السياقِ واللفظِ الترمذيُّ والنسائيُّ وابنُ ماجه، وصدرهُ في «الصحيحين» (١).
٦ - هل تُدخَلُ الجنةُ بالعملِ أمْ برحمةِ الله؟ المتقررُ شرعًا أنها تُدخلُ برحمةِ الله، كما قال ﷺ : «لنْ يُدخِلَ أحدًا عَمَلُه الجنَّةَ» وفي لفظ: «لنْ يُنْجِي أحدًا منكمْ عَمَلُهُ» (٢). ولكن العملَ سببٌ في دخول الجنة، كما قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢].
قالَ العلماءُ: والجمعُ بين الآيةِ والحديث: أن النفيَ الذي في الحديثِ هو نفيُ المعاوضةِ التي يكونُ فيها أحدُ العوضينِ مقابلًا للآخر، والباءُ التي في الآيةِ هي باءُ السببيةِ التي تقتضي أنَّ العملَ سببٌ لدخولِ الجنة وإن لم يكنْ مستقلًّا بحصولِها (٣).
إذًا لا بدَّ للجنةِ منْ عملٍ ابتداءً، ولكنَّ رحمةَ اللهِ بوابةٌ للدخولِ في النهاية.
٧ - ما هي موجباتُ دخولِ الجنة؟ هي كثيرةٌ وثابتةٌ في آياتِ الكتابِ وصحيحِ السنة، كالذِّكرِ والسُّننِ الرواتبِ والصدقةِ، والصومِ وحُسْنِ الخُلُق، والحجِّ والجهادِ وبرِّ الوالدين، والزيارة .. وقدْ أحصى بعضُهم ما يزيدُ على ستينَ موجبًا للجنةِ منْ صحيحِ السنة، وقال الشيخُ عبدُ الله الجعيثن في كتابهِ «موجباتُ الجنةِ في ضوء السنة» - وفقَّه اللهُ- تَنوُّعُ الأسبابِ الموجبةِ للجنةِ وكثرتُها رحمةٌ منَ اللهِ بعباده، فقد يتهيأُ لبعضِ المؤمنينَ بعضُ هذهِ الأسبابِ ويتعذرُ عليهمْ بقيتُها، وفدْ يوفَّقُ المؤمنُ ويفتحُ له في بعضُ هذهِ الأسبابِ ويتعذرُ عليهمْ بقيتُها، وفدْ يوفَّقُ المؤمنُ ويفتحُ له في بعضِ الأسبابِ وتتيسرُ له دونَ سواها، وعلى المسلمِ أنْ
стр. 2772
يغتنمَ الفرصةَ في أيِّ بابٍ فتحَ لهُ إلى الجنة، ويجتهدُ في تحقيقِ بقيةِ الأسباب (١).
قالَ أحدُ التابعين: إذا فُتحَ لأحدكمْ بابُ الخيرِ فليُسْرِعْ إليه، فإنهُ لا يدري متى يُغلَق عنه (٢).
يا عبدَ الله: وإذا بلّغكَ اللهُ شهرَ رمضانَ وهوَ شهرُ الصيامِ والقرآن، والإحسانِ والصلاة، والدعاءِ .. ونحوِها منْ موجباتِ الجنة، فلا تَدَعِ الفرصةَ تضيعُ عليك وسارعْ وبادر، وأَنِبْ إلى ربِّك وأخبتْ له .. عسى أنْ تكونَ منَ المفلحين.
٨ - الغفلةُ صدودٌ عنِ الجنةِ .. والعجبُ كلُّ العجبِ ممنْ يَغْفلُ عنْ مصيرينِ لا يستويان، والعجبُ كذلكَ ممنْ تُسرعُ بهِ مطايا الليلِ والنهار، ولا يتفكرُ إلى أنْ يُحملَ ويُسارَ به أعظمَ منْ سيرِ البريد، ولا يدري إلى أيِّ الدارين يُنقلُ .. أجلْ، لقدْ نُوديَ إلى الجنةِ في سوقِ الكسادِ فما قَلَب هذا المسكينُ الغاقل- ولا اسْتام، وغيرُه قدْ شمَّرَ عنْ ساق .. فواعجبًا لها كيفَ نامَ طالبُها، وكيفَ لمْ يَسْمح بمهرِها خاطبُها، وكيفَ طابَ العيشُ في هذهِ الدارِ بعدَ سماعِ أخبارها، وكيفَ قرَّ للمشتاقِ القرارُ دونَ معانقةِ أبكارها؟ وكيفَ صدفتْ عنها قلوبُ أكثرِ العالمين؟ ! (٣).
٩ - حُدَاء الجنة .. ودونكَ حُداءُ المشتاقينَ وحنينُ العارفين، يتغنونَ بالجنانِ وكأنهمْ يرونها .. ويدعونكَ للجدِّ والاجتهادِ في طلبها، وهمْ يصفونَ لكَ شيئًا منْ نعيمها ..
стр. 2773
ويقولُ ابنُ القيم- ﵀ منْ قصيدةٍ طويلةٍ وشعرٍ في وصفِ الجنة:
وما ذاكَ إلا غَيرةٌ أنْ ينالَها ... سوى كُفْئِها والربُّ بالخَلْقِ أعلمُ
وإنْ حُجبتْ عنَّا بكلِّ كريهةٍ ... وحُفَّتْ بما يؤذي النفوسَ ويؤلمُ
فللهِ ما في حشوِها منْ مَسَرَّةٍ ... وأصنافِ لذاتٍ بها يُتنعَّمُ
وللهِ بَردُ العيشِ بينَ خيامِها ... وروضاتِها، والثغرُ في الروضِ يَبسمُ
وللهِ واديها الذي هو موعدُ ... المزيد لوفدِ الحبِّ لو كنتَ منهمُ
فيا لذةَ الأبصارِ إنْ هي أقبلتْ ... ويا لَذَّةَ الأسماعِ حينَ تكلَّمُ
ويا خجلة الغصنِ الرطيبِ إذا انثنتْ ... ويا خجلةَ الفجرينِ حينَ تبسَّمُ
عناقيدُ منْ كرمٍ وتفاحُ جنةٍ ... ورمانُ أغصانٍ بهِ القلبُ مغرمُ
تَقَسَّمَ فيها الحسنُ في جمعِ واحدٍ ... فيا عجبًا من واحدٍ يتقسَّمُ
فيا خاطبَ الحسناءِ إنْ كنتَ راغبًا ... فهذا زمانُ المهرِ فهو المقدَّمُ
وصُمْ يومكَ الأدنى لعلكَ في غدٍ ... تفوزُ بعيدِ الفطرِ والناسُ صُوَّمُ
وأقدمْ ولا تقنعْ بعيشٍ منغضٍ ... فما فازَ باللذاتِ منْ ليسَ يقدمُ
فحيَّ على جناتِ عدنٍ فإنها ... منازلكَ الأولى وفيها المخيمُ (١)
أما هاتفُ القرآنِ وأما دعوةُ الرحمن، فنقول لكلِّ مسلمٍ ومسلمة: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ
رمضانُ مدرسةُ الأخلاق (١)
الخطبةُ الأولى:
إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرور أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالنا، منَ يَهْدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومَن يُضلِل فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهم صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلينَ، وارضَ اللهمَّ عن الصحابة أجمعينَ والتابعين وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسلِّم تسليمًا كثيرًا.
أيُّها المسلمون: حقًا إن رمضانَ مدرسةُ الأخلاقِ، ومَجمَعُ المكارمِ ومُلتقى الفضائل .. ولكنّ آفةَ عددٍ من الصائمين أنهم لا يُدرِكون هذه الأسرار، أو قد تَغِيبُ عنهم أشياء من حِكَمِ الصيام، ودَعُونا نقفُ اليومَ مُذكِّرين أنفسَنا بشيءٍ من هذه المعاني للصيام، وارتباطِها بتقوية القيَم ومحاسنِ الأخلاق ..
وإذا كانت (التقوى) هي الحكمةَ النافعةَ من الصيام، والله تعالى يُذكِّرنا بهذه الحكمةِ الجليلة ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢)، فثَمَّةَ حِكمٌ وأسرارٌ وتأثيرٌ للصيام في بناءِ الأخلاقِ الفاضلةِ لمن تأمَّل وحَفِظَ الصيام .. ولو قال قائلٌ: إن للصيام أثرًا عظيمًا في الإخلاصِ والصبرِ، والخوفِ والرجاء، والبِرِّ والصِّلَة، والذِّكرِ والدعاء، والمراقبةِ والحياء، والعِزَّة والحِلْم، والتوبةِ والاستغفار، والحُرية وتهذيبِ الغرائز، والدعوةِ والتربية، والجهادِ والجُود، ونحوِها من الفضائل
стр. 2781
والمكارم، لما كان مُبالغًا، وليس الخبرُ كالمعاينَةَ، فلتقِفْ على شيءٍ من هذا.
فالصائمُ يُربِّي نفسَه على (الإخلاص) وهو يستجيبُ لدعوةِ رسولِ الله ﷺ : «مَن صامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقدَّم من ذَنْبِه» فلا يصومُ رياءً ولا سمعةً ولا مجرَّدَ تقليدٍ للصائمين، بل يصومُ مُخلِصًا لله، راجيًا لثوابِه ..
وفي الحديثِ الآخر عند البخاريِّ: «يَتُرك طعامَه وشرابَه وشهوتَه من أَجْلي، الصيامُ لي وأنا أَجْزي به» وأيّ درسٍ في الإخلاص أعظمُ من هذا؟
إن الصومَ- معاشرَ الصائمين- عبادةٌ خفيةٌ، وسرٌّ بين العبد وربِّه، ولهذا قال بعضُ العلماء: الصومُ لا يَدخُلُه الرياءُ بمجرَّد الأعمالِ، فإن الرياءَ قد يدخلُها بمجرَّد فعلِها (١).
وفي الصوم درسٌ عمليٌّ للصبرِ ليس في الامتناعِ عن أكلِ أو شربِ ما حرّم اللهُ فحسبُ، بل وعمَّا أحلَّ اللهُ من طلوعِ الفجرِ إلى غروبِ الشمس، وفي ذلك ترويضٌ للنفسِ وتهذيبٌ للغرائز، وطردٌ للجَشَعِ والطَّمَع.
ومَن يُطعمِ النفسَ ما تشتهي ... كمَن يُطعم النارَ جَزْلَ الحَطَبْ
لا، بل إنَّ الصيام يُدرِّب الصائمَ على الصبرِ في تَحمُّل الأذى، والحِلْمِ والصَّفْحِ لمن أساءَ له مُكتفيًا بالقولِ: «إني صائم».
أيها الصائمون: أما أَثرُ الصيامِ في الخوفِ والرجاء- وهما جناحانِ لا بُدَّ للمَرْءِ أن يطيرَ بهما إلى الله ونعيمِ الآخرة- فالصائمُ يخافُ ربَّه وحدَه في الحفاظِ على صيامه، وهو يَرجُوه وحدَه في المَثُوبة على صيامه، وإذا كان الصائمُ إنما يصومُ إيمانًا بالله فلا شكَّ أنَّ الإيمانَ خوفٌ ورجاء، خوفٌ من عذابِ الله ورجاءُ رحمتِه وطمعٌ في جنَّتِه .. وهكذا يحقِّقُ الصائمُ المحتسِبُ مَنزِلَتَي الخوفِ
стр. 2782
والرجاء، ولا شكَّ أن الصومَ من بواعثِ الخوف، ومُحفِّزاتِ الرجاء، ومَن عَبَدَ اللهَ بالحبِّ والخوف والرجاء فهو المؤمنُ الموحِّد (١).
إي وربِّي إن الصائمَ في رمضانَ مع ما يَعظُمُ عنده من خوفٍ لله .. يَعظُمُ عنده الرجاءُ وهو يسمع «مَن صامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبِه، ومَن قام رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبِه، ومَن قام ليلةَ القَدرْ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبِه».
فهل نُدرِكُ هذه المعاني في الخوفِ والرجاء وفي شهرِ الصيامِ بالذات؟
أيها الصائمون: أما خُلُقُ (المراقبة) فالصيامُ يُزكِّيه ويُنشِّطُه، ذلكم أنَّ الصائمَ يُمسِك عن المُفطِرات كلِّها- الحِسيِّ منها والمعنويِّ- طِيلةَ النهار، فتراه أمينًا على نفسِه رقيبًا عليها، متمثلًا هيبةَ مولاه، ومُقدِّرًا رقابتهَ عليه واطِّلاعَه على كل حركاتِه، فلا يَخطُرُ ببالِه أن يَخْرِمَ صيامَه ولو توارى عن الأعيُن، بل هو متواطئٌ أن الله يراه حيثُ كان .. وتلك منزلةُ الإحسان العُظْمى، وثمرةُ المراقبةِ في شهرِ الصيام، وكم يحتاج المسلمُ إلى أن يُربِّيَ نفسَه على مراقبةِ الله دائمًا، والعارفون يقولون: لا يُحسِنُ عبدٌ فيما بينَه وبينَ الله إلا أحسنَ اللهُ فيما بينَه وبينَ الناس، والضدُّ بضدِّه .. ويقولون عن أَثَر المراقبة: «إن للخَلْوةِ تأثيراتٍ تَبِينُ في الجَلْوة، كم من مؤمن بالله يحترمُه عند الخَلَوات فيتركُ ما يشتهي حذرًا من عقابِه أو رجاءً لثوابِه أو إجلالًا له، فيكونُ بذلك الفعلِ كأنه طرحَ عودًا هنديًا على مَجْمَر فيفوحُ طِيبُه فيستنشقُه الخلائقُ ولا يدرون أين هو؟ » (٢).
عبادَ الله:
أما (الحياءُ) فهو خُلُق يَبعَث على فعل الحسنِ وتركِ القبيح، ويَمنَع
стр. 2783
من التقصير في حقِّ ذي الحقِّ .. وهذا يَدعمُه الصيامُ ويقوِّيه رمضانُ، والصائم بحِفْظه لصيامِه يراقبُ اللهَ ويستحي منه، إذ كيف يُقدِمُ على منكرٍ من القول أو الفعل وهو صائمٌ، ويستحي أن يؤذيَ مسلمًا وهو صائم، وهكذا يَغلِبُه الحياءُ كلما همّت نفسُه الأمّارةُ بالسوءِ بما يَخرِمُ الصيامَ ولا يتناسب وشهرَ الصيامِ ..
ألاَ ما أحوجَنا إلى الحياء في حياتنا كلِّها، والحسنُ ﵀ يقول أربعٌ مَن كُنَّ فيه كان عاقلًا، ومن تعلّق بواحدةٍ منهنَّ كان من صالِحِي قومِه: دينٌ يُرشِدُه، وعقلٌ يُسدِّدُه، وحَسَبٌ يصونُه، وحياءٌ يقودُه.
ومن حِكَم الشِّعر:
ولقد أَصرفُ الفؤادَ عن الشيءِ ... حياءً وحبُّه في الفؤاد
أُمسِكُ النفسَ بالعفافِ وأُمسي ... ذاكرًا في غدٍ حديثَ الأعادي
أيها المسلمونَ: أما (الحِلْم) وما أدراك ما الحِلمُ؟ ذلك الخلق العزيزُ، فلِلصَّوم تأثيرٌ ظاهرٌ فيه، كيف لا والصائمُ يُقال له: «وإذا كان يومُ صومِ أحدِكم فلا يَرفُثْ ولا يَصْخَبْ، فإن سابَّهُ أحدٌ أو قاتَلَه فبيقلْ: إني امرُؤٌ صائمٌ» أخرجاه في «الصحيحين».
إن الصائمَ تهدأُ نفسُه ويسيطر على مشاعرِه، ويتنازلُ عن جهلِ الآخرين عليه، ولا يُستفَزُّ فينتقمُ لنفسه، بل يعفو ويصفحُ ويتجاوز ويَغفِر .. وهذا مِقْودُ الحِلْم والصَّفح وإن قَدِروا على المجازاةِ والانتقام، وفي هذا يُذكَر أن الأحنفَ بنَ قيسٍ شَتَمَه رجلٌ وجعل يَتْبعُه حتى بلغ حَيَّه، فقال له الأحنف: يا هذا، إنْ كان بقيَ في نفسِك شيءٌ فهاتِه وانصرِفْ، لا يَسمَعْك بعضُ سفهائنا فتلقى ما تكرَهُ .. وذا تغنَّى الشعراءُ بهذه النوعيةِ من الأصحاب التي تقتربُ من صاحبها وإن جَفَى عليها، ويقول أحدُهم (أبو العتاهيَة):
стр. 2784
وإني لمَشتاقٌ إلى ظلِّ صاحبٍ ... يَرِقُّ ويَصفُو إن كَدِرْتُ عليهِ
فهل نتعلَّمُ- يا تُرى- من رمضانَ الحِلمَ، ونمارسُ الحِلْمَ في رمضان وغيرِه؟
أيها المسلمون: أمّا (الجهادُ والجِدُّ) ففي مدرسةِ رمضانَ متسعٌ لهما، كيف لا وأسلافُنا- وفي مقدّمتِهم نبيُّنا محمدٌ ﷺ ، خاضوا أكثرَ من معركةٍ في رمضان ابتداءً من يوم الفُرْقان في (بدرٍ) وانتهاءً بالفتح الأعظم في (فتح مكةَ) ودخولِ الناس في دينِ الله أفواجًا، وما فَتِئَ المسلمون بعدَهُم وما زالوا يجاهدونَ أعداءَ الإسلام في رمضان، حتى زمانِنا هذا.
وفوق ذلك فجهادُ المسلمِ في رمضان وجِدّيُته وصقلُ إرادتِه في شهر الصيام لا تقفُ عند حدِّ المعاركِ الحربية، بل تتعدَّاها إلى جهادِ النفس ومغالبة الشهواتِ والانتصارِ على دواعي الرذيلةِ ومُنكَراتِ الأقوال والأفعال ..
أجلْ إن الصائم الحقَّ يحفظُ لسانَه عن الكذب والغِيبةِ وقولِ الزُّور، ويحفظ سمعَه وبصرَه عن السماع والنظرِ والمحرَّم أيًّا كان شكلُه، ومهما كانت دواعِيَه، كما يحفظ رجِلَه عن المشي للحرامِ، ويدَه من تناولِ الحرام، وهكذا ينتصرُ الصائمُ في معؤكة الشهواتِ والشُّبُهات، ويجاهدُ نفسَه وشيطانَه فتكتملُ له أسهمُ الجهاد .. ويتوفرُ له الجِدُّ، وهذه التربية الجهاديةُ حَرِيّةٌ بأن تستمرَّ مع المسلمِ بعد رمضان، فالعبادةُ لله لا أَجَلَ لها دون الموتِ ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (١).، واللهُ يهدي المجاهدي ويُسدِّدُهم ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢).
стр. 2785
الخطبةُ الثانية:
الحمدُ لله صاحبِ الفضلِ والجُودِ والإحسان، أَحمَدُه تعالى وأشكرُه وأسألُه المزيدَ من فضلهِ، والتوفيقَ لنَفَحَاته، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريك له، أعطى ومَنَع، وهو أحكمُ وأعلم، ومن يَسألِ اللهَ يُوصَل، واللهُ أغنى أكرمُ، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسوله .. كان مثالًا للخُلُق الكريم، والجُود العميم، وهو في رمضانَ أَجْودُ، وما فَتِئ يُذكِّر أُمتَه ويدعوها إلى مكارمِ الأخلاق ومعالي القِيَم حتى أتاه اليقينُ، اللهمَّ صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائرِ النبيين والمرسَلين.
أيها المسلمون: يتفاوت الناسُ في الاستفادةِ من مدرسة الصوم وتطويعِ النفس على الأخلاقِ الفاضلة على الدوام، فمِنَ الناس من لا يستفيدُ- ولا في رمضانَ- في إصلاح خُلُقِه وتزكية نفسِه، وهذا الصنفُ ظنَّ أن الصيامَ إمساكٌ عن الطعامِ والشراب فحسبُ، وجَهِلَ حكمةَ الصيام وتقوى الصيام- وعسى أن تكون هذه الفئةُ قليلةً في مجتمع المسلمين- ومن الناس من يستفيدُ من درسِ رمضانَ ويَنهَلُ من مدرسةِ الأخلاق في شهرِ الصيام لكنه يَضعُف عن المواصلة بعدُ، وربما فَهِمَ خطأ أنَّ تركَ الحرام، أو عدَم التقصير في الواجبات من سِمَات رمضانَ فقط، فإذا انتهى شهرُ رمضانَ عاد إلى ما كان عليه من تَرْكِ الواجباتِ كالمحافظة على الصلواتِ مع جماعةِ المسلمين، ونحوِها من واجبات الدِّين، وإلى فِعْل المحرَّمات كأكل الربا والغِشِّ والخداع والغِيبةِ والنَّميمة والفُحْش والبِذاءِ وشُرْب الدخانِ، وربما تجاوز إلى المخدِّرات .. أو نحوها من المحرَّمات.
ولهؤلاء يُقال: إنّ رمضانَ محطةٌ للتزوُّد، ووسيلةٌ لتربية النفسِ في رمضانَ وبعدَ رمضان، وبئسَ القومُ لا يعرفونَ اللهَ ويَخشَوْنَهُ إلا في رمضانَ.
стр. 2786
أما الصنفُ الثالث فهم المُصطَفَوْنَ الأخيار، وهم الذين وفَّقهم الله لتزكية نفوسِهم في رمضان، ثم واصلوا تزكيتَها في سائرِ العام، وكلما مَسَّهم طائفٌ من الشيطان أو ضَعُفت نفوسُهم عن المَعالي، تذكَّروا فإذا هم مبصرون، وتابوا وأنابوا إلى ربِّهم، وما يزالون في جهادٍ لأنفسِهم ومجاهدةٍ لأهوائهم حتى يَلقَوْا ربَّهم.
وهنا لَفْتةٌ وتنبيهٌ وذِكرى للصائمين عن أمرٍ نحتاجُ إليه جميعًا، وهو في عِداد مدرسةِ الصوم والأخلاقِ الفاضلة في رمضان- إنها التوبةُ، وإنما يَحسُن الحديثُ عن التوبةِ في كل حين، ولكنه يَطِيبُ أكثرَ في رمضان، لأنه موسمٌ للرجوعِ والإنابة، والنفوسُ تَجِدُ في هذا الشهرِ عَوْنًا على التوبة من الأخطاءِ والسيئاتِ أكثرَ من غيره، وإلا فكلُّنا وفي كل حينٍ مدعوُّون من ربِّنا للتوبةِ ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١).
ولكنَّ التوبةَ منها ما هي واجبةٌ ومنها ما هي مستحبَّةٌ، فالتوبةُ الواجبةُ هي التي تكون من فِعْل المحرَّماتِ وتركِ الواجباتِ، وهذه لا ينبغي التساهلُ والتأخيرُ فيها، والتوبةُ المستحبَّة إنما تكون من فعل المكروهاتِ وتركِ المستحبَّاتِ، وهذه يليقُ بالمسلم أن يدرِّبَ نفسَه عليها حتى لا تخترقَ المكروهاتِ إلى المحرَّمات، وحتى لا تتجاوزَ في التساهل من المستحبَّاتِ إلى الواجبات.
وإذا دعانا اللهُ إلى (التوبةِ النَّصُوح) فقد قال أهلُ العلمِ عنها: إنها الخالصةُ الصادقةُ، الناصحةُ، الخاليةُ من الشوائبِ والعِلَل، وهي التي تكون من جميعِ الذنوبِ فلا تَدَعُ ذنبًا إلا تناولَتْهُ، وهي التي تدعو صاحِبَها إلى عدم الترددِ والتلوُّمِ
стр. 2787
والانتظار، وهي التي تقعُ لِمَحْضِ خوفِ الله وخَشْيتِه، والرغبةِ والرهبةِ له سبحانه .. (١).
وهنا بُشرى وذِكْرى للتائبينَ، إذ يُقرِّر العلماءُ رجوعَ الحسناتِ إلى التائب بعدَ التوبة، فإذا كان للعبدِ حسناتٌ ثم عمل بعدَها سيئاتٍ استغرَقَتْ حسناتِه القديمةُ وأبطلَتْها، ثم تاب بعدَ ذلك توبةً نَصُوحًا، عادت إليه حسناتُه القديمةُ، ولم يكن حكمُه حكمَ المستأنِفِ لها، بل يُقال له: تُبتَ على ما أسلفتَ من خير، وفي هذا يقول ابنُ القيِّم ﵀ مبيِّنًا العِلَّةَ في ذلك: «وذلك لأن الإساءةَ المُتَخَلَّلةَ بين الطاعتينِ قد ارتفعَتْ بالتوبةِ وصارت كأنها لم تكن، فتلاقتِ الطاعتانِ واجتمعتا، والله أعلم» (٢).
ألاَ ما أعظمَ فضلَ الله عل التائبينَ! ألا أن رمضانَ فرصةٌ للتوبة وبابٌ للسعادةِ، ومدرسةٌ للأخلاقِ الفاضلة، ونافذةٌ للفلاحِ والاستقامةِ.
أخي الصائمَ، اربَأْ بنفسِكَ أن يمرَّ عليكَ شهرُ دون أن تستفيدَ من حِكَمِه وأسرارِه، وحَنانَيكَ أن تَقصُرَ هذه الفائدةَ على أيامٍ معدودة، بل اجعل من رمضان فرصةً لزكية نفسِك طِيلةَ العامِ، والله يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ (٣) أي: طَهَّرَها من الذنوبِ ورقَّاها بطاعةِ الله، وعلّاها بالعلمِ النافع والعمل الصالح، واحذَرْ من إخفاءِ نفسِك الكريمةِ وتدنيسِها بالرذائل، واستعمالِ ما يَشِينُها ويدنِّسُها، والله يقول: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (٤) أي: أخفاها في مزابلِ
стр. 2788
المعاصي، وأماتَ استعدادَها للخير بالمداومةِ على اتّباع طرقِ الشيطان وفعل الفجور (١).
أيها المسلمُ، أيها الصائمُ: واختِمْ بما ينبغي أن يُختَمَ به، فما هو؟ إذا أردتَ تكميلَ عملِك وترقيعَ خطئِك فعليك بـ (الاستغفار) فاختِمْ به كلَّ عملٍ تؤدِّيه، فقد خُتِم به في الصلاة، والحجّ، وقيامِ الليل، والمجالس، وبه خُتِم عُمرُ محمدٍ ﷺ وجهادُه ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ (٢)، وبه يُختَم شهرُ رمضانَ بالاستغفارِ وصدقةِ الفِطْر» (٣).
إن الاستغفارَ يَسِيرٌ في نُطقه، عظيمٌ في مدلولِه وأَثرِه، فقد جَمَعَ اللهُ بينَه وبينَ التوحيدِ كما في قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ (٤) وقال شيخُ الإسلام: ومِن هنا رَوَى أبو هريرةَ ﵁ قال: «ما رأيتُ أحدًا أكثرَ أن يقولَ: أَستغفرُ اللهَ وأتوبُ إليه، من رسولِ الله ﷺ »، فهذا أكملُ الخَلقِ إيمانًا أكثرُهم استغفارًا.
ويُروَى من وصايا لُقْمانَ لابِنه: «يا بنيَّ عَوِّدْ لسانَك الاستغفارَ، فإن لله ساعاتٍ لا يَردُّ فيها سائلًا» (٥).
وقال قَتَادةُ ﵀: «إنَّ هذا القرآنَ يدلُّكم على دائِكم ودوائِكم، فأما داؤكم فالذنوبُ، وأما دواؤُكم فالاستغفارُ».
стр. 2789
ألا فأكثرِوا من الاستغفارِ معاشرَ المسلمين ليرقعَ أخطاءَكم، وأَكثرِوا من الاستغفارِ معاشرَ الصائمين ليرقعَ ما انخَرَمَ من صيامِكم، وبذِكْر الله عمومًا تطمئنُّ القلوبُ، وبالاستغفارِ تنصرِمُ الذنوبُ.
وبعدُ: فحقٌ على كلِّ صائمٍ إن يسأل نفسَه: وماذا بقي له من آثارِ الصيام؟ وماذا سيخلّفه في حُسْن الأخلاق وكريمِ الخِلَال؟ اختبِرْ نفسَك في الإخلاصِ في رمضانَ وبعدَ رمضان .. وصارحْ نفسَك عن المراقبةِ والحياء، والحِلْم والكَرَم والجِدّ والجهاد والبِرّ والصِّلة، والذِّكرِ والدعاءِ والتوبةِ والاستغفارِ ونحوها .. ما حالُها في رمضانَ وبعدَ رمضان؟
يقول ابنُ تيميَّةَ ﵀: شهادةُ الوحيدِ تفتحُ بابَ الخير، والاستغفارُ يُغلِقُ باب الشر (١).
ويُروَى عن أبي هريرةَ ﵁ قال: الغِيبةُ تَحرِقُ الصيامَ والاستغفارُ يَرقَعُه، فمنِ استطاعَ منكم أن يأتيَ بصيامٍ مُرقع فليفعل (٢).
اللهمّ إنا نستغفرُك ونتوبُ إليكَ من جميعِ الذنوب والخطايا، اللهمَّ أنت ربُّنا لا إله إلا أنت خلقتَنا ونحن عبيدُك ونحن على عهدِك ووعدِك ما استطعْنَا، نعوذُ بك من شرِّ ما صنعْنَا، نَبُوءُ لك بنِعمَتِك علينا ونبوءُ بذنوبِنا فاغفِرْ لنا، فإنه لا يَغفِرُ الذنوبَ إلا أنت.
стр. 2790
هجمات (التتر) بين الماضي والحاضر (١)
الخطبةُ الأولى:
إنَّ الحمدَ لله نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفُسنا ومن سيئاتِ أعمالِنا .. إخوةَ الإسلام، يظن بعضُ الناس أنَّ الهجومَ التتريَّ الشرِسَ على العالم الإسلامي حِقْبةٌ زمنية وانتهت، وأن الحملاتِ الصليبيةَ الوحشيةَ على المسلمين ومقدَّساتِهم نمطٌ من أنماطِ العداوة بين الكفارِ والمسلمين لن يتكررَ لها مثيلٌ، وهذا ظنٌ خاطئٌ، يكذِّبُه الواقعُ المعاصر ويعيدُ اليهودُ والنصارى فصولَه هذه الأيام ... ولعل من المناسبِ أن نَعرِضَ للهجمتين التتريَّتينِ في الماضي وكيف كان موقفُ المسلمين فيهما .. ثم نَعرِض لشيء من الهجماتِ التتريةِ المعاصرة وأهدافِها، وماذا ينبغي أن يكون موقفُ المسلمينَ حِيالَها.
أيها المسلمون: لم يكن بين فاجعةِ المسلمين في بغدادَ وسقوطِ الخلافةِ العباسية على أيدي التترِ سنة (٦٥٦ هـ)، وبين عزِّ المسلمين وانتصارِ الإسلام وهزيمة التتار في عين جالوتَ (٦٥٨ هـ) سوى عامينِ فقط .. فما هي أسبابُ الذلِّ والهوانِ في الأُولى؟ وما هي عواملُ النصرِ والعزّة في الأخرى؟
إن المتأملَ في أحداث التاريخِ يرى أن إعصارَ التتر كان جارفًا قَدِمَ من المشرقِ فأباد عددًا من الدول والممالِكِ، وأفنى ما لا يُحصَى من البشر، وعاثَ جيشُه في الأرضِ الفسادَ ... لا ينتهي عند حدودِ السيطرةِ السياسية والمكاسبِ الاقتصادية، بل قَصَدَ الدينَ والخُلُق والعِرضَ بالفساد ...
стр. 2791
وكذلك يفعلُ المجرمون. وحين كان التتارُ على أعتابِ بغدادَ هُزم المسلمون من داخلِهم قبل أن تَحِيقَ الهزيمةُ بهم على أيدي عدوِّهم ...
أجل لقد كان الوزيرُ الرافضيُّ ابنُ العلقميِّ متمكنًا في الدولة وصاحبَ رأي عند الخليفة المستعصِم بالله، وهو الذي أشارَ على الخليفة: أن لا قِبَلَ للخلافةِ الإسلامية بمقاومة الجيش التتريِّ، وأنَّ على الخليفة أن يبعثَ بوفدِ سلامٍ إلى هولاكو محمَّلًا بالهدايا القيِّمة، فوافق الخليفةُ على هذا العرضِ ونفَّذ الرأيَ المتهالِك. واعتبر التترُ هذه الهدايا جزءًا مما يستحقونَ ولم يَمنعْهم ذلك من الهجوم الوحشيِّ على البلادِ والعباد، حتى كانت المصيبةُ المشهورة والتي لم يَسلَمْ منها الأميرُ والمأمور والمستشيرُ والمستشار، بل شَمِلَت- كما قال ابنُ كثير ﵀ مَن قدروا عليه من الرجالِ والنساءِ والوِلْدان والمشايخِ والكهولِ والشبان ..
أيها المسلمون: وحين نتوقفُ عند هذه الحادثة بفصولهِا وملابساتِها نرصدُ الدروسَ التالية:
١ - أثرُ المنافقين في فَناءِ الدُّول وتدميرِ الشعوب، ولئن كان عددٌ من الأسبابِ وراءَ مأساة المسلمين في بغدادَ، فإن دَوْرَ الرافضةِ والمنافقينَ ولا شكَّ كان من أقوى هذه الأسبابِ في تدميرِ التتر لبلادِ المسلمين.
٢ - إن الفسادَ الواقعَ من فئةٍ، والتخاذلَ الحاصلَ من الملأ لا يقفُ بآثاره عليهم وحدَهم، أو من يَدُور في فَلَكِهم، بل يَشمَلُ غيرَهم ... وفي مأساةِ بغدادَ أحصى المؤرِّخون ألفي ألفِ نفسٍ قُتلت، أي (مليونَي قتيلٍ) من الرجالِ والنساءِ والشيوخ والأطفال ... هذا فضلًا عن تدميرِ الدولِ ونهاية الخلافةِ الإسلاميةِ في بغداد.
стр. 2792
٣ - ولو أنّ الخلافةَ قاومَتْ والمسلمينَ جاهدوا لَمَا خَسِروا هذا العدد، ولو هُزِمُوا لكان لهم عذرٌ في الهزيمة ... أما إذ وقعتِ الهزيمةُ أولًا وآخرًا، واستسلمَ المسلمون للعدوِّ وما سَلِموا، فتلك هي المصيبةُ العُظْمى والخسارةُ المضاعَفة.
٤ - والعدوُّ إذا ظَفِرَ بالمسلمين لا ينظر للأُعطيات ولا يلتفتُ للهِباتِ، ولا يتوقفُ عند حدودِ المقدَّرات المادية، بل يريد الوصولَ إلى الأخلاقِ والقَيِم وتدمير الهُوية وسَلْخ الأمة عن عقيدتها ودينِها، وكذلك صنع التتارُ بالمسلمين، وكذلك يحاول خلَفُهم من بعدِهم.
إخوة الإيمان: أما الحادثة الأخرى فكانت سنة (٦٥٨ هـ) وكان موعد التتر مع المسلمين مع حاكم مصر مع الملك المظفر (قطز) وذلك بعد أن دمر التتر بغداد، وواصلوا زحفهم إلى بلاد الشام فدخلوا (حلب) بالأمان ثم غدروا بأهلها، ونهبوا الأموال، وسبوا النساء والأطفال، وجرى على أهل حلب قريب مما جرى على أهل بغداد (١)، فجاسوا خلال الديار، وجعلوا أعزة أهلها أذلة .. ثم وردوا (دمشق) فأخذوها سريعًا من غير ممانع ولا مدافع .. وهكذا نهبوا البلاد كلها حتى وصلوا إلى (غزة).
وحين بلغ الخبر (قطز) صاحب مصر .. أدرك أن هؤلاء المتوحشين لا أمان لهم ولا عهد، فأراد أن يبادرهم قبل أن يبدئوه ... واستشار الرجال من حوله فأيدوه ... وكان في مقدمة مستشاريه الأئمة والعلماء والقادة وأهل الجهاد ... وكان يوم الخامس والعشرين من شهر رمضان - في هذه السنة - موعدًا للنصر والظفر والعزة للإسلام وأهله في معركة (عين جالوت) الشهيرة.
стр. 2793
ووقفتنا لهذا النصر في عين جالوت تتمثل في النقاط التالية: -
١ - الفرق بين البطانة كبير بين هزيمة المسلمين في بغداد وانتصارهم في (عين جالوت) .. والفرق كذلك بين همم القادة للجهاد .. واستسلامهم للعدو يؤثر على مجريات الأحداث ونتائج المعارك.
٢ - الجهاد وسيلة الأمة المسلمة للنصر والتمكين، وما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا وأصيبوا من قبل الأعداء، والتاريخ خير شاهد.
٣ - لم يكن ينقص المسلمين في بغداد العدد والعدة، ولكنه الضعف والهوان والخيانة وبطانة السوء ... ولم يكن المسلمون في (عين جالوت) أكثر عددًا ولا عدة ... ولكنها القوة الإيمانية والشعور بالعزة ورفض الهوان والتبعية، وصدق المشورة وأثر البطانة الصالحة قادت أولئك إلى النصر والغلبة، وعكسها أذل المسلمين وهزمهم في بغداد.
٤ - ولم يكن التترُ المنهزمون في عين جالوت أقلَّ عددًا ولا أقلَّ عُدَّة منهم حين دخلوا بغداد .. بل إن انتصاراتهم في بغدادَ والشامِ زادت من قوّتِهم ورفعت من سهامِهم وعاظمت من كبريائِهم، ومع ذلك قاومهم المسلمون في عين جالوت ولم يَهِنوا في مقاتلةِ عدوِّهم حتى مَكَّنهم الله من رقابِهم فردُّوهم على أعقابهم خاسرين، بل أعادوا للمسلمين هيبتَهم وللإسلامِ عزَّه ومجدَه.
إخوةَ الإسلام: والتاريخُ عِبَر، والأيامُ دُوَل، وما أشبهَ الليلةَ بالبارحةِ ... واليومَ يجتاح العالمَ الإسلاميَّ غزوٌ تتريٌّ معاصرٌ بهُويّةٍ صليبيةٍ صُهْيونية ... يُعِدُّ لمعركةٍ في بلد حتى إذا أفنى الحرثَ والنَّسلَ انتقل إلى أخرى .. ثم هو يجهِّز الثالثةَ وهكذا، وهو في كلِّ معركةٍ يبحث له عن مبرِّرٍ، ويخدع السُّذجَ
стр. 2794
بأسبابِ وأهدافِ الحربِ، ومهما اختلفت وجهاتُ النظرِ في أسباب ضربِ الأمريكانِ للأفغان .. فلا أظنُّها تختلفُ في عدم وجود مبرِّرٍ لها في ضربِ العراق ... وما عَلاقةُ حصارِ العراق وضربِه بأحداث الحادي عشرَ من سبتمبر؟ ومع أن العراقَ حاول قطعَ الطريقِ على أمريكا فسمح للمفتِّشينَ بدخولِ العراق ... إلا أن أمريكا فيما يظهرُ مصرَّةٌ على ضربِ العراق، حتى ولو غنَّى أبناءُ بغداد النشيدَ الوطنيَّ لأمريكا - كما قيل -، ومهما كان نظامُ صدَّام غاشمًا فهل يجيزُ ذلك ضربَ شعبِ العراق واحتلالَ أرضِه ومقدَّراتِه؟ هذا لو كان المخطَّطُ يقف عند حدودِ العراق، فكيف والمخططُ أبعدُ من ذلك؟
وهنا يَرِدُ السؤالُ: ما موقفُ العالمِ الإسلاميِّ من هذا الهجوم الغربي على بلادِ المسلمين؟ وهل يجوز السكوتُ والعالمُ النصرانيُّ وبمؤازرةٍ من اليهود يَعِيثون فسادًا في بلادِ المسلمين؟ وكلما انتَهَوا من معركةٍ استعدُّوا لأختها .. في مخططٍ واسعِ الانتشار بعيدِ الأمد .. من الخطأ والتغفيل أن يوقفَ عند حدود الحادي عشرَ من سبتمبر .. بل هو يُعَدُّ ويُصنَع في دهاليز الساسةِ واللجانِ المتخصصةِ قبل ذلك بسنينَ. فإن قيل: فما الدليلُ؟ أجيب: بأن قانونَ الاضطهادِ الغربيَّ الأمريكيَّ خيرُ برهانٍ. فما الذي يَهدِفُ إليه القانون؟ ومتى صدر؟ لقد صدر القرارُ في أيام (كلنتون) عام ١٩٩٧ م.
وهذا القانون يرفضُ في الواقع الدينَ والثقافةَ والتقاليدَ التي ترى أمريكا أنها عقبةٌ أمام حرّيةِ الأديان؟ ويؤكد القانونُ على أن تتحوَّل الدولُ الإسلاميةُ -بعد سنواتٍ- إلى أن تكونَ دولًا عِلْمانيةً وتنتهجُ سياسةَ المساواةِ في الأديانِ، وتُستبدَلُ وزاراتُ الشئونِ الإسلامية بوزاراتِ الأديان، ويتيحُ القانونُ لأمريكا حقَّ مَنْحِ المساعدات أو الحصارِ حَسَبَ تعاملِ هذه الدول مع الأقلِّيّات الدينية
стр. 2795
في بلادِها .. إلى غيرِ ذلك من بنودِ هذا القانونِ الظالم (١)، والذي يمارَسُ هو تطبيقُ فصولِه هذه الأيام ..
ولكن ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (٢)، وصدق الله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا، وَأَكِيدُ كَيْدًا، فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ (٣).
стр. 2796
الخطبةُ الثانية:
أيُّها المسلمون: لقد أصبحَ الإسلامُ وعالَمُه -بعد أحداثِ الحادي عشرَ من سبتمبر- مستهدَفًا من قِبَل الإدارةِ الأمريكيةِ والقُوى الصُّهيونية، وأصبح زعماؤُها يروِّجون لأنواعِ من الاستعمارِ الجديد والهيمنةِ على عددٍ من البُلدانِ الإسلامية، وها هيِ إسرائيلُ اليومَ تحاصرُ الفلسطينيين، بل تحاول أن تجتثَّهم من الوجود، تَهدِمُ بنيانَهم، وتقتلُ أبناءَهم، وتشرِّدُ أطفالَهم ونساءَهم وتستعمرُ أراضيَهم .. بل وفوقَ ذلك فهي تحلُمُ بإسرائيلَ الكبرى -من النيلِ إلى الفُرات- وإن تراجعَتْ هذه الأحلامُ في هذه الأيامِ على أيدي المجاهدين الفلسطينيين حيث باتَ اليهودُ لا يَأمَنون -وهم في داخلِ الأراضي المحتلَّة- على أنفسِهم، وأصبحوا يعيشونَ حالةً من الفزعِ والارتباكِ والوقوعِ في براثن الموت المُتَرصِّد لهم في كل مكان -في وسائلِ النقلِ العام، وفي الحدائقِ العامة، والمجمَّعات التجارية، بل وهم يأكلون أو يَلهُون في حال نومِهم أو يقظتِهم، وفي حال عملِهم أو عُطلتِهم.
وذلك مردودٌ إيجابيٌّ لحركةِ الجهادِ والعملياتِ البطوليةِ التي ينفِّذُها أبطالُ المقاومة.
أيها المؤمنون: إذا كان ما يصنعُه اليهود جِهارًا نهارًا في الأراضي المحتلّةِ في مقدَّساتِ المسلمين .. فطرَفُ الأفعى الأخرى يمثِّلُها النصارى الذين باتوا يتسلَّلون جِهارًا كذلك لبلادِ المسلمين.
وإن ما يجري في أفغانستانَ وفلسطينَ، واستهدافَ العراقِ والسودانَ، والإشارةَ إلى تقسيمِ بعضِ البلدان المجاورةِ وتهديدِها، ما هو إلا بعضُ ما ظهرَ من خفايا الإستراتيجيةِ الأمريكيةِ ونواياها تجاهَ البلدان الإسلامية، وما الهجومُ العنيفُ الذي يَشُنُّه الإعلامُ الأمريكيُّ -هذه الأيامَ- ومِن ورائِه القوى الصهيونيةُ
стр. 2797
والنصرانيةُ واليمينية المتطرِّفةُ ضدَّ الإسلامِ ورسولِه ﷺ وشعوبِ العالم الإسلاميِّ ودولِه -وفي مقدمتِهم المملكةُ العربيةُ السعودية- إلا فصلٌ من فصولِ تلك الهجمة الشرِسَة.
وإن إصرارَ الإدارةِ الأمريكيةِ على استخدام القوة والتعدِّي على دولِ المنطقةِ يعيد إلى الأذهانِ الحَمَلاتِ الصليبيةَ وحِقْبةَ الاستعمار.
أيها المسلمون: وإزاءَ ما يجري هذه الأيامَ وما يُخطَّط له في المستقبلِ لا بدَّ من التذكيرِ بالأمور التالية:
١ - الشعور الواعي بما يُراد للأُمةِ المسلمةِ شعوبًا ودولًا، قيمًا واقتصادًا وسياسةً ومصيرًا مظلمًا.
٢ - ولا بدَّ من إدراكِ الدوافع وراءَ هذه الحَمَلات العسكرية والإعلامية، والعالمِون يقولون: إن من دوافعِ الإدارةِ الأمريكية لضربِ العراق والعَبَثِ بأمنِ المنطقة العربية، تدميرَ هُويةِ الأمة المسلمة ونشرَ الثقافةِ الغربية في المنطقة، والسيطرةَ على ثرواتِها من بترولٍ وغيرِه، والتغطيةَ على فشلِها في تحقيق أهدافِها التي أعلنَتْها في أفغانستان، وإشغالَ المنطقةِ بالمزيدِ من التوتُّرِ والقلاقل، والحيلولةَ دونَ التنمية، وحمايةَ أمنِ إسرائيل وضمانَ تفوُّقِها في المنطقة، والقضاءَ على الانتفاضةِ المبارَكة التي أقلقت أمنَ إسرائيل وضربتْ اقتصادَها في الصميم.
أيها المسلمون: ومن المفارَقاتِ العجيبةِ أن العدوَّ الغاشمَ لا يقيم وزنًا للجثث الهامدةِ من أبناءِ المسلمين، ولا يتورَّعُ عن ضربِ الأطفال الرضَّع والشيوخِ الركَّع السجَّد، والنساءِ الضعيفاتِ العُزَّل، في وقتٍ تقوم شعوبُهَ على تدليلِ الحيوانات والعنايةِ بها إلى حدِّ تقول معه التقاريرُ: يعيش أكثرُ من ٦٠
стр. 2798
مليون كلبٍ وقطة مدلَّلةٍ في بيوتِ الأمريكان، وهذا العددُ يقارب عددَ سكان الخليج بثلاثِ مرات.
وتقول لغةُ الأرقامِ كذلك: إن المبالغَ المصروفةَ على الكلاب بلغت في بعضِ دول أوروبا إلى ٣.٤٥ بلايين جُنيهٍ إسترليني، منها بليونا جنيهٍ ثمنُ طعامها فقط، وباقي المصروفاتِ توزَّعت على أجورِ الأطباء والترفيهِ والتأمينِ ضدَّ الأمراض الذي وصل وحدَه إلى ١٤٨ مليون جنيه إسترليني (١).
قارنوا بينَ ما تَحظَى به الكلابُ من نعيمٍ في بلادِ الغرب، وما تلقاه الشعوبُ المسلمةُ من نَكَالٍ وجحيمٍ على أيدي الغربِ أنفسِهم. تلك حضارتُهم وتلك نظرتُهم لشعوبنا وترفيهُهم لكلابهم؟
٣ - ولا بدَّ للعالَم الإسلاميِّ بشعوِبه وحكوماته -وبإزاءِ هذه الهجمةِ الشَّرِسة- من استشعارِ الخطر والتفكير الجادِّ في الحلول الصادقةِ بَدْءًا من استصلاحِ النفوس وصِدْقِ التوجُّه إلى الله على مستوى الأفرادِ ومرورًا بإعدادِ العُدَّة التي أمر اللهُ المؤمنين بها في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ (٢) على مستوى الدول، ولا بدَّ على مستوى الأُمة من توحيدِ الكلمة وجمعِ الصفوف ونَبْذِ الفُرقةِ والخلافِ والتشرذُم، فتلك أدواءٌ يطربُ لها العدوُّ ويتسلَّل إلى المسلمينَ على جسورِها.
٤ - ولا بدَّ أن تدركَ الأمةُ المسلمةُ أن الجهادَ في سبيل الله قَدَرُها وسبيلُ عزَّتها وكرامتِها، وهو السبيلُ لمقاومةِ الغزو التتريِّ المعاصرِ كما كان من قبلُ سبيلَها لمقاومةِ الغزو التتريِّ في الماضي، لا بدَّ أن تَعِيَ الأمةُ المسلمةُ وصيةَ
стр. 2799
نبيِّها محمدٍ ﷺ حيث قال: «وما تَرَكَ قومٌ الجهادَ في سبيلِ الله إلا ذَلّوا».
٥ - ولا بدَّ للأُمة أن تتخلَّصَ من المنافقينَ والأدعياءِ وأدلاَءِ الطريق للعدوِّ .. فأولئك -هم العدوُّ- كما أخبرَ اللهُ، وأولئك لا يريدون للأمةِ إلا توهينَها وضعفَها، ولو خرجوا مع المجاهدينَ ما زادوهم إلا خبالًا ولأوضعوا خلالَهم يبغونَهُم الفتنةَ .. وكم غُزِيَت الأمةُ بالتعاونِ مع هؤلاء، وكم سُلِبت البلادُ بفعل خيانةِ هؤلاء.
٦ - ولا بدَّ للعلماءِ والدعاةِ والمفكرين أن يتقدموا الأُمةَ ويضعوا لها الحلولَ الشرعيةَ المناسبة، يُثبِّتَونها في المِحَن ويقودون مسيرتَها في جهادِ الكلمةِ الصادقة الناصحة أولًا، وجهادِ السِّنان وحربِ الأعداء ثانيًا، كما صنع أسلافُهم من قبلُ.
٧ - ولا بدَّ للقادةِ والحكام والأمراءِ والمسئولين من تعظيم المسئولية فيما استُؤمِنوا عليه من مسئولياتٍ ومراكزَ، وكلٌّ بحَسَبِه، فالخيانةُ فضيحةٌ في الدنيا -والتاريخ سِجِلٌّ حافظ- والفضيحةُ يومَ القيامة أدهى وأمرُّ حين يُعَرضُ الخلقُ لا تخفى منهم خافيةٌ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١).
أيها المسلمون: اتقوا اللهَ جميعًا وتضرَّعوا إلى خالِقِكم بالنصرِ لكم ولإخوانكم، وجاهِدوا الكفارَ بألسنتِكم وأموالِكم وأنفسِكم، والإسلام اليومَ أمانةٌ في أعناقِنا، وما يَحِيقُ بالشعوبِ المسلمة من ويلاتٍ ومِحَن مسئوليتُنا جميعًا.
وما لم يُدفع العدوُّ اليومَ فسيتجاوز غيرَنا إلينا، كما تجاوَزْنا إلى غيرنا، والمؤمنون إخوةٌ والعدوُّ شرِس، والمخطَّط كبير، ومن جاهدَ فإنما يجاهدُ لنفسه.
стр. 2800
أيها المسلمون: إن مما يَجرَحُ الفؤادَ ويُعظِّم من المُصاب أن المسلمين -وفي مقدمتهم العلماءُ والأمراءُ فضلًا عن العامة وسوادِ الناس- ورغمَ هذه النوازلِ المهدِّدة، والاستعدادِ للغزو والسيطرةِ، لم يُعْطوا الأمرَ ما يستحقُّه من العنايةِ والاهتمام، والتحذيرِ والاستعداد، وكم نحن بحاجةٍ اليومَ أكثرَ مما مضى إلى التعاونِ والمَشُورة وحمايةِ البلادِ والعبادِ من كيدِ الكائدين ومخطَّطات المستعمِرين .. وربُّنا يخبرُنا أن أعداءَنا لا يَرقُبون فينا إلًّا ولا ذِمّةً، وهُم إنْ يثقَفُونا يكونوا لنا أعداءً ويبسطوا إلينا أيديَهم وألسنتَهم بالسوء وودُّوا لو تكفرون.
إن التلاومَ حينَ خرابِ الديار لا يُجْدي، والتباكي حين يجوسُ العدوُّ خلالَ الديارِ لن يُنقِذ، وما لم يتحرَّكِ العقلاءُ في وقتِ الرخاءِ والمُهلة فلن يفلحوا إذا حَزَبَت الأمورُ وتوغَّل العدوُّ في الديارِ لا قَدَّرَ اللهُ، والأمةُ الواعية والشعوبُ الأبيّة هي التي تُحصِّنُ نفسَها بما استطاعت من قوةٍ، ثم هي تتوكلُ على بارئها في مقارعةِ المعتدين ومنازلةِ الغاصبين.
وإذا لم يكنْ إلا الأَسنَّةُ مَركَبًا ... فما حِيلةُ المضطرِّ إلا ركوبُها
ومَن يتوكلَّ على الله فهو حَسْبُه .. ومن ينصرِ الله يَنصرْه، والعاقبةُ للتقوى، وجندُ الله هم الغالبون، والأرضُ لله يُورِثُها من يشاءُ من عباده، والله يُمْلي للظالمِ ولا يُهمِلُه، وكيدُ الكافرين في تَبَاب، ولكن لا بدَّ من تحقيقِ السُّنّة الربانية ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١).
اللهم انصرْ دينَك وعبادَك المسلمين .. اللهم دَمِّرْ أعداءَ الدِّين واجعلْ كيدَهم في نحورِهم .. اللهم احفَظْ على المسلمين أَمْنَهم وإيمانَهم .. وصلِّ اللهم على نبيِّنا محمد.
стр. 2801
مصيبة الأمة ونقفور النصارى (١)
الخطبةُ الأولى:
إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ منْ شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، منْ يهدِهِ اللهُ فلا مضلَّ له، ومنْ يضللْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ له وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسوُله.
اللهمَّ صلِّ وسلمْ عليه وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلين، وارضَ اللهمَّ عن الصحابةِ أجمعين والتابعين وتابعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ وسلِّمْ تسليمًا كثيرًا.
أيها المسلمون: أخرجَ الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ والنسائيُّ منْ حديثِ خَبْابِ بنِ الأرتِّ ﵁ قالَ: وافيتُ رسولَ اللهِ ﷺ في ليلةٍ صلَّاها كلَّها حتى كانَ معَ الفجر، فسلَّمَ رسولُ اللهِ ﷺ منْ صلاته، فقلتُ: يا رسولَ الله، لقدْ صليتَ الليلةَ صلاةً ما رأيتُك صليتَ مثلَها، قالَ رسولُ الله ﷺ : «أجلْ، إنها صلاةُ رَغَبٍ ورَهَب، سألتُ ربي فيها ثلاثَ خصالٍ، فأعطاني اثنتينِ ومَنَعَنِي واحدةً، سألتُ ربي ألا يهلكَنا بما أهلكَ بهِ الأممَ قبلَنا فأَعْطَانِيها، وسألتُ ربي ألّا يُظهرَ علينا عدوًا من غيرِنا فأَعْطَانِيها، وسألتُ ربي ألا يُلبسَنا شِيَعًا ويُذِيقَ بعضَنا بأسَ بعضٍ فَمَنَعنِيها».
إنَّ هذا الحديثَ وأمثالَه منْ مشكاةِ النبوةِ يُحددُ مَكْمنَ الخطرِ على هذهِ الأُمةِ، فهيَ لنْ تُهْلَكَ بسَنَةٍ بعامَّةٍ كما أُخذتِ الأممُ السابقةُ المكذِّبةُ، ولنْ تُهلكَ وتُجْتَثَّ منْ عدوٍّ خارجيٍّ -مهما كانتْ قوةُ هذا العدوِّ- حتى وإنْ ظفرَ عليها هذا العدوُّ فترةً، وانتصرَ عليها حقبةً من الزمن .. وإنما تؤتى الأمةُ المسلمةُ منْ قِبَلِ ذاتِها
стр. 2802
ومنْ داخل صفوفِها، ومنْ هنا فلا بدَّ للأمةِ أنْ تتقيَ اللهَ في ذاتِ نفسِها، وتصلحَ ذاتِ بينها.
قال العالمون: إنَّ هذهِ العقوباتِ التي تنزلُ بالمسلمين، وهذهِ الفتنَ التي تحلُّ بهمْ إنما هيَ منْ أنفسِهم وبذنوبِهم، واللهُ يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (١).
ويقول جلَّ ذكرُه: ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ (٢).
معاشرَ المسلمين: كمْ نغفلُ عنْ هذا الداء، وكمْ نقعُ فيهِ من أخطاء، ولربما أحالَ كلُّ واحدٍ منا المسئوليةَ على غيره، والتفتَ إلى كلِّ أحدٍ ولمْ يلتفتْ إلى نفسه، والخطأُ واردٌ والتقصيرُ حاصل، لا في العوامِّ بلْ وفي الخاصةِ والعلماء، وليس في الأشرارِ فقط بلْ وفي الأخيارِ وكلٌ بحَسَبهِ، نعمْ، خطأٌ وتقصيرٌ وغفلة على مستوى الرجالِ والنساءِ والأمراءِ والمأمورين، وفي الصغرِ وفي الكبار، وفي الأغنياءِ والفقراءِ وفي البرَّ والبحرِ ولا بدَّ لرفعِ العقوبةِ منْ توبتِنا جميعًا، ومن إنابتِنا جميعًا .. ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٣).
إنَّ منَ الخطأ البيِّنِ أنْ تُعْزى المصائبُ الواقعةُ بالمسلمينَ اليوم -سواءً كانت أمنيةً أو سياسيةً أو اقتصاديةً أو نحوَها- إلى أسبابٍ ماديةٍ بحتة، وننسى أنَّ وراءَها أسبابًا شرعيةً هي أقوى وأمضى وأكثرُ أثرًا.
إنَّ منَ العقلِ تدبُّر الذاتِ وإصلاحَ النفوس، ومنْ أسبابِ رفعِ البلاءِ أنْ يُحدثَ
стр. 2803
المذنبون لكلِّ عقوبةٍ توبةً، ولكلِّ ذنبٍ استغفارًا، ولكلِّ بليةٍ وبأسٍ رجوعًا إلى اللهِ وتضرعًا ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (١) ومنَ السَّفهِ أن يتمادى المرءُ في المعاصي، واللهُ يمدُّهُ بالنعمِ ويُجزلُ له العطايا، ومنْ مكرِ اللهِ أن يُستدرجَ به وهو لا يعلم، قالَ بعضُ السلفِ: إذا رأيتَ اللهَ يُنعمُ على شخصٍ، ورأيتَ هذا الشخصِ متماديًا في معصيةِ الله، فاعلمْ أن هذا منْ مكرِ اللهِ به وإنهُ دخلَ في قولهِ تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ (٢).
لقدْ قصَّرَ المسلمون في محاسبةِ أنفسِهم، وفي تعظيمِ شعائرِ ربَّهم، وتجاوزوا الحلالَ إلى الحرام، وغلبتهمْ الشهواتُ، وتورَّطوا في مستنقعِ الشُّبهاتِ -إلا منْ رحمَ ربُّك- فكانَ تسليطُ الأعداءِ عليهم جزءًا منْ قدرِ اللهِ في عقوبتهِم .. فهلْ يا تُرى يدركونَ مكمنَ الخطأ، وهل يُراجعون أنفسَهم ويرجعوا إلى بارئهم؟
إنَّ اللهَ بحكمتِهِ ورحمتِهِ لهذهِ الأمةِ جعلَ عقوبتَهم على ذنوبِهِمْ ومعاصيهمْ بأنْ يُسلطَ بعضَهم على بعضٍ فيُهلكَ بعضُهمْ بعضًا ويسبي بعضُهمْ بعضًا، كما قالَ تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ (٣).
روى البخاريُّ في «صحيحه» عنْ جابرٍ ﵄ قال: لما نزلتْ هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾ قال النبيُّ ﷺ : «أعوذُ بوَجْهِك» ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال ﷺ : «أعوذُ بوجهك» ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال ﷺ : «هذه أهونُ وأَيسرُ».
стр. 2804
أيها المؤمنون: لا بدَّ من التعرُّفِ على اللهِ في الرخاءِ وشكرِه في السَّرَّاء، حتى يعرفَنا في الشدةِ ويصبِّرَنا على البلاءِ ويدفعَ عنا الأذى.
إنَّ الذي يُنصتُ إلى خطابِ الفِطرةِ في نفسهِ يسمعُ نداءً عميقًا يترجمُ الرغبةَ في معرفةِ من أسدى إلى نعمةَ الوجود .. إنهُ اللهُ الذي خلقَ فسوَّى وقدَّر فهدى .. وحركةُ الخلقِ هذه تحدَّى بها الخالقُ سبحاَنه كلَّ العالمين أن يخلُقوا ولو ذبابًا، ولو اجتمعوا له، أجلْ تقدَّسَ اللهُ وتعاظمَ وتحدَّى بالخلقِ فقال: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (١).
إنَّ تذكُّرَ العبدِ لقصةِ الوجودِ من عدم، والخلقِ بلا مثالٍ سابقٍ تدعوهُ للإيمانِ واليقينِ والشكرِ والاستقامةِ على الطريقِ المستقيم.
وقد قيل: إن الخلقَ مفهومٌ منْ أغربِ مفاهيمِ القرآنِ العظيم، ومنْ أكثرِها استعصاءً على الفهمِ والإدراكِ، وتأملْ أولَ الخليقةِ آدمَ ﵇ وكيفَ خُلِق، ترى عجبًا ما بعدَهُ عجب .. فكيفَ صنعَ اللهُ منَ الطينِ بشرًا سوِّيًا يفيضُ جمالًا وحيوية، عجبًا عجبًا! !
وكيفَ كانتْ كُتَلُ الطينِ في جسمِ آدمَ تتحولُ إلى شرايينَ وشعيراتٍ دمويةٍ وعظامٍ ولحمٍ طري، عجبًا عجبًا! !
كيفَ تحوَّل الصَّلصالُ في مَحَاجرهِ ﵇ بصرًا يَبْرُقُ ويشعُّ بنورِ الحياةِ ويرى الألوانَ والأشياءَ، ويسيلُ بالدموعِ فرحًا وحزنًا، عجبًا عجبًا! !
كيفَ تخلّقَ الترابُ في جمجمتهِ دماغًا مائعًا متكوِّنًا منْ ملايينِ الخلايا اللطيفةِ الحساسة، تجري شعيراتُها بالدم الدَّافِقِ، وتختزنُ ملايينَ المعلوماتِ والذكريات، وتتأهَّبُ للتفكيرِ في أدقِّ الخطراتِ والنظرات؟ !
стр. 2805
ثمَّ تأملْ في مشهدِ الخلقِ الآخرِ في النبات، وكيفَ جعلَ من الطينِ والماءِ نباتًا جميلًا، فصارتْ له أزهارٌ تملأُ الأنوفَ عبيرًا أخَّاذًا، وثمارًا تملأُ القلوبَ بهجةً وجمالًا، ذلكَ هو الخلقُ العجيبُ وذلكَ هو الخلاقُ العليم، ومن هنا استحقَّ العبوديةَ والطاعة ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١).
إنّ معرفةَ اللهِ تبدأُ بالشعورِ بالفرحِ بهِ تعالى ربًا خالقًا، والأُنسِ بهِ سبحانه إلهًا رحيمًا، فيمتلئُ القلبُ شوقًا إليه، ثمَّ تنشطُ الجوارحُ للسيرِ إلى بابهِ الكريم، والعروجِ إلى رضاه، عبرَ مدارجِ السالكين ومنازلِ السائرين، وكلما ازدادتْ معرفتهُ باللهِ زادَ أُنسهُ به، وكلَّما تعرفَ عليهِ زادَ في محبَّتهِ وطاعتهِ، وويلٌ لمن جهلَ ربَّه أو نسيَ ذكرَه، أو بارزَهُ بالمعصية، فذاكَ الذي يسيرُ في أرضٍ فلاةٍ مهلكةٍ، ولنْ يبالِ اللهُ به في أيِّ وادٍ هَلَكَ.
إخوةَ الإسلام: فإنْ قيل: فما السبيلُ للخروجِ من المأزقِ الذي تعيشُه الأمةُ؟
١ - لا بدَّ أنْ تتنادى الأمةُ عمومًا، وأخيارُها على الخصوصِ للنظرِ في هذهِ الأزمةِ والتشاورِ في المخرجِ منها، ومؤلمٌ أنْ يستنفرَ الأعداءُ قواهمْ والمسلمونَ غارقونَ في لهوهِمْ، غافلونَ عما يُرادُ بهم.
٢ - لا بدَّ منَ التعلُّق بأسبابِ النجاةِ منَ الإيمانِ واليقينِ والتوكلِ، فاللهُ يقول: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٢) ويقول: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ (٣)،