الخطبةُ الثانيةُ:
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، نصرَ عبدَهُ، وأعزَّ جندَه، وهزمَ الأحزابَ وحدَهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، كلَّ يومٍ هوَ في شأنٍ، وله الحُكمُ وإليهِ تُرجَعونَ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُه، قامَ في ذاتِ اللهِ، وبلَّغَ رسالةَ ربِّهِ، ونصحَ للأمّةِ، وجاهدَ في اللهِ حقَّ جهادهِ .. ﷺ وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلينَ.
إخوةَ الإيمانِ:
٥ - ويخرقُ السفينةَ أنانيُّونَ لا يَشعرونَ إلا بأنفسِهم، ولا يُفكِّرونَ إلا بذواتِهمْ، وإن لاحتْ لهمْ بوادرُ الخَطَرِ لا يهمُّهمْ صلاحُ المجتمعِ أو فسادُهُ، ولا تتمعَّرُ وجوهُهمْ للمنكَراتِ تشيعُ هنا وهناكَ، دائرةُ تفكيرِهمْ ضيقةٌ، ومساحةُ الغيرةِ عندَهمْ محدودةٌ.
٦ - ويُسهمُ في خَرْقِ السفينةِ سطحيُّونَ لا يُدرِكونَ حجْمَ الخطرِ، ولا يتصوَّرونَ ضخامةَ المصيبةِ النازلةِ، ولا يَنظرونَ إلى مستقبلِ الأيامِ بعمقٍ وروّيةٍ، لا يَسمعونَ للنداءاتِ المحذِّرةِ، وإنْ سَمعوا لمْ يَستجيبوا، إذا علا صوتُ النذيرِ رأَوْه مبالِغًا، وإذا اتضحَ هدفُ المفسِدينَ لم يُحرِّكوا ساكنًا ولمْ يدفعوا باطلًا.
٧ - ويخرقُ السفينةَ أحمقُ متهوِّرٌ يريدُ أنْ ينتقمَ لنفسِه أوْ ينتقمَ منَ الآخرينَ، فيحاولُ بكلِّ وسيلةٍ إغراقَ أهلِ المركبةِ، وإنْ كانَ هوَ ضمنَ قائمةِ الغرقى، وتضيقُ بهِ مساربُ الحياةِ فيختارُ تحطيمَ نفسِهِ والآخرينَ معهُ.
٨ - ويُسهمُ في غرقِ السفينةِ متعجِّلٌ -وإنْ كانَ هدفهُ خيرًا- وغيرُ حكيمٍ-وإنْ كانَ قصدُه حسنًا-، فقدْ يقودُه اجتهادُهُ إلى نزعِ خشبةٍ في السفينةِ ليسدَّ بها خرقًا آخرَ، فإذا الخرقُ الذي أحدثَ أشدُّ ضررًا وأدعى للغرقِ! وفاتَه أنْ يستشيرَ غيرَهُ قبلَ أن يُحدثَ الضررَ الذي أحدثَ.
стр. 2638
أيها المسلمونَ: أمّا حماةُ السفينةِ .. ومَنْ يقفُ في وجهِ هؤلاءِ الخارقينَ: فهمُ الآمرونَ بالمعروفِ والناهونَ عنِ المنكرِ، الذينَ يُتعِبونَ أنفسَهمْ منْ أجلِ أنْ يستمتعَ ويستريحَ غيرُهمُ، الذينَ يَسهرونَ منْ أجلِ أنْ يطمئنَّ غيرُهمْ، والذينَ يُخاطِرونَ بأنفسِهمْ من أجلِ أنْ يأمَنَ غيرُهمْ، بلْ مِنْ هؤلاءِ الحُماةِ المنقذينَ للسفينةِ ومَنْ عليها مَنْ قدْ لا يُجد لسدِّ خرقِ السفينةِ إلا رِجْلَه أو يدَهُ، تنهشُه الأسماكُ، وتُزعجُهُ دوابُّ البحرِ، ومَعَ ذلكَ لا يتحرّكُ حرصًا على سلامة الآخرينَ، وهؤلاءِ الناصحونَ المرابطونَ قدْ يسخرُ منهمْ بعضُ الجُهّالِ في المركبِ، لطولِ وقوفِهمْ على خُروقِ السفينةِ وعظيمِ تضحيتهمْ، بلْ قدْ يؤذيهمْ خارقو السفينةِ، وقدْ يشوِّهونَ سمعتَهمْ ويشكِّكونَ في مصداقيةِ حراستهِمْ للسفينةِ .. وما يضيرُهمْ إذا كانَ اللهُ معهمْ، يعلمُ قصدَهمْ، وهو المطَّلعُ على حُسنِ نواياهمْ، والمقدِّرُ لجهدِهمْ وجهادِهمْ.
إنَّ هؤلاءِ المنقذينَ أصنافٌ كثيرةٌ، منهمُ الرجالُ والنساءُ، ومنهمُ العلماءُ والعوامُّ، ومنهمُ الدعاةُ وطلبةُ العلمِ، فيهمُ الأغنياءُ والفقراءُ، وفيهمُ المجاهدُ بنفسِهِ ومالِه ومَنْ لا يملكُ إلا الدعاءَ، منهمْ من يعملُ بنفسِه، ومنهمْ مَنْ لا يملكُ إلا المشورةَ والرأيَ، منهمْ مَنْ يتصدَّى لمنْ يخرقُ السفينةَ، ومنهمْ مَنْ يرصدُ ويكشفُ عوراتِ هؤلاءِ الخارقينَ، ومِنَ المنقذينَ للسفينةِ: أصحابُ الغيرةِ على المحارمِ، وإنْ لمْ يكونوا ملتزمينَ بأحكامِ الإسلامِ كلِّها، وأصحابُ العقول المقدِّرةِ لعواقبِ الأمورِ، وإنْ كانوا ظالمينَ لأنفسِهمْ مسبوقينَ في عملِ الصالحاتِ، ففَرْقٌ بينَ من يأتي المنكرَ وهوَ له كارهٌ، ويودُّ ألاّ يقعَ غيرُه فيما وقعَ هوَ فيهِ، وبينَ مَن يُقدِمُ على المنكرِ كما لو أقدمَ على معروفِ، بلْ يودُّ أنْ يكونَ هذا المنكرُ سلوكًا شائعًا في المجتمعِ كلِّه، نَعَمْ فرقٌ بين الانتهاكاتِ السلوكيةِ، والانتهاكاتِ القِيَميةِ.
стр. 2639
إنَّ أرقى المجتمعاتِ -مجتمعَ النبيِّ ﷺ لمْ يسلمْ منْ ممارسةِ المنكرِ، لكنْ فرقٌ بينَ مَنْ يقولُ: زنيتُ يا رسولَ الله فطهِّرْني، وبينَ مَنْ يزني وهوَ يرى الزنى سلوكًا حضاريًا أو حريةً شخصيةً يتَّهمُ مَنْ ينكرُها!
أيها المسلمونَ: ليجعلْ كلُّ واحدٍ منكمْ نفسَه منقذًا للسفينةِ، لا خارقًا فيها، وليسَ يَخفى أنه ما منْ منكَرٍ يتصدَّى له الناسُ بالإنكارِ، إلا توارى هذا المنكَرُ أو جلُّه، أو دفعَ اللهٌ بهذا الإنكارِ منكَرًا آخرَ سيترتَّبُ على المنكَرِ قبلَه، ولوْ لمْ يكنْ منْ ذلكَ شيءٌ فتكفي المعذرةُ: ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (١).
وإذا كانَ الناسُ كلُّهم إذا مُسَّتْ مصالحُهمُ الدنيويةُ ثاروا واستنكَروا دونَ أنْ يُنيبَ أحدٌ منهمْ غيرَهُ، فأصحابُ الغيرةِ والذينَ تتمعَّرُ وجوهُهمْ للمنكرِ همُ الذين يَستنكِرونَ ويتحرَّكونَ إذا اعتديَ على الدِّينِ واستُخفِّ بالقِيَمِ والأخلاقِ والسلوكياتِ الحميدةِ.
وتلكَ شهادةٌ عاجلةٌ لهمْ بالإيمانِ في الدنيا، وأجرُهمْ على اللهِ يومَ يلقَوْنه وقدْ قاموا بأمرهِ: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ (٢).
إخوةَ الإيمانِ: دعوني أختمْ لكمْ بقصةٍ واقعيةٍ تبيِّنُ أثرَ الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عنِ المنكرِ في إزالةِ المنكَرِ واستصلاحِ المخطئينَ .. حدَّثَ صاحبي وقالَ:
في صالةِ المطارِ كانَ الشابانِ يَستعدّانِ للسفرِ، وقدْ غيرَّا ملابسَهما، وقصّا شعورَهما، وربَّما خُتمتْ جوازاتُهما .. وهما يستعدّانِ للسفرِ، إذْ أبصرَهما ناصحٌ مشفقٌ عليهما، وسائلَهما قائلًا: إلى أينَ السفرُ يا أحبّائي؟ فتَلَعْثما في
стр. 2640
الإجابةِ، فسبقَهما قائلًا: كأنكما تريدانِ السفرَ إلى بلادِ كذا .. حيثُ تشيعُ الفاحشةُ، وتنتشرُ الرذيلةُ، وتوضعُ المصائدُ للشبابِ؟ وإني لكما ناصحٌ وعليكما مشفقٌ، إلاَّ راجعُتما أنفسَكما واستخرتُما اللهَ عنْ هذا السفرِ، فهل تعتقدانَ أنَّ اللهَ غافلٌ عنكما أينما كنتما؟ وما رأيُكما لوْ وافتْكما المنيةُ على حالٍ لا ترضَوْن أنْ تكونَ خاتمةً لحياتِكما؟ أليسَ واردًا أنْ تذهبا أحياءً وتعودا في التوابيتِ أمواتًا؟ ما حجمُ فضيحتِكمْ في الدنيا؟ وكيفَ بكمْ إذا قدمتُما على اللهِ تحملانِ أوزاركما على ظهورِكما يومَ القيامةِ؟
وما زالَ الناصحُ يقرعُ أسماعَهما بالحديثِ ويضربُ لهما الأمثالَ .. حتى التفتَ أحدُهما إلى صاحبهِ قائلًا: ما رأيُك في إلغاءِ السفرِ؟ فتردَّدَ الآخرُ ثمَّ وافقَهُ على إلغاءِ السفرِ .. أما الناصحُ لهما فقدْ تشجَّعَ .. رغمَ أنَّ وقتَ سفرِه قريبٌ، فما كانَ منهُ إلا أنْ ذهبَ بهما إلى صديقٍ لهُ صالحٍ، وأوصاهُ فيهما خيرًا، فاستقبلَهما صاحبُه وأكرمَ ضيافَتهما، ثمَّ عرضَ عليهما أنْ يذهبوا سويًا للطائفِ للمتعةِ والأنُسِ جميعًا، فوافقا، ثمَّ قالَ لهما: وما رأيُكما لو أخذْنا عُمرةً في طريقِ ذهابِنا؟ فوافقا .. وكانَ الوقتُ ليلًا، قالَ: إذًا فاستريحا حتى إذا كانَ الصباحُ تحرَّكْنا .. فتركَهما الضيفُ في مجلسِهِ وذهبَ إلى غرفةِ نومهِ، ولكنَّ الشابين استطالا الليلَ، وربما عاودَهما الشيطانُ بنزغِهِ، فخرجا منَ البيتِ وقرعا الجرسَ في ساعةٍ متأخِّرةٍ منَ الليلِ، ليستأذنا مُضيفَهما في الانصرافِ، وحينَ استيقظَ وسمعَ كلامَهما، قال: ما رأيكما أنْ نبدأَ الرحلةَ الآنَ؟ فوافقا، فأحرمَ الثلاثةُ كلُّهمْ ولبَّوا بالعمرةِ مخلصينَ للهِ، وكانتْ آخرُ كلماتِهم: لبَّيكَ اللهمَّ لبيكَ، لبيكَ لا شريكَ لكَ لبَّيكَ، إنَّ الحمدَ والنعمةَ لكَ والمُلكَ، لا شريكَ لكَ لبَّيكَ .. ويا لها منْ كلماتٍ لو تأمَّلهَا المُحرِمونَ .. وكانتِ المنيةُ تنتظرُهمْ وهمْ مُحرمونَ، وعلى بضعِ كيلوات وقعَ الحادثُ وتوفيَ الثلاثةُ قبلَ وصولِهمْ
стр. 2641
إلى مكةَ .. وحُملوا إلى المستشفى ثمَّ إلى المقبرةِ وأكفانُهم ثيابُ الإحرامِ، وآخرُ عهدِهمْ بالدنيا الذِّكرُ والطاعةُ، وفرقٌ بينَ مَنْ يُبعثُ يومَ القيامة مُلبّيًا، وبينَ من يموتُ في بلادِ الخيانةِ والفجورِ مُجرمًا فاسقًا .. وبعدَ حينٍ اتصلَ صاحبُهما الأولُ على صاحبهِ ليسألَ عنْ حالِ الشابَّينِ .. فأجهشَ محدِّثُه بالبكاءِ وهوَ يَقصُّ عليهِ نهايةَ الثلاثةِ، فما تمالكَ نفسَهُ عنِ البكاءِ ..
لكنهُ حَمِدَ اللهَ أنْ كانَ سببًا في هدايتهِما وحُسنِ خاتمتِهما.
стр. 2642
على أسوار القسطنطينية (١)
الخطبةُ الأولى:
إن الحمدُ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهمَّ صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسَلينَ، وارضَ اللهمَّ عن الصحابةِ أجمعين والتابعين وتابعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢).
أيها المسلمون: وفي الأيامِ الحالكةِ، وفي ظروفِ الأَزَماتِ والشدةِ علَّمَ الرسولُ ﷺ أصحابَه والمؤمنين من بعدِهم، التفاؤلَ بنصرِ الله، وبشَّرهم بالفتوحِ الإسلامية والمشركون يغزونَهم في عُقْر دارِهم، ووَعَدَهم التمكينَ في الأرض والنصرَ على الأعداء.
أجل، لقد بلغ الكربُ في غزوةِ الأحزاب ما قصّ اللهُ في كتابه: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ (٣).
وبلغ الفألُ عندَ رسول الله ﷺ حين اعترضتْ صخرةٌ للصحابةِ وهم يَحفِرون الخندقَ، فاستنجدوا برسولِ الله ﷺ ، فضربها ثلاثَ ضَرَباتٍ فتفتَّتتْ وقال إِثرَ
стр. 2643
الضربةِ الأولى: «الله أكبرُ، أُعطيتُ مفاتيحَ الشامِ، واللهِ إني لأبصرُ قصورَها الحمراءَ الساعةَ»، ثم ضربها الثانيةَ فقال: «اللهُ أكبر، أُعطيتُ مفاتيحَ فارسَ، واللهِ إني لأبصرُ قصرَ المدائنِ أبيضَ» ثم ضرب الثالثةَ وقال: «اللهُ أكبرُ، أُعطِيتُ مفاتيحَ اليمن، واللهِ إني لأبصرُ أبوابَ صنعاءَ من مكاني هذه الساعةَ» الحديث رواه أحمدُ والنَّسائيُّ بإسنادٍ حسن كما قال ابنُ حجر في الفتح ١٥/ ٢٨٠ .. وغيرهما.
اللهُ أكبر، كم بينَ مشاعرِ المسلمين في هذه اللحظةِ الشديدةِ التي عبَّر عنها بعضُ المنافقين بقوله: كيف يَعِدُنا محمدٌ ﷺ كنوزَ كسرى وقيصرَ وأحدُنا لا يستطيعُ أن يقضيَ حاجتَه (١).
وكَشَفَهم القرآنُ الكريمُ بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا﴾ (٢).
أقولُ: كم بينَ هذه المشاعرِ اليائسةِ من قِبَل المنافقين، والمُزلزَلَةِ من قِبَل المؤمنين، وبين بُشرى رسولِ الله ﷺ من مسافةٍ، وصَدَقتِ البشرى، وكانت تلك الكلماتُ منه ﷺ دلائلَ نبوةٍ وبشرى، ووعدًا صادقًا بفَتْح المسلمين مستقبَلًا لهذِه البلاد، ودينونةِ أهلِها بالإسلام، بل وانسياحِ الإسلامِ فيما وراءَها من بلادٍ وأُممٍ كانت تعيشُ الظُّلمَ والظلامَ، فانقلبتْ بعد الإسلامِ تتفيَّءُ نورَ الإسلام، وتتقلَّبُ في العدلِ والأمان.
إخوةَ الإيمان: لكنَّ هذه الفتوحَ لم تُهدَ المسلمين على أطباقٍ من الدَّعَةِ والاسترخاء، وإنما تمَّتْ بعد بذلِ الأرواحِ والُمهَج، وإنفاقِ الغالي والنفيس،
стр. 2644
وجمعِ طاقةِ الأمُة والارتفاعِ بهِمَمِها، والمرابطةِ على الثغورِ عدَّةَ سنين، والتنافسِ على الموتِ في سبيل الله أو تحقيقِ النصر لدين الله.
أيها المسلمون: وهلمُّوا معي أقصُّ عليكم بناءَ ملحمةٍ من ملاحمِ المسلمين مع أعدائِهم الروم، وإن شئتَ فقُلْ: فصلًا من فصولِ الجهادِ في سبيل الله، ومحاولةً من محاولاتِ المسلمين لفتح القسطنطينية (مَعقِل الروم) وعلى أسوارِ القسطنطينية أقِفُ وإياكم، وعن جهودِ الأُمويِّين أحدِّثُكم.
ومرةً أخرى أعودُ إلى هَدْيِ النبوة، وفي «صحيحِ البخاري» في كتاب الجهاد، باب: ما قيلَ في قتالِ الروم، عن أمِّ حَرَامٍ زوج عُبادةَ بنِ الصامت ﵄ قالت: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: «أولُ جيشٍ من أُمَّتي يغزونَ البحرَ قد أَوجَبُوا» قالت أمُّ حرامٍ: قُلتُ: يا رسولَ الله، أنا فيهم؟ قال: «أنتِ فيهم» ثم قال النبيُّ ﷺ : «أولُ جيشٍ من أُمتي يغزونَ مدينةَ قيصرَ مغفورٌ لهم» فقلتُ: فيهم يا رسولَ الله؟ قال: «لا» (١).
وأقفُ مع هذا الحديثِ، ومع أولِ محاولاتِ المسلمين لفتح القسطنطينية عِدةَ وَقَفاتٍ:
١ - هِمّةُ هذه المرأةِ المسلمةِ على فعلِ الخير والجهادِ في سبيل الله، رجاءَ مغفرةِ الذنوب ورِفْعةِ الدرجاتِ، وقد وَرَدَ في روايةٍ أخرى عند البخاري: أن أمَّ حرامٍ ﵂ حين سمعتْ من رسولِ الله ﷺ عن نفرٍ من أُمتِه يركبون ثَبَجَ البحرِ مجاهدين في سبيل الله قالت: يا رسول الله، ادْعُ اللهَ أن يجعلَني منهم، فقال: «اللهمَّ اجعَلْها منهم».
وقد كان وركِبَتْ أمُّ حرامٍ البحرَ مع المجاهدين، وشاء اللهُ أن تُستشهَدَ وهي
стр. 2645
غازيةٌ على أثرِ وَقْصِ دابتِها (١).
وفرقٌ بين هِمَّةِ هذه المرأةِ في الجهادِ والاستشهاد، وهِمَمِ نساءٍ أُخرَ لا يتجاوزنَ المطعمَ والمشربَ والمُودِيل والمُوضة .. ، وأعظمُ من ذلك إذا كانت بَرِيدًا للفتنة مُستخدمة لإشاعةِ الفاحشة، ومع ذلك فلا يزالُ في عددٍ من نسائِنا خيرٌ كثيرٌ، ومنهنَّ من تتطلَّعُ إلى همَّةِ أم حرامٍ، وتودُّ أن تنتهيَ كنهايتِها.
٢ - في الحديثِ -كما قال أهلُ العلم- مَنقِبةٌ لمعاويةَ ﵁ لأنه أولُ مَن غزا البحرَ، ومنقبةٌ لولدِه يزيدَ لأنه أولُ من غزا مدينةَ قيصرَ (القسطنطينية) (٢).
٣ - وفي الحديثِ كذلك منقبةٌ لأبي أيوبَ الأنصاريِّ ﵁، الذي كان ضمنَ هذا الجيشِ الغازي للقسطنطينيةِ، بل استُشهِدَ عند أسوارِها، وأَوصى أن يُدفَنَ عند بابِ القسطنطينية، وأن يُعفَى قبرُه، ففُعِل ذلك به، ويقال: إن الرومَ صاروا بعد ذلك يَستسقُون به (٣).
٤ - وعيُ معاويةَ ﵁ وحرصهُ على حربِ الروم جعلَه يُعِدُّ العُدَّة ويرسلُ البعوثَ لمحاصرةِ الروم وإشغالِهم عن المسلمين من جانبٍ، وفتحِ بلادِهم ونشرِ الإسلام فيها من جانبٍ آخرَ، وفوقَ هذا وذاك فهو منه إدراكٌ واعٍ لموقعِ الروم فيِ الأُمم، تلك التي عبرَّ عنها ﵁ بقوله: «شُدُّوا خِنَاقَ الرومِ فإنكم تَضبِطون بذلك غيرَهم من الأمم» (٤).
٥ - وشارك معاويةَ ﵁ في هِمّةِ جهادِ الروم خلفاءُ آخرون في دولةِ بني أُميَّة،
стр. 2646
ومن أبرزِ هؤلاء عبدُ الملك بنُ مروانَ وسليمانُ بنُ عبدِ الملكِ ﵀ حيث جمعَ الجموعَ وحشدَ الحشودَ لغزوِ الروم، وشاركه الهِمةَ جماعةٌ من الفقهاءِ والمحتسبين، وهمَّ الخليفةُ سليمانُ بالإقامة في بيتِ المقدسِ لجمعِ الناسِ والأموالِ، ولكنه عَدَلَ عنها إلى (دابق) شمالًا (وهي قريةٌ قربَ حلب) وذلك ليكونَ أَقربَ إلى ميدانِ القتال، وليرفعَ من روحِ المقاتلين، بل لقد حَلَفَ ألا يعودَ حتى تُفتحَ القسطنطينيةُ أو يموتَ دون ذلك، وقد برَّ بيميِنه فمات هناك، قال ابنُ كثير: فحَصَلَ له بهذه النيةِ أجرُ الرِّباطِ في سبيل الله، فهو -إن شاء اللهُ- ممَّن يُجرى له ثوابُه إلى يومِ القيامة ﵀ (١).
٦ - ومَسلمةُ بنُ عبدِ الملكِ، وعمرُ بنُ هُبَيْرةَ الفَزَاريُّ ومَسْلمةُ بنُ حبيبٍ الفِهْري وأبو يحيى البَطَّال وغيرُهم من قادةِ الجيوش، أو سائرِ رجالات الجيشِ الغازي .. كلُّ هؤلاء أبلَوْا بلاءً حسنًا وتحمَّلوا عناءَ السفرِ ومشقَّةَ الجهاد، ومنهم من قَضَى نحبَه شهيدًا صادقًا، ومنهم مَن انتظرَ مرابطًا صابرًا محتسبًا على صعوبةِ العيش وبَرْدِ الشتاء، ودونَكم هذه الروايةَ عن شاهدِ عِيانٍ تحكي شيئًا من معاناةِ المجاهدين هناك، يقول الذهبيُّ: قال محمدُ بن زيادٍ الأَلْهاني: غَزوْنا القسطنطينيةَ، فجُعْنا حتى هلكَ ناسٌ كثير، فإنْ كان الرجلُ يخرجُ إلى قَضاءِ الحاجَةِ، والآخرُ ينظرُ إليه، فإذا قام أقبلَ ذلك على رجيعِه فأكلَه (٢).
وهل تعلمونَ أنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزيز ﵀ حين استُخِلفَ -بعدَ سليمانَ- وأَمرَ بعودةِ الجيشِ المرابطِ على أسوارِ القسطنطينية، لم يرجِعْ هذا الجيشُ إلا بعد تردُّدٍ، وكان رجوعُه استجابةً لمطلبِ الخليفةِ؟
стр. 2647
٧ - درسٌ من التاريخِ يُعلِّمنا عدمَ الركونِ للأعداءِ والثقةِ إليهم ومحالفتِهم، ففي هذه الحملةِ على القسطنطينيةِ، حاصرَ المسلمون في طريقِهم- عمُّوريةَ، فكتب حاكمُها النصرانيُّ (أَليون) إلى مَسْلمةَ بنِ عبد الملك يُخبِرُه بما تحتَ يدِه، ويطلبُ منه الإذنَ بمقابلتِه، ويعَرِضُ عليه النصحَ والنصرةَ لفتحِ القسطنطينية، فلما قرأ مَسلمةُ الكتابَ، استشار أمراءَه وأهلَ مشورتِه، فأشاروا عليه جميعًا بالموافقةِ على المقابلةِ والعرضِ إلا رجلًا واحدًا هو مَسْلمةُ بن حَبيبٍ الفِهْري الذي رفضَ ذلك بحُجَّةِ أن الرومَ أهلُ مكرٍ وخداع، وهذه إحدى مكرِهم فلا تُعطِهِ إلا السيفَ (١).
ولكنَّ المجتمعين خالفوه الرأيَ، بل ضَحِكوا من رأيِه، وقالوا: كبِرَ الشيخُ، وهوَّنوا من شأنِ (أليون)، فأذِنَ لصاحبِ عمُّوريةَ وجاء إلى مَسلمةَ ومعه اثنا عشرَ ألفًا من قوَّادِه، فاتفقا على أن يدلَّ أليونُ المسلمين على فتحِ القسطنطينية في مقابلِ تمليكِه على الروم، وابتدأ تنفيذُ الاتفاقِ بفكِّ الحصارِ عن (عمورية)، وصاحَبَ (أليون) المسلمين حتى وصلوا إلى القسطنطينيةِ، وظلَّ يتحيَّنُ أدنى فرصةٍ للغَدْرِ بالمسلمين، ولسببً أو لآخر تختلفُ الروايات في تحديده، دخلَ (أليون) إلى القسطنطينيةِ واتفق مع أهلِها أن يُملِّكوه عليهم مقابلَ تصدِّيه لمسلمةَ وجيشِ المسلمين والغدرِ بهم، وهنا أَحسَّ مسلمةُ والمسلمون معه بغَدْر النصارى ومكرِهم وظهرَ لمسلمةَ ومن شاركه الرأيَ خطؤُهم، واشتدَّ أسَفُهم وغَلبتْهم الكآبةُ وأصابهم نتيجةَ هذا الغدرِ -همٌ عظيمٌ .. ولكن هيهاتَ بعدَ فواتِ الأوان، وحين بعثَ مسلمةُ بعضَ رجالاته لمناقشةِ (أليون) في غدرهِ وتذكيره بما عاهدَ المسلمين عليه، أجابهم (أليون) بكلِّ صراحة قائلًا: لئن ظنَّ مسلمة أني أبيعُ
стр. 2648
مُلكَ الروم بالوفاءِ له لبئسَ ما ظنَّ (١).
وبقي الدرسُ الجليُّ لمَسْلمةَ والمسلمين معه، بل وللمسلمين من بعدِه بعدمِ الركونِ للكافرين، والتعاملِ الواعي والمشروعِ مع الكافرين وَفْقَ عقيدةِ الولاءِ والبرَاءِ، ووَفْقَ توجيهاتِ العليمِ الخبير، وكفى بالقرآنِ واعظًا، والله يقول: ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًا وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٢).
стр. 2649
الخطبةُ الثانيةُ:
الحمدُ للهِ أمرَ بجهادِ الكافرين والمنافقين والغِلْظةِ عليهم، كما أمرَ بالقِسْط والبِرِّ عن الذين لم يُقاتِلُوكم في الدّين ولم يُخرِجُوكم من ديارِكم، والله يُحبُّ المُقسِطين، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، نهى عن موالاةِ الكافرين واتخاذِ بطانةٍ لا يَأْلونَ المسلمين خَبالًا.
وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولهُ قال: وجُعِلَ رزقي تحتَ ظِلِّ رمحي، والذلُّ والصَّغَارُ على مَن عَصَاني، اللهمَّ صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسَلينَ.
٨ - إخوةَ الإسلام: وثَمةَ درسٌ ثامنٌ من هذه الحملةِ المبكِّرةِ لمحاولة فتحِ القسطنطينية يقول: الهوَّيةُ الدينيةُ أمكنُ من الهويةِ العِرْقية .. كيف هذا؟ وما دليلُه في هذه الحملةِ؟
لقد جاءَ في بعض الرواياتِ التاريخيةِ أنه كان يعيشُ في بلادِ الروم في ذلك الزمان عناصرُ عربيةٌ نصرانية، وكانت تُقاتِلُ جنبًا إلى جنبٍ في صفوفِ الرُّوم النصارى، بل كان بعضُهم شديدًا على المسلمين، كما في قصةِ خالدِ ابن عُمَير السُّلَمي الذَّكْواني الذي بارزَ رجلًا من المسلمين أثناءَ الحِصار، فأُسِرَ هذا النصرانيُّ العربيُّ وبُعِثَ به إلى هشامِ بنِ عبدِ الملكِ وهو بِحرَّانَ والٍ عليها، فقُتِلَ بينَ يديه لما أصرَّ على الكفرِ (١).
ومن هنا فلا بدَّ من التأكيدِ على ولاءِ العقيدةِ ورابطةِ الأُخوَّةِ الإسلامية وعدمِ المبالغةِ والاتكاءِ على روابطِ الجنسِ واللغةِ واللون، فتلك لا يقامُ عليها بنيانٌ،
стр. 2650
ولا يُعتمَدُ على أصحابِها في الجهادِ ونكايةِ العدو، وتحريرِ المقدَّسات.
وأخوَّتُنا -معاشرَ المسلمين- بالإيمان ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (١) وكرامتُنا بالتقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٢)، وعلى صعيدِ الواقع كم حصل في مجتمعاتِ المسلمين من خياناتٍ لم تنجُ منها العروبةُ وروابط القوميةِ، ووَحْدةُ الأرضِ واللغة؟ !
٩ - أيها المؤمنون: ولئن لم تُفتحِ القسطنطينيةُ في هذه الحَمَلاتِ والمحاولاتِ أيامَ الأُمويين، فلم تَضِعْ جهودُ المسلمين سُدًى، ويَكفِيهم أن كَتَبَ اللهُ منهم حينَها شهداءَ، وكان لبعضِهم فضلُ الرِّباطِ في سبيلِ الله، ورباطُ يومٍ في سبيلِ الله خيرٌ من الدنيا وما فيها.
ومَهَّدَ هؤلاء لفتحٍ مرتَقَبٍ أخبر النبيُّ ﷺ عنه وعن أصحابهِ بقوله: «لتُفتحَنَّ القسطنطينيةُ، فلنِعمَ الأميرُ أميرُها، ولنِعمَ الجيشُ ذلك الجيشُ» (٣).
وكان العثمانيونَ أصحاب هذا الفتحِ، وكان محمدٌ الفاتح أميرَ الجيش، وفضلُ الله يؤتيهِ من يشاءُ.
١٠ - على أنَّ هؤلاءِ المسلمين الأوائلَ المحاولينَ لفَتْح القسطنطينيةِ وإن لم يُكتَبْ لهم فتحُها فقد تركوا فيها من المآثرِ ما به يُذكَرُ اللهُ، والمساجدُ شعارُ المسلمين أين حلُّوا وأين ارتحلوا، وابنُ تيميَّةَ في زمنِه يذكرُ مسجدًا بناه المسلمون الأُمَويُّون ويقول: وأَقاموا على حصارِ القسطنطينيةِ عدةَ سنين في زمنِ عبد الملكِ بن مروانَ حين بعث ابنه مَسْلمةَ بجيشٍ عظيم إليها قال: ثم صالحوهم
стр. 2651
على أن يَدخُلوها، وبنَوْا فيها مسجدًا، وذلك المسجدُ باقٍ إلى اليوم (١).
وكذلك يُعلِّمُنا التاريخُ أن اللاحقَ من المسلمين يُكمِلُ ما بدأَه السابقُ ومن لم يُقدَّرْ له الفتحُ والنصرُ على الأعداءِ في حينِه فحَسْبُه الأجرُ على ما قدَّمَ لنفسِه وهيَّأَه لمن يأتي بعدَه.
ذلكُم -معاشرَ المسلمين- فصلٌ من فصولِ ملاحمِنا مع الرومِ النصارى، وتلك نماذجُ لهِمَمِ رِجالِنا ونسائنا، وتلك دروسٌ في علاقاتِنا مع الأُمم من حولِنا. إنها ليست صفحاتٍ مطويَّةً في غابرِ الزمن، بل هي رصيدٌ وتجربةٌ علينا أن نُفِيد منها، ونستفيدَ من عِبَرِها، ونحن أُمةٌ لها تاريخٌ مجيدٌ لا يكفي أن نفتخرَ به، بل لا بدَّ من تجديدِ ما اندثرَ، وإحياءِ ما ذَبُلَ، والتذكيرِ بما نُسي، ومن تذكَّر فإنما يتذكَّرُ لنفسه، وفي محكمِ التنزيل: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (٢).
أيها الناسُ: وفي زمنِ الامتحاناتِ -كهذه الأيام- حريٌ بنا أن نَذْكرَ ونَتذكَّرَ قيمةَ العلمِ، وقيمة السلوكِ، وعلى المُربِّين والمعلِّمين ألا يجعلوا الامتحانَ هدفًا بذاتِه، بل هو وسيلةٌ يمكنُ من خلالِها أن يربَّي الطلابُ والطالباتُ على مزيدِ الثقة والطمأنينةِ والأمانةِ والجديّةِ، وحريٌ بالآباء أن يُسهِموا في تحصيل أبنائهم وتوفيرِ الأجواءِ المناسبةِ والصالحةِ لاستذكارهم، وأن يَحذَرُوا -وهنا وقفةٌ مهمَّة- أن يَحذَروا من لصوصِ الامتحانات .. فثَمَّةَ نوعيةٌ من آحادِ الشباب تُصطادُ في مثلِ هذه الظروف، بدايةً بإهداءِ الحبوب المساعدةِ على السهر،
стр. 2652
وانتهاءً بالمخدّراتِ والمسكِّرات .. وتلك نهايةُ الوحلِ وبدايةُ مشوارِ الدمارِ والعَطَب، واحذروا على فَتَياتِكم من أصحابِ الأرقام المقذوفةِ .. وما تجرُّه من مكالماتٍ هاتفيةٍ هي بدايةُ السقوط للفتاة -لا قدَّر اللهُ-.
إنَّ علينا جميعًا أن نَحذَرَ من رُفَقاءِ السُّوء لأبنائِنا وبناتِنا في كلِّ حينٍ، وعلينا في هذه الأيامِ أن نركِّزَ اهتمامَنا أكثرَ حيثُ تبدأُ علاقاتٌ للامتحان بحُجَّةِ الدراسة، ثم تتحوَّلُ إلى علاقاتٍ مشبوهةٍ تنتهي بتَرْك الدراسة وتتطوَّرُ إلى أمورٍ أخرى يَنْدَى لها الجبينُ، فتنبَّهوا معاشرَ الشباب ومعاشرَ الفتياتِ لأهل الِخداع والمكرِ، وقل لي مَن تصادقْ، أقلُ لك من تكونُ في الحاضرِ والمستقبل .. اللهمَّ احفَظْ أبناءَنا وبناتِنا من كلِّ مكروه، ووَفِّقْهم للنجاحِ في امتحانِ الدنيا والآخرةِ.
стр. 2653
الإجازة بينَ فئتينِ
ملاحظاتٌ ومقترحاتٌ (١)
الخطبةُ الأولى:
إنَّ الحمدُ للهِ نحمَدُهُ ونستعينُهُ ونستغفرُهُ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنا ومنْ سيئاتِ أعمالِنا، منْ يهدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ لَهُ، ومنْ يضْلِلْ فلا هاديَ لَهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، اللهمَّ صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسَلينَ، وارْضَ اللهمَّ عنِ الصحابةِ أجمعينَ والتابعينَ وتابعيهمْ بإحسانٍ إلى يومِ الدِّينِ وسلِّمْ تسليمًا كثيرًا.
أيُّها المسلمونَ: في كلِّ حينٍ تُمتَحنُ الهمَمُ، فهذا عالٍ في همّتِهِ، طَموحٌ في أهدافهِ الخيّرةِ، وآخرُ دونيُّ الهمّةِ، متكاسلٌ في عملِ الخيرِ لنفسِهِ، ومن بابِ أوْلَى فهو أضعفُ منْ أن يُقدِّمَ الخيرَ لمجتمعِه وأمتِه ولكنَّ أوقاتَ الفراغِ تكشفُ أكثرَ تفاوتَ الهممِ، والقدرةَ على استثمارِ الأوقاتِ بما ينفعُ.
يُقال ذلكَ ونحن مُقبلونَ على الإجازةِ الصيفيةِ، ففيها يفرُغُ الطلابُ والطالباتُ من تكاليفِ الدراسةِ، ويتمتعُ عددٌ كبيرٌ منَ الموظفينَ بالإجازةَ لمدةٍ تطولُ أو تقصُرُ.
وهنا تُمتحَنُ الهممُ أكثرَ، ويحتاجُ المسلمُ إلى إعادةِ النظرِ في قيمةِ وقتِه واستثمارِ فراغِه -سواءٌ حلَّ أمِ ارتحلَ.
إنَّ منَ الناسِ مَنْ لا يُقدِّرُ قيمةَ الزمنِ، ولا يسألُ نفسَه عما حقَّقَ وأنجزَ، يَكفيهِ
стр. 2654
أنْ يُمضيَ سحابةَ نهارِه وشطرًا مِنْ ليلِه في أُنسٍ وفُكاهةٍ ومطعمٍ ومشربٍ، لا يكترثُ بمَ يُقضَى الوقتُ، ولا فرقَ عندَه بنوعيةِ ما يسمعُ أو يُشاهدُ ... ولو كانَ في دائرةِ الفسوقِ والفجورِ -ولهؤلاءِ وأمثالهم يُقال: إن في دينِنا -دينِ الإسلام- فُسحةً للترويحِ عنِ النفسِ، والأُنسِ بالأصحابِ، والمحادثةِ مع الخِلّانِ، والاستمتاعِ بالنظرِ، وتشويقِ الأذنِ للسمع .. ولكنْ في سياج الشرعِ المطهَّرِ، وفي حدودِ الفضيلةِ، وفي إطارِ المكارمِ والمحامدِ -وهذه الفضائلُ والمكارمُ، والحدودُ الآمنةُ- فيها غُنيةٌ للنفسِ وإراحةٌ للضميرِ، وطمأنينةٌ للقلبِ.
أجَلْ، إنَّ الدراساتِ والتقاريرَ الميدانيةَ تكشفُ أنَّ أكثرَ الناسِ إصابةً بالأمراضِ النفسيةِ، همُ المنفتحونَ على كلِّ شيءٍ، والمشاهدونَ لكلِّ شيءٍ، والمستمعونَ لكلِّ لَغْوٍ .. والمتخفِّفونَ من تكاليفِ الشرعِ فلم تَزدْهم هذه الغفلةُ والمؤانسةُ المنحرفةُ إلا همًّا وكمَدًا.
وأصبحَ الواحدُ منهُم بلسانِ حالِهِ يقولُ: لقدْ مارستُ كلَّ شيءٍ .. ولكنَّ هذه وتلكَ عادتْ عليَّ بالضيقِ والضجَرِ والكآبةِ والحسرةِ.
وعادَ هؤلاءِ يبحثونَ عن السعادةِ التي فَقَدوها، وأدرَكوا بعدَ حينٍ أنَّ الإعراضَ عنِ اللهِ وذكرِهِ وعبادتِه السببُ الأولُ والأخيرُ لهذه الأمراضِ النفسيةِ والانحرافاتِ السلوكيةِ .. وكأنَّهُم لأول مرةٍ يقرؤونَ قولَه تعالَى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ (١).
وكأنَّهُم لأولِ مرَّةٍ يسمعونَ النداءَ: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (٢).
يا عبدَ اللهِ: أيُّ مشروعٍ تُفكرُ فيه في هذه الإجازةِ، لا بد أنْ تُحدِّدَ -ابتداءً-
стр. 2655
الهدفَ منْهُ، ولا بدَّ -ثانيًا- أنْ تُفكرَ في الوسيلةِ المناسبةِ لتنفيذِهِ، ولا بد -ثالثًا- منْ تقييمِ المشروع بعد انتهاءِ العملِ منْهُ .. وكلَّما كانَ الهدفُ خيِّرًا، والوسيلةُ صالحةً والتقييمُ دقيقًا .. كلَّما تحققَتِ النتائجُ بشكلٍ أفضلَ، وأورثَتْ صاحبَ المشروعِ أُنْسًا وسعادةً، يُحسُّ بها في الدنيا، ويجدُ جزاءَها يوم يلقى ربَّه حينَ لا ينفعُ مالٌ ولا بنونَ إلا مَنْ أتى اللهَ بقلبٍ سليمٍ، وإذا كان المالُ والبنون زينةَ الحياة الدنيا، فالباقياتُ الصالحاتُ خيرٌ عند ربِّك ثوابًا وخيرٌ أملًا.
يا أخا الإسلام: وفي زمنٍ يتصلُ العالَمُ بعضُهُ ببعضٍ، وتكثرُ المغُرياتُ وتهيجُ أعاصيرُ الفتنِ هُنا وهُناك، يتآمرُ أبناءُ المللِ على تشويهِ صورةِ الإسلامِ، ويصبحُ المسلمونَ هدفًا للإبادةِ .. وتنشطُ الإرسالياتُ التبشيريةُ في مشاريعها المُفسِدةِ، وتفوحُ روائحُ العداءِ والتشفِّي منَ المسلمينَ على أصْداءِ القمعِ الوحشي لليهود الصهاينةِ، ويكشفُ الهندوسُ والبوذيونَ، والشيوعيونَ، والباطنيونَ والمنافقونَ، والشهوانيونَ، وأهلُ الأهواءِ، عنْ وجوهِهِم الكالحةِ ويتقدمون بمشاريعِهِم المنحرفةِ.
هنا -وفي كلِّ هذه الظروفِ الصعبةِ- أفَيليقُ بمسلمٍ ومسلمةٍ يقدرُ مسؤوليتَهُ أمامَ اللهِ، ومسؤوليتَهُ تجاهَ قضايا أمتِهِ، وواجبَهُ تجاهَ دينِهِ .. أنْ يُضيعَ وَقتَه سُدًى؟ أو يكتفي بالحوقلةِ وعدم الرِّضَى .. فضلًا أنْ يشاركَ الآخرينَ في الفسادِ بأيِّ شكلٍ مِنَ الأشكالِ؟ !
إخوةَ الإسلامِ: والأشياءُ التي يُقضَى بها الوقتُ بما يضرُّ ولا ينفعُ كثيرةٌ، ولا مجالَ لحَصْرِها الآنَ .. ولكنْ دَعونا نركِّزُ على أمورٍ ثلاثةٍ فقطْ، تستحوذُ على اهتمامِ طائفةٍ منَ الناسِ، ولا بدَّ أنْ يدركوا مخاطرَها.
أولاها: العكوفُ على القنواتِ الفضائيةِ وشبكاتِ «الإنترنت» الفاسدةِ، وهذه كما تسرقُ الأوقاتَ، تسرقُ القيمَ وتُفسد السلوكياتِ، بلْ تُلوِّثُ الأفكارَ، وتُشوِّهُ
стр. 2656
الثقافةَ النزيهةَ، وتُسيءُ إلى الإسلامِ وتستعمرُ المسلمينَ. إنها تحملُ الإرهابَ الفكريَّ، وتنقلُ الإيدزَ الأخلاقيَّ، وتحلُّ محلَّ الاستعمارِ العسكريِّ وتدعو للعقائدِ المنحرفةِ، وتُشوِّهُ العقيدةَ الصحيحةَ، وتُبرزُ الرذيلةَ وتدعو لممارسةِ الفاحشةِ، تُموَّلُ منْ تُجارِ اليهودِ والنصارَى وتُخْتارُ بَرامجُها بعنايةٍ، ويُخطَّطُ لأهدافِها بدقةٍ. فهلْ نَعِي الحقيقةَ ونُدركُ الخطرَ، أم نظلُّ سُكارَى حتى نُرْتَهنَ؟ !
وثانيها: السَّفرياتُ الخارجيةُ المسرفةُ، تلك التي يندسُّ أصحابُها في أماكنَ مشبوهةٍ، ويقصِدونَ الرحلةَ إلى بيئاتٍ غير نزيهةٍ -وأولئكَ كذلكَ تُسرَقُ أخلاقُهم وقيمُهم قبلَ أنْ تُسرَقَ جيوبُهم، وتُمتَهنُ كرامتُهم، ويحَ هؤلاءِ لو سألوا أنفسَهُمْ عن المالِ كيف أنفَقوه؟ وعنِ الوقتِ كيف أضاعُوه؟ وعن الفضيلةِ كيفَ أزهقوها؟ وعنْ شخصياتِهمْ كيفَ أهانوها؟ وعنْ إسلامِهم كيفَ دنَّسوه؟ وعنْ بلادِهم كيفَ شوَّهوها؟
هلْ يُدركُ هؤلاءِ أنهُمْ ربَّما أنفقوا درهَمًا ذَبحوا فيهِ أنفسَهم وكانوا سببًا في ذبحِ إخوانِهِمُ المسلمينَ؟ بلى، إنَّ تعزيزَ اقتصادياتِ أعدائنا يرجعُ سِلاحًا تُطحنُ به صدورُ إخواننا؟
وهكذا تكونُ الجريمةُ مضاعفةً، والبليةُ شاملةً! نسألُ اللهَ العفوَ والعافيةَ لنا ولإخواننا المسلمين.
ثالثًا: الاهتمامُ بالرياضةِ إلى حدِّ الهوَسِ، والمتابعةُ للمبارياتِ بشكلٍ ملفتٍ، وهذه ربَّما ظنَّ البعضُ أنَّها أهونُ المسالكِ وأخفُّ الأضرارِ وليسَ الأمرُ كذلك، وقد طالعْتُ بالأمسِ -في إحدى الصُحفِ المحليةِ- مقالًا جميلًا بعنوان (الكُرةُ أفيونُ الشعوبِ) وابتدأَ صاحبُ المقال مقالّهُ قائلًا: غدًا سيبدأُ كأسُ العالمِ، ويبدأ معه موسمُ الجُنونِ والغفلةِ، (الجنونُ) لأنَّها الحالةُ الوحيدةُ التي تَسْتولي على كافةِ العقولِ، و (الغفلةِ) لأنها الفترةُ الوحيدةُ التي تَنسَى فيها الشعوبُ
من نداءٍ في ذلك اليوم، فكلُّ إنسانٍ يُدْعَى باسمِه للحسابِ والجزاءِ، وأصحابُ الجنةِ يُنادُونَ أصحابَ النار، وأصحابُ النار يُنادُون أصحابَ الجنة، وأهلُ الأعراف ينادون هؤلاءِ وهؤلاء.
إنه يومُ التغابنُ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ (١).
يا عبدَ الله: ما أعظمَ الهولَ حين تكون ﴿الْقَارِعَةِ﴾، وإذا جاءت (الصاخة) و (الطامة الكبرى)، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ و ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾ كم هو مُذهلٌ حين تكون ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ وإنما سُمِّيت بذلك لأن فيها يتحقَّقُ الوعدُ والوعيد (٢).
ألاَ ويحَ نفسٍ كذبتْ وتمادَتْ ثم أُخِذت على حين غِرَّة ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاءَ اللَّهُ﴾ (٣).
إنها نفخةٌ هائلةٌ مدمِّرة يسمعُها المرءُ فلا يستطيعُ أن يوصِيَ بشيء، ولا يَقدِرُ على العودةِ إلى أهلِه وخِلَّانه.
﴿مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٤).
قال ﵊: «كيف أَنعَمُ وقد الْتقمَ صاحبُ القرنِ القرنَ، وحَنَى جبهتَه، وأَصغَى سمعَه، ينتظرُ أن يُؤمَرَ فيَنفُخَ» قال المسلمون: فكيف نقولُ يا رسولَ الله؟ قال: «قولوا: حَسبُنا اللهُ ونِعمَ الوكيلُ، توكَّلْنا على اللهِ ربِّنا» (٥).
стр. 2665
وقال ﵊ واصفًا سرعةَ هلاكِ الناس حين تقومُ الساعةُ: «ولَتقُومَنَّ الساعةُ وقد نَشَرَ الرجلانٍ ثوبَهما بينَهما فلا يَتبايَعانِه ولا يَطْوِيانِه، ولَتقومَنَّ الساعةُ وقد انصرفَ الرجلُ بلبنِ لِقْحتِه فلا يَطعَمُه، ولتقومَنَّ الساعةُ وهو يُلِيطُ حوضَه فلا يسقي فيه، ولتقومنَّ الساعةُ وقد رفَعَ أُكلتَه إلى فيهِ فلا يَطعَمُها» رواه البخاريُّ في كتاب الفتنِ والرِّقاق.
أيها المسلمون: والساعةُ أَدْهى وأمرُّ، والمَشاهِدُ فيها تشِيبُ لها مفارقُ الوِلْدان، وتضعُ الحواملُ حملَها، وترى الناسَ سُكارَى وما هم بسُكارَى ولكنَّ عذابَ اللهِ شديدٌ.
إي وربِّي، وفي لحظةٍ من الزمن ينفرطُ عِقدُ الكون، ويَحِيقُ الدمارُ الشاملُ، وينتهي أمدُ الحياة، وتتغيرُ المَعالِمُ، فالأرضُ تُزلزَلُ وتُدَكّ، والجبال تُسيَّر وتُنسَفُ، والبحارُ تُفجَّرُ وتُسجَّرُ، والسماءُ تتشقَّقُ وتَمُور، والشمسُ تُكَوَّرُ وتذهبُ والقمرُ يُخسَفُ، والنجومُ تنكدِرُ ويذهبُ ضَوؤُها (١).
وفي لحظةٍ أخرى تُبدَّل الأرضُ غيرَ الأرضِ، ويُساقُ الناسُ إلى أرضِ المحشَرِ، روى البخاريُ ومسلمٌ عن سَهْل بن سعدٍ ﵁ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «يُحشَرُ الناسُ يومَ القيامةِ على أرضٍ بيضاءَ عَفْراءَ كقُرْصةِ النَّقِيَّ» قال سهلٌ أو غيرُه: ليس فيها مَعْلَمٌ لأحدٍ (٢).
وفي تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ﴾ (٣). قال ابنُ مسعودٍ ﵁: تُبدَّلُ الأرضُ أرضًا كأنها الفِضَّةُ، لم يُسفَكْ عليها دمٌ