مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ (١).
لا بدَّ للمسلمين أن يستحضِروا هذه المعانيَ القرآنيةَ التي وصفَ اللهُ بها الكافرين وكيدَهم ومكرَهم، وألا يغترُّوا بتقلُّبِهم في البلادِ واللهُ يقول: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (٢).
وألا يرتابوا في أن اللهَ مطَّلِعٌ وغيرُ غافلٍ عن ظُلمِهم وإفسادِهم في الأرض ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ (٣).
رابعًا: وعلى المسلمين أن يُدرِكوا ثمنَ النصرِ وقيمتَه، وإذ لم يحصلْ للنبيِّ ﷺ حتى أُوذيَ وطُورِدَ، واتُّهِم وهاجر، وشُجَّ وجهُه وكُسِرت رَباعيَتُه، ووُضِعَ له السحرُ والسمُّ، وحاول قتلَه اليهودُ، وجهَّزت دولةُ النصارى معركةً ضاريةً للمسلمين والرسولُ ﷺ حيٌّ، وأَرجفَ به المنافقون - في أكثرَ من غزوةٍ - بل اتهموه في عِرضِه ونسبوا (الإفكَ) إلى أهلِه .. إلى غيرِ ذلك من ضروبِ الجهادِ والمجاهدةِ وألوانِ العداوة وتعدُّدِ الأعداءِ وكثرةِ أساليبهم - إذا لم يتحققِ النصرُ للنبي ﷺ والمؤمنين معه إلا بعدَ ذلك وبعدَ أن زُلزِلَ المسلمون زِلزالًا شديدًا، فأنَّى لغيرِهم أن يحصُلوا على النصرِ وهم على الأرائكِ متَّكِئون، أو في لهوِهم يلعبون، أو وهم يحبُّون الإسلامَ ويكرهون الكفارَ لكنهم يُؤْثِرون السلامةَ ويرغبون في الدَّعَةِ ويَضِنُّون بتقديم الأنفسِ رخيصةً في سبيل الله.
стр. 2557
أجل أيها المسلمون، ودُعوني أنقُلْكم إلى واحدةٍ من معاركِ المسلمين في عصرِ الراشدين كان ميدانُها البحرَ ليس البرَّ .. لتروْا كيف قدّم المسلمون من شهداءَ حتى جاء النصرُ.
قال المؤرِّخون عن معركةِ (ذات الصَّواري): كانت معَ الرومِ النصارى، وحين الْتَقْوا مع المسلمين قال لهم المسلمون: إنْ شئتُم كانت المعركةُ في الساحل حتى يموتَ الأعجلُ مِنا ومنكم، وإن شئتم فالبحرَ، فنَخَرَ الرومُ نخرةً واحدةً وقالوا: الماءَ، فدنى منهم المسلمون وربَطُوا السُّفنَ بعضَها ببعض حتى كانوا يضربون بعضُهم بعضًا على سفنِ المسلمين والنصارى، ووَثَبَ الرجالُ على الرجال يضطربونَ بالسيوف، ويتواجَؤُون بالخناجرِ حتى رجعتِ الدماءُ إلى الساحل تضربُها الأمواجُ، وطرحتِ الأمواجُ جثثَ الرجال رُكامًا، ولقد قُتِل من المسلمين يومئذٍ بشرٌ كثير، وقُتِل من الكفارِ ما لا يُحصى، وصَبَروا يومئذٍ صبرًا لم يصبِروا مثلَه في موطنٍ قطُّ، حتى أنزلَ اللهُ نصرَه على أهلِ الإسلام وولَّى النصارى الأدبارَ منهزمين (١).
إنَّ ثمنَ النصرِ كبيرٌ، وإن سلعةَ الله غاليةٌ، وصدَقَ اللهُ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (٢).
ولا بدَّ من قراءةِ التاريخ لمعرفةِ أسبابِ النصرِ وعواملِ الهزيمةِ، وفي تاريخ الأُمةِ المسلمةِ وصراعِها مع الأعداءِ لم تُهزَمْ من قلةِ عددِها أو ضعفِ عُدَّتِها، بل يُثبِتُ التاريخُ أنهم حقَّقوا النصرَ - في أكثرَ من معركةٍ - وعددُهم قليلٌ، وعَتادُ
стр. 2558
غيرِهم أقوى من عتادِهم .. لكنهم دخلوا بالإيمانِ ساحةَ المعركةِ فخرجوا منتصرين، وحين يضعُفُ إيمانُهم أو تتفرَّقُ كلمتُهم تكون الغلبةُ لعدوِّهم، ودعونا نُطِلّ على أحوالِ المسلمين حين اجتاحَهُم الصليبيون - وما أشبهَ الليلةَ بالبارحةِ - لقد دبَّ الخلافُ والفُرْقةُ بين أمراءِ المسلمين، بل منهم من كاتبَ النصارى ودلَّهم على عوراتِ المسلمين، بل وصلَ الحالُ إلى أن قَتَلَ عساكرُ المسلمين بعضُهم بعضًا - فواتتِ الفرصةُ النصارى وأغارُوا على المسلمين واستولَوْا على مقدَّساتِهم، يقول ابنُ الأثير في حوادث سنة ٤٩٧ هـ: ((لمَّا استطالَ - خَذَلَهُم اللهُ تعالى - بما مَلَكُوه من بلادِ الإسلام، واتَّفق لهم اشتغالُ عساكرِ الإسلام وملوكِه بقتالِ بعضهم بعضًا فتفرَّقت حينئذٍ بالمسلمين الآراءُ، واختلفتِ الأهواءُ، وتمزَّقتِ الأموالُ)).
بل ذكرَ ابنُ الأثيرِ أن بعضَ القِلاعِ حين امتنعتْ على النصارى راسَلَهم بعضُ سلاطينِ المسلمين وصالحهم عليها .. كما وقع ذلك في (مَعَرَّةِ النعمان) و (حمص) في (حوادث سنة ٤٩١).
أيها المسلمون: ولم تقفِ الخِلافاتُ - زمنَ الصليبيين - على الأمراءِ والسلاطينِ، بل شَمِلت العلماءَ الذين يُفترضُ فيهم جمعُ كلمةِ المسلمين، وإصلاحُ شأنهم.
قال ابن الأثير: وفي سنة (٤٤٧ هـ) وقعتِ الفتنةُ بين الفقهاءِ الشافعية والحنابلةِ ببغدادَ، وأنكر الحنابلةُ على الشافعيةِ الجهرَ ببسمِ الله الرحمن الرحيم، ومَنَعوا من التَّرجيعِ في الأذان، والقنوتِ في الفجر، ووصلوا إلى ديوانِ الخليفة، ولم تهدأ الأحوالُ، بل أتى الحنابلةُ إلى مسجدِ باب الشعير فنهَوْا إمامَه عن الجهرِ بالبسملة، فأخرجَ مُصحفًا وقال: أزِيلوها من المصحفِ حتى لا أتلوَها.
وقال ابنُ كثير في حوادث ٤٤٧ هـ: وفيها وقعتِ الفتنةُ بين الأشاعرةِ
стр. 2559
والحنابلةِ، فقويَ جانبُ الحنابلةِ قوةً عظيمةً بحيثُ إنه كان ليس لأحدٍ من الأشاعرة أن يشهدَ الجُمعةَ ولا الجماعاتِ .. اهـ
حقًا إنها مأساةٌ عظيمة أن يكون الشِّقاقُ والخِلافُ والتناحرُ بين العلماء في مسائلَ يَسَعُ الخلافُ فيها، وأن تصلَ الحالُ بهم إلى تركِ ما هو أعظمُ من تلك المسائلِ الخلافية .. مثل تركِ الجمعةِ والجماعة (١).
وكم يجدُ الأعداءُ فرصتَهم حين تقعُ الأمةُ في شيءٍ من التنازعِ فيضربوا بعضَهم ببعض، ويستفيدوا من ضعفاءِ النفوس لتحقيق أغراضِهم ومآربِهم حتى إذا انتهَوْا منهم رَكَلُوهم بأقدامِهم، وربما أتبَعُوهم بأصحابِهم!
فهل يا تُرى يقرأ المسلمون - عامةً - التاريخَ، وهل يستفيدُ الأمراءُ والحكامُ والعلماءُ والدعاةُ من تجاربِ الماضي .. حتى لا تتكررَ المآسي وحتى لا يظلَّ الأعداءُ يسخرونَ بالمسلمين، ويضربوا المسلمين ببعضِهم.
إنَّ الأزْمَة الراهنةَ - مع الأسف - تؤكِّدُ عدمَ استفادةِ المسلمين من تجاربِ إخوانِهم السابقين .. ولذا تتكرَّرُ المآسي .. ويتكررُ معه مكرُ الأعداءِ وغلَبتُهم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٢).
стр. 2560
الخطبةُ الثانية:
الحمدُ لله القويِّ العزيزِ، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له في ربوبيتِه وألوهيتِه وأسمائِه وصفاتِه، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه وخِيرتُه من خَلْقه ..
إخوةَ الإسلام: المَعْلَمُ السادسُ في معركتِنا مع عدوِّنا - أن تستثمرَ كلّ طاقةٍ مع الأمةِ رجلًا كان أو امرأةً، صغيرًا أم كبيرًا، مُلتزمًا أو غيرَ ذلك.
فالمواجهةُ - اليومَ - مع المسلمين، عالميةٌ، ومن الخطأ اليومَ أن نقتصرَ في خطابِنا الدعويِّ على فئةٍ دونَ أخرى من المسلمين، بل لا بدَّ أن نشملَ بخطابِنا الدعويِّ غيرَ المسلمين - معذرةً إلى ربِّكم، وعسى أن يصلَ الحقُّ إلى آذانٍ غافلةٍ أو مُلبَّسٍ عليها .. فتصحُوا على قوارعِ الحقِّ وحُجَجِ الإيمان .. لكن من المهمِّ أن تكون الخِطاباتُ الموجَّهةُ مناسبةً ومقنِعةً لمن وُجِّهت له.
إن الدفاعَ عن حِياضِ الإسلام - اليومَ وغدًا - لا يتحمَّسُ له الأخيارُ والدعاةُ والعلماءُ وحدَهم، بل بات عوامُّ المسلمين ومَن قَصَّروا في الالتزام .. بات هؤلاءِ جميعًا تتحرَّكُ عواطفُهم وتتفطَّرُ أكبادُهم لما يصنعُه اليهودُ والنصارى ومَن حالفهم بالإسلامِ والمسلمين، وعدمُ إشراكِ هؤلاء وجمهورِ المسلمين في الدعوة وصدِّ هجماتِ الأعداءِ خسارةٌ في ميدانِ المعركة الواقعةِ والمستقبلية .. وفي هذا الصددِ على العلماءِ والدعاة والقادةِ أن يُوجِّهوا السفينةَ وأن يفتِّحوا من الفرصِ النافعةِ للدعوة ما يُمكِّنُ للجميع أن يساهمَ في تحمُّل المسؤولية، ومقارعةِ الأعداء.
إن الأزْمةَ الراهنةَ ينبغي أن تجمعَ الأُمةَ المسلمةَ على كلمةٍ سواء .. وعالميّتُنا قبل عولمتِهم، وولاؤُنا لبعضٍ خيرٌ وأزكى من تحالُفِهم، وأهدافُنا أسمى من أهدافِهم.
стр. 2561
سابعًا: ولا بدَّ هنا - وحين يكون الحديثُ عن الولاءِ للمؤمنين والبراءةِ من الكافرين - من تصحيحِ مفهومٍ قد لا يتفطَّنُ له بعضُ المسلمين، وهم يظنُّون أن تحقيقَ الولاءِ والبراءِ قد يؤدِّي إلى نفورِ الكفَّار عن الإسلام؟ وليسَ الأمرُ كذلك، فإن اللهَ هو الذي شرعَ عقيدةَ الولاءِ والبراءِ وأمرَ المسلمين بها - وهو العليمُ الخبيرُ .. بل إنَّ الالتزامَ بهذه الشعيرةِ - وسائرِ شعائرِ الإسلام - سببٌ في ظهورِ الإسلام وغلبةِ المسلمين، ولربما دخل غيرُ المسلمين - بسببه - في الإسلام، وفي ((سيرةِ ابنِ هشام)) أنَّ رسول الله ﷺ قال بعد قتلِ كعبِ بن الأشرفِ: ((مَنْ ظَفِرتُم به من رجالِ يهودَ فاقتُلُوه، فوَثَبَ مُحَيِّصةُ بنُ مسعودٍ على ابن سُنينةَ - رجلٍ من تُجارِ اليهود يُبايِعهُم - فقتله، وكان حُويِّصةُ بنُ مسعودٍ (أخوه) إذ ذاكَ لم يُسلِم، وكان أسنَّ من مُحيِّصةَ، فلما قتله جعلَ حويِّصةُ يضربُه ويقول: أيْ عدوَّ اللهِ أقتلتَه؟ أمَا واللهِ لرُبَّ شحمٍ في بطنِك من ماله! قال مُحيِّصةُ: واللهِ لقد أمرني بقتلِه مَن لو أمرني بقتلِكَ لضربتُ عُنقَكَ، قال: فواللهِ إن كان لأولَ إسلامِ حُويِّصةَ، قال: آللهِ لو أمركَ محمدٌ بقَتْلي لَقتلْتَني؟ قال: نعم، واللهِ لو أمرَني بضربِ عُنقِك لضربتُها، قال (حويِّصةُ): واللهِ إنَّ دينًا بلغَ بك هذا لَعَجَبٌ! فأسلَمَ حويصةُ (١).
بل يُثبِتُ الواقعُ أن المسلمين كانوا كلَّما ذلُّوا أمامَ أعدائِهم، زاد العدوُّ في ذِلَّتِهم، وكلما ارتمَى المسلمون في أحضانِ اليهودِ والنصارى - أو سواهم من مِلَلِ الكفر - صَغُروا في أعينِهم واستحوَذوا على خيراتِهم وزادوا في التدخُّلِ بشؤونهم ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ (٢).
стр. 2562
ومن جانبٍ آخر يُقرِّر ابنُ القيِّم ﵀ (١) أن علماءَ السوءِ كلَّما عَمَدُوا إلى تحليلِ ما حرَّمَ اللهُ تعالى بأدنى الحِيَلِ كان ذلك سببًا في الصدِّ عن دينِ الله تعالى وامتناعِ الكثيرِ من الدخولِ فيه.
وفي مقابلة يُقرر شيخُه شيخُ الإسلام أن الإصرارَ والأغلالَ التي على أهلِ الكتاب، وإذلالَ المسلمين لهم، وأَخْذَ الجزيةِ منهم، قد يكون داعيًا لهم أن يَنظُروا في اعتقادِهم، هل هو حقٌّ أم باطل، حتى يتبينَ لهم الحقُّ، وقد يكون مُرغِّبًا لهم في الخروجِ من هذا البلاءِ، وقد يكون أسْرُهم - من قِبَلِ المسلمين - داعيًا لهم للنظرِ في محاسنِ الإسلام (٢).
إخوةَ الإسلام: وهنا لا بدَّ من التنبيهِ إلى أنه ليسَ من لوازمِ الولاءِ والبراءِ سوءُ المعاملةِ إنْ بالقولِ أو بالفعل، ولا التسلطُ والإيذاءُ - دون هدفٍ - بل إن حُسنَ التعامُلِ - دون تنازلٍ -، والعزةَ - دون استكبارٍ - والمداراةَ - دون المداهنةِ - والدعوةَ بالحكمةِ والموعظةِ الحَسَنة، والمجادلةَ بالتي هي أحسنُ - كلُّ ذلك يدعو غيرَ المسلمين للنظرِ في الإسلام، وكم من شعوبٍ دخلتِ الإسلامَ لإعجابِهم بأخلاقِ المسلمين وحُسْنِ تعاملِهم؛ وفي قصة ثُمامةَ بن أُثَالٍ ﵁ في السيرة - أو غيرِه ممن أَسلمَ من الأُممِ والشعوبِ عبرَ التاريخ عِبرةٌ لمن تأمَّلَ، ومعالمُ تُضيءُ الطريقَ لك.
ثامنًا: وفي سبيلِ المواجهةِ مع أعدائِنا علينا أن نُفكِّرَ ونختارَ سُبُلَ المواجهةِ التي أعدَدْنا العُدَّةَ لها، وألا نَدَعَ الفرصةَ للعدوِّ ليختارَ نوعَ المعركةِ وزمانَها التي يريدُ، وقد لا نكونُ على استعدادٍ لخوضِها - لسببٍ أو لآخرَ -، لكن إذا فَرَضَ
стр. 2563
العدوُّ علينا المعركةَ - دون استعجالٍ منا - فعلينا ألا نتخاذلَ ونتلاومَ، بل نُسارِعُ لجميعِ القُوى واستنهاضِ الهِمَمِ، واستثمارِ الطاقات .. وعلينا كذلك - حينُ تُفرَضُ المعركةُ علينا - أن نُكثِّرَ جَمْعَنا بالإيمانِ واليقين، وأن نزيدَ من فاعليتِنا بالمَشُورة وتأليفِ القلوب، وجمعِ الكلمة، وألا تكونَ أفعالُنا وخطواتُنا ردودَ أفعالٍ بل خطواتٍ مدروسةً وبرامجَ وخِططًا - طويلةَ المدى، وساريةَ المفعولِ ولا يمنعُ ذلك من استخدامِ مسكِّناتٍ عاجلةِ المفعول حين تتصاعدُ الأزْمةُ.
إن المعركةَ بيننا وبينَ أعداءنا طويلةُ الأجل، ولا ينبغي أن نستعجلَ النصرَ قبل أن نستعدَّ له، وليس بالضرورةِ - أن يتحققَ النصرُ على أيدينا - بل إنَّ من مسئوليتِنا أن نُسلِّمَ الأجيالَ بعدَنا رصيدًا من البرامجِ المدروسة ليقوموا بتنفيذِها في وقتِها، وعلى هذه الأجيالِ أن تُحسِنَ التعاملَ مع هذه البرامجِ، وأن تستمرَّ في تطويرِها ومتابعةِ رسمِ البرامج بعدها، وأن يجدوا في تاريخِنا نماذجَ وطرائقَ لجهادِ الأعداء بكل وسيلةٍ ممكنة.
إنَّ من الخللِ أن نتَّهمَ دينَنا أو مناهجَنا - كلَّما حلَّتْ بنا مصيبةٌ - ومن الهزيمةِ أن يُوحيَ إلينا أعداؤنا ضرورةَ التغيير في هذه المناهجِ، لا إلى الأحسنِ بل لتفريغِها من محتواها العَقَديِّ والجهادي - مما يتخوَّفُ له الأعداءُ، وكم تُصابُ الأمةُ في مَقْتَلها حين يكونُ من أبنائِها مَن يُروِّجون لدعاوى الأعداءِ ويُحسِّنون للأُمة ما يريدُه الأعداءُ، ونحن في زمنٍ باتتْ هويةُ الأُمةِ جزءًا من كيانِها وسببًا لبقائها، والأعداءُ حين أفلسوا في سَحْقِ المسلمين عسكريًا باتوا يُخطِّطون لسحقِهم معنويًا، وإذا عُنيَ اليهوديُّ والنصرانيُّ والبُوذيُّ والشيوعيُّ وأشباهُهم بدياناتِهم ولغتِهم .. فهل يضعفُ أهلُ الإسلام وأصحابُ لغةِ القرآن عن أصَالتِهم ويستجيبوا لتوصياتِ أعدائِهم وأهوائِهم ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ (١).
стр. 2564
عبادَ الله: ومثلُ ذلك يُقال فيما يريدُه الأعداءُ للمرأةِ المسلمةِ، وإيحاءاتُهم للبسطاءِ أنَّ رقيَّ المرأةِ وتطوُّرَها لا يكون إلا بنزعِ الحجابِ والاختلاطِ بالرجال، وهدمِ كيانِ الأسرة، وما يستتبعُ ذلك من خططٍ ماكرةٍ وأساليبَ ملتويةٍ تجعلُ من الأسوَدِ أبيضَ، ومن القبيح حسنًا .. ولكن مما يُفرِحُ أن فِئامًا من المسلمين باتتْ تدركُ سرَّ وأهدافَ مخططاتِ الأعداء .. ويظلُّ المنافقون والعِلْمانيون في العالم الإسلامي معوِّقين للأُمةِ ومُرجِفين بها ورجعًا للصَّدَى في صيحاتِ أسيادهم، ولكنَّ شموليةَ الوعي واتساعَ دائرةِ الخير والأخيار، وتغليبَ صوت الحكمةِ والعقل، وشيوعَ مصطلَح الأصالةِ ونبذَ مصطلحِ التبعيّةِ، وبروزَ الوجهِ الكالح للحضارة الغربيةِ وقيَمِها المادية - لا سيما في هذه الأزْمةِ - كلُّ ذلك مُعِينٌ بإذنِ الله على تجاوزِ الأزمةِ، وثباتِ الأُمة .. لكن مع بذلِ مزيدٍ من الجُهد والدعوةِ وعدمِ الاتكالية، أو الاكتفاءِ بالتلاومِ والتحسُّر، بل شعارُ كلِّ مسلم ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (١) وبمفهومِ العبادةِ الشامل، ودليلُ كلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ ((أنتَ على ثَغْرةٍ من ثَغراتِ الإسلام، فاللهَ اللهَ أن يؤتَى الإسلامُ من قِبَلِك ..
اللهمَّ اهدِنا وسدِّدْنا وباركْ في أعمالِنا وأعمارِنا وقِنَا شرَّ شِرارِ أعدائِنا.
стр. 2565
الجنائز والقبور مشاهد صامتة (١)
الخطبةُ الأولى:
إن الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا ومن سيئاتِ أعمالنا، من يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ عليه وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلين، وارضَ اللهمَّ عن الصحابةِ أجمعين والتابعين وتابعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين وسلِّمْ تسليمًا كثيرًا.
إخوةَ الإيمان: حَكَم اللهُ بالفناءِ على هذه الدنيا بما فيها من الحياةِ والأحياءِ وكتبَ له البقاءَ وحدَه، فقال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٢)، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (٣).
والعِبرةُ بما بعدَ الموتِ، ومن وصايا أبي عُبيدةَ عامرِ بن الجرَّاح ﵁ حين حضرتْه الوفاةُ بالشام على إثرِ إصابتِه بالطاعون في أرضٍ يُقال لها (عَمَواس) حين جمعَ المسلمين مودِّعًا لهم فقال:
إنِّي مُوصِيكم بوصيةٍ فاقبَلُوها، فإنكم لن تزالوا بخيرٍ ما بقيتُم متمسِّكين بها وبعد موتِكم: أقِيموا الصلاةَ وآُتوا الزكاةَ، وصوموا وتصدَّقوا، وحُجُّوا، وتواضَعُوا، وتباذَلُوا، وتواصَوْا، وانصَحُوا أمراءكَم، ولا تغرَّنَّكم الدنيا، فإن أحدَكم لو عُمِّر ألفَ سنةٍ ما كان به بدٌّ من أن يصيرَ إلى مثلِ مَصِيري هذا الذي
стр. 2566
تَروْنَ، لأنَّ الله قد كتبَ الموتَ على بني آدم فهمُ مُتَوفَّوْنَ، وأكْيسُهم أطوَعُهم لربِّه وأعملُهم ليومِ معادِه (١).
ثم استخلفَ من بعدِه معاذَ بنَ جبلٍ ﵁ ليُصلِّيَ بالمسلمين وشاء الله - بعد فترةٍ وجيزةٍ من الزمن - أن يلحقَ معاذٌ بأخيه أبي عُبَيدة وأن يصيبَه ما أصاب صاحبَه .. وعلى فراشِ الموتِ، والناسُ يَغْدُون على معاذٍ يزورونَه ويدْعُونَ له بالعافيةِ والسلامة، كان يَعِظُهم ويذكِّرهم، ومما قاله لهم:
أيها الناسُ: اعملوا وأنتم تستطيعون العملَ من قبلِ أن تتمنَّوا العملَ فلا تجدونَ إلى ذلك سبيلًا، أيها الناس: أَنفِقُوا مما عندَكم ليومِ مَعادِكم من قبلِ أن تَهلِكوا وتَذرُوا ذلك كلَّه ميراثًا .. ثم أوصاهم بالعلمِ تَعلُّمًا وتعليمًا وأبان لهم عن شيءٍ من فضلِ العلم، وفضائلِ العلماءِ حين قال: عليكم بطلبِ العلمِ فاطلُبوه وتعلَّموه فإنَّ طلبَه عبادةٌ، وتعلُّمَه لله خَشْيةٌ، ومذاكرتَه تسبيحٌ، والبحثَ عنه جهادٌ، وتعليمَه لمن لا يعلمُه صَدَقةٌ، وبذْلَه لأهلِه قُربةٌ .. إلى قوله: يرفع اللهُ بالعلم أقوامًا فيجعلُهم في الخيرِ قادةً يُقتدَى بهم، وأئمةً في الخير يُقتَصُّ آثارُهم، ويُهتدَى بهدايتِهم وأفعالِهم، ويُنتَهى إلى رأيهم، ترغبُ الملائكةُ في خُلَّتِهم، وبأجنحتِها تمسحُهم، يستغفرُ لهم كلُّ رطبٍ ويابسٍ، وحيتانُ البحرِ وهوامُّه، وسباعُ البرِّ وأنعامُه، لأن العلمَ حياةُ القلوبِ من العَمَى ونورُ الأبصار من الظُّلمة، وقوةُ الأبدانِ من الضعف، يبلغُ العبدُ بالعِلم منازلَ الأبرار، ومنازلَ الملوك، والدَّرجاتِ العُلى في الدنيا والآخرة .. ألا وإن المتقينَ سادةٌ، والفقهاءَ قادةٌ (٢).
стр. 2567
أيها المسلمون: كم تَنزِلُ بنا نوازلُ الموتِ من قريبٍ أو بعيدٍ، أو عالِمٍ أو عاميٍّ، ومن ذكرٍ أو أنثى، صغيرٍ أو كبيرٍ .. فهل تُحرِّكُ قلوبَنا للطاعةِ والتوبة، وهل نتذكَّرُ بها مقامَ الصِّدِّيقين والشهداءِ، ومنازلَ الفجارِ ومصيرَ الأشقياء هل نعتبرُ بمن مات فيكونَ الدرسُ بليغًا، والعبرةُ مُوقِظةً، وهل نتذكرُ أن الجنائزَ المحمولةَ يومًا كانت حاملةً.
إن مشاهدَ القبورِ دروسٌ صامتة، وكم في القبورِ من وَحْشةٍ وأُنْس، ونعيمٍ أو عذاب، وإن عَفَى عليها الزمنُ، وتحوَّلتِ العظامُ إلى رميمٍ، واللحمُ الطريُّ إلى مخازنَ للدُّود؟
أجل إن الجنازةَ المحمولةَ موعِظةٌ للحامِلين، وذِكْرى للغافلين، وغدًا أو عن قريبٍ سيكونُ الحاملون للجنازةِ محمولِين.
ولكن السؤالَ المهمَّ: ماذا حَمَلتِ الجنازةُ إلى مَثْواها الأخيرِ؟
إنها لا تحملُ من الدنيا شيئًا ولو كان صاحبُها يملكُ القناطيرَ المقنطرةَ من الذهب والفضةِ والنقودِ والعَقَار والأنعامِ والحَرْثِ، ولا تحملُ من البأسِ شيئًا ولو كان صاحبُها - من قبلُ - من أشجعِ الناسِ وأحكمِ الناس وأصبرِ الناسِ وأكثرِهم دهاءً وحِيلةً، وما أضعفَ موقفَ صاحبِ الجنازةِ حين السؤالِ وليس له من مُجِيرٍ ولو كان في الدنيا يُحاطُ بالبنينِ والحَشَم والخدم، ولو كان صاحبَ جاهٍ وسلطانٍ وصولجانٍ وخِلَّان ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ (١)، ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (٢) وما أعظمَ الهولَ حين يُنفَخُ في الصورِ، وربُّنا ﵎ يقول:
стр. 2568
﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ (١)!
عبادَ الله: إن مشاهدَ الموتى وأخبارَ الجنائزِ موقِظةٌ للقلوبِ الحيَّة، فكيف إذا كانت الجنازةُ مشهودةً، والميِّتُ عالِمًا من علماءِ السُّنّة، ومن أهلِ الجهادِ بالكلمة؟
إن موتَ عالِمٍ ثُلْمةٌ في الدِّين، والخَطْبُ أعظمُ حين تكون الأُمةُ المسلمةُ محاطةً بالخُطوب، مهدَّدةً من قِبَلِ الأعداءِ.
إن الأمةَ في ظرفِ محنتِها وفي أحوالِ شدائدِها أحوجُ ما تكون إلى علماءَ صادقين يقوُّون من عزائِمها، ويدافعون عن حِياضِ عقيدتِها، يُنبِّهون إلى مكرِ الأعداء، ويكشِفون للأُمة خُططَ الأدعياء؟
إن حاجةَ الأمةِ ماسَّةٌ إلى كلمةِ حقٍّ يُدافَعُ بها عن غَشمٍ ويُنتصَرُ بها لمظلوم.
أما حين تجتمعُ المِلَلُ الكافرةُ على الإسلامِ وأهلِه، فتلك النازلةُ تحتاج إلى رصِّ الصفوف، وتوحيدِ السِّهام، وجمعِ الكلمةِ واستثمارِ كلِّ طاقةٍ في الأُمة.
كم هو مؤلمٌ حين تُصبِحُ البلادُ الإسلاميةُ مَرتَعًا لخُططِ العَلْمنة والتغريب، وهدفًا للعولمةِ وطمسِ الهويةِ المسلمةِ، هنا يلتفتُ الناسُ بحثًا عن منقِذِين للسفينةِ قبلَ الغرق، وحفاظًا على الأرواحِ قبل أن تُزهَقَ، وعلى القيمِ والمبادئِ الإسلاميةِ قبل أن تُلوَّثَ أو تُجتَثَّ؟ !
وما أَحْرى العلماءَ والدعاةَ وطلبةَ العلمِ بالقيام بهذا الدَّورِ، فهم مصابيحُ
стр. 2569
الهدى، وعليهم أُخِذَ الميثاقُ بالبيانِ وعدمِ الكِتْمان - ولكن ذلك لا يُعفِي غيرَهم من المسؤوليةِ والبيانِ ((فمنَ رأى منكم مُنكَرًا فليغيِّرْه بيدِه، فإن لم يستطعْ فبلسانِه، فإن لم يستطعْ فبقلبِه وذلك أضعفُ الإيمان)).
إن الناظرَ في واقعِنا اليومَ لَيُدرِكُ أن الأمةَ مستهدَفةٌ في عقيدتِها وقيمِها، بل وفي أصلِ وجودِها، والنائمون إذا لم يستيقِظوا على هذه الضَّرباتِ الموجِعةِ هنا وهناك فمتى يستيقظون؟ لا سيما وأعداءُ المِلَّةِ قد أعلَنُوها وقد رسموا فصولَها وحدَّدوا مراحلَ وأولوياتٍ لضرب العالمِ الإسلاميِّ والدعواتِ الإسلامية؟ وإذا كانت الحركاتُ الجهاديةُ هدفَهم الأولَ، فستكون الحركاتُ والمنظَّماتُ والهيئاتُ الإسلامية هدفَهم الآخِر، ويمكرون ويمكرُ الله واللهُ خيرُ الماكرين، وصدق اللهُ: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (١).
стр. 2570
الخطبةُ الثانية:
الحمدُ لله العليِّ الأعلى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، له الأسماءُ الحُسْنى والصِّفاتُ العُلَى، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه طاب حيًا وميتًا، اللهم صلِّ وسلِّمْ عليه وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلين.
إخوةَ الإسلام: ما رُزئَ المسلمون بفَقْدِ أحدٍ كما رُزِئوا بفقدِ محمدٍ ﷺ ، ومِن فِقْه أبي بكرٍ وحصافةِ رأيِه أنه جاء إلى المسلمين والمصابُ فيهم بلغَ مبلغَه .. فتقدَّمهم خطيبًا وقال: أيها المسلمون، من كان يعبدُ محمدًا فإن محمدًا قد ماتَ، ومن كان يعبدُ اللهَ فإن الله حيٌّ لا يموتُ .. ثم تلا قولَه تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (١).
وأبو بكرٍ أقربُ الناسِ إلى محمدٍ ﷺ ، وأكثرُهم خُلَّةً له وأعظمُهم إيمانًا به وبما جاء به - لكنه الفِقهُ والثباتُ ومواصلةُ الطريقِ الذي ابتدأَه، وفعلًا قام أبو بكرٍ بالمهمَّةِ والدعوةِ إلى الإسلام وحَفَلَتْ خلافتُه القصيرةُ الأمدِ بجلائلِ الأعمالِ، ومن أعظمِها حربُ المرتدِّين وتثبيتُ الدِّين في قلوب المرتابين بعد موتِ محمدٍ ﷺ وجمعُ القرآن، وابتدأَ حركةَ الفتحِ الإسلاميِّ في الشامِ والعراق.
والأمةُ على مرِّ العصور كانت تفقِدُ خِيرةَ رجالاتِها، فلا تهِنُ عزائمُهم ولا يتوقَّفُ مدُّهم .. بل هي أُمةُ أبدالٍ .. أمةٌ وَلُودٌ كلَّما مات سيدٌ منها قامَ آخرُ وهكذا.
стр. 2571
وإذا كان من حقِّ الأمواتِ على الأحياءِ المسلمين أن يُذكِّروهم بالخيرِ وأن يترحَّموا عليهم، فلا ينبغي لأحدٍ أن يظنَّ أن الدِّينَ سيَضعُفُ بموت فلانٍ، أو أن الدعوةَ ستتوقَّفُ لرحيلِ فلان .. ذلكم لأنَّ في المسلمين خيرًا والحمدُ لله .. وقد يَنشَطُ جمعٌ من الناسِ لموتِ واحد، بل حصلَ أكثرُ من هذا في تاريخِ وَفياتِ الأعيانِ من المسلمين حين أسلمَ جمعٌ من اليهودِ والنصارى على إثرِ هذه الوفياتِ، فضلًا عن توبةِ مَن تابَ من المسلمين، وانبعاثِ نفرٍ من المسلمين للعِلْم والدعوة.
وفي المقابلِ لا ينبغي للأحياءِ أن يتجنَّوْا على الأموات بعدَ مماتِهم فينسُبوا إليهم ما ليس فيهم، أو يُحمِّلوهم ما لم يتحمَّلوا، وإذا كانت غِيبةُ المسلم لا تجوزُ بنصِّ القرآن والسُّنّة، فالبُهْتان أعظمُ جُرْمًا وأغلظُ تحريمًا.
ومَن دافعَ عن عِرضِ أخيه المسلم كان أجرُه على الله، وفي الحديث: ((مَن ذبَّ عن عِرضِ أخيه بالغِيبة كان حقًا على اللهِ أن يُعتِقَه من النار)) رواه أحمدُ وغيره (١).
إنَّ العصمةَ قد انقطعتْ بعدَ الأنبياء، وكلُّ أحدٍ بعدَهم يُؤخَذُ من كلامِه ويُردُّ، وما فتِئَ العلماءُ قديمًا وحديثًا يردُّ بعضُهم على بعضٍ لكن بهدفِ بيان الحقِّ، ومع الأدبِ والتقدير، وإنَّ المحذورَ تقصُّدُ الردِّ للتشفِّي والتجاوزُ في التُّهمَ، وتناسي ما للمردودِ عليه من فضائلَ، فذلك الذي يُثيرُ الأحقادَ ويبعثُ على الضغائن ويُشِيعُ التُّهَمَ بالباطل، واللهُ تعالى حرَّمَ الظلمَ على نفسِه وجعلَه بينَ عبادِه محرَّمًا. وقد أمر سبحانه بالعدلِ مع الأعداء.
عبادَ اللهِ: ثمةَ تنبيهاتٌ وملاحظاتٌ على حضورِ الجنائزِ وتشييعِها؛ ومنها:
стр. 2572
أولًا: أن يكونَ الدافعُ لشهودِ الجنازةِ احتسابَ الأجرِ عندَ الله والناسُ يختلفون في الباعثِ على اتِّباعِ الجنائز، لكنّ الأجرَ المذكورَ فيها خاصٌّ بمن اتَّبعَها إيمانًا بوعدِ الله واحتسابًا للأجرِ، وفي ((صحيحِ البخاريِّ)) عن أبي هريرةَ ﵁ أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: ((من اتبع جَنَازةَ مسلمٍ إيمانًا واحتسابًا وكان معه حتى يُصلَّى عليه ويُفرَغَ من دفنِها، فإنه يرجعُ من الأجرِ بقِيراطَينِ كلُّ قيراطٍ مثلَ أُحدٍ، ومَن صلَّى عليها ثم رجعَ قبل أن تُدفنَ، فإنه يرجعُ بقيراطٍ)) (١).
فهل تَستحضرُ هذه النيةَ - أخي المسلمَ - حين تشهدُ جنازةَ مسلمٍ، ليحصلَ لك هذا الأجرُ العظيم؟
ثانيًا: التزاحمُ على النَّعشِ وكثرةُ الحاملينَ للجنازةِ، عن قَتَادةَ قال: شهدتُ جنازةً فازدَحَمُوا على الجنازةِ، وقال أبو السَّوَّار العَدَوي: نرى هؤلاءِ أفضلَ أو أصحابَ محمدٍ ﷺ ، كان أحدُهم إذا رأى مَحمَلًا حَمَل، وإلا اعتزلَ ولم يُؤْذِ أحدًا (٢).
وقال مباركُ بنُ فَضَالةَ: حضر الحسنُ البصريُّ جنازةَ بكرِ بنِ عبدِ اللهِ - أحدِ الأئمةِ الثِّقاتِ من سادةِ التابعين - وكان على حمارٍ، فرأى الناسَ يزدحمون، فقال الحسنُ: (ما يُوزَرون أكثرُ مما يُؤجَرون، كانوا - لعلَّه يقصدُ الصحابةَ - ينظرونَ فإنْ قَدَرُوا على حَمْلِ الجنازةِ أعقَبُوا إخوانَهم) (٣).
وقد عدَّ ابن حَزْمٍ ﵀ التزاحمَ على الجنازةِ من البِدَع (٤)، وفي
стр. 2573
((حاشيةِ الروض المُربِع)) لابن قاسم قال: ولو كان ازدحامُ الحاملين مسنونًا لتوفَّرتِ الهِممُ والدواعي على نقلِه، نقلًا لا يَقبَلُ الاختلافُ، ولكان السلفُ الأوَّل أَوْلى بالمسارعةِ إليه، فعُلِم أنه لم يكن الأمرُ كذلك وأن الازدحامَ الموجبَ للدَّبيبِ بها بدعةٌ، لمخالفةِ الإسراع المأمورِ به (١).
ثالثًا: اللغطُ وارتفاعُ الأصواتِ في المقابرِ ليس من هَدْيِ محمدٍ ﷺ ولا هديِ أصحابِه، بل كان شأنُهم السكونَ والخشوعَ، وفي حديثِ البراءِ ابنِ عازبٍ ﵁ قال: خرجْنا مع النبيِّ ﷺ في جَنازةِ رجلٍ من الأنصار، فانتهَيْنا إلى القبرِ ولم يُلحَدْ، فجلسَ رسولُ اللهِ ﷺ وجلسْنا حولَه، وكأنَّ على رؤوسِنا الطيرَ. رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكمُ وصححه ووافقه الذهبي (٢).
وقولُه: ((وكأنَّ على رؤوسِهم الطيرَ)) وَصَفَهم بالسكونِ والوَقارِ، لأن الطيرَ لا تكاد تقعُ إلا على شيءٍ ساكن، وكان عثمانُ ﵁ إذا وقفَ على القبرِ يبكي حتى يبلَّ لحيتَه. رواه الترمذي وابنُ ماجه وحسَّنه الحافظ ابن حجر والألباني (٣).
стр. 2574
فقه الجنائز (١)
الخطبةُ الأولى:
الحمدُ لله ربِّ العالمين جعلَ لكل شيءٍ قَدَرًا، وخَلَق الموتَ والحياةَ ليبلُوَكم أيُّكم أحسنُ عملًا، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له جعلَ الليلَ والنهارَ خِلْفةً لمن أراد أن يَذَّكَّرَ أو أرادَ شكورًا، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه توفَّاه ربُّه بعد أن أكملَ به الدينَ ونشر رحمتَه في العالمين - اللهم صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسَلين، وارضَ اللهمَّ عن صحابتِه أجمعين، والتابعينَ ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أيها المسلمون: حين يكونُ الحديثُ عن الموتِ والجنائزِ فذاك حديثٌ إلى كلِّ واحدٍ منا، وتذكيرٌ بمصيرِنا جميعًا، ولا مَفرَّ من الموتِ ولو رَغِبْنا ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ (٢) وإذ كان كأسُ الموتِ مَشربَنا جميعًا، فالسعيدُ منا من زُحزِحَ عن النار وأُدخِل الجنةَ فقد فاز، وما الحياةُ الدنيا إلا متاعُ الغُرور.
إخوةَ الإسلام: ومع ما في ذِكْر الموت من تليين القلوبِ والزهدِ في الدنيا، ولذا كانت وصيةُ رسول الله ﷺ : ((أكثِروا ذِكرَ هاذِم اللذاتِ)) يعني الموتَ (٣).
ففي ذكرِ الجنائز تنبيهٌ على أمورٍ يَحسُن التنبُّهُ لها، وتحذيرٌ من أمورٍ ينبغي الحذرُ منها، وقد نَغفُلُ حين تقعُ المصيبةُ عن هذا أو ذاك، وهذه بعضُ الوَقَفاتِ
стр. 2575
والتنبيهاتِ حولَ الموتِ والجنائز:
أولًا: مَنْ أَكْيسُ الناسِ؟ سألَ رجلٌ من الأنصار رسولَ الله ﷺ فقال: أيُّ المؤمنين أفضلُ؟ قال: ((أحسنُهم خُلُقًا)) قال: فأيُّ المؤمنين أَكْيسُ؟ [أي أعقلُ] قال رسولِ الله ﷺ : ((أكثرُهم للموتِ ذِكْرًا، وأحسنُهم لِمَا بعدَه استِعدادًا، أولئك الأكياسُ)) حديث حسن (١).
وهكذا فالكيِّسونَ لا يَكتفُون بذِكْرِ الموت، بل يُحسِنُون الاستعدادَ له.
ثانيًا: لماذا الخوفُ من القبرِ؟ في ((صحيحِ سنن التِّرمذيِّ))، و ((صحيحِ سنن ابن ماجه)): أن عثمان بن عَفَّانَ ﵁ كان إذا وقفَ على قبرٍ بكى، حتى يَبُلَّ لحيتَه، فقيل له: تَذكُرُ الجنةَ والنارَ فلا تبكي وتبكي مِن هذا؟ فقال: إن رسول الله ﷺ قال: ((إنَّ القبرَ أولُ مَنزِلٍ من منازلِ الآخرةِ، فإنْ نَجَا منه فما بعدَه أَيسرُ منه، وإن لم يَنْجُ منه فما بعدَه أشدُّ منه)) قال: وقال رسول الله ﷺ : ((ما رأيتُ مَنظَرًا قطُّ إلا القبرُ أفظعُ منه)) (٢).
فهل نتذكَّرُ هَوْلَ هذا المنظرِ ونستعدُّ لما بعدَه، وهل ننظرُ للقبورِ حين نزورُ المقابرَ بهذه النظرةِ الواعيةِ العاملة؟
ثالثًا: حُسْنُ الظنِّ بالله دائمًا ولا سيما عند نزولِ الموت، وهذا الخوفُ من القبرِ وما بعدَه لا ينبغي أن يُغيِّبَ عَنَّا حُسنَ الظنِّ بالله ورجاءَ عفوِه ومغفرتِه، مع الخوفِ منه وحُسنِ العملِ له، فقد دخل النبيُّ ﷺ على شابٍّ وهو في الموتِ فقال: ((كيف تَجِدُك؟ )) قال: أرجُو اللهَ يا رسول الله، وأخافُ ذُنوبي، فقال رسولُ الله ﷺ : ((لا يَجْتمعانِ في قلبِ عبدٍ - في مثلِ هذا الموطنِ - ألا أعطاه
стр. 2576
اللهُ ما يَرجُو، وآَمَنَه مما يخافُ)) (١)، وفي ((صحيح مسلم)) قال ﷺ : ((لا يَمُوتَنَّ أحدُكم إلا وهو يُحسِنُ الظنَّ باللهِ)).
رابعًا: حضورُ الميِّت وتلقينُ المحتضَرِ، كم يتهاونُ البعضُ منّا، أو يتخوَّفُ في حضورِ المُحتضَرِين! أو نَحضرُ دون أن يستفيدَ الأمواتُ من حضورِنا، وفي صحيح مسلمٍ قال ﷺ : ((لَقِّنُوا مَوتاكُم لا إله إلا الله)) (٢)، وهذه الساعاتُ لها ما بعدَها.
وفي حديث معاذٍ ﵁: قال رسولُ اللهِ ﷺ : ((مَن كان آخرُ كلامِه لا إله إلا اللهُ، دَخَلَ الجنةَ)) (٣).
ومِن هنا يتبيَّن أهميةُ حضورِ الموتى وإعانتِهم وتذكيرِهم على النُّطقِ بالشهادة، فذلك من حقوقِ المسلمِ على أخيه، قال القُرْطبيُّ ﵀: وفي أمرِه ﵊ بتلقينِ الموتى ما يدلُّ على تعيُّنِ الحضورِ لتذكيرِه وإغماضِه والقيامِ عليه، وذلك من حقوقِ المسلمِ على المسلمين (٤).
والتلقينُ ينبغي أن يكونَ برِفْقٍ ودونَ إكثارٍ على المحتَضَر، فقد رُوي عن ابن المبارَك ﵀ أن رجلًا حَضَرَه عند الوفاةِ فجعل يُلقِّنه لا إله إلا الله، وأكثَرَ عليه فقال له عبدُ الله: إذا قلتُ مرةً فأنا على ذلك ما لم أتكلَّم بكلام (٥).
стр. 2577
خامسًا: والوصيةُ لا تقرِّبُ الموتَ ولا تبعدُه، ويخطئُ بعضُ الأموات حين يتراخَوْنَ في الوصيةِ حتى يَبغَتَهم الموتُ فجأةً، والرسولُ ﷺ يُذكِّر المسلمين بهذه الوصيةِ ويقول: ((ما حقُّ امرئٍ مسلمٍ له شيءٌ يُوصِي فيه يَبِيتُ ليلتينِ إلا ووصيَّتُه مكتوبةٌ عندَه)) (١).
ويَحرُمُ الإضرارُ بالوصيةِ كأن يُوصِيَ لبعضِ الوَرَثةِ أو يُفضِّلَ بعضَهم على بعض، وعلى مَن عَلِمَ من مُوصٍ جَنَفًا أو إضرارًا أن يذكِّرَه ويخوِّفَه بالله، وعلى الموصَى له أن يُصلحَ الوصيةَ لتكونَ وَفْقَ المشروعِ كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).
قال ابن كثيرٍ: وأحسنُ ما وردَ في النهيِ عن الحَيْفِ في الوصيةِ قولُه ﷺ : ((إنَّ الرجل ليعملُ بعملِ أهلِ الخير سبعينَ سنةً، فإذا أوصَى حافَ في وصيِته فيُختَمُ له بشرِّ عمله فيدخلُ النارَ، وإنَّ الرجلَ ليعملُ بعملِ أهلِ الشرِّ سبعينَ سنةً فيعدِلُ في وصيتِهِ فيُختَمُ له بخيرِ عملِه فيدخلُ الجنةَ)) قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ (٣).
سادسًا: فإذا مات الميتُ شَخَصَ بصرُه إلى السماء؛ لأنَّ البصرَ يَتبعُ الروحَ، ولذا يُسَنُّ تغميضُ عينَي الميت، وأن يُغطَّى بما يَستُر جميعَ بدنِه إلا من كان مُحْرِمًا فلا يُغطَّى رأسُه ولا وجهُه، ويُعجَّل بتجهيزِه والإسراع في دفنِه، وفي الحديث: ((أَسرِعوا بالجَنازةِ، فإنْ تكُ صالحةً فخيرٌ تُقدِّمونَها إليه، وإنْ تكُ سوى ذلك فشرٌّ تَضعُونَه عن رقابِكم)) متفق عليه (٤).
стр. 2578
وفي ((صحيحِ البخاريَّ)) وغيرِه عن النبيِّ ﷺ قال: ((إذا وُضِعَتِ الجنازةُ واحتملَها الرجالُ على أعناقِهم، فإنْ كانت صالحةً قالت: قَدِّموني وإن كانت غيرَ صالحةٍ قالت لأهلها: يا ويلَها أين تذهبونَ بها؟ يَسمَعُ صوتَها كلُّ شيءٍ إلا الإنسانَ، ولو سمعَها الإنسانُ لصَعِقَ)) (١).
وحين تُوضَعُ الجنازةُ في القبر يُسنُّ القولُ: باسمِ الله على سنَّةِ رسولِ الله ﷺ (٢).
ومن السُّنة إدخالُ الميتِ القبرَ من قِبَلِ رِجْلَي القبرِ.
سابعًا: ويجوزُ الإخبارُ عن الميتِ ليكثُرَ المصلُّون عليه، لا للمباهاةِ بل للدعاءِ له، وفي الحديث ((ما من ميّتٍ تُصلِّي عليه أُمّةٌ من المسلمينَ يَبلُغونَ مئةً كلُّهم يَشفَعُون له إلا شُفِّعوا فيه)) رواه مسلم.
وروى مسلمٌ - أيضًا - عن النبي ﷺ أنه قال: ((ما مِن رجلٍ مسلمٍ يموتُ فيقومُ على جنازتِه أربعونَ رجلًا لا يُشرِكُون بالله شيئًا، إلا شَفَّعَهم اللهُ فيه)).
ومن فاتته الصلاةُ على الميتِ في المسجد فليصلِّ عليها في المقبرةِ أو على القبرِ بعد دفنِه - وكَرِهَ بعضُهم ذلك وقتَ النهي بعد دفنِه؛ كابن عثيمين ﵀.
ومن فاتته بعضُ صلاةِ الجنازة فإنه يقضيهِ في الحالِ، فإذا أدركَ مع الإمام التكبيرةَ الثالثةَ فإنه يُكبرُ ويقرأُ الفاتحةَ، وإذا كبَّر الإمامُ الرابعةَ فإنه يُكبِّر الثانيةَ - بالنسبة له - ويُصلِّي على النبيِّ ﷺ وإذا سلَّمَ الإمامُ كبّرَ الثالثةَ ودعا للميتِ، ثم يُكبّر الرابعةَ ويُسلِّم (٣).
وفي الصلاةِ على الجنازةِ وحضورِها حتى تُدفنَ قِيراطانِ، وفي الصلاةِ
стр. 2579
قيراطٌ، والقِيراطُ مثل أُحدٍ، ولا بدَّ من الإخلاصِ والاحتسابِ في ذلك لقولِه ﷺ : ((مَن تَبعَ جنازةَ مسلمٍ إيمانًا واحتسابًا))، وحين سمع ابنُ عمرَ ﵄ من أبي هريرة ﵁ حديثَ القيراطَينِ في الجنائز قال: لقد فرَّطْنا في قراريطَ كثيرةٍ.
وإذا قال هذا أمثالُ ابنِ عمرَ، فماذا يقولُ أمثالُنا؟ ممّن يُفرِّط في قراريطَ كثيرةٍ.
ثامنًا: إخوةَ الإيمان: وعلى أهل الميتِ أن يَصبِرُوا عند المصيبةِ وأن يحتسبوا الأجرَ على الله، فلا تَسخُّطَ ولا جَزَعَ ولا نياحةَ؛ بل رضا وصبرٌ وحَمْدٌ واسترجاعٌ ألا وإنها البِشارةُ للصابرين ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (١).
وقال ﷺ : ((ما مِن مُسلمٍ تُصِيبُه مصيبةٌ فيقولَ ما أمرَه اللهُ: إنا للهِ وإنا إليه راجعونَ، اللهمَّ أجُرْني في مُصِيبَتي، وأَخلِفْ لي خيرًا منها، إلا أخلفَ اللهُ له خيرًا منها)) رواه مسلم.
وتَحرُم النياحةُ على الميت، وهي من كبائرِ الذنوبِ ومن صفاتِ أهل الجاهلية، وهي فوقَ البكاءِ، وذلك بوقوفِ النساءِ متقابِلاتٍ يَصِحْنَ ويضربنَ وجوهَهنَّ ويَحثيِنَ الترابَ على رؤوسهنَّ، وقد نهى ﷺ عن ذلك وقال عن النائحةِ: ((النائحةُ إذا لم تَتُب قبلَ موتِها تُقامُ يومَ القيامةِ وعليها سِرْبالٌ من قَطِرانٍ ودِرْعٌ من جَرَبٍ)) رواه مسلم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (٢).
стр. 2580
الخطبةُ الثانية:
الحمدُ لله خَلَقَ الموتَ والحياةَ ليبلوَكم أيُّكم أحسنُ عملًا وهو العزيزُ الغفورُ، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له أماتَ وأحيى، وخَلَق الزوجينِ الذكرَ والأنثى من نُطْفةٍ إذا تُمْنَى وأنَّ عليه النَّشأةَ الأخرى، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه أَوحى إليه ربُّه فيما أَوحى ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (١) اللهم صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائرِ الأنبياء والمرسلين.
إخوةَ الإسلام: مشهدٌ غائبٌ وفجأةً يَحضُر، وآمالٌ بعيدةٌ والآجالُ دونَها، ويحَكَ يا ابنَ آدمَ حين يأخذُك الموتُ على غِرّةٍ ودونَ استعدادٍ ليوم المَعَاد، أين أنت من ظُلْمة القبرِ ووَحْشتِه، ومن هَوْلِ الحساب وعَرَصاتِ القيامة، فذاكَ الذي تَشِيبُ له النواصي، وتَذهلُ المراضعُ عمّا أرضَعَتْ، وتضعُ كلُّ ذاتِ حَمْلٍ حملَها، ألا وأنَّ القبرَ أولُ مشاهدِ القيامةِ، وعنه قال ﷺ : ((إنَّ الميتَ يصيرُ إلى القبرِ فيُجلَسُ الرجلُ الصالحُ في قبرِه غيرَ فَزِعٍ ولا مِشعُوف، ثم يقال له: فيمَ كنتَ؟ فيقول: كنتُ في الإسلام، فيُقال له: ما هذا الرجلُ؟ فيقول: محمدٌ رسولُ الله ﷺ ، جاءنا بالبيِّناتِ من عندِ الله فصدَّقْناه، فيُقال له: هل رأَيتَ اللهَ؟ فيقول: ما ينبغي لأحدٍ أن يَرَى اللهَ، فيُفرَج له فُرْجةٌ قِبَل النار فيَنظرُ إليها يَحطِمُ بعضُها بضعًا فيُقال له: انظُرْ إلى ما وَقَاكَ اللهُ، ثم يُفرَج له قِبلَ الجنة فينظرُ إلى زَهْرتِها وما فيها فيُقال له: هذا مقعدُك، ويقال له: على اليقينِ كُنتَ، وعليه مُتَّ، وعليه تُبعَثُ إن شاء الله، ويُجلسَ الرجلُ السوءُ في قبرِه فَزِعًا مِشْعُوفًا، فيُقال له: فيم كُنتَ؟ فيقول: لا أدري، فيُقال له: ما هذا الرجلُ؟ فيقولُ: سمعتُ الناسَ يقولون قولًا فقلتُه، فيُفرَج له قِبَلَ الجنةِ، فينظرُ إلى زَهرتِها وما
стр. 2581
فيها، فيقال له: انظُرْ إلى ما صَرَفَ اللهُ عنك، ثم يُفرَج له فُرْجةٌ قِبلَ النارِ، فينظرُ إليها يحطِمُ بعضُها بعضًا، فيُقال له: هذا مقعدُك، على الشكِّ كنتَ، وعليه مُتَّ، وعليه تُبعَثُ إن شاءَ الله)) (١).
تاسعًا: أيها المسلمون: تَذكَّروا حين تدخلون المقبرةَ أنها دارُكم، وحين تَرَوْنَ القبورَ أنكم بعد حينٍ ستَلحَقُون بهم، ولذا فالمشروعُ حين تدخلون المقبرةَ أن تَدُعوا لهؤلاءِ الأمواتِ ولأنفسِكم، وقد كان ﷺ يعلِّمُ أصحابَه كيف يدعونَ ويقول: ((السلامُ عليكم أهلَ الديارِ من المؤمنينَ والمسلمينَ، وإنّا إن شاء اللهُ بكم لاحقونَ، نسألُ اللهَ لنا ولكم العافيةَ)) رواه مسلم.
أو نحوَ ذلك من الأدعيةِ الصحيحةِ في زيارةِ المقابر.
أما الجنازةُ التي دفنتموها فادْعُوا لصاحبِها واستَغفِرُوا له وسَلُوا اللهَ له الثباتَ، فقد كان من هَدْي النبيِّ ﷺ إذا فَزَعَ من دفنِ الميت أن يقفَ عليه ويقول: ((استَغفِرُوا لأخيكم، وسَلُوا له التثبيتَ، فإنه الآن يُسألُ)) (٢).
وإياكم معاشرَ المسلمينَ أن تَمتهِنُوا القبورَ بالوَطْء أو الجلوسِ عليها ونحوِ ذلك، وفي ((صحيحِ مسلم)) من حديثِ أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((لأنْ يجلسَ أحدُكم على جَمْرةٍ فتَحرِقَ ثيابَه فتَخلُصَ إلى جلدِه خيرٌ له من أن يجلسَ على قبرٍ)) (٣).
عاشرًا: التعزيةُ المشروعةُ وثوابُها: من السُّنةِ تعزيةُ أهلِ الميتِ، ومعناها الدعاءُ لهم، وتسليتُهم وتصبيرُهم؛ والتعزيةُ المشروعةُ مشهَدٌ من مشاهدِ التكافلِ
стр. 2582
الاجتماعي، وصورةٌ معبِّرةٌ لترابُطِ المسلمين، وإحساسُ بعضِهم بمشاعرِ إخوانِهم، وفي ثوابِها وَرَدَ الحديثُ عن النبيِّ ﷺ بقوله: ((ما مِن مؤمنٍ يُعزِّي أخاه بمُصيبتِه إلا كَسَاهُ اللهُ من حُلَلِ الكرامةِ يومَ القيامةِ)) (١).
حادي عشر: وثمةَ إحدادٌ مشروعٌ وآخرُ محظورٌ، وعنه قال ﷺ : ((لا يحلُّ لامرأةٍ تؤمنُ باللهِ واليومِ الآخِر أن تُحِدَّ على ميتٍ فوقَ ثلاثِ ليالٍ، إلا على زوجٍ أربعةَ أشهرٍ وعشرًا)) متفقٌ عليه.
قال سماحةُ الشيخِ ابنِ بازٍ ﵀: جَرَتْ عادةُ الكثيرِ من الدول الإسلاميةِ في هذا العصرِ بالأمرِ بالإحداد على من يموتُ من الملوكِ والزعماءِ لمدة ثلاثةِ أيامٍ أو أقلَّ أو أكثرَ، مع تعطيلِ الدوائرِ الحكومية وتنكيسِ الأعلامِ، ولا شكَّ أن هذا العملَ مخالفٌ للشريعةِ المحمَّدية، وفيه تشبيهٌ بأعداءِ الإسلام، وقد جاءت الأحاديثُ الصحيحةُ عن رسولِ الله ﷺ تَنهَى عن الإحداد وتُحذِّرُ منه إلا في حقِّ الزوجة فإنها تُحِدُّ على زوجِها أربعةَ أشهرٍ وعشرًا، كما جاءتِ الرخصةُ عنه ﷺ للمرأةِ خاصةً أن تُحِدَّ على قريبِها ثلاثةَ أيام، أما ما سوى ذلكَ من الإحدادِ فهو ممنوعٌ شرعًا (٢).
ثاني عشر: إخوةَ الإسلام: تذكَّروا موتاكُم ولا يكنْ دفنكم لهم آخرَ العهدِ بهم، فكم هم بحاجةٍ إلى دعائِكم وصَدَقاتِكم وزيارتِكم، وصِلَةِ أصحابِهم، إلى غيرِ ذلك من قُرُباتٍ مشروعةٍ للأموات، فهم رُهنَاءُ في قبورِهم، فلا تَبخَلُوا عليهم وعلى أنفسِكم، ألا وإنَّ بإمكانِكم - معاشرَ الأحياء - أن تتسبَّبُوا اليومَ فيما يعودُ عليكم نفعُه وأَجرُه بعد مماتِكم، وفي هذا يقول ﷺ : ((إنَّ مما يلحقُ
стр. 2583
المؤمنَ من عملِه وحَسناتِه بعد موتِه عِلمًا عَلَّمَه ونَشَرَه، وولدًا صالحًا تركَه، ومُصحَفًا وَورَّثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابنِ السَّبيلِ بناه، أو نهرًا أَجْراه، أو صدقةً أخرجَها من مالِه في صحَّتِه وحياتِه يَلحقُه من بعدِ موتِه)) أخرجه ابنُ ماجه بسند حسن (١).
عبادَ الله: كم تقرَعُ أسماعَنا أخبارُ الموتى، فهذا حريقٌ وهذا غريقٌ، وذاك بحادثٍ، وآخرُ فجأةً، وخامسٌ عانى من المرضِ حتى وفَّى الأجلَ، موتٌ جماعي، وآخرُ فردي، موتٌ في الأطفالِ وفي الشبابِ والشيوخ وعلى مستوى الذُّكرانِ والإناث، لا فرقَ بين الغنيِّ والفقير، والعالِم والأُميِّ، والأميرِ والمأمور، إنه قطارُ الموتِ لا يتوقَّفُ، ومَلَكُ الموتِ لا يُحابي ولا يُنذِرُ، ولا يستبقي حكيمًا لحِكْمتِه ولا كريمًا لكرمِه، أو شجاعًا لشجاعتِه، أو صاحبَ جاهٍ ومنصبٍ لجاهِهِ ومنصبه، كما لا يستعجلُ ربُّكَ أخْذَ ظالمٍ لظُلمِه، بل ربما أخَّره ليومٍ تَشخَصُ فيه الأبصارُ.
إننا نسمعُ كلَّ حينٍ أخبارَ الموتى فنتأثرُ حينَها ثم ننسى، وربما غَرِقنا في همومِ الدنيا فأنسَتْنا الاستعدادَ لحياتِنا الحقيقيةِ، فإن قُلتم: هذا مصابُنا جميعًا فما العلاجُ؟ قلتُ: إليكم هذا الهَدْيَ النبويَّ فاعقِلُوه، يقول ﷺ : ((من جعلَ الهمومَ همًّا واحدًا، همَّ المَعادِ، كفاه الله همَّ دنياه، ومن تَشعَّبت به الهمومُ في أحوالِ الدنيا لم يُبالِ اللهُ في أيِّ أوديتِه هلك)) رواه ابن ماجه بسند حسن (٢).
اللهمَّ ارحَمْ موتانا واشفِ مرضانا، ووفِّقْ للخيرِ أحياءَنا، واختِمْ بالصالحاتِ أعمالَنا.
стр. 2584
معالم ووقفات في نهاية العام وعلى أثر الحج (١)
الخطبةُ الأولى:
إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ منْ شرورِ أنفسِنا ومنْ سيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهدِهِ اللهُ فلا مُضلَّ لهُ، ومنْ يضلِلْ فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، اللهمَّ صلِّ وسلِّم عليهِ وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلينَ، وارضَ اللهمَّ عن الصحابةِ أجمعينَ والتابعينَ وتابعيهمْ بإحسانٍ إلى يومِ الدِّينِ وسلِّمْ تسليمًا كثيرًا.
إخوةَ الإسلامِ: في هذهِ الأيامِ تتسارعُ الساعاتُ والأيامُ مؤذنةً بنهايةِ عامٍ مليءٍ بالأحداثِ والعِبَرِ مثقلة بالرَّزايا والمصائبِ والمحنِ، ومنْ فضلِ اللهِ على هذهِ الأمّةِ أنْ يكونَ ختامُ العامِ على أثرِ حجِّ بيتِ اللهِ الحرامِ، وعلى أثرِ ليالٍ عشرٍ أقسمَ اللهُ بها في كتابِهِ، وجاءتْ سنةُ المصطفى ﷺ مبيِّنةً لفضلِها وأجرِ عملِ الصالحاتِ فيها.
أجلْ إنَّ الحجَّ المبرورَ ليسَ لهُ جزاءً إلا الجنةُ.
ويُقالُ للحاجِّ الموفَّقِ: ((منْ حجَّ للهِ فلمْ يَرْفُثْ ولمْ يفسقْ رَجَعَ كيومِ ولدتْه أمُّه)) (٢).
ولغيرِ الحاجِّ يُقالُ لمنْ عملَ الصالحاتِ في عشرِ ذي الحجّةِ وتقبَّلَ اللهُ منهُ: إنكمْ بلغتُمْ منزلةَ المجاهدِ في سبيلِ اللهِ، الذي عَقَرَ جوادَه فقاتلَ حتى قُتلَ فلمْ يرجعْ بنفسِه ولمْ يرجعْ مالُه.
стр. 2585
ويقالُ لمنْ صامَ عرفةَ: أليسَ مِنْ رحمةِ اللهِ وفضلِه عليكَ أنْ كفَّرَ اللهُ عنكَ بهذا الصيامِ سنتينِ؟
إذًا صحائفُ الموفَّقينَ والمشمِّرينَ للطاعةِ في هذهِ الأيامِ بيضاءُ، وخطاياهمْ تكفَّرُ والأوزارُ والأثقالُ عنهمْ تُحطُّ وتُغفرُ .. فيَختِمونَ عامَهمْ بخيرِ ما ينبغي أنْ يُختمَ به، وهنا أقفُ مذكِّرًا لنفسي وإخواني بما ينبغي أنْ نكونَ عليهِ دائمًا، وبالأخصِّ حينَ نودِّعُ عامًا أودعْنا فيهِ ما شاءَ اللهُ منَ الصالحاتِ وأخطأنا واقترفنا فيه منَ السيئاتِ ما كتبَ اللهُ.
المَعلمُ الأول:
الشكرُ للهِ .. فالشكرُ يزيدُ النِّعَمَ ويُذكرُ بفضلِ المُنعِمِ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (١)، ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ (٢)، فمنِ الذي هيّأَ لكَ رحلةَ الحجِّ وأعانكَ على إتمامِ المناسكِ، ورزقَكَ المالَ، وأمدَّكَ بالعافيةِ حتى أتممتَ حجَّكَ وقضيتَ مناسكَك؟ إنهُ اللهُ العليُّ الكبيرُ .. وشكرُك للهِ أولًا وآخرًا لا ينبغي أن يُنسيَكَ شكْرَ المخلوقينَ ممن بَذَلَ واجتهدَ في تيسيرِ مناسكِ الحجِّ وأمَّن السُّبلَ وقامَ بخدمةِ الحجيجِ، سواءٌ على مستوى الدولةِ أو على مستوى الأفرادِ والمؤسساتِ.
واشكرْ ربَّكَ كذلكَ إذْ وفَّقكَ وهداكَ لعملِ الصالحاتِ في العَشْرِ، وكمْ منْ محرومٍ أو متكاسلٍ فاتهُ الركْبُ، فلا هوَ في عدادِ الحجّاجِ، ولا هوَ منَ المسابقين للخيراتِ في هذهِ العشرِ، وفوقَ هذا فلا تنسَ الشكرَ للهِ؛ إذْ أعانكَ ويسَّرَ لك عملَ الصالحاتِ في سائرِ العامِ.
الذين يظلُّهمُ اللهُ في ظلِّهِ يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه.
والشيخُ الذي شابَ في الإسلامِ لهُ أجرُه ونورُه، وفي الحديثِ الصحيحِ قالَ ﷺ : ((والشيبُ نورُ المؤمنِ، لا يَشيبُ رجلٌ شيبةً في الإسلامِ إلا كانتْ له بكلِّ شيبةٍ حسنةٌ، ورُفع بها درجةً)) (١).
أيها المسلمونَ: اختموا عامَكمْ بالتوبةِ والاستغفارِ، والذِّكرِ والشكرِ والعزيمةِ على الرُّشدِ والغنيمةِ منْ كلِّ بِرٍّ، والسلامةِ منْ كلِّ إثمٍ، واسألوا ربَّكمْ السلامةَ منَ الفتنِ، والعفوَ والعافيةَ.
واحرصوا على الإكثارِ منْ عملِ الصالحاتِ في أيامِ نهايةِ العامِ، لعلَّ اللهَ أنْ يرفعَ درجاتِكمْ ويكفِّرَ عنْ سيئاتِكمْ، والأعمالُ بالخواتيمِ.
وادعوا ربَّكمْ أنْ يتقبلَ طاعاتِكمْ، ويغفرَ ذنوبَكم، فليسَ الشأنُ عَمَلَ الصالحات، وإنما الشأنُ كلُّ الشأنِ في القَبُولِ، واللهُ يقولُ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢).
وكانَ سلفُ الأُمَّةِ يَجتهدونَ في عملِ الطاعة فترةً منَ الزمنِ، ثمَّ يَجتهدونَ فترةً أخرى في الدعاءِ وسؤالِ اللهِ القَبولَ، وما يزال العبدُ يدعو ويتضرَّعُ ويستغفرُ حتى يستجيبَ اللهُ دعاءَه ويغفرَ ذَنْبَه ويرفعَ درجتَه.
стр. 2595
الوصايا والوقف الناجز (١)
الخطبةُ الأولى:
إن الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهم صلِّ وسلِّمْ عليه وعلى سائرِ الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهمَّ عن الصحابةِ أجمعين والتابعين وتابعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين وسلِّمْ تسليمًا كثيرًا.
أيها المسلمون: الأوقافُ والوصايا ماذا يُعلَمُ عنها، وبماذا يُعملُ؟
ما هي أغراضُها؟ وما منافعُها؟ كيف كان هديُه ﷺ فيها؟ وكيف كان هديُ سلفِ الأُمةِ من بعدِه فيها؟ ما الوقفُ الناجزُ وما الوقفُ المؤجَّل؟ ما هي الأخطاءُ والسلبيّاتُ التي تحصلُ في بعضِ هذه الأوقافِ وكيف الحلُّ، وهل يمكن أن تُستثمَرَ الأوقافُ والوصايا لدعمِ الدعوة لدينِ الله والجهادِ في سبيلِه، وتُعمَّمُ مصالحُها؟ إلى غيرِ ذلك من أسئلةٍ مهمَّةٍ تتعلَّقُ بالأوقافِ والوصايا، وهنا وقبلَ الإجابةِ على هذه الأسئلةِ لا بدَّ من القولِ: إن الأوقافَ والوصايا في الإسلامِ مظهرٌ من مظاهرِ البرِّ والإحسان، وصورةٌ رائعةٌ من صورِ التكافلِ الاجتماعيّ .. يستشعرُ معها أهلُ اليَسَارِ والغِنى حاجةَ إخوانِهم المسلمين لأمرٍ من الأمورِ فيُوقِفُون ويُوصُون من أموالِهم ما يَخدُمُ غيرَهم من المحتاجين، ويسدُّ حاجتَهم.
إنَّ الوقفَ سنَّةٌ نبويةٌ سارتْ عليه الأُمةُ في عصورِها الزاهيةِ وإلى يومِنا هذا،