ينتظرون نصرة هذا الدين وهم بعد لأوقاتهم مضيعون، ولأهوائهم وشهواتهم مستسلمون.
إن الأمة محتاجة لكل طاقة، وإن الدعوة لا تستغني عن أي وسيلة مباحة فليسد كل واحد من المسلمين الثغرة التي يحسنها، لنتق الله في أوقاتنا ولنقدم خيرًا لأنفسنا، اللهم إنا نعوذ بك من العجز والكسل، اللهم ألهمنا رشدنا، ويسر أمورنا، واختم بالصالحات أعمالنا.
هذا وصلوا.
стр. 282
من أخطائنا في الصلاة (١)
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، جعل الصلاة عماد الدين، وقال في كتابه المبين ﴿وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾ (٢) وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، حثّ على إقامة الصلاة، وجعلها حدًّا فاصلاً بين الإيمان والكفر، فقال: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ... ﴾ (٣).
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ما زال يوصي بالصلاة حتى كان من آخر كلامه «الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم» (٤).
اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى الآل والأصحاب المؤمنين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فأوصي نفسي وإياكم معاشر المسلمين بتقوى الله، ألا وإن المحافظة على الصلاة بأوقاتها، وخشوعها وأركانها وواجباتها وسننها طريق إلى التقوى.
أيها المسلمون لا ضير أن يتتابع الحديث، ويتجدد عن هذه الشعيرة العظيمة، لاسيما إذا كان دعوة للخشوع فيها، أو تحذيرًا من أخطاء يكثر الوقوع فيها، وحيث مضى الحديث عن الخشوع في الصلاة فحديث اليوم عن أخطاء ينبغي التنبه لها لمن وقع في شيء منها، فكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون،
стр. 283
وأكيس الناس وأبصرهم من أصلح عيوب نفسه ولسان حاله يقول كما قال الصالحون (سمعنا وأطعنا) وأحمق الناس وأجهلهم من ظن الحديث موجهًا لغيره واشتغل بعيوب الآخرين ونسي نفسه.
أيها الإخوة المؤمنون هذه الأخطاء منها ما هو قبل الصلاة، ومنها ما هو أتناء الصلاة، وثمة ما يحسن التنبيه إليه بعد الصلاة. وأول الأخطاء تقع في «الوضوء» وهو مفتاح الصلاة وبوابتها الأولى وشرطها المقدم فـ (لا تقبل صلاة بغير طهور .. ) (١).
والطهور شطر الإيمان (رواه مسلم وغيره) وفي التنزيل ﴿يا أيها الذين أمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ إلى قوله ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا ... ﴾ (٢) ويقع الخطأ في الوضوء إما بعد التنزه من البول. والرسول ﷺ يحذر من ذلك، ويقول: «تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه» (٣) أو يكون الخطأ في عدم إسباغ الوضوء، وبقاء بقع في أحد الأعضاء الواجبة الغسل لم يبلغها الماء، ولهذا قال ﵊ مؤكدًا على ذلك «وإسباغ الوضوء شطر الإيمان» (٤) وتدعو الحاجة للإسباغ بشكل عام وتشتد حين المكاره كشدة البرد مثلاً «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات قالوا: بلى يا رسول الله. قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد الحديث» (٥).
стр. 284
والمكاره: هي المشقة كشدة البرد مثلاً، وإسباغ الوضوء إتمامه وإكماله (١). وكما يقع الخلل في عدم الإسباغ يقع الخطأ كذلك في المبالغة في الغسل المفضي إلى الوسوسة، عافانا الله من ذلك والمسلمين، وتلك بلية أخرى ينبغي التنبه لها والحذر منها، وعلى كل حال فالخلل في الوضوء زيادة أو نقصًا وعدم حسن الوضوء له أثره على الصلاة، وإليك الأثر من مشكاة النبوة لتكون على حذر، فقد روى الإمام أحمد فس مسنده بسند حسن «أن رسول الله ﷺ صلى بالمسلمين الصبح فقرأ الروم فأوهم، فلما انصرف قال: إنه يلبس علينا القرآن، فإن أقوامًا منكم يصلون معنا لا يحسنون الوضوء، فمن شهد منكم الصلاة معنا فليحسن الوضوء» (٢). وعلق عليه ابن كثير ﵀ بقوله: هذا إسناد حسن ومتن حسن، وفيه سر عجيب، ونبأ غريب، وهو أنه ﷺ تأثر بنقصان من ائتم به، فدل ذلك على أن صلاة المأموم متعلق بصلاة الإمام (٣).
وبكل حال فقد وردت أحاديث كثيرة تأمر بحسن الوضوء وحسن الصلاة وترتب على ذلك الأجر العظيم (٤).
ومن الأخطاء المصاحبة للوضوء ترك التسمية. فالتسمية واجبة عند بعض العلماء، وسنة عند آخرين قبل البدء في غسل الأعضاء، فيقول المتوضئ: بسم الله الرحمن الرحيم قال ﵊: «ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والطبراني والحاكم، وقال:
стр. 285
صحيح الإسناد، وصححه الألباني (١) وتسقط مع الجهل والسهو، وقبل الوضوء كذلك لابد من استحضار النية لرفع الحدث والطهارة للصلاة. قال ابن حجر: واستنبط بعض العلماء من قوله تعالى ﴿وإذا قمتم إلى الصلاة﴾ إيجاب النية في الوضوء لأن التقدير: إذا أردتم القيام إلى الصلاة فتوضؤوا لأجلها (٢). والنية محلها القلب ولا تحتاج إلى تلفظ باللسان، وهي عزم القلب على فعل الوضوء ابتغاء مرضاة الله وامتثالاً لأمر رسوله ﷺ (٣).
إخوة الإيمان ويبقى الوضوء سمة هذه الأمة، ومفرقها بين الأمم، فهم غر محجلون من آثار الوضوء، كذلك يعرفهم نبيهم ﷺ (٤) والوضوء من الإيمان، وقد صح في الحديث (ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن) (٥) وفي المسند وينسون أنه ليس من عمل أحبَّ إلى الله تعالى من الصلاة على وقتها، وهو مقدم على الجهاد في سبيل الله مع فضله ومشقته (٦).
أخي المصلي ولا تكن الصلاة آخر اهتماماتك، تقضى حين الفراغ، ففرض الله أولى من كل عمل مهما كان، وإياك أن تكون ممن توعد بالويل في قوله تعالى: ﴿فويل للمصلين الذين هم عن صلاتم ساهون﴾ أتدرون من هؤلاء الساهون؟ لقد سأل مصعب بن سعد أباه فقال: يا أبتاه أرأيت قوله تعالى: ﴿الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾ أينا لا يسهو؟ أينا لا يحدث نفسه؟ قال: ليس
стр. 286
ذلك، إنما هو إضاعة الوقت، يلهو حتى يضيع الوقت) (١) أتدري أيها المؤخر للصلاة عن وقتها أنك على خطر عظيم، ولست بضامن على، الله المغفرة، يقول كعب بن عجرة ﵁ خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن سبعة نفر ننتظر الصلاة، فقال: هل تدرون ما يقول ربكم؟ قلنا: لا، قال: فإن ربكم يقول: من صلى الصلاة لوقتها وحافظ عليها ولم يضيعها استخفافًا بحقها فله علي عهد أن أدخله الجنة، ومن لم يصلها لوقتها ولم يحافظ عليها وضيعها استخفافًا بحقها فلا عهد له علي، إن شئت عذبته، وإن شئت غفرت له (٢).
بشراكم أيها المحافظون على الصلوات بأوقاتها وخشوعها، وتنبهوا من رقدتكم أيها الكسالى المفرطون المؤخرون للصلاة والمستثقلون لها.
عباد الله ومن أخطائنا المتكررة في الصلاة نقرها وعدم الاطمئنان في ركوعها أو سجودها أو قيامها أو نحو ذلك من الأركان والواجبات. والطمأنينة ركن من أركان الصلاة لا تصح إلا به، ولقد رأى النبي ﷺ رجلاً لا يتم ركوعه، وينقر سجوده وهو يصلي فقال: «لو مات هذا على حاله هذه مات على غير ملة محمد ﷺ ، ثم قال ﵊: مثل الذي لا يتم ركوعه، وينقر في سجوده مثل الجائع يأكل التمرة والتمرتين لا يغنيان عنه شيئًا» (٣).
وحذر النبي ﷺ أمته من الإخلال بشيء من أركانها، وأن أولئك، لا تقبل صلاتهم ولو مكثوا على ذلك سنين فقال: «إن الرجل لصلي ستين سنة وما تقبل له صلاة، لعله يتم الركوع ولا يتم السجود، ويتم السجود ولا يتم الركوع» (٤).
стр. 287
أيها المسلمون أيها المصلون وليس بخاف على أحد قصة الرجل المسيء في صلاته والذين اعتبره النبي ﷺ لم يصل حقيقة وإن صلاها ظاهرًا، وقال له مرتين أو ثلاثة: «ارجع فصل فإنك لم تصل» وحين أقسم أنه لا يحسن غير هذه الصلاة، علمه النبي ﷺ غيره ممن يخل بالصلاة فقال: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تستوي قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» (١).
وفي رواية لأبي داود: «فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، وإن انتقصت من هذا فإنما انتقصته من صلاتك» (٢).
إنها الطمأنينة في سائر الأركان وحتى تقضى الصلاة، وليست الصلاة مجرد حركات لا يفقه المصلي فيها قولاً ولا يحسن دعاءً، ولا ترى إلا أجسادًا تهوي إلى الأرض خفضًا ورفعًا.
هل يرضيك أخي المصلي أن يصرف الله نظره عنك وأنت تصلي؟ يقول ﷺ : «لا ينظر الله إلى عبد لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده» (٣).
أيها المصلون: وثمة أخطاء في هيئات ركوعنا أو سجودنا أو جلوسنا، فمن الناس من إذا ركع لم يخفض ظهره، بل يكتفي بالانحناء قليلاً، وهذه سمة جهل
стр. 288
أو تكبر (والسنة في الركوع استواء الظهر حتى لو صببت عليه ماءً لركد فيه) ويبالغ آخرون في الركوع حتى تنخفض رؤوسهم ويزيدون عن الحد المشروع في الركوع، فليحذر الإفراط والتفريط. وفي السجود يخطئ من يرفع أنفه أو جبهته أو رجليه وهو ساجد وإنما السجود على سبعة أعظم كما قال النبي ﷺ : «على الجبهة، وأشاره بيده على أنفه، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين» (١).
كما يخطئ من يفترش ذراعيه افتراش السبع وهو ساجد لما في ذلك من التشبه بالحيوان، والمستحب مجافاتها ورفعهما عن الأرض وفي الحديث «إذا صليت فلا تبسط ذراعيك بسط السبع وادعم على راحتيك، وجاف مرفقيك عن ضبعيك) (٢).، ما لم يشق عليه ذلك لطول سجوده فإن شق اعتمد بمرفقيه على ركبتيه (٣).
ساقيه ويضع يديه على الأرض كما يفرش الكلب وغيره من السباع (٤) وللإقعاء صور أخرى (٥).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ (٦) نفعني الله وإياكم.
стр. 289
الخطبة الثانية
الحمد لله القائل: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون﴾ (١) وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق الخلق لعبادته، وشرع لهم من الدين أحسنه وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه، ما زال يوصي أمته ويقول: «صلوا كما رأيتموني أصلي» رواه البخاري. وحذر من إضاعة الصلاة والتهاون بها، وهو القائل: «ورب مصل لا خلاق له عند الله تعالى» (٢) اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
أيها المؤمنون من الأخطاء الشائعة مسابقة الإمام بالركوع أو الرفع منه أو السجود أو السلام أو نحو ذلك، ويكفي لذلك ردعًا أن يعي المصلي قول النبي ﷺ : «أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار» (٣).
وهناك خطأ آخر ألا وهو التأخر عن الإمام، أو الموافقة له في القيام والقعود أو الركوع والسجود، والسنة المتابعة للإمام، فإنما جعل الإمام ليؤتم به، وها كم صورة جلية للمتابعة المشروعة، يقوله البراء بن عازب ﵁: أنا خلف النبي ﷺ ، فكان إذا انحط من قيامه للسجود لا يحني أحدٌ منا ظهره حتى يضع رسول الله ﷺ جبهته على الأرض (٤). ورأى ابن مسعود ﵁ رجلاً يسابق إمامه فقالت: لا وحدك صليت ولا أنت بإمامك اقتديت (٥).
стр. 290
إخوة الإيمان ومن الأخطاء الاختصار في الصلاة، فقد نهى النبي ﷺ أن يصلى الرجل مختصرًا كما في صحيح مسلم (١).
والاختصار في الصلاة وضع اليد في الخاصرة، والخاصرة هي المستدق من البطن الذي فوق الورك، وعلة النهي أنه من فعل اليهود، كما جاء في حديث عائشة ﵂ (٢).
والتثاؤب في الصلاة ينبغي أن يدفع، قال ﵊ «إذا تثاءب أحدكم في الصلاة فليكظم ما استطاع، فإن الشيطان يدخل، وفي رواية: فليمسك بيده على فيه فإن الشيطان يدخل» (٣).
أيها المسلمون إذا كان يشرع تغطية الفم حال التثاؤب منعًا لدخول الشيطان، فاعلموا أنه لا ينبغي تغطية الفم في الصلاة لغير حاجة. فقد نهى النبي ﷺ أن يغطي الرجل فاه كما في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره بسند حسن عن أبي هريرة (٤) وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في الاقتضاء أن ذلك فعل المجوس عند نيرانهم التي يعبدونها، فنهي المسلمون عن مشابهة الكفار (٥).
والسترة في الصلاة مما ينبغي الاعتناء بها ويخطئ بعض المصلين حين لا يصلي إلى سترة أو يتهاون في منع المار بين يديه، والرسول ﷺ يقول: «إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة وليدن من سترته، لا يقطع الشيطان عليه
стр. 291
صلاته» (١) وفي رواية أخرى: «ولا يدع أحدًا يمر بين يديه، فإن جاء أحدٌ يمر فليقاتله فإنه شيطان» (٢). والسترة المأمور بها مثل مؤخرة الرحل ... أما خط الخط فقد ضعف حديثه عدد من العلماء وأخذ به أحمد وغيره مع ضعف الحديث كما قال النووي قال النووي يرحمه الله: قال العلماء: والحكمة في السترة كف البصر عما وراءه، ومنع من يجتاز بقربه (٣).
ومن الأخطاء الإشارة بالأيدي عند السلام، وفي صحيح مسلم: باب كراهية أن يشير بيده إذا سلم من الصلاة، وساق الحديث عن جابر بن سمرة ﵁ قال: كنا إذا صلينا مع رسول الله ﷺ قلنا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيده إلى الجانبين. فقال رسول الله ﷺ : علام تومئون بأيديكم. وفي رواية: ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس، وإنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله (٤) التلفظ بالنية عند الصلاة خطأ شائع عند المصلين.
أيها المصلون وليس بخفي أن الشيطان حريصٌ على إضاعة صلاتكم، كيف لا وقد أمر بالسجود فأبى واستكبر، وأمرتم أنتم بالصلاة فسمعتم وأطعتم، والناس مع الشيطان في الصلاة أصناف صنف استحوذ عليهم بالكلية فأنساهم ذكر الله والصلاة. وصنف رضي منهم بالوسوسة فيها والغياب عن خشوعها والطمأنينة فيها، وزين لهم كثرة الحركات فيها. وصنف عصمهم الله منه فأدوا
стр. 292
الصلاة كما أمروا، أولئك هم المفلحون. ولا شك أن مراغمة الشيطان ومغاليته على هذه الصلوات ورياضة النفس وتدريبها المرة تلو الأخرى خير سبيل لحفظ هذه الصلوات، فإن غاب عنك الخشوع في ركعة فاحرص عليه في الأخرى، وإن غلبك الشيطان في هذه الصلاة فغالبه في الصلاة اللاحقة، وهكذا حتى تستمر النفس الخشوع وتتقلل من الأخطاء، والله تعالى يعين الصابرين ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾.
ثم احرصوا رحمني الله وإياكم على النوافل فإنها من خير ما يسدد نقص الفرائض، وفي الحديث «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته، فإن كان أتمها كتبت له تامة، وإن لم يكن أتمها، قال الله لملائكته: انظروا هل تجدون لعبادي من تطوع فتكملون بها فريضته» (١).
ومن عجب أن ترى أكثر الناس تفريطًا في الصلوات المكتوبة أزهدهم في النوافل المنسوبة، ومثله عجبًا أن ترى آخر من يدخل المسجد أول الناس خروجًا منه، والفضل بيد الله، وراغموا الشيطان يا عباد الله، واعلموا أن المكوث في المسجد عبادة، ولا تزال الملائكة تصلي على المرء وتدعوا ما دامت الصلاة تحبسه.
стр. 293
أول ما يرفع من هذه الأمة (١)
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، ﴿نزل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله﴾ (٢).
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وصف الصفوة من عباده ورسوله إمام المتقين وقدوة الخاشعين المخبتين بالمسارعة للخيرات، وامتدحهم بالخشية والخشوع، فقال جل من قائل عليمًا ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبًا ورهبًا وكانوا لنا خاشعين﴾ (٣).
وأشهد أن محمدًا عبده، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن آله المؤمنين وصحابته الغر الميامين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فاتقوا الله معاشر المسلمين ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ (٤) ﴿إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ (٥). إخوة الإيمان كثيرة هي الألفاظ التي نمر بها في كتاب الله دون أن
стр. 294
تستوقفنا، وكثيرة هي المعاني العظيمة التي نقرأها في القرآن وأثرها في سلوكياتنا ضعيف، وتعالوا بنا لنقف على واحدٍ من المصطلحات نحرره، ونعلم المقصود به، ونعي قيمته، ونحاكم أنفسنا إليه، ونصحح المفاهيم الخاطئة فيه، وكيف نبلغه. إنه «الخشوع» شعار المتقين، وأول ما يرفع من المسلمين. أخرج الإمام أحمد والطبراني عن أبي الدرداء، وشداد بن أوس رضى الله عنهما- بسند صحيح- أن النبي صل الله عليه وسلم قال: «أول شيء يرفع من هذه الأمة الخشوع، حتى لا ترى فيها خاشعًا». وفي رواية «أول ما يرفع من الناس الخشوع» (١).
وخرج النسائي- بسند صحيح أيضًا- من حديث جبير بن نفير ﵁ عن عوف بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ نظر إلى السماء يومًا فقال: «هذا أوان يرفع فيه العلم، فقال رجل من الأنصار يقال له: زياد بن لبيد: يا رسول الله: أو يرفع العلم وقد أثبت ووعته القلوب؟ فقال رسول الله ﷺ : «إن كنت لأحسبك من أفقه أهل المدينة». وذكر ضلال اليهود والنصارى على ما في أيديهم من كتاب الله ، قال (جبير) فلقيت شداد بن أوسيٍ فحدثته بحديث عوف بن مالك فقال: صدق عوف، ألا أخبرك بأول ذلك يُرفع؟ قلت بلى، قال: الخشوع حتى لا ترى خاشعًا» (٢).
أمة الإسلام فمعنى الخشوع المراد هنا: لين القلوب ورقته وسكونه وخضوعه وانكساره وحرقته، فإذا خشع القلب تبعته الجوارح والأعضاء خاشعة مطيعة لله
стр. 295
«ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (١).
أجل يا أخا الإسلام إن الخشوع الحق ينتظم جوارح العبد كلها بدءًا بالقلب، ومرورًا بالمخ والعظم والعصب، وانتهاءً بالسمع والبصر. ولهذا كان النبي ﷺ يقول في ركوعه في الصلاة: «اللهم لك ركعت وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي (٢) وكان ﵊ يستعيذ بالله من فقده ويقول في دعائه «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع وقلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا تستجاب لها» (٣).
ولك- يا أخا الإيمان- أن تدرك قيمة الخشوع وتعي قدره حين تعلم أن خيار الأمة عوتبت عليه، ولما يمضي على إسلامهم زمن طويل، قال الله تعالى ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون، اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون﴾ (٤).
قال ابن مسعود ﵁: «ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية ... إلا أربع سنين» (٥) ولعلك تدرك من لفظ الآية والتي بعدها: أن طول الأمل سببٌ
стр. 296
لقسوة القلب، وأن قسوة القلب مظهر من مظاهر عدم الخشوع، وأن الله كما يحيي الأرضي الميتة بماء السماء، كذلك يحيي القلوب بوحي السماء.
قال الله تعالى ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله .. ﴾ (١). قال أبو عمران الجوني: والله لقد صرف إلينا ربنا في هذا القرآن ما لو صرفه إلى الجبال لمحاها ودحاها، وكان مالك بن دينار ﵀ يقرأ هذه الآية ثم يقول: أقسم لكم لا يؤمن عبد بهذا القرآن إلا صدع قلبه».
ويروى عن الحسن ﵀ أنه قال: يا ابن آدم إذا وسوس لك الشيطان بخطيئة أو حدثتك بها نفسك فاذكر عند ذلك ما حملك الله من كتابه مما لو حملته الجبال الرواسي لخشعت وتصدعت، فإنما ضرب لك الأمثال لتتفكر بها وتعتبر، وأنت يا ابن آدم أحق أن تخشع لذكر الله وما حملك من كتابه .. لأن عليك الحساب ولك الجنة والنار (٢).
يا أهل القرآن والخاشعون لله حقًا هم الذين يحبون الله ويثبتون هذه المحبة بالتقرب إليه بالطاعات، وهم الذين يخافون عقابه ويؤكدون خوفهم بالبعد عن المحرمات، الخاشعون لله هم الذين يؤتون ما آتوا من القربات وتبقى قلوبهم وجلة ألا تقبل منهم تلك الطاعات، أما الجاهلون .. أما غير الخاشعين فتبقى قلوبهم لاهية وإن لم تتقدم بهم الحسنات، ومن كان بالله أعرف كان منه أخوف، ومن أعرض عن ذكر الله فلا يبال الله بأي أودية الدنيا أهلكه- نسأل الله السلامة ونعوذ به من الغواية. وليس من خشوع العين رؤيتها لما حرم الله،
стр. 297
وليس من خشوع الأذن سماعها لما حرم الله، وليس من شأن اليد الخاشعة أن تبطش بالحرام، ولا أن تسير الرجل الخاشعة إلى حرام، ولا من شأن القلب الخاشع أن ينطوي على الخواطر الرديئة وسيء الأخلاق والاعتقاد ﴿إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً﴾.
أيها المسلمون ومن صفات الخاشعين البكاء من خشية الله ﴿قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدًا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا، ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعًا﴾ (١). قال القرطبي ﵀، وهذه أحوال العلماء، يبكون ولا يصعقون، ويسألون ولا يصيحون، ويتحازنون ولا يتموتون (٢). ومن صفاتهم: الصبر على ما أصابهم، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، ووجل القلوب عند ذكر الله، قال تعالى ﴿وبشر المخبتين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾ (٣).
ومن صفات الخاشعين: تعظيم شعائر الله، وشعائر الله أوامره. كما قال المفسرون (٤) ومن تعظيمها: التحرج من المساس بها سوءًا أو القرب منها تعديًا، وذلك من تقوى القلوب، قال علام الغيوب: ﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾ (٥).
стр. 298
ومن صفاتهم الإيمان بالله ورسوله وكتبه المنزلة مع عدم كتمان شيء من الحق أو بيع الدين بالدنيا ﴿وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلاً﴾ (١). ومن صفات الخاشعين في كتاب الله، يقينهم بلقاء ربهم، وأنهم إليهم راجعون، ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون﴾ (٢).
وكذلك فامتحن نفسك أيها الإنسان في الخشوع، وانظر قربك أو بعدك من هذه الصفات، وهل أنت من الخاشعين أم عدادك في الغافلين؟ .
يا أخا الإيمان وإن استهوتك منازل السالكين في الجنان، ورمت طريق الخاشعين فاعلم أنه يسير على من يسره الله عليه، لكنه محتاج في البداية إلى صبر وعزيمة وتجاوز للعقبات وسؤال الله الثبات .. وهاك تجربة العارفين بمدارج أحد السالكين يهديها لك الإمام ابن القيم حين يقول: «فالنفسن جبل عظيم شاق في طريق السير إلى الله. وكل سائر لا طريق له إلا على ذلك الجبل، فلابد أن ينتهي إليه .. وفي ذلك الجبل أودية وشعوب، وعقبات ووهود، وشوك وعوسج، وعليق وشبرق ولصوص يقطعون الطريق على السائرين .. فإذا لم يكن معهم عدد الإيمان، ومصابيح اليقين تتقد بزيت الإخبات وإلا تعلقت بهم الموانع، وتشبثت بهم تلك القواطع وحالت بينهم وبين السير، فإن أكثر السائرين فيه رجعوا على أعقابهم لما عجزوا عن قطعه واقتحام عقباته، والشيطان على قلة ذلك الجبل يحذر الناس من صعوده وارتفاعه ويخوفهم منه،
стр. 299
فيتفق مشقة الصعود وقعود ذلك المخوف على قلته، وضعف عزيمة السائرين فيتولد من ذلك الانقطاع والرجوع، والمعصوم من عصمه الله .. ثم يقول وكلما رقى السائر في ذلك اشتد به صياح القاطع وتحذيره وتخويفه، فإذا قطعه وبلغ قلته انقلبت تلك المخاوف كلهن أمانًا، وحينئذ يسهل السير، وتزول عوارض الطريق .. ويرى طريقًا واسعًا آمنًا يفضي به إلى المنازل والمناهل، وعليه الأعلام وفيه الإقامات قد أعدت لركب الرحمن. إلى أن يقول: فبين العبد وبين السعادة والفلاح: قوة عزيمة، وصبر ساعة، وشجاعة نفس، وثبات قلب، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم» (١).
اللهم اسلك بنا طريق المتقين، وبلغنا منازل الصادقين، واعصمنا من الفتن يا رب العالمين/ أقول قولي هذا ..
стр. 300
الخطبة الثانية
الحمد لله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه، هو أهل الحمد والثناء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ند ولا مثيل ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
أيها الإخوة المؤمنون .. والخشوع الحق تصور واع لعظمة الله وعلم يقيني بثوابه وعقابه، يقود إلى صلاح القلب ووجله وتقواه، ويعلق صاحبه بالله دون سواه، ثم تسري هذه الشحنة الإيمانية في الجسد فيقشعر لها، ثم تفيض العين بالبكاء، ثم يلين القلب والجلد معًا، ثم تتنزل السكينة والوقار فيأمن الخاشع من المخاوف ويهدأ من الاضطراب، وينتهي بالمرء إلى الإخبات، والإخبات أول منازل الطمأنينة، حتى يبلغ الخشوع بالمرء إلى الطمأنينة وهي نهاية الإخبات، ومعها يسكن القلب والنفس مع قوة الأمن دون غرور .. تلك درجات الخشوع الحق لمن ابتغاها (١).
أيها المسلمون وليس من الخشوع الحق الزعيق والصياح كما يصنعه جهلة العوام أو المبتدعة، ولا الرقص والتصفيق كما يفعله أهل التصوف والطرقية والجهلة الطغام، يقول العز بن عبد السلام يرحمه الله: وأما الرقص والتصفيق فخفة ورعونة مشبهة لرعونة الإناث، لا يفعلها إلا راعن، أو متصنع كذاب، كيف يتأتى الرقص المتزن بأوزان الغناء ممن طاش لبه وذهب قلبه ... أما التصفيق فقد حرمه بعض العلماء لقوله ﵊ «إنما التصفيق
стр. 301
للنساء» (١) - إلى أن يقول العز ﵀: ومن هاب الإله، وأدرك شيئًا من تعظيمه لم يتصور منه رقصٌ ولا تصفيق، ولا يصدر التصفيق إلا من غبي جاهل، ولا يصدر من عاقل فاضل (٢).
أمة الإسلام .. وليس من الخشوع الحق ضرب الخدود وشق الجيوب، والتباكي كما يفعله أهل البدع الضلال، أولئك الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، وقد تحدث الإمام الشاطبي ﵀ عن طائفة من هؤلاء الذين شأنهم الرقص. والزمر، والدوران، والضرب على الصدور، وبعضهم يضرب على رأسه وما أشبه ذلك من العمل المضحك للحمقى والمبكي للعقلاء ... وبين خطأهم وضلاهم كما علق عالم السنة أبو بكر الأجري ﵀ على حديث العرباض بن سارية ﵁ قال: وعظنا رسول الله موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال الأجري: «ميزوا هذا الكلام، فإنه لم يقل: صرخنا من موعظة، ولا طرقنا على رؤوسنا، ولا ضربنا على صدورنا، ولا زفنا ولا رقصنا، كما يفعل كثير من الجهال يصرخون عند المواعظ، ويزعقون ويتناشون ... إلى أن يقول: وهذا كله من الشيطان يلعب بهم، وهذا كله بدعة وضلالة (٣).
عباد الله ... ومن الخشوع الكاذب خشوع النفاق، وهو تكلف الإنسان الخشوع في جوارحه وأطرافه مع فراغ قلبه من الخشوع وخلوه منه، ذلكم هو الذي كان يتعوذ منه السلف، فيروى عن أبي الدرداء ﵁ أنه قال: «استعيذوا
стр. 302
بالله من خشوع النفاق، قالوا: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعًا، والقلب ليس بخاشع» (١).
معاشر المسلمين- وليس من الخشوع الصادق المسكنة الفارغة، والضعف المذل، والسلبية والانطوائية، وضعف الإنتاج، وطأطأة الرأس دون وجل القلب وقوته، ويروى أن عمر ﵁ أبصر شابًا قد نكس رأسه فقال له: يا هذا: ارفع رأسك فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب» فمن أظهر خشوعًا غير ما في قلبه فإنما هو نفاق على نفاق (٢).
هذه معاشر المسلمين ضروب من التخشع الكاذب فاحذروها، واعلموا أن الخير كل الخير فيما كان عليه الرسول ﷺ وصحابته ومن سار على نهجهم، وأولئك جاء في القرآن صفة خشوعهم، وأبانت السنة الصحيحة كيفية عبادتهم وهيئة خشوعهم، يقول الحق ﵎ في وصف أحوال أهل المعرفة عند سماع الذكر والتنزيل ﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ... ﴾.
وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن الناس سألوا النبي ﷺ حتى أحفوه في المسألة، فخرج ذات يوم، فصعد المنبر فقال: «سلوني، لا تسألوني عن شيء إلا بينته لكم ما دمت في مقامي هذا» فلما سمع ذلك القوم أرموا- أي سكتوا- ورهبوا أن يكون بين يدي أمر قد حضر، قال أنس: فجعلت ألتفت يمينًا وشمالاً فإذا كل إنسان لافٌّ رأسه في ثوبه يبكي ... الحديث.
стр. 303
وقد مر معنا هيئتهم عند الموعظة تذرف منها العيون، وتوجل منها القلوب- كما في حديث العرباض ﵁ لكن دون زعيق أو صياح، أو رقص وتصفيق أو ضرب خدود وشق جيوب ... أو نحو ذلك من أحوال رآها الخلف الجاهلون ضروبًا من العبادة والقربى ... وهي ليست إلا ضروبًا من البدع منكرة ... وألوانًا من المعونات الباطلة.
أيها الإخوة المؤمنون، وبالعلم والإيمان، وتدبر السنة والقرآن، والنظر في ملكوت الله وكيف خلق الإنس والجان، وكيف رفع السماء بلا عمد تراها، وأغطش ليلها وأخرج ضحاها، وبسط الأرض ودحاها، وأخرج منها ماءها ومرعاها، والجبال أرساها ... والإلتفات بعد ذلك إلى الطامة الكبرى، يوم يرد الناس كلهم على الله آتيه فردًا، عراة غرلاً ... كما بدأنا أول خلق نعيده وعدًا علينا حقًا- ونذكر الله بأسمائه الحسنى وتصور صفاته العلى - بهذه وتلك، يناله الخشوع وتطمئن القلوب. قال تعالى وهو أصدق القائلين ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾.
وقال جل من قائل عليمًا ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك إنه على كل شيء شهيد﴾ (١).
﴿الذي آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ (٢). ويبقى بعد ذلك حديث مهم عن الخشوع في الصلاة.
اللهم ارزقنا خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، نسألك نعيمًا لا ينفد وقرة عين لا تزول ... هذا وصلوا.
стр. 304
الخشوع الغائب (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمد ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فيا أيها الناس اتقوا الله وأصلحوا أعمالكم وراقبوه فيما تعملون أو تدعون، ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ (٢). ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾ (٣).
عباد الله كثيرًا ما يسأل المرء منا نفسه ماذا وكم عمل؟ . وقليلاً ما نسائل أنفسنا وكيف كان عملنا ومدى قربه أو بعده من هدي نبينا؟ . وهذا من جهلنا وتقصيرنا بحقيقة العبادة التي يريدها الله منا، فإن المعول عليه في العبادات كلها إخلاصها وصحة أدائها، لا مجرد الإتيان بها وكثرتها، ولقد بين الله في كتابه الكريم أنه خلقنا ليبلونا أينا أحسن عملاً، قال تعالى في سورة هود ﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملاً﴾ (٤).
стр. 305
وقال في سورة الملك ﴿الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً﴾ (١).
ذلك لمن كان يرجو لقاء ربه كما قال في سورة الكهف: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا﴾ (٢). قال العارفين في معنى «أحسن عملاً أي أصوبه وأخلصه.
وحتى نبلوا أنفسنا ونصحح أخطاءنا تعالوا بنا لنقف على واقعنا في عبادة من أهم العبادات وأكثرها تكرارًا في اليوم والليلة هي أول ما سنحاسب عليه، وهي آخر ما نفقد من ديننا، إنها الصلاة، كتاب الله المفروض على المسلمين، والحد الفاصل بين الإسلام والكفر.
ولن يكون حديثي هذا اليوم عن فريضة الصلاة ووجوبها، وليس الحديث موجهًا لأولئك النفر القلة المضيعين للصلاة والمفرطين في الواجبات، لكنه حديث موجهٌ لنفر من المسلمين المحافظين على الصلاة بأوقاتها ومع جماعة المسلمين، أولئك الذين يرجون رحمة الله، ويرغبون في معرفة أخطائهم، ويتطلعون إلى الاقتداء بخير البرية محمد بن عبد الله ﷺ .
وحيث سبق الحديث عن الخشوع بمفهومه العام، وحاجتنا إليه، فحديث اليوم عن الخشوع في الصلاة، لب الصلاة وروحها، وهذا الخشوع الذي افتقده كثيرٌ من المصلين، ولم تقف المصيبة بفقده عند عوام الناس، بل وصلت الخواص- إلا من رحم الله- وسار داء فقد الخشوع حتى شمل النساء إلى جانب الرجال، والصغار إلى جانب الكبار، ولم تكن البلية بعدم الخشوع في الصلاة حدثًا طارئًا بل وجد فيمن قبلنا ... ولكن بنسب متفاوتة، وكلما شاع
стр. 306
الجهل وقل التقى، واشتغل الناس بالدنيا عن الدين كلما اتسعت الهوة وقل الخشوع في العبادة، ولئن صحت نسبة القول إلى أحد السابقين» يوشك أن تدخل المسجد الجامع فلا ترى فيه رجلاً خاشعًا» (١) فهي البلية الكبرى والمصيبة العظمى. وعلى كل حال فما من شك أن غياب الخشوع في الصلاة ظاهرة خطيرة ودار يستحق الوقفة، ويستوجب العلاج، وذلك لأمرين هامين:
الأمر الأول: أن الصلاة ميزان لقبول الأعمال أوردها، يقول ﵊: «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح له سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله» (٢).
الثاني: أن المرء ليست له من صلاته إلا ما عقل منها، كما قال ابن عباس ﵄ وفي المسند مرفوعًا «إن العبد ليصلي الصلاة ولم يكتب له إلا نصفها، أو ثلثها أو ربعها حتى بلغ عشرها» (٣).
فهل ترضى يا أخا الإسلام أن ترد أعمالك الأخرى بسبب عدم إصلاح صلاتك؟ وهل يكفيك أن تكتب لك من صلاتك ربعها أو ثمنها أو عشرها.
أيها المسلمون ... أيها المصلون وهنا ترد الأسئلة التالية:
ما معنى الخشوع في الصلاة؟ وما حكمه؟ وما مظاهر عدم الخشوع في صلاتنا، وكيف نستجلب الخشوع في الصلاة؟ .
أما معنى الخشوع في الصلاة: فهو .. كما قال ابن كثير .. ﵀: تفريغ
стр. 307
القلب لها، وعدم الاشتغال بما عداها، وإيثارها على غيرها، وحينئذ تكون قرة عين للمصلي، كما كانت للنبي ﷺ «وجعلت قرة عيني في الصلاة» (١).
والخشوع في الصلاة كما جاء في عبارات السلف، سكون وخوف، وغض للبصر وخفض للجناح، وعدم الالتفات هنا أو هناك (٢).
هو باختصار سكون الجوارح عن الحركة غير المأذون بها شرعًا، وتدبر القلب وخشوعه لما يقال أو يفعل في الصلاة إن سرًا أو جهرًا. قال بعض السلف، الصلاة كجارية تهدى إلى ملك الملوك، فما الظن بمن يهدي إليه جارية شلاء أو عوراء أو عمياء أو مقطوعة اليد والرجل أو مريضة أو دميمية أو قبيحة، حتى يهدى إليه جارية ميتة بلا روح ... فكيف بالصلاة يهديها العبد ويتقرب بها إلى ربه تعالى، والله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وليس من العمل الطيب صلاة لا روح فيها، كما أنه ليس من العتق الطيب عبد لا روح فيه (٣).
أيها المؤمنون أما حكم الخشوع في الصلاة فقد قال بوجوبه في الصلاة عدد من العلماء، قال القرطبي ﵀ «اختلف الناس في الخشوع هل هو من فرائض الصلاة أو من فضائلها ومكملاتها؟ على قولين، والصحيح الأول ومحله القلب» (٤)، وممن قال بوجوبه، قال شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀: قال تعالى ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾ (٥)
стр. 308
قال الشيخ: وهذا يقتضي ذم غير الخاشعين، والذم لا يكون إلا لترك واجبٍ أو فعل محرم، وإذا كان غير الخاشعين مذمومين دلّ ذلك على وجوب الخشوع/ كما استدل الشيخ على وجوب الخشوع لقوله تعالى ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ ... إلى قوله ﴿أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون﴾. وبأدلة أخرى وكلام طويل استجمعه ﵀ (١). كما قال بالوجوب الحافظ العراقي في (طرح التثريب (٢) ردًّا على النووي رحمهما الله (٣).
إخوة الإسلام فإذا علم وجوب الخشوع في الصلاة أدركنا مدى تفريطنا وتهاوننا في أداء هذه الفريضة الواجبة وقلة خشوعنا في الصلاة، فإن قال قائل: وما هي مظاهر عدم خشوعنا في الصلاة؟ قلت: هذه كثيرة ومنها: -
١ - كثرة الحركات في الصلاة دونما فائدة كتحريك الأرجل والأيدي وتسوية الملبس ومس الشعر والنظر في الساعة وفرقعة الأصابع ونحو ذلك، وتأمل كيف قال النبي ﷺ لجابر ﵁ حين سأله عن مسِّ الحصى في الصلاة فقال: «واحدة، ولأن تمسك عنها خيرُ لك من مائة ناقة كلها سود الحدَق العيون» (٤).
٢ - الإلتفات في الصلاة وهو نوعان: حسي ومعنوي، فالحسي تقليب البصر يمينًا وشمالاً. وذلك هو الاختلاس الذي يختلسه الشيطان من صلاة العبد، كما أخبر النبي ﷺ في الحديث الصحيح (٥). والمعنوي هو التفات القلب عن الله لأي غرض من أغراض الدنيا، والانشغال عن الصلاة، وقد قال النبي ﷺ
стр. 309
لعمرو بن عتبة ﵁ في فضل الوضوء والصلاة الخاشعة «فإن هو قام وصلى فحمد الله وأثنى عليه ... وفرّغ قلبه لله انصرف من خطيئته كيوم ولدته أمه» (١) والخاشع والموفق من سلم من التفات البصر والفؤاد في الصلاة ولم يرفع بصره إلى السماء.
٣ - ومن مظاهر عدم الخشوع استثقال الصلاة وتباطئ الإمام في السلام، قال الله تعالى: ﴿وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾ والمعنى ثقيلة إلا على الخاشعين.
٤ - ومن مظاهره عدم نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر، قال تعالى ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ (٢). وقيل للنبي ﷺ : إن فلانًا يصلي الليل كله، فإذا أصبح سرق، فقال سينهاه ما تقول، أو قال ستمنعه صلاته» (٣).
٥ - ومن مظاهر عدم الخشوع كثرة السهو فيها، وقلة التدبر لما يقال أو يقرأ من القرآن فيها، ولو سألت بعضهم ماذا قرأ الإمام في المغرب والعشاء مثلاً أو ماذا قرأ هو قي صلاة اليوم لتردد في الإجابة، وليس ذلك إلا مظهرًا من مظاهر الغفلة وعدم الخشوع والتدبر في الصلاة فليحذر.
٦ - ومن أبرز مظاهر عدم الخشوع في الصلاة عدم الطمأنينة في الصلاة، وسرقة شيء من أركانها أو الواجبات، كعدم الاطمئنان في الركوع أو الرفع منه، أو السجود أو الجلسة بين السجدتين أو نحو ذلك، قال ﷺ «أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته، قيل: يا رسول الله كيف يسرق صلاته؟ قال لا يتم
стр. 310
ركوعها ولا سجودها» (١) وفي الحديث الآخر نهى رسول الله ﷺ عن نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب» (٢). وقد يصل الأمر ببعضهم إلى مسابقة الإمام، وهذا من تلاعب الشيطان في المصلي، وإلا هل سينهي الصلاة قبل الإمام، وقد حذر الرسول ﷺ من ذلك فقال «أما الذي يخشى يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار» (٣) اللهم وفقنا للهدى وعافنا من البلوى.
стр. 311
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين أحمده تعالى وأشكره وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه، واللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
إخوة الإيمان إذا عرفنا معنى الخشوع في الصلاة وقيمته وحكمه وبعضًا من مظاهر عدم خشوعنا في الصلاة، فهنا يرد السؤال المهم فكيف نخشع في الصلاة؟ ، وما هي الأسباب المعينة على الخشوع؟ وقبل الشروع في ذكر بعض الأسباب المعنية، أذكرك أخي المسلم بعلاج الظواهر السابقة لعدم الخشوع فتلافيها يورث الخشوع في الصلاة، وأضيف إليها أسبابًا أخرى للخشوع.
١ - وأول هذه الأسباب استحضار عظمة الله حين الدخول في الصلاة. أولست تبدأ الصلاة بالتكبير قائلاً: الله أكبر ... أجل إن معرفتك بمدلول هذه الكلمة يجعلك تعتقد أن الله أكبر من كل شيء ومن ثم فلا ينبغي أن يشغلك شيء عن ذكر الله وعن الصلاة حتى تفرغ منها. وينبغي أن تجل الله وأنت تقف بين يديه تناجين قال ﷺ «إن أحدكم إذا قام يصلي فإنما يناجي ربه فلينظر كيف يناجيه» (١).
٢ - وتدبر ما تقول من أذكار وما تقرأ من قرآن، من خير ما يعينك على الخشوع، فأنت لو تأملت ما تقول من دعاء الاستفتاح وما تقوله حين تركع وترفع وتسجد وتعتدل، وتدبرت ما تقرأ بين ذلك من كتاب الله العزيز لكان في هذا ذاك شغل لك عن التفكير في أمور أخرى خارج الصلاة، ولمن يغفل عن
стр. 312
تدبر القرآن أثناء الصلاة أو خارجها أذكر بمقولة أحد السلف «إن الله جمع الكتب المنزلة في القرآن، وجمع علم القرآن في المفصل، وجمع علم المفصل فاتحة الكتاب، وجمع علم فاتحة الكتاب في قوله ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ (١). وأذكر من يقرؤون من الآيات دون تدبر بموقف قتادة بن النعمان ﵁ الذي قام الليل لا يقرأ إلا ﴿قل هو الله أحد﴾ يرددها لا يزيد عليها (٢).
٣ - ومما يعين على الخشوع في الصلاة تذكر الموت، والصلاة صلاة مودع، وفي هذا يقول ﷺ «اذكر الموت في صلاتك، فإن الرجل إذا ذكر الموت في صلاته لحري أن يحسنها، وصل صلاة رجل لا يظن أنه يصلي غيرها» (٣). إي وربي إن صلاة من يظن أجله قاب قوسين أو أدنى لتختلف عن صلاة من خدع بطول الأمل وحب الدنيا.
٤ - أيها المسلمون ومن الأمور المعينة على الخشوع في الصلاة الحرص على سنن الصلاة، فصلاً عن الإتيان بواجباتها والأركان، ولهذا وذاك أثر في خشوع المصلي، أرأيت وضع اليد اليمنى على اليسرى على صدر المصلى ... كم فيه من عبودية لله رب العالمين، وقد سئل الإمام أحمد يرحمه الله عن المراد بذلك فقال «هو ذل بين يدي عزيز» قال علي بن محمد المصري الواعظ يرحمه الله: ما سمعت في العلم بأحسن من هذا» (٤). فوق ما في ذلك من اتباع هدي المرسلين «إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة» (٥) ثم أرأيت
стр. 313
تحريك السبابة حين التشهد كم هو شديد على الشيطان حتى قال النبي ﷺ «لهي أشد على الشيطان من الحديد» (١) ومثل ذلك يُقال في طأطأة الرأس، والنظر في موضع السجود، ونحو ذلك من هيئات الصلاة المشروعة، وكلها تدعوا للخشوع وتذهب الغفلة وتطرد وساوس الشيطان بإذن الله.
٥ - إخوة الإيمان، ومما يدعو للخشوع التأمل في حال السلف في صلاتهم، وتذكر مسلسل الخاشعين الماضين من المؤمنين، وهاك نموذجًا لهم، يقول مجاهد ﵀: كان إذا قام أحدهم يصلي يهاب الرحمن أن يشد بصره إلى شيء أو يلتفت أو يقلب الحصى أو يعبث بشيء أو يحدث نفسه من شأن الدنيا إلا ناسيًا ما دام في صلاته» (٢) وقال سعد بن معاذ ﵁: في ثلاث خصال لو كنت في سائر أحوالي أكون فيهن لكنت أنا أنا، إذا كنت في الصلاة لا أحدث نفسي بغير ما أنا فيه، وإذا سمعت رسول الله ﷺ حديثًا لا يقع في قلبي ريبٌ أنه الحق، وإذا كنت في جنازة لم أحدث نفسي بغير ما تقول ويقال لها» (٣).
ويذكر أن عصام بن يوسف ﵀ مر بحاتم الأصم وهو يتكلم في مجلسه، فقال: يا حاتم تحسن تصلي؟ قال: نعم، قال: كيف تصلي؟ قال: حاتم: أقوم بالأمر، وأمشي بالخشية، وأدخل بالنية، وأكبر بالعظمة، وأقرأ بالترتيل والتفكر، وأركع بالخشوع، وأسجد بالتواضع، وأجلس للتشهد بالتمام، وأسلم بالنية، وأختمها بالإخلاص لله ، وأرجع على نفسي بالخوف، أخاف ألا يقبل مني، وأحفظه بالجهد إلى الموت» قال: تكلم فأنت تحسن تصلي (٤).
стр. 314
عباد الله أيها المصلون ومما يعين على الخشوع:
٦ - استحضار المغنم والمغرم في الصلاة، وإذا كان قد مضى شيء من المغرم لمن ضيع صلاته ولم يخشع فيها يكفي منها أنها لا تنهاه من الفحشاء والمنكر في الدنيا، وتكون في الآخرة سببًا لرد أعماله الأخرى، إلى غير ذلك من المغارم الأخرى.
أما الصلاة الخاشعة فلها مغانم كثيرة، منها مغفرة الذنوب، كما قال ﷺ «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارةً لما قبلها من الذنوب ما لم يأت كبيرة، وذلك الدهر كله» (١).
في الحديث الآخر قال ﵊ «إن العبد إذا قام يصلي أتي بذنوبه كلها فوضعت على رأسه وعاتقيه، فكلما ركع أو سجد تساقطت عنه» (٢).
قال المناوي: المراد أنه كلما أتم ركنًا سقط عنه ركن من الذنوب، حتى إذا أتمها تكامل السقوط وهذا في صلاة متوفرة الشروط والأركان والخشوع كما يؤذن به لفظ (العبد) و (القيام) إذ هو إشارة إلى أنه قام بين يدي ملك الملوك مقام عبد ذليل (٣) والصلاة الخاشعة سبب لدخول الجنة كما ثبت ذلك في صحيح (٤) وهي تمنع مدخل السوء ومخرجه كما صح بذلك الحديث (٥).
إخوة الإيمان يطول الحديث عن آثار الصلاة ومغانمها- وليس هذا موضع بسطها- والمقصود أن نقدر هذه الصلاة حق قدرها، وأن يبصر كل منا نفسه
стр. 315
ويتأمل في صلاته، وإن من الحرمان أن يجهد المرء نفسه ثم لا يتقبل الله منه بسبب تقصيره وتلاعب الشيطان بعبادته، وكم هو مؤلم للنفس أن يمكث الإنسان دهرًا من عمره يؤدي الصلاة وكأنها عادة لا عبادة، فلا يجد فيها أنسه، ولا تنهاه عن معصية، وفرق كبير بين من إذا دخل الصلاة تمنى عدم الخروج منها لما يجده من لذة المناجاة وقرة العين، وبين من إذا دخل في الصلاة أخذ يحسب أنفاسه حتى تقضى الصلاة؟ .
стр. 316
حرب العقائد والدرس المستفاد (١)
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، له العزة والكبرياء، يحكم ما يشاء ويختار، والذين يمارون في عزته أو يتشككون في قدرته أولئك هم الخاسرون.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، بديل أممًا من الناس على أمم تارة، وقد تكون هذه الإدالة بداية النهاية.
ويمتحن آخرين فيسلط عليهم أعداءهم، وقد يجعل الله في ثنايا المحن منحًا إلهية، وقد يكون بداية النصر المؤزر على إثر الهزيمة الساحقة.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله جاهد في الله حق جهاده وناله وأصحابه من ألوان الأذى من أعدائه ما لم يستكينوا معه أو ييأسوا وما زالوا يتضرعون حتى كان النصر والفتح المبين ... اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطاهرين وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.
اتقوا الله معاشر المسلمين، واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمته إخوانًا ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيرة ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا﴾ (٢).
стр. 317
إخوة الإسلام والمتتبع لتاريخ العلاقات ما بين الغرب وشعوب الإسلام يلاحظ حقدًا مريرًا يملأ صدور الغرب حتى درجة الجنون، يصاحب هذا الحقد خوف رهيبٌ من الإسلام والمسلمين. وهذا الحقد وذلك الخوف ليس مجرد إحساس نفسي لا ظل له ولا أثر في الوجود، وإنما من أهم العوامل التي تبني وتبلور عليها مواقف الحضارة الغربية من الشعوب المسلمة سياسيًا واقتصاديًا وإعلاميًا وسائر جوانب الحياة الأخرى.
ولم تعد هذه المقولة مجازفة يطلقها المسلمون ... أو تهمة تلصق بالغرب ومن شايعهم وهم منها براء، كلا والواقع ينطق والحقائق تشهد، والستار الوهمي يزاح، وتشهد أرض البوسنة والهرسك اليوم أبشع جريمة، وأسوأ كارثة في التاريخ المعاصر .. تسفك فيها دماء الأبرياء، وتغتصب النساء، ويفصل بين الأبناء والآباء، ويموت الألوف محل الأطفال ويحال بينهم وبين الرضاع أو شربة الماء .. ولا تنتهي الكارثة رغم سوئها عند هذا الحد فالهوية المسلمة يراد طمسها .. والأرض الخاصة لابد من تقسيمها والملأ يأتمرون ويخططون والسادة يباركون، والمنظمات والهيئات الدولية تحمي وتشرف على المخطط الآثم وتضطلع بمسؤوليتها في الجريمة النكراء، ويلف الصمت أممًا أو دولاً أخرى لها نصيبها في المغنم أو يكفيها يوأد الإسلام المتململ، وتنهى- ولو إلى حين- هذه الصحوة الإسلامية المتجددة.
ولك الله يا شعب البوسنة والهرسك، كم تكالبت عليك الخطوب، وكم كنت هدفًا للتخطيط الماكر، والكيد الظاهر والخفي ... لك الله وأنت باكورة ثمار التخطيط للنظام العالمي الجديد بصليبيته الظاهرة، واستعماره الملفوف، وخداعه المكشوف.
стр. 318
على أن حرب اليوم ليست ضد شعب البوسنة وحدهم، بل هي حرب على الإسلام أنى كان وعلى المسلمين أينما وجدوا ... ودونك مذابح المسلمين في الشيشان والطاجيك، وبورما، وتايلند، وكشمير، والفلبين، وفلسطين وغيرها. وكأن من بنود النظام العالمي الجديد السماح لأي دولة تريد الاستقلال وتقرير حق المصير، أما الإسلام وأما المسلمون فيستثنون من هذه القاعدة ولابد من اضطهادهم والتضييق عليهم وعدم تمكينهم.
إنها حرب العقائد بكل ما تحمله الكلمة من معان ومضامين، وممارسة الاستعمار، ولكن بثوب جديد، وميدان المعركة خير دليل على المؤامرة، وبيان هوية المقاتلين، والتصريحات بعدم السماح لدولة ترفع شعار الإسلام في أوربا لم تعد خافية، والجهود لمحاصرة هذه النبتة الإسلامية مسؤولية مشتركة حتى ولو كانوا من بني جلدتهم.
أيها المؤمنون وإن من السذاجة والتغفيل أن نتصور حرب العقائد وليدة اليوم، وأن عدوان الغرب لنا معاشر المسلمين نبتت هذه الأيام. كلا .. فالتخطيط قديم، والنية للعداء مبيتة، والتصريحات قديمة وإن رغمت أنوف المخدوعين، وهاكم البينة وإليكم الدليل، يقول (أيو جين روستو) رئيس قسم التخطيط في وزارة الخارجية الأمريكية ... ومستشار الرئيسي جونسن لشؤون الشرق الأوسط حتى عام ١٩٦٧ م: (يجب أن ندرك أن الخلافات القائمة بيننا وبين الشعوب العربية ليست خلافات بين دولٍ أو شعوب، بل هي خلافات بين الحضارة الإسلامية والحضارة المسيحية، لقدر كان الصراع محتدمًا بين المسيحية والإسلام منذ القرون الوسطى، وهو مستمر حتى هذه اللحظة بصور مختلفة .. إلى أن يقول: إن الظروف التاريخية تؤكد أن أمريكا إنما هي جزء مكمل للعالم الغربي، فلسفته، وعقيدته، ونظامه، وذلك يجعلها تقف معادية
стр. 319
للعالم الشرقي الإسلامي بفلسفته وعقيدته الممثلة بالدين الإسلامي ولا تستطيع أمريكا إلا أن تقف هذا الموقف في الصف المعادي للإسلام وإلى جانب العالم الغربي والدولة الصهيونية، لأنها إن فعلت عكس ذلك فإنها تتنكر للغتها وفلسفتها وثقافتها ومؤسساتها). فهل بعد هذا من صراحة؟ (١).
إذا كانت هذه سياسة أمريكا فقبلها أوربا وقد قال مسؤول في وزارة الخارجية الفرنسية عام ١٩٥٢ م- وليت المسلمين يعون ما يقوله الآخرون عنهم. يقول هذا المسؤول: ليست الشيوعية خطرًا على أوربا فيما يبدو لي، إن الخطر الحقيقي الذي يهددنا تهديدًا مباشرًا وعنيفًا هو الخطر الإسلامي. فالمسلمون عالم مستقل كل الاستقلال عن عالمنا الغربي، فهم يملكون تراثهم الخاص بهم، ويتمتعون بحضارة تاريخية ذات أصالة، فهم جديرون أن يقيموا قواعد عالم جديد دون حاجة إلى إذابة شخصيتهم الحضارية والروحية في الحضارة الغربية، فإذا تهيأت لهم أسباب الإنتاج الصناعي في نطاقه الواسع- هكذا يقول الكاتب من وجهة نظره المادية، وإلا فهناك أسباب أخرى لانطلاقة المسلمين الكبرى- انطلقوا في العالم يحملون تراثهم الحضاري الثمين، وانتشروا في الأرض يزيلون منها قواعد الحضارة الغربية، ويقذفون برسالتها إلى متاحف التاريخ ... إلى أن يقول الكاتب: إن العالم الإسلامي عملاق مقيد، عملاق لم يكتشف نفسه حتى الآن اكتشافًا تامًا، فهو حائرٌ، وهو قلقٌ، وهو كاره لانحطاطه وتخلفه، وراغب رغبة يخالطها الكسل والفوضى في مستقبل أحسن وحرية أوفر ... إلى آخر ما قال (٢).
стр. 320
إخوة الإسلام هذه التصريحات الجلية بالعداوة من جانب، وبالتخوف من الإسلام القادم من جانب آخر إذا انضم إليها الواقع المشهود بتآمر الغرب ووحشيته وتآمره على الإسلام والمسلمين في أرض البوسنة والهرسك مثلاً باتت سهامًا موجعةً وضربةً قاصمةً للعلمانيين في ديار المسلمين أولئك الذين ما فتأوا ينافحون عن الغرب ومؤسساته ويوهمون أمتهم أن الدول المتحضرة لم تعد تقيم للدين وزنًا قي سياستها وبرامج تخطيطها، وينبغي- حسب نظرتهم الهزيلة- أن يبقى الدين علاقة شخصية بين الفرد وخالقه، لا علاقة له بتنظيم أمور الحياة السياسية والعسكرية والاقتصادية والإعلامية وسواها.
أجل لقد واتت الفرصة لكل مخدوع بشعار العلمنة والتغريب أن يكشف القناع عن عينيه، وأن يسمح لأذنيه بسماع ما لم يكن يسمح به من قبل، وستتكشف له الحقائق دون غموض، وهذه راعية العلمنة ومصدرة أفكارها تؤوب إلى ديانتها وإن كانت محرفةً، وتتخذ من الدين والمعتقد منطلقًا أساسيًا لسياستها، وتُبقي العلمنة شعارًا أجوف تخدع به المساكين، وتصدره بضاعةً مزجاة لمن لا زال في قلبه مرضٌ من أبناء المسلمين، وإذا سقطت العلمانيةُ وأفلس العلمانيون في ديار الغرب، فلا تسأل عن مصيرها في ديار المسلمين، وربك يحكم ما يشاء ويختار، فبالأمس سقطت الشيوعية الشرقية وأذنابها داخل يحميها، واليوم تتهاوى العلمانية الغربية ومؤسساتها وغدًا وبعد غدٍ ستتهاوى بإذن الله كل نحلة ضالة، وسينفضح كل نظام مزورٍ مهما خدع الأبصاَر برهةً من الزمن.
ويبقى دين الإسلام دين الله في الأرض منسجمًا مع نظام الكون كلِّه، ويبقى المسلمون يسبحون بحمد ربهم، ويشاركون غيرهم من مخلوقات الله تسبيحهم. ووعد الله حق، ولكن الله لا تغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وأنصتوا