← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

الخطبةُ الثانيةُ: الحمدُ للهِ أعطى كلَّ شيءٍ خَلْقَه ثمَّ هدى، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، يُحبُّ التوابينَ ويُحبُّ المتطهِّرينَ ويحبُّ المحسنينَ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، أرشدَ الأمّةَ إلى ما يَنفعُها في دِينِها ودنياها، وتركَها على مَحجّةٍ بيضاءَ لا يَزيغُ عنها إلا هالكٌ .. اللهمَّ صلِّ وسلِّم عليهِ وعلى سائرِ النبيِّينَ. أيها المسلمونَ: المَعلمُ الثالث: ترويضُ النفسِ على الطاعةِ والعبوديةِ للهِ، وتدريبُها وتذليلُها على خصالِ الخيرِ، وفِطامُها عنِ الشهواتِ المُهلِكةِ والأهواءِ المضلِّلةِ، لا سيما بعدَ أنْ ألِفتِ الطاعةَ وعاشتْ مناسباتٍ إيمانيةً غاليةً، وما أحوجَ العبدَ إلى العبوديةِ والاستعانةِ، فالعبوديةُ هي الغايةُ التي خُلقَ الخَلْقُ لها، والاستعانةُ وسيلةٌ إليها، وتأمَّلوا هذهِ الآيةَ التي نتلوها في كلِّ صلاةٍ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١). وما أعظمَه منْ دعاءٍ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، لوْ تأمَّلَهُ وعملَ بهِ المسلمونَ، فلا عبوديةَ إلا لله، ولا استعانةَ إلا باللهِ. يقولُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ ﵀: تأمَّلتُ أنفعَ الدعاءِ، فإذا هوَ سؤالُ العونِ على مرضاتهِ، ثمَّ رأيتُه في الفاتحة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وهناكَ سُنّةٌ منْ سننِ اللهِ في خَلْقهِ ينبغي التفطُّنُ لها، فكلُّ مَنْ أعرضَ عنْ عبوديةِ اللهِ لا بدَّ أنْ يقعَ في العبوديةِ لغيرِه، وكلُّ مَنْ لمْ يستعنُ بهِ وحدَه تورّطَ في

стр. 2592

الاستعانةِ بغيرهِ، وفرْقٌ بينَ العبوديةِ للهِ والاستعانةِ بهِ، وبينَ العبوديةِ والاستعانةِ بغيرهِ. فالمشركونَ الذينَ تكبَّروا عنْ عبادةِ اللهِ وحدَه رَضُوا لأنفسِهمْ بعبادةِ الأشجارِ والأحجار، أوْ ما شابَهها منْ آلهةٍ لا تملكُ لهمْ نفعًا ولا تدفعُ عنهمْ ضُرًّا. وإبليسُ تكبّرَ عنِ السجودِ لآدمَ، فأورثَه اللهُ ذُلًا ومهانةً في الدنيا ويومَ يقومُ الأشهادُ، ومَنْ رغبَ عنْ إنفاقِ مالِهِ في طاعةِ الله ابتُلي بإنفاقهِ لغيرِ اللهِ وهوَ راغمٌ، وهكذا مَنْ نقصتْ محبّتُه لربِّه تعلَّق قلبُه بغيرِ اللهِ، فتفرقتْ به الأهواءُ. ومَنْ نقصَ خوفُه منْ ربِّه خافَ منْ غيرهِ، ومنْ نقصَ رجاؤهُ لربِّه تعالى تعلَّقَ قلبُه بغيرِ اللهِ فصارَ يرجوهُ في جَلْبِ نفعٍ أو دفعِ ضررٍ لا يقدرُ عليهِ إلا اللهُ. أيها المسلمون: إنَّ الأبرارَ في نعيمٍ في الدنيا، وهمْ في الآخرةِ أعظمُ نعيمًا وأبقى. إنَّ النفسَ ذلولٌ لصاحبها، فإنْ ذلَّلها للخيرِ ودرَّبَها عليهِ استقرَّتْ واستقامتْ، وإنْ هيَ ذُلِّلتْ للشرِّ وتُركتْ ترتفعُ أَلِفَتْ ذلكَ وأصابَها منَ القلقِ والهمومِ والأوهامِ والضيقِ والضَّنكِ ما اللهُ بهِ عليمٌ. ألا فتأمَّل نفسَكَ أيها الناصحُ! وانظرْ ما أنتَ فيه، ووعدُ اللهِ حقٌّ ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (١). المَعلمُ الرابعُ: قيمةُ الحياةِ، وقدْرُ الزمنِ، والفراغُ القاتلُ، ذلكَ معلمٌ رابعٌ لا بدَّ أنْ تُقدرهُ في كلِّ حينٍ، ولا سيما حينَ تُحاسبُ نفسَكَ في نهايةِ العامِ.

стр. 2593

نَعَمْ إنَّ الحياةَ ليستْ لهوًا ولعبًا وأكلًا وشربًا وضحكًا وأُنسًا ثمَّ لا شيءَ بعدهُ، وإنَّ الزمانَ مسؤوليةٌ وميدانٌ للحرثِ. أمّا الفراغُ فهوَ قاتلٌ بطيءٌ، سواءٌ كانَ فراغًا عقليًا، يعيشُ صاحبُه بلا هدفٍ، أو فراغًا قلبيًا حينَ يفرغُ القلبُ منَ الإيمانِ الحقِّ ولذةِ العبوديةِ والطاعةِ لله، أوْ فراغًا نفسيًا بحيثُ تحيطُ بهِ الشكوكُ والأوهامُ وتقتلُه الظنونُ والوساوسُ. يا مسلمُ يا عبدَ اللهِ! إنَّ منْ فضلِ اللهِ عليكَ أنكَ تختلفُ عنْ غيرِكَ في تقديرِ قيمةِ هذهِ الحياةِ .. وتختلفُ عنْ غيركَ في الإيمانِ بالحياةِ الحقيقيةِ ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (١). وكمْ يهزُّك هذا الحديثُ النبويُّ حينَ تُرعى له سمْعَك وجوارحَكَ، والرسولُ ﷺ يقولُ: ((لا تزولُ قدما عبدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسألَ عنْ أربعٍ: عنْ عُمرِه فيما أفناهُ، وعنْ شبابِهِ فيمَ أبلاهُ، وعنْ مالِه منْ أينَ اكتسبَه وفيمَ أنفقهُ، وعنْ عِلْمِهِ ماذا عملَ بهِ)) (٢). إنَّ العُمرَ أمانةٌ، والشبابَ والطاقةَ أمانةٌ، والمالَ أمانةٌ، والعلمَ أمانةٌ .. ويومَ تَرعى هذه الأماناتِ كلَّها وتعتقدُ أنك مسئولٌ عنها فذلكَ بدايةُ الفلاحِ، ومؤشِّرُ السعادةِ، وفرْقٌ بينَ هذا الصنفِ الواعي لرعايةِ هذه الأماناتِ أوْ سواها مما ائتمنَ اللهُ، وبينَ مَنْ يخوضُ ويلعبُ، ويتخبَّطُ حتى تفجأَه المنيّةُ، ويثويَ العمرُ، ويَنخرمَ الشبابُ، ويُورَثَ المالُ. أيها المسلمُ: شابًا كنتَ أوْ شيخًا أنتَ على خيرٍ ما دمتَ ترعى حقوقَ اللهِ وتأتمرُ بأمرِه وتنتهي عندَ نواهِيهِ، فالشابُّ الذي ينشأ في طاعةِ اللهِ أحدُ السبعةِ

стр. 2594

الذين يظلُّهمُ اللهُ في ظلِّهِ يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه. والشيخُ الذي شابَ في الإسلامِ لهُ أجرُه ونورُه، وفي الحديثِ الصحيحِ قالَ ﷺ : ((والشيبُ نورُ المؤمنِ، لا يَشيبُ رجلٌ شيبةً في الإسلامِ إلا كانتْ له بكلِّ شيبةٍ حسنةٌ، ورُفع بها درجةً)) (١). أيها المسلمونَ: اختموا عامَكمْ بالتوبةِ والاستغفارِ، والذِّكرِ والشكرِ والعزيمةِ على الرُّشدِ والغنيمةِ منْ كلِّ بِرٍّ، والسلامةِ منْ كلِّ إثمٍ، واسألوا ربَّكمْ السلامةَ منَ الفتنِ، والعفوَ والعافيةَ. واحرصوا على الإكثارِ منْ عملِ الصالحاتِ في أيامِ نهايةِ العامِ، لعلَّ اللهَ أنْ يرفعَ درجاتِكمْ ويكفِّرَ عنْ سيئاتِكمْ، والأعمالُ بالخواتيمِ. وادعوا ربَّكمْ أنْ يتقبلَ طاعاتِكمْ، ويغفرَ ذنوبَكم، فليسَ الشأنُ عَمَلَ الصالحات، وإنما الشأنُ كلُّ الشأنِ في القَبُولِ، واللهُ يقولُ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢). وكانَ سلفُ الأُمَّةِ يَجتهدونَ في عملِ الطاعة فترةً منَ الزمنِ، ثمَّ يَجتهدونَ فترةً أخرى في الدعاءِ وسؤالِ اللهِ القَبولَ، وما يزال العبدُ يدعو ويتضرَّعُ ويستغفرُ حتى يستجيبَ اللهُ دعاءَه ويغفرَ ذَنْبَه ويرفعَ درجتَه.

стр. 2595

الوصايا والوقف الناجز (١) الخطبةُ الأولى: إن الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهم صلِّ وسلِّمْ عليه وعلى سائرِ الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهمَّ عن الصحابةِ أجمعين والتابعين وتابعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين وسلِّمْ تسليمًا كثيرًا. أيها المسلمون: الأوقافُ والوصايا ماذا يُعلَمُ عنها، وبماذا يُعملُ؟ ما هي أغراضُها؟ وما منافعُها؟ كيف كان هديُه ﷺ فيها؟ وكيف كان هديُ سلفِ الأُمةِ من بعدِه فيها؟ ما الوقفُ الناجزُ وما الوقفُ المؤجَّل؟ ما هي الأخطاءُ والسلبيّاتُ التي تحصلُ في بعضِ هذه الأوقافِ وكيف الحلُّ، وهل يمكن أن تُستثمَرَ الأوقافُ والوصايا لدعمِ الدعوة لدينِ الله والجهادِ في سبيلِه، وتُعمَّمُ مصالحُها؟ إلى غيرِ ذلك من أسئلةٍ مهمَّةٍ تتعلَّقُ بالأوقافِ والوصايا، وهنا وقبلَ الإجابةِ على هذه الأسئلةِ لا بدَّ من القولِ: إن الأوقافَ والوصايا في الإسلامِ مظهرٌ من مظاهرِ البرِّ والإحسان، وصورةٌ رائعةٌ من صورِ التكافلِ الاجتماعيّ .. يستشعرُ معها أهلُ اليَسَارِ والغِنى حاجةَ إخوانِهم المسلمين لأمرٍ من الأمورِ فيُوقِفُون ويُوصُون من أموالِهم ما يَخدُمُ غيرَهم من المحتاجين، ويسدُّ حاجتَهم. إنَّ الوقفَ سنَّةٌ نبويةٌ سارتْ عليه الأُمةُ في عصورِها الزاهيةِ وإلى يومِنا هذا،

стр. 2596

وسيظلُّ ما بقيَ الدِّينُ قائمًا والمسلمون أحياءَ. والوقفُ نوعٌ من أنواعِ الصدقةِ في الإسلام، ويُعرَفُ بأنه حبسُ الأصلِ وتسبيلُ منفعتِه. وقد أرشدَ النبيُّ ﷺ إليه نفرًا من الصحابةِ جاؤوا يستشيرونَه، ففي ((صحيح البخاريِّ)) وغيره: أن عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ أصاب أرضًا بخيبرَ، فأتى النبيَّ ﷺ يستأمرُه فيها، فقال: يا رسولَ الله، إني أصبتُ أرضًا بخيبرَ لم أُصِبْ مالًا قطُّ أنفسَ عندي منها، فما تأمرُ به؟ قال: ((إن شئتَ حَبَستَ أصلَها وتصدَّقتَ بها)) قال: فتصدَّقَ بها عمرُ أنه لا يُباعُ ولا يُوهب ولا يورَثُ، وتصدَّقَ بها في الفقراءِ وفي القُربَى، وفي الرِّقاب، وفي سبيلِ الله وابن السبيل، والضيفِ، ولا جُناحَ على مَن وَلِيَها أن يأكلَ منها بالمعروف ويُطعِمَ غيرَ متموِّلٍ (١). عبادَ الله: هذه مشروعيةُ الوقفِ وبعضُ منافعِه، كما في وصيةِ عمرَ ومَشُورةِ محمدٍ ﷺ ، وهذا نموذجٌ من نماذجِ الوقفِ في عصرِ النبوة. وإليكم نموذجًا آخرَ والمشيرُ فيه كذلك رسولُ الهدى ﷺ في قصةِ أبي طَلْحةَ ﵁ وبَيْرَحاءَ، فعند أحمدَ والبخاريِّ ومسلمٍ عن أنس لما نزلتْ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (٢) جاء أبو طلحةَ إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسولَ الله، يقول تعالى في كتابه: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بَيْرَحاءُ، قال: وكانت حديقةً كان رسولُ الله ﷺ يدخلُها ويستظلُّ بها ويشربُ من مائِها - فهي إلى الله وإلى رسولِه ﷺ أرجو بِرَّه وذُخْرَه، فضَعْها - أيْ رسولَ الله - حيثُ أراكَ اللهُ، فقال

стр. 2597

رسولُ الله ﷺ : ((بخ يا أبا طلحةَ، ذلك مالٌ رابحٌ، قَبِلْناه منكَ، ورَدَدْناه عليكَ، فاجعَلْه في الأقربينَ)) فتصدَّقَ بها أبو طلحةَ على ذَوِي رحمِه - وفي لفظٍ: فَقَسَمَها أبو طلحة في أقاربِه وبني عمِّه)) (١). أيها المسلمون: ومن خلالِ هذينِ النموذجينِ في الأوقافِ والصدقاتِ تتبيَّنُ الأمورُ التالية: ١ - إن هذا الجيلَ كان حريصًا على الخيرِ والبَذْل، والدليلُ على ذلك أنهم كانوا يَبذُلون أغلى ما يَملِكون، ومن رامَ التشبيهَ بهم فليتخلَّصْ من شُحِّ نفسِه، وليستجيبْ لنداءِ ربِّه: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. ٢ - وإنَّ الوقفَ أو الصدقةَ الناجزةَ أَوْلى من الوقفِ بعد المماتِ ولماذا؟ لأن في ذلك انتصارًا على شُحِّ النفس، فالحيُّ يخشى الفقرَ ويأملُ الغِنى بعكس الميتِ، فالمالُ من بعدِه للوارثِ. ٣ - ولأن المُوقِفَ يَرى في حياتِه أثرَ وقفِه ويتصرَّفُ فيه بما يُصلِحُه ويُدِيم نفعَه، ومهما بلغَ الوارثُ من الحرصِ على وقفِ مورِّثِه أو وصيتِه فلن يكونَ بدرجةِ حرصِ المُوقِف نفسِه. ٤ - بل ربما تعرَّضَ الوقفُ المؤجَّلُ إلى معوِّقاتٍ ومشاكلَ، والواقعُ يشهدُ على تعطُّلِ منافعِ عددٍ من الوصايا والأوقافِ، بل ربما زادَ الأمرُ فأحدثتْ هذه الوصايا والأوقافُ من المشاكلِ بين الوَرَثةِ والقطيعةِ بين الأرحامِ ما يَندَى له الجبينُ. إخوةَ الإسلام: ولا نعني بذلك التحذيرَ من الأوقافِ والوصايا المنفَّذةِ بعد الممات، فالوصيةُ بجزءٍ من المال بعد الموتِ أمرٌ مشروعٌ لقوله ﷺ : ((الثلثُ

стр. 2598

والثلثُ كبيرٌ)) (١)، ولكنّ المقصودَ التنبيهُ إلى ما قد يَغفُلُ عنه كثيرٌ من الناسِ حين يعتقدون أن كلَّ صدقاتِهم لا تُنفَّذ إلا بعدَ المماتِ، أو أن الوقفَ لا تسري منافعُه حتى يموتَ مُوقِفُه - فذلك الخطأُ الذي ينبغي التنبيهُ له، وينبغي أن يستشعرَ الأغنياءُ قيمةَ وأهميةَ ونفعَ الوقفِ الناجزِ، ولئِنْ كان الواقعُ يشهدُ بوجودِ هذا النوع من الأوقافِ الناجزة - فلا يزالُ عددٌ من الأغنياءِ لا يعتمدونَ هذا النوعَ من الأوقاف. وواقعُ المسلمين الحاضرُ يشهدُ على الحاجةِ لذلك، فكم من الفقراءِ والمحتاجين في الداخلِ أو في الخارجِ يحتاجون إلى إنفاقٍ دائم، ومع ما تقومُ به الجمعياتُ والمؤسساتُ الخيريّةُ، وما يقومُ به الأغنياء من أُعطِيَاتٍ وصدقاتٍ، إلا أنَّ هذه الأوقافَ - حين توجدُ وتتكاثرُ - ستسدُّ حاجةً كبيرةً لهؤلاء. والدعوةُ إلى اللهِ بمشاريعِها الواسعةِ وبنفقاتِها المتعدِّدةِ تقومُ اليومَ في عددٍ من الدولِ والمؤسَّساتِ على صدقاتٍ مقطوعةٍ، ومعوناتٍ متقطِّعةٍ يُؤثِّرُ توقفُها أو ضعفُها على انتشارِ الدعوة ونشاطِ الدعاة، وحين تتكاثرُ الأوقافُ الناجزةُ والهِبَاتُ والعطايا العاجلةُ، لا شكَّ أنها تُسهِم في نشاطِ الدعوة وحيويةِ الدعاة. وستظلُّ هذه الأوقافُ المحبوسةُ الأصولِ مورِدًا للدعمِ ما بقيتْ هذه الأوقافُ. إنَّ طباعةَ الكتبِ وتوزيعَ الأشرطةِ النافعةِ تحتاجُ إلى دعمٍ مستمرٍّ، وإطعامَ الجَوْعى وسقيَ العَطْشى، وتأمينَ الغذاءِ والكساءِ لمن يحتاجُ إلى استمرارِ الصدقاتِ وتدفُّقِ التبرُّعات، والأوقافُ والوصايا ينبغي أن تُسهِمَ بتمويلِ هذه المشاريع لصالحِ الدعوةِ وحمايةِ المسلمين من مَعُونةِ غيرِ المسلمين، إذِ المعونةُ من غيرِ المسلمين تسيرُ في الغالبِ لأهدافٍ تنصيريةٍ أو على الأقلِّ لطمسِ معالمِ الهُويةِ المسلمةِ. أيها المسلمون: إنَّ المتأملَ في تاريخِ المسلمين يرى أنَّ هذه الأوقافَ

стр. 2599

ساهمتْ في بناءِ المساجد، والإنفاقِ على المجاهدين وأصحابِ الثُّغور، وإصلاحِ الطرق، وشقِّ الأنهار، وحفرِ الآبار، وإطعامِ الطعامِ وخدمةِ المسافرين، وفي خلافةِ عمرَ ﵁ أمر باتخاذِ دورٍ للطعامِ من دقيقٍ وغيرِه لعابِرِي السبيلِ والمنقطِعين (١). وشَمِلَتْ هذه الوصايا والأوقافُ خدمةَ الموتى، وذلك بوقفِ المقابرِ، بل تجاوزتْ وصايا وأوقافُ المسلمين إلى غيرِهم من أهلِ الذِّمَّة رحمةً وتأليفًا لهم ودعوةً للإسلام، فقد نُقِلَ أمرُ عثمانَ وعليٍّ ﵄ بحفرِ أنهارٍ لأهل الذمة، ويُروى أن عليًا ﵁ كتبَ إلى أحدِ أمرائِه يقول: ((أما بعدُ، فإن رجالًا من أهلِ الذمةِ من عملِك ذكروا نهرًا في أرضِهم قد عَفَا وادَّفنَ، وفيه عِمارةٌ على المسلمين، فانظُرْ أنتَ وهُم، ثم اعمُرْ وأصلِحِ النهرَ، فلَعَمْري لأنْ يعمروا أحبُّ إلينا من أن يخرجوا، وأن يَعجِزوا أو يُقصِّروا في واجبٍ من صلاحِ البلادِ، والسلام)). نعم إنَّ الأوقافَ كما تكونُ من الأفرادِ تكونُ من الدولِ، وكما تكون من الأغنياءِ تكونُ من غيرِهم، وهذا خالدُ بنُ الوليدِ ﵁ لا يملكُ كما يملكُ غيرُه من الضِّياع والأموال .. لكنه يُوقِفُ أغلى ما يملكُ آلتَه وسلاحَه وعتادَه الحربيَّ، ويُثْني رسولُ الله ﷺ على خالدٍ ويقول: ((إنَّكم تَظلِمونَ خالدًا وقد احتَبَسَ أدراعَه وأعتادَه في سبيل الله .. )) رواه مسلم (٢). أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ (٣).

стр. 2600

الخطبةُ الثانية: إخوةَ الإسلام: ومن فضلِ اللهِ علينا - معاشرَ المسلمين - أننا نُوقِفُ ما نوقفُ من مالِ اللهِ الذي آتانا، ثم يَأجُرُنا اللهُ على ما نُوقِفُ من مالِه وغيرُنا يوقِفُ، ولا يُؤجَر، ممن قال اللهُ عنهم: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ (١). أجلْ، إنَّ الوقفَ كان قبلَ الإسلام، والأوقافَ كانت عندَ غيرِ المسلمين، فالمَجُوسُ والنصارى كانت لهم أوقافُهم .. ولكم أن تَعجَبُوا حين تعلمونَ أنَّ الملوكَ والعامَّةَ من هؤلاءِ القوم الكافرين - كانوا يتنافسون على تخصيصِ الأملاكِ المختلفةِ التي تُدِرُّ الأموالَ على رجالِ المجوسيّةِ ومعابِدِها، وعلى طبقةِ الأشرافِ والدهاقين. ولكم أن تَعجَبُوا كذلك حين تعلمونَ أنَّ العربَ كانوا يُوقِفُونَ بعضَ أموالِهم على أصنامِهم، أو على أماكنَ معيَّنةٍ لمناسباتٍ خاصَّةٍ كالحج وغيرِه (٢). ويزدادُ العجبُ حين تعلمون أنَّ عددًا من النصارى واليهود اليومَ يُوقِفُون ويُنفِقون الكثيرَ من أموالِهم لخدمةِ دينِهم والدعوةِ إلى معتقداتِهم؟ ! ويقولُ أحدُ التقارير: إن النصارى - وفي أمريكا فقط - يتبرَّعونَ للكنيسةِ بنحو ستينَ ألفَ مليونِ دولارٍ سنويًا؟ أفيكونُ المسلمون أقلَّ من غيرِهم في خدمةِ دينِهم والتبرُّعِ والإنفاقِ في سبيلِ الدعوةِ لإسلامهم؟

стр. 2601

عبادَ الله: وهناك مفهومٌ خاطئٌ حين يظنُّ البعضُ أن الأوقافَ لا تكون إلا من الأغنياءِ أو من كبارِ السن، والحقُّ أن الأوقافَ أو الوصايا تكونُ من الشبابِ، ومن متوسِّطي الحالِ، وسواءً كانوا من الرجالِ أم النساء، وقد نقَلَ صاحبُ ((المُغْني)) عن جابرٍ ﵁ قال: لم يكن أحدٌ من أصحابِ النبيِّ ﷺ ذو مَقدِرةٍ إلا وقَفَ. فإن قيل: وكيف يُوصِي أو يُوقِفُ شابٌّ لا يملكُ إلا مرتَّبًا شهريًا قد لا يأتي الشهرُ إلا وقد احتاجَ للمرتَّب الآخَر، أو شخصٌ مكتسِبٌ يُحصِّلُ كلَّ يوم ما يكفيهِ ومَن يَعُول؟ وليس لديه رصيدٌ ثابتٌ يُوقِفُ منه؟ وهنا أُجيبُ وأذكِّر بوسيلةٍ وَقْفيةٍ غير مُكلِفة ولا مُرهِقة، وهي على المدى البعيدِ وبالتعاونِ مع الآخرين ذاتُ أثرٍ وفاعليةٍ وجدوى، وذلك حين يتَّفقُ مجموعةٌ (ذكورًا كانوا أم إناثًا) على اقتطاعِ جزءٍ يسيرٍ من دَخْلِهم الشهريِّ ولمدةٍ متعيَّنةٍ سنتين أو ثلاثًا أو خمسًا أو أقلَّ أو أكثر، حتى إذا اجتمعَ لديهم المبلغُ المحصَّلُ جعلوه وَقْفًا يحبسون أصْلَه ويُنفِقون من رَيْعِه على أيِّ مشروع يَخدُمُ دينَ الله أو يُسهِمُ في مساعدةِ المحتاجين، وما أكثرَ المشاريعَ الخيريةَ التي تحتاجُ إلى دعمٍ! وما أكثرَ المحتاجين إلى المساعدةِ! ويمكن لأصحابِ هذا الوقفِ أن يجعلوا نفقةَ رَيْعِه عامةً، أو يُخصِّصوها على مشروعٍ معيَّن. إننا بهذِه الطريقةِ الوَقْفيةِ الجماعيةِ سنسُدُّ ثَغَراتٍ محتاجةً، وسنتيحُ الفرصةَ لكلِّ راغبٍ في الوقف - مهما كان دخلُه - أن يوقِفَ، وهذه من باب التعاونِ على البِرِّ والتقوى، ونحن مأمورون بذلك، وبهذه الطريقةِ الوقفيةِ التعاونيةِ لن تعودَ الأوقافُ قصرًا على الأغنياء وكبارِ السن، بل ستشملُ شريحةً عريضةً في المجتمعِ هم الموظَّفون والمدرِّسون والمدرِّساتُ، وستشملُ كذلك المتسبِّبين وأصحابَ الحِرَف الأخرى، فهل نستجيبُ لنداءِ ربِّنا ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، وهل نفكِّرُ جميعًا بحاجة الفقراءِ والمساكين

стр. 2602

ونُسهِمُ في علاجها، وهل نستشعرُ جميعًا حاجةَ الدعوة إلى دين الله إلى الدعمِ الماديِّ فنَنشَطُ في الدعوةِ بأموالِنا - إن قصَّرْنا في الجوانبِ الأخرى. إننا جميعًا قد نُدعَى للإنفاق الطارئ لمشروعٍ أو لآخرَ فنستجيبُ، وهذا الإنفاقُ بأَجْرِه، وسيجد المنفقُ المخلِصُ أَجْرَه وثوابَه عندَ الله أحوجَ ما يكونُ إليه، ولكنَّ الإنفاقَ المستديمَ عن طريقِ الأوقاف أَوْلى وأَدْوَمُ من الإنفاق المتقطِّع. وكم يَسعَدُ الإنسانُ حين يرى مساهمتَه في الخيرِ وهو حيٌّ، وكم يُسَرُّ حين يرى أن مالًا يسيرًا في البدايةِ اقتطعه، ثم أصبح يُثمِرُ ويستثمَرُ في صالحِ الدعوة إلى دينِ الله. وكم هو مؤلمٌ حين نسمعُ عن أخبارِ بعض الوصايا المنفَّذة بعدَ المماتِ، مما يعتريها من مشاكلَ، وما يَعُوقُها عن التنفيذ، وقد حُدِّثتُ أن شخصًا مُوسِرًا أوصى بثلثِ مالِه بعد مماتِه، وهذا الثلثُ نحو ستين مليونًا، وقد مضى على وفاتِه قُرابةُ عشرِ سنوات ولم يُستفَدْ حتى الآن من ثلثِه شيءٌ .. لا لشيءٍ إلا لاختلافِ ورثتِه، وإلا فالوصيةُ مكتوبةٌ، وبموجبِ صكٍّ شرعيٍّ مضبوطٍ .. لكن هكذا يَجْني الورثةُ أحيانًا على مورِّثِهم. فهل يعتبرُ الأحياءُ من أحوالِ ووصايا بعضِ الأموات؟ فيُنجِزونَ أوقافَهم في حياتِهم. وكلمةً أخيرةً أيها الشابُّ: هل تضمنُ حياتَك حتى تبلغَ المشيبَ فتوصى أو توقِفَ؟ وأيها المتوسطُ الحالِ إياك أن يخدعَك الشيطانُ بالانتظارِ في الوصيةِ أو الوقفِ حتى تبلغَ مبلغًا من الغِنى .. بل عليكم بالبِدَارِ ببذلِ الخير حسبَ القُدْرةِ، فلا تدري نفسٌ ماذا تكسب غدًا.

стр. 2603

أيها المسلمون: ومما ينبغي التنبُّهُ إليه في الوصايا أن حوائجَ الناسِ اليومَ تختلفُ عن حوائجِهم بالأمسِ، ولذا ينبغي للمُوصِي حين يكتبُ الوصيةَ أن يجتهدَ في كتابتها بعباراتٍ تُوسِّع دائرةَ استخدامِها وتعمِّمُ نفعَها في الحاضرِ والمستقبل، حتى لا يُقيَّد المنفِّذون للوصيةِ بعباراتِ الموصي المحدَّدةِ، من مثلِ عبارةِ: سدِّ حاجةِ المحتاجين، ودعمِ الدعوةِ إلى دين الله، وتعليمِ كتاب الله، ونشرِ العلم النافعِ، وما يستجدُّ من حوائجَ للمسلمين، فمثلُ هذه العبارات توسِّعُ الدائرةَ وتزيدُ من نفعِ الوصيةِ بإذن الله.

стр. 2604

على هامش الحدث (مقارنات ومفارقات) (١) الخطبةُ الأولى: إن الحمدُ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدِه الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهمَّ صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسَلينَ، وارضَ اللهمَّ عن الصحابةِ أجمعين والتابعين وتابعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وسلِّمْ تسليمًا كثيرًا. إخوةَ الإسلام: وعلى هامشِ أحداثِ الدَّمْج الأخير، دَعُونا نقفْ على مقارناتٍ مُعِّبرة، ومفارقاتٍ غريبةٍ، فالشيءُ بضدِّه يُعرَفُ، والحقُ يَكشفُ الباطلَ ويُزهِقُه. أولًا: المرأةُ بين قَتْلينِ: نعم لقد قَتَلت الجاهليةُ الأولى المرأةَ خشيةَ الفقرِ أو العار، وبلغ من جَفاءِ أهلِ الجاهلية الأولى أن يقتلَ الرجلُ ابنتَه وهي حيّة، وربما نَفَضَت التُرابَ العالقَ بلحيتِه وهو يدفنُها، ومهما حُمِدَ لهؤلاء الجاهليّين غَيْرتهُم على محارمِهم وتخوّفُهم من العارِ الذي يَصِمُهم، فلا شكَّ بمسلكِهم الخاطئ، فلقد أنكر القرآنُ صنيعَهم، وأنزل اللُه ذمَّ تصرُّفاتِهم في قرآنٍ يُتلَى إلى يومِ القيامة ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ (٢).

стр. 2605

ولكنَّ هذا القتلَ يتكررُ للمرأةِ في الجاهليةِ المعاصرة، وبصورةٍ أخرى، إنها تُقتَلُ في حيائِها وعفَّتِها، وتُوأَد في صَونِها وكرامتِها، وهل أعظمُ من وأدِ القيمِ والأخلاق؟ ومن تأمَّلَ واقعَ المرأة في كثيرٍ من البلدان أبصرَ كيف قُتِلَت المرأةُ وإن جاءت بلهجةِ التحرير، أو تحتَ عباءَةِ المطالبةِ لها بالحقوقِ، أو نحوِ ذلك من عباراتٍ فَضْفاضةٍ تخدعُ الدهماءَ والبسطاءَ، ويعلمُ زيفَها الراشدون من الرجالِ والنساء. ولئن كان هناك تشابهٌ بين الوأْدَينِ، فهناك اختلافٌ بين الموءودةِ في الجاهليتينِ، إذِ المرأةُ في الأولى لم ترضَ بل ولم تُستشَرْ، وإلا لكان لها رأيُها وموقفُها .. ولكنَّ المصيبةَ حين تُدخَلُ المرأةُ المعاصرةُ في نفقٍ مظلمٍ تُبصِر أولَه، ولا تدري ما نهايتُه، وربما خُوِّفت النهايةَ، فخدعها بريقُ البدايةِ، أو دُفعت بالقوةِ لدخولِ النفق .. ألا فانتبهي أُختي المسلمةَ إلى الوأدِ الجديد، واحذري لصوصَه الماكرين. ثانيًا: بينَ التصريحاتِ المسكِّنة والمواقفِ المحفوظة .. ! فالناسُ وإن فَرِحوا بكل تصريح يُهدِّئ ويسكِّن، ويَعِدُ بالمحافظةِ على هُويةِ المرأةِ في تعليمها، وعدم تسلُّق الحصون سعيًا إلى اختلاطِها .. فهم كذلك يحتفظون بمواقفَ منكَرة، وحواراتٍ وتصريحاتٍ قديمةٍ وحديثةٍ مقلقةٍ، تطرحُ الاختلاطَ في الصفوفِ الأولى، وتقترحُ الأنديةَ للنساء، وترى إدخالَ التربيةِ البدنية في مدارسِ البنات .. أو نحوِ ذلك من طروحاتٍ حُفظت عن أشخاصٍ نافحوا عنها، فهل التصريحاتُ الأخيرةُ نسخًا للأفكارِ القديمة، فذلك حسنٌ، أم هي تهدئةٌ مؤقَّتة، وانحناءٌ للعاصفةِ، فذلك الذي لا يُقبَل، وإحسانُ الظنِّ مطلَب، واليقظةُ وعدمُ التغفيلِ مطلبٌ آخرُ.

стр. 2606

ثالثًا: بين إعلامِنا وإعلامِ الغرب؟ كم هو مؤسفٌ حين يكونُ الإرجاف في إعلامِنا، وتضخيمُ الأحداثِ، وتشويهُ الحقائقِ سبيلًا لتهجُّم الإعلامِ الغربيِّ على بلادِنا، وفرصةً لغيرِ المسلمين لتشويهِ إسلامِنا وأخلاقِنا .. فقد نشرت مجلةُ (الماريان) الأسبوعيةُ الفرنسيةُ مقالًا في عددِها الأسبوعي (٢٥ - ٣١ مارس ٢٠٠٢) تحت عنوان: [خمسَ عشرةَ طالبةً أُحرقنَ أحياءً لأنهن لم يرتدينَ الحجابَ! ] وكتبتْ تحتَ المقالِ تقول: في المملكةِ العربيةِ السعوديةِ حريقٌ في مدرسةٍ نجتْ منه المبادئُ الأخلاقيةُ فماتتِ الطالباتُ، ثم تقول: عندما شبَّ حريقٌ في مدرسةٍ للبناتِ في مدينةِ مكة استعدَّ رجالُ الإنقاذِ والدفاعِ المدنيِّ للتدخل، ولكن بالنسبة لممثِّلي الشرطةِ الدينية المكلَّفين بالمحافظةِ على احترام نظامِ الأخلاقِ في المملكةِ كان فصلُ الرجالِ عن النساء يأتي في المقامِ الأولِ وقبلَ كلِّ شيء، مهما كانت الظروفُ، حتى لو كلَّفَ الأمر حياةَ الأبرياء! ثم تقولُ المجلَّة: وفي مواجهةِ أّلْسنةِ اللهبِ مَنَعَت هذه الشرطةُ المشؤومةُ (الهيئةُ) المتيقِّظةُ جدًا حولَ هذا الموضوعِ، منعت الطالباتِ من الخروجِ من المدرسة التي تحترقُ، لأنهنَّ نَسِينَ -في خِضَمِّ المعمعةِ- أن يرتدين الحجابَ، مع أنه لباسٌ إسلاميٌّ إجباريٌ في المملكة- وبنفسِ التفكيرِ منعَ هؤلاءِ الغيورون وحُماُة الأخلاقِ الحميدةِ أفرادَ الدفاعِ المدنيِّ من الذكورِ من دخولِ هذه المدرسةِ لإنقاذِ الطالبات خوفًا من أن يَحدُثَ اختلاطٌ بين الرجالِ والنساء؟ إلى أن تقولَ المجلةُ: الحصيلة: وفاةُ خمسَ عشرةَ طالبةً، وجرحُ خمسين .. إلخ. أيها الإخوةُ: نحن وإنْ رأَيْنا هذا الهجومَ من إعلامٍ في بُلدانٍ تدَّعي العدالةَ وخدمةَ الحقيقةِ، فلا غرابةَ أن يقعَ ذلك من غيرِ إعلامِنا، ومن قومٍ أعداءٍ لنا، ودينُهم غيرُ دينِنا، وأخلاقُهم غيرُ أخلاقِنا .. ولكن المستغربَ حقًا أن يصدرَ مثلُ

стр. 2607

ذلك في إعلامِنا ومن بعضِ كتَّابنا، ألم يقل بعضُهم في وصفِه للهيئات (هيئةُ الأمرِ بالموتِ والنهيِ عن الحياة) ألم يُشنِّع آخرون -من هؤلاء الكَتَبةِ- في رجالاتِ الرئاسة وقالوا: إنها رئاسةُ (قتل البنات) وقالوا كذلك: إن الرئاستين معًا تعاونتا على تقليصِ الكائناتِ التي تُشكِّلُ عارًا على الفحولةِ، وذلك بتطبيق المثل الصعيديِّ القائل: (النارُ ولا العارُ) (١). أوليسَ من الخللِ أن يكونَ صحفِنا مادةٌ سيئةٌ يتكئ عليها الإعلامُ الغربيُّ في تشويهِ صورةِ إسلامِنا وسمعةِ بلادنا؟ أوليسَ من العيبِ أن نتهجَّمَ على أنفسِنا ومؤسساتِنا، وندعَ الفرصةَ للآخرين ليشمَتُوا بنا؟ إن تضخيمَ الحدَثِ، وتهويلَ الخطأ -في حدِّ ذاته- ليس مقبولًا شرعًا ولا عقلًا، فكيف إذا انتهتِ التحقيقاتُ إلى براءةِ المُتَّهمِ، والتجنِّي على الأشخاصِ والهيئات؟ أيُّ فرقٍ في التعبيرِ والسُّخريةِ بين صحفيٍّ كافر، وآخرَ مسلمٍ، وبين مجلةٍ غربيةٍ وصحيفةٍ تصدرُ بجِوارِ مكة؟ إننا بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى إعادةِ النظرِ في تطبيقاتِ سياستنا الإعلاميةِ بما يَخُدم البلادَ والعبادَ، ووَفْقَ اللوائحِ والبنودِ المنظَّمة، حتى لا نُخترَقَ ولا نغرقَ. رابعًا: بين مصداقيةِ الخبرِ، وشهود الواقع: نحن في زمنِ الوَعْي، ولا يَسُوغُ بحالٍ أن تتدخَّلَ صحيفةٌ أو مطبوعةٌ ما في صميمِ الخبر، لتعبِّر -وباسمِ المواطنين- عن انفعالاتِها وتوجُّهاتِها الخاصةِ، وذلك حين يصدرُ قرارٌ (ما) مسًاء ثم يأتي التعبيرُ في الصباح الباكرِ عن ارتياحِ

стр. 2608

عمومِ المواطنين لهذا القرارِ، والذي ربَّما لم يعلمْ به طائفةٌ منهم أصلًا، ولم يرضَهُ طوائفُ وإن علموا، وهنا يَرِدُ السؤال: ومتى تسنَّى لهذه الجريدةِ هذا الاستفتاءُ النزيهُ الذي قاربتْ نسبتُه تسعةً وتسعين وتسعةً بالعشرة بالمائة؟ إننا مُؤتمَنون على الكلمةِ وعلى نقلِ مشاعرِ المجتمع للمسؤولين، ومن هذا المنطلقِ نقول، وفيما يخصُّ قرارَ الدمجِ الأخير: إنَّ من قُدِّرَ له أن يزورَ (الرياض) هذه الأيامَ يرى مشاهدَ حيةً، وتجمُّعاتٍ حاشدةً هنا وهناك، فهذه جموعٌ تحتشدُ عند أهلِ العلمِ والفتوى تبلِّغها الاستنكارَ، وجموعٌ أخرى تَطرُق أَبوابَ المسؤولين راجيةً إعادةَ الأمور، وإلغاءَ القرارِ، وجموعٌ ثالثة تكتبُ أو تُبرِقُ أو تهاتفُ مستغرِبةً ما حدثَ، ورابعةٌ لا تزال في حَيْرةٍ من هولِ الصدمة وعِظَم المُصَاب، وخامسةٌ من العامَّة والخاصَّة لم ترضَ عن القرار ولكنها لم تُعبِّرْ علانيةً إما لاكتفائها بمن عبّرَ، وكأَنَّ لسانَ حالها يقول: المشايخُ والدُّعاةُ ما قصَّروا في التعبيرِ عنَّا وعنهم، وهذا وإن كان تقصيرًا منهم في البلاغِ، إذِ الكلُّ مطاَلبٌ بالإفصاح وإيصالِ رأيهِ للمسؤولين، إلا أنَّ هؤلاءِ بكلِّ حالٍ يُعَدُّون في إحصائيةِ المستنكِرين، والصنفُ الآخرُ الذين لم تظهرْ منهم مواقفُ معلَنة -وإن كانوا غيرَ راضين- فهؤلاء يرونَ التعبيرَ بطرقٍ مشروعةٍ أخرى بحُكْم مواقعِهم الإداريةِ وصِلَاتِهم الشخصية، وبكلِّ حالٍ فيكفيكَ أن تسمعَ من عالمٍ له وزنُه في تقييمِ الحَدَث يقول: (إنها زلَّة)، وآخرُ لا يقلُّ شأنًا عنه يقول: (إنها مصيبة)، ثم تسمع من خبيرٍ ممارسٍ قوله: (إنَّ ما وقعَ نتيجةُ تخطيطٍ مُسبَق، ما فَتِئَ العِلمانيون ومنذ زمنٍ بعيدٍ يسعَوْنَ ويخطِّطون له). إذًا الوعيُ شائعٌ، والاستنكارُ عامٌ وذائع -وفي صفوفِ الرجال والنساءِ، فأين ذلك من التقوُّلِ بارتياحِ الجميع، أهذه مِصداقيةٌ تليقُ بصحافتِنا؟

стр. 2609

خامسًا: بين نوعينِ من المطالب: عجبٌ وأيُّ عجبٍ، ففي مرحلةِ تطويرِ أجهزةِ الدولةِ والاتِّجاه نحوَ (الخصخصة) فَرِحَ أهلُ العلمنةِ بدَمْج الرئاسةِ للوزارةِ، وفي مقابلِ دعواهم للمطالَبةِ بحقوقِ المرأة وإنصافِها تنتهي طموحاتُهم إلى أن يكونَ تعليمُ المرأةِ تابعًا وجزءًا من تعليمِ الرجل، هذا في ظاهرِ الأمر، وما يتمنَّونَهُ ويُطالِبون به من خطواتِ ما بعدَ الدمجِ أشدُّ سوءًا، وأتعسُ حظًا للمرأة، بل وللمجتمعِ بأَسرِه؟ أمّا سواهم من أهل العلمِ والمعرفةِ والرُّشد والحكمةِ والنُّصح للدولة، فيتساءلون: أتُدمَجُ الرئاسةُ مع الوزارة، وتُفصَل المياهُ عن الزراعةِ؟ ويُضَمُّ تعليمُ المرأةِ بنجاحاتِه وتفوُّقاته إلى تعليمٍ آخر له نجاحاتُه وتفوُّقاتُه .. لكنه كذلك مُثقَلٌ بالمشاكل، مُثخَنٌ بالتبِعاتِ، على حين يُفصَلُ الحجُّ عن الشؤون الإسلاميةِ والأوقاف. وما من عاقلٍ مطَّلِع على أحوالِ الدول والأُمم إلا ويُبصِرُ التعليمَ في طليعةِ الاهتمامات، أما الحديثُ عن الظروفِ المادية والمخصَّصاتِ المالية، فما يَسُوغُ الحديثُ عنه في بلدٍ أنعمَ اللهُ عليه بالرخاءِ، والمسؤولون فيه يُنفِقون على العِلمِ والعلماءِ بسخاءٍ! ! لقد باتتْ دولٌ متحضِّرةٌ تُنفِق على التعليم بسخاءٍ حتى استغنتْ به عن وزاراتٍ بكاملِها؛ لأن الفردَ المتعلِّم الواعيَ ربما أعاضَها عن كثيرٍ من الجهاتِ والجنود، وإذا كنَّا -أو بعضُنا- طالما تحدَّثَ عن تجربةِ بلدٍ كاليابان في التعليم .. أفتكون المادةُ معوِّقًا لنا، حتى نضطرَّ إلى الدمج؟ إننا على صعيدِ الواقعِ نُدرِكُ نجاحَ تجربتِنا في التعليمِ عمومًا، وتميُّزَنا عن العالَمِ تميُّزًا ناجحًا في تعليمِ المرأة خصوصًا .. والُمخرَجاتُ لا تُقارَن

стр. 2610

بالمُدخَلات .. أفننسى ذلك جميعًا؟ على أنَّ مطالبَ هؤلاء الراشدين لا تنتهي عند إلغاءِ الإلغاء، وبقاءِ الرئاسةِ في مركزِ الرئاسة، بل يزيدون في طلبِ الدعم لجهازِ تعليم البنينَ والبناتِ، ويطالبون بإصلاحِ الإعلام وَفْقَ السياسةِ الإعلاميةِ للمملكة، ويروْنَ ضرورةَ فَضْحِ أو معاقبةِ من شوَّهوا سمعةَ البلدِ ومؤسَّساتِه وتمتدُّ مطالبُهم في التحوُّط لأيِّ جهةٍ أو هيئةٍ مستهدفةٍ كالهيئات والجامعات الإسلاميةِ، إنهم يُطالبون بكلِّ ما فيه مصلحةٌ حقيقيةٌ للبلادِ والعباد، ويُلِحُّون عن كلِّ خطوةٍ تجمعُ ولا تفرِّق، وتؤلِّف ولا تُنفِّر، وتهدِي للتي هي أحسنُ، وملفُّ المرأةِ في بلادِ الحرمين واحدٌ من القضايا الملحَّةِ التي بات الغيورون يطالبون بإعادةِ النظرِ فيه وَفْقَ ثوابتِ الدولة ومسلَّماتِ العقيدة، لا وفقَ طروحاتِ العلمانيين وصيحاتِ المُغرِضين؟ سادسًا: جِراحات ومُعوِّقون: نشكو إلى اللهِ ما حلَّ بإخوانِنا المسلمين من محنٍ وبلايا نازلةٍ، في معاركَ يُصفِّي فيها الصهاينةُ الحاقدون حساباتِهم مع إخوانِنا في فلسطين، وفي غَطْرسةٍ وكبرياءٍ يتعاملُ بها النصارى والمُلحِدين مع إخوانٍ لنا في عددٍ من المواقعِ والبلدان. إنها معاركُ ملتهِبةٌ، تَقطُرُ الأرضُ فيها دمًا، ويُرسَّخ الظلمُ والعدوان ترسيخًا بَشِعًا، كيف لا، وتَرسانةُ الأسلحةِ المتطوِّرة تجرَّبُ على صدور إخوانِنا .. قبورٌ جماعيةٌ للقتلى، واعتداءاتٌ غيرُ إنسانيةٍ على العزَّلِ والأطفال والشيوخ والنساء، حصارٌ للمخيَّمات، واقتحامٌ للبيوت، وهدمٌ للمساجدِ، واستخدامٌ أرعنُ لسياراتِ الإسعافِ لأغراضٍ قتالية، مما يُعَدُّ سابقةً خطيرةً، وجريمةً كبرى ... وحدِّث ما شئتَ .. وما لم يخطُرْ لك ببالٍ -في قاموس مُجرِمِي الحرب، صانعِيها والساكتينَ عنها.

стр. 2611

ومما يزيدُ الجرحَ أَلمًا .. أن الأُمةَ وسطَ هذه المِحَن والبلايا تُشغَلُ بقضايا داخلية أُخرى، تَشُلُّ تفكيرَها، وتجتزئُ قدرًا كبيرًا من طاقتِها، ثم تظلُّ ترقِّعُ في خروقِ أبنائها، وتُرمِّم التصدعَ الحاصلَ في جدرانِ بيوتها .. ولا كثَّر اللهُ من نفرٍ يُعوِّقون الأمةَ، ويَشغَلُونها عن القضايا الكبرى، حقًا إنك لتعجَبُ حين تقرأُ أو تسمعُ عن تظاهراتٍ في (بروكسل) و (لاهاي) و (برلين) ونحوها، تُندِّد بالممارساتِ اليهودية ضدَّ شعبِ فلسطينَ، ثم ترى أو تقرأُ ذهولًا عن القضيةِ برمَّتِها في عددٍ من البلادِ الإسلامية، وانشغالًا عند المسلمين بقضايا أو فِتَنٍ داخلية شَغَلَهم بها المعوِّقون والمُرِجفون، وكلما خَبَتْ فتنةٌ أشعلوا أخرى، وهكذا .. ولكنَّ محمدًا ﷺ حين شُغِل فَزِعَ إلى ربِّه بالدعاء قائلًا: «شَغَلُونا عن صلاةِ العصرِ ملأ اللهُ قبورَهم وبيوتَهم نارًا» متفق عليه. أفلا يتذكَّرُ هؤلاء وأولئك كم يُعوِّقون الأُمةَ، وكم يَصرِفُون من طاقتِها .. فأين هم من دعاوَى: وَعْيِ الأُمة، والتقدُّم بها، خابُوا وخَسِروا، وأفلحَ وأنجحَ من جاهدَ الكافرين والمنافقين جميعًا، ذلك مقتضى توجيهِ كتابِ ربِّنا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١).

стр. 2612

الخطبةُ الثانيةُ: الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، أحمدُه تعالى وأشكرُه وأُثْني عليه الخيرَ كلَّه .. أيها المؤمنون: ١ - وليس يَخْفَى أن الحملةَ على المرأةِ والتشكيكَ بالقيمِ، قديمةٌ، ومَن تتبَّع ما نُشِر في الصحف -قديمًا- رأى أن طبولَ الحربِ كانت تُقرَعُ منذُ زمنٍ، ولا مانعَ من ذكرِ نموذجٍ عاصره سماحةُ شيخِنا العلامةُ عبدُ العزيز بنُ باز ﵀، وكانت له فيه وقفةٌ حَفِظَها التاريخُ، وفتوى مدوَّنةٌ في الكتب، ففي عام ١٤١٢ هـ كتبتْ كاتبةٌ في جريدةِ عُكَاظ تنتقدُ من يعتقدُ أن المرأة ناقصةُ عقلٍ ودينٍ، وأن الرجالَ قوَّامونَ على النساء؟ فأصدرَ الشيخُ فتواه بالكاتبةِ والجريدةِ وهذا نصُّها: «لقد دُهِشتُ لهذا المقالِ الشنيع، واستغربتُ جدًا صدورَ ذلك في مهبطِ الوحي، وتحتَ سمعِ وبصرِ دولةٍ إسلامية تُحكَمُ بالشريعةِ الإسلامية وتدعو إليها، وعجبتُ كثيرًا من جُرأةِ القائمين على هذه الجريدةِ، حتى نشروا هذا المقالَ الذي هو غايةٌ في الكفرِ والضلالِ والاستهزاء بكتابِ الله وسنَّةِ رسولِه ﷺ ، والطعنَ فيهما» ثم قال عن الجريدةِ: «وليس هذا ببِدْعٍ على القائمينَ على هذه الصحيفةِ، فقد عُرِفَتْ بنشرِ المقالاتِ الداعيةِ إلى الفسادِ والإلحادِ والضَّررِ العظيمِ على المجتمع، كما عُرِفَت بالحقدِ على علماءِ الإسلام والاستطالةِ في أعراضِهم والكذبِ عليهم». واختتم الشيخُ ﵀ فتواه الطويلةَ بقوله: إن هذه الصحيفة قد تجاوزتِ الحدودَ واجترأتْ على محاربةِ الدِّين والطعنِ فيه بهذا المقالِ الشنيع جرأةً لا يجوزُ السكوتُ عنها، ولا يَحِلُّ لوزارةِ الإعلام ولا للحكومةِ الإغضاءُ عنها، بل يجبُ قطعًا معاقبتُها معاقبةً ظاهرةً بإيقافِها عن الصدور، ومحاكمةِ صاحبةِ الَمقالِ،

стр. 2613

والمسؤولِ عن تحريرِ الصحيفة، وتأديبُهما تأديبًا رادعًا، واستتابتُهما عما حصلَ منهما؛ لأنَّ هذا المقالَ يُعتبَرُ من نواقضِ الإسلام، ويوجِبُ كفرَ ورِدَّةَ مَن قاله أو اعتقده أو رضيَ به، لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ (٦٥) لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (١) فإنْ تابت، وإلا وجبَ قتلُهما لكفرِهما ورِدَّتِهما» (٢). وفي هذا الزمنِ تُثارُ الأسئلةُ التالية: هل توقَّفتْ هذه الجريدةُ عن هذه الحربِ؟ وما الفرقُ كمًّا ونوعًا بين ما نشرتْه في الماضي وما تنشرُه ومثيلاتُها في هذه الأيام؟ وهل نسمعُ فتاوى ومطالبةً بالمحاكمةِ لكتَّابٍ وكاتباتٍ من أمثالِ هؤلاء من العلماءِ المعاصرين؟ وإلى متى يستمرُّ نشرُ الفجورِ والفسوقِ والسخريةِ والاستهزاءِ بأحكام الشرع وحملتِه في بلاد الحرمين الشريفين؟ ! لقد بلغَ السيلُ الزُّبى، وآن الأوانُ لوقفةٍ جادَّةٍ تضعُ حدًّا للموتورينَ وتنتصرُ للحقِّ وأهلِه، وتقمعُ الباطلَ وجندَه، فمَن يا تُرى يَنذُرُ نفسَه لهذه المهمَّةِ الجليلة؟ وهذا جزءٌ من واجبِنا جميعًا في إنكارِ المنكَر والردِّ على المبطِلين، فالعالِمُ يُفتي ويكتب، وغيره يُطالِب ويتابع. ٢ - وجزءٌ آخرُ من واجبِنا تجاهَ هذه الحَمَلاتِ والحَرَكات أن نُسهِمَ في الدفاعِ عن الأعراض، ونمنعَ بقَدْرِ المستطاع أن تصيرَ بلادُنا إلى مثلِ ما صارتْ إليه البلادُ الأخرى، فالمرأةُ -بلا شكٍّ- إذا تُرِكَت لدَعَواتِ المُغرِضين -بأهدافِهم السيئةِ ووسائِلهم المنكَرة- ستصبح بوابةً كبرى للفسادِ، وما نَطَقَ محمدٌ ﷺ عن الهوى وهو القائل: «ما تركتُ بعدي فتنةً أضرَّ على الرجالِ من النساءِ» (متفق عليه).

стр. 2614

ونحنُ لا نتعاملُ مع المرأةِ -دائمًا- على أنها فتنةٌ، بل عضوٌ صالحٌ في المجتمع، في إطارِ القِيَمِ العاليةِ وتعاليمِ الشريعة السَّمْحة، ولكنَّ هؤلاء يُريدونَها فتنةً وعارضةَ أزياء؟ إنَّ غَيْرتَنا على المحارمِ لا تَقِلُّ بل تزيدُ وتُهذِّب من غَيْرةِ الرجلِ الجاهليِّ الذي كان يتصرَّفُ خطأً وجهلًا بقتِلها خَشْيةَ العارِ أو خشيةَ الفقر، وسلوا ﴿بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ (١) تجدونَ خلفَها شهامةً جاهليةً نريد نحنُ المسلمين أن نحميَها دُرَّةً مصونةً عن عَبَثِ العابثين، وحين نستنكرُ قتلَ أهلِ الجاهلية الأولى للمرأةِ قتلًا حِسِّيًا، فإننا نستنكرُ قتلَ الجاهليةِ المعاصرة لها قِيَميًّا وأخلاقيًا. ٣ - ومن واجبِنا أن تتظافرَ جهودُنا مع علمائِنا ومشايخِنا في الاستنكارِ والمدافعةِ لكلِّ باطل مُلبَّس، والعلماءُ -كِبارًا وصغارًا- يُوصُون الجميعَ هذه الأيامَ بالاستمرارِ في الإنكار، وإبلاغِ الصوتِ للمسؤولين- بعقلٍ وحِكْمة وقوةٍ واستمرار، لا يُضعِفُها عباراتُ التهدئة ولا يُخفِّفُ منها التصريحاتُ والمقابلاتُ المسكِّنة وقتيًا، فقد عوَّدَتْنا الأيامُ- أن يَهدأَ هؤلاء المُغرضون حين يتحرَّك الخيِّرون، ويَحُنون رؤوسَهم للعاصفة، وهم فيما بينهم يقولونَ: إنها مجرَّدُ عواطفَ ثم تنتهي، وحماسٌ وقتيٌ لا بدَّ أن نستَلَّه، ثم نمضي بعد حينٍ في مواصلةِ المَسِير، وتحقيقِ المخطَّطِ المرسوم خطوةً خطوةً، ومما يَسُّر ويُبطِلُ هذا الكيدَ المؤجَّل، ما فَهِمناه من العلماءِ أنهم سيستمرُّون على مواقفِهم القويةِ واستنكارِهم ولو طالَ الزمانُ حتى يُعادَ الحقُّ إلى نصابِه، ويُنزعَ فتيلُ الفتنةِ من جذورِه. وأنتم معاشرَ المسلمين -بمواقفِكم واستمرارِ جهادِكم وتنوُّعِ جهودِكم- رافدٌ

стр. 2615

قويٌ للعلماء، لقد أعلنَ العلماءُ قَلَقَهم لما حَدَث، واستغرابَهم لما وقع، ومفاجأتَهم بما صار، وأخذوا على عاتِقِهم الوقوفَ في وجهِ هذا الطُّوفانِ، وبالتفاهمِ مع المسؤولين بما يحقِّقُ مصلحةَ البلادِ والعباد، وكشْفَ عَوَرِ من يريدُ بهذا المجتمعِ سوءًا، ورَدْعَهم وتأديبَهم، وبالمطالبةِ بكل ما يُحققُ الخيرَ ويصدُّ الشرورَ والفتنَ، وأوصَوْا بأن يتحمَّلَ كلُّ مسلمٍ مسؤوليتَه في الإنكارِ بالطرق المشروعة، وحذَّروا من القيام بأعمالٍ غير مدروسةٍ ولا حكيمةٍ تضرُّ ولا تنفع. يا أخا الإسلام: فإن قال قائلٌ: وبإزاءِ هذا المنكَرِ أو غيرِه ماذا نصنعُ؟ أُجيب: لو كان أمرًا دُنْيويًا لفكرتَ مليًّا ثم وجدتَ الوسيلةَ المناسبةَ لإسهامِكم، أفيكونُ الدينُ عندَكَ أقلّ شأنًا ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ (١) لكنْ نُوصِيكَ بالحكمةِ في الأمرِ والنهي، والرِّفقِ فيما تعملُ أو تَدَعُ، واستخدامِ الطُّرقِ المشروعة، والقنواتِ الرسمية، والمشورةِ لأهل العلم، والنُّصح للمسؤولين، والزيارةِ، والمهاتَفَةِ، والكتابةِ، وتوضيحِ الحقِّ وكشفِ الباطل عبرَ المحاضرةِ والندوةِ والمطويَّةِ والكتاب، والعنايةِ بالبرامجِ البيتية، والتوجيهِ عبرَ مُلتقَياتِ الأسرة، والعنايةِ بالحصانةِ الفكرية، ومقاومةِ أسبابِ الفاحشةِ، والتفكيرِ الجادِّ في إيجادِ منابرَ ومحاضنَ مطمئنةٍ لتربيةِ الناشئةِ من الجنسين، لا بدَّ من تعميمِ الوَعْي والشعورِ بجرأة الخطوةِ وما وراءَها، وعدمِ القناعة بأنصافِ أو جزئياتِ الحلول. أيتها المرأة أُمًا وبنتًا وزوجةً وأختًا، طالبةً ومعلمة وموظَّفةً وربّةَ منزل، لا تكتفي بحديث الآخرينَ عنكِ، هل أنتِ راضيةٌ عن هذه الخُطوةِ؟ ماذا صنعتِ في قرارٍ يخصُّكِ أكثرَ من غيرك؟ هل وصلتْ وجهةُ نظرِك للآخرين؟ وهل مَن تحدَّثَ

стр. 2616

من الصحفيين والصحفيات يُعبِّرُ عنكنَّ؟ لكِ الحقُّ أن يُسمَعَ منك كما سُمع من غيرِك، وتستطيعين التعبيرَ عن وجهةِ نظرِكِ بأيِّ وسيلةٍ ترينَها مناسبةً ومشروعةً في المنزلِ والمدرسة، وعبرَ الهاتفِ أو الجريدةِ أو الرسالةِ، وبالمحاضرةِ والندوة. أيها المسلمون: اتقوا اللهَ فيما تعملون وما تدعون، وليقدِّرْ كلٌّ منكم مسؤوليتَه أمامَ الله، وواجبَه أمامَ أهلِه وعشيرتِه، وحقوقَ الولاةِ والمجتمع عليه من النُّصحِ والمشورة، وليؤدِّ دورَه في فضحِ المُبْطِلين، وكشفِ مَن يريد للبلادِ والعبادِ سوءًا، اللهمَّ احفَظْ بلادَنا وبلادَ المسلمين من كل سوءٍ ومكروه، واجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا وسائر بلادِ المسلمين.

стр. 2617

النفاق والمنافقون (١) الخطبةُ الأولى: إن الحمدُ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدِه الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهمَّ صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسَلينَ، وارضَ اللهمَّ عن الصحابةِ أجمعين والتابعين وتابعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وسلِّمْ تسليمًا كثيرًا. إخوةَ الإيمانِ: يُخطئُ منْ يظنُّ أنَّ النفاقَ الذي أفاضَ القرآنُ في الحديثِ عنْه وأنَّ المنافقينَ الذينَ أسهبَ القرآنُ في التحذيرِ منهُم، كانَ يُمثلُ مرحلةً تاريخيةً انقضَتْ بدخولِ الناسِ في دينِ اللهِ أفواجًا، فالعصرُ الذهبيُّ للبشريةِ عامةً -وللمسلمينَ خاصةً- والذي شهدَتِ الأرضُ طُهرَه أيامَ الرسالةِ المحمديةِ، لمْ يخلُ منْ ظُلمِ النفاقِ وظُلماتِه، فهل تُعصمُ منْه العصورُ التاليةُ؟ إنّ جوهرَ النفاقِ وطينةَ المنافقينَ واحدةٌ على مرِّ العصور، ولكنَّ الفرقَ في الظروفِ المتوفرةِ للمنافقينَ بينَ الأمسِ واليومِ، فالنفاقُ في مراحلِ تمكينِ الدينِ وغلبةِ المسلمينَ كانَ ذُلًا لا يستخفي، وضعفًا يتوارَى، وخضوعًا مقموعًا، يمثلُه عمالقةٌ -في الظاهرِ- وفي الحقيقةِ همْ أقزامٌ ورؤوسُ أزلامٍ، وهمْ حياتٌ وعقاربُ موطوءةٌ تكادُ ألا تنفثَ السمَّ إلا وهيَ تلفظُ الحياةَ. كانَ تمكينُ الدينِ وقَتها يُمكِّنُ المؤمنينَ من جهادِ أولئكَ المنافقينَ الأسافلِ باليدِ واللسانِ والقلبِ وإقامةِ الحدودِ، وكانَ القرآنُ ينزلُ كاشفًا لخبايا نفوسِهم

стр. 2618

وخُبثِ طويَّتِهم، ولذا فلا يُرى أحدُهم إلا وهو محاصَرٌ مكدودٌ، أو محدودٌ أو مجلودٌ .. أو معتذرٌ مكشوفٌ؟ أما اليومَ فالنفاقُ صرحٌ ممرَّدٌ، وقواعدُ وجيوشٌ تتحركُ، وقلاعٌ تُشيَّدُ إنه اليومَ دولةٌ بل دولٌ ذاتُ هيئاتٍ وأركانٍ، وأحلافٌ وتكتلاتٌ ومعسكراتٌ وسلطانٌ .. سلطانٌ سياسيٌّ واقتصاديٌّ وإعلاميٌّ وثقافيٌّ يُمارسُ الضرارَ في كلِّ مضمارٍ؟ ! ومنْ هنا -معاشِرَ المسلمينَ- وجَبَ الحذرُ والتحذيرُ منَ النفاقِ، وكشفُ المنافقينَ ويكفيكَ -يا أخا الإسلامِ- أن تُطالعَ في القرآنِ وفي صحيحِ السنةِ والسيرةِ النبويةِ -كشفَهم وملامحَهم وأساليبَهم- فبضاعتُهم الحَلِفُ والكذبُ ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [المجادلة: ١٥]. وسيماهُم لمزُ المطِّوعينَ منَ المؤمنينَ، أنهُمْ بُخلاءُ جُبناءُ، حائرونَ مترددونَ كالشاةِ العائرةِ بِينَ الغنَميْنِ (١) وهيَ المترددةُ بينَ قطيعينِ لا تدري أيَّهما تتبعُ: مذبذبونَ في توجهاتِهم وسلوكياتِهم لا إلى هؤلاءِ ولا إلى هؤلاءِ منكوسةٌ فطرُهم إذْ يأمرونَ بالمنكرِ وينهونَ عنِ المعروفِ، ومعوجَّةٌ أخلاقُهُم إذ يحلفونَ على الكذبِ وهمْ يعلمونَ، ومطبوعٌ على قلوبِهم فهمْ لا يفقهونَ، مظاهرُ جوفاءُ رعاديدُ عندَ المواجَهةِ واللقاءِ ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون: ٤]. أركسَهُمُ اللهُ بما كَسبوا .. وفي الفتنةِ سقَطوا، يُقلِّبونَ الأمورَ، ويسخرونَ بالمؤمنينَ، ومن هَلَعِهم وفَرَقِهم ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجًا أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَّوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة: ٥٧] ألسنتُهُم -ظاهرًا- مع المسلمينَ وقلوبُهم معَ الكافرينَ ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦] يخشَوْنَ الدوائرَ

стр. 2619

ويسارعونَ في موالاةِ الكافرينَ وشعارُهم ﴿نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢] يُحبُّون أن تشيعَ الفاحشةُ في الذينَ آمنوا .. ورؤوسُهم يمارسونَ إكراهَ فتياتِهم على البغاءِ؟ فتاريخُهم حافلٌ بإفسادِ المرأةِ وشرُّهم سابقٌ في إشعال الفتنةِ. إنهمْ عيونُ الأعداءِ على المسلمينَ -كما وصفَهم الطبريُّ في جامع البيان (٣٠/ ٧٠) وابنُ الجوزيِّ في زادِ المسيرِ (٨/ ٢٨٦) والواقعُ يثبتُ يومًا بعد يومٍ أنَّ نكبةَ الأمةِ بالمنافقينَ تسبقُ كلَّ النكباتِ فالكافرُ الظاهرُ -على خطرِه وضررِه- يعجزُ في كلِّ مرةٍ تواجهُ فيها أمةُ الإسلامِ أنْ ينفردَ بإحرازِ نصرٍ شاملٍ عليها ما لمْ يكنْ مَسْنُودًا بجيشِ المنافقينَ يُخلصُ لهم في النصحِ، ويفتح لهمُ الأبوابَ، ويُذلّلُ أمامَهم العقباتِ .. وقاتلَ اللهُ المنافقينَ كمْ جنَوْا على بلادَهم وأبناءِ جلدتِهم منَ الويلاتِ والنكباتِ، ومن يُهنِ اللهُ فما له منْ مُكرِمٍ، وقاتلَ اللهُ المنافقينَ أنى يؤفكونَ. معاشرَ المسلمينَ: إنَّ الحديثَ عن المنافقينَ يطولُ، كيفَ لا وآياتُ القرآنِ صرّحتْ بذكرِ النفاقِ والمنافقينَ في نحوِ سبعٍ وثلاثينَ آيةً، وفصلَتْ وفرعَتْ في الكلامِ عنهمْ أضعافَ ذلكَ منَ الآياتِ موزعةً على إحدى عشرةَ سورةً (١). أما الحديثُ عنْ (منْ في قلوبِهم مرضٌ) فكثيرٌ أيضًا .. وهؤلاءِ مرضَى القلوب فئةٌ منهُمْ منَ المنافقينَ، وفئةٌ أخرى رديفةٌ لهمْ، ومخزونٌ احتياطيٌّ لهمْ .. ومنْ هنا وجبَ الحذرُ منْ مرضِ القلبِ -بالشهوةِ أو الشهيةِ- ومعالجةُ ذلك عاجلًا بالصدقِ والإيمانِ والمجاهَدِة .. ذلكُم أنَّ المتأملَ في حديثِ القرآنِ عنْ مرضَى القلوبِ يمكنُ أن يستنتجَ أنَّ هؤلاءِ لديهمُ الاستعدادُ لأنْ يكونوا

стр. 2620

منافقينَ معلومي النفاقِ بما لديهمْ من شهوةٍ أو شُبهةٍ، فهمْ قومٌ ضعيفوا الإيمانِ إلى أدنى حدٍّ، حتى أنَّ أحوالَهم تكادُ تنقلبُ إلى معسكرِ النفاقِ الصريحِ لفرطِ قنوطِهم وفتورِهم وقلِة يقينِهم ولشدّةِ تعلُّقِهم بالدنيا ومطامعِها. ويُقالُ: إنَّ مرضَى القلوبِ يمارسونَ تطرفًا صارخًا باتجاهَيْنِ، فهمْ يتطرفونَ في بُغضِ أهلِ الدينِ وإساءةِ الظنِّ بهمْ، ويتطرفونَ في الدفاعِ عنِ الكفارِ وحسنِ الظنِّ بهمْ -وهذا جوهرُ مرضَى القلوبِ (١). ألا ففتِّشوا عن أنفسِكم ومدَى ولائكمْ ومحبتِكم للمؤمنينَ -وإنْ كانوا ضعفاءَ مقهورينَ -وبغضِكم وبراءتِكم منَ الكافرينَ، وإنْ كانوا ظاهرينَ متسلطينَ وخلّصوا أنفسَكم من قلوبِكم منَ النفاقِ وسماتِ المنافقينَ. عبادَ اللهِ: ومنْ واقعِ السيرةِ النبويةِ .. ومواقفِ المنافقينَ في عهدِ النبوّةِ يستطيعُ القارئُ الفطِنُ أَنْ يرصدَ تعاونَ المنافقينَ مع أكثرِ منْ طرفٍ، فهمْ معَ المشركينَ على المسلمينَ، وهمْ حلفاءُ بلْ إخوانٌ لليهودِ - بنصِّ القرآن- وهمْ متحالفونَ معَ الأحزابِ وهمْ عونٌ للنصارَى في حربِهم ضدَّ المسلمينَ وإليكُمُ البيانَ: ففي غزوة أحُدٍ -حينَ جاءَتْ قريشٌ بكبريائها تريدُ الثأرَ لقَتلاها في بدرٍ، قامَ المنافقونَ وفي أحلَكِ الظروفِ بخذلانِ المؤمنينَ، وانسحبَ زعيمُهم عبدُ الله بنُ أبيٍّ بثلثِ الجيشِ ودخلَ المدينةَ بأتباعِهِ تاركًا المسلمينَ وحدَهم في ساحاتِ الجهادِ يُواجهونَ عدوًا يفوقُهم في العدَدِ والعُدةِ الحربيةِ، وهذا الانسحابُ المخزي أوشكَ أنْ يوقعَ الفشلَ في طوائفَ منَ المؤمنينَ؛ قال اللهُ عنهمْ: ﴿إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٢) وأحدث

стр. 2621

هذا التراجعُ المُذلُّ منَ المنافقينَ اختلافًا بينَ المؤمنينَ في التعاملِ مع المنافقينَ. فرقةٌ تقولُ: نقتلُهم، والأخرى تقولُ: لا نقتلُهم، فأنزلَ اللهُ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ (١)، وحينَها قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «إنها طيبةُ» وإنها تنفي الخبثَ كما تنفي النارُ خَبَثَ الفضةِ» (٢). أما المنافقونَ فقدْ ظنوا باللهِ الظنونَ السيئةَ وكشفَ القرآنُ خبيئَتَهم فقالَ تعالى: ﴿وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ﴾ (٣)، وحينَ انكشفَتِ المعركةُ وأصيبَ منْ أصيبَ منَ المؤمنينَ تشفّى المنافقونَ وسُرُّوا لمصابِهم، واشتركوا معَ اليهودِ في المشاعرِ الفاسدةِ، قالَ ابنُ حجرٍ: «حينَ بكَى المسلمونَ على قتلاهُم سُرَّ المنافَقونَ، وَظَهرَ غشُّ اليهودِ، وفارت المدينةُ بالنفاقِ، فقالَت اليهودُ: لو كانَ نبيًا ما ظهروا عليهِ -يعني المشركينَ- وقالَ المنافقونَ: لو أطاعونا ما أصابَهم هذا؟ (٤). بلْ جعلوا يقولونَ لأصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ : لو كانَ منْ قُتِلَ منكُمْ عندَنا ما قُتِلَ، وهم يهدفونَ إلى تفريقِ المؤمنينَ والتخذيلِ عن صحابة النبيِّ ﷺ ، وأنَّى لهم ذلكَ معَ قومٍ قالوا لمَنْ قالَ لهُمْ: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (٥).

стр. 2622

عبادَ اللهِ: أما علاقةُ المنافقينَ باليهودِ فيكفي تعبيرُ القرآنِ عنها بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (١). إنهُمْ بحُكْمِ القرآنِ إخوانٌ لليهودِ، وهمْ جاهزونَ للخروجِ معَهم لو أُخرِجوا ومستعدّونَ للقتالِ معهُمْ -ولوْ باللسانِ- إنْ قوتِلوا؟ فهلْ بعدَ هذا منْ نصرةٍ وتقاربٍ بينَ المنافقينَ واليهودِ، ومن رامَ تفصيلَ ذلكَ فليقرأ في تفسيرِ الآيةِ، وليقفْ عندَ حوادثِ السيرةِ النبويةِ. والمنافقونَ كذلكَ مصانعونَ للنصارَى وفي غزوةِ العُسرةِ ظهرَ تخذيلُهم للمسلمين وتعظيمُهم للنصارَى، فقدْ قالَ أحدُهم: «يغزو محمدٌ بني الأصفرِ (أي الرومَ) واللهِ لكأني أنظرُ إلى أصحابِه مُقرّنينَ في الحبالِ». وما سلمَ الرسولُ ﷺ منْ شرهمْ في هذه الغزوةِ، مَنْ قعدَ منهم عنِ الخروجِ ومَنْ خرجَ فلم يزد إلا خبالًا وفتنةً .. أجلْ، لقدْ أرجفَ نفرٌ منهُمْ بالمؤمنينَ عنِ الخروجِ وقالوا: ﴿لاَ تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ وقالوا: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي﴾ ولمَزَوا المؤمنينَ المطّوِّعين في الصدقاتِ فمن أنفقَ بسخاءٍ قالوا: أنفقَ رياءً، ومن أنفقَ القليلَ الذي يجدُ قالوا: إنَّ الله غنيٌ عنْ صدقة هذا؟ ومَنْ خلّفَهُ الرسولُ ﷺ في المدينةِ لغرضٍ كعليٍّ ﵁ قالوا: إنما خلَّفَهُ استثقالًا لَهُ؟ وهكذا لمْ يسلَمِ المسلمونَ منْ شرِّهم في مجابهةِ النصارَى، فالذين خرجوا نفاقًا استهزؤوا بالصحابة، وكفَّرهم اللهُ وإن اعتَذَروا، بلْ وصلَ الأمرُ بهم أنْ خطَّطوا

стр. 2623

لقتلِ النبيِّ ﷺ في مرجعِه منْ تبوكَ كما في قصةِ أصحابِ العقبةِ الواردةِ في صحيحِ مسلمٍ (١). أما الذينَ بَقُوا فوجدوها فرصةً للتخطيطِ والاجتماعِ بأطرافٍ معاديةٍ منْ خارجِ المدينةِ، وكانَ المشروعُ النكِدُ في بناءِ مسجدِ الضرارِ بتنسيقٍ بين منافقي المدينةِ وأبي عامرٍ الفاسقِ الذي يُقيمُ عندَ الرومِ، وهذا الرجلُ منَ الخزرجِ وقد تنصَّرَ، فلما جاءَ الإسلامُ ودخلَ فيه الأنصارُ شَرِقَ أبو عامرٍ بالإسلامِ، فخرجَ إلى قريش وألَّبَهم على المسلمينَ، وحينَ لمْ يفلحْ، خرجَ إلى هرقلَ ملكِ الرومِ واسنتصرَهُ على ضربِ المسلمينَ، واتخذَ منَ المنافقينَ في المدينةِ أداةً للتخطيطِ، فأمرهم أنْ يتخذوا لهُ معقِلًا يقدمُ عليهِم فيهِ مَنْ يقدُمُ مِنْ عندِه لأداءِ كُتبِهِ ويكونُ مرصدًا لهُ إذا قدمَ عليهمْ بعدَ ذلكَ، فشَرَعَ المنافقونَ في بناءِ مسجدٍ مجاورٍ لمسجدِ قباءَ وأحكموهُ وفرَغوا منه قبلَ خروجِ النبيِّ ﷺ إلى تبوكَ وطلبوا منه أن يُصليَ فيه ليحتجُّوا بصلاتِهِ على إقرارِهِ وإثباتِهِ، فاعتذرَ إليهمْ بالسفرِ، فلما رجعَ منْ تبوكَ نزلَ الوحيُ عليهِ مسميًا هذا المسجدَ بمسجدِ الضرارِ كاشفًا ما اعتمدوهُ فيه من الكفرِ والتفريقِ بينَ المؤمنينَ، فبعثَ رسولُ اللهِ ﷺ للمسجدِ مَنْ هَدَمَهُ وأحرقَه (٢). وبقيَ وحيُ السماءِ موعظةٍ وذكرى لكلِّ عملٍ ظاهرُه الحُسنَى وباطُنه النفاقُ والكفرُ. أعوذُ باللهِ منَ الشيطانِ الرجيم: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى

стр. 2624

وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (١). نفعني اللهُ وإياكُمْ بهدْيِ القرآنِ وسنِةِ محمد ﵊.

стр. 2625

الخطبةُ الثانيةُ: أيها المسلمونَ: ولا تقتصرُ جهودُ المنافقينَ على التعاونِ مع المشركينَ أو اليهودِ أو النصارى، بلْ همْ جاهزونَ للتعاونِ مَعَ كلِّ من تحزَّب ضدَّ الإسلامِ والمسلمينَ، وفي معركةِ الخندقِ وحينَ تحزَّبَ الأحزابُ على المسلمينَ في المدينةِ في جمعٍ لمْ تشهدْه المدينةُ مِنْ قبلُ، وبلغَ الكربَ بالمسلمينَ مَبْلغَه -كانَ للمنافقينَ دَورُهم وسهامُهم مَعَ أولئكَ الأحزابِ، حتى ابتُلي المسلمونَ وزُلزلوا زلزالًا شديدًا، وفي ظلِّ هذه الظروفِ الصعبةِ كانَ المنافقونَ يقولون: ﴿مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا (١٢) وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا﴾ (١). وهكذا شكَّلَ المنافقونَ دورَهم مَعَ الأحزاب في الإرجافِ والتخذيلِ، ومحاولةِ التسللِ والاعتذارِ عنْ حَفْرِ الخندقِ أولًا، وعن مجابهةِ العدوِّ ثانيًا، وأنَّى لأولئكَ المنافقينَ أنْ ينكأوا في العدوِّ وهمُ القائلونَ لإخوانهم: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ (٢) فلمّا استحكمَ الخوفُ بهمْ ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ (٣). عبادَ اللهِ: وظلّتْ مسيرةُ النفاقِ في عصورِ الراشدينَ، وساهموا بإشعالِ فتيلِ الفتنةِ، واستمرَّ دَورُهم في عصرِ الأمويِّينَ والعباسيينَ يُسمَّونَ بالمنافقينَ حينًا، ويوصفُونَ بالزنادقةِ حينًا آخرَ، وبالباطنِّينَ فترةً وبالعِلْمانيينَ أخرى .. وليستْ تُهمُّ الأسماءُ؛ فالمسمَّيات تتغيَّرُ، ولكنّ السِّماتِ والوسائلَ والأساليبَ تكادُ تتكرَّرُ

стр. 2626

وتتجدَّدُ .. وكلُّهم تعرفُهم في لَحْنِ القولِ (١)، وجميعُهم يزعمُ الإصلاحَ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ (٢). والقواسمُ المشتركةُ بينَ المنافقينَ قديمًا وحديثًا هي: بُغضُ المؤمنينَ والسخريةُ بالمتديِّنينَ، وموالاةُ الكفارِ والمسارعةُ فيهم، لا يَثبتونَ على مبدأٍ، ولا يستمرُّونَ في الصداقةِ لأحدٍ، بلْ يتقلَّبونَ ويتلوَّنونَ كالحرباءِ، وأينما هبَّتِ الريحُ لمصلحتهمْ هبُّوا مَعَها، فلديهمُ استعدادٌ للتعاونِ مَعَ شياطينِ الإنسِ والجنِّ لتحقيقِ أغراضِهم، ولديهمَ استعدادٌ للتضحيةِ بأقربِ الناسِ إليهمْ إذا خالفوهمْ في توجُّهِهم! والمرأةُ وَتَرٌ طالما ضربوا عليه، ورغبوا في إشاعةِ الفاحشةِ منْ خلالْها، وفي قولِه تعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ (٣)، وقولِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُو بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ﴾ (٤) نموذجانِ بلْ وجهانِ قبيحانِ للمنافقينَ مَعَ المرأةِ. وموتُ الصالحينَ يسرُّهم، وإذا مات المجرمونَ والفسقةُ نعَوْهمْ وأسِفُوا لموتِهمْ! وهلْ تعلمونَ أنَّ المنافقينَ همُ العنصرُ الشاذُّ الذي فرحَ بموتِ النبيِّ ﷺ . قالَ ابنُ عمرَ: وكانَ المنافقونَ قدِ استبشَروا بموتِ رسولِ الله ﷺ (٥).

стр. 2627

إخوةَ الإسلامِ! وماذا بعدُ؟ وما الدورُ المطلوبُ تجاهَ المنافقينَ؟ أولًا: لا بدَّ منَ العلمِ بهمْ ومَكْرِهمْ، وأساليبِهمْ، وقراءةِ تاريخِهمْ ونماذجِهمْ بوعي في الماضيْ والحاضرِ، فالعلمُ بالشيءِ فرعٌ عنْ تصوُّرِه، والوعيُ خطوةٌ أُولى، وما زالَ القرآنُ يَنزلُ ويقولُ تعالى فيهمْ وفيهمْ حتى كشفَ اللهُ النفاقَ والمنافقينَ في قرآنٍ يُتلى إلى يومِ القيامةِ. ثانيًا: وبعدَ العِلْمِ لا بدَّ مِنَ الحذرِ منهمْ والتحذيرِ منْ مخطَّطاتِهمْ وأهدافِهمْ، وقدْ نزَّلَ اللهُ على رسولِهِ ﷺ ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ (١) والخطابُ عامٌ للأمَّةِ في الحذرِ منَ المنافقينَ. ثالثًا: والنهيُ عنْ طاعتِهمْ توجيهٌ للنبيِّ ﷺ ، وأمّتُه تَبَعٌ لهُ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٢)، قالَ القرطبيُّ: ودلَّ بقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ على أنه كانَ ﷺ يميلُ إليهمْ استدعاءً لهمْ إلى الإسلامِ، أي: لو علمَ اللهُ أنَّ مَيْلَكَ إليهمْ فيهِ منفعةٌ لَمَا نهاكَ عنهُ؛ لأنهُ حكيمٌ عليمٌ، ثمَّ قيلَ: الخطابُ لهُ ولأمّتِه (٣). رابعًا: جهادُ المنافقينَ كما يُجاهَدُ الكفارُ، بلْ والإغلاظُ عليهمْ، قالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٤). عنْ عليٍّ ﵁ قالَ: بُعثَ رسولُ اللهِ ﷺ بأربعةِ أسيافٍ: سيفٍ للمشركينَ:

стр. 2628

﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (١)، وسيفٍ للكفارِ أهلِ الكتابِ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٢)، وسيفٍ للمنافقينَ بهذهِ الآيةِ، وسيفٍ للبُغاةِ: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٣). ثمَّ علَّقَ ابنُ كثيرٍ: وهذا يقتضيْ أنهمْ يُجاهَدونَ بالسيوفِ إذا أَظهروا النفاقَ، وهوَ اختيارُ ابنِ جريرٍ (٤). لقدْ فهمَ البعضُ أنَّ هذهِ الآيةَ في المنافقينَ تدلُّ على أنَّ النفاقَ سيظلُّ موجودًا وسيظلُّ محسوسًا ملموسًا منْ أشخاصٍ ترىُ فيهمْ آياتُ النفاقِ (٥)، وإذا رأى طائفةُ أهلِ العلمِ مجاهدةَ المنافقينَ بالسيفِ -إذا أَظهروا نفاقَهمْ- فلا شكَّ أنَّ مجاهدتَهمْ باللسانِ والحُجةِ والبيانِ منْ بابِ أَولى، وقالَ القرطبيُّ: وهذهِ الآيةُ نَسختْ كلَّ شيءٍ منَ العفوِ والصُّلحِ والصفحِ. خامسًا: الحذرُ منْ سِماتِ المنافقينَ، والبُعدُ عنْ كلِّ ما يؤدِّي إلى النفاقِ، قد سمعتُمْ أنَّ مرضَ القلوبِ درعٌ للمنافقينَ، ويمكنُ أنْ يتحوَّلوا إليهمْ ويَنخرطوا في سِلْكِهمْ، فلْيحذرِ المسلمُ ولْيعالجْ نفْسَه ويفطمْها عنْ أمراضِ الشهواتِ والشبهاتِ، ومَن رعى حولَ الحِمى أوشكَ أن يَقَعَ فيهِ! وأنتَ أيها المسلمُ والمسلمةُ مطالبٌ بمجاهدةِ المنافقينَ على قَدْرِ طاقِتكَ، فإنْ لمْ تستطعْ فلا أقلَّ منْ بُغضِهمْ والحذرِ منْ أفعالِهمْ، والتحذيرِ منْ شرورِهمْ.

стр. 2629

سادسًا: عدمُ موالاةِ المنافقينَ والحذرُ مِنِ اتخاذِهمْ بطانةً للمؤمنينَ، وكفى بالقرآنِ حَكَمًا وواعظًا، واللهُ يقولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَاأَنتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (١). سابعًا: عدمُ المجادلةِ والدفاعِ عنهمْ: ﴿وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ (٢). ثامنًا: وعظُ المنافقينَ وتذكيرُهمْ برقابةِ اللهِ ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ (٣). تاسعًا: وإذا كانَ المنافقونَ بالكثرةَ التي قالَ عنها حذيفةُ ﵁: لوْ هَلكَ المنافقونَ لاستوحشتُمْ في الطرقاتِ لقلَّةِ السالكينَ -فالأمرُ يستدعيْ تجييشَ الأمّةِ والمجتمعِ كلِّه لمجاهدةِ المنافقينَ برجالِهِ ونسائهِ، بكبارهِ وصغارهِ، بعلمائهِ وعامّتهِ، وكلٌ حَسَبَ استطاعتهِ. عاشرًا: ونحنُ لا نتألَّى على اللهِ ولا يحقُّ لأحدٍ أنْ يقولَ: لا يهديْ اللهُ فلانًا

стр. 2630

ولن يصلحَ فلانًا منَ الناسِ، فالهدايةُ بيدِ اللهِ، وقلوبُ العبادِ بينَ أصبعَيْنِ منْ أصابِعِهِ يُقلِّبُها كيفَ يشاءُ، وأهلُ الخيرِ والعلمِ والدعوةِ يفرحونَ بتوبةِ التائبِ ويُسَرُّونَ لعودةِ الشاردِ، ويودُّونَ أنْ يفتحَ اللهُ على قلوبِ العُصاةِ والمستنكِرينَ بأسرعِ حالٍ، وإنهمْ حينَ يتحدَّثونَ عنِ النفاقِ والمنافقينَ لا يتشفَّون بأحاديثِهمْ ولكنهمْ مؤتمَنونَ على البلاغِ وكشفِ الباطلِ واستبانةِ سبيلِ المجرمينَ، وهمْ مَعَ ذلكَ يَدعُونَ مَنْ لُبِّسَ عليهِ، ومَنْ غلبتْ عليهِ شهوتُه أو أصرِّ على الخطأِ حفاظًا على شهرتِه، أو استحوذَ عليهِ الشيطانُ فأضلَّه .. يدعُونَ كلَّ هؤلاءِ للتبصُّرِ في أحوالِهمْ والنظرِ في عاقبةِ أمْرِهمْ، والتوبة لخالقهم. و ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ (١) .. اللهمَّ اهدِ ضالَّ المسلمينَ، وبصِّرْنا بالحقِّ.
следующие страницы →