← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

عظمةُ الخالقِ في خَلْقِه (١) الخطبةُ الأولى: الحمدُ لله ربِّ العالمين، لهُ الكبرياءُ في السماواتِ والأرضِ وهو العزيزُ الحكيم، وأشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ (٢)، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٣) وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدهُ ورسولُه وخِيرَتُه منْ خلقِه، اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ عليهِ وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلين. أيها المسلمون: الكونُ كلُّه بمخلوقاتِه العظمى، وبأحيائه مِنَ الإنسِ والجنِّ والحيوانِ والطيرِ، وبجَماداتِهِ مِنَ الشَّجرِ والحجَرِ والماءِ والزروعِ والثمار، وعالمُ السماءِ بما فيها منْ ملائكةٍ غلاظٍ أشداءَ، وأحياءَ أخرى كلُّ ذلك برهانٌ على عظمةِ الخالقِ، فتباركَ اللهُ أحسنُ الخالقين. إخوةَ الإيمان: والقرآنُ الكريمُ- لمَنْ تأمَّلَ- يأخُذُنا في جولاتٍ تُعمِّقُ الإيمانَ وتزيدُ في اليقين، نرتادُ آفاقَ السماءَ، ونجولُ في جنَباتِ الأرض، تَقِفُ بنا آياتُ القرآنِ الكريمِ عندَ زهراتِ الحقولِ وجنانِ الأرض، ثم تصعدُ بنا إلى النجومِ في مداراتها وتَسْبحُ بنا عالمِ البحارِ بأعماقِها ومخلوقَاتها، ثمَّ تطوفُ بنا حولَ أنفسِنا وعظيمِ خلْقِها ودقَّةِ تكوينها؛ مشعرةً إيانا بعظمةِ الله وعبوديةِ الكون له.

стр. 2697

إنهُ حديثٌ طويلٌ في كتابِ اللهِ يُطالِعُكَ في طِوال السُّوَرِ وقصارِها حديثٌ تنْصِتُ له النفوسُ وتخشَعُ له القلوب، يستثيرُ المشاعرَ الحيَّةَ وتستجيبُ له الأحاسيسُ المؤمنة. كيفَ لا، وفَلْقُ الحبَّةِ والنَّوى، وإخراج الميِّتِ مِنَ الحيِّ وعكسُه، وفَلْقُ الإصباحِ وسكنُ الليل، وحُسْبانُ الشمسِ والقَمَر .. كلُّ ذلكَ يَردُ في أقْصرِ عبارةٍ وأبلغِها: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ، فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (١). يا أهلَ القرآنِ: وإذا تفاخرتِ الأممُ بأبحاثِها في الفَضاء، وتوصَّلَ باحثوها إلى نتائجَ تَحْتملُ الصحةَ والخطأ، فَدونَكُم القُرآنَ يُحدِّثُكُم العليمُ الحكيمُ عن مشهدِ السحابِ كيفَ يكوِّنُهُ الله، ومَنْ يُصابُ به ومن يُصرَفُ عنه، وعَنْ سَنَا بَرْقِهِ وأَثرِهِ في الأبْصَار .. استمعْ إلى ذلكَ متأمِّلًا خاشعًا لله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ﴾ (٢)، ومنْ سحابِ السماءِ إلى سحابِ البحار، ومنْ برْقِ السماءِ الخاطفِ، إلى ظلماتِ البحارِ ولُجِّها ومَوْجِها يأخُذُكَ القرآنُ مُذكِّرًا وهادِيًا: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ (٣).

стр. 2698

يا أخا الإسلام: وهلْ رفعتَ بصَرَك إلى السماء فتتفكَّرَ في خلق الله، فمَنْ رفَعَ السماءَ بلا عَمَدٍ؟ وكَمْ فيها مِنْ مَلَكٍ راكعٍ لله أو ساجد؟ روى ابنُ مردويه عَنْ أنسٍ ﵁ قال: قالَ رسول الله ﷺ : «أَطَّتِ السَّماءُ ويحقُّ لها أَنْ تَئِطَّ، والذي نَفْسُ محمدٍ بيدِهِ ما فيها مَوْضعُ شِبْرٍ إلا وفيه جَبْهَةُ مَلَكٍ ساجدٍ يُسبِّحُ اللهَ بحَمْدِه» (١). والأَطيطُ: صَوْتُ الأَقْتابِ، وأطِيطُ الإبلِ: أصواتُها وحَنِينُها، والمعنى: إنَّ كثْرَةَ ما في السماءِ منَ الملائكةِ أثقَلَها حتى أطَّت، والمرادُ: تقريرُ عظمةِ اللهِ تعالى (٢). فكيفَ إذا تصورتَ عِظَمَ خلْقِ السماواتِ والأرْض، واللهُ يقول: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ (٣) وكيفَ إذا تصورتَ أبعادَ السماواتِ عنْ بعضِها، وفي الحديثِ الذي رواهُ ابنُ خزيمةَ والبيهقيُّ وصحَّحُه ابنُ القيِّم، عنِ ابنِ مسعودٍ ﵁ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «بَيْنَ السماءِ الدنيا والتي تَليِها خَمْسُ مائة عامٍ، وبَيْنَ كلِّ سَمَاءٍ وسماءٍ خَمْسُ مائة عامٍ، وبينَ السماءِ السابِعَةِ والكرسيِّ خَمْسُ مائة عام، وبَيْنَ الكرسيِّ والماءِ خَمْسُ مائة عام، والعرشُ فوق الماءِ، واللهُ فوقَ العَرْش، لا يَخْفى عليه شيءٌ من أَعْمالِكم» (٤). يا عبدَ الله: والملائكةُ- في السماءِ- خَلْقٌ عَجيبٌ، ومنهمُ الموَكَّلُ بحَمْلِ

стр. 2699

العَرْشِ، ومنهمْ خَزَنةُ النَّار، ومِنْهُم الموَكَّلُ بِالعذاب، ومِنهمْ ومِنهم .. وكلُّهم لا يَعْصونَ اللهَ ما أمَرَهُم ويفعَلون ما يُؤْمرون، وحينَ تَسْمعُ عَنْ حَمَلةِ العَرْش، قولَهُ تَعَالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ (١). فاسمعْ إلى عظمةِ خَلْقِ هؤلاءِ في خَبَر الذي لا يَنْطِقُ عن الهَوى، إذ يقولُ ﷺ : «أُذِنَ لي أَنْ أُحدِّثَ عن مَلَكٍ منْ ملائِكَةِ اللهِ تعالى مِنْ حملةِ العرْش، إنَّ ما بَيْنَ شَحْمةِ أُذُنِه إلى عاتِقِه سبْعُ مئةِ سنةٍ» (٢). أيها الناسُ: وهناكَ مشاهدُ كونيةٌ يراها الناسُ بأعينهمْ تتكررُ في الصباحِ والمساء، وهيَ جزءٌ منْ عظمةِ اللهِ في كونه- وآيةٌ على وحدانيتهِ وداعيةٌ إلى العبوديةِ والشكرِ له سبحانه: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ، وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ، لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ، سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ (٣). نعم، إنَّ الحياةَ معجزةٌ لا تملكُ يدُ البشرِ أنْ تُجربَها، إنما هيَ يدُ اللهِ تُجري المعجزاتِ، وتبثُّ روحَ الحياةِ في المواتِ، فإذا الجنانُ الوارفةُ، والثمرُ اليانع- يُسقى بماءٍ واحد ويختلفُ في أكلُهِ وطعمِه-، الخالقُ واحدٌ، والمخلوقُ متنوعٌ؛ ذكرٌ وأنثى، حلوٌ وحامضٌ، رطبٌ ويابسٌ، أبيضُ، وأحمرُ، وغرابيبُ سود، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ (٤)، ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٥)، ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي

стр. 2700

الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١). عبادَ الله: أمَّا قدومِ الليل، والنورُ يختفي والظلمةُ تغشى فمشهدٌ مكررٌ يراه الناسُ كلَّ يومٍ وفي كل بقعةٍ- ما عدا مناطقَ قطبيةٍ قد يدومُ فيها الليلُ أسابيعَ وأشهرًا- أو يدومُ فيها النهارُ كذلك. إنها آيةٌ ما أكثرَ منْ يراها وما أقلَّ منْ يتأمل عظمةَ اللهِ من خلالها! ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ، وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ، لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (٢). يا أخا الإيمانِ: وحينَ تتصورُ حجمَ الشمسِ ثمَّ تدركُ كيف تجري، تدركُ بعدَ ذلك عظمةَ اللهِ في تيسيرِ هذه الكُتلةِ العظيمةِ التي قيلِ أنها تبلغُ نحوَ مليون ضعفٍ لحجمِ الأرضِ التي نعيشُ عليها، وهذه الشمسُ بضخامتها تسيرُ بسرعةٍ حسبَها الفلكيونَ فقدَّروها باثني عشرَ ميلًا في الثانية، وهذا يعني أنها تقطعُ في الدقيقةِ الواحدةِ سبعَ مئةٍ وعشرين ميلًا .. فكمْ تسيرُ في الساعةِ، وكمْ تقطعُ في اليومِ والليلة؟ ! فمنْ يسيِّرُها ومنْ يضبطُ حركَتَها؟ إنهُ اللهُ العليمُ القدير. إننا حينَ ندركُ هذا الخلقَ العظيمَ للشمس، وهذه الحركةَ المنضبطةَ في الكونِ وتصريفَ الليلِ والنهارِ، ندركُ طرفًا من قدرةِ اللهِ فيما خلق، وندركُ ضعفَنا وعجزَنا من خلقِ الله، ومن ثَمَّ نعلمُ حاجَتنا إلى عبوديةِ ربنا وشكره ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ أَفَلا

стр. 2701

تَسْمَعُونَ، قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ، وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١). اللهمَّ اجعلْنا لكَ ذاكرينَ شاكرين، ولا تجعلْنا منَ الغافلين.

стр. 2702

الخطبةُ الثانية: الحمدُ لله ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ، الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ، ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ (١). وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، جاعلُ الملائكةِ رسلًا أولي أجنحةٍ مثنى وثلاثَ ورباعَ، يزيدُ في الخلقِ ما يشاءُ إنَّ اللهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، كان أكثرَ الناس علْمًا وأحسنَهم عملًا وأكثرَهم لله خشيةً وعليهِ نزَّل: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٢). أمةَ القرآنِ: وعجائبُ القرآنِ لا تنقضي في عرْضِ دلائلِ الإيمانِ في الكونِ والأنفسِ والآفاق، والدعوةُ قائمةٌ للتأملِ والتفكيرِ في السماءِ والأرض: ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ (٣). وفي الأنفس وخلقِها وتقويِمها: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ (٤). ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (٥). وفي الحيواناتِ وعظيمِ خَلْقِها: ﴿أَفَلا يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ (٦). وفي الطيرِ وكيفَ يسبحُ في جوِّ السماء ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ

стр. 2703

السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١)، وإلى الأنعامِ وكيفَ تُستخرجُ ألبانها: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ (٢). أما النحلُ فآيةٌ في خلقِها وتدبيرِها وما يخرجُ منْ بطونِها: ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣). وفي «شفاءِ العليل» لابن القيمِ ﵀ كلامٌ طويلٌ وتفصيلٌ في هدايةِ اللهِ للنحل، وعالمِ النحل، ومملكةِ النحل وأعاجيبها (٤)! ومنْ أمةِ النحلِ إلى أمةِ النمل؛ حيثُ كشفَ اللهُ سرًا من أسرارِهِ وهدايته للنملِ في خبرِ سليمانَ ﵇، يكفي منها آيةٌ، قولُه تعالى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٥). وبالجملةِ فرُّبنا ﵎ ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (٦)، وفوقَ ذلكَ ألهَمَ مخلوقاتهِ العبوديةَ له والتسبيحَ بحمدِه وإنْ كنا لا نفقَهُ تسبيحَهم. أجل، ما أجهَلَكَ يا ابنَ آدم، وما أظلَمَك حينَ تشذُّ عنِ العبوديةِ لله، وغيرُك يُسبحُ بحمدِ الله: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (٧). يا ابنَ آدم، اصطفاكَ ربُّك وأكرَمَك، وعلَّمكَ ما لم يُعلِّمْ غيرك، أفلا تشكرُ

стр. 2704

وتذكرُ وتُنيبُ وتُسلِمُ: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ﴾ (١). لقدْ عُرضتِ الأمانةُ على السماواتِ والأرضِ فأبيْنَ أنْ يحملْنَها وأشفقْنَ منها .. وحملتَها أنتَ .. أفلا تفي بعهدِك مع الله؟ أفنيستَ الميثاقَ؟ ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ (٢). عجبًا لكَ يا ابنَ آدم حين تعصي ربَّكَ وغيرُكَ يطيعه، وتفجرُ وتفسقُ وغيرُك يركعُ ويسجد. يا ابنَ آدم، خلقك اللهُ في أحسنِ تقويم، ضمِنَ رزقَك، وأحصى أجلَك وما يريدُ منك إلا عبادتهُ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٣) أفتستنكِفُ وتستكبرُ عن العبوديةِ لله .. وكلُّ منْ في الكونِ عبدٌ لله؟ إنكَ بينَ خياريْن؛ فإما أنْ تكونَ عبدًا لله- وهو يستحقُ العبوديةَ ويجزي عليها- وإما أن تكونَ عبدًا لغيرِه منَ الأهواءِ والشهواتِ والمعبوداتِ، فتلكَ الشِّقْوةُ في الدنيا والخسرانُ المبينُ في الآخرة: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (٤).

стр. 2705

يا أخا الإسلام: إنكَ تستطيعُ تحقيقَ العبوديةِ للهِ على كل حالٍ من أحوالِك وفي كلِّ شأنِ من شئونك، تحققُّ العبوديةَ للهِ في المسجدِ وفي بيتِك، وتحققُّ العبوديةَ للهِ متجرك أو وظيفتك، تحققُّ العبوديةَ للهِ في حضَرِكَ وسفرِكَ، وتحققُّ العبوديةَ في علاقتكَ مع ربكَ وحُسنِ خُلُقكَ مع الناسِ منْ حولِكَ. إنكَ خُلقتَ وهُيِّئتَ منْ أجلِ أن تكونَ خليفةً في الأرضِ تعمُرُها بذكرِ الله، وتحرثُ الأرضَ فيكونُ المحصولُ غذاءً للناسِ لِيَتَقَووْا به على طاعةِ الله، وتتخذُ مصانعَ لتنتجَ من الآلياتِ والسلاحِ ما يُستعانُ به على تحقيقِ الدَّنيوية لله، لا من أجلِ أن يكونَ سلاحًا يُدمرَ البشريةَ ويهلكَ الحرثَ والنسل، تتعلمُ العلمَ ليكونَ دليلَكَ إلى اللهِ وليقودَك إلى الإيمانِ بالله .. فالعلمُ الحقُّ يدعو للإيمان .. إنَّ البشريةَ حينَ تضلُّ في مسارها عنِ العبوديةِ للهِ تغدو الحياةُ مسرحًا تتهارشُ عليه الذئاب، وتتصارعُ فيها القوي، فلا ينتصرُ الأقوى حتى يدمرَ مَنْ دونَهُ من الضعفاء .. أفبهذا يُعمَّرُ الكونُ .. وهل تُحقَّقُ العبوديةُ للهِ بهذا اللونِ من الظلم؟ إنَّ على المسلمينَ الذينَ يقرأونَ القرآنَ فيجدونَ فيه تسبيحَ الكونِ بأحيائهِ وجماداتهِ للهِ .. عليهم أنْ يدركوا هذه الحقائقَ وأنْ يصلحوا ذواتِ أنفسِهم، ثم ينتقلوا بالإصلاحِ والدعوةِ إلى أممٍ أخرى بلغَتْ من العلمِ الماديِّ والحضارةِ والتقنيةِ مبلغًا عظيمًا .. لكنها أميةٌ في تحقيقِ العبوديةِ لله، وضالةٌ أو مغضوبٌ عليها بسببِ تجاهلِها لرسالاتِ السماء، ألا فابدأ بنفسِك أيها المسلم، وتأملْ هذا الكونَ ومنْ خَلقَهُ ولماذا خَلَقَه؟ وستجدُ الجوابَ في مثلِ قولهِ تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ، لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ، بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (١).

стр. 2706

وفي مثلِ قولهِ تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ (١). وفي مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (٢). ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ (٣). أخي المسلم: وبقيتْ همسةٌ في أذنِك .. هل تقرأُ القرآنَ، وما وِرْدُكَ فيه؟ وإذا قرأتَ، هل تتأملُ هذه المعانيَ وأمثاَلها في القرآن، إني أعظُكَ ونفسي أنْ تكونَ ممنْ قالَ الرسولُ ﷺ عنهم، ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (٤) .. فإياكَ وهجرَ القرآنِ .. تلاوةً أو تدبرًا أو علْمًا أو عمَلًا؟

стр. 2707

مظاهرُ صيفية (١) الخطبةُ الأولى: إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونعوذ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، منْ يهدِهِ اللهُ فلا مضلَّ له، ومَنْ يضللْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولهُ، اللهمَّ صلِّ عليهِ وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلين، وارضَ اللهمَّ عنْ الصحابةِ أجمعين، والتابعينَ وتابعيهمْ بإحسانٍ إلى يومِ الدين وسلِّمْ تسليمًا كثيرًا. أيها الناسُ: في مواسمِ الإجازات تنشأُ ظواهرُ، وتطرأُ عوائدُ حرِيةٌ بالتنبيهِ والبيان، فالفراغُ نعمةٌ ولكنْ له ضريبة، والصحةُ نعمةٌ ولكن لها ضريبةٌ لمنْ لم يُقدرها حقَّ قدرِها .. ولهذا قالَ ﵊: «نعمتانِ مغبونٌ فيهما كثيرٌ مِنَ الناس: الصحةُ والفراغ» (٢). وحينَ أتحدثُ إليكمْ عن بعضِ هذهِ الظواهرِ أخاطب نفسي وإياكُم وأتحدثُ إلى الوليِّ والشاب، والرجلِ والمرأة، إنهُ حديثٌ إلينا جميعًا ليصلِحَ كلُّ واحدٍ منا ما يوجد عنده من أخطاء. عباد الله: وأولُ هذه الظواهرِ الصيفيةِ ظاهرةُ السهر إلى ساعاتٍ متأخرةٍ من الليل، وحين تسألُ عنِ الوقتِ الذي يُقضى فيه السهرُ لا ترى فائدةً تُذكر، بلْ غالبًا على القيلِ والقال، والأكلِ والشربِ والضحك .. وأسوءُ منْ ذلكَ إن كانَ السهرُ على مسلسلاتٍ هابطة، أو جولاتٍ في زُبالاتِ القنواتِ الفضائية، ومِنَ

стр. 2708

الناسِ مَنْ يقضي ليلَهُ كلَّه متنقلًا بين الحدائق، أو متسكِّعًا في الشوارعِ أو عابثًا في السيارةِ على الخطوطِ الدائريةِ والطرقِ السريعة! إنَّ استدامةَ السهرِ ليلًا ضارٌّ بالصحةِ كما يعرفُ الأطباءُ، وقبلَ ذلكَ مقررٌ في شرعِ اللهِ أنَّ الليلَ سَكَنٌ، بلْ منْ رحمةِ اللهِ أنْ جعلَ لكمُ الليلَ لتسكنوا فيه، والنهارَ معاشًا، لتبتغوا مِنْ فضله، فهلْ تُعكسُ الصورة؟ ومهما طالَ نومُ النهارِ فلا يُعَوِّضُ عنْ نومِ الليل، وكمْ يفوّتُ النائمُ نهارًا على نفسِهِ من المصالح .. وكمْ يخسرُ المجتمعُ من طاقةٍ كان لها أن تعملَ وتنتِجَ في سحابةِ النهار .. أمّا إنْ فوَّت النائمُ نهارًا شيئًا من الصلواتِ المفروضةِ فتلك خسارةُ الدينِ والدنيا .. أما السهرُ ليلًا فهوَ كذلكَ سببٌ لكثيرٍ مِنَ الحوادثِ والبلايا، إذْ إنَّ نفرًا مِنْ ضِعافِ النفوسِ ربما استغلوا سوادَ الليل وغفلة الناسِ فأفسدوا وجَنَوْا على أنفسهم وعلى مجتمعهم .. وسلُوا رجالَ الأمنِ والهيئاتِ عن نِسَب الجرائمِ ليلًا .. أما إنْ كان السهرُ سببًا في تركِ صلاةِ الفجرِ فالطامّةُ كبرى وأولئك أقوامٌ بالَ الشيطانُ في أفواهِهم وآذانهم. عبادَ الله: ظاهرةُ السهر- دون فائدة- مسئوليتُنا جميعًا، وتحتاجُ إلى تعاونٍ يقضي، أو على الأقلِّ يُخففُ من آثارِ هذهِ الظاهرةِ، فالجهاتُ الرسميةُ يمكنُ أن تنظمَ أوقاتَ فتحِ المحلاتِ في ساعةٍ معينةٍ مِنَ الليل، وإذا كانَ هذا معمولًا به في بلادِ لا تقيمُ للشرعِ وزْنًا، فهو أحرى وأولى بأهلِ الشريعةِ ومن يَرعون الأمنَ، ويوفِّرون العيشَ الهنيَّ، والأولياءُ لا بدَّ أنْ يُسهِموا- بحكم ولايَتهِم على بيوتهم بالقضاءِ على هذهِ العادةِ السيئة، والمربُّون والمعلمونَ لا بدَّ أنْ يتحدثوا عن مخاطرِ السهرِ، ووسائلُ الإعلامِ لا بدَّ أنْ تُعني في برامجِها وزواياها ومقابلاتها بدراسةِ هذه الظاهرةِ وعلاجِها. والشبابُ والفتياتُ لا بد أنْ يَسألوا أنفسَهم عن حصادِ السهرِ، ماذا حققَّ

стр. 2709

لهم، بل وماذا فوتّ عليهم ... إنْ في مصالحِ الدينِ أو الدنيا، أو كليهما؟ إنها ظاهرةٌ تستشري وتؤذي، وتشكلُ خطرًا أمنيًا، وتخلِّفُ آثارًا في الصحةِ والأخلاق، والاقتصاد، والعوائدِ الاجتماعية، وهي سبيلٌ لفناءِ الأوقاتِ وإضاعةِ الزمن ومنْ وراء ذلك ضياعٌ الشباب .. فهل ننتبهُ ونسارعُ للعلاج؟ أيها المسلمون: وثاني هذهِ المظاهرِ ما ابتُليتْ به بعضُ العوائلِ من كثرةِ الترددِ على الحدائق، وبعضُ الأولياءِ يبلغُ بهِ التغفيلُ أو اللامبالاةُ بمصير عائلتِهِ، بحيثُ يرميهمْ في هذهِ الحديقةِ ويذهبُ لشأنه، وربما قَضى شطرًا من الليلِ ساهرًا مع شِلَلِه، أو نائمًا في فراشِه موكَّلًا لأحدِ أبنائه أو السائقِ بالمرور عليهم في ساعةٍ متأخرةٍ من الليل، وهناكَ في الحدائقِ تتجول الفتياتُ المراهقاتُ في طولِ الحديقة وعرضِها، وربما تعرَّضَ لها شبابٌ مستهترون فآذوهنُّ أو عقدوا صلاتٍ معهنَّ، وربما رموا بأرقامٍ هاتفيةٍ عليهنَّ فكانت البدايةُ لصلاتٍ مشبوهة، وعلى أقلِّ تقديرٍ ربما كانتِ الحديقةُ سببًا لعقدِ صِلاتٍ مع فتياتٍ مستهتراتٍ .. فكانت البداية للانحرافِ عبرَ هدايا للصورِ الخليعةِ، أو الأشرطةِ الماجنةِ أو التعريفِ على أصدقاءِ سوءٍ، أو نحوِ ذلك من أمورٍ لا تُحمدُ عقباها .. فأينَ أنتَ أيها الولي .. أبلَغَ بكَ الاهتمامُ بأسرتِكَ هذا المبلَغ؟ أم بلَغَ بك التغفيلُ والبساطةُ هذا المستوى؟ إنَّ الأسرةَ أمانةٌ في عنقِكَ، وكمْ تتحملُ منْ عارٍ- لا قدَّرَ الله- لو حصلَتْ في بيتك أو لأحدِ أفرادِ أسرتكَ كارثةٌ .. وأنتَ سببٌ فيها .. ألا إنَّ الوقايةَ خيرٌ من العلاج، والسلامةُ لا يعدِلُها شيءٌ، وكنْ فطِنًا حذِرًا، ومن يتقِ اللهَ يجعلْ لهُ مخرجًا. أيها الناس: أما الظاهرةُ الثالثةُ فهيَ كثرةُ ترددِ النساءِ على الخياطينَ، سواءً كانت وحدَها، أو بصحبةِ وليِّها- الذي يكتفي أحيانًا بإيصالها، ثم يمكثُ في سيارتِهِ تاركًا المرأةَ تتحدثُ وتتفاوضُ معَ الرجلِ، دونَ أنْ يُشاركَها في الوقوفِ

стр. 2710

والحديث .. وبحجةِ أنَّ هذهِ أمورٌ تخصُّ المرأة، وينسى هذا الرجلُ أنَّ وقوفَهُ مع زوجتهِ شرفٌ له وكرامة، وحفظٌ لمحرَمِهِ، لا سيما أنَّ بعضَ النساءِ تتسامحُ في المزاحِ معَ الخياط .. ولربما أظهرتْ مِنْ مفاتِنِها عندَه ما يكفي لشيوعِ المنكرِ وإثارةِ الغرائز! فكيفَ الحالُ إذا أعطتهُ المرأةُ رقمًا خاصًا- هاتفًا أوجوالًا- يُكلمُها عليهِ للاستفسارِ عنْ أيِّ شيء! أو أعطاها هو رقمًا خاصًا تكلمُهُ عليهِ للاستفسارِ عنْ أيِّ شيء! أو أعطاها «البُردات» والصورَ الخاصةَ بالموديلات لتطلعَ عليها ثم تُكلمهُ وحدَها منْ بيتها .. إنها وسائلُ تفضي للفساد وتدعو للفتنةِ، ومهما كانت الثقةُ بالمرأة- وهي أهلٌ لذلك- فقطْعُ دابرِ الفتنةِ أولى، والتحوّطُ لحمايةِ الفضيلةِ وحراستِها أحرى، وإذا قيلَ هذا عنْ مشاغلِ الرجالِ قيلَ كذلكَ في الاحتياطِ منْ مشاغلِ النساء، لا سيما تلكَ التي تتوفرُ بها نساءٌ كافراتٌ .. أو مسلماتٌ مستهترات. إنها أمورٌ بُلينا بها جميعًا .. فلا أقلَّ مِنْ أنْ نحتاطَ وننتبهَ ونفعلَ الأسبابَ. أيها المسلمون: أما الظاهرةُ الرابعةُ فهي ترددُ بعضِ النساءِ- هداهنَّ اللهُ- على الأسواقِ والمحلات، وفي ساعاتِ الليلِ والنهار، وهناكَ لا تسأَلْ عن ابتزازِ الأموال، وعنِ التسامحِ بالحجاب، وتبادل الضحكاتِ والمزاحِ، ولربما انفردَ البائعُ بالمرأةِ وحدَها في المعرض؟ وما خلا رجلٌ بامرأةِ إلا كانَ الشيطانُ ثالثهُما، وثمَّةَ ذئابٌ تتسلقُ وبمهارةٍ أبوابَ الفضيلة، وتهتكُ الحياءَ، وتتطاولُ على القِيَم، فهلْ ترضي أيها الوليُّ لأحدٍ منْ أهلِك أن تُسرق أخلاقُه معَ سرقةِ ماله؟ هلْ يكفيكَ أنْ تُوصلَ أهلَك إلى السوقِ ثم تتفقُ معهمْ على موعدٍ للعودة؟ وهلْ تدري ما يجري لهم؟ ومهما بلغتْ مشاغلُك وحرصُك على وقتِكَ، أفيكونُ ذلك عندكَ أهمَّ منْ حرصكَ على جاهِكَ وشرفِك؟ إنَّ أمورًا نسمعُها منْ بعضِ النساءِ وبعضِ الباعةِ في الأسواق، تُدمي القلبَ

стр. 2711

فهلِ اتعظتَ بغيرك؟ وهلْ أشعرتَ أهلكَ بمخاطرِ الترددِ على الأسواقِ بشكلِ عام، وضرورةِ مصاحبتكَ أو أحدِ أبنائِكَ لهم عندَ الاقتضاء؟ إنّ بعضَ الأولياء- هداهمُ الله- يُعطي المرأةَ مِنَ المالِ ما تحتاجُهُ وما لا تحتاجه، وبالتالي فهيَ تشتري مِنَ السوقِ ما تحتاجُ وما لا تحتاج، وهذهِ الأموالُ الواردةُ للمرأةِ دونَ تعب، يستغلها بعضُ الباعةٍ أبشعَ استغلالٍ؛ فيزيدُ في ثمنِ السلعةِ، ولكن الأسوءَ منْ ذلكَ حينَ يُدغدغُ باعةٌ مستهترون مشاعرَ المرأةِ، فتنشأُ علاقاتٌ ربما تطورتْ إلى الأسوءِ مستقبلًا، والوليُّ عنْ كلِّ هذا غافلٌ حتى تحصلَ فواجعُ ومشاكلُ، وحينها يكونُ الندمُ والتحسُّر.

стр. 2712

الخطبةُ الثانية: الحمدُ للهِ أهلِ المجد والثناء ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (١) وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريك له، أمرَنا بالبشرِّ والإحسانِ والوقايةِ للنفسِ والأهلِ منْ مكايدِ الشيطان، ونهانا عن الفُحشِ والبذاءِ وهتكِ حدودِ الله ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٢)، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، دعا الأمةَ إلى كلِّ خبرٍ وحذَّروها منْ كلِّ خيرٍ وحذَّروها منْ كلِّ شر، وأخبرَ- وهو الصادقُ المصدوقُ- أنَّ أولَ فتنةِ بني إسرائيل كانتْ في النساء، وأخبرَ- وخبرهُ الصدقُ واليقين- فقال: «ما تركتُ بعدي فتنةً أضرَّ على الرجالِ منَ النساء» اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ عليهِ وعلى سائر الأنبياءِ والمرسلين. إخوة الإسلام: وخامسُ المخاطرِ: السفرُ بلا ضوابط، ولا سيما إلى بلادِ الكفرِ والعهر، وبصحبةِ النساءِ والذرية، وهناكَ لا تسأَلْ عنْ وأدِ الفضيلةِ واختزالِ الحياء، وإضاعةِ الأوقاتِ والتفريطِ بالواجبات، ولئنْ كان ثمةَ ابتزازٌ بشعٌ للأموالِ فأعظمُ من ذلكَ ابتزازُ القيمِ والأخلاق، والتعرضُ لمخاطرَ أمنيةٍ لا مسوّغَ لها، وفي طولِ بلادِنا وعرضِها تتوفرُ الجبالُ والسهولُ والبرُ والبحرُ والأجواءُ الباردةُ والمعتدلة، وأعظمُ منْ ذلكَ توفرُ الأجواءِ الإيمانيةِ حيثُ البقاعُ المقدسةُ والحرمان الشريفان، مهوى الأفئدة، ومنيةُ المسلمين للزيارةِ في كلِّ مكان .. إنَّ نفرًا منَ الناسِ باتَ السفرُ عندَهم- لعوائِلهم- للخارجِ وسيلةً للفخرِ والمباهاة، وآخرينَ أصبحَ السفرُ عندهمْ فرصةً للانطلاقِ دون رقيبٍ أو حسيب،

стр. 2713

فيقَعون في الشهواتِ ما شائوا، وما ربُّكَ بغافلٍ عما يعملون. وآخرونَ يترخَّصون بكلِّ رخصةٍ، وربما تزوَّجوا وطلَّقوا دونما حاجةٍ، وربما خلَّفَ الزواجُ مشاكلَ لا يأبهونَ بها، وربما شوَّهوا صورةَ الإسلامِ منْ حيْثُ يشعرون أو لا يشعرون! وفئةٌ من الخيِّرين ربما سافروا بهدفِ الدعوةِ، لكنهم حين وَصَلوا شُغلوا بالمظاهرِ السياحيةِ الأخرى، فلمْ يكنْ للدعوةِ نصيبٌ إلا في نواياهم الأولى. أيها المسلمون: وحين نُعدِّدُ مظاهرَ سلبيةً تحصلُ بشكلٍ أوضحَ في الإجازةِ ونهدفُ إلى التحذيرِ مِنْ مخاطِرِها .. وحمايةِ البيوتِ والمجتمعِ مِنْ آثارِها وويلاتِها .. فلا ينبغي أن نغفلَ عنْ ذكرِ مظاهرَ حسنةٍ- تحدثُ بشكلٍ أوضحَ في الإجازةِ أيضًا- وهذهِ المظاهرُ الحسنةُ نذكرُها لنتحدثَ بنعمةِ اللهِ من جانب ولنشجعَ على كثرتِها منْ جانبٍ آخر. وثمة سفريات محترمة، ومسافرون ملتزمون بإسلامهم أينما حلوا أو ارتحلوا، ولوحة صادقة لبلادهم أينما اتجهوا، ما أجمل السفر لأداء العمرة أو لأحد مصايفنا الجميلة أو حيث نستنشق عليل البحر، مع استشعار عظمة الله فيما خلق والمحافظة على الخلق الإسلامي حيثما حلّ المسافر وارتحل. ومنْ هذهِ المظاهرِ الحسنةِ الدوراتُ العلميةُ وفي مختلفِ التخصصات، فدوراتٌ متقدمةٌ، وأخرى مُركَّزة، وثالثةٌ للمبتدئينَ وهكذا .. وفي كلِّ دورةٍ تجدُ بحمدِ الله أعدادًا من طلبةِ العلمِ يتنافسون في الحضورِ والتحضيرِ والحفظِ والتسميع. بلْ بِتْنا نسمعُ مؤخرًا عنْ دوراتٍ لحفظِ القرآنِ الكريمِ كاملًا وفي مدةٍ لا تتجاوزُ الشهرين، ومهما كانَ الأمرُ صعبًا في هذهِ المدةِ لحفظِ القرآنِ كاملًا وفي مدةٍ لا تتجاوزُ الشهرين، ومهما كانَ الأمرُ صعبًا في هذهِ المدةِ لحفظِ القرآنِ كاملًا فهيَ

стр. 2714

مؤشرةٌ للهممِ العاليةِ والتوفرِ لحفظِ كتاب الله، وبإمكانِ أصحابِ الدورةِ أنْ يقوِّموا نتائجَ الدورةِ ومدى تحقيقِ الهدفِ منها. ونسمعُ كذلك- عنْ حفظِ «الصحيحين» في دوراتٍ لا تزيدُ مدتُها عنْ سبعينَ يومًا، وهي في هذا العامِ تطبقُ لعامِها الثاني، وهذه كذلكَ مهما كانتْ مكلِفةً للطلابِ فهيَ الأخرى نموذجٌ لعلوِّ الهِمَمِ والعنايةِ بحفظِ السُّنةِ، وعلى القائمينَ عليها أنْ يقوِّموا التجربةَ ويستفيدوا مِنْ ذلكَ لمستقبلِ الأيام، وأجرُهمْ على الله. ومنَ المظاهرِ الحسنةِ انتشارُ المراكزِ الصيفيةِ هنا وهناك، تلكَ التي تضمُّ مجموعاتٍ مِنَ الشباب، تصقلُ مواهبَهم وتحفظُ أوقاتَهم، وتعلِّمهُم وتُرَبِّيهم، وجزى اللهُ الجهاتِ المسئولةَ والعاملينَ عليها- كلَّ خير. ومن المظاهرِ الحسنةِ للفتيات الدورُ النسائيةُ، تلكَ التي يمتدُّ نشاطُها في الصيف، وتُعني بكتابِ الله وما يخدمُهُ من علمٍ وآدابٍ وسلوكياتٍ حسنةٍ أحوجُ ما تكونُ إليها بناتُنا- وجزى الله الجهاتِ المشرفةَ والعاملاتِ فيها كلَّ خير. وإذا كانتْ تلكَ مظاهرَ حسنةً ومعلنةً فلا شكَّ أنَّ هناكَ مظاهرُ حسنةٌ وغيرُ معلنةٍ يقوم بها أفرادٌ لأنفسهم، فيحفظونَ منْ كتابِ اللهِ أو يقرأونَ في كتبِ العلم ما يستثمرونَ بهِ وقتَ فراغهم، وقدْ حدثني شابٌ في مقتبلِ عمرِهِ أنهُ يقضي ما يقربُ من خمسةَ عشرَ ساعةً في اليومِ للقراءةِ في الكتبِ النافعة، ومعَ ذلكَ فوِردُهُ اليوميُّ مِنَ القرآنِ ثلاثةُ أجزاءٍ، زادَنا اللهُ وإياهُ والمسلمين منْ فضلِهِ، ورزَقَنا العلمَ النافعَ والعملَ الصالحَ، وهلْ تعلمْ أنَّ الدنيا ملعونةٌ ملعونٌ ما فيها إلا بذكرُ الله؟

стр. 2715

سنة الله في تدمير الظالمين (١) الخطبةُ الأولى: إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالنا، من يهدِ اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، اللهم صلِّ وسلِّمْ عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهمَّ عن الصحابة أجمعين والتابعين وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وسلِّم تسليمًا كثيرًا. إخوةَ الإيمان: يرى الناظرُ اليومَ على مسرحِ الحياةِ قتلًا وعدوانًا، وتشريدًا وإرهابًا، ويسمعُ الناسُ بينَ الفينةِ والأخرى طبولَ الحربِ تُدقُّ، والمؤامراتُ تُحاكُ في الخفاء، والمستهدفُ الأولُ والأخيرُ هم المسلمون بدينهِم وأنفسِهم ومقدراتِهم، فما أنْ توشكَ عاصفةٌ على النهايةِ حتى يبدأَ الاستعدادُ لأخرى .. وهكذا .. فماذا أعدَّ المسلمونَ لهذهِ النوازل، وما هوَ موقعُهمْ في خِضَمِّ الصراعِ المُحتدمِ .. وقبلَ ذلكَ هلْ عقلوا سُننَ اللهِ في الكون، وحركةَ التاريخِ في التغيير، ونهايةَ الظلمِ والظالمين، وسننَ اللهِ في النصرِ والتمكين؟ أيها المسلمون: المتأملُ في سننِ اللهِ الكونيةِ يرى أنها جاريةٌ لا تتبدلُ ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ (٢). والمتأملُ في حركةِ التاريخ يرى أنها لا تتوقف، فثمة أممٌ تفنى وأخرى تنشأ

стр. 2716

وتحيا، وأفرادٌ يولدون وآخرون يموتون، نصرٌ وهزيمة، وعِزٌّ وذُل، غنيً وفقرٌ، رخاءٌ وشدائدُ، أحزانٌ ومسراتٌ .. وهكذا يقلبُ اللهُ الليلَ والنهار، ويتقلبُ الخلقُ- بأمرِ الله- منْ حالٍ إلى حال ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (١). عبادَ الله: ومنذُ قتلَ أحدُ ابني آدمَ أخاه وقطارُ البغيِ والفسادِ في الأرضِ جارٍ بقدرِ اللهِ وإرادتهِ وحكمهِ، لا يتوقفُ الأمرُ عندَ حدودِ اعتداءِ شخصٍ على آخرَ بغيرِ حقٍّ- بل قامت أممٌ على الاعتداءِ وسحق الآخرين ظلمًا وعدوانًا، ونشأتْ شعوبٌ مكَّنَ اللهُ لها في الأرضِ فأصابها مِنَ الغرورِ والاستكبار حدًا قالوا معه: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (٢). هذهِ القوةُ الغاشمةُ الظالمةُ، انظروا كيفَ كانتْ نهايتُها في الدنيا، ومصيرُها في الآخرة، يقولُ تعالى عن عاد ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنصَرُونَ﴾ (٣). نعمْ إنَّ القوةَ- مهما بلغت- لا تمنعُ انتقامَ اللهِ وبأسَه، والكبرياءُ- مهما تعاظَمَ أصحابُها- لا تدفعُ أمرَ اللهِ إذا حلَّ بساحةِ قومٍ .. وإلا فـ (عادٌ) هذه ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ﴾ (٤). كما أخبرَ اللهُ عنهم. وفي آيةٍ أخرى: ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ (٥).

стр. 2717

قالَ ابنُ عباسٍ ﵄ في وصفِهم: كان أطولُهم مئةَ ذراع، وأقصرُهم ستين ذراعًا، وهذه الزيارةُ كانت على خلقِ آبائهم. وقالَ وهْب: كانَ رأسُ أحدِهم مثلَ قبةٍ عظيمة، وكانَت عينُ الرجلِ يُفرِّخُ فيها السباع، وكذلك مناخرُهم. وروى شهرُ بنُ حوشبٍ، عن أبي هريرةَ ﵁ قال: إنْ كانَ الرجلُ من قومِ عادٍ يتخذُ المِصْراعيْن من حجارة، لو اجتمعَ عليها خمسُ مئة رجلٍ من هذه الأمةِ لم يُطيقوه، وإنْ كان أحدُهم ليغمزُ برجلِهِ الأرضَ فتدخلُ فيها (١). وهنا يرِد السؤالُ: أينَ هذه القوةُ؟ وماذا بقيَ من أخبارِها؟ لقد بادَتْ وانتهتْ من الوجودِ وبقيَ خبرُها عبرةً للمعتبرين ودروسًا للمكذِّبين والمتطاولين: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ (١٩) تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ (٢). أيها المؤمنون: وحركةُ التاريخِ وبأسُ اللهِ لمْ يتوقفا عندَ قومِ عاد، فثمةَ (ثمود) الذينَ جابوا الصخرَ بالواد، وبوَّأهم اللهُ في الأرضِ يتخذونَ من سهولِها قصورًا وينحتونَ من الجبالِ بيوتًا، آتاهمْ الناقةَ آيةً مبصرةً على صدقِ صالحٍ ﵇ فظلموا بها، وانبعثَ أشقاهمْ فعقرَ الناقة، وعتوْا عنْ أمرِ ربهم، ﴿وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٣). فكانتْ نهايتُهم: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ (٤) وفي آية

стр. 2718

أخرى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ (١). وبقيتِ العبرةُ ﴿فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ (٢). ومنْ عادٍ وثمودَ - ورغمَ فاصلِ الزمان - إلى فرعونَ وقارونَ، حيثُ يتكررُ الطغيانُ والاستكبار .. ثم تتجددُ معهُ سُنةُ اللهِ في تدميرِ الطغاةِ والمستكبرين. أجل؛ لقدْ بلغَ فرعونُ منَ الطغيانِ حدًا قالَ معه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (٣). وبلغَ منَ السخريةِ بموسى وربِّه أنْ قال: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ﴾ (٤). وتسلطَ فرعونُ على المؤمنين، وجيَّشَ جنودَه لمطاردتهم ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ وسخِرَ بموسى ومنْ معهُ منَ المؤمنين قائلًا ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ، وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ، وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ (٥). ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢]. وتطاولَ فرعونُ وجنودُه، فطاردوا المؤمنينَ حتى وهم يجاوِزون البحرَ ﴿بَغْيًا وَعَدْوًا﴾ (٦) .. واتخذوا لمنْ لمْ يستطعِ الفرارَ حبالًا وأوتادًا، ومنْ عجبٍ أنَّ هؤلاءِ الطغاةَ لا

стр. 2719

صاحبَ لهم إذا خالفَ توجُّهَهم، ولا حرمةَ ولا رحمةَ لحبيبٍ أو صديقٍ إذا لمْ يستجبْ لكلِّ مطالبهم. ألا ترونَ فرعونَ شملَ بالعذابِ زوجتَه وأقربَ الناسِ إليه، ولمْ تسلمْ منَ الأذى كذلكَ ماشطةُ ابنتهِ حينَ انضمَّتا إلى قافلةِ المؤمنين، وإنْ كانوا قلةً ومطاردين. وتوجهتْ امرأةُ فرعونَ إلى اللهِ بالدعاءِ متحديةً فرعون وأوتادَه ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (١). ونجتْ المرأةُ المؤمنةُ الصابرةُ وخلّدَ القرآنُ ذكرَها مثالًا للإيمانِ ونموذجًا للمؤمنين. أيها المسلمون: وبعدَ مسلسلِ الظلمِ والجبروتِ الذي مارسَهُ فرعونُ وجندُه، تحققتْ فيهم سُنةُ اللهِ في هلاكِ الظالمين ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ (٢) ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ (٣). ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ، فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ (٤). وبقِيَتِ الآيةُ، لكنْ لمن؟ لمنْ يعقلونَ ويتفكرون، قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ (٥). عبادَ الله: أما قارونُ ببغيهِ وجحودهِ فجاءَ في معرضِ الحديثِ عن قصتِهِ قولُه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً

стр. 2720

وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (١). وكانتِ النهايةُ المؤلمةُ والعبرةُ الموقِظةُ ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ﴾. وكانَ ختامُ القصة، يقولُ تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢). اللهمَّ انفعْنا بمواعظِ القرآنِ، واهدِنا بهديِ القرآن، أقولُ ما تسمعون واستغفر الله لي ولكم.

стр. 2721

الخطبةُ الثانية: أمةَ القرآنِ: وبعدَ قرونٍ متطاولةٍ وبعدَ أحاديثَ وقصصٍ عنْ مصارعِ الغابرينَ المستكبرين، يعرضُ القرآنُ على مشارفِ بعثةِ محمدٍ ﷺ قصةَ أصحابِ الفيل، الذينَ انساحوا في الأرضِ يسفكونَ الدماءَ ويذِّلونَ الأعزاءَ وينهبون الأموالَ ويسيطرونَ على المقدَّرات .. والهدفُ في النهاية قريشٌ وبيتُ اللهِ الحرام .. ولئنْ تحققَّ لأبرهة وجيشهِ جزءٌ من النصرِ على تجمعاتِ سحقوها وشعوبٍ أذلوُها، فقد كانَ موعدُ قدر اللهِ فيهم عندَ بيتهِ المحرَّم، وكانت سنةُ اللهِ في إهلاكهم بجندٍ من السماءِ حَصَبتْهم حتى هلَكَ منْ هلَكَ منهم، وعادَ خاسئًا منْ عادَ منهم، وماتَ في الطريق منْ ماتَ منهم، وخُلِّدت الحادثةُ في كتابِ اللهِ، تشهدُ على سحْقِ الباطلِ وتدميرِ المجرمين، وإبطالِ كيدِ الكائدين ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ، أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ (١). أيها المسلمون: وبعُثَ محمدٌ ﷺ بالهدى ودينِ الحقِ وشعَّ نورُ الإسلام، فما فتئ الأعداء يتربصونَ بالمسلمينَ الدوائرَ؛ أوذيَ النبيُّ ﷺ والمؤمنونَ في مكة، فهاجرَ منْ هاجرَ منهمْ إلى الحبشة، وماَت تحتَ التعذيبِ منْ مات، وأخيرًا ارتحلَ المسلمونَ عن مكةَ مهاجرينَ إلى المدينةِ على إثرِ مطاردةِ قريش وتضييقها، وكانَ القرآنُ ينزلُ مسلِّيًا لمحمدٍ ﷺ والمؤمنين، ومذكِّرًا لهمْ بسنةِ اللهِ في الإيذاءِ وما يعقبهُ من تمكين، وكانَ فيما نزلَ على محمدٍ ﷺ قولهُ تعالى: ﴿وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلًا،

стр. 2722

سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ (١). وهاجرَ رسولُ الله ﷺ والمؤمنون إلى المدينةِ وابتدأتْ مرحلةٌ جديدةٌ منَ الجهاد، فقريشٌ لمْ تكفَّ عنْ مطاردةِ المؤمنينَ وهمْ خارج حدودِها، وكانتْ غزوةُ الأحزابِ ذروةَ الصراعِ بين الحقِّ والباطلِ، حيثُ تجمعتِ الأحزابُ وتألَّفتْ الأعداءُ وتحالفَ اليهودُ مع المشركين، وانضمَّ إليهمُ المنافقون في مشهدٍ زلزلَ المؤمنين، وزاغتِ الأبصارُ وبلغتِ القلوبُ الحناجرَ .. فلما صدَقَ المسلمونَ معَ ربِّهم وثَبتوا مع نبيِّهم جاءَ الفرجُ، ودافعَ اللهُ عن أوليائه ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ (٢). وما فتئ اليهودُ يتحرشونَ بالمسلمين، تارةً، ويتحيَّنونَ الفرصةَ للقضاءِ على الرسولِ ﷺ أخرى، حتى أبطلَ اللهُ كيدَهم وخُضِّدَت شوكتُهم، بلْ دخلَ في الإسلام مُنقادًا منْ فتحَ اللهُ على قلبهِ منهم. وهكذا النصارى أجلَبوا على المسلمين، وهمُّوا باقتحامِ المدينةِ، فأرسلَ النبيُّ ﷺ أصحابَه لمنازَلَتهم وكانتْ وقعةُ مؤتة، ورغمَ ما فيها منْ شهداءِ المسلمينَ بدايةّ لجهادِ النصارى، حتى تحطمتْ دولُتهم، وورثَ المسلمونَ أرضَهم وديارَهم، ومنْ يتأملُ الفرقَ بينَ (مؤتَة) في السنةِ الثامنةِ للهجرة، واليرموكَ في السنةِ الثالثةِ عشرةَ أو الخامسةَ عشرةَ- كما قالَ المؤرخون- يرى أنَّ فارق الزمانِ ضئيلٌ بين قوةِ الرومِ العظمى في مؤتة، وبينَ تحطيمِ قوتِهم وانتصارِ المسلمين عليهم في اليرموك.

стр. 2723

أيها المسلمون: وبعدَ نحوِ ستةِ قرونٍ كانتْ موجاتُ المغولِ وحملاتُ الصليبيين، وكان إعصارًا مدمِّرًا وغزوًا ساحقًا، أُبيدتْ الدولُ والممالكُ وأفنيتْ الشعوبُ وأُهلكَ الحرثُ والنسلُ .. فلما بلغَ الظلمُ نهايتَه حلَّتْ بهم سُنةُ الله في التدميرِ والفناءِ، ولم يبقَ إلا أخبارُهم تُروى عبرةً للمعتبرين. وبعدُ يا عبادَ الله: فهذا الاستعراضُ التاريخيُّ لبيانِ طرفٍ منْ سننِ اللهِ في تدميرِ الظالمين، والدرسُ يقولُ: إن لكلِّ أجلٍ كتابٌ، ولكلِّ بدايةٍ نهايةٌ، ولكلِّ قوةٍ ضعفٌ، وآياتُ القرآن الحكيم تعرضُ لهذه السنَّةِ الربانيةِ في عددٍ منْ سورِ القرآنِ وآياتهِ، فهلْ نسمعُ ونعقلُ منها منْ مثل قولِهِ تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ (١) وقوله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ، فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا، وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا، وَكُلًا ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ وَكُلًا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ (٣). أيها المسلمون: ويبقى بعدَ ذلكَ السؤالُ المهمُّ: ماذا عنْ سُنن اللهِ في نصرِ المؤمنين، وهلْ منْ نماذجَ منْ نصرِ القلةِ المؤمنةِ على الكثرةِ الكافرةِ؟ ذلكَ ما سأعرضُ له فيالخطبةُ القادمةِ إن شاءَ الله.

стр. 2724

نعمْ، إذا كانَ للهِ سُننٌ في التدمير والإهلاكِ، فلهُ كذلكَ سننٌ في النصرِ والتمكين ... وعلى المسلمينَ أنْ يعلموا هذه السننَ، ويعملوا بها إنْ أرادوا نصرًا وتمكينًا وعزًا وفتحنًا مبينًا. اللهم انصرْ دينَك وعبادَك، وانتقمْ منَ الكافرينَ الظالمين.

стр. 2725

من سنن الله في نصر المؤمنين (١) الخطبةُ الأولى: إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالنا، من يهدِ اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله. اللهم صلِّ وسلِّمْ عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهمَّ عن الصحابة أجمعين والتابعين وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وسلِّم تسليمًا كثيرًا. أيها الناس: كانَ الحديثُ في الجمعةِ الماضيةِ تذكيرًا بمصيرِ الظالمينَ وعقوبة المستكبرين .. لتأكيد ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا﴾ (٢) وإنَّ اللهَ يمهلُ ولا يُهمل، وإن كيدَ الكافرين في تباب. وتلكَ سُنَّةٌ ربانيةٌ ماضيةٌ تتجددُ كلما تجددَ العدوانُ والظلمُ والاستكبار. أما حديثُ اليومِ فهوَ عنْ سُنةٍ ربانيةٍ أخرى في نصرِ المؤمنينَ والتمكينِ للمسلمين في الأرض، وهذا النصرُ والتمكينُ لا يكفي فيه مجردُ الانتسابِ للإسلام، أو دعوى حبِّ اللهِ ورسوله، أو مجردُ العلمِ بأن ظاهر الإسلامَ ظاهرٌ وأنَّ الغلبةَ للمسلمينَ وهمْ غارقونَ في وحلِ الفساد، بعيدونَ عن أسبابِ النصر. وأُولى هذهِ السنن أنَّ البأساءَ والضراءَ- مع الصبرِ والمجاهدةِ- مقدماتٌ للنصر.

стр. 2726

أيها المسلمون: لقد امتُحنَ المؤمنونَ السابقونَ على النصرِ، وزُلزلوا وفيهمُ الأنبياءُ والمرسلونَ حتى إذا صبروا وصدقوا جاءهمْ نصرُ الله ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (١). ثم ذُكِّرَ المسلمونَ اللاحقونَ لهمْ بهذهِ السُنَّة، وقيلَ لمحمدٍ ﷺ وأصحابهِ ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (٢). ومنْ هنا يمكنُ القولُ: إنَّ منْ سُننِ اللهِ أنَّ حلولَ الباساءِ والضراءِ- بأهلِ الإسلام- مقدماتٌ للنصر، إذا صبروا وجاهدوا، وأخلَصوا في صدقِ توجُّههمْ إلى الله. نعمْ إنَّ الأمةَ قد تُصابُ بالنكباتِ والويلاتِ والمحنِ والمآسي، ولكنها تُخطئُ الطريقَ في توجُّهِهَا، فتستجدي الكافرين، أو تطلبُ النصرَ منْ أعدائِها، وقد تغضُّ الطرفَ عنْ موالاةِ المؤمنينَ في حالِ محنتِهم وحاجتِهم للنُّصرة، فيحلُّ بهمْ ما حلَّ بإخوانهم ومُحالٌ أن يأتيَ النصرُ حتى يتوجَّهُ المسلمون بكلِّيتهم إلى الله، ويحققوا مفهومَ الولاءِ مع المؤمنين، والبراءِ منَ الكافرين، وفي هذا توجيهُ ربِّنا ﵎ يقول: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٣). ٢ - الفسادُ والفسوقُ معوقاتٌ عنِ النصر: وفي مقابل السُّنة الماضيةِ فإنَّ ظهور الفسادِ وشيوعَ الفسقِ وطغيانَ الترفِ،

стр. 2727

معوقاتٌ عنِ النصرِ .. ومنْ يتأملُ واقعَ المسلمين يرى أنَّ الفسادَ ظاهرٌ في البرِّ والبحر، على مستوى الرجلِ والمرأةِ والمجتمعِ والدول، فسادٌ في القيم والأخلاق، وفي الإعلامِ والاقتصاد، وسائرِ جوانبِ الحياةِ إلا منْ رحمَ اللهُ. بل إن الفسادَ عقوبةٌ ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ وهو امتحانٌ للتوبة والرجوع ﴿النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (١). وعاقبةُ الفسادِ وخيمةٌ، واللهُ يقول: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ (٢). وفسقُ المترَفين يُدمِّرهم وغيرَهم ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (٣). واللهُ تعالى لا يُصلحُ عملَ المفسدين، ويكرهُ الفسوقَ والعصيان. ٣ - التضرعُ لله: ومنْ سُننِ اللهِ أنهُ تعالى يرفعُ ما حلَّ بالناسِ منْ بلاءٍ ومحنةٍ وفسادٍ ومصائبَ، إذا هم تضرَّعوا إليه وحدَه وسألوه بقلوبٍ وجلةٍ كشفَ الغمةِ ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ (٤). إنَّ المصيبةَ مضاعفةٌ حينَ تغفلُ القلوبُ وتقسوا وهي تعيشُ في ذُلِّ المعصيةِ وتتجرعُ كئوسَ البأساءِ والضراءِ، تلكَ أمةٌ ما عقلَتْ المصيبةَ وأسبابَها، ولا عرفتْ بعدُ طُرقَ النجاةِ منها، وأولئكَ قالَ اللهُ عنهم: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٥).

стр. 2728

إنَّ قسوةَ القلوبِ -يا عبادَ الله- مرضٌ عضالٌ لا بدَّ مِنَ المسارعةِ بعلاجه، ولقد حُذرتْ هذهِ الأمةُ من ذلكَ وضُربتْ لها الأمثالُ لتحذرَ هذا المسلَك ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (١). ٤ - لا بدَّ منَ التغييرِ في النفوسِ للأصلح: فثمَّة سنةٌ ربانيةٌ قال اللهُ عنها: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٢)، والتغييرُ في مألوفاتِ النفوسِ صعبٌ في البداية، ولكنهُ مُثمرٌ في النهاية، والصبرُ على مرارةِ الدواءِ ابتداءً أيسرُ منْ معاناةِ المرضِ ومخلَّفاتهِ، وربما أدى المرضُ إلى الوفاة. إنَّ الفردَ الجادَّ هو الذي يُذلِّلُ نفسَه ويوطنُها على التحولِ منْ حالٍ إلى أخرى أحسنَ منها، والأمةُ الجادةُ هي التي تطوَّع أبناءَها على التغييرِ للأصلح، ومنْ قرأ عنْ عظماءِ التاريخِ أو عن الأممِ المنتصرةِ وجدَ بداياتٍ جادةً في التغييرِ قادتْ إلى النصرِ والسؤدُد. إنَّ مجرَّد التمنِّي لا يصنعُ منَ الفردِ ولا منَ الأممِ شيئًا يُذكر، وتعليقُ أخطائِنا على غيرِنا لا ينقلُنا من حالِ الذلِّ والمهانةِ إلى مراقي العزِّ والكرامة، وإذا وُجدَ في الأممِ غيرِ المسلمةِ دولٌ ضُربتْ حتى كادتْ تنتهي من الوجودِ فأعادتْ نفسَها بجدِّ وألزمتْ شعبَها بنوعٍ من التربيةِ والعمل، فعادتْ قوتُها منْ جديد، وبرزتْ في ميدانِ الصراعِ العالمي منافسًا يُحسبُ له الحساب. أفتعجزُ أمةُ الإسلامِ وحاملةُ القرآنِ أنْ تُعيدَ نفسَها وترتبَ صفوفَها، وتنهضَ

стр. 2729

بأبنائِها منْ جديد، وهمْ أصحابُ منهجٍ يقولُ لهم: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (١) وتوجيهٌ ربانيٌّ يعلمُهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٢). ٥ - ولا بدَّ معَ إصلاحِ الذات منْ إصلاحِ الآخرين: نعمْ، إنَّ صلاحَ الفردِ بذاتِه مطلبٌ محمودٌ .. ولكنْ لا بدَّ منْ إصلاحِ المجموعةِ حتى لا ينخرَ في السفينةِ منْ يغرِقُها. إنَّ منْ سُننِ اللهِ في النصرِ والتمكينِ إقامةَ شرعِ اللهِ والحفاظَ عليهِ والأمرَ بالمعروفِ والنهيَ عن المنكر ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ (٣). وإذا رأى الناسُ الظالمَ ثمَّ لمْ يأخذوا على يديهِ أوشكَ أنْ يعمَّهم اللهُ بعقابٍ منْ عندِه .. عبادَ الله: إنَّ هناك ارتباطًا وثيقًا بينَ شيوعِ الفواحشِ والمنكرات، وبينَ مصائبِ الأمةِ ونكباتها، يجلِّيها لنا الذي لا ينطقُ عن الهوى ﷺ ويقول: «يا معشرَ المهاجرين: خِصالٌ خمسٌ إذا ابتليتمْ بهنّ- وأعوذُ باللهِ أنْ تدركوهنَّ- لمْ تظهرْ الفاحشةُ في قومٍ قطُّ حتى يُعلنوا بها إلا فَشا فيهمُ الطاعونُ والأوجاعُ التي لمْ تكنْ مضتْ في أسلافهمْ الذينَ مضوْا، ولم ينقُصوا المكيالَ والميزانَ إلا أُخذوا بالسنينَ وشدَّةِ المؤنةِ وجوْرِ السلطانِ عليهم، ولمْ يمنعوا زكاةَ أموالِهم إلا مُنعوا القطرَ منَ السماءِ ولولا البهائمُ لمْ يُمطروا، ولمْ ينقضوا عهدَ اللهِ

стр. 2730

ورسولِهِ إلا سلّطَ اللهُ عليهمْ عدوَّهمْ منْ غيرهمْ فأخذوا بعضَ ما كانَ في أيديهم، وما لمْ تحكمْ أئمتُهمْ بكتابِ اللهِ ويتحروا فيما أنزلَ اللهُ إلا جعلَ اللهُ بأسَهمْ بينَهم» (١). والسؤال: ما واقعُ الأمةِ المسلمةِ منْ هذهِ المنكراتِ، وما نصيبُ كلَّ فردٍ منها؟ ! نعوذُ باللهِ من جَهْدِ البلاء، ومنْ دَرَكِ الشقاءِ، ومنْ شماتةِ الأعداء. إخوةَ الإسلام: ٦ - ومنْ سُننِ اللهِ في النصرِ عدمُ اعتبارِ القلةِ والكثرةِ في ميزانِ النصر، فقد تنتصرُ القلةُ المؤمنةُ الصابرة على الكثرةِ الكافرة: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٢)، وقدْ ينصرُ اللهُ الفئةَ المستضعَفةَ على الكثرةِ المستكبرة: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ (٣) فاللهُ يدافعُ عن الذين آمنوا، واللهُ ينتقمُ من الكافرينَ بأيدي المؤمنين ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾ (٤). ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (٥). ٧ - لكنْ لا بدَّ من العلمِ كذلكَ أنَّ منْ سُنن اللهِ أنَّ النصرَ قدْ يتأخرُ وقدْ تكونُ جولاتٌ وجولاتٌ بينَ معسكرِ الحقِّ والباطلِ؛ ليميزَ اللهُ الخبيثَ من الطيب، ويتبينَ الصادقونَ من المنافقين، وقد يتأخرُ النصر، بلْ تحصلُ المصيبةُ على

стр. 2731

المسلمين ليكرِمَ اللهُ منْ يُكرمُ بالشهادةِ ويمحصَّ المؤمنين ويمحقَ الكافرين، وفي هذا يقولُ ربُّنا مخاطبًا خيرةَ المرسلين وخيرَ القرون ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ (١). ومهما تأخرَ نصرُ المؤمنين، ومهما تسلطَ الكافرون فثمةَ أجلٌ محددٌ ينتهي فيه الظلمُ ويهلكُ الظالمون، ذلك أنَّ الناسَ قدْ يرونَ موجباتِ العذابِ، وأسبابَ الانهيار قد حلَّتْ بأمةٍ من الأممِ والدولِ ثمَّ لا يرونَ زوالَها بأنفسِهم، وسنةُ الله ماضيةٌ لكنْ قدْ يكونُ عمرُ هذه الدولةِ الظالمةِ أطولَ منْ عمرِ الأفرادِ المعاصرين لها، ولا بدَّ من استيفاءِ الأجلِ كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٢). وقالَ تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا﴾ (٣). اللهمَّ انفعْنا بالقرآن.

стр. 2732

الخطبةُ الثانية: الحمدُ للهِ، أزمَّةُ الأمورِ بيدِه، وأمورُ الكونِ والخلقِ لا تخرجُ عن قدرتِه ومشيئتِه، وأشهدُ أنْ لا إله اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه وخيرتُه من خلقِهِ، اللهمَّ صلِّ وسلمْ عليه وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلين. عبادَ الله: ٨ - وثمةَ أمرٌ بالغ الأهميةِ في تحقيقِ النصرِ للمسلمين ألا وهوَ صدقُ التوكلِ على الله وحدَه، وصرفُ الخوفِ منهُ وحدَه. نعمْ، إنَّ الناسَ في حالِ الرخاءِ يرددونَ هذه المعاني ويعقلونها، ولكنَّ الخللَ يحدثُ حينَ تقعُ الأزماتُ وحينَ يستشري العدوُّ ويُهددُ ويُزبد، ويزدادُ القلقُ أكثرَ حينَ تُحاطُ الأمةُ بأعداءَ مِنَ الخارجِ والداخل، وحينَ يقلُّ النصرُ، ويضعفُ المُعين .. هنا وفي ظلِّ هذه الظروفِ الحرجةِ يُساورُ النفوسَ الضعيفةَ الشكوكُ، ويستولي عليها الخوفُ مِنَ البشر، فيضعفُ يقينُها بالله، ويخفُّ ميزانُ التوكلِ على اللهِ وحدَه. والقرآنُ يُطمئِنُ المؤمنين، بلْ يربطُ بين هذه المعاني وبينَ الإيمانِ ويقولُ تعالى ﴿فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (١). والمرسلونَ ما فتئوا يعلِّمونَ الناسَ التوكلَ على اللهِ، لا سيما في الشدائد، وتأملْ توجيهَ موسى ﵇ لقومِهِ على إثرِ تخوفهمْ منْ فرعونَ وعُلوِّه. واللهُ يقول: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن

стр. 2733

يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ، وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ، فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (١). والمؤمنونَ مع محمدِ ﷺ حين خُوِّفوا بجمع الكافرين وتهديدِهم لجئوا إلى سلاح التوكل وآووْا إلى ركنٍ شديد ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ ثم قالَ مبيِّنًا مصدرَ الخوفِ مِنْ غيرِ الله: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (٢). وخرجَ المسلمون إلى حمراءِ الأسدِ ومصابُهم كبيرٌ في أُحد، وجراحاتُهم تثعبُ دمًا .. لكنه الصدقَ مع اللهِ والخوفَ منهُ وحدَه .. والصبرَ والتحملَ في ذاتِ الله .. الأمرُ الذي أرهبَ العدوَّ فولَّوْا مدبرين. كمْ نحنُ بحاجةٍ إلى إحياءِ هذه المفاهيم- حينَ تحزُبُ الأمورُ- ليكونَ الخوفُ كلُّه من الله، وليكونَ التوكلُ جميعُه على الله، لا أنْ تكونَ هذه المفاهيمُ نرددُها في حالِ السراءِ، ثم تغيبُ عنّا- أو عنْ بعضِنا- في حالِ الضراء! أيها المسلمون: ومنْ عجبِ أنَّ المؤمنينَ الصادقينَ لا تزيدُهم الشدائدُ إلا قوةً وإيمانًا وتسليمًا، بخلافِ غيرهمْ ممن يَفرَقونَ عندَ أدنى مصيبة، بلْ ويحسبونَ كلَّ صيحةٍ عليهم. ودعوني أقفُ وإياكمْ على قصةِ المسلمين حين دهمَتْهم الأحزابُ في المدينة، لا كما تعرضُها كتبُ السيرةِ، فتلك مطوَّلة وإن كانت مفيدةٌ، ولكنْ

стр. 2734

كما يعرضُها القرآنُ فهم أخصرُ وأبلغُ في التعبير. نعم، لقد زُلزلَ المؤمنون لهذا التجمعِ العداونيِّ الغاشم، وزاغتِ الأبصارُ وبلغتِ القلوبُ الحناجرَ .. ولكنَّ الله تعالى اعتبرَها نعمةً على المؤمنين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ﴾ (١) الآية، وهلْ تكونُ البليةُ نعمةً؟ نعم لأنَّ بها يزدادُ رصيدُ المؤمنين وينكشفُ المنافقون ويُردُّ بأسُ الكافرينَ، ويتنزلُ نصرُ اللهِ ورحمتُه بعدَ البلاءِ والتمحيص. أما المؤمنون- فرعمَ هولِ الموقفِ وزلزلته- فقدْ استبشروا باللقاءِ والكربِ لأنه طريقٌ إلى النصر ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (٢). لقد اتخذَ المؤمنونَ من شعورِهم بالزلزلةِ سببًا في انتظارِ النصر، ذلكَ أنهم صدَّقوا قولَ الله من قبل: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (٣). إخوةَ الإسلام: ومهما قيل عنْ أسبابِ النصرِ وعواملِ التمكينِ للمسلمينَ في الأرض، فالإيمانُ الحقُّ بدؤُها ونهايُتها وأولُها وآخرها، هو ضمانةٌ للنصر ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (٤). ووعدٌ محققٌ بهِ للنصر ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥) بسلاحِ الإيمانِ

стр. 2735

ولوازمهِ، وبيقظةِ المسلمينَ يُرهبُ الأعداءُ، قديمًا وحديثًا؛ وهنا أسوقُ لكم خبرًا وتعليقًا جاء في إذاعة «إسرائيل» ونصّهُ: «أنَّ على اليهودِ وأصدقائِهم أنْ يدركوا أنَّ الخطرَ الحقيقيَّ الذي تواجههُ «إسرائيلُ» هو خطرُ عودةِ الروحِ الإسلاميةِ إلى الاستيقاظ من جديد ... وإنَّ على المحبينَ لإسرائيلَ أنْ يبذلوا كلَّ جُهدِهم لإبقاءِ الروحِ الإسلاميةِ خامدةً؛ لأنها إذا اشتعلتْ منْ جديدٍ فلنْ تكونَ إسرائيلُ وحدَها في خطر، ولكنَّ الحضارةَ الغربيةَ كلَّها ستكونُ في خطر» (١). فهل يدركُ المسلمونَ مكمنَ القوةِ عندهم، فيستعلُموا بإيمانِهم ويجدِّدوا في توبتِهم إلى بارئِهم مُستحبيبين لنداءِ الرحمن ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢). كمْ نحنُ بحاجةٍ إلى التوبةِ أفرادًا وشعوبًا ودولًا، توبةً مما يعلَمُه الناسُ عنا، وتوبةً مما لا يعلمُه إلا اللهُ عنْ كلِّ أحدٍ منا، لا بدَّ من التوسلِ إلى اللهِ في كلِّ حينِ والتضرع إليه حينَ الخطوبِ، والخروجِ منْ وَحَلِ الموبقاتِ وتطهيرِ الأنفسِ من السيئاتِ .. لعلَّ الله أنْ يرحمَنا ويدفعَ عنّا ويصرفَ عنْ إخواننا المسلمين ما حلَّ بهم من الضراءِ والكربات .. فهو وحدَه فارجُ الكُرباتِ، وهو وحدَه كاشفُ البليَّاتِ .. هوَ حسبُنا ونعمَ الوكيلُ، على اللهِ توكلْنا وعليه فليتوكلِ المؤمنون .. اللهمَّ فارجَ الكرباتِ .. فرّجْ عنا وعنْ إخوانِنا كلَّ كرب وانصرنا على عدوكّ وعدونا.
следующие страницы →