمال أن تُدخِلَ على أخيك المؤمنِ سرورًا، أو تقضيَ عنه دَينًا، أو تطعمَه خبزًا)). إن فُرصَ النفقة والإحسان كثيرةٌ للأيامَى واليتامى والمساكين، وللشبابِ الراغبين في الزواج، وللمسلمين المتضرِّرين والمجاهدين الصادقين، وتفطيرِ الصائمين إن في داخلِ بلادِنا أو في عالمِنا الإسلامي، زكاةً وصدقةً، وهديةً وصِلةً .. إلخ مشاريعِ النفقةَ. عوِّد نفسَك - أخي المسلمَ - على الصدقةِ في كلِّ يومٍ من أيام رمضانَ قلَّ ذلك أم كثُرَ، ودرِّب أهلَك وأولادَك على الصدقةِ والإحسان، فهذا شهرُ الإحسان .. ٣ - مشاريعُ الدعوة إلى الله .. وكم للدعوةِ من آثارٍ إيجابيةٍ على الداعي والمدعوِّ، وعلى الفردِ والمجتمع، وبالدعوةِ والأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ كُنا خيرَ الأُمم والدعاة، والآمرون بالمعروفِ والناهون عن المنكرِ هم

стр. 2540

المفلِحون بشهادة القرآن: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) وهل أحسنُ قولًا من الدعوةِ والدعاة؟ والله يقول: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢). وفي رمضان تُفتَحُ القلوبُ للدعوة ويسمعُ الصائمون للدعاةِ، كيف لا وأبوابُ الجنة تُفتَح وأبوابُ النار تُغلَق، ومَرَدَةُ الشياطين تُصفَّد، إن روحانيةَ الصيام تشجِّع على الدعوة، وأنت أيها المسلمُ حريٌّ بك أن تمارسَ الدعوةَ وتتحيَّنَ الفرصَ المواتية لقَبُولِها - مع ابنِك وأخيك، وزَوْجِكَ وابنتِك، ومع جيرانِك، وزملائِك في العمل، ومع العاملِ والسائق والخادمة .. أيها المعلِّمُ هل جربتَ الدعوةَ مع طلابِك في رمضان؟ أيها البائعُ والمشتري هل مارستُما الدعوةَ حالَ البيعِ والشراءِ - إنَّ الدعوةَ قد تكون بكلمةٍ طيبة أو ابتسامةٍ لطيفة أو معاملةٍ حسنة .. فكيف بما هو فوقَ ذلك؟ معاشرَ الرجالِ والنساءِ، والشيوخِ والشباب والمتعلمين والأُميِّين: هل نجعلُ من رمضان فرصةً للدعوة بكلِّ وسيلة، وفي أيِّ مناسبة، ومع الناطقين بالعربيةِ أو غيرهم؟ بتوزيع الكتابِ المفيد والشريطِ النافع، بالهديةِ ومع الصدقة، ولا ينبغي لأحدٍ أن يَحقِرَ نفسَه عن هذه المهمّةِ الشريفة، والرسولُ محمد ﷺ يقول: ((بلِّغوا عنِّي ولو آيةً)). ٤ - مشاريعُ القيامِ وتلاوةِ القرآن .. إنَّ رمضان شهرُ القيام وشهرُ القرآن، وهل يُعجِزُك أخي المسلم أن تقومَ مع الإمامِ حتى ينصرفَ .. وهل تعلمُ أنه يُكتَب لك

стр. 2541

بهذا قيامُ ليلةٍ كاملةٍ .. أم يراودُك الشيطانُ ثم يخرجُك من المسجد لتذهبَ إلى القِيلِ والقالِ، أو مشاهدةِ ما هبطَ من الأفلامِ في البيوت الوهميةِ أو في البيوت الحقيقية؟ تذكَّرْ أخي المسلمَ أنَّ مَنْ قام رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبِه، فوطِّنْ نفسَك على القيامِ من أولِ الشهرِ إلى آخره. ولئن قصَّرتَ في قيامِ الليل أو تلاوةِ القرآن فيما مضى من أيام فحنانَيْكَ أن تُضيِّعَ ذلك في شهرِ رمضان! إنني حين أنصحُك ونفسيَ بالإكثارِ من تلاوةِ كتاب الله أنصحُ لك بالتدبُّرِ في آياتِه والوقوفِ عند عجائبِه، وكم في القرآن من كنوزٍ تحتاج إلى تدبُّر، وربُّنا يقول لنا: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (١)، ويقول: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢). أُمّةَ القرآن: إن أهلَ القرآنِ أهلُ اللهِ وخاصتُه، وكيف يكونُ من أهل القرآنِ من اتخذَه مهجورًا؟ ونحن أُمةٌ أعزَّنا اللهُ بالإسلام وعلى قدْرَنا بالقرآن، فهل نجعلُ للقرآنِ من أوقاتِنا وعقولِنا وقلوبِنا ما يستحقّ؟ إن رمضان فرصةٌ لصلةِ تبدأ ولا تنتهي مع القرآن، وعلى قدْرِ محبَّتِك لمن أَنزلَ القرآنَ فاقرأ القرآنَ! وكفى. ٥ - مشاريعُ اقتصاديةٌ: من مشكلاتِنا - بشكل عامٍّ - الإسرافُ وعدمُ الاقتصادِ، وفي رمضان دروسٌ عامةٌ ودرسٌ خاصٌّ بالاقتصاد .. فالصائمُ ممسِكٌ عن الطعام من طلوعِ الفجر إلى غروبِ الشمس، وهذا مشجِّعٌ على القضاءِ على التُّخمة ومروِّضٌ للنفس على الصبر، ومهذِّبٌ للأرواح، ومُرِيحٌ

стр. 2542

لوظائف الجسم .. مذكِّرٌ للصائم بمن يحتاجونَ للطعام فلا يَجِدُونه (صاموا أم أفطَروا) ولكن هذه المعاني وأمثالُها من اقتصادياتِ الصوم تَضِيع بل تُفهَمُ فهمًا خاطئًا عند قومٍ ما إن يتسامعوا بشهرِ رمضان حتى تمتلئَ بهم الأسواقُ فيشترون ما يحتاجون وما لا يحتاجون، ويجمعون ما لا يأكلون، ومن خلالِ الدراساتِ والتحقيقاتِ تبيَّن أن الإعلاناتِ التجاريةَ تمارِسُ دورًا كبيرًا في خِداع المستهلِك ودفعِه إلى المزيد من الشراءِ لأشياءَ كثيرةٍ لا حاجةَ له بها، بل يتجاوزُ الأمرُ مجرَّدَ الدعايةِ إلى التسهيلاتِ في عمليات الشراءِ، وحملِ السِّلَع إلى المستهلِك في قعرِ بيتِه، ثم يأتي أسلوبُ الدفعِ بالبطاقاتِ أو الأقساطِ أو مكافأةِ المشتري - كلما زاد من نسبةِ الشراء - وسيلةً ثالثةً تُسهِم في الإسراف ومَزيدِ الاستهلاك، فهل نتنبَّه لهذه المخاطرِ الاقتصاديةِ ونجعلُ من شهرِ الصيام فرصةً للاقتصاد غيرِ المُقتِّرِ لتسلمَ بطونُنا من التخمة، وجيوبُنا من النفقةِ المسرفة .. إنها ملاحظةٌ تستدعي النظرَ والعمل. وإذا شاع عند أبناءِ العالم الآخر مصطلَح (ولد ليشتري) فعندنا - معاشرَ المسلمين - المصطلحُ يقول: (ولد ليعبدَ الله) والشراءُ ليس هدفًا بذاتِه بل وسيلةً للعبوديةِ وعمارةِ الكون .. وبئسَ القومُ قومًا لا يتجاوزُ همُّهم البطونَ والفروج .. أولئك كالأنعامِ بل أضلُّ سبيلًا. ألا فلنستفِدْ من مدرسةِ الصيام في تحقيقِ الاقتصاد المشروع والبُعدِ عن الإسرافِ الممنوع، حتى لا يتحوَّلَ رمضانُ إلى أنواعٍ من المآكل والمشاربِ على حسابِ المشاريعِ العباديةِ والدَّعَوية والصدقة.

стр. 2543

حالُنا وأسلافُنا مع القرآن (١) الخطبةُ الأولى: الحمدُ لله الذي أنزلَ على عبدِه الكتابَ ولم يجعلْ له عِوَجًا، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له نَزَّلَ الفرقانَ على عبدِه ليكونَ للعالَمين نذيرًا، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه أوحى إليه ربُّه ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ (٢)، اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ عليه وعلى سائرِ النبيِّين والمرسلين، وارضَ اللهمَّ عن الصحابةِ أجمعينَ والتابعين ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٣). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. أُمةَ القرآنِ: في شهرِ القرآنِ، كيف حالُنا مع القرآنِ، وكيف كان حالُ أسلافِنا مع القرآنِ؟ هل اختلفتْ حقائقُ القرآنِ، أم اختلَّتْ قناعاتُنا - نحن- مع القرآن؟ كيف السبيلُ للإصلاحِ، وكيف نتَّخذُ من رمضانَ مَعبَرًا للفَلاح؟ أيها المسلمون: نسمعُ فنستغربُ أن الإمامَ الشافعيَّ ﵀ كان يختمُ القرآنَ في كلِّ ليلةٍ خِتمةً، فإذا كان في شهرِ رمضان ختمَ في كلِّ ليلة ختمةً، وفي كلِّ يومٍ ختمةً، فكان يختم في شهرِ رمضانَ ستين ختمةً (٤).

стр. 2544

وأغربُ من ذلك ما ذكره الذهبيُّ في ((الكاشفِ)) في ترجمةِ زُهَير بن محمدِ بنِ قُمَيْرٍ المَرْوَزي أنه كان يختمُ القرآنَ في رمضان تسعين ختمةً (١). ولم تكن هذه العنايةُ بالقرآنِ على مستوى العلماءِ والعامَّةِ، بل ذكرَ الخطيبُ في ترجمةِ الخليفةِ العباسيِّ المأمونِ عن ذي الرِّياستَينِ قال: ختمَ المأمونُ في شهرِ رمضان ثلاثًا وثلاثين خِتمةً حتى بُحّ صوتُه، لأنه كان يأخذ القرآنَ على محمدِ بن أبي محمدٍ اليَزِيدي وكان في أذنِه صممٌ، فكان المأمونُ يرفع صوتَه ليسمعَ (٢). نعم إننا نستغربُ من هذه الحوادثِ وأمثالِها، ويقول قائلُنا: أيمكنُ أن يقعَ هذا؟ وهل يمكنُ لمن قرأَ هذا الكمَّ أن يتدبَّرَ القرآنَ؟ وكلُّنا في المقابلِ لا نستغربُ زهدَنا في القرآن، وقِلَّةَ المقروء عندنا للقرآن، وضآلةَ الوقتِ المخصَّصِ عندنا لتلاوةِ القرآن حتى في شهرِ رمضانَ! ! ولنا أن نتساءلَ: وهل هذه القِلَّةُ المقروءةُ مع تدبُّرٍ للقرآن؟ وهل بسبب التدبُّرِ والوقوفِ عند مواعظِ القرآن كان قلَّةُ مقروئِنا للقرآن، أم أننا أُصِبْنا بقلةِ القراءة للقرآن مع قلَّةِ التدبُّرِ والانتفاعِ بالقرآن! ! إن أسلافَنا كما تفوَّقوا علينا في كثرةِ المقروءِ للقرآن تفوَّقُوا كذلك في الخشوع للقرآن والتأثرِ بالقرآن، فهذا الإمامُ التابعيُّ الثقةُ العابدُ وقاضي البصرةِ زُرَارةُ بن أوفَى العامريُّ الحَرَشي العَصَري أمَّ المسلمين في مسجدِ بني قُشَيرٍ الفجرَ فقرأ سورةَ المدَّثِّر حتى إذا بلغ قولَه تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ (٣) خرَّ ميتًا، يقول بَهْزُ بنُ حَكِيم - راوي الخبرِ -: فكنتُ فيمن حَمَلَه)) (٤).

стр. 2545

معاشرَ المسلمين: إلى اللهِ نَشكُو ضعفَ صِلَتِنا بكتابِ ربِّنا، فنحن في النهارِ - إلا من رَحِمَ اللهُ - مستغرقون في العملِ أو غائبون نائمون تحت الفُرُش، ولربما أضاع بعضُنا الصلواتِ المكتوبةَ مع الجماعة، أو لم يُصلِّ الصلاةَ حتى فاتَ وقتُها .. وأنَّى لهذا الصِّنف من المسلمين أن يُسابِقَ في تلاوةِ القرآنِ أو ينافسَ على فعلِ الخيراتِ بشكلٍ عامّ؟ ونحنُ في الليل - إلا من رحِمَ اللهُ - نتجوّلُ هنا وهناك وكأننا نبحثُ عمّا نُزجي به الفراغَ، فإنْ صادَفْنا قومًا مجتمعين على القِيل والقالِ وإضاعةِ الأوقات دون فائدةٍ شارَكْنا معهم في الاجتماع، وأسوأُ من ذلك حين نُمضِي شطرًا من الليل في النظرِ للمسلسَلاتِ الهابطة، والاستماعِ للأصواتِ الماجنة .. وكأنَّ لسانَ حالِنا ومقامِنا يقول: حتى شهرُ رمضان لم يَردَعْنا عن اقترافِ الحرام، وما بنا هِمّةٌ لطُولِ القيام مع المصلِّين ولو كان ذلك في العَشرِ الأخيرِ من رمضان. إنَّ هِممًا لا تتحرَّك للطاعةِ في شهرٍ تُضاعَفُ فيه الحسناتُ حَرِيّةٌ بالمحاسبةِ والمراجعةِ، وإن أقوامًا لا تُؤثِّر فيهم موعظةُ رسولِ الله ﷺ حين قال: ((مَن قامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذَنْبِه))، حريةٌ بأن تُراجِعَ رصيدَ إيمانِها، وتعالجَ مرضَ قلوبِها. آهٍ على صحةٍ لا تُشكَرُ، وفراغٍ لا يُستثمَرُ، وقوةٍ لا تُوجَّه، وطاقةٍ تُهدَر، أين نحن من هِمَم السابقين، وقد نقل المِزِّيُّ في ((تهذيب الكمال)) أن سُويَد ابن غَفَلةَ كان يؤمُّ الناسَ في رمضان في القيامِ وقد بلغ مائةً وعشرين عامًا؟ ودونَكم هذا النموذجَ من أعلامِ التابعين وكيف كانوا يَحْيَون بالقرآن، رغمَ المتاعبِ والمصاعب، فهذا أبو العاليَةِ الرِّياحيُّ رُفَيْعُ بن مِهْران عَلَمٌ من أعلامِ التابعين، إمامٌ مقرئ، حافظٌ مفسِّر، أدركَ زمنَ النبوَّة وأسلمَ في خلافةِ أبي بكرٍ الصِّدّيق ﵁ .. ولْنَدَعْ له الحديثَ ليرويَ لنا كيف أسلمَ، وكيف كان يتعاملُ مع

стр. 2546

القرآن- بعدما أسلمَ - يقول: ((وقعتُ أنا ونفرٌ من قومي أُسارَى في أيدي المجاهدين - يعني قبل أن يسلمَ وكان مشركًا من أهلِ فارسَ - ثم ما لَبِثْنا أن غَدَوْنا مملوكِين لطائفةٍ من المسلمين في البصرةِ، فلم يَمْضِ علينا وقتٌ طويلٌ حتى آمنَّا بالله وتعلَّقْنا بحفظِ كتابِ الله .. ))، ثم يُفسِّر لنا هذا التابعيُّ الأسيرُ المسلمُ طبيعةَ هذا التعلُّقِ بكتابِ الله ويقول: ((وكان مِنّا مَن يؤدِّي الضرائبَ لمالِكِيه، ومنَّا من يقومُ على خدمتِهم - وكنتُ واحدًا من هؤلاء - فكنَّا نختمُ القرآنَ كلَّ ليلةٍ مرةً، فشقَّ ذلك علينا، فجعلنا نختمُه مرةً كل ليلتين، فشقَّ ذلك علينا، فجعلنا نختِمه كلَّ ثلاثٍ، فشقَّ ذلك علينا، لِما كُنَّا نُعانِيه من جُهدٍ في النهارِ وسهرٍ في الليل، فلَقِينا بعضُ أصحابِ رسولِ الله ﷺ وشَكَوْنا لهم ما نكابُده من السهرِ وقراءةِ كتابِ الله، مع قيامِنا بخِدْمةِ موالينا، فقالوا لنا: اختموه كلَّ جمعةٍ مرةً، فأخذْنا بما أرشَدُونا إليه، فجَعَلْنا نقرأُ القرآنَ طَرَفًا من الليلِ وننامُ طرفًا، فلم يَشُقَّ ذلك علينا)) (١). إذا كان هذا حالَ المَوالِي مع القرآن، وفي غيرِ شهرِ رمضان - فكيف حالُهم أو حالُ غيرِهم في شهرِ القرآن؟ أيها المسلمون: إن اللهَ يرفعُ بهذا القرآنِ أقوامًا ويَضَعُ آخرين، ولقد كان أبو العاليةِ الرِّيَاحيُّ ممن رَفَعَهم اللهُ بالقرآن، فقد دخل يومًا على ابن عباسٍ ﵄ وهو أميرٌ على البصرة - فرحَّبَ به ورفع منزلتَه وأجلسَه على سريرِه، وكان في المجلس طائفةٌ من سُدَّة قريشٍ، فتغامَزُوا وتهامسوا بينهم وقال بعضُهم لبعضٍ: أَرأيتُم كيف رفعَ ابنُ عباسٍ هذا العبدَ على سريرِه؟ فأدرك ابنُ عباس ذلك والْتفتَ إليهم قائلًا: إن العلمَ يزيدُ الشريفَ شرفًا، ويرفعُ قَدْرَ أهلِه عندَ الناس، ويُجلِسُ

стр. 2547

المماليكَ على الأسرَّةِ. وقد رفع اللهُ أبا العاليةِ بالقرآن حتى قيل: ليس أحدٌ بعدَ الصحابة أعلمَ بالقرآنِ من أبي العالية (١). وكما كان لأبي العاليةِ هِمّةٌ في تعلُّمِ القرآنِ وقراءتِه، فقد كانت له همَّةٌ في تعليمِ القرآن وكَشْفِ حقائقِه للمتعلِّمين، وهو الذي كان يقول: إن اللهَ قَضَى على نفسِه أنَّ مَن آمنَ به هداه، وتصديقُ ذلك في كتاب الله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (٢)، ومَن توكَّلَ عليه كَفَاه، وتصديقُ ذلك في كتاب الله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٣)، ومن أقرضَه جازاه، وتصديقُ ذلك في كتاب الله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ (٤)، ومن دعاهُ أجابَه، وتصديقُ ذلك في كتابِ الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٥). وكم نحنُ بحاجةٍ إلى تعلُّمِ حقائقِ القرآن، وإلى الإيمانِ بوَعْدِ القرآن، والخوفِ من وعيدِه، وكم هو مؤلمٌ أن نَهجُرَ تلاوةَ القرآن، أو نهجُرَ العملَ بالقرآن، فنظلَّ نردِّدُ القرآنَ ولكنه لا يكادُ يجاوزُ حناجرَنا. ودونَكم - معاشرَ المسلمين - مَقُولَة واحدٍ من صحابةِ رسولِ الله ﷺ يحكي واقعَهم وغيرَهم مع القرآنِ والإيمان، يقول عبدُ الله بنُ عمرَ بنِ الخطابِ ﵄: ((لقد عِشْنا دهرًا طويلًا، وأحدُنا يُؤتَى الإيمانَ قبلَ القرآنِ، فتنزلِ السورةُ على محمدٍ ﷺ يتعلّمُ حلالَها وحرامَها، وآمرَها وزاجرَها، وما ينبغي أن يقفَ عندَه

стр. 2548

منها، ثم لقد رأيتُ رجالًا يُؤتَى أحدُهم القرآنَ قبلَ الإيمانِ، فيقرأُ ما بين فاتحتِه إلى خاتمتِه لا يدري ما آمرُه ولا زاجرُه، وما ينبغي أن يقفَ عندَه، يَنثرُه نَثْرَ الدَّقَل. أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (١).

стр. 2549

الخطبةُ الثانية: الحمدُ لله ربِّ العالمين حكَمَ بإعجازِ القرآن فقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (١). وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه، لا شريكَ له، أبَانَ عن شفاءِ القرآن ورحمتهِ فقال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (٢). وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه كان جبريلُ ﵇ يدارسُه القرآنَ في رمضان، وحين يدارسُه القرآنَ يكونُ ﷺ أجودَ بالخيرِ من الريحِ المرسَلَةِ - اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ عليه وعلى سائرِ الأنبياء والمرسلين. إخوةَ الإسلام: إنَّ القرآنَ الكريمَ كتابُ هدايةٍ لمن أراد السيرَ على الصراطِ المستقيم: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣). وكم ضَلَّت الأمّةُ المسلمةُ حين تنكَّبَتْ عن هَدْيِ القرآن، وكم ضاعَ المسلمون حين أضاعوا تعاليمَ القرآنَ؟ وفي القرآنِ أمانٌ واطمئنان، وراحةٌ وأنسٌ بالمَلِكِ الديّان، قال ابنُ مسعودٍ ﵁: إنَّ هذا القرآنَ مأدُبَةُ اللهِ، فمن دخل فيه فهو آمنٌ (٤).

стр. 2550

ولقد كانَ المسلمون في أزمانِ العِزَّة يعيشون هذا الأمنَ بالقرآن، روى ابنُ المبارَكِ ووكيعٌ في ((الزهد)) بإسنادٍ صحيح عن أبي الأحوصِ الجُشَميِّ قال: إنْ كان الرجلُ ليَطرُقُ الفُسْطاطَ طُروقًا - أي: يأتيه ليلًا -، فيسمعُ لأهلِه دويًّا كدَوِيِّ النحل - أي: بالقرآن - قال: فما بالُ هؤلاء يَأمَنُون، ما كان أولئك يخافون (١). وهذا رسولُ الهُدى ﷺ يَشهَدُ للأشعريِّين بتميُّزِ أصواتِهم في القرآن، ويشهدُ لهم بالتلاوة، ويَعرِفُ بها منازلَهم من غيرِهم إذ يقول: ((إني لأعرفُ أصواتَ رُفْقةِ الأشعريِّين بالليلِ حين يدخلون، وأعرفُ منازلَهم من أصواتِهم بالقرآنِ بالليل وإن كنتُ لم أرَ منازلَهم حين نزلوا بالنهار)) رواه البخاري ومسلم (٢). فأين الذين يُحْيُونَ الليلَ بالقرآنِ في رمضانَ أو غيرِ رمضان؟ أينَ الذين يُعطِّرون بيوتَهم بآياتِ القرآن، وهذا أبو هريرةِ ﵁ يقول: ((البيتُ الذي يُتلَى فيه كتابُ الله كَثُرَ خيرُه، وحضَرتْه الملائكةُ، وخرجتْ منه الشياطينُ، والبيتُ الذي لا يُتلَى فيه كتابُ الله ضاقَ بأهلِهِ، وقلَّ خيرُه، وحضرتْه الشياطينُ، وخرجت منه الملائكةُ)) (٣). آهٍ على بيوتِ المسلمين حين تَعُجُّ بالأصواتِ المُنكَرة، والصُّوَرِ الفاضحةِ، وتَرى فيها كلَّ شيء إلا بالقرآنَ .. أو ترى القرآنَ ولكن لا ترى عليه أثرًا للقراءةِ وكأنَّ البَرَكةَ تكفي لوجودِه ولو اتُّخِذَ مهجورًا. يا أُمةَ القرآنِ: كتابُ الله تتسعُ له الصدورُ، وهو لها نورٌ وشفاءٌ، فكم في

стр. 2551

أجوافِنا من القرآن؟ ولن يُعذِّبَ اللهُ قلبًا وَعَى القرآنَ، ومَن كان معه القرآنُ فلا أحدَ أكثرُ منه اغتِباطًا وعطاءً. قال عبدُ الله بنُ عَمْرِو بنِ العاصِ ﵄: مَن قرأَ القرآنَ فقد أُدرِجَتِ النبوةُ بين جنبيهِ إلا أنه يُوحَى إليه، ومَن قرأَ القرآنَ فرأى أحدًا من خَلْق اللهِ أُعطِيَ أفضلَ مما أُعطِيَ فقد حَضَرَ ما عظّمَ اللهُ وعظَّمَ ما حَضَرَ اللهَ، وليس ينبغي لحاملِ القرآن أن يَجهَلَ فيمن يجهَلُ، ولا يَحِدُّ فيمن يَحِدّ، ولكن يَعفُو ويصفحُ (١). ألا فاعرِفوا قَدْرَكم يا أهلَ القرآن - والبابُ مفتوحٌ من الهِمّةِ والصِّدق والإخلاص لمن أرادَ أن يكونَ من أهلِ القرآن. ومساكينُ من يُمْضُون في قراءةِ الجرائدِ ونحوِها - كلَّ يوم - أضعافَ ما يُمضُونَه لقراءةِ القرآن. ومساكينُ من يقفون على أقدامِهم أو يَجلِسون على الأرائِكِ الساعاتِ الطوالَ - بأحاديثَ أقلُّ ما يقالُ عنها: إنها ليست ذاتَ فائدةٍ كبيرةٍ، ثم هؤلاء تراهم يتضايقون حين يَجلِسون دقائقَ معدودةً لقراءةِ القرآن؟ كم هو مؤلمٌ حين يُفرِّطُ الدعاةُ وطلبةُ العلم في وِرْدِهم اليوميِّ من كتابِ الله لأدنى الأسباب! وكم هو مؤلمٌ حين تتقلَّصُ صِلةُ أقوامٍ بالقرآنِ من رمضانَ إلى رمضانَ أو من الجمعةِ إلى الجمعةِ؟ أو في المناسباتِ والاحتفالات؟ وكم هو مؤلمٌ حين تسمعُ لقراءةِ طالبٍ أو طالبةٍ في الجامعة .. وكأنه أعجميٌّ إذ يقرأُ القرآنَ، وأشدُّ من ذلك إيلامًا حين يقعُ اللَّحنُ في القرآنِ من المعلِّمين والمعلِّمات .. وكيف يَفقَهُ القرآنَ ويتدبَّرُه من لا يقيمُ حروفَه ويستقيمُ له نُطْقُه؟ إننا بحاجةٍ جميعًا إلى أن نراجعَ صِلَتَنا بالقرآنِ رجالًا ونساءً مُعلِّمين

стр. 2552

ومتعلِّمين، دعاةً ومُربِّين، وعلماءَ وعامَّةً .. ألا فلنجعلْ من رمضان نقطةَ الانطلاق، ولنأخُذْ على أنفسِنا أن يكونَ لنا وِرْدٌ يوميٌّ في القرآنِ .. أولئك يَحفظُهم اللهُ بالقرآن، وتستنيرُ قلوبُهم - كلَّ يومٍ - بالقرآن. عبادَ الله: وحين نَغبِطُ الذين يُعلِّمون القرآنَ والرسولُ ﷺ يشهدُ لهم بالخيريّةِ ويقول: ((خيرُكم مَن تَعلَّمَ القرآنَ وعلَّمَه)) نشدُّ على أيديهم بعدمِ المللِ واليأسِ، ونذكِّرُهم بأمثالِ أبي عبد الرحمنِ السُّلَميِّ التابعيِّ ﵀ حيث جلس يُعلِّمُ الناسَ القرآنَ سبعين سنةً. ونُذكِّر أهلَ القرآن عامةً بوصيَّةِ أبي موسى الأشعريِّ ﵁ حين جمع ثلاثَمائةٍ من قُرّاءِ البصرة وقال لهم: أنتم خيارُ أهلِ البصرة وقرَّاؤُهم فاتْلُوه، ولا يَطُولَنَّ عليكم الأمدُ فتَقسُو قلوبُكم كما قستْ قلوبُ مَن قبلَكم. ونذكِّرُهم أن يهتَدُوا بهَدْي القرآن، وأن يَدْعُوا غيرَهم لهَدْي القرآن. يا عبدَ الله: فإنْ لم تستطعْ أن تكونَ من مُعلِّمي القرآنِ بنفسِك وعلمِك، فلتكن معلِّمًا للقرآن بدَعْمِك ومالِك، فالدالُّ على الخيرِ كفاعلِه، ومَن جهّزَ غازيًا فقد غزا، والله يقول: ﴿تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى﴾. يا أُمةَ القرآن .. هذا هو شهرُ القرآنِ فهل تُستنهَضُ الهِممُ في رمضان .. وهل نأخذُ على أنفسِنا العهدَ بالاهتداءِ بالقرآن، وتلاوةِ القرآن، وتعليمِ القرآن، والدعوةِ للقرآن .. ذاك كسبٌ عظيمٌ، وتلك نفحةٌ مباركَةٌ من نَفَحاتِ شهرِ الصيام، ومَن تَزكَّى فإنما يتزكَّى لنفسِه .. ومن أبصرَ فلنفسِه، ومن عميَ فعليها.

стр. 2553

معالم ووقفات في الأزمة المعاصرة (١) الخطبةُ الأولى: إن الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدِهِ اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ عليه وعلى سائرِ الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهمَّ عن الصحابةِ أجمعين، والتابعين وتابعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وسلِّم تسليمًا كثيرًا. إخوةَ الإسلام: وليس يخفى أنَّ المواجهةَ بين المسلمينَ وأعدائِهم لم تتوقَّفْ منذُ فجرِ الإسلام، والرسولُ ﷺ حيٌّ، والقرآنُ غضٌّ طريٌّ، واستمرَّ العدوانُ في عهودِ الراشدين، وفي دولِ الإسلام عبرَ التاريخ، وستستمرُّ المواجهةُ ما بقيَ الحقُّ والباطل، وفي مُحكَم التنزيل: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (٢). فالمعركةُ مستمرةٌ وإن تعددتْ ساحاتُها وتبدلتْ أسلحتُها، لأن الشرَّ من لوازمِ الخير، وإذا كان للأنبياءِ ﵈ أعداءٌ - وهم أتقى الأمةِ وخيارُها - فالعداوةُ لغيرِهم من المسلمين والمؤمنين من باب أَوْلى. يقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ (٣).

стр. 2554

عبادَ الله: وهناك عِدةُ معالمَ لا بدَّ أن أنعتَها في معركتنا مع عدوِّنا، ومنها: أولًا: المسلمون مستهدَفون - بالعداوة - بأصلِ إيمانهم وليس بسبب كسبِهم أو فعلتِهم في كثيرٍ من الأحيان، كما قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (١). والأعداءُ يتحيَّنون كلَّ فرصةٍ، ويتصيَّدون كلَّ غفلةٍ يَغفلُ فيها المسلمون عن تعاليمِ دينِهم، ليَهجمُوا عليهم ويستأصلوا شأْفتَهم ومع واعظِ القرآنِ للمسلمين إلا أنهم قد يَغفُلون فيمكِّنون للأعداءِ من حيثُ يشعرونَ أو لا يشعرون، ومن تنبيهاتِ القرآنِ للمسلمينَ قولُه تعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ (٢). ثانيًا: مِن فَضْلِ الله ورحمتِه بهذه الأُمةِ أن تسليطَ العدوِّ على المسلمين ليس تسليطَ استئصالٍ وإبادةٍ - لأن المسلمين أمةُ الخيرِ، وأمةُ النبوةِ الخاتمةِ، والشهداءُ على الناسِ، وفيهم الطائفةُ المنصورةُ حتى يأتيَ وعدُ الله - وإنما تسليطُ الأعداءِ عليهم تسليطُ إيذاءً وعقوبةٍ على المعاصي الفكريةِ والأخلاقيةِ والسياسيةِ ونحوِها من الأخطاء، ليتوبوا ويكفِّرَ اللهُ عن سيئاتِهم، ولينكشفَ فيهم الخبيثُ والطيبُ ويعلمُ اللهُ - وهو أعلمُ - الصادقينَ مع الكافرين. إنه الأذى الذي قال اللهُ عنه: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ (٣). قال القرطُبيُّ ﵀: فالآيةُ وعدٌ من اللهِ لرسولِه ﷺ وللمؤمنين أن أهلَ الكتابِ لا يَغلِبُونَهم وأنهم منصورونَ عليهم، لا ينالُهم منهم اصطِلامٌ - يعني استئصال -

стр. 2555

إلا إيذاءٌ بالبُهْتِ والتحريف، وأما العاقبةُ فتكونُ للمؤمنين)). أهـ (١) وقد يُقال: إن هذا وعدٌ من اللهِ لرسولِه ﷺ والمؤمنين معه، وفي الآية معجزةٌ للنبيِّ ﷺ ، لأن مَن قاتَلَه من اليهودِ ولّى دُبُرَه (٢). ولكنَّ النصرَ للمؤمنين والعاقبةَ للتقوى، والغلبةَ لجُندِ الله جاءت مؤكَّدةً في آياتٍ آُخَر .. والعبرةُ بعمومِ اللفظِ لا بخصوصِ السبب، ولكن بشرطِ توفُّرِ الإيمان، ووجودِ المؤمنين. وينبغي أن يُعلَمَ أنَّ هذا الأذى الواقعَ على المسلمين من عدوِّهم ليس هو شرًّا دائمًا، بل هو في كثير من الأحيانِ خيرٌ كما قال تعالى: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٣)، وكما قال تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٤). ثالثًا: هزيمةُ الأعداءِ للمسلمين عسكريًا ليست هي المشكلةَ، وتفوُّقُهم عليهم في السلاحِ والعَتادِ ليست وسيلةً لتخاذُلِهم ولا مبرِّرًا لقعودِهم .. وما فَتِئَ المسلمون - عبرَ العصور - يَغلِبون ويُغلَبون، ولكن الهزيمةَ المرَّةَ حين يُهزَمون من داخلِ نفوسِهم، فيضعفُ الإسلامُ في نفوسِهم، وتُحِيط بهم الشكوكُ، وتستحوِذُ عليم الشبهاتُ والخواطرُ السيئة .. هزيمةُ المسلمين حين يتشكَّكون في باطلِ الأعداء وأنَّ مصيرَهم إلى النار، أو أنهم يُعجِزون اللهَ، واللهُ يقول ويحكم: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ (٥) ويقول: ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ

стр. 2556

مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ (١). لا بدَّ للمسلمين أن يستحضِروا هذه المعانيَ القرآنيةَ التي وصفَ اللهُ بها الكافرين وكيدَهم ومكرَهم، وألا يغترُّوا بتقلُّبِهم في البلادِ واللهُ يقول: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (٢). وألا يرتابوا في أن اللهَ مطَّلِعٌ وغيرُ غافلٍ عن ظُلمِهم وإفسادِهم في الأرض ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ (٣). رابعًا: وعلى المسلمين أن يُدرِكوا ثمنَ النصرِ وقيمتَه، وإذ لم يحصلْ للنبيِّ ﷺ حتى أُوذيَ وطُورِدَ، واتُّهِم وهاجر، وشُجَّ وجهُه وكُسِرت رَباعيَتُه، ووُضِعَ له السحرُ والسمُّ، وحاول قتلَه اليهودُ، وجهَّزت دولةُ النصارى معركةً ضاريةً للمسلمين والرسولُ ﷺ حيٌّ، وأَرجفَ به المنافقون - في أكثرَ من غزوةٍ - بل اتهموه في عِرضِه ونسبوا (الإفكَ) إلى أهلِه .. إلى غيرِ ذلك من ضروبِ الجهادِ والمجاهدةِ وألوانِ العداوة وتعدُّدِ الأعداءِ وكثرةِ أساليبهم - إذا لم يتحققِ النصرُ للنبي ﷺ والمؤمنين معه إلا بعدَ ذلك وبعدَ أن زُلزِلَ المسلمون زِلزالًا شديدًا، فأنَّى لغيرِهم أن يحصُلوا على النصرِ وهم على الأرائكِ متَّكِئون، أو في لهوِهم يلعبون، أو وهم يحبُّون الإسلامَ ويكرهون الكفارَ لكنهم يُؤْثِرون السلامةَ ويرغبون في الدَّعَةِ ويَضِنُّون بتقديم الأنفسِ رخيصةً في سبيل الله.

стр. 2557

أجل أيها المسلمون، ودُعوني أنقُلْكم إلى واحدةٍ من معاركِ المسلمين في عصرِ الراشدين كان ميدانُها البحرَ ليس البرَّ .. لتروْا كيف قدّم المسلمون من شهداءَ حتى جاء النصرُ. قال المؤرِّخون عن معركةِ (ذات الصَّواري): كانت معَ الرومِ النصارى، وحين الْتَقْوا مع المسلمين قال لهم المسلمون: إنْ شئتُم كانت المعركةُ في الساحل حتى يموتَ الأعجلُ مِنا ومنكم، وإن شئتم فالبحرَ، فنَخَرَ الرومُ نخرةً واحدةً وقالوا: الماءَ، فدنى منهم المسلمون وربَطُوا السُّفنَ بعضَها ببعض حتى كانوا يضربون بعضُهم بعضًا على سفنِ المسلمين والنصارى، ووَثَبَ الرجالُ على الرجال يضطربونَ بالسيوف، ويتواجَؤُون بالخناجرِ حتى رجعتِ الدماءُ إلى الساحل تضربُها الأمواجُ، وطرحتِ الأمواجُ جثثَ الرجال رُكامًا، ولقد قُتِل من المسلمين يومئذٍ بشرٌ كثير، وقُتِل من الكفارِ ما لا يُحصى، وصَبَروا يومئذٍ صبرًا لم يصبِروا مثلَه في موطنٍ قطُّ، حتى أنزلَ اللهُ نصرَه على أهلِ الإسلام وولَّى النصارى الأدبارَ منهزمين (١). إنَّ ثمنَ النصرِ كبيرٌ، وإن سلعةَ الله غاليةٌ، وصدَقَ اللهُ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (٢). ولا بدَّ من قراءةِ التاريخ لمعرفةِ أسبابِ النصرِ وعواملِ الهزيمةِ، وفي تاريخ الأُمةِ المسلمةِ وصراعِها مع الأعداءِ لم تُهزَمْ من قلةِ عددِها أو ضعفِ عُدَّتِها، بل يُثبِتُ التاريخُ أنهم حقَّقوا النصرَ - في أكثرَ من معركةٍ - وعددُهم قليلٌ، وعَتادُ

стр. 2558

غيرِهم أقوى من عتادِهم .. لكنهم دخلوا بالإيمانِ ساحةَ المعركةِ فخرجوا منتصرين، وحين يضعُفُ إيمانُهم أو تتفرَّقُ كلمتُهم تكون الغلبةُ لعدوِّهم، ودعونا نُطِلّ على أحوالِ المسلمين حين اجتاحَهُم الصليبيون - وما أشبهَ الليلةَ بالبارحةِ - لقد دبَّ الخلافُ والفُرْقةُ بين أمراءِ المسلمين، بل منهم من كاتبَ النصارى ودلَّهم على عوراتِ المسلمين، بل وصلَ الحالُ إلى أن قَتَلَ عساكرُ المسلمين بعضُهم بعضًا - فواتتِ الفرصةُ النصارى وأغارُوا على المسلمين واستولَوْا على مقدَّساتِهم، يقول ابنُ الأثير في حوادث سنة ٤٩٧ هـ: ((لمَّا استطالَ - خَذَلَهُم اللهُ تعالى - بما مَلَكُوه من بلادِ الإسلام، واتَّفق لهم اشتغالُ عساكرِ الإسلام وملوكِه بقتالِ بعضهم بعضًا فتفرَّقت حينئذٍ بالمسلمين الآراءُ، واختلفتِ الأهواءُ، وتمزَّقتِ الأموالُ)). بل ذكرَ ابنُ الأثيرِ أن بعضَ القِلاعِ حين امتنعتْ على النصارى راسَلَهم بعضُ سلاطينِ المسلمين وصالحهم عليها .. كما وقع ذلك في (مَعَرَّةِ النعمان) و (حمص) في (حوادث سنة ٤٩١). أيها المسلمون: ولم تقفِ الخِلافاتُ - زمنَ الصليبيين - على الأمراءِ والسلاطينِ، بل شَمِلت العلماءَ الذين يُفترضُ فيهم جمعُ كلمةِ المسلمين، وإصلاحُ شأنهم. قال ابن الأثير: وفي سنة (٤٤٧ هـ) وقعتِ الفتنةُ بين الفقهاءِ الشافعية والحنابلةِ ببغدادَ، وأنكر الحنابلةُ على الشافعيةِ الجهرَ ببسمِ الله الرحمن الرحيم، ومَنَعوا من التَّرجيعِ في الأذان، والقنوتِ في الفجر، ووصلوا إلى ديوانِ الخليفة، ولم تهدأ الأحوالُ، بل أتى الحنابلةُ إلى مسجدِ باب الشعير فنهَوْا إمامَه عن الجهرِ بالبسملة، فأخرجَ مُصحفًا وقال: أزِيلوها من المصحفِ حتى لا أتلوَها. وقال ابنُ كثير في حوادث ٤٤٧ هـ: وفيها وقعتِ الفتنةُ بين الأشاعرةِ

стр. 2559

والحنابلةِ، فقويَ جانبُ الحنابلةِ قوةً عظيمةً بحيثُ إنه كان ليس لأحدٍ من الأشاعرة أن يشهدَ الجُمعةَ ولا الجماعاتِ .. اهـ حقًا إنها مأساةٌ عظيمة أن يكون الشِّقاقُ والخِلافُ والتناحرُ بين العلماء في مسائلَ يَسَعُ الخلافُ فيها، وأن تصلَ الحالُ بهم إلى تركِ ما هو أعظمُ من تلك المسائلِ الخلافية .. مثل تركِ الجمعةِ والجماعة (١). وكم يجدُ الأعداءُ فرصتَهم حين تقعُ الأمةُ في شيءٍ من التنازعِ فيضربوا بعضَهم ببعض، ويستفيدوا من ضعفاءِ النفوس لتحقيق أغراضِهم ومآربِهم حتى إذا انتهَوْا منهم رَكَلُوهم بأقدامِهم، وربما أتبَعُوهم بأصحابِهم! فهل يا تُرى يقرأ المسلمون - عامةً - التاريخَ، وهل يستفيدُ الأمراءُ والحكامُ والعلماءُ والدعاةُ من تجاربِ الماضي .. حتى لا تتكررَ المآسي وحتى لا يظلَّ الأعداءُ يسخرونَ بالمسلمين، ويضربوا المسلمين ببعضِهم. إنَّ الأزْمَة الراهنةَ - مع الأسف - تؤكِّدُ عدمَ استفادةِ المسلمين من تجاربِ إخوانِهم السابقين .. ولذا تتكرَّرُ المآسي .. ويتكررُ معه مكرُ الأعداءِ وغلَبتُهم. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٢).

стр. 2560

الخطبةُ الثانية: الحمدُ لله القويِّ العزيزِ، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له في ربوبيتِه وألوهيتِه وأسمائِه وصفاتِه، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه وخِيرتُه من خَلْقه .. إخوةَ الإسلام: المَعْلَمُ السادسُ في معركتِنا مع عدوِّنا - أن تستثمرَ كلّ طاقةٍ مع الأمةِ رجلًا كان أو امرأةً، صغيرًا أم كبيرًا، مُلتزمًا أو غيرَ ذلك. فالمواجهةُ - اليومَ - مع المسلمين، عالميةٌ، ومن الخطأ اليومَ أن نقتصرَ في خطابِنا الدعويِّ على فئةٍ دونَ أخرى من المسلمين، بل لا بدَّ أن نشملَ بخطابِنا الدعويِّ غيرَ المسلمين - معذرةً إلى ربِّكم، وعسى أن يصلَ الحقُّ إلى آذانٍ غافلةٍ أو مُلبَّسٍ عليها .. فتصحُوا على قوارعِ الحقِّ وحُجَجِ الإيمان .. لكن من المهمِّ أن تكون الخِطاباتُ الموجَّهةُ مناسبةً ومقنِعةً لمن وُجِّهت له. إن الدفاعَ عن حِياضِ الإسلام - اليومَ وغدًا - لا يتحمَّسُ له الأخيارُ والدعاةُ والعلماءُ وحدَهم، بل بات عوامُّ المسلمين ومَن قَصَّروا في الالتزام .. بات هؤلاءِ جميعًا تتحرَّكُ عواطفُهم وتتفطَّرُ أكبادُهم لما يصنعُه اليهودُ والنصارى ومَن حالفهم بالإسلامِ والمسلمين، وعدمُ إشراكِ هؤلاء وجمهورِ المسلمين في الدعوة وصدِّ هجماتِ الأعداءِ خسارةٌ في ميدانِ المعركة الواقعةِ والمستقبلية .. وفي هذا الصددِ على العلماءِ والدعاة والقادةِ أن يُوجِّهوا السفينةَ وأن يفتِّحوا من الفرصِ النافعةِ للدعوة ما يُمكِّنُ للجميع أن يساهمَ في تحمُّل المسؤولية، ومقارعةِ الأعداء. إن الأزْمةَ الراهنةَ ينبغي أن تجمعَ الأُمةَ المسلمةَ على كلمةٍ سواء .. وعالميّتُنا قبل عولمتِهم، وولاؤُنا لبعضٍ خيرٌ وأزكى من تحالُفِهم، وأهدافُنا أسمى من أهدافِهم.
следующие страницы →