المسلمين ليكرِمَ اللهُ منْ يُكرمُ بالشهادةِ ويمحصَّ المؤمنين ويمحقَ الكافرين، وفي هذا يقولُ ربُّنا مخاطبًا خيرةَ المرسلين وخيرَ القرون ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ (١).
ومهما تأخرَ نصرُ المؤمنين، ومهما تسلطَ الكافرون فثمةَ أجلٌ محددٌ ينتهي فيه الظلمُ ويهلكُ الظالمون، ذلك أنَّ الناسَ قدْ يرونَ موجباتِ العذابِ، وأسبابَ الانهيار قد حلَّتْ بأمةٍ من الأممِ والدولِ ثمَّ لا يرونَ زوالَها بأنفسِهم، وسنةُ الله ماضيةٌ لكنْ قدْ يكونُ عمرُ هذه الدولةِ الظالمةِ أطولَ منْ عمرِ الأفرادِ المعاصرين لها، ولا بدَّ من استيفاءِ الأجلِ كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٢).
وقالَ تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا﴾ (٣).
اللهمَّ انفعْنا بالقرآن.
стр. 2732
الخطبةُ الثانية:
الحمدُ للهِ، أزمَّةُ الأمورِ بيدِه، وأمورُ الكونِ والخلقِ لا تخرجُ عن قدرتِه ومشيئتِه، وأشهدُ أنْ لا إله اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه وخيرتُه من خلقِهِ، اللهمَّ صلِّ وسلمْ عليه وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلين.
عبادَ الله:
٨ - وثمةَ أمرٌ بالغ الأهميةِ في تحقيقِ النصرِ للمسلمين ألا وهوَ صدقُ التوكلِ على الله وحدَه، وصرفُ الخوفِ منهُ وحدَه. نعمْ، إنَّ الناسَ في حالِ الرخاءِ يرددونَ هذه المعاني ويعقلونها، ولكنَّ الخللَ يحدثُ حينَ تقعُ الأزماتُ وحينَ يستشري العدوُّ ويُهددُ ويُزبد، ويزدادُ القلقُ أكثرَ حينَ تُحاطُ الأمةُ بأعداءَ مِنَ الخارجِ والداخل، وحينَ يقلُّ النصرُ، ويضعفُ المُعين ..
هنا وفي ظلِّ هذه الظروفِ الحرجةِ يُساورُ النفوسَ الضعيفةَ الشكوكُ، ويستولي عليها الخوفُ مِنَ البشر، فيضعفُ يقينُها بالله، ويخفُّ ميزانُ التوكلِ على اللهِ وحدَه.
والقرآنُ يُطمئِنُ المؤمنين، بلْ يربطُ بين هذه المعاني وبينَ الإيمانِ ويقولُ تعالى ﴿فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (١).
والمرسلونَ ما فتئوا يعلِّمونَ الناسَ التوكلَ على اللهِ، لا سيما في الشدائد، وتأملْ توجيهَ موسى ﵇ لقومِهِ على إثرِ تخوفهمْ منْ فرعونَ وعُلوِّه.
واللهُ يقول: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن
стр. 2733
يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ، وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ، فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (١).
والمؤمنونَ مع محمدِ ﷺ حين خُوِّفوا بجمع الكافرين وتهديدِهم لجئوا إلى سلاح التوكل وآووْا إلى ركنٍ شديد ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ ثم قالَ مبيِّنًا مصدرَ الخوفِ مِنْ غيرِ الله: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (٢).
وخرجَ المسلمون إلى حمراءِ الأسدِ ومصابُهم كبيرٌ في أُحد، وجراحاتُهم تثعبُ دمًا .. لكنه الصدقَ مع اللهِ والخوفَ منهُ وحدَه .. والصبرَ والتحملَ في ذاتِ الله .. الأمرُ الذي أرهبَ العدوَّ فولَّوْا مدبرين.
كمْ نحنُ بحاجةٍ إلى إحياءِ هذه المفاهيم- حينَ تحزُبُ الأمورُ- ليكونَ الخوفُ كلُّه من الله، وليكونَ التوكلُ جميعُه على الله، لا أنْ تكونَ هذه المفاهيمُ نرددُها في حالِ السراءِ، ثم تغيبُ عنّا- أو عنْ بعضِنا- في حالِ الضراء!
أيها المسلمون: ومنْ عجبِ أنَّ المؤمنينَ الصادقينَ لا تزيدُهم الشدائدُ إلا قوةً وإيمانًا وتسليمًا، بخلافِ غيرهمْ ممن يَفرَقونَ عندَ أدنى مصيبة، بلْ ويحسبونَ كلَّ صيحةٍ عليهم. ودعوني أقفُ وإياكمْ على قصةِ المسلمين حين دهمَتْهم الأحزابُ في المدينة، لا كما تعرضُها كتبُ السيرةِ، فتلك مطوَّلة وإن كانت مفيدةٌ، ولكنْ
стр. 2734
كما يعرضُها القرآنُ فهم أخصرُ وأبلغُ في التعبير.
نعم، لقد زُلزلَ المؤمنون لهذا التجمعِ العداونيِّ الغاشم، وزاغتِ الأبصارُ وبلغتِ القلوبُ الحناجرَ .. ولكنَّ الله تعالى اعتبرَها نعمةً على المؤمنين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ﴾ (١) الآية، وهلْ تكونُ البليةُ نعمةً؟ نعم لأنَّ بها يزدادُ رصيدُ المؤمنين وينكشفُ المنافقون ويُردُّ بأسُ الكافرينَ، ويتنزلُ نصرُ اللهِ ورحمتُه بعدَ البلاءِ والتمحيص.
أما المؤمنون- فرعمَ هولِ الموقفِ وزلزلته- فقدْ استبشروا باللقاءِ والكربِ لأنه طريقٌ إلى النصر ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (٢).
لقد اتخذَ المؤمنونَ من شعورِهم بالزلزلةِ سببًا في انتظارِ النصر، ذلكَ أنهم صدَّقوا قولَ الله من قبل: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (٣).
إخوةَ الإسلام: ومهما قيل عنْ أسبابِ النصرِ وعواملِ التمكينِ للمسلمينَ في الأرض، فالإيمانُ الحقُّ بدؤُها ونهايُتها وأولُها وآخرها، هو ضمانةٌ للنصر ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (٤).
ووعدٌ محققٌ بهِ للنصر ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥) بسلاحِ الإيمانِ
стр. 2735
ولوازمهِ، وبيقظةِ المسلمينَ يُرهبُ الأعداءُ، قديمًا وحديثًا؛ وهنا أسوقُ لكم خبرًا وتعليقًا جاء في إذاعة «إسرائيل» ونصّهُ: «أنَّ على اليهودِ وأصدقائِهم أنْ يدركوا أنَّ الخطرَ الحقيقيَّ الذي تواجههُ «إسرائيلُ» هو خطرُ عودةِ الروحِ الإسلاميةِ إلى الاستيقاظ من جديد ... وإنَّ على المحبينَ لإسرائيلَ أنْ يبذلوا كلَّ جُهدِهم لإبقاءِ الروحِ الإسلاميةِ خامدةً؛ لأنها إذا اشتعلتْ منْ جديدٍ فلنْ تكونَ إسرائيلُ وحدَها في خطر، ولكنَّ الحضارةَ الغربيةَ كلَّها ستكونُ في خطر» (١).
فهل يدركُ المسلمونَ مكمنَ القوةِ عندهم، فيستعلُموا بإيمانِهم ويجدِّدوا في توبتِهم إلى بارئِهم مُستحبيبين لنداءِ الرحمن ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢).
كمْ نحنُ بحاجةٍ إلى التوبةِ أفرادًا وشعوبًا ودولًا، توبةً مما يعلَمُه الناسُ عنا، وتوبةً مما لا يعلمُه إلا اللهُ عنْ كلِّ أحدٍ منا، لا بدَّ من التوسلِ إلى اللهِ في كلِّ حينِ والتضرع إليه حينَ الخطوبِ، والخروجِ منْ وَحَلِ الموبقاتِ وتطهيرِ الأنفسِ من السيئاتِ .. لعلَّ الله أنْ يرحمَنا ويدفعَ عنّا ويصرفَ عنْ إخواننا المسلمين ما حلَّ بهم من الضراءِ والكربات .. فهو وحدَه فارجُ الكُرباتِ، وهو وحدَه كاشفُ البليَّاتِ .. هوَ حسبُنا ونعمَ الوكيلُ، على اللهِ توكلْنا وعليه فليتوكلِ المؤمنون .. اللهمَّ فارجَ الكرباتِ .. فرّجْ عنا وعنْ إخوانِنا كلَّ كرب وانصرنا على عدوكّ وعدونا.
стр. 2736
فكاك الأسير (١)
الخطبةُ الأولى:
إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنا ومنْ سيئاتِ أعمالِنا، منْ يهدِه اللهُ فلا مضلَّ لهُ، ومَنْ يضللْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُه، اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ عليهِ وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلين، وارضَ اللهمَّ عن الصحابةِ أجمعينَ والتابعينَ وتابعيهمْ بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ، وسلمْ تسليمًا كثيرًا.
أيها المسلمون: دينُنا دينُ التكاتفِ والتكافلِ الاجتماعي، دينٌ تنصُّ تعاليمُه على كفالةِ اليتيم، وإعانةِ المحتاج، وفكاكِ الأسير، ورعايةِ ابنِ السبيلِ وعيادةِ المريضِ، ورعايةِ المُسِنِّ، والإعانةِ على نوائبِ الحقِّ، والتنفيسِ عن مُعْسرٍ، وتفريجِ كربِ المكروب .. ونحوِ ذلكَ منْ سلوكياتٍ تُلبسُ المجتمعَ الإسلاميَّ لَبُوسَ المودةِ والإخاءِ، وتشيعُ المحبةَ والتعاونَ بينَ المسلمين.
ولكنَّ آفةَ المسلمينَ حينَ يغفلونَ عنْ هذهِ المعاني، ويفرِّطونَ، في رعايةِ هذهِ القيمِ أو شيءٍ منها؛ فيظلُّ الفقيرُ يكابدُ الآمَ الفقرِ والحرمانِ وحدَه بعيدًا عنْ مشاعرِ المسلمينَ ومعونَتِهم، وتتراكمُ الهمومُ على مسلمٍ مهمومٍ فلا يجدُ-على الأقل- منْ يسرِّي عنهُ ويسألُ عنْ أحوالِه، ويفيضُ عليهِ مِنْ المشاعرِ المؤنسةِ ما ينفسُ كربَته أو يخففُ عليهِ ضائقتَه.
وهكذا يظلُّ المريضُ يعاني منْ ألمِ المرضِ ووحشةِ الزوارِ، فلا يُسألُ عنْ حالهِ ولا يُزارُ فيُدعى له بالشفاءِ والعافية، وينقطعُ ابنُ السبيلِ فلا يكادُ يلتفتُ إليهِ
стр. 2737
أحدٌ ليسألَ عنْ حالهِ ويقدّمُ لهُ العونَ في سفرهِ وغربتهِ، وقلْ مثلَ ذلكَ حينَ يشعرُ كبارُ السنِّ أنهمْ أصبحوا عالةً على المجتمعِ فلا يُقدَّرونَ حقَّ قدرهِم، ولا تُقدّرُ سابقُتهم ولا يُستفادُ من تجاربِهم.
وحينَ يضطرُّ المحتاجُ في سبيلِ قضاءِ حاجتهِ إلى ممارساتٍ لم يأذنْ بها اللهُ، إما عنْ طريقِ السرقة، أو النصبِ والاحتيالِ أو الاستقراضِ الرِّبَوي .. وكلها ظلماتٌ بعضُها فوقَ بعض.
إخوةَ الإيمان: أما حينَ تشتعلُ الحروبُ وتُستخدمُ لغةُ القوةِ، ويكونُ المسلمونَ هدفًا يُبتغى، هنا يكثرُ الجرحى والأسرى وتشتدُّ حاجةُ الأيامى واليتامى، ومِنَ المؤسفِ والمؤلمِ أنْ تسبقَ إلى إيواءِ هؤلاءِ وإعانتِهم جمعياتٌ تنصيريةٌ يكفيها أنْ تصرفَهم عن الإسلامِ ولوْ لمْ تُدخِلْهُم النصرانيةَ، ويكفيها أنْ تشعرَهم أنَّ النصارى كانوا أقربَ إليهم منْ إخوانِهم المسلمين وإنْ لمْ يُدخلوهم في منظومةِ النصارى وحقوقهِم، هنا تقعُ الفتنةُ ويضعفُ حبلُ الإخاءِ ويطيشُ ميزانُ التكافلِ الاجتماعيِّ عندَ المسلمين.
أما الأسارى المرتَهنون عندَ قومٍ كافرين، فكمْ لهمْ من الحقوقِ على إخوانهمْ المسلمين، وهذا رسولُ الهدى والرحمةِ يستصرخُ المسلمينَ كافةً لنجدتهمْ والسعيِ في فكِّ أسرِهم ويقول: «فكُّوا العاني (أي الأسيرَ) وأجيبوا الداعي، وأطعِموا الجائعَ وعودوا المريضَ» رواه أحمد والبخاري (١).
ولأهميةِ هذا الأمرِ بوَّبَ البخاريُ في «صحيحه» بابًا في (فكاكِ الأسير) وبه ساق الحديث.
عنْ أبي موسى الأشعريِّ ﵁ قالَ: قال رسولُ الله ﷺ : «فكُّوا العاني -يعني
стр. 2738
الأسيرَ- وأطمعوا الجائعَ، وعودوا المريض».
وساقَ حديثا آخرَ فيما اشتملتْ عليه الصحيفةُ من فكَاكِ الأسيرِ (١).
ونقلَ ابنُ حجر عن ابنِ بطَّال: فكاكُ الأسيرِ واجبٌ على الكفاية، وبهِ قال الجمهور (٢).
تُرى ما حجمُ اهتمامِ المسلمينَ بأسراهم عندَ اليهودِ أو النصارى أو عندَ غيرِهم مِنَ الأممِ والشعوبِ المعاديةِ للمسلمين!
وهذا الإمامُ مالكٌ رحمه اللهُ تعالى يقول: «واجبٌ على الناس أن يفدوا الأسارى بجميعِ أموالِهم، وهذا لا خلافَ فيه، لقولِهِ ﷺ : «فكُّوا العاني».
أما شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ ﵀ فقدْ كتبَ رسالةً مطوَّلةً إلى «سرجوان» عظيمِ أهلِ ملةِ النصارى، بمناسبةِ أسرهِ لفئةٍ من المسلمين، ومما قالهُ في هذه الرسالة: «ومنَ العجب كلِّ العجبِ أنْ يأسرَ النصارى قومًا غَدْرًا أو غيرَ غدرٍ ولمْ يقاتلوهم، والمسيحُ يقول: «مَنْ لطمكَ على خدِّكَ الأيمنِ فأدِرْ له خدَّكَ الأيسرَ، ومنْ أخذَ رداءَك فأعطِه قميصَك» وكلَّما كثرتِ الأسرى عندَكُم كانَ أعظمَ لغضبِ اللهِ وغضبِ عبادِه المسلمين، فكيفَ يمكنُ السكوتُ على أسرى المسلمينَ في قبرص، سيَّما وعامةُ هؤلاءِ الأسرى قومٌ فقراءُ وضعاء، ليسَ لهمْ منْ يسعى فيهم .. » (٣).
ثمَّ يخاطبُ الشيخُ عظيمَ النصارى مبينًّا له فرقَ معاملةِ المسلمين لمن عندهمْ من النصارى، عنْ معاملةِ النصارى لمن عندهمْ منَ المسلمين ويقول: «أما يعلمُ
стр. 2739
الملكُ أنَّ بأيدينا منَ النصارى أهلِ الذمةِ والأمانِ ما لا يُحصي عددَهم إلا اللهُ، ومعاملتُنا فيهم معروفةٌ، فكيفَ يعامِلونَ أسرى المسلمينَ بهذه المعاملةِ التي لا يرضى بها ذو مروءةٍ ولا ذو دين؟ » (١).
أيها المسلمون: وإذا كانَ هذا طرفًا منْ مواقفِ العلماءِ معَ أسارى المسلمين، فدونكم طرفًا منْ مواقفِ الأمراءِ والولاةِ مع الأسرى.
فعمرُ بنُ عبدِ العزيز ﵀ يكتبُ إلى بعضِ عمَّالِهِ: أنْ فادِ بأسارى المسلمين، وإِنْ أحاطَ ذلكَ بجميعِ ما عندهمْ مِنَ المال.
وسمعَ الحكمُ بنُ هشامٍ أميرُ الأندلسِ أنَّ امرأةً مسلمةً أُخذتْ سبيّةً فنادتْ: واغوثاهُ يا حكَم! فعظُمَ الأمرُ عليهِ وجمعَ عسكَرَهُ واستعدَّ وحشدَ وسارَ إلى بلادِ الفرنجِ سنةَ ستًّ وتسعينَ ومائة، وأثخنَ في بلادِهم وافتتحَ عدةَ حصون، وخرَّب البلادَ ونهبَها، وقتلَ الرجالَ وسبي الحريمَ، وقصدَ الناحيةَ التي كانتْ بها تلكَ المرأةُ التي خلَّصَها من الأسرِ، ثمَّ عادَ إلى قرطبةَ ظافرًا.
أما المنصورُ بنُ أبي عامرٍ فهوَ -كما قال الذهبي- البطلُ الشجاعُ الغزَّاءُ العالِمُ، جمُّ المحاسن، كثيرُ الفتوحات، ملأَ الأندلسَ سبْيًا وغنائمَ، وأكثرَ منْ غزوِ النصارى، حتى اجتمعَ لهُ من غبار المعاركِ التي خاضَها ما عملتْ منهُ لَبِنةٌ وأُلحدَتْ على خدِّه، أو ذُرَّ ذلك على كفنِهِ .. (٢).
هذا البطلُ المغوارُ ساقَ له الذهبيُّ موقفًا رائعًا في فكِّ أسرى المسلمينَ فقال: ومنْ مفاخرِ المنصورِ أنه قدِمَ منْ غزوةٍ، فتعرضتْ له امرأةٌ عندَ القصرِ فقالتْ: يا منصور، يفرحُ الناسُ وأبكي؟ إنَّ ابني أسيرٌ في بلادِ الرومِ، فثَنى عنانَه
стр. 2740
وأمرَ الناس بغزوِ الجهةِ التي فيها ابنها (١).
أيها المسلمون: هكذا كانَ أسلافُنا مع أسرى المسلمين .. عنايةً واهتمامًا ونجدة، يلبُّونَ النداءَ ويسمعونَ صوتَ المنادي، وتُجهَّزُ الجيوشُ، وتكتبُ الرسائلُ منْ أجلِ أسارى المسلمين، ثمَّ استدارَ الزمانُ وغَفى المسلمونَ الطلقاءُ من الأسر، وبقيَ الأسرى المسلمونَ في غياهبِ سجونٍ مظلمةٍ أو مرتَهنينَ في أقفاصٍ حديديةٍ مؤلمةٍ، لا مجيرَ لهمْ ولا ناصرَ إلا الله .. يتفننُ العدوُّ في أذيَّتهمْ وأسلوبِ التعاملِ معهم، ويستصرخونَ إخوانَهم المسلمينَ ولا مجيبَ؛ بلْ يُطْبِقُ الصمتُ الرهيبُ إلا مَنْ رحَم اللهُ، وأكثرُ إيلامًا أن تدافعَ عنْ حقوقهمْ منظماتٌ وهيئاتٌ لا تمتُ للإسلامِ والمسلمينَ بصلة، فهل أنفسُ المسلمينَ وحقوقُهم رخيصةٌ إلى هذا الحدِّ منَ الإهمال؟ فإلى اللهِ المشتكى وهوَ وحدَه المستعانُ.
اللهم نفِّسْ كربَ المكروبين منَ المسلمين، اللهم فكَّ أسرى المأسورينَ من المسلمين، واحفظْ عليهم دينَهم ولا تجعلْهم فتنةً للكافرين، اللهم آنِسْ وحشتَهم، وارحمْ غربتَهم.
стр. 2741
الخطبةُ الثانية:
الحمد لله فارج الكربات مغيث اللهفات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر بالعدل والقسط والإحسان، ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي والعدوان، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، قال وهو الصادق الأمين: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة» (١).
اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
إخوة الإيمان: وإذا أردتم أن تدركوا حجم المأساة والظلم التي تلحق بالمستضعفين من المسلمين، فانظروا كيف يعامل مجرمو الحرب من اليهود والنصارى، وكيف يحاكمون وماذا ثبت عليهم من العقوبات الواقعية لا مجرد الأحكام الصورية .. وبين معاملة المسلمين الواقعين في أسر اليهود والنصارى؟ !
ألا بواكي للمسلمين؟ أين صوت العلماء؟ أين شهامة الأمراء؟ أين رجالات الإعلام؟ أين أصحاب الأموال، وأين عوام المسلمين وخواصهم من الدعاء؟
وفي سيرة محمد ﷺ دعوة للدعاء للأسرى ومن وقع من المسلمين تحت طائلة فتنة الكافرين وعلى من قتل أحدا من المسلمين، وفي «صحيح البخاري» باب الدعاء على المشركين، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا قال: «سمع الله لمن حمده» في الركعة الآخرة من صلاة العشاء قنت: «اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم
стр. 2742
اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف» (١)، وفي «البخاري» أيضًا من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: بعث النبي ﷺ سرية يقال لها القراء، فأصيبوا، فما رأيت النبي ﷺ وجد على شيء ما وجد عليهم، فقنت شهرا في صلاة الفجر ويقول: «إن عصية عصت الله ورسوله» (٢).
فهل يا ترى يعجز المسلمون عن الدعاء لإخوانهم المستضعفين، وهو من سنة المصطفى (ص)؟
هل من دعوات صادقة تطلق في الأسحار؟ وهل يتحين المسلمون أوقات إجابة الدعاء، فيدعون لرفع ما حل بالأمة من محن وبأساء؟
عباد الله: وهل يسوغ لنا نسيان هؤلاء المستضعفين؟ هل من جهة تطالب بحقوقهم وترفع الضيم عنهم؟
اللهم إنهم ضعفاء فانصرهم، ومأسورون ففك أسرهم، اللهم آنس وحشتهم واحفظ عليهم دينهم وفرج كربتهم.
إخوة الإسلام: وإذا طالبت منظمة العفو الدولية بحقوق الإنسان المنتهكة في (جوانتانامو) وطالبت بزيارة الأسرى، وتعيين محامين مستقلِّين فورًا لهؤلاءِ الأسرى- كما نقلتْ وكالاتُ الأنباء- فأينَ مطالبةُ المنظماتِ الإسلامية؟ !
وإذا سمحَ لوفدِ (اللجنةِ الدوليةِ للصليبِ الأحمر) بزيارةِ هؤلاءِ الأسرى، وسمحَ كذلك لوفدِ المسئولين البريطانيين بزيارة الأسرى البريطانيين .. فهلْ يا ترى يسمحُ لعددٍ منَ الهيئاتِ الإسلامية، ووفودٍ من الدول التي لها أسرى بزيارات مماثلة؟ .
стр. 2743
وإذا نقلت الصحف الأمريكية وغيرها تحالف مجموعة من رجالِ الدينِ والمحامينَ وأساتذةِ الجامعاتِ الأمريكان للدفاعِ عنِ المعتقلين .. فهل وقعَ مثلُ ذلك عندَ المسلمين؟
لقد نشرتْ صحيفةُ «الواشنطن بوست» أنَّ منظمةَ العفوِ الدوليةِ ذكرتْ في تقريرِها السنويِّ أنَّ الولاياتِ المتحدةَ الأمريكيةَ خاضتِ الحربَ على الإرهابِ على حسابِ حقوقِ الإنسان، وهوَ الأمرُ الذي يضعفُ مصداقيةَ أمريكا كزعيمٍ عالميٍّ في القضايا الإنسانية؟
إننا معاشرَ المسلمين لا نعولُ كثيرًا على هذهِ المنظماتِ الغربيةِ في الدفاعِ عنْ قضايانا والمطالبةِ بحقوقِ إخوانِنا المسلمين .. لكننا حينَ نذكرُ ذلكَ للعلمِ بأنَّ سوءَ المعاملةِ وهضمَ حقوقِنا الإنسانيةِ وصلَ حدًّا ضجرتْ منه منظماتُ القومِ، على حينِ تبقى عددٌ مِنَ المنظماتِ المعينةِ بالأمرِ صامتةً؟ فإلى متى يظلُ الصمتُ؟ وأحوالُ المعتقلينَ تزدادُ كلَّ يومٍ سوءًا، ومصاُبهم وجرحُ أهاليهم باتَ عظيمًا، كمْ منْ دمعةٍ حرَّى أراقَها المعتقلونَ أو أُريقَتْ لهم؟ فمنْ يحسنُّ بهذهِ الدموعِ ويؤنسُ الملهوفَ وينتصرُ للمظلوم؟ ومنْ هديِ النبوةِ «انصرْ أخاكَ ظالمًا أو مظلومًا» وفي مسطورِ التاريخِ (وامعتصماه) تلكَ التي سُيرتْ لها الجيوشُ، وكان الفتحُ الأعظمُ لعموريةَ والانتصارُ للمظلومين ..
ربَّ وامعتصماهُ انطلقتْ ... ملءَ أفواهِ الصبايا اليُتَّمِ
لامسَتْ أسماعَهُمْ لكنَّها ... لمْ تلامِسْ نخوةَ المعتصمِ
وربَّ وامعتصماهُ انطلقتْ ... ملءَ أفواهِ الأسارى العزَّلِ
لامسَتْ أسماعَهُمْ لكنَّها ... لمْ تلامِسْ نخوةَ المعتصمِ
عبادَ الله: ومهما تشدَّقَ الآخرون بمنظماتِهم الإنسانيةِ لحمايةِ حقوقِ الإنسان، فيبقى الإسلامُ شامخًا في حمايةِ حقوقِ الإنسان، ويبقى ميثاقُ القرآنِ
стр. 2744
أقوى وأسبقُ وأصدقُ والله يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (١).
ويقولُ جلَّ شأنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ .. ﴾ (٢).
بلْ يجدُ المنصفونَ في تعاليمِ إسلامِنا رعايةً ورحمةً بالحيوانِ، فضلًا عنِ الإنسان، وفي «الصحيحِ» «أنَّ رجلًا اشتدَّ بهِ العطشُ فنزلَ بئرًا فشربَ منها ثمَّ خرج، فإذا بكلبٍ يلهثُ يأكلُ الثَّرى من العطشِ، فقال الرجل: لقدْ بلغَ هذا الكلبُ منَ العطشِ مثلَ الذي بلَغَني، فنزلَ البئرَ فسقى الكلبَ، فشكرَ اللهُ وغفر له» فقالَ الصحابة: يا رسولَ الله، وإنَّ لنا في البهائمِ لأجرًا؟ قال: «في كلِّ كبدٍ رطبةٍ أجرٌ».
ولئنْ كانتْ الرحمةُ بالكلبِ تغفرُ ذنوبَ البغايا، كما في الرواية الأخرى، فإنَّ الرحمةَ بالإنسانِ تصنعُ العجائب (٣)، فأين المسلمونَ منْ تعاليمِ دينِهم ونصرةِ إخوانهم؟ !
стр. 2745
عَشْرُ وَقَفاتٍ في الرؤيا والمُعبرين (١)
الخطبةُ الأولى:
إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالنا، من يهدِ اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُه، اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ عليهِ وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلين، وارضَ اللهمَّ عن الصحابةِ أجمعينَ والتابعينَ وتابعيهمْ بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ، وسلمْ تسليمًا كثيرًا.
إخوةَ الإسلام: يعرضُ للمرءِ- في حالِ اليقظة- أمورٌ تحتاجُ منهُ إلى صبرٍ ومصابرة، فأمورُ الحياة كثيرٌ كَدَرُها، والإنسانُ- كما أخبرَ الله- خُلِقَ في كبدٍ، والحياةُ الدنيا- بجُمْلتِها- متاعُ الغُرورِ.
وهذا ليس مجالُ الحديثِ اليومَ، بلْ يتجهُ الحديثُ إلى ما يعرضُ للمرء في حال المنام، إذْ تطوفُ الروحُ في عالمٍ وتخيُّلاتٍ ورؤى لا يعلمُها إلا الله، وفي المنام- بشكلٍ عام- آيةٌ من آياتِ الله ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ (٢).
ولربما نامَ المرءُ فقامَ فزعًا على إثْرِ رؤيا رآها، أو مشهدٍ تخيَّلهُ واقعًا، فلما استيقظَ لم يجدْ من ذلك شيئًا.
عبادَ الله: والناسُ في النظرِ إلى الرؤى وتعبيرِها طرَفانِ ووسطٌ؛ الطرفُ الأولُ يُعظِّمُ الرؤيا ويُسرفُ في تعبيرِها وربما ألزمَ نفسَهُ بما يتراآى له من
стр. 2746
تعبيرها -وإنْ كانتْ أضغاثَ أحلام- ومنْ هذا القبيلِ (الصنف) ما ذكرهُ الإمامُ الشاطبيُّ- ﵀ أن شريكَ بنَ عبد الله القاضي ﵀ دخلَ على الخليفةِ المهديِّ ﵀، فلما رآه قال: عليَّ بالسيفِ والنَّطْعِ، قال: ولمَ يا أميرَ المؤمنين؟ قال: رأيتُ في منامي كأنك تطأُ بساطي، وأنتَ مُعرضٌ عَنِّي فقصصتُ رؤيايَ على من عَبَّرها فقال لي: يُظهرُ لك طاعةً ويضمرُ معصيةً، فقال له شريكٌ: واللهِ ما رؤياكَ برؤيا إبراهيمَ الخليلِ ﵇ ولا أن مُعبِّرَكَ بيوسفَ ﵇، أفبالأحلامِ الكاذبةِ تضربُ أعناقَ المؤمنين؟ فاستحي المهديُ وقال: اخرجْ عني (١).
والطرفُ المقابلُ لهذا الطرفِ من لا يهتمُّ بالرؤيا، ولا يُعيرُها أيَّ اهتمامٍ ولا فرقَ عندَه بين الرؤيا الصالحةِ وبينَ أضغاثِ الأحلام.
أما الطرفُ الوسطُ- وهم المحقُّون- فهمُ الذينَ لا يُنكرونَ ولا يُبالغونَ في الرؤى، بل ينطلقونَ مُنطلقًا شرعيًا مُتَّزِنًا، سندُهم في ذلك قولُ المصطفى ﷺ : «الرؤيا الصالحةُ- وفي روايةٍ (الصادقة) - منَ الله، والحُلُمُ من الشيطان .. » (٢).
وهنا وفي مجالِ الرؤى والمناماتِ والمعبرينَ أذكِّرُ بالأمورِ العشرةِ التالية:
١ - الرؤيا الصالحةُ جزءٌ من ستةٍ وأربعينَ جزءًا من النبوة، فقدْ روى البخاريُّ وغيرُه عن عُبادةَ بنِ الصامت، وأبي هريرةَ وأنسٍ ﵃، عنِ النبيِّ ﷺ قال: «رؤيا المؤمنِ جُزءٌ من ستةٍ وأربعين جُزءًا من النبوة» (٣).
قال ابنُ حجر، إنما كانت جزءًا من أجزاءِ النبوةِ لكونِها منَ اللهِ تعالى، بخلافِ التي من الشيطان، فإنها ليستْ من أجزاءِ النبوة (٤).
стр. 2747
٢ - والرؤيا من المبشِّراتُ: كما أخبرَ النبيُّ ﷺ عن ذلك بقوله: «لم يبقَ من النبوةِ إلا المُبشِّراتُ» قالوا: وما المبشِّراتُ؟ قال: «الرؤيا الصالحةُ يراها المسلمُ أو تُرى له» (١).
قال ابنُ التِّين: معنى الحديث: أنَّ الوحيَ ينقطعُ بموتِ محمدٍ ﷺ ولا يبقى ما يُعلم منه ما سيكون إلا الرؤيا .. (٢)
٣ - ورؤيا المؤمنِ تكادُ لا تكذب .. أخرجَ البخاريُّ في «صحيحه» عن أبي هريرةَ قال ﷺ : «إذا اقتربَ الزمانُ لم تكدْ رؤيا المؤمنِ تكذبُ، ورؤيا المؤمن جزءٌ من ستةٍ وأربعينَ جزءًا منَ النبوة، وما كانَ من النبوةِ فإنه لا يكذبُ» (٣).
قال أهلُ العلم: إذا اقتربتِ الساعةُ وقُبضَ أكثرُ العلم، ودَرَستْ معالمُ الديانةِ بالهرجِ والفتنةِ، فكانَ الناسُ على مثلِ الفترةِ محتاجينَ إلى مُذكِّرٍ ومجددٍ لِما دَرَسَ من الدين كما كانتِ الأممُ تُذكرُ بالأنبياء، لكنْ لمَّا كانَ نبيُّنا خاتمَ الأنبياء، وصارَ الزمانُ المذكورُ يُشبهُ زمانَ الفترةِ عُوِّضوا بما مُنعوا من النبوةِ بِعدَه بالرؤيا الصادقةِ، التي هيَ جزءٌ من النبوةِ الآتيةِ بالتبشيرِ والإنذار (٤).
٤ - تعبيرُ الرؤى، والاجتهادُ في حملها على الخير: لا ينبغي الاستعجالُ بتعبير الرؤى، فقدْ وردَ عن النبيِّ ﷺ أنهُ قال: «الرؤيا على رِجْلِ طائرٍ ما لم تُعبَرْ، فإذا عُبِرَتْ وَقَعتْ» أخرجه أبو داود والترمزي وابن ماجه بسند حسَّنه الحافظُ ابنُ حجر وصحَّحه الحاكم (٥).
стр. 2748
وعنْ عطاء: كان يُقال: الرؤيا على ما أُوِّلت، بسند حسن (١).
وإليكمْ هذهِ الرؤيا وتوجيهِ الرسولِ ﷺ فيها:
فقدْ أخرجَ الدارميُّ بسندٍ حسنٍ- كما قالَ الحافظُ ابنُ حجر- عنْ عائشةَ ﵂ قالت: كانتْ امرأةٌ من أهل المدينةِ لها زوجٌ تاجرٌ يختلفُ- يعني في التجارة- فأتتْ رسولَ الله ﷺ فقالتْ: إنَّ زوجي غائبٌ وترَكني حاملًا، فرأيتُ في المنامِ أن ساريةَ بيتي انكسرت، وأني ولدتُ غلامًا أعورَ، فقالَ ﷺ ﷺ : «خيرٌ، يرجعُ زوجُك إن شاءَ اللهُ صالحًا، وتلدينَ غلامًا برًّا» فذكرتُ ذلكَ ثلاثًا، فجاءتْ ورسولُ الله ﷺ غائبٌ، فسألتُها فأخبرَتْني بالمنام، فقلت (أي عائشة): لئنْ صدقَتْ رؤياكِ ليموتنَّ زوجُك، وتلدينَ غلامًا فاجرًا، فقعدتْ تبكي، فجاءَ رسولُ الله ﷺ ، فقال: «مهْ يا عائشةُ، إذا عَبَّرتمْ للمسلم الرؤيا فاعبُروها على خيرٍ، فإنَّ الرؤيا تكونُ على ما يُعبِرُها صاحبُها» (٢).
ومن هنا يُقالُ لأهلِ التعبيرِ وغيرِهم: على رِسْلِكم في التعبير، لا سيَّما وقدْ غلبَ على بعضِ أهلِ هذا العصرِ الانهماكُ في الرؤى والمناماتِ، فصار سؤالُهم عنْ أحلامِهم آكدَ وأهمَّ من السؤال عن أمور دينهم، كما تزايد عددُ المعبِّرين وصاروا يتصدَّرون المساجدَ والمجالسَ والقنواتِ الفضائيةِ والمجلاتِ، وغالى بعضُ هؤلاءِ المعبِّرينَ فجزمَ بأمورٍ دقيقةٍ وقطعَ بأمورٍ غيبيةٍ مستقبلية، لمجردِ رؤيا أو عددٍ من الرؤى، وكان كما لو كانَ له رَئيٌّ من الجِنِّ، نسأل اللهَ العفوَ والسلامةَ (٣).
стр. 2749
٥ - من يُعبِّرُ الرؤى؟
حينَ يقالُ: لا ينبغي أن يتصدرَ كلُّ أحدٍ لتعبيرِ الرؤى، يُقالُ كذلك- لأصحاب المناماتِ-: ألاَّ يقصُّوا رؤياهم على كلِّ أحدٍ إلا على وادٍّ ناصح، أو ذي رأي؛ وفي روايةٍ: «لا يقصُّ الرؤيا إلا على عالمٍ أو ناصح».
قال ابنُ العربي: أما العالمُ فإنه يئولها على الخيرِ مهما أمكنَه، وأما الناصحُ فإنهُ يرشدُ إلى ما ينفعُه ويعينُه عليه، وأما اللبيبُ- وهو العارفُ بتأويلها- فإنهُ يعلمُه بما يعوَّلُ عليه في ذلكَ أو يسكتُ، وأما الحبيبُ فإنْ عرفَ خيرًا قاله، وإنْ جهلَ أو شكَّ سكتَ (١).
ويرحمُ اللهُ الإمامَ مالكَ بنَ أنس، فقد سُئل: أيعبرُ الرؤيا كلُّ أحد؟
فقال: أبالنبوةِ يُلعبُ، ثم قال: الرؤيا جزءٌ من النبوةِ، فلا يُلعبُ بالنبوة (٢).
وإذا كانَ الإمامُ ابنُ سيرين- ﵀ وهو المشهورُ بتعبير الرؤى يُسأل عن مائةِ رؤيا فلا يُجيبُ فيها بشيءٍ إلا أنْ يقولَ: اتقِ اللهَ وأحسِنْ في اليقظة، فإنهُ لا يضرُّك ما رأيتَ في المنام، وكان يقول: إنما أُجيبُه بالظنِّ والظنُّ يُخطئُ ويصيبُ (٣). إذا كان هذا منهج ابن سيرين فكيف بمن دونه من المُعبرين؟
وكمْ هي لفتةٌ ودعوةٌ قد تغيبُ عن بعضِ المعبرين، وذلكَ بتذكيرِ صاحبِ الرؤيا بالتقوى وعمل الصالحاتِ في حال اليقظةِ، والتحذير من المخالفاتِ الشرعية، فهذه وتلك تدفعُ- بإذنِ الله- السوءَ والمكروه، وصنائعُ المعروفِ تقي مصارعَ السوءِ، كما في الخبر الصحيح.
стр. 2750
٦ - حتى لا تضرَّ الرؤيا:
قد يرى المسلمُ في رؤياهُ ما يزعجُه، وقدْ يتخوّفُ من تأويلِ الرؤى، وهنا أرشدَ المصطفى ﷺ إلى عدةِ أمورٍ تدفعُ بإذنِ اللهِ ضررَ هذهِ الرؤيا، ففي «صحيح البخاريِّ» أنَّ أبا سلمة قال: لقدْ كنتُ أرى الرؤيا فتمرِضُني، حتى سمعتُ أبا قتادةَ يقول: وأنا كنتُ أرى الرؤيا تُمرِضُني، حتى سمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: «الرؤيا الحسنةُ من الله، فإذا رأى أحدُكمْ ما يُحبُّ فلا يُحدِّثْ بهِ إلا منْ يُحبُّ، وإذا رأى ما يكرهُ فليتعوذْ باللهِ من شرِّها ومن شرِّ الشيطانِ، ولْيَتْفِلْ ثلاثًا ولا يُحدِّثْ بها أحدًا، فإنها لن تضرَّه» (١).
وفي «صحيح مسلم»: «وليتحولْ عنْ جَنْبهِ الذي كانَ عليه .. » (٢)، وفي أخرى عند مسلم- أيضًا-: «فإذا رأى أحدُكم ما يكرهُ فليَقُمْ فليُصَلِّ» (٣).
قال ابنُ القيم ﵀: فأمرَ النبيُّ ﷺ منْ رأى في منامِهِ ما يكرهُه- بخمسةِ أشياء: أن يَنْفِثَ عنْ يساره، وأنْ يستعيذ باللهِ من الشيطان، وأنْ لا يخبرَ بها أحدًا، وأنْ يتحوَّلَ عن جَنْبِهِ الذي كانَ عليه، وأنْ يقومَ يصلي، ومتى فعلَ ذلكَ لم تضرّهُ الرؤيا المكروهةُ، بل هذا يدفعُ شرَّها (٤).
أعوذُ باللهِ منَ الشيطان الرجيم: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُئوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ
الخطبةُ الثانية:
الحمدُ للهِ جلَّ ثناؤُه وتقدستْ أسماؤه، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، صلى اللهُ عليه وعلى إخوانه وآله وأصحابه.
أيها الناسُ:
٧ - وفي أنواع الرؤيا .. يخلطُ كثيرٌ من الناسِ بينَ أنواعٍ من الرؤيا، وربما ظنَّ البعضُ أنَّ كلَّ ما رآه في المنامِ رؤيا حقٍّ تستحقُّ التعبيرَ .. وليسَ الأمرُ كذلك، بل الرؤيا ثلاث: «حديثُ النفسِ، وتخويفُ الشيطان، وبُشْرى من الله .. » هكذا روى البخاري عن ابن سيرين (١).
وفي «صحيح مسلم» عنْ أبي هريرةَ ﵁ عنِ النبيِّ ﷺ قال: «إذا اقتربَ الزمانُ لمْ تكدْ رؤيا المسلمِ تكذبُ، وأصدقُكم رؤيا أصدَقُكم حديثًا، ورؤيا المسلمِ جزءٌ مِنْ خمسةِ وأربعين جزءًا من النبوةِ، والرؤيا ثلاثة: فالرُّؤْيا الصالحةُ بُشرى من الله، ورؤيا تحزينٌ من الشيطان، ورؤيا مما يُحدِّثُ المرءُ نفسَه، فإنْ رأى أحدُكم ما يكرَه فليقمْ فليصلِّ، ولا يُحدِّثْ بها الناسَ .. » (٢).
ولهذا لا ينبغي للمرءِ أن يُخبرَ عنْ كلِّ رؤيا رآها، وإلى هذا أرشدَ النبيُّ ﷺ الأعرابيَّ الذي جاءَ للنبيِّ ﷺ يقولُ له: رأيتُ في المنامِ كأنَّ رأسي قطِعَ، فأنا أتبعُهُ، فضحِك النبيُّ ﷺ وقال: «إذا لعبَ الشيطانُ بأحدِكم في منامِهِ فلا يُحدِّثْ به الناسَ» (٣).
стр. 2753
٨ - نماذجُ للرؤيا الصالحةِ وعلاماتُ الرؤيا الفاسدةِ:
من الرؤيا ما هو صالحٌ ومبشِّر، فمنْ رأى النبيَّ ﷺ في المنامِ فكأنَّما رآهُ في اليقظة؛ بل جاءَ في «صحيح مسلم» منْ حديثِ أبي هريرةَ ﵁ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «منْ رآني في المنامِ فسيراني في اليقظة، أو لكأنما رآني في اليقظة، لا يتمثلُ الشيطانُ بي» (١).
والقيدُ في المنام ثباتٌ في الدِّين (٢).
واللبنُ في الرؤيا: العلمُ (٣).
وجرُّ القميصِ: الدِّين (٤).
والعينُ الجارية: عملٌ يجري لمنْ رُئيت له (٥).
هذه وأمثالُها وردتْ في صحيحِ السنة، لكنَّ المعبِّرَ لها رسولُ اللهِ ﷺ ، ويكلِّ حالٍ فالرؤيا- كما رويَ عن الإمامِ أحمد- تسرُّ ولا تَغُرُّ، وعلى منْ رأى أو رُؤيَ له ما يُسرُّ أنْ يستبشرَ ولا يغترَّ.
أما الرؤيا الفاسدةُ فسبقتِ الإشارةُ إلى نهيِ النبيِّ ﷺ عنْ حديثِ الإنسانِ عن تلاعبِ الشيطانِ به في المنام.
وقد ذكرَ العلماءُ- كابن الصَّلاحِ- أماراتٍ للرؤيا الفاسدة، كأنْ يرى مستحيلًا، أو يرى في المنامِ ما رآه في اليقظة، أو يرى ما قدْ حدثتْهُ به نفسُه في
стр. 2754
اليقظة .. ونحوها من علامات (١).
٩ - نعمْ الرؤيا تَسرُّ ولا تغرُّ، ولا يُترتَّبُ عليها أحكامٌ شرعية، ويمكنُ أنْ يستفادَ من الرؤيا لزيادةِ عملِ الصالحات، وفي رؤيا ابن عمرَ ﵄ عبرةٌ لمَنِ اعتبرَ، فقدْ أخرجَ البخاريُ في «صحيحه» أنَّ ابن عمرَ ﵄ قال: إنَّ رجالًا من أصحابِ النبيِّ ﷺ كانوا يرونَ الرؤيا على عهدِ رسولِ الله ﷺ فيقصُّونَها على رسولِ الله ﷺ فيقولُ فيها رسولُ الله ﷺ ما شاءَ الله، وأنا غلامٌ حديثُ السنِّ، وبيتي المسجدُ قبلَ أنْ أنكِح، فقلتُ في نفسي: لو كانَ فيكَ خيرٌ لرأيتَ مثلَ ما يرى هؤلاء، فلما اضطجعتُ ليلةً قلتُ: اللهمَّ إنْ كنتَ تعلمُ فيَّ خيرًا فأرِني رؤيا، فبينما أنا كذلكَ إذْ جاءني مَلكانِ في يدِ كلِّ واحدٍ منهما مقمعةٌ من حديد، يُقبلان بي إلى جهَّنمَ وأنا بينهما أدعو الله: اللهمَّ أعوذُ بكَ منْ جهنَّمَ، ثمَّ أُراني لقيني ملكٌ في يده مقمعةٌ من حديدٍ فقال: لنْ تُراعَ، نِعْمَ الرجلُ أنتَ لو تكثرُ الصلاةَ .. إلى قوله: فقصصتُها على حفصةَ، فقصَّتْها حفصةُ على رسولِ اللهِ ﷺ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ عبدَ اللهِ رجلٌ صالحٌ» وفي الروايةِ الأخرى قال ﷺ : «إنَّ عبدَ الله رجلٌ صالحٌ لو كانَ يكثرُ الصلاةَ من الليل» (٢) فقالَ نافع: لم يزلْ بعدَ ذلكَ يكثرُ الصلاةَ (يعني ابنَ عمرَ) (٣).
قال ابنُ حجر: قالَ أهلُ التعبير: منْ رأى أنه خائفٌ من شيءٍ أمِنَ فيه، ومن رأى أنه أمِنَ من شيءٍ فإنه يخافُه (٤).
стр. 2755
وبكلِّ حال، فابن عمرَ بشهادةِ المَلَكِ رجلٌ صالح، وكذلك عبَّرَها الرسولُ ﷺ وشهدَ له بالصلاح، وقدْ استفادَ الغلامُ من التذكيرِ بقيمةِ الصلاةِ، ولا سيما صلاةُ الليلِ (١). فكانَ بعدَ ذلكَ يكثرُ منها، قالَ الزُّهْريُّ: وكانَ عبدُ الله بعدَ ذلكَ يُكثرُ الصلاة من الليل (٢).
لكنْ ومعَ ذلكَ فالرؤيا لا يُرتَّبُ عليها أحكامٌ شرعيةٌ ما لمْ تكنْ من الأنبياء، إلا أن تُعرضَ على ما في أيدينا من الأحكامِ الشرعية، فإنْ سوَّغَتْها عُمِلَ بمقتضاها، وإلا وجبَ تركُها والإعراضُ عنها (٣).
١٠ - منْ كَذَبَ في حُلْمه ..
أيها المسلمون: وإذا كانَ الكذبُ مذمومًا في حالِ اليقظةِ، فهوَ كذلكَ- أو أشدُّ- في حالِ المنام، وفي «البخاري» من حديثِ ابنِ عباسٍ ﵄ عن النبي ﷺ قال: «من تَحَلَّمَ- أي تكلَّفَ الحُلْمَ- بِحُلْمٍ لم يرهُ كُلِّفَ أن يعقدَ بين شَعِيرتيْن، ولنْ يفعلَ .. » (٤).
وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من أفرى الفِرَى أن يُري الرجل عينيه ما لم ترى» (٥).
قال الإمامُ الطبريُّ: إنما اشتدَ الوعيدُ (في الكذبِ في الحُلْم) مع أنَّ الكذبَ في اليقظةِ قد يكونُ أشدَّ مفسدةً منه؛ إذ قدْ تكونُ شهادةً في قتلٍ أو حدٍّ أو أخذِ مال قال: لأنَّ الكذبَ في المنامِ كذبٌ على الله، لحديث: «الرؤيا جزءٌ من
стр. 2756
النبوة» وما كانَ من أجزاءِ النبوةِ فهو من قِبَل اللهِ تعالى (١).
ألا فاجتنبوا- عبادَ الله- الكذبَ في كلِّ حالٍ، واجتنبوه في المنامِ، فقدِ اعتبره العلماءُ من أعظمِ الأكاذيب (٢).
هذه- معاشر المسلمين- عشرُ وقَفاتٍ في الرؤيا والمناماتِ والمعبرين، فاعقلِوها لعلكمْ تفلحون، وإياكمْ والإسرافَ في عالمِ الأحلامِ أو الاستسلامِ للمنامات هروبًا من واقع، أو تنصُّلًا من واجباتٍ وتَبعات، بل المتعيَّنُ: الاشتغالُ بالنافعِ والواقع من تحصيلِ علمٍ نافع، والاجتهادُ في العملِ الصالح، والمساهمةُ في الدعوةِ لدين اللهِ والجهادُ في سبيله، فذلكَ توجيه خالقنا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣).
стр. 2757
الحِيلَ (١)
الخطبةُ الأولى:
إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ منْ شرورِ أنفسِنا ومنْ سيئاتِ أعمالِنا، من يهدِ اللهُ فلا مضلَّ له، ومنْ يضللْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُه، اللهم صلِّ وسلمْ عليه وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلين، وارضَ اللهمَّ عنْ الصحابةِ أجمعين والتابعين وتابعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ وسلِّمْ تسليمًا كثيرًا.
عبادَ الله: الحِيلُ والتحيُّلُ مما عَمَّتْ بهِ البَلْوى في هذا الزمنِ، والمسلمُ الحقُّ هو الذي يخافُ اللهَ ويراقبُه في كلِّ ما يعملُ أو يذَر، وحينَ يغيبُ الخوفُ من عقابِ اللهِ أو منْ عقوبةِ الدنيا، ويُفتنُ الناسُ بالدنيا فلا يُبالي المرءُ بما جمعَ أمِنْ حلالٍ أو منْ حرام، وحينَ تضيعُ الحقوقُ وتُنسى الواجباتُ وتهدرُ كراماتُ بني آدم، هنا يروجُ سوقُ الحِيَل وترتفعُ أسهمُ المحتالين، بل ربما انتكستِ الفِطرُ، فينظرُ إلى منْ يتورعُ عن الحيلِ بأنه إنسانٌ بسيطٌ أو مسكينٌ لا يجيدُ التعاملَ مع الناسِ، ولا يستفيدُ منَ الفُرَصِ .. أو نحوِ ذلكَ منْ عباراتٍ تُطلَقُ جُزافًا وتروّجُ للمنكر، وتوسعُ دائرةَ الحيلِ والمحتالين.
ومن هنا فلا بدَّ من التنبيه على مثلِ هذه الحيلِ وأنواعِها، وموقفِ الشرعِ منها، فما معنى الحيل؟ وما ضابطُها، وما أنواعُها؟
стр. 2758
ومن أقصرِ التعاريفِ للحِيَل: أنها جمعُ حيلة، وهي ما يتوصلُ به إلى مقصودٍ بطريقٍ خَفِيٍّ (١).
وضابطُها: إنْ كانت للفرارِ من الحرامِ والتباعدِ من الإثم فحسن، وإنْ كانت لإبطالِ حقِ مسلمٍ فلا، بلْ هي إثمٌ وعدوان (٢).
وأقسامُها- عند العلماء- بحسبِ الحاملِ عليها:
١ - فإنْ تُوصِّلَ بها- بطريقٍ مباحٍ- إلى إبطالِ حقٍّ أو إثباتِ باطلٍ فهي حرام، أو إلى إثبات حقٍّ أو دفعِ باطلٍ فهي واجبةٌ أو مستحبة.
٢ - وإنْ تُوصِّلَ بها- بطريقٍ مباح- إلى سلامةٍ من وقوعٍ في مكروه فهي مستحبةٌ أو مباحة، أو إلى تركِ مندوبٍ فهي مكروهة (٣).
أيها المسلمون: وتقعُ الحيلُ في البيعِ والشراءِ والنكاحِ والطلاقِ والزكاةِ والصدقة، والتعاملِ بين الرجلِ والمرأة، والهبةِ والشُّفعة، وهدايا العمال .. ونحو ذلك من أنواع الحِيَل.
ولكنْ دعونا نقفْ على ثلاثةِ أنواعٍ من الحيل تتعلقُ بالبيعِ والشراءِ والنكاح، واحتيالِ العمَّالِ في أعمالهم ..
أما الحِيلُ في البيعِ والشراءِ فكثير، منْ إخفاءِ العيب، والكذبِ في الحديث، والنَّجَشِ، واستقبالِ الرُّكْبان، والتحايلِ على الرِّبا وتسميتهِ بغيرِ اسمهِ وهكذا ..
وفي الحيلِ في البيوع بوّبَ البخاريُّ في «صحيحه» (بابُ ما يُكره منَ الاحتيالِ في البيوع، ولا يُمنعُ فضلُ الماءِ ليمنعَ به فضلَ الكلأ).
стр. 2759
ثمَّ ساقَ الحديثَ عنْ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «لا يُمنعُ فَضْلُ الماءِ ليَمْنعَ بِه فَضْلَ الكلأ» (١).
وعنْ معنى هذه الحيلةِ قالَ العلماء: المرادُ بالحديث: رجلٌ كانَ له بئرٌ وحولَه كلأٌ مباحٌ، فأراد الاختصاصَ به، فيمنعُ فضلَ ماءِ بئرِه أن تَرِدَه نَعَمُ غيرهِ للشُّرب، وهو لا حاجةَ به إلى الماءِ الذي يمنعُه، وإنما حاجتُه إلى الكلأ، وهو لا يقدرُ على منعهِ لكونهِ غيرَ مملوكٍ له، فيمنعُ الماءَ فيتوفرُ له الكلأ، لأن النَّعمَ لا تستغني عن الماء، بلْ إذا رعتِ الكلأَ عطشتْ، ويكونُ ماءُ غيرِ البئرِ بعيدًا عنها فيرغبُ صاحبُها عن ذلك الكلأ فيتوفرُ لصاحبِ البئرِ بهذه الحيلة (٢).
وتمامُ هذا التحيلِ في البيع- أن صاحبَ هذه البئرِ حينَ يمنعُ الرعاةَ منْ فضلِ ماءِ ليحتاجَ من احتاجَ إلى الكلأ أنْ يشتريَ منه ماءَ بئروهِ ليسقيَ ماشيته (٣).
وفي بابٍ آخرَ- عند البخاري- قال: بابُ ما يُنهي من الخِداعِ في البيوع، وقالَ أيوب: يخادعونَ اللهَ كأنما يُخادعونَ آدميًا، ولو أَتَوْا الأمرَ عِيانًا كانَ أهونَ عليّ.
ثمَّ ساقَ الحديثَ عنْ ابن عمرَ ﵄ أنَّ رجلًا ذكرَ للنبي ﷺ أنه يُخدعُ في البيوعِ، فقال: «إذا باعيتَ فقلْ: لا خِلَابةَ» (٤).
ومعنى قولِه ﷺ : «لا خِلَابةَ» أي: لا تخدعوني، فإنَّ ذلك لا يحلُّ، أي إنْ ظهرَ في العقدِ خِداعٌ فهو غيرُ صحيح (٥).
стр. 2760
هذه -معاشرَ المسلمين- نماذجُ للحيلِ والخداعِ في البيوعِ حذَّرَ منها النبيُّ ﷺ ، ووضعَ الاحتياطَ لها .. فهلْ يتقي اللهَ الباعةُ والمشترون فيما يبتاعون ويشترون، فيصدُقون مع اللهِ ومع خلقِه ليباركَ اللهُ لهمْ في بيعِهم وشرائِهم، فالرسولُ ﷺ يقولُ: «فإنْ صدَقا وبيَّنا وبورِك لُهما في بَيْعِهما، وإن كذَبا وكتَما مُحِقَتْ بركةُ بَيْعهما».
إنَّ الخداعَ في البيعِ والشراءِ ليس من النَّجابة والذَّكاءِ .. لكنه ضعفٌ في الدِّيانة، ولؤمٌ في المعاملة، وخِداعٌ للهِ ولخَلْقِه، فهل ينتهي المخادعونَ وأصحابُ الحيلِ المحرَّمةِ؟
أيها المسلمون: ومنْ حِيَل البيعِ والشراءِ، إلى حِيَل النكاحِ، كأنْ يُغرَّرَ بالمرأةِ عن الرجل بخلافِ واقعِه، أو يغرَّرَ بالرجلِ عن المرأةِ بخلافِ حالِها .. أو نحوِ ذلك.
وفي «البخاري»: (بابُ الحيلةِ في النكاحِ)، ثمَّ ساقَ به النهيَ عن الشِّغَارِ، فعنْ عبدِ الله بنِ عُمرَ ﵄ أنَّ رسولَ الله ﷺ نهى عنْ الشغار.
قلتُ لنافع: ما الشِّغارُ؟ قال: يَنكِحُ ابنةَ الرَّجُلِ، ويُنكِحُهُ ابْنَتَه بغيرِ صَدَاقٍ، وَينكِحُ أختَ الرجلِ، ويُنكِحَهُ أختَه بغيرِ صَدَاقٍ .. » (١).
ومما ذكرهُ العلماءُ منْ عللِ النهيِ لهذا النوعِ منَ النكاحِ (الشِّغار): أنهُ جعلَ بَضْعَ كلِّ واحدةٍ مهرًا للأخرى، وهي لا تنتفعُ به، فلمْ يرجعْ إليها المهرُ، بل عادَ المهرُ إلى الوليِّ، وهو مِلْكُه لبَضْعِ زوجتِه بتمليكِه لبَضْعِ موليتهِ، وهذا ظلمٌ للمرأتينِ، حيثُ لم تنتفِعا بمهرِهما (٢).
стр. 2761
ومنَ الحِيلِ المحرَّمةِ في النكاح: زواجُ التَّحليل، وهوَ أنْ يتزوجَ الرجلُ المطلقةَ ثلاثًا بعدَ انقضاءِ عِدَّتِها، أو يدخلَ بها، ثم يطلقَها ليُحِلَّها للزوجِ الأول .. وهذا النوعُ من الزواجِ كبيرةٌ من كبائرِ الإثمِ والفواحش، حرَّمه اللهُ ولَعَنَ فاعلَه (١).
قال ﷺ : «لعنَ اللهُ المُحَلِّلَ والمحلَّلَ له» (٢).
وفي حديثٍ آخرَ سمى النبيُّ ﷺ صاحبَ هذهِ الحيلةِ بالتيسِ المُستعار.
قال ابنُ القيمِ ﵀: ولا فرقَ بينَ اشتراطِ ذلك بالقولِ أو بالتواطئ والقصد، فالأعمالُ بالنيات (٣).
إخوةَ الإسلام: ومنْ حيلِ البيعِ والشراءِ وحيلِ النكاحِ إلى حيلِ العمالِ وأخذِ الهدايا- وإنْ شئتَ فقل: (الرِّشاوى) والخَطْبُ فيها أعظمُ!
ثمَّ ساقَ الحديثَ عنْ أبي حُميدٍ الساعديِّ ﵁ قال: استعملَ رسولُ الله ﷺ رجلًا على صدقاتِ بني سُليم يُدعى ابنَ اللُّتْبيَّةِ، فلما جاءَ، حاسبَه، قال: هذا مالكُم وهذا هدية، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «فهلا جلستَ في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتُك إن كنتَ صادقًا»، ثم خطبنا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى الْعَمَلِ مِمَّا وَلَّانِي اللَّهُ، فَيَأْتِي فَيَقُولُ: هَذَا مَالُكُمْ، وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، أَفَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ! وَاللَّهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
стр. 2762
فَلَأَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةً تَيْعَرُ» ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ وقال «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ » (١)
عبادَ الله: كمْ بُليَ نفرٌ منَ المسلمينَ بهذهِ الهدايا والرِّشاوى؟ وكمْ ضاعتْ حقوقُ من لا يستطيعونَ أو يتورَّعونَ عنْ دفعِ هذهِ الهدايا والرِّشاوى .. إنَّ علينا أن نتقيَ اللهَ في مطعمِنا كما نَتَّقيهِ في منكحِنا وفي بيعِنا وشراءنا، أعوذُ بالله من الشيطانِ الرَّجيمِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٢).
стр. 2763
الخطبةُ الثانية:
الحمدُ لله، أحلَّ الحلال وبيَّنهُ، وحرّمَ الحرامَ ونهى عنه، وأشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهمَّ صلِّ وسلمْ عليهِ وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلين.
وبعدُ: إخوةَ الإيمانِ، فقدْ كشفَ العلماءُ عنْ أنواعٍ كثيرةٍ منَ الحِيَل، وفي «إعلامِ الموقِّعين» لابنِ القيمِ ﵀ من ذلكَ شيءٌ كثير، وبه ناقشَ حُججَ المجيزين للحيلِ إجمالًا وتفصيلًا .. وخوّفَ المحتالينَ باللهِ وحذَّرهمْ منْ مغبَّةِ الوقوفِ بين يديه فقال:
فحقيقٌ بمنِ اتقى اللهَ وخافَ نكالهَ أنْ يحذرَ استحلالَ محارمِ اللهِ بأنواعِ المكرِ والاحتيال، وأنْ يعلمَ أنَّ للهِ يومًا تكِعُّ فيه الرجالُ وتُنسفُ فيهِ الجبالُ، وتترادفُ فيهِ الأهوالُ، وتشهدُ فيهِ الجوارحُ والأوصالُ، وتُبلى فيه السرائرُ وتظهرُ فيهِ الضمائرُ، ويصيرُ الباطلُ فيه ظاهرًا والسرُّ علانيةً والمستورُ مكشوفًا، والمجهولُ معروفًا ويُحصَّلُ ويبدو ما في الصدورِ كما يُبعْثَرُ، ويخرجُ مَنْ في القبورِ وتُجرى أحكامُ الربِّ تعالى هنالكَ على القَصْدِ والنباتِ كما جرتْ أحكامُه في هذهِ الدارِ على ظواهرِ الأقوالِ والحركات، يومَ تبيَضُّ وجوهٌ بما في قلوبِ أصحابِها منَ النصيحةِ للهِ ورسولهِ وكتابهِ وما فيها منَ البرِّ والصدقِ والإخلاصِ للكبير المُتعالِ، وتسودُّ وجوهٌ بما في قلوبِ أصحابِها من الخديعةِ والغشِّ والكذبِ والمكرِ والاحتيالِ، هنالك يعلمُ المخادعونَ أنهمْ لأنفسهمْ كانوا يخدعون، وبدينهم كانوا يلعبونَ وما يمكرونَ إلا بأنفسهمْ وما يشعرون (١).
стр. 2764
عبادَ الله: والحِيلُ كانتْ في الأممِ السابقة، وكانَ لليهودِ فيها قدحٌ مُعلى، حتى كشفَ القرآنُ خداعهم في أكثرِ منْ موضعٍ في كتابه .. وفضحَ تلاعبَهم في أحكامِ الدينِ في أكثرِ من موقف، ومنْ ذلكَ قولُه تعالى: ﴿واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (١).
أجلْ، لقد نهى اللهُ اليهودَ أن يصيدوا الحيتانَ يومَ السبتِ تعظيمًا لهذا اليومِ وامتحانًا لهم، فابتلاهم الله بكثرة الحيتان يومَ السبتِ، فتحيَّلوا على الصيد، فكانوا يحفرونَ لها حُفرًا ويتصيدونَ لها الشباك، فإذا جاءَ يومُ السبتِ ووقعتْ في تلكَ الحفرِ والشباكِ لمْ يأخذوها في ذلكَ اليوم، فإذا جاءَ يومُ الأحدِ أخذوها .. (٢).
فكانتْ تلكَ واحدةً منْ حيلِ اليهود، وأخرى قالَ عنها النبيُّ ﷺ : «لعنَ اللهُ اليهودَ، حُرِّمتْ عليهمْ الشحومُ، فَجَمَلُوها (أذابوها)، فباعُوها» متفقٌ عليه (٣).
ومنْ هنا لعنَ السلفُ منْ شاَبهَ اليهودَ في تَحَايُلِهِم على ترويجِ الحرام، وفي «البخاري» و «مسلم» عنْ ابن عباسٍ ﵄ قال: بلغَ عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ أنَّ فلانًا باعَ خمرًا فقال: قاتلَ اللهُ فلانًا، ألمْ يعلمْ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «لعنَ اللهُ اليهودَ، حُرِّمتْ عليهمْ الشحومُ، فَجَمَلُوها .. (الحديث).
وجاءَ نهيُ هذهِ الأمةِ لمشابهةِ اليهودِ في أيِّ حيلةٍ وقال ﷺ : «لا ترتكبوا ما
стр. 2765
ارتكبتِ اليهودُ فتَسْتَحِلُّوا محارمَ اللهِ بأدنى الحِيَلِ .. ».
عبادَ الله: إنَّ اللهَ إذا حَرَّمَ على قومٍ أكلَ شيءٍ حرمَ عليهمْ ثمنَه- هكذا أخبرَ المصطفى ﷺ (١).
أيها المسلمون: اتقوا اللهَ واجتنبوا الحرامَ وإياكمْ والمُشتَبَهات، فمنْ وقعَ في الشُّهباتِ وقعَ في الحرام، واحذروا المترخِّصين في الفتوى (بغير علم) والمُتَحايلينَ على النصوصِ بالحيلِ الباطلة.
وللأئمة- ﵏ كأحمدَ وغيرهِ كلامٌ في المفتينَ بالحيلِ حتى قالوا: إنَّ منْ أفتى بهذهِ الحيلِ فقدْ قلبَ الإسلام ظهرًا لبطن، ونقضَ عُرَى الإسلامِ عُروةً عُروةً. هكذا نقلَ ابنُ القيمِ عنهمْ في «إعلام الموقعين» (٢).
أيها المؤمنون: ومنْ حيلِ الأفرادِ إلى حيلِ الدول، حيث تُرسمُ السياساتُ وتُبني الخططُ على المكرِ والخديعةِ والحيل، ويظهر للناس شيءٌ وفي الباطنِ أشياء، ومنْ أعظمِ المصائبِ أن توضعَ المصائدُ لأمةِ الإسلام بحيلِ اليهودِ والنصارى، وتكونُ بلادُ المسلمين أرضًا وسكانًا .. ومواردَ وقيمًا .. مجالًا تُمارَسُ فيه أنواعُ المكرِ والخديعةِ والحيل، وأعظمُ منْ ذلكَ أنْ يروَّجَ هذا المكرُ على نفرٍ من المسلمين أو غيرِ المسلمين، فلا يقفُ تأثيرُ الأزمةِ المعاصرةِ على تغييرِ الخرائطِ الجغرافيةِ والسياسية، بل تتغيرُ خرائطُ العقولِ والأفكار- إلا منْ رحمَ اللهُ- وهنا يحتاجُ الناسُ كافةً والمسلمونَ خاصةً، إلى تثبيتٍ على الدينِ الحقِّ .. ذلك الدينُ الحقُّ الذي ارتضاهُ اللهُ لها وختمَ به شرائعَ السماء، وهو وحدَه المنقذُ للعالمِ من التخبُّطِ والضياع، وهوَ وحدَه الدينُ الذي
стр. 2766
يمكنُ أنْ يعيشَ الناسُ- كلُّ الناسِ- في ظلِّ آمنينَ بلا خوف، وفي عدلٍ بلا ظلمٍ، وكما ينقشعُ به الظلمُ تزولُ يه الظلماتُ، وصدقَ الله: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (١).
أيها المسلمون: وأختمُ الحديثَ هنا عن الحيلِ بطرحِ عددٍ منَ الأسئلةِ، وأرجو أنْ يسألَ كلُّ محتالٍ نفسَه عنها:
وهل الحيلُ كرمٌ ومروءةٌ، أم جشعٌ وخبثٌ في الطويَّة؟
- هلْ ترغبُ أيها المسلمُ أنْ يكونَ فيكَ شَبَهٌ من اليهود؟
- وهل ترضى أيها المحتالُ على الآخرينَ أنْ يحتالَ الناسُ عليك؟
- وهلْ تعتقدُ أنَّ الحيلَ ستدفعُ لكَ رزقًا لمْ يكتبْه اللهُ لك، أو توصلُك إلى منزلةٍ لمْ يقدِّرْها اللهُ لك؟
- هلْ تعتقدُ أنَّ الدنيا نهايةُ المطافِ؟ وما ظنُّكَ إذا وقفتَ بينَ يدي اللهِ وقدْ خَدعتَ هذا واحتلتَ على ذاك؟
اللهمَّ اشرحْ صدورَنا للإسلام، ونوِّرْ قلوبَنا بالقرآن، واكفِنا شرَّ الأشرارِ وكيدَ الفُجّارِ.
اللهمَّ اهدِنا لما اختُلفَ فيهِ منَ الحقِّ بإذنك.
اللهمَّ اكفِنا بحلالِك عنْ حرامِك، وأغنِنا اللهمَّ بفضلِك عمَّنْ سواك.
стр. 2767
الجَنَّةُ حينَ تُزيَّنُ في رمضان (١)
الخطبةُ الأولى:
الحمدُ للهِ أورثَ عبادَه المؤمنين الجنةَ بما كانوا يعملون، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا الله، ندبَ عبادَه إلى المسارعةِ للخيراتِ، وادَّخرَ لهمُ الثوابَ ليومِ المَعَادِ، ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (٢)، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه كان أعلمَ الناسِ باللهِ وأخوفَهم له، وأكثرَهم له عبادةً حتى أتاه اليقينُ .. صلى اللهُ عليهِ وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلين، ورضيَ اللهُ عن صحابتهِ أجمعينَ والتابعينَ ومنْ تبعهمْ بإحسانٍ إلى يوم الدين وسلِّم تسليمًا كثيرًا.
يتواصى المسلمونَ بالتقوى في كلِّ حين .. فكيفَ بالتقوى في شهرِ التقوى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٣).
إخوةَ الإسلام: أهنِّؤكمْ ونفسي والمسلمينَ بحلولِ شهرِ رمضانَ، وأسألُهُ تعالى أن يجعلَه طريقًا موصِلًا إلى الجِنَانِ في الآخرةِ وسبيلًا لعزِّ المسلمينَ وتمكينهِم في الدنيا، وحُقّ لكلِّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ إذا ذكرتِ الجنةُ أن ترجفَ منهمُ الأفئدةُ، وترْتعدَ الفرائصُ وتسيلَ دموعُ العينِ رغبًا لها، وإذا ذُكرَ نعيمُها وبهجتُها وسرورُها كادوا أن يطيروا شوقًا إليها.