من نداءٍ في ذلك اليوم، فكلُّ إنسانٍ يُدْعَى باسمِه للحسابِ والجزاءِ، وأصحابُ الجنةِ يُنادُونَ أصحابَ النار، وأصحابُ النار يُنادُون أصحابَ الجنة، وأهلُ الأعراف ينادون هؤلاءِ وهؤلاء.
إنه يومُ التغابنُ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ (١).
يا عبدَ الله: ما أعظمَ الهولَ حين تكون ﴿الْقَارِعَةِ﴾، وإذا جاءت (الصاخة) و (الطامة الكبرى)، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ و ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾ كم هو مُذهلٌ حين تكون ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ وإنما سُمِّيت بذلك لأن فيها يتحقَّقُ الوعدُ والوعيد (٢).
ألاَ ويحَ نفسٍ كذبتْ وتمادَتْ ثم أُخِذت على حين غِرَّة ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاءَ اللَّهُ﴾ (٣).
إنها نفخةٌ هائلةٌ مدمِّرة يسمعُها المرءُ فلا يستطيعُ أن يوصِيَ بشيء، ولا يَقدِرُ على العودةِ إلى أهلِه وخِلَّانه.
﴿مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٤).
قال ﵊: «كيف أَنعَمُ وقد الْتقمَ صاحبُ القرنِ القرنَ، وحَنَى جبهتَه، وأَصغَى سمعَه، ينتظرُ أن يُؤمَرَ فيَنفُخَ» قال المسلمون: فكيف نقولُ يا رسولَ الله؟ قال: «قولوا: حَسبُنا اللهُ ونِعمَ الوكيلُ، توكَّلْنا على اللهِ ربِّنا» (٥).
стр. 2665
وقال ﵊ واصفًا سرعةَ هلاكِ الناس حين تقومُ الساعةُ: «ولَتقُومَنَّ الساعةُ وقد نَشَرَ الرجلانٍ ثوبَهما بينَهما فلا يَتبايَعانِه ولا يَطْوِيانِه، ولَتقومَنَّ الساعةُ وقد انصرفَ الرجلُ بلبنِ لِقْحتِه فلا يَطعَمُه، ولتقومَنَّ الساعةُ وهو يُلِيطُ حوضَه فلا يسقي فيه، ولتقومنَّ الساعةُ وقد رفَعَ أُكلتَه إلى فيهِ فلا يَطعَمُها» رواه البخاريُّ في كتاب الفتنِ والرِّقاق.
أيها المسلمون: والساعةُ أَدْهى وأمرُّ، والمَشاهِدُ فيها تشِيبُ لها مفارقُ الوِلْدان، وتضعُ الحواملُ حملَها، وترى الناسَ سُكارَى وما هم بسُكارَى ولكنَّ عذابَ اللهِ شديدٌ.
إي وربِّي، وفي لحظةٍ من الزمن ينفرطُ عِقدُ الكون، ويَحِيقُ الدمارُ الشاملُ، وينتهي أمدُ الحياة، وتتغيرُ المَعالِمُ، فالأرضُ تُزلزَلُ وتُدَكّ، والجبال تُسيَّر وتُنسَفُ، والبحارُ تُفجَّرُ وتُسجَّرُ، والسماءُ تتشقَّقُ وتَمُور، والشمسُ تُكَوَّرُ وتذهبُ والقمرُ يُخسَفُ، والنجومُ تنكدِرُ ويذهبُ ضَوؤُها (١).
وفي لحظةٍ أخرى تُبدَّل الأرضُ غيرَ الأرضِ، ويُساقُ الناسُ إلى أرضِ المحشَرِ، روى البخاريُ ومسلمٌ عن سَهْل بن سعدٍ ﵁ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «يُحشَرُ الناسُ يومَ القيامةِ على أرضٍ بيضاءَ عَفْراءَ كقُرْصةِ النَّقِيَّ» قال سهلٌ أو غيرُه: ليس فيها مَعْلَمٌ لأحدٍ (٢).
وفي تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ﴾ (٣). قال ابنُ مسعودٍ ﵁: تُبدَّلُ الأرضُ أرضًا كأنها الفِضَّةُ، لم يُسفَكْ عليها دمٌ
стр. 2666
حرامٌ، ولم يُعمَلْ عليها خطيئةٌ (١).
يا أخا الإسلام: ومِن هَوْلِ الأرضِ المُبدَّلةِ والبروزِ للهِ الواحدِ القهّار .. إلى هولِ الصراطِ والعبورِ عليه، وفي «صحيح مسلمٍ» عن عائشةَ ﵂ قالت: سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن قولِه ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ﴾ فأين يكونُ الناسُ يا رسول الله؟ فقال: «على الصَّراطِ» (٢).
وعن حالِ الناس حين المرورُ على الصراطِ، روى البيهقيُّ بسندِه عن مسروقٍ عن عبدِ الله قال: يَجمَعُ اللهُ الناسَ يومَ القيامةِ، إلى أن قال: فمنهم من يُعطَى نورُه مثلَ الجبلِ بين يديهِ، ومنهم من يُعطَى نورُه فوقَ ذلك، ومنهم من يُعطَى نورُه فوقَ ذلك، ومنهم من يُعطَى نورُه مثلَ النَّخلة بيمينِه ومنهم من يُعطَى دونَ ذلك بيمينِه، حتى يكونَ آخِرُ من يُعطَى نورُه في إبهامِ قدمِه يُضيءُ مرةً ويَطفَأُ أخرى، إذا أضاء قدَّمَ قدمه، وإذا أطفأَ قامَ، قال: فيمرُّون على الصراطِ، والصراطُ كحدِّ السيفِ دَحْضَ مَزلَّةٍ، ويقال لهم: امضُوا على قَدْرِ نورِكم، فمنهم من يمرُّ كانقضاضِ الكوكب، ومنهم من يمرُّ كالريحِ، ومنهم من يمرُّ كالطَّرْفِ، ومنهم من يمرُّ كشدِّ الرَّحْل يَرمُل رَمْلًا على قدْرِ أعمالِهم، حتى يمرَّ الذي نورُه على إبهامِ قدمِه تخرُّ يدٌ وتَعلَقُ يدٌ، وتخرُّ رِجْلٌ وتَعلَقُ رجلٌ، وتصيبُ جوانبَه النارُ، فيَخلُصون، فإذا خَلَصُوا قالوا: الحمدُ للهِ الذي نجَّانا منكِ بعدَ أن أراناكِ، لقد أعطانا ما لمْ يُعطِ أحدٌ» رواه الحاكمُ وصحَّحه ووافقه الذهبيُّ، وقال الألبانيُّ: في أحدِ رُواتِه ضعفٌ وقد تُوبعَ، فالحديثُ صحيح (٣).
وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «وتُرسَلُ
стр. 2667
الأمانةُ والرحِمُ فتقومانِ على جَنَبَتَيِ الصراطِ يمينًا وشمالًا، فيمرُّ أوَّلُكم كالبرقِ ثم كمَرِّ الريح، ثم كمَرِّ الطيرِ وشدِّ الرِّحالِ، تجري بهم أعمالُهم، ونبيُّكم قائمٌ على الصراطِ يقول: ربِّ سلِّمْ سلِّمْ، حتى تعجزَ أعمالُ العبادِ، حتى يجيءَ الرجلُ فلا يستطيعُ السيرَ إلا زحفًا، قال: وعلى حافَتَي الصراطِ كلاليبُ معلَّقةٌ مأمورةٌ بأخذِ مَن أُمِرَتْ به، فمخدوشٌ ناجٍ، ومكدوسٌ في النار» (١).
يا عبدَ الله، أيُّ نورٍ سيكونُ لك على الصراطِ؟ ساءِلْ نفسَكَ عن درجةِ الإيمانِ واليقينِ وعملِ الصالحاتِ في الدنيا، وستجدُ الخبرَ اليقينَ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢).
وحَذَارِ من النفاقِ والمنافقينَ، فهناك تتعالَى صيحاتُهم ثم لا يُجابُونَ ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٣).
ربَّنا أتمِمْ لنا نورَنا واغفِرْ لنا إنك على كلِّ شيءٍ قديرٌ، أقولُ ما تسمعونَ وأستغفرُ اللهَ.
стр. 2668
الخطبةُ الثانيةُ:
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، يُحيي ويميتُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، بدأَ خلقَ الإنسانِ من طينٍ ثم جعل نسلَه من سُلالةٍ من ماءٍ مَهِين ثم سوَّاهُ ونفخَ فيه من رُوحِه وجعل لكم السمعَ والأبصارَ والأفئدةَ قليلًا ما تشكرون، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه أجابَ وحيَ السماءِ الذي قال: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (١).
اللهمَّ صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائرِ النبيِّين.
عبادَ الله: وهناك في عَرَصاتِ القيامةِ تكون الشفاعةُ العظمى لنبيِّنا ﷺ حين يعتذرُ الأنبياءُ عنها -لهولِ الموقفِ وشدَّتِه- وقد صحَّ في الخبرِ عنه ﷺ : «لكلِّ نبيٍّ دعوةٌ دعاها لأُمتِه، وإني اختبأتُ دعوتي شفاعةً لأُمتي يومَ القيامةِ» متفق عليه (٢).
وكما يُكرَمُ محمدٌ ﷺ بالشفاعةِ في الموقفِ العظيم يُكرمُه اللهُ بإعطائِه حوضًا واسعَ الأرجاءِ، ماؤُه أبيضُ من اللبنِ، وأحلى من العسلِ، وريحُه أطيبُ من المسكِ، وكِيزاُنه كنجومِ السماء، يأتيه الماءُ من نهرِ الكوثرِ، مَن شربَ منه لا يظمأُ بعدَها أبدًا.
روى مسلمٌ في «صحيحه» عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «إنَّ حَوْضي أبعدُ من من (أيْلَةَ) مِن (عَدَنٍ) و (أيلةُ) مدينةُ العقبةِ في الأردنِّ، وعَدَنٌ
стр. 2669
في اليمنِ -كما هو معروف.
وعند البخاريِّ: «حَوضِي مسيرةُ شهرٍ، وزواياهُ سواءٌ».
«لهوَ أشدُّ بياضًا من الثلجِ وأحلى من العسلِ باللبنِ، ولآنيتُه أكثرُ من عددِ النجومِ، وإني لأَصُدُّ الناسَ عنه كما يصدُّ الرجلُ إبلَ الناسِ عن حوضِه» قالوا: يا رسولَ الله، أتعرفُنا يومئذٍ؟ قال: «نعمْ، لكم سيمَا ليستْ لأحدٍ من الأممِ، تَرِدُونَ عليَّ غُرًّا مُحجَّلين من أثرِ الوضوءِ».
أيها المسلمُ يا عبدَ الله: بشراكَ حين تَرِدُ الحوضَ مع الوارِدِين، وإياكَ أن تُصَدَّ بسوءِ عملِك، فقد روى البخاريُّ ومسلمٌ عن أنسِ بن مالكٍ ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «ليَرِدَنَّ على الحوضِ رجالٌ من أُمَّتي حتى إذا رأيُتهم ورُفِعوا إليّ اختُلِجُوا دوني، فأقولُ: أصحابي أصحابي، فيقالُ لي: إنكَ لا تدر ما أَحدَثُوا بعدَك» .. وفي روايةٍ: «فأقولُ: سُحْقًا لمن بدَّلَ بعدي» (١).
وبُشراكَ -يا أخا الإسلام- حيث تَعبُرُ الصراطَ آمنًا، وتَنجُو من جهنمَ سالمًا واللهُ يقولُ: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ إنها التقوى، والتقوى وحدَها سببٌ للنجاةِ من النار ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (٢).
ما موقفُك عند هذه الآيةِ؟ وما مشاعرُك تجاهَ هذا المشهدِ يومَ القيامة؟ لقد غيَّرتْ هذه الآيةُ أحوالَ الصالحين، فأسهرَت ليلَهم، وعكّرتْ عليهم صَفْوَ عيشِهم، فقد ذُكِر أن أبا ميسرةَ كان إذا أَوى إلى فراشه قال: يا ليتَ أُمي لم تلدْني، ثم يبكي فقيلَ له: ما يُبكيكَ يا أبا ميسرةَ؟ فقال: أُخبِرْنا أنّا وارِدُوها ولم نُخبَرْ أنا صادرونَ عنها.
стр. 2670
وقال عبدُ الله بنُ المبارَكِ عن الحسن البصريِّ -رحمهما اللهُ-: قال رجلٌ لأخيه: هل أَتاكَ أنك واردٌ النار؟ قال: نعم، قال: أتاك أنك صادرٌ عنها؟ قال: لا، قال: ففيمَ الضحك؟ قال: ما رُئِيَ ضاحكًا حتى لَحِقَ بالله (١).
أين نحنُ من قومٍ صَحِبُوا رسولَ الله ﷺ ، وجاهدوا في سبيل الله، ثم هم يخافونَ سوءَ الحساب، فقد ذُكِرَ أن عبدَ الله بنَ رَوَاحةَ ﵁ وضعَ رأسَه على حِجر امرأتِه فبكى، فبكتِ امرأتُه، قال لها: ما يُبكيكِ؟ قالت: رأَيتُكَ تبكي فبكيتُ، قال: إني ذكرتُ قولَ الله : ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ فلا أدري أَنجُو منها أم لا (٢).
يا عبدَ الله، أين اليقينُ بلقاءِ الله؟ وأين شواهدُ اليقينِ من الخوفِ والرجاءِ والصدقِ والإخلاص، والرغبةِ في الآخرةِ والزهدِ في الدنيا، أو على الأقلِّ في الاكتفاءِ منها بالحلالِ دونَ الحرام -إنَّ الحساب عسيرٌ، ومن نُوقِشَ الحسابَ عُذِّب، والميزانُ عدلٌ -ولا يظلِمُ ربُّكَ أحدًا- والموقفُ رهيبٌ، والشهودُ منكَ عليك .. فلا مَحيصَ ولا إنكارَ، أخرج مسلمٌ وغيرُه من حديث أبي سعيدٍ وأبي هريرةَ ﵄ قالا: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «يلقى العبدُ ربَّه، فيقول اللهُ: ألم أكرِمْكَ وأُسوِّدْكَ وأزوجْكَ؟ وأسخِّرْ لك الخيلَ والإبلَ، وأَذَرْكَ ترأَسُ وترَبَعُ؟ فيقول: بلى أيْ ربِّ، فيقولُ: أظننتَ أنكَ مُلاقِيَّ؟ فيقول: لا، فيقال: إني أنساكَ كما نَسِيتَني، ثم يلقى الثانيَ فيقولُ له مثلَ ذلك، ثم يلقى الثالثَ فيقولُ له مثلَ ذلك، فيقول: آمنتُ بكَ وبكتابِكَ وبرسولِكَ وصلَّيتُ وصمتُ وتصدقتُ، ويُثْنِي بخيرٍ ما استطاعَ، فيقولُ: ألا نبعثُ شاهدَنا عليك؟ فيفكِّرُ في نفسِه مَن الذي يشهدُ عليَّ، فيُختَمُ على فيهِ، ويقال لفخذِه: انطِقي، فتنطقُ فخذُه وفمُه
стр. 2671
وعظامُه بعملِه ما كان، وذلك ليُعذَرَ من نفسِه، وذلك المنافقُ الذي يُسخَطُ عليه» (١).
يا عبدَ الله: هل حضَّرت لهذا السؤالِ جوابًا؟ يا غافلًا عن هذه المقاماتِ تذكَّرْ، جاهِدْ نفسَك على عملِ الصالحات، كيف حالُكَ والصلاةَ؟ وهي أولُ ما يُحاسَبُ عنه العبدُ يومَ القيامة؟ وكيف أنتَ والزكاةَ؟ بل وعنِ المالِ كلِّه من أين تجمَعُه وكيف تُنفِقُه، كيف علاقتُكَ بربِّكَ خاصةً وبالخلقِ عامةً، وما من مَظلِمةٍ إلا وسيَرِدُ عليكَ أصحابُها في يومٍ أنت أحوجُ فيه إلى مِثْقالِ ذَرّةٍ من الحسنات، وما بك حاجةٌ إلى شيءٍ من السيئات؟ هل أنت من أهلِ القرآنِ تلاوةً وعملًا؟ أم أنتَ في عِدادِ من اتخذَ القرآنَ مهجورًا؟ وكيف حالُ لسانِك مع ذِكْرِ الله؟ وهو مما يُثقِّلُ الميزانَ «كلمتانِ خفيفتانِ على اللسانِ ثقيلتانِ في الميزان، حبيبتانِ إلى الرحمن: سبحانَ اللهِ وبحمدِه، سبحانَ الله العظيمِ».
ما جهودُك في الدعوةِ إلى دينِ الله ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (٢).
وماذا تصرفُ من وقتِكَ لطلبِ العلمِ النافعِ «ومَن سلكَ طريقًا يلتمسُ فيه عِلمًا سهَّلَ الله له به طريقًا إلى الجنة»، كيف إحسانُك إلى الفقراءِ، «والصدقةُ تُطفِئُ الخطيئةَ كما يطفئُ الماءُ النارَ»، وكيف أنت وصِلةُ الأرحام «والرحِمُ على جَنَباتِ الصراطِ والرحمنُ يقول: مَن وَصَلَها وصلْتُه، ومن قطعَها قطعْتُه»، وأين أنتَ من حُسْن التعامل مع الجيرانِ وحُسْن الخُلُقِ مع عمومِ خَلْقِ الله، وصاحبُ الخلقِ الحَسَنِ يبلغ درجةَ الصائمِ القائمِ -إلى غير ذلك من أعمالٍ صالحةٍ تُدلِّلُ على
стр. 2672
ترقُّبِكَ ليومِ الحساب، ومع ذلك كلِّه فلا تغترَّ بعملٍ عملتَه، وأسألْ ربَّكَ القَبُولَ والمغفرةَ والثباتَ على الحقِّ إلى أن تلقاه .. وليكن شعارُك في هذه الحياةِ ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (١).
أيها الناسُ: إن نفرًا من المسلمين شَغَلتهُم الحياةُ الدنيا ببهجتِها وزُخرفِها وغرورها عن مَشاهدِ القيامة، وفَرِحوا بالحياة الدنيا وما الحياةُ الدنيا إلا متاعُ الغُرور .. لم يتَّعِظوا بصَرْعاها وفي كلِّ يومٍ لها صريعٌ، ولم يأخذوا العبرةَ من غيرِهم بل كانوا لغيرِهم عبرةً.
ما أَحوجَنا إلى صيحةِ صادقٍ كالذي قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ (٢).
وما أحوجَنا إلى واعظٍ كالذي قال لأبي ذرٍّ ﵁: يا أبا ذرٍّ أكثِرْ من الزادِ فالسفرُ طويلٌ، وخفِّفِ الظهرَ فالعقبةُ كَؤُودٌ، وأصلِح العملَ فالناقدُ بصيرٌ.
وما أَحوجَنا إلى ذِكْرى أُويس القَرْني -سيد التابعين- لعمرَ وعليٍّ وهما من ساداتِ المؤمنين وقد قال أويسٌ: إن بيني وبينَكما عَقَبةً كؤودًا لا يتجاوزُها إلا مُخِفّ.
اللهمَّ خفِّفْ أوزارنَا .. وثقِّلْ في عَرَصاتِ القيامة موازينَنا، وارحمْ يومَ العرضِ عليك مقامَنا.
стр. 2673
الدين والتدين عشر معالم (١)
الخطبةُ الأولى:
الحمدُ لله ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (٢)، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له الدينُ واصبًا (أي الطاعةُ دائمًا) وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه بَعَثَه اللهُ بالإسلام دِينًا خاتمًا وحقًا، ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣).
اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ عليه وعلى سائرِ النبيِّينَ والمرسلين، وارضَ اللهمَّ عن الصحابةِ أجمعين والتابعين ومن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٤).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (٥).
أيها الناسُ: الدينُ والتدينُ فِطرةٌ ربانيةٌ، وحاجةٌ ملحَّةٌ، ومطلبٌ ينتهي بالمرءِ إلى السعادةِ أو الشِّقْوة (٦)، ومَن أبصرَ واقعَ الشعوبِ اليومَ وغدًا، وبالأمسِ وفي
стр. 2674
غابرِ الزمن، رأى أنه ما من مجتمعٍ أو أُمةٍ إلا ولها دينٌ ومعتقَد، ولكنَّ هذا الدين قد يكون حقًا فيُفلِحُ معتنِقُوه في الدنيا ويَسعَدُون في الآخرةِ، وقد يكون الدينُ باطلًا فيورِّث أتباعَه الشقاءَ في الدنيا والعذابَ والخزيَ في الآخرة.
إن المتأمِّلَ في حديثِ القرآنِ عن الدين يجِدُ إشارةً لهذا وذاك، ويجدُ توجيهًا ربانيًا بالتزامِ الدين الحقِّ، وتأكيدًا على الإسلامِ على أنه الدينُ الذي أراده اللهُ ونَسَخَ به الأديانَ كلَّها.
تأمَّلوا في عددٍ من آياتِ القرآن في وصفِ الدين الذي يريدُه اللهُ، فاللهُ يقول: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (١)، ويقول: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾ (٢)، ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣)، ويقول: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ﴾ (٤)، ويقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ﴾ (٥).
وفي الجانبِ الآخر -وعن الأديانِ الباطلةِ- يقول تعالى:
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ (٦)، ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ (٧)، ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ (٨)، ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٩).
стр. 2675
أيها المسلمون: إننا بإزاءِ هذه الآياتِ القرآنيةِ، أو سواها من آياتٍ وأحاديثَ نبويةٍ، نقفُ على عِدَّة (معالمَ) حول الدِّينِ والتديُّن.
المَعْلَم الأول: حاجةُ الإنسانِ إلى الدين، فلا اليهوديُّ ولا النصرانيُّ، ولا الوَثَنيُّ، ولا البُوذيُّ، ولا المجوسيُّ، ولا الصابئيُّ ولا سواهم -ممن أضلَّهم الله- يعيشُ بلا دينٍ .. ولكنَّ فضلَ الله في الهدايةِ والتوفيقِ يُؤْتيه من يشاءُ، وعلى من وفَّقه اللهُ للدينِ الحقِّ أن يشكرَ اللهَ على هذه النعمةِ التي سُلِبَها وضلَّ عنها أممٌ وشعوبٌ كثيرة، قال اللهُ عنهم: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١).
وقال: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).
إنَّ الإسلامَ والإيمان مِنَّةٌ ربانيةٌ، وعلى المسلمين أن يَشكُروا ربَّهم عليها، وأن يعترفوا له بالفضلِ سبحانه إذْ هداهم إليه.
﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لاَّ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٣).
﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ (٤).
﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ (٥).
المعلم الثاني: ومِن عجبٍ أَن ترى أو تسمعَ عن حماسِ أصحاب الدياناتِ
стр. 2676
الباطلة، والمِلَلِ المنحرفةِ، لأديانِهم ومِلَلِهم إلى حدِّ الغلوِّ في الدين والرهبانيةِ المبتدَعَة، بل يبلغُ الحماسُ إلى التواصي بالصبرِ على هذه الآلهةِ وإن كانتْ فاسدةً؟
أجلْ، إنَّ من يقرأُ ما قصَّهُ اللهُ في كتابِه من أخبار الأُمم الماضيةِ يجدُ غُلوًّا عندَ أهلِ الكتاب قال اللهُ عنه: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ (١)، وقال عنها: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ (٢).
ويجدُ حماسًا وصبرًا عند المشركين على آلهتِهم الباطلةِ: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ (٣).
﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلالًا﴾ (٤).
فهل يَسُوغُ أن يتحمَّسَ أصحابُ الباطلِ لأديانِهم ومعتقَداتِهم ويتراخى ويَضعُفَ أصحابُ الدين الحقِّ عن الصدقِ والحماسِ لدينِهم؟
المَعلَمُ الثالث: بل يجدُ المُطالعُ لآياتِ القرآنِ وأخبارِ الأمم السالفةِ واللاحقةِ محاوَلةً من أهلِ الباطل لتشويهِ الدِّين الحقِّ، ورَمْيِ المؤمنين بالباطل واتهامِهم بالفسادِ، بل ومحاولةِ قتلِهم والتخلُّص منهم.
لفد حفِظَ القرآنُ مقولةَ فرعونَ الآثمةِ الكاذبةِ ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى
стр. 2677
وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ (١).
وفي قصةِ إبراهيمَ ﵇ مع قومِه: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾ (٢)، وقوم لوطٍ قالوا لِلُوطٍ ﵇: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (٣).
أما ثمودُ فكان جزاءُ صالحٍ ﵇ حين دعاهم إلى عبوديةِ الله وحدَه أن يُقسم الرهطُ المفسِدون ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٤٩) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٤).
ولا يزالُ المفسِدونَ من اليهودِ والنصارى والمشركين يتربَّصونَ بالمسلمين الدوائرَ يقتلون ويُحاصرون ويَسخَرون ويتَّهمون ﴿وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ﴾ (٥). ولا تزالُ التهمُ تُكال جُزَافًا للإسلام والمسلمين بالتطرُّفِ والإرهابِ ونحوها.
المَعْلَم الرابعُ: وهل تعلمونَ أن هؤلاءِ الكفَّارَ -قديمًا وحديثًا- الذين يتهمون المسلمين بالتطرُّف هم المتطرُّفون، لقد قال فرعونُ -مرة أخرى- لقومه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (٦) وهذه قِمَّةُ التطرفِ والانحراف.
وفي المقابل استهجنَ موسى ﵇ وازدَرَاهُ قائلا: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ (٧).
стр. 2678
وقريشٌ الوثنيّةُ كانت في وجهِها الآخَرِ متطرِّفةً في الدين حين ألزمتْ نفسَها بتشريعاتٍ لم يأْذنْ بها اللهُ، وخصَّت نفسَها بخصائصَ وابتدعت (الحُمْسَ) وما أدراك ما الحُمْسُ؟
قال أهل اللغة: الحُمْس: قريشٌ؛ لأنهم كان يتحمَّسونَ في دينِهم، أي: يتشدَّدون (١).
وروى ابنُ سعدٍ في الطبقات: «التحمُّس أشياءُ أحدثُوها في دينِهم، تحمَّسوا فيها، أي: شدَّدوا على أنفسِهم فيها» (٢).
ومن الجاهلياتِ الأولى إلى الجاهلياتِ المعاصرةِ حيث لا يكتفي أهلُها بالتُّهم الباطلةِ بل يمارِسونَ القتلَ والحصارَ بكلِّ أشكالِه الماديةِ والمعنويةِ، وتجتمعُ وتتحالفُ قُوى الكفرِ كلُّها -اليومَ من يهودَ ونصارى وشيوعيين وهندوسٍ ووثنيين على حربِ المسلمين وإبادتِهم، ويَمكُرون ويمكرُ الله.
ولم يكن تطرُّفُ قريشٍ في الحجِّ وحدَه، بل إن تسييبَ السوائب، وهي ما يُسيِّبونَه من الأنعامِ لآلهتِهم إن شُفِيَ لهم مريضٌ أو قُضِيتْ لهم حاجةٌ، وجَعْلَ (البحَيرة) و (الوَصيلة) و (الحامِ) من معتقَداتٍ لم يأذنْ بها الله تطرُّفٌ قرشيٌّ أنكره القرآنُ ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ (٣).
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ (٤).
стр. 2679
ومن تطرُّفِ قريشٍ وافترائِها على الله ما قَصَّه الله عليهم في سورة الأنعام: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا﴾ إلى قوله: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.
﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نَّشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾ (١).
روى البخاريُّ ومسلمٌ رحمهما الله -في صحيحيهما- عن عائشةَ ﵂ قالت: كانت قريشٌ في الجاهليةِ ومن دانَ بدينِها يَقِفُونَ بالمزدلِفَةِ عند المَشعَرِ الحرام، وكان سائرُ العربِ يقفونَ بعرفاتٍ» (٢).
والمعنى أن قريشًا خصَّتْ نفسَها وميَّزتْها بالوقوفِ -في الحجِّ- في مزدلِفةَ دونَ سائرِ العربِ التي كانت تُفِيضُ من عرفاتٍ -يعني من الحِلِّ- وهي تمارسُ هذا التطرُّفَ الدينيَّ كانت تعلمُ أن الوقوفَ بعرفةَ من مشاعرِ الحجِّ التي مضى عليها إبراهيمُ ﵇، ولكن قريشًا تريدُ أن تُميِّزَ نفسَها عن الآخرين، ولم تكن هذه هي وحدَها أفكارَ قريشٍ في التطرُّف والتشريع بما لم يأذنْ به اللهُ، فقد كان من آرائِهم البِدْعيةِ الحُمْسيةِ أنهم حرَّموا على أنفسِهم في حالِ إحرامِهم: ألا يأْتطِقُونَ الأقِطَ -أي: لا يصنعونه وهم مُحرِمون-، ولا يَسْلُون السمنَ -أي: يذيبونه- ولا يأكلونه وهم مُحرِمون، ولا يأكلون اللحمَ أو شيئًا من نباتِ الحَرَم وهم مُحرِمون .. في جملةٍ من المحرَّماتِ ابتدعوها وأَلزمُوا بها أنفسَهم ومن وافقَهم،
стр. 2680
ما أنزلَ اللهُ بها من سلطانٍ وكانوا لا يَطُوفون بالبيتِ إلا وعليهم ثيابُهم، وألزموا غيرَهم من أهل الحِلِّ ألا يطوفوا بالبيتِ إذا قَدِموا -أولَ طوافِهم- إلا في ثيابِ الحُمْس، ومن لا يجدُها شِراءً أو إعارةً، فعليه أن يطوفَ بالبيتِ عُرْيانٌ- واستمرَّتْ هذه العوائدُ الجاهليةُ المتطرِّفةُ حتى أعلَنَ منادي رسولِ الله ﷺ : ألَّا يحجَّ العامَ مشرِكٌ ولا يطوفَ بالبيتِ عُرْيانٌ، وأبطلَ اللهُ عوائدَ قريشٍ وما ابتدعتْه في الحج حين نزلَ القرآن: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١).
стр. 2681
الخطبةُ الثانيةُ:
الحمدُ لله ربِّ العالمينَ، شَرَعَ لنا أكملَ الدِّينِ، وخصَّنا ببعثةِ خاتمِ المرسَلين، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، لا يُعبَدُ إلا بما شَرَعَ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، قال وهو الصادقُ المصدوق: «مَن عَمِلَ عملًا ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ» صلى اللهُ وسلَّمَ عليه وعلى سائرِ الأنبياء والمرسلين.
إخوةَ الإسلام.
المَعْلَم الخامسُ: وإذا تفاخرتِ الأُممُ بأديانِها وتشبَّثت الشعوبُ بمعبوداتِها -من دونِ الله- فحُقَّ للأُمةِ الإسلامية أن تفَخَرَ بدينِها الحقِّ، وأن تتمسَّك بعبادتِها الصحيحة، وتَثبُتَ على هَدْي السماء، شعارُها: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (١).
ودليلُها ومُؤنِسُها قولُه تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ (٢).
المَعلُم السادس: ولا ينبغي للأُمةِ المسلمة وللفَرْدِ المسلم أن يصدَّه عن اتِّباعِ
стр. 2682
الدِّين الحقِّ والدعوةِ إليه ما يَجِدُه من هَجَماتِ الأعداء ومَكْرِهِم، فتلك هجماتٌ وفتنٌ قديمةٌ تتجدَّد، ووعدُ اللهِ حقٌّ ﴿وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (١)، ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ (٢).
المَعلَم السابع: وثمةَ مصطلحاتٌ خادعةٌ وأفكارٌ مرفوضةٌ تُطلَقُ بين الفَيْنة والأخرى باسمِ (وَحْدةِ الأديان) أو (التقريبِ بين الأديان) أو نحوها من مصطلحاتٍ وآراءٍ تُلبِسُ الحقَّ بالباطل، وتَنْأى عن منهجِ القرآن في محاورةِ أَهلِ الكتاب على أساسِ قولهِ تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٣)، هذا حكمُ القرآن ومَن أحسنُ من الله حُكمًا لقومٍ يُوقِنون، أما الواقعُ التاريخيُّ فقد اتَّسمَ تاريخُ العَلاقاتِ بين المسلمين وأهلِ الكتاب بالعَداءِ والجهادِ المستمرِّ، وكان فتحًا مُبِينًا في القرونِ الفاضلة الأولى، وسِجالًا في العصورِ الوسيطة، وانحسارًا في العصورِ الحديثة، وكان النصرُ والتمكينُ متناسبًا تناسبًا طرديًّا مع التزامِ المسلمين بدينِهم وأَخْذِهم بأسبابِ القوة المعنويّةِ والماديةِ عبرَ مراحلَ تاريخيةٍ متمايزةٍ، دون أن تشهدَ على الإطلاق أيَّ لونٍ من (الوِفاق الدِّيني) أو (التقاربِ العَقَدي) وستظلُّ هذه السِّمَةُ باقيةً وملازمةً للطائفةِ المنصورةِ حتى قيامِ الساعة، لا يضرُّهم من خَذَلَهم ولا من خالفهم -كما قال رسولُ الهدى (٤).
стр. 2683
المَعلَم الثامن: إنَّ هذه الأفكارَ المرفوضةَ في الدعوةِ (لتوحيد الأديانِ) أو (تقارِبها) لا تُلغِي أهميةَ الحوارِ بين المسلمين وأتباعِ الأديانِ الأُخرى من قِبَلِ علماءَ متخصِّصين راسخين في العلمِ والدين، ويجيدون لغةَ الحوار مع الآخرين مع الشعورِ بعزَّةِ الإسلام، وذلك لدعوةِ الآخرين للحقِّ، والبلاغِ المبين، وتوضيحِ الإسلام بصورتِه الساطعة، وكشفِ الباطلِ والوصولِ بالإسلام إلى شعوبٍ طالما حُجِبَت عن نوره الوضَّاءِ، وذلك باستخدامِ وسائلِ الإعلام بمختلفِ قَنَواتِها، والتقنياتِ الحديثة ووسائِلها المختلفةِ .. فتلك من واجباتِ المسلمين في الدعوةِ والبلاغ.
المَعلَم التاسع: ويبقى بعدَ ذلك التديُّنُ بالإسلامِ الحقِّ أمانٌ من الفتنِ بإذنِ الله، وطريقٌ للسعادةِ في الدنيا والنعيمِ المقيمِ في الآخرة ..
إنه -أعني التديُّنَ المشروعَ- طريقُ الجنة ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ (١).
وهو السبيلُ لمحبةِ الناسِ وتقديرِهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (٢).
وبه يحصلُ الأمنُ في الأوطان ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (٣).
ويتوفَّرُ رَغَدُ العيشِ ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ (٤)، بل إنَ بَنِي الإنسانِ كلَّهم خاسرون إذا لم يتديَّنوا ويعملوا
стр. 2684
وَفْقَ ما شَرَعَ الله ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (١)، يطمئنُّ الناسُ لأهلِ الدين، ويَثِقُون بالمتديِّنين، ويَغبِطون الملتزمين، فماذا يمنعُك أخا الإسلام أن تكون في طليعةِ المتديّنين الصادقين؟
المَعلَم العاشر: ولا يَسُوغُ بحالٍ أن يتديَّنَ اليهوديُّ وهو يستمدُّ ديانتَه من (توراة عزِرا) و (تُلموذِ الحاخامات)، ويتديَّنُ النصرانيُّ وهو يستندُ في ديانتِه إلى (الإنجيل المحرَّفة) و (رسائل بولس) وهي خليطٌ من التثليثِ وتأليهِ المسيح وسائرِ البِدَعِ العَقَديَّةِ، ويتديَّن الشيوعيُّ وعقيدتُه تقومُ على الإلحادِ وإنكارِ خالقِ الوجود، ويتديَّنُ الهنادكةُ وهم يعبدونَ البقرَ، ويتديَّنُ غيرُهم وهم يعبدون الشياطينَ أو يعبدون الفروجَ أو نحوَها من ضلالاتٍ ما كان للعقلِ البشريِّ أن ينحطَّ إليها في عصرِ العلمِ والمعرفةِ، ثم لا يَسُوغُ بحالٍ أن تَرُوجَ هذه الدياناتُ الباطلةُ ويتوارى المسلمُ بديانتِه الحقَّة أو يَضعُفُ في الالتزامِ بديِنه، أو يقعدُ عن الدعوةِ وإنقاذِ الحَرْقَى والغرقَى والجُذامَى ومَن بِهِم صرعٌ أو جنون، لقد أظلمَ الكونُ بمعبوداتٍ ضالَّةٍ، فهل يُنقِذُ المسلمون أنفسَهم أولًا من الضعفِ والوهنِ - ثم ينتقلوا لإنقاذِ الآخرين .. ؟
стр. 2685
شعاع من المحراب
الجزء العاشر
إعداد
د. سليمان بن حمد العودة
стр. 2686
الأخوَّة الإسلامية (١)
الخطبةُ الأولى:
إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالنا، من يهدِ اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله.
اللهم صلِّ وسلِّمْ عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهمَّ عن الصحابة أجمعين والتابعين وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وسلِّم تسليمًا كثيرًا.
أيها المسلمون: مظهرٌ عظيمٌ من مظاهرِ قوتِنا، وسِمةٌ جليلةٌ من سماتِ وحدتِنا، وتعبيرٌ صادقٌ لتكافُلِنَا ومودَّتِنَا .. لا يتوفرُ مثلُها عندَ غيرِنا منَ الأمم، ولم تحفلْ بها الشرائعُ والأديان كما احتفل بها الإسلامُ .. إنها الأُخوَّةُ الإسلاميةُ، نزلَ تشريعُها منْ فوقِ سبعِ سماوات ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٢)، وتمثَّلها المسلمونَ واقعًا علميًا، بل ضربوا بها أروعَ الأمثلةِ محبةً وإيثارًا حتى خلّدَ القرآنُ ذكرَهم، وأثنى على صنيعِهم، قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (٣).
كَمْ للأخوّةِ منْ فضائلَ ومزايا حَرِيةّ أن نعيَها ونعملَ بها، وكمْ لها منْ مقاصدَ نبيلةٍ وآدابٍ راقيةٍ، وحقوقٍ مشروعةٍ، وكم لها من مفاسدَ وآفاتٍ .. وحَريٌ بنا أن نعلم هذا أو ذاك، فهي موثقةٌ لعُرى الإيمان «أوثقُ عُرَى الإيمانِ الحبُّ في اللهِ والبغضُ في الله».
стр. 2687
وهيَ منْ كمالِ الإيمانِ قالَ ﷺ : «من أحبَّ للهِ وأبغضَ للهِ، وأعطى للهِ ومنعَ للهِ فقد استكملَ الإيمانَ» (١).
بالأخوةِ تُستجلبُ محبةُ الله «وجَبَتْ محبَّتي للمتحابين فيَّ والمتجالسينَ فيَّ والمتزاورينَ فيَّ» حديث قدسي (٢)، وبالأخوة يُظلُّ المتآخونَ المتحابونَ تحت ظلِّ إلا ظلُّه، فأحدُ السبعةِ منْ هؤلاء، رجلانِ تحابَّا في اللهِ، اجتمعا عليهِ وتفرَّقا عليه.
وبهذهِ الأخوَّةِ ولوازمِها تُحَتُّ الخطايا وتُغفرُ الذنوبُ؛ قالَ ﷺ : «ما مِنْ مسلِمَيْن يلتقِيانِ فيتصافَحان إلا غَفَرَ اللهُ لهما قبلَ أنْ يَفْتَرْقا» (٣)
والأخوَّةُ- لمنْ وُفِّقَ لأداءِ حقوقِها- طريقٌ إلى الجنَّة، ففي الحديث الصحيح: «من عاد مريضًا أو زار أخًا له في الله ناداه منادٍ: أن طبتَ وطاب مَمْشاك وتَبوَّأتَ من الجنةِ منزلًا» (٤)
معاشرَ المسلمين: كمْ نُفرِّط في هذه المعاني واللوازم للأخوَّة، وفضلُها وآثارُها كما علِمْتم! وكَمْ نحن سعداء بهذه الأخوِّة، في الدنيا والآخرة! فهل نَسْتشعِرها، هلْ نُدْرك مقاصِدها؟
إنَّ منْ مقاصدِ الأخوَّة الإسلاميةِ التعاونَ على الإيمانِ والبرِّ والتقوى والتواصي بالحق والصّبر، وإذا خَسِرَ بنو الإنسانِ، فأُولئكَ هُم الفائزوِن.
وثَمَّةَ مقصدٌ آخرُ للإخوة، ألا وهو الاستعانةُ بالأخوَّةِ على نوائب الدّهر
стр. 2688
وحاجاتِ الزمَان، وأوقات الشدائد، ومنْ مأثورِ قولِ العارفين: «إنَّا نَحْتاج إلى إخوانِ العُشرةِ لوقتِ العُسْرة» (١).
فهل نُثمِّنُ هذه المقاعد للأخوة، ويكونُ الأخُ إنما صادقًا في زمنِ الرخاء والشِّدة، ناصِحًا ومشيرًا، وفازِعًا ومُنقِذًا؟ وإذا كانَ إخوانُ الرَّخاءِ كَثْرةً، فهُمْ أقلُّ في زمنِ الشدائد.
على أنَّ مقاصدَ الأخوَّة تتجاوزُ الفردَ إلى الجماعةِ، بلْ وتصلُ إلى الأمةِ المسلِمَة بأسرِها، وتلكَ التي عبرَّ عنها الرسولُ ﷺ بقوله: «مثلُ المؤمنينَ في توادِّهم وتراحُمِهم وتعاطُفهِم، كَمَثل الجسدِ الواحدِ إذا اشتَكى منه عُضْوٌ تَدَاعى له سائرُ الجسَدِ بالسَّهرِ والحُمَّى» رواه البخاري.
إنَّ هذا المقصدَ للأخوةِ مظهرٌ منْ مظاهرِ قوَّتِنا وترابُطِنا وتعاونِنا.
معشرَ المسلمين: وتلكَ إذا حقَّقْناها مُغيظةٌ لأعدائِنا مرهْبةٌ لِقُوى الكفرِ المتربِّصين بنا .. إنَّ المسلمَ حينَ ينصرُ أخاه المسلمَ، ويشعرُ بآلامه يُقوّي أخاهُ ويُضعفُ منْ هَيْبِة أعدائه، ويستجيب لدعوةِ نبيهِ ﷺ : «انصُرْ أخاكَ ظالِمًا أو مظلومًا».
أيها الأخوةُ المؤمنون: وحينَ نعلَمُ فضائل الأخوةِ وشيئًا منْ مقاصِدِها لا بدَّ أنْ نعلمَ شيئًا من حقوقِ الأخوَّةِ، ولا بدَّ أنْ نعلمَ شيئًا من حقوقِ الأخوَّةِ، ولا بدَّ أَنْ نُساءِل أنفُسنا: هلْ قُمنا بها أو بمُعْظَمِها، أم فرَّطْنا فيها أو بمعظمها؟
إنَّ منْ حقوقِ الأخوّةِ إفشاءَ السلام .. وكَمْ لإفشاءِ السلامِ مِنْ أثرٍ في مجتمعِ المسلمين؛ عنْ عبدِ الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «اعبُدوا الرحمن، وأطعِموا الطعامَ، وأفشوا السلامَ، تدخلوا الجنانَ» (٢).
стр. 2689
إن خير المتهاجرين من بدأ صاحبه بالسلام وأبخل الناس من يبخل بالسلام (١).
ومِنْ حقوقِ الأخوّة: عيادة المريض- وليس يَخْفى ما فيها من الأَجرِ والمغنم، فَضْلًا عن إيناسِ المريضِ والتسْرِية عنه.
واتباعُ جنازة المسلم حقٌ من حقوقهِ، وكذا تشميتُهُ إذا عَطَسَ وحَمَدَ اللهَ. ونصرة المظلوم، وإجابةُ الدعوةِ، وبذلُ النصيحةِ له، وقبولُها منه .. كلُ ذلك من حقوقِ الأخوَّة الإسلاميةِ.
إنها حقوقٌ تُشيعُ المحبةَ وتنشرُ التكافلَ، وتُعَمِّمُ الخيرَ، وتوسِّعُ دائرةَ النُّصْحِ، تُسرِّي وترفعُ الضَّيْمَ .. وما أروعَ خُلُقَ المسلمِ وهو يشاركُ أخاه في أفراحِهِ ومسرَّاتِهِ، ويشاركُهُ في أَتْراحِهِ ويخفِّفُ مِنْ آلامِهِ وأَحْزانِهِ ..
نَعَم، إنَّ دينًا يَجْزي على الابتِسامةِ في وجهِ المسلمِ ويعتبرُها صدقةً من الصدقاتِ لَدِينٌ عظيم، فكيفَ إذا فرّجَ عنهُ كربةً أو شاركَهُ في نازِلةٍ، أو نَصَرهُ في مَظْلَمةٍ ظُلِمَها؟ !
يا أخا الإسلام، لا تَحقِرنَّ مِنَ المعروف شيئًا، ولا تَقْصُرْه على القريب- وإنْ كانَ أَوْلى- ولا على الحبيبِ- وإنْ كانتِ النفسُ تميلُ إليهِ ميلًا- ولكنِ احرصْ على نشرِ الخيرِ والإحسانِ جَهدَك، ومَنْ لَمْ تستَطِعْ أن تُقدِّمَ له عَوْنًا بمالِكَ فبِجاهِك، أو بِحُسنِ خطابكَ ولطفِ استقبالِكَ ولا تَنْسَ الدعاءَ لإخوانِكَ المسلمين فهوَ لا يكلِّفُك شيئًا، بل يُجيبُك مَلَكٌ: ولَكَ بِمِثْلِ ما دَعوتَ به، فلا تحرِمْ نفسَك وإخوانَكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ، واقصِدْ من وراءِ ذلكَ كلِّه وجْهَ اللهِ!
أيها المسلموِن: وهناكَ آدابٌ للأخوّة لا بدَّ كذلكَ مِنْ مُراعاتِها فاعْلَمْها واحرصْ على التأَدُّبِ بها، ومِنْ هذه الآداب:
стр. 2690
الحرصُ على أدب الحديثِ؛ وذلكَ بجميلِ العبارةِ، فاللهُ يقول: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١).
والاستماعُ بأدبِ الحديث دونَ مقاطعةٍ أو تسفيهٍ أو ازدِراء.
ومِنْ آدابِ الأخوةِ الصفحُ عنِ العثرةِ والتجاوزُ عن الزَّلَّةِ، فَمَنْ حاسَب إخوانَه عندَ كلَّ زلَّةِ أمسى وأصبحَ ولا إخوان له، فكلُّ ابن آدم خطَّاءٌ، ومَنْ ذا الذي تُرْضى سَجَاياه كلها- كفى المرءَ نُبْلًا أن تُعدَّ معايبهُ، ومنْ آدابِ الأخوّةِ إحسانُ الظنِّ بالأخِ، وحمْلُه على المحاملِ الطَّيِّبةِ، فتلك تضيِّقُ مسالِكَ الشيطانِ وتُديمُ حبْلَ الودِّ.
ومِنْ هذه الآدابِ: إخبارُكَ لأخيكَ أنَّكَ تُحبُّهُ في الله، فذلك يُعمِّقُ الأخوَّة ويشيعُ المحبَّةَ ويزيدُ في الأُلفَةِ، وفي الهَدْي النبويِّ: «إذا أحبَّ أحدُكُمْ أخاه في الله، فَلْيُعْلِمْهُ، فإنَّه أَبْقى في الأُلفَةِ، وأَثْبتُ في المودّةِ» (٢).
وفي لفظ: «إذا أحبَّ أحدُكُمْ صاحِبَه فَلْيأتِهِ في منزِلِه، فليُخْبِرْه أنهُ يحِبُّهُ في الله» (٣).
ومنْ آداب الأخوةِ: المشاورُ والمناصَحة، والانبساط وحُسْنُ العشرةِ، والهديَّةُ والدعوةُ الصادقة، وحسن الطَّوِيَّة، والبعدُ عنْ كل ما يُنَغِّصُ المودةَ أو يقطعُ حبل الأخوة؛ تعفو إذا أخطأ عليك، وتَعْتذرُ حينَ يقعُ الخطأُ منكَ، وإياكَ
يا أخا الإسلام: وهلْ رفعتَ بصَرَك إلى السماء فتتفكَّرَ في خلق الله، فمَنْ رفَعَ السماءَ بلا عَمَدٍ؟ وكَمْ فيها مِنْ مَلَكٍ راكعٍ لله أو ساجد؟
روى ابنُ مردويه عَنْ أنسٍ ﵁ قال: قالَ رسول الله ﷺ : «أَطَّتِ السَّماءُ ويحقُّ لها أَنْ تَئِطَّ، والذي نَفْسُ محمدٍ بيدِهِ ما فيها مَوْضعُ شِبْرٍ إلا وفيه جَبْهَةُ مَلَكٍ ساجدٍ يُسبِّحُ اللهَ بحَمْدِه» (١).
والأَطيطُ: صَوْتُ الأَقْتابِ، وأطِيطُ الإبلِ: أصواتُها وحَنِينُها، والمعنى: إنَّ كثْرَةَ ما في السماءِ منَ الملائكةِ أثقَلَها حتى أطَّت، والمرادُ: تقريرُ عظمةِ اللهِ تعالى (٢).
فكيفَ إذا تصورتَ عِظَمَ خلْقِ السماواتِ والأرْض، واللهُ يقول: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ (٣)
وكيفَ إذا تصورتَ أبعادَ السماواتِ عنْ بعضِها، وفي الحديثِ الذي رواهُ ابنُ خزيمةَ والبيهقيُّ وصحَّحُه ابنُ القيِّم، عنِ ابنِ مسعودٍ ﵁ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «بَيْنَ السماءِ الدنيا والتي تَليِها خَمْسُ مائة عامٍ، وبَيْنَ كلِّ سَمَاءٍ وسماءٍ خَمْسُ مائة عامٍ، وبينَ السماءِ السابِعَةِ والكرسيِّ خَمْسُ مائة عام، وبَيْنَ الكرسيِّ والماءِ خَمْسُ مائة عام، والعرشُ فوق الماءِ، واللهُ فوقَ العَرْش، لا يَخْفى عليه شيءٌ من أَعْمالِكم» (٤).
يا عبدَ الله: والملائكةُ- في السماءِ- خَلْقٌ عَجيبٌ، ومنهمُ الموَكَّلُ بحَمْلِ
стр. 2699
العَرْشِ، ومنهمْ خَزَنةُ النَّار، ومِنْهُم الموَكَّلُ بِالعذاب، ومِنهمْ ومِنهم .. وكلُّهم لا يَعْصونَ اللهَ ما أمَرَهُم ويفعَلون ما يُؤْمرون، وحينَ تَسْمعُ عَنْ حَمَلةِ العَرْش، قولَهُ تَعَالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ (١).
فاسمعْ إلى عظمةِ خَلْقِ هؤلاءِ في خَبَر الذي لا يَنْطِقُ عن الهَوى، إذ يقولُ ﷺ : «أُذِنَ لي أَنْ أُحدِّثَ عن مَلَكٍ منْ ملائِكَةِ اللهِ تعالى مِنْ حملةِ العرْش، إنَّ ما بَيْنَ شَحْمةِ أُذُنِه إلى عاتِقِه سبْعُ مئةِ سنةٍ» (٢).
أيها الناسُ: وهناكَ مشاهدُ كونيةٌ يراها الناسُ بأعينهمْ تتكررُ في الصباحِ والمساء، وهيَ جزءٌ منْ عظمةِ اللهِ في كونه- وآيةٌ على وحدانيتهِ وداعيةٌ إلى العبوديةِ والشكرِ له سبحانه: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ، وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ، لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ، سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ (٣).
نعم، إنَّ الحياةَ معجزةٌ لا تملكُ يدُ البشرِ أنْ تُجربَها، إنما هيَ يدُ اللهِ تُجري المعجزاتِ، وتبثُّ روحَ الحياةِ في المواتِ، فإذا الجنانُ الوارفةُ، والثمرُ اليانع- يُسقى بماءٍ واحد ويختلفُ في أكلُهِ وطعمِه-، الخالقُ واحدٌ، والمخلوقُ متنوعٌ؛ ذكرٌ وأنثى، حلوٌ وحامضٌ، رطبٌ ويابسٌ، أبيضُ، وأحمرُ، وغرابيبُ سود، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ (٤)، ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٥)، ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي
стр. 2700
الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١).
عبادَ الله: أمَّا قدومِ الليل، والنورُ يختفي والظلمةُ تغشى فمشهدٌ مكررٌ يراه الناسُ كلَّ يومٍ وفي كل بقعةٍ- ما عدا مناطقَ قطبيةٍ قد يدومُ فيها الليلُ أسابيعَ وأشهرًا- أو يدومُ فيها النهارُ كذلك.
إنها آيةٌ ما أكثرَ منْ يراها وما أقلَّ منْ يتأمل عظمةَ اللهِ من خلالها!
﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ، وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ، لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (٢).
يا أخا الإيمانِ: وحينَ تتصورُ حجمَ الشمسِ ثمَّ تدركُ كيف تجري، تدركُ بعدَ ذلك عظمةَ اللهِ في تيسيرِ هذه الكُتلةِ العظيمةِ التي قيلِ أنها تبلغُ نحوَ مليون ضعفٍ لحجمِ الأرضِ التي نعيشُ عليها، وهذه الشمسُ بضخامتها تسيرُ بسرعةٍ حسبَها الفلكيونَ فقدَّروها باثني عشرَ ميلًا في الثانية، وهذا يعني أنها تقطعُ في الدقيقةِ الواحدةِ سبعَ مئةٍ وعشرين ميلًا ..
فكمْ تسيرُ في الساعةِ، وكمْ تقطعُ في اليومِ والليلة؟ !
فمنْ يسيِّرُها ومنْ يضبطُ حركَتَها؟ إنهُ اللهُ العليمُ القدير.
إننا حينَ ندركُ هذا الخلقَ العظيمَ للشمس، وهذه الحركةَ المنضبطةَ في الكونِ وتصريفَ الليلِ والنهارِ، ندركُ طرفًا من قدرةِ اللهِ فيما خلق، وندركُ ضعفَنا وعجزَنا من خلقِ الله، ومن ثَمَّ نعلمُ حاجَتنا إلى عبوديةِ ربنا وشكره ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ أَفَلا