← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

مصيبة الأمة ونقفور النصارى (١) الخطبةُ الأولى: إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ منْ شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، منْ يهدِهِ اللهُ فلا مضلَّ له، ومنْ يضللْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ له وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسوُله. اللهمَّ صلِّ وسلمْ عليه وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلين، وارضَ اللهمَّ عن الصحابةِ أجمعين والتابعين وتابعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ وسلِّمْ تسليمًا كثيرًا. أيها المسلمون: أخرجَ الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ والنسائيُّ منْ حديثِ خَبْابِ بنِ الأرتِّ ﵁ قالَ: وافيتُ رسولَ اللهِ ﷺ في ليلةٍ صلَّاها كلَّها حتى كانَ معَ الفجر، فسلَّمَ رسولُ اللهِ ﷺ منْ صلاته، فقلتُ: يا رسولَ الله، لقدْ صليتَ الليلةَ صلاةً ما رأيتُك صليتَ مثلَها، قالَ رسولُ الله ﷺ : «أجلْ، إنها صلاةُ رَغَبٍ ورَهَب، سألتُ ربي فيها ثلاثَ خصالٍ، فأعطاني اثنتينِ ومَنَعَنِي واحدةً، سألتُ ربي ألا يهلكَنا بما أهلكَ بهِ الأممَ قبلَنا فأَعْطَانِيها، وسألتُ ربي ألّا يُظهرَ علينا عدوًا من غيرِنا فأَعْطَانِيها، وسألتُ ربي ألا يُلبسَنا شِيَعًا ويُذِيقَ بعضَنا بأسَ بعضٍ فَمَنَعنِيها». إنَّ هذا الحديثَ وأمثالَه منْ مشكاةِ النبوةِ يُحددُ مَكْمنَ الخطرِ على هذهِ الأُمةِ، فهيَ لنْ تُهْلَكَ بسَنَةٍ بعامَّةٍ كما أُخذتِ الأممُ السابقةُ المكذِّبةُ، ولنْ تُهلكَ وتُجْتَثَّ منْ عدوٍّ خارجيٍّ -مهما كانتْ قوةُ هذا العدوِّ- حتى وإنْ ظفرَ عليها هذا العدوُّ فترةً، وانتصرَ عليها حقبةً من الزمن .. وإنما تؤتى الأمةُ المسلمةُ منْ قِبَلِ ذاتِها

стр. 2802

ومنْ داخل صفوفِها، ومنْ هنا فلا بدَّ للأمةِ أنْ تتقيَ اللهَ في ذاتِ نفسِها، وتصلحَ ذاتِ بينها. قال العالمون: إنَّ هذهِ العقوباتِ التي تنزلُ بالمسلمين، وهذهِ الفتنَ التي تحلُّ بهمْ إنما هيَ منْ أنفسِهم وبذنوبِهم، واللهُ يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (١). ويقول جلَّ ذكرُه: ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ (٢). معاشرَ المسلمين: كمْ نغفلُ عنْ هذا الداء، وكمْ نقعُ فيهِ من أخطاء، ولربما أحالَ كلُّ واحدٍ منا المسئوليةَ على غيره، والتفتَ إلى كلِّ أحدٍ ولمْ يلتفتْ إلى نفسه، والخطأُ واردٌ والتقصيرُ حاصل، لا في العوامِّ بلْ وفي الخاصةِ والعلماء، وليس في الأشرارِ فقط بلْ وفي الأخيارِ وكلٌ بحَسَبهِ، نعمْ، خطأٌ وتقصيرٌ وغفلة على مستوى الرجالِ والنساءِ والأمراءِ والمأمورين، وفي الصغرِ وفي الكبار، وفي الأغنياءِ والفقراءِ وفي البرَّ والبحرِ ولا بدَّ لرفعِ العقوبةِ منْ توبتِنا جميعًا، ومن إنابتِنا جميعًا .. ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٣). إنَّ منَ الخطأ البيِّنِ أنْ تُعْزى المصائبُ الواقعةُ بالمسلمينَ اليوم -سواءً كانت أمنيةً أو سياسيةً أو اقتصاديةً أو نحوَها- إلى أسبابٍ ماديةٍ بحتة، وننسى أنَّ وراءَها أسبابًا شرعيةً هي أقوى وأمضى وأكثرُ أثرًا. إنَّ منَ العقلِ تدبُّر الذاتِ وإصلاحَ النفوس، ومنْ أسبابِ رفعِ البلاءِ أنْ يُحدثَ

стр. 2803

المذنبون لكلِّ عقوبةٍ توبةً، ولكلِّ ذنبٍ استغفارًا، ولكلِّ بليةٍ وبأسٍ رجوعًا إلى اللهِ وتضرعًا ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (١) ومنَ السَّفهِ أن يتمادى المرءُ في المعاصي، واللهُ يمدُّهُ بالنعمِ ويُجزلُ له العطايا، ومنْ مكرِ اللهِ أن يُستدرجَ به وهو لا يعلم، قالَ بعضُ السلفِ: إذا رأيتَ اللهَ يُنعمُ على شخصٍ، ورأيتَ هذا الشخصِ متماديًا في معصيةِ الله، فاعلمْ أن هذا منْ مكرِ اللهِ به وإنهُ دخلَ في قولهِ تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ (٢). لقدْ قصَّرَ المسلمون في محاسبةِ أنفسِهم، وفي تعظيمِ شعائرِ ربَّهم، وتجاوزوا الحلالَ إلى الحرام، وغلبتهمْ الشهواتُ، وتورَّطوا في مستنقعِ الشُّبهاتِ -إلا منْ رحمَ ربُّك- فكانَ تسليطُ الأعداءِ عليهم جزءًا منْ قدرِ اللهِ في عقوبتهِم .. فهلْ يا تُرى يدركونَ مكمنَ الخطأ، وهل يُراجعون أنفسَهم ويرجعوا إلى بارئهم؟ إنَّ اللهَ بحكمتِهِ ورحمتِهِ لهذهِ الأمةِ جعلَ عقوبتَهم على ذنوبِهِمْ ومعاصيهمْ بأنْ يُسلطَ بعضَهم على بعضٍ فيُهلكَ بعضُهمْ بعضًا ويسبي بعضُهمْ بعضًا، كما قالَ تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ (٣). روى البخاريُّ في «صحيحه» عنْ جابرٍ ﵄ قال: لما نزلتْ هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾ قال النبيُّ ﷺ : «أعوذُ بوَجْهِك» ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال ﷺ : «أعوذُ بوجهك» ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال ﷺ : «هذه أهونُ وأَيسرُ».

стр. 2804

أيها المؤمنون: لا بدَّ من التعرُّفِ على اللهِ في الرخاءِ وشكرِه في السَّرَّاء، حتى يعرفَنا في الشدةِ ويصبِّرَنا على البلاءِ ويدفعَ عنا الأذى. إنَّ الذي يُنصتُ إلى خطابِ الفِطرةِ في نفسهِ يسمعُ نداءً عميقًا يترجمُ الرغبةَ في معرفةِ من أسدى إلى نعمةَ الوجود .. إنهُ اللهُ الذي خلقَ فسوَّى وقدَّر فهدى .. وحركةُ الخلقِ هذه تحدَّى بها الخالقُ سبحاَنه كلَّ العالمين أن يخلُقوا ولو ذبابًا، ولو اجتمعوا له، أجلْ تقدَّسَ اللهُ وتعاظمَ وتحدَّى بالخلقِ فقال: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (١). إنَّ تذكُّرَ العبدِ لقصةِ الوجودِ من عدم، والخلقِ بلا مثالٍ سابقٍ تدعوهُ للإيمانِ واليقينِ والشكرِ والاستقامةِ على الطريقِ المستقيم. وقد قيل: إن الخلقَ مفهومٌ منْ أغربِ مفاهيمِ القرآنِ العظيم، ومنْ أكثرِها استعصاءً على الفهمِ والإدراكِ، وتأملْ أولَ الخليقةِ آدمَ ﵇ وكيفَ خُلِق، ترى عجبًا ما بعدَهُ عجب .. فكيفَ صنعَ اللهُ منَ الطينِ بشرًا سوِّيًا يفيضُ جمالًا وحيوية، عجبًا عجبًا! ! وكيفَ كانتْ كُتَلُ الطينِ في جسمِ آدمَ تتحولُ إلى شرايينَ وشعيراتٍ دمويةٍ وعظامٍ ولحمٍ طري، عجبًا عجبًا! ! كيفَ تحوَّل الصَّلصالُ في مَحَاجرهِ ﵇ بصرًا يَبْرُقُ ويشعُّ بنورِ الحياةِ ويرى الألوانَ والأشياءَ، ويسيلُ بالدموعِ فرحًا وحزنًا، عجبًا عجبًا! ! كيفَ تخلّقَ الترابُ في جمجمتهِ دماغًا مائعًا متكوِّنًا منْ ملايينِ الخلايا اللطيفةِ الحساسة، تجري شعيراتُها بالدم الدَّافِقِ، وتختزنُ ملايينَ المعلوماتِ والذكريات، وتتأهَّبُ للتفكيرِ في أدقِّ الخطراتِ والنظرات؟ !

стр. 2805

ثمَّ تأملْ في مشهدِ الخلقِ الآخرِ في النبات، وكيفَ جعلَ من الطينِ والماءِ نباتًا جميلًا، فصارتْ له أزهارٌ تملأُ الأنوفَ عبيرًا أخَّاذًا، وثمارًا تملأُ القلوبَ بهجةً وجمالًا، ذلكَ هو الخلقُ العجيبُ وذلكَ هو الخلاقُ العليم، ومن هنا استحقَّ العبوديةَ والطاعة ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١). إنّ معرفةَ اللهِ تبدأُ بالشعورِ بالفرحِ بهِ تعالى ربًا خالقًا، والأُنسِ بهِ سبحانه إلهًا رحيمًا، فيمتلئُ القلبُ شوقًا إليه، ثمَّ تنشطُ الجوارحُ للسيرِ إلى بابهِ الكريم، والعروجِ إلى رضاه، عبرَ مدارجِ السالكين ومنازلِ السائرين، وكلما ازدادتْ معرفتهُ باللهِ زادَ أُنسهُ به، وكلَّما تعرفَ عليهِ زادَ في محبَّتهِ وطاعتهِ، وويلٌ لمن جهلَ ربَّه أو نسيَ ذكرَه، أو بارزَهُ بالمعصية، فذاكَ الذي يسيرُ في أرضٍ فلاةٍ مهلكةٍ، ولنْ يبالِ اللهُ به في أيِّ وادٍ هَلَكَ. إخوةَ الإسلام: فإنْ قيل: فما السبيلُ للخروجِ من المأزقِ الذي تعيشُه الأمةُ؟ ١ - لا بدَّ أنْ تتنادى الأمةُ عمومًا، وأخيارُها على الخصوصِ للنظرِ في هذهِ الأزمةِ والتشاورِ في المخرجِ منها، ومؤلمٌ أنْ يستنفرَ الأعداءُ قواهمْ والمسلمونَ غارقونَ في لهوهِمْ، غافلونَ عما يُرادُ بهم. ٢ - لا بدَّ منَ التعلُّق بأسبابِ النجاةِ منَ الإيمانِ واليقينِ والتوكلِ، فاللهُ يقول: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٢) ويقول: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ (٣)،

стр. 2806

فالتقوى والتوكلُ على اللهِ وصيَّتانِ منَ اللهِ، وهما مخرجٌ منَ الأزمات. ٣ - ولا بدَّ أنْ نعتقدَ بأنَّ الإيمانَ سببٌ للأمن، وأنَّ الشركَ سببٌ للرُّعْب، تجدونَ ذلك في الكتاب العزيز ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (١) وعن الأخرى ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ (٢). ٤ - والاجتهاداتُ في العبادةِ سببٌ لتثبيتِ العبدِ وتوفيقِه على كلِّ حال، ولا سيَّما في أوقاتِ الفتنِ، ووصيةُ الرسولِ الكريمِ ﷺ لنا: «بادِروا بالأعمالَ فِتَنًا كقطعِ الليلِ المُظلمِ، يُصبحُ الرجلُ مؤمنًا ويُمسي كافرًا .. » الحديث. ٥ - للنصر أسبابٌ؛ منها: أ- نصرُ دينِ الله ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾ (٣). ب- الصبرُ، قال ﷺ : «واعلمْ أنَّ النصرَ معَ الصَّبرِ». ج- العدلُ، فاللهُ يقيمُ الدولةَ العادلةَ وإنْ كانتْ كافرةً، ولا يقيمُ الظالمةَ وإنْ كانتْ مسلمةً، كذا قررَ العلماءُ. د- ومنها اجتماعُ الكلمةِ وتوحيدُ الصفِّ: ﴿وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (٤). ٦ - ولتسليطِ الأعداءِ أسبابٌ: ومنها: معاداةُ أولياءِ الله، قالَ اللهُ في الحديثِ القدسيِّ: «مَنْ عادى لي

стр. 2807

وليًّا فقدْ آذَنْتُ بالحربِ» رواهُ البخاري. ومنها: أكلُ الربا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١). والذنوبُ عمومًا سببٌ للبلاءِ وتسلطِ الأعداء، والاشتغالُ بتوافهِ الأمورِ وضعف الهممِ عن المعالي سببٌ لضياعِ الأمةِ وتسليطِ العدو، وفي هذا يقولُ ابنُ القيم في «مدارج السالكين» -والذي شاهدناهُ نحنُ وغيرُنا وعرفناهُ بالتجاربِ-: أنهُ ما ظهرتِ المعازفُ وآلاتُ اللهوِ في قومٍ، وفشتْ فيهمْ واشتغلوا بها، إلا سلّطَ اللهُ العدوَّ، وبُلوا بالقحطِ والجدبِ وولاةِ السوءِ» (٢). مؤلمٌ يا عبادَ الله، حين يشتغلُ المسلمونَ بالكأسِ والغانيةِ، وما يُسمى بالفنِّ والرياضة، ويشتغلُ غيرُهمْ بتصنيعِ السلاحِ والتدريبِ على حربِ المسلمين بأنواع الأسلحةِ الفتَّاكةِ. ٧ - لا بدَّ من تقويةِ شعيرةِ الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عنِ المنكر، ولا بدَّ منْ تعميقِ الاحتسابِ في الأمة، والتجديدِ في أساليبِ الدعوةِ إلى اللهِ حتى يعمَّ الخيرُ ويتقلَّصُ المنكرُ، ولا بدَّ لكلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ أنْ يقومَ بواجبِهِ في هذا الميدان. ٨ - والدعاءُ سلاحٌ يصلُنا بربِّنا ويُرهبُ أعداءنا، وهوَ سهلُ الكلفةِ عظيمُ الأثر، بلْ طريقُ النصر؛ «هلْ تُنصرونَ وتُرزقونَ إلا بضعفائِكم؟ ! » (٣). وكمْ نحنُ بحاجةٍ للدعاءِ في كلِّ حين .. ولا سيَّما في وقتِ الشدائدِ والأزمات، فهوَ الذي يجيبُ المضطرَّ إذا دعاهُ ويكشفُ السوءَ ويجعلكمْ خلفاءَ الأرضِ.

стр. 2808

اللهمَّ فارجَ الهمِّ كاشفَ الغمِّ سميعَ الدعاء، اللهمَّ إنا نستغفركَ منْ ذنوبِنا فاغفرْ لنا، ونستنصرُكَ على عدوِّنا فانصرْنا، ونسألكَ كشفَ الغُّمةِ عنْ أمتِنا وإخوانِنا، ونسألك أنْ تحبطَ كيدَ الكافرين وأنْ تكشفَ خَبَثَ المنافقين، وأنْ تجعلَ الدائرةَ على الكافرين، والعاقبةَ للمؤمنين ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (١). أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ لي ولكمْ ولسائرِ المسلمين، فاستغفروهُ وتوبوا إليهِ يغفرْ لكم.

стр. 2809

الخطبةُ الثانية: الحمدُ للهِ القويِّ العزيز، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ الرحمنُ الرحيمِ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه جاهدَ في اللهِ حقَّ جهادِه حتى جاءَهُ اليقينُ، فالصلاةُ والسلامُ عليهِ وعلى سائرِ النبيينَ والمرسلين. إخوةَ الإسلام: ومنْ سُننِ اللهِ الكونيةِ أنَّ اللهَ يُديلُ على المسلمينَ أعداءهم إذا همْ خالفوا أمرَه، وحادوا عنْ شريعتِه، وكَثُر فيهم الفسوقُ والعصيان، وانتشرتِ البدعُ وكانوا شِيَعًا وأحزابًا .. تلكَ سنةٌ ماضيةٌ تتجدَّدُ. وإليكمْ توصيفًا لحالِ المسلمينَ ووَهْنِهم ونهبِ بلادِهم وقتلِ رجالهِم ونسائِهم، والسخريةِ بدينهِم ونبيِّهم ﵊، بلْ وتهديدِ مقدساتِهم على يدِ أحدِ ملوكِ النصارى، الذي قالَ عنهُ ابنُ كثير: كانَ هذا الملعونُ أشدَّ الملوكِ كفرًا وأغلظَهم قلبًا وأقواهُم بأسًا وأحدَّهم شوكةً، وأكثرَهم قتلًا وقتالًا للمسلمينَ في زمانِه .. فمنْ يكونُ هذا الملكُ النصراني؟ وماذا صنعَ ببلادِ المسلمين؟ قال ابنُ كثيرٍ في «البداية والنهاية»: وفي سنةِ ثنتين وخمسينَ وثلاثِ مئةٍ ماتَ ملكُ الأرمن، واسمه النُّقْفُور، وهوَ الذي استحوذَ في أيامه- لعنهُ اللهُ- على كثيرٍ منَ السواحل، وأكثرُها انتزعَها من أيدي المسلمينَ قَسْرًا، واستمرتْ في يدهِ قهرًا، وأضيفتْ إلى مملكةِ الروم قدرًا .. ثمَّ قالَ ابنُ كثير- مُشخصًا حالَ المسلمينَ وموضحًا أسبابَ ذلِّهم وهزيمتهم-: وذلك لتقصيرِ أهلِ ذلك الزَّمان، وظهورِ البِدَعِ الشَّنيعِة فيهم وكثرة العصيانِ منَ الخاصِّ والعامِّ منهم، وفُشُوِّ البدعِ فيهم، وكثرةِ الرفضِ والتشيعِ منهم وقهرِ أهلِ السنةِ بينهم، فلهذا أُدِيلَ عليهمْ أعداءُ الإسلام فانتزعوا ما بأيديهم منَ البلادِ معَ

стр. 2810

الخوفِ الشديد ونكدِ العيشِ والفرارِ من بلادٍ إلى بلاد، فلا يبيتونَ ليلةً إلا في خوفٍ من قوارعِ الأعداءِ وطوارقِ الشرورِ المترادفة، والله المستعان. وقد وردَ (حلب) في مائتي ألف مقاتلٍ بغتةً في سنةِ إحدى وخمسينَ وثلاثِ مئة، وجالَ فيها جولةً ففرَّ منْ بينِ يديهِ صاحبُها سيفُ الدولةِ، ففتَحها اللعينُ عنوةً، وقتلَ منْ أهلها من الرجالِ والنساءِ ما لا يعلمهُ إلا اللهُ، وأخذَ أموالَها وحواصلَها وبدَّدَ شملَها .. وبالغَ في الاجتهادِ في قتالِ الإسلامِ وأهلِه، وجدَّ في التشمير، فالحكمُ للهِ العليِّ الكبير. وقد كانَ- لعنهُ الله- لا يدخلُ في بلدٍ إلا قتلَ المقاتلةَ وبقيةَ الرجالِ وسبى النساءَ والأطفالَ، وجعلَ جامعتَها إصطبلًا لخيولِه. ولمْ يزلْ ذلكَ من دأبهِ حتى سلَّطَ اللهُ عليهِ زوجتَهُ فقتلتْهُ بجواريها في وسطِ مسكنهِ، وأراحَ اللهُ منهُ الإسلامَ وأهلَه. أما أطماعُه وتطلعاتُه وعتوُّهُ واستكبارُه، فقد بلغتْ حدًّا كتبَ معه إلى الخليفةِ المطيعِ للهِ بقصيدةٍ تعرضَ فيها لسبِّ الإسلامِ والمسلمينَ، وتوعدَ فيها أهلَ حوزةِ الإسلام، بأنهُ سيملكُها كلَّها- حتى الحرمين الشريفين- عمّا قريب، قالَ ابنُ كثيرٍ ﵀: وهوَ أقلُّ وأذلُّ وأخسُّ وأضلُّ من الأنعام، ويزعمُ الخبيثُ أنهُ ينتصرُ في هذهِ القصيدةِ لدينِ المسيحِ- ﵇ وربما يعرِّضُ فيها بجنابِ الرسول ﷺ . وحيثُ نقلَ ابنُ كثيرٍ هذه القصيدةَ بطولِها .. فأنقلُ لكمْ شيئًا منها يكفي للعلوِّ والاستكبارِ والسخرية والاستهزاء .. ومما جاءَ فيها قولُ ناظِمها على لسانهِ: سألقى جيوشًا نحوَ بغدادَ سائرًا ... إلى باب طاق حيث دار القماقم وأحرقُ أعلاها وأهدمُ سورَها ... وأسبي ذرارِيها على رغمِ راغمِ وأسري بجيشٍ نحو الأهوازِ ... مسرعًا لإحرازِ ديباجٍ وخزِّ السواسم وأشعلُها نهبًا وأهدُم قصورَها ... وأسبي ذرارِيها كفعلِ الأقادمِ

стр. 2811

ومنها إلى شيرازَ والريَّ فاعلموا ... خراسانَ قصري والجيوش بحازمِ وسابورَ أهدمُها وأهدمُ حصونَها ... وأوردُها يومًا كيومِ السمائمِ وكرمانَ لا أنسى سجستانَ كلَّها ... وكابُلَها النائي وملكَ الأعاجمِ أسيرُ بجندي نحوَ بصرتِها التي ... لها بحرٌ عجاجٌ رائعٌ متلازمِ إلى واسطَ وسطَ العراقِ وكوفةٍ ... كما كان يومًا جندُنا ذو العزائمِ وأخرجُ منها نحو مكةَ مُسرعًا ... أجرُّ جيوشًا كالليالي السواجمِ إلى قوله: أعودُ إلى القدسِ التي شُرفت بنا ... بعزٍّ مكينٍ ثابتِ الأصل قائمِ وأعلو سريري للسجودِ معظمًا ... وتبقى ملوكُ الأرضِ مثلَ الخوادمِ هنالكَ تخلو الأرضُ منْ كلِّ مسلمٍ ... لكل تقيِّ الدين أغلفِ زاعمِ إلى أن يقول: سأفتحُ أرضَ اللهِ شرقًا ومغربًا ... وأنشرُ دينًا للصليبِ بصارمي فعيسى علا فوقَ السماواتِ عرشُهُ ... يفوزُ الذي والاهُ يومَ التخاصُمِ وصاحبُكمْ بالتربِ أودى به الثرى ... فصارَ رفاتًا بينَ تلكَ الرمائمِ (١) وهنا يردُ السؤال .. هل تحققَّ لهذا الصليبي حُلمُه؟ وكيفَ كانتْ نهايته؟ لقدْ كفى اللهُ المسلمينَ شرَّه، وحمى بلادَ الحرمينِ منْ صُلبانه، وماتَ ولمْ يحققْ أهدافَه، وشاءَ اللهُ أنْ يميتَه بأقربِ الناسِ إليه، وقتلَهُ أحدُ الضعيفين، ومنْ مأمنهِ جاءَهُ ما يَحذرُ، وكانتْ نهايتُهُ على يدِ زوجتهِ وفي بيته، قالَ ابن كثير: وما زالَ هذا المستكبرُ متسلِّطًا حتى سلَّطَ اللهُ عليهِ زوجتَهُ فقتلَتْهُ بجواريها في وسطِ مسكَنِه، وأراحَ اللهُ منهُ الإسلامَ وأهلَه (٢).

стр. 2812

أيها المسلمون: ونوقنُ- نحن المسلمين- أنَّ اللهَ يُملي للظالمِ حتى إذا أخذَهُ لم يفلِتْه، ونقرأُ في كتابِ ربِّنا: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ (١). ولكنا نقرأُ في مقابلِ ذلكَ خطابَه تعالى للمؤمنينَ بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢).

стр. 2813

أشجُّ بني أمية ومجيبها (١) الخطبةُ الأولى: إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ منْ شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، منْ يهدهِ اللهُ فلا مضلَّ لهُ، ومنْ يضللْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُه، اللهمَّ صلِّ وسلمْ عليهِ وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلين، وارضَ اللهمَّ عنِ الصحابةِ أجمعينَ والتابعينَ وتابعيهمْ بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ وسلمْ تسليمًا كثيرًا. أيها المسلمون: في تأريخِنا مفاخرُ العلماءِ، وعدلُ الأمراءِ، وزهدُ النُّبلاءِ .. ولكنْ ماذا عنْ مَن جمعَ هذهِ المكارمَ كلَّها؟ ! طلب العلمَ في صباهُ فقادَهُ العلمُ إلى الخشيةِ والرضا واليقين، وكانَ به وريثَ الأنبياء، وتولى إمرةَ المدينةِ فكانَ نعمَ الأميرُ لها، ثمَّ تولى الخلافةَ فملأَ الأرضَ عدْلًا وبرًا وإحسانًا، أطبقَ ذكرُهُ في الخافقين، وملأتْ محبتُه قلوبَ المسلمين، وشهدَ له بالخيريةِ والصلاحِ غيرُ المسلمين، إنهُ الخليفةُ الزاهد، والعالمُ الراشد، أشجُّ بني أميةَ ونجيبُها عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ بنِ مروانَ ﵀. كانَ حسنةً من حسناتِ سليمانَ بنِ عبدِ الملكِ- ﵀ حيثُ خصَّهُ بالخلافةِ متجاوزًا نمطَ الولايةِ لأبناءِ الخليفةِ ثمَّ أبناءِ أبنائِه. وكانَ منقبةً من مناقبِ العالمِ والوزيرِ والمستشارِ الناصحِ رجاءَ بنِ حَيْوَيةَ ﵀ .. حيثُ أشارَ على سليمانَ بكتابةِ العهدِ إلى عمرَ من بعدِه.

стр. 2814

أيها المؤمنون: وهلْ تعلمونَ أنَّ هذا الخليفةَ الذي ملأ الأرضَ عدلًا وذكرًا حسنًا ماتَ ولمْ يبلغِ الأربعين منْ عُمُره؟ وما يَضِيرهُ أنْ دفعَ حياتَه ثمنًا للعدلِ وإحقاقِ الحقِّ، وما بلغتْ خلافتُه ثلاثَ سنين؟ تقلّبَ في حياةِ النعيمِ، فما غرّهُ زهرةُ الدنيا عنْ نعيمِ الآخرة، وتربعَ على مناصبِ الوزارةِ والإمارةِ والخلافةِ فما داخلَهُ العجْبُ ولا فتنةُ الكبرياء، بلْ كانَ سيدَ العابدين، وإمامَ الزاهدين، ونموذجَ القانتين، أتتْهُ الخلافةُ على كُرهٍ منه، فاستشعرَ المسئوليةَ وأدّى الأمانةَ، ونصحَ للأمة، وطوّفَ بالإسلامِ في مشرقِ الأرضِ ومغربِها .. وشهدَ على عدلِه البَرُّ والفاجرُ، وأشادَ به أهلُ الكتابِ فضلًا عن المسلمين. كانَ لتربيتهِ في الصغر أثرٌ في حياتِهِ في الكِبَر. وقدْ أحسنَ والدُه اختيارَ أمِّه- والعرقُ دسَّاسٌ، والعزُّ في أوراك النساء، كما يُقال- وأمُّهُ منْ بيتِ عمر الفاروقِ ﵁؛ فهيَ أمُّ عاصمٍ بنتِ عاصمِ بنِ عمرَ بنِ الخطابِ ﵃ أجمعين، فعمرُ جدُّه لأمهِ، ووالدُه عبدُ العزيزِ بنُ مروانَ حينَ أرادَ أنْ يتزوجَ أمَّ عمرَ بنِ عبدِ العزيز قالَ لقيِّمه: اجمعْ لي أربعَ مئةِ دينار منْ طيِّبِ مالي، فإني أريدُ أنْ أتزوجَ إلى أهلِ بيتٍ لهمْ صلاح، فتزوجَ أمَّ عمر، وهكذا «فاظفرْ بذاتِ الدينِ تَرِبتْ يداك» (١). معاشرَ المسلمين: والحديثُ يطولُ عنْ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ العالمِ الرباني، والخليفةِ الزاهد، والمجاهدِ الشهيد .. ولكنْ دعونا نقفُ على معالمَ مضيئةٍ من جوانبِ سيرتهِ تتمثل في ما يلي: أولًا: أثرُ التربية .. لاشكَّ أنَّ اللهَ هو الهادي والموفقُ منْ شاء، ولكنْ لتربيةِ الوالدينِ وعنايتهمْ بالولدِ أثرًا لا يُنكر .. وليسَ يخفى أنَّ الغلامَ عمرَ أذنَ لهُ والدُه

стр. 2815

بالخروجِ منْ دارِ الإمارةِ بمصرَ- حيثُ كانَ أبوه أميرًا على مصرَ- وتوجَّه إلى دارِ الهجرةِ والعلمِ، المدينة، وبها عكفَ على العلمِ وتأدبَ بأدبِ العلماء، فاشتهرَ بالعلمِ والعقلِ مع حداثةِ سِنِّه .. وللعلمُ نورٌ وبركةٌ لا تُخفى. وحينَ بعثَهُ أبوهُ إلى المدينةِ ليتعلمَ ويتأدبَ بها، كتبَ إلى صالحِ بن كيسانَ يتعاهَدُه، وكان يُلزمه الصلوات، فأبطأ يومًا عنِ الصلاة، فقال: ما حَبسكَ؟ قال: كانت مُرجِّلتي تُسكِّن شعري، فقال: بلغَ منْ تسكينِ شعركَ أنْ تؤثرَه على الصلاة؟ وكتبَ بذلكَ إلى والده، فبعثَ والدُه رسولًا إليه، فما كلّمه حتى حلقَ شعرَه (١). وهكذا شأنُ التربية، وكذلكَ تكونُ العنايةُ بالصلاةِ على وجهِ الخصوص. ثانيًا: عمرُ وزيرُ صدقٍ يعظُ الخليفةَ ويبكيهِ وينصح للرعية؛ حينَ وليَ سليمانُ بنُ عبدُ الملكِ الخلافةَ قالَ لعمرَ بنِ عبدِ العزيز: أبا حفص، إنَّا وُلينا ما قدْ ترى، ولمْ يكنْ لنا بتدبيرِه علْمٌ، فما رأيتَ منْ مصلحةِ العامةِ فمُرْ به. فكانَ من ذلك عزلُ عُمالِ الحجّاج، وأُقيمتِ الصلواتُ في أوقاتها بعدما كانتْ أُمِيتَتْ عنْ وقتِها، معَ أمورٍ جليلةٍ كانَ يسمعُ منْ عُمرَ فيها .. وفي إحدى السنواتِ حجَّ سليمانُ فرأى الخلائقَ بالموقف فقالَ لعمرَ: أما ترى هذا الخلقَ الذي لا يُحصي عددَهم إلا اللهُ؟ قال (عُمر): هؤلاءِ اليومَ رعيتُك، وهمْ غدًا خُصماؤُك، فبكى (الخليفةُ) بكاءً شديدًا. قال الذهبي: كانَ عمرُ لسليمانَ وزيرَ صِدْقِ (٢). وهكذا ينبغي أنْ يكونَ المستشارون وكذلكَ يكونُ الوزراءُ الناصحون.

стр. 2816

ثالثًا: عُمرُ وَهَمُّ الأمةِ .. وُلِّيَ عمرُ الخلافةَ وهوُ لها كاره، فاستعانَ باللهِ، وأعانه. وإذا نظرَ غيرُ عمرَ إلى المسئوليةِ على أنها مغنمٌ فقدْ رأها الخليفةُ عمرُ مغرَمًا .. ومسئوليةً وهمًّا .. وطالما بكى- وحقَّ له البكاء- لعظمِ الحمالةِ التي يحملها .. وهذه زوجتهُ فاطمةُ بنتُ عبدِ الملك- رحمَها الله- تقول: دخلتُ على عمرَ وهوَ في مُصلاه واضعًا يدَهُ على خدِّه، سائلةً دموعَه، فقلتُ: يا أميرَ المؤمنين: ألشي حدَث (تبكي)؟ ! قال: يا فاطمةُ، إني تقلدتُ أمرَ أمةِ محمدٍ ﷺ ، فتفكرتُ في الفقيرِ الجائع، والمريضِ الضائع، والعاري المجهودِ، والمظلومِ المقهور، والغريبِ المأسور، والكبيرِ وذي العيال في أقطارِ الأرض، فعلمتُ أنَّ ربي سيسألُني عنهم، وأنَّ خصمَهم دونَهم محمدٌ ﷺ ، فخشيتُ ألا تثبتَ لي حُجَّةٌ عندَ خصومتهِ، فرحمتُ نفسي فبكيت (١). رابعًا: ممَّ يخافُ عمر؟ في ترجمةِ عمرَ خوفٌ وبكاء، وتحسبٌ واعٍ ليومِ المعاد، فما كانَ يخافُ ذهابَ الملك منْ يده .. وهو الذي قبلَ الخلافةَ على كُرْه، وما كانَ عمرُ يرهبُ الموتَ لذاتِ الموت، فقدْ كانَ يراهُ سُنةً ماضيةً في الأولينَ والآخرين (٢)، وحينَ طلبَ منهُ نفرٌ أنْ يتحفظَ في طعامه، ويسألونهُ أنْ يكونَ لهُ حرسٌ إذا صلى، لئلا يُقتلَ غِيْلةً، وسألوهُ أن يتنحَّى عن الطاعون،

стр. 2817

ويخبرونهُ أنَّ الخلفاءَ قلَبه كانوا يفعلون ذلك. أجابَهم عمرُ قائلًا: فأينَ هؤلاء؟ فلما أكثروا عليهِ (التحوطَ) قال: اللهمَّ إنْ كنتَ تعلمُ أني أخافُ يومًا دونَ يومِ القيامةِ فلا تُؤمِّن خوفي (١). لقدْ تكاثرَ الشهودُ على خوفِ عمرَ منَ الله، فهذا مزيدُ بنُ حَوْشَبٍ يقول: ما رأيتُ أخوفَ من الحسينِ وعمرَ بنِ عبدِ العزيز، كأنَّ النارَ لمْ تخلقَ إلا لهما (٢). ومكحولٌ يقول: لو حلفتُ لصدقت، ما رأيتُ أزهدَ ولا أخوفَ للهِ منْ عمرَ بنِ عبد العزيز (٣). وقالتْ زوجتُهُ فاطمة: حدَّثنا مغيرةُ أنهُ يكونُ في الناسِ مَنْ هوَ أكثرُ صلاةً وصيامًا من عُمرَ بن عبدِ العزيز، وما رأيتُ أحدًا أشدَّ فرَقًا منْ ربِّه منه، كانَ إذا صلى العشاءَ قعدَ في مسجده، ثمَّ يرفعُ يديهِ يبكي حتى تغلبَهُ عينُه، يفعلُ ذلكَ ليلَه أجمعَ (٤). وعنْ عطاءٍ قال: كانَ عمرُ بنُ عبدِ العزيز يجمعُ كلَّ ليلة الفقهاءَ، فيتذاكرونَ الموتَ والقيامةَ والآخرةَ ويبكون (٥). وهكذا فمنْ كانَ باللهِ أعرفُ كانَ منهُ أخوفُ .. ومنْ خافَ في الدنيا أمِنَ في الآخرة، ومنْ خافَ أدْلجَ، ومَنْ أدلجَ بلغَ المنزلةَ. خامسًا: عمرُ وسياسةُ الأمةِ واستغناءُ الفقراء: ما كانَ خوفُ عمرَ سلبيًا. وما

стр. 2818

أضاعَ عمرُ رعيته إذْ زهدَ وبكى وخافَ ربَّه، بلْ ترجمَ الخوفَ إلى عملٍ وأنتجَ زهدُ عمر زهدًا في الأمة .. وحينَ عفَّ عمرُ عفتْ رعيتُه. وإن كان الفقراءُ قد استغنوْا في خلافتهِ حتى جعلَ الرجلُ يأتي بالمالِ العظيمِ فيقول: اجعلوه حيثُ شئتم، فما يبرحُ حتى يرجعَ بمالهِ كلِّه، وذلكَ أنَّ عمرَ قدْ أغنى الناسَ .. فما عادَ محتاج، فالمتأملُ في خلافتهِ يرى أنَّ مواردَ الدولةِ ما زادتْ إلى حدٍّ يستغني معهُ كلُّ الناس، بل نقصَ منْ مواردِ بيتِ المال ما كانَ يؤخذُ منْ جزيةٍ على النصارى الذين أسلموا، وحينَ كتبَ إلى عمرَ عاملُه على مصرَ يقول: إنَّ أهلَ الذمةِ قدْ شرعوا في الإسلامِ وكسروا الجزيةَ، فكتبَ عمرُ يقول: إنَّ اللهَ بعثَ محمدًا داعيًا ولمْ يبعثْهُ جابيًا، فإذا أتاكَ كتابي فإنْ كانَ أهلُ الذمةِ أشرعوا في الإسلامِ وكسروا الجزيةَ فاطوِ كتابَك وأقبلْ (١). أجلْ، لقدْ كانَ لزهدِ عمرَ في الدنيا ونزاهتِه في أموالِ المسلمين، ولقدْ سرتْ نزاهتُهُ على ولاته .. وسرى الزهدُ في أهلِ بيتِه .. وألزمَ عشيرتَه مما ألزمَ بهِ نفسَه .. ولمْ يقبلِ الشفاعةَ فيما أخذَ الأمةَ بهِ منَ العدلِ وإحقاقِ الحقِّ، ولقدْ فزعتْ بنو أميةَ وضجروا مما ألزمَهُمْ به منْ ردِّ المظالمِ وسياسةِ المال، حتى وسَّطوا عمَّتَه فاطمةَ بنتَ مروان، فقدَّرَ لها رحِمَها وحقَّها، ولكنهُ أبانَ لها عنْ سياستِهِ وعظيمِ مسئوليته، وما زالَ يُحدِّثُها حتى قالت: حَسْبُكَ، فلستُ بذاكرةٍ لكَ شيئًا، ورجعتْ إلى بني أميةَ وأبلغتْهم رسالتَه (٢). أجل، ما كانَ عمرُ ﵀ يأمرُ عشيرَتَهُ بشيءٍ ويخالفُه .. وحَسْبُكَ أنْ تعلمَ رصيدَهُ قبلَ الخلافةِ وبعدَها، وهذا أحدُ أبنائِهِ عبدُ العزيِز بنُ عمرَ يقول: دعاني

стр. 2819

المنصورُ أبو جعفرَ فقال: كمْ كانتُ غلةُ عمرَ حينَ استُخلِف؟ قلتُ: خمسونَ ألف دينار، قال: كمْ كانتْ يومَ موته؟ قلتُ: مائتا دينار (١). مات الخليفة وكان آخر آية قرأها قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]. حدثت زوجته فاطمة عن آخر لحظاته فقالت: كنتُ أسمع عمر في مرضه يقول: اللهم اخف عنهم أمري ولو ساعة، قالت فقلت له: ألا أخرج عنك فإنك لم تنم، فخرجت فجعلت اسمعه يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ﴾ مرارًا، ثم أطرق، فلبث طويلًا لا يسمع له حسٌّ، فقلت لوصيف كان يخدمه، ويحك انظر، فلما دخل صاح، فدخلت فوجدته ميتًا، قد أقبل بوجهه إلى القبلة وغمضّ عينيه بإحدى يديه وضمَّ فاه بالأخرى (٢).

стр. 2820

الخطبةُ الثانية: الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، يُعزُّ منْ يشاءُ ويُذلُّ منْ يشاء، ويهدي منْ يشاءُ ويضلُّ منْ يشاءُ وهوَ العليمُ الحكيم، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، إذا أحبَّ عبدًا نشرَ محبَّته بينَ خلْقِه، ومنْ هَتَكَ أستارَ اللهِ وتعدَّى على محارمِهِ فَضَحَهُ اللهُ في الدنيا، والفضيحةُ في الآخرة أشدُّ وأنكى، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه إمامَ المتقينَ وسيدَ العابدين، وقائدَ المجاهدين، وخيرةَ الخلقِ أجمعين، اللهمَّ صلِّ وسلمْ عليهِ وعلى سائرِ النبيينَ والمرسلين. إخوةَ الإسلامِ: وسياسةُ عمرَ بنِ عبدِ العزيز للأمةِ لمْ تكنْ بالغلظةِ والشدة، بلْ كانَ يجتهدُ في مُدَاراتِهم حتى قال: لو أقمتُ فيكمْ خمسينَ عامًا ما استكملتُ فيكمُ العدلَ، إني أُريدُ الأمرَ من أمرِ العامَّةِ، فأخافُ ألا تحملَه قلوبُهم، فأخرجُ معه طمعًا منْ طمعِ الدنيا، فإنْ أنكرَتْ قلوبُكُم هذا سكنتُ إلى هذا (١). سادسًا: أهلُ الكتابِ يشهدونَ لعمرَ بنِ عبدِ العزيز: لم يكتفِ عمرُ بالإحسانِ إلى أهلِ الإسلام، بلْ شملَ بعدلِهِ وإحسانِهِ أهلَ الكتاب .. ولم يكنْ إحسانُ عمرَ لأهلِ الكتابِ مصانعةً، أو تبعيةً لهم، لكنها الجديةُ في الدعوةِ والعدلُ في المعاملة؛ فمن أسلمَ رفعَ عنه الجزيةَ. ومنْ أعرضَ أو جهلَ الإسلامَ بعثَ لهُ بالدعوةِ للدينِ الحقِّ .. ولقدْ بعثَ عمرُ وفدًا إلى (قيصر) يدعوهُ إلى الإسلام، فتهيأَ للوفد، وأقامَ البطارقةَ على رأسه، ثمَّ استدعى واحدًا من وفدِ عمرَ إليه، وأخبرهُ أنَّ أحدَ رجالِهِ كتب إليهِ يقول: إنَّ الرجلَ الصالحَ عمرَ بنَ عبدِ العزيز مات، قالَ يزيدُ -وهو

стр. 2821

وافدُ المسلمينَ على (قيصرَ) - فبكيتُ واشتدَّ بكائي وارتفعَ صوتي، فقالَ (قيصرُ): ما يبكيك؟ ألِنَفْسِك تبكي، أمْ له، أم لأهلِ دينِكَ؟ قلتُ: لكلٍّ أبكي، قال: فابكِ لنفسكَ ولأهلِ دينك، فأما عمرُ فلا تبكِ له، فإنَّ اللهَ لمْ يكنْ ليجمعَ عليهِ خوفَ الدنيا وخوفَ الآخرة، ثمَّ قال: ما عجبتُ لهذا الراهبِ الذي تعبدَ في صومعته وتركَ الدنيا، ولكن عجبتُ لمن أتتْهُ الدنيا منقادةً حتى صارتْ في يدهِ ثمَّ خلّي عنها (١). سابعًا: منْ سلوكياتِ عمرَ، يروعكَ في شخصيةِ الخليفةِ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ عدةُ جوانبَ سلوكيةٍ مضيئة .. فهو الصادقُ الأمين، وما حملتْهُ مسئولياتُه وتعاملاتُه على الكذب، بلْ قالَ عنْ نفسه: ما كذبتُ منذُ علِمتُ أنَّ الكذبَ يضرُّ أهلَه (٢). وهو المتواضعُ رغمَ ما قدَمهُ لإسلامِهِ وأمَّتهِ، وقدْ قالَ رجلٌ لعمر جزاكَ اللهُ عن الإسلامِ خيرًا، قال: بلْ جزى اللهُ الإسلامَ عني خيرًا (٣). وهو الزاهدُ رغمَ أبَّهةِ الملكِ وسلطانِ الخلافة، ولذا قالَ مالكُ بنُ دينار: الناسُ يقولونَ: مالكُ بنُ دينارَ زاهدٌ، إنما الزاهدُ عمرُ بنُ عبدِ العزيز الذي أتتْهُ الدنيا فتركَها (٤). وهوَ الصائمُ القائمُ رغمَ أعباءِ الخلافة، والقارئُ لكتابِ اللهِ وإنْ كَثُرتْ مسئولياتُهُ، فقدْ وردَ أنهُ كانَ يصومُ الاثنينِ والخميسَ (٥) وكان قلَّما يَدَعُ النظرَ في المصحف (٦).

стр. 2822

ثامنًا: عمرُ الناصحُ لولاتِهِ وأمتهِ: لم يألُ، عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ النصحَ لولاتهِ وعمومِ المسلمين، كتبَ يومًا إلى أحدِ عمالِهِ يقول: أما بعدُ، فإني أوصيكَ بتقوى اللهِ ولزومِ طاعته، فإنَّ بتقوى اللهِ نجا أولياءُ اللهِ منْ سخطِه، وبها تحقَّق لهمْ ولايتُه .. التقوى عصمةٌ في الدنيا منَ الفتن، والمخرجُ منْ كربِ يومِ القيامة .. إلى أنْ يقول: فقدْ رأيتُ الناسَ كيفَ يموتونَ وكيفَ يتفرقون، ورأيت الموتَ كيفَ يعجلُ التائبَ توبَته، وذا الأملِ أملَه، وذا السلطانِ سلطاَنه، وكفى بالموتِ موعظةً بالغةً وشاغلًا عن الدنيا، ومرغبًا في الآخرة إلخ ... (١). ونصحَ عمرُ المستترينَ بالمعاصي عنْ أعينِ الخلقِ، وعينُ اللهِ ترقبُهم فقال: يا معشرَ المستترين، اعلموا أنَّ عندَ اللهِ مسألةً واضحة، قالَ اللهُ تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢). (٣). ونصحَ عمرُ عمومَ المسلمينَ بعدمِ الاغترارِ بالدنيا ... وقدْ تصورَ حالَ أهلِ القبورِ وما آلوا إليهِ وما كانوا مشغولينَ به، وحذرَ من الغفلةِ، والغرورِ، وتمثلَ قولَ القائل: تُسَرُّ بما يفنى وتُشغلُ بالصِّبا كما غُرَّ باللذاتِ في النومِ حالمُ نهارُكَ يا مغرورُ سهوٌ وغفلةٌ وليلُكَ نومٌ والردى لكَ لازمُ وتعملُ فيما سوفَ تكره غِبَّهُ كذلكَ في الدنيا تعيشُ البهائمُ (٤) ولمْ ينسَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ نصيحةَ منْ سيخلفُه، فقدْ كتبَ إلى يزيدَ بنِ عبدِ الملكِ حينَ حضرهُ الموتُ يقول: سلامٌ عليكَ أما بعد، فإني لا أراني إلا

стр. 2823

لما بي، ولا أرى الأمرَ إلا سيُفضي إليك، واللهَ اللهَ في أمةِ محمدٍ النبيِّ ﷺ ، فتدعُ الدنيا لمنْ لا يَحْمَدُك، وتفضي إلى منْ لا يعذِرُك، والسلامُ عليك (١). تاسعًا: قالوا عنْ عمرَ بنِ عبدِ العزيز: الناسُ شهودُ اللهِ في أرضه .. وقدْ أثنى كثيرٌ على عمرَ وخلافته، بلْ تحققَ فيه مقولةُ جدِّهِ لأمهِ عمرَ بنِ الخطابِ- وإنْ لمْ يَرَهُ- حيثُ وردَ أنهُ قال: منْ ولدي رجلٌ بوجْهِه شَجَّةٌ يملأُ الأرضَ عدلًا .. (٢). وسئلَ محمدُ بنُ عليِّ بنِ الحسينِ عنْ عمرَ بنِ عبدِ العزيز فقال: هوَ نجيبُ بني أُميةَ، وإنه يُبعثُ يومَ القيامةِ أمةً وحدَه (٣). وقالَ ميمونُ بنُ مهرانَ: كانتِ العلماءُ معَ عمرَ بنِ عبدِ العزيز تلامذةً (٤). وقالَ مالكُ بنُ دينار: لمّا وليَ عمرُ بنُ عبدِ العزيز قالتْ رعاءُ الشاءِ: منْ هذا الصالحُ الذي قامَ على الناس خليفةً؟ عدلُه كفَّ الذئابَ عنْ شائِنَا (٥). عاشرًا: جلساءُ عمرَ وأصحابُ مشورتِهِ: كانَ العلماءُ والفقهاءُ والناصحون همْ جلساءَ عمرَ وأصحابُ مشورته، ومنذ كانَ واليًا على المدينةِ استدعى عشرةً منْ خيارِ أهلِ المدينة وفقهائِها، وقال: إني دعوتُكمْ لأمرِ تؤجَرونَ فيه، ونكونُ فيه أعوانًا على الحقِّ، ما أريدُ أنْ أقطعَ أمرًا إلا برأيكمْ أو برأيِ منْ حضرَ منكم، فإنْ رأيتمْ أحدًا يتعدَّى، أو بلغَكم عنْ عاملٍ ظُلامةٍ، فأُحرِّجُ باللهِ على منْ بلغهُ

стр. 2824

ذلكَ إلا بلّغني، فجزَوْهُ خيرًا وتفرقوا (١). أما الشعراءُ والمداحونَ فلمْ يكنْ لهمْ سوقٌ في خلافةِ عمرَ، وعنهمْ يعبرُ الشاعرُ جريرٌ الذي قدمَ إلى عمرَ وطالَ مقامُه على بابِ عمرَ، ولم يلتفتْ إليهِ فكتبَ إلى عونِ بنِ عبدِ الله وكانَ خصيصًا بعمر يقول: يا أيها القارئُ المرخِّي عمامتَهُ ... هذا زمانُكَ إني قدْ مضى زمني أبلغْ خليفَتَنا إنْ كنتَ لاقِيَهُ ... أني لدى البابِ كالعصفورِ في قرنِ (٢) أيها المسلمون: هذه نماذجُ غاليةٌ في تاريخِنا .. وأولئكَ النبلاءُ منْ رجالِنا، وحقَّ للتاريخِ أنْ يسطرَ مآثرَهم بمدادٍ منْ ذهب، وحقَّ للمسلمينَ أن يفخروا بمثلِ هؤلاء، إنهمْ رجالٌ عرفوا قيمةَ الدنيا وقدرَ الآخرة، افتخروا بالإسلامِ فافتخرَ بهمُ المسلمون، ومثَّلوا الإسلامَ فاستجابَ لهمْ غيرُ المسلمين. أولئك آبائي فجئني بمثلهِمْ ... إذا جمعتنا يا جريرُ المجامعُ وليسَ عمرُ فلتةً في التاريخ، بل لهُ نظائرُ قبلَه وبعده، ولا يزالُ الخيرُ في هذهِ الأمة، ولئنْ غَفَتْ هذه الأمة فترةً من الزمن، فما أسرعَ ما يستيقظُ النائمُ، ولئنْ ذَلَّتْ وعَزَّ أعداؤُها فالأيامُ دولٌ .. والعاقبةُ للمتقينَ ولا عدوانَ إلا على الظالمين. ولكنْ قراءةُ التاريخِ بعمقٍ واحدةٌ من سبلِ نهضةِ المسلمين وعزتِهم؛ ففي التاريخِ عبرةٌ، وفي أحداثِ الزمانِ موعظةٌ لأولي الألباب.

стр. 2825

مكر الأعداء في القرآن الكريم (١) الخطبةُ الأولى: الحمدُ للهِ القويِّ العزيزِ، لهُ العزةُ جميعًا ولهُ المكرُ جميعًا، وهوَ الكبيرُ المتعالُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، أهلكَ عادًا الأُولى وثمودَ فما أبقى والمؤتفكةَ أهوى، وبأسُه لا يُردُّ عن القومِ المجرمينَ قديمًا وحديثًا ومستقبَلًا، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، أحاطتْ بهِ الأعداءُ ومَكَرَ بهِ الماكرونَ وتطاولَ عليهِ المجرمونَ فما وَهَنَ ولا استكانَ، بلْ صبرَ وجاهدَ حتى نصرَهُ اللهُ، وردَّ اللهُ الذين كفروا بغيظهمْ لمْ يَنالوا خيرًا، وكفى اللهُ المؤمنينَ القتالَ وكانَ اللهُ قويًا عزيزًا .. اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ عليهِ وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسَلينَ، ورضيَ اللهُ عنِ الصحابةِ أجمعينَ والتابعينَ. أوصيكمْ ونفسي بتقوى اللهِ. أيها المسلمون: يتكالبُ أعداءُ الإسلامِ في كلِّ زمنٍ محاربينَ دِينَ اللهِ ورسلَه والمؤمنينَ، ويتفنَّنُ أولئكَ الأعداءُ في كلِّ عصرٍ بما يُناسبُه منْ وسائلِ الحربِ والعداءِ. وفي أيامِنا هذهِ تشتدُّ هجمةُ الأعداءِ، ويتجدّدُ مكرُهمْ، وتتوحَّدُ قُواهم لضربِ المسلمينَ وحِصارِهمْ .. والمسلمونَ كلَّما دهمتْهم الخطوبُ رجعوا إلى كتابِ اللهِ فوجدوا فيهِ الشفاءَ والهدى والنورَ والضياءَ .. وحديثُ اليومِ عنْ مكرِ الأعداءِ من خلالِ آياتِ الكتابِ العزيزِ .. ذلكَ الكتابُ المُعجِزُ المتجدِّدُ في عرضِه وعِبَرِه، فماذا نجدُ فيهِ عنْ مكرِ الأعداءِ وعاقبتِهمْ ونهايتِهم؟

стр. 2826

أولًا: العداءُ والمكرُ سُنّةٌ جاريةٌ، وقَدَرٌ إلهيٌّ، قالَ تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (١). قال ابنُ كَثيرٍ ﵀: وكما جعلْنا في قريتِكَ يا محمدُ أكابرَ منَ المجرمينَ، ورؤساءَ ودعاةً إلى الكفرِ والصدِّ عنْ سبيلِ اللهِ، وإلى مخالفتِكَ وعداوتكَ، كذلكَ كانتِ الرسلُ منْ قَبْلِك يُبتلَوْنَ بذلكَ، ثمَّ تكونُ العاقبةُ لهمْ .. وقالَ تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾ (٢). ثانيًا: هذا المكرُ والعداءُ يتعاونُ عليهِ شياطينُ الإنسِ والجنِّ، كما قالَ ربُّنا ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (٣). عنْ أبي ذرٍّ ﵁ قالَ: أتيتُ النبيَّ ﷺ وهوَ في المسجدِ، فجلستُ، قالَ: «هلْ صلَّيتَ»؟ قلتُ: لا، قالَ: «قُمْ فصلِّ»، قالَ: فقمتُ فصلَّيتُ، ثمَّ جلستُ، فقالَ: «يا أبا ذرٍّ! تعوَّذْ باللهِ منْ شرِّ شياطينِ الإنسِ والجنِّ»، قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ وللإنسِ شياطينُ؟ قال: «نعمْ ﴿شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (٤)». ثالثًا: وهذا المكرُ مع غرورهِ تَصغَى إليهِ أفئدةُ مَن لا يؤمنونَ ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ﴾ (٥). إن هؤلاءِ المغرورينَ بالزُّخرفِ يَعملونَ ما يعملونَ منَ العداوةِ للهِ ولرسلهِ

стр. 2827

وللمؤمنينَ، فهمْ لا يكتفونَ بالإصغاءِ والسَّماعِ .. ولا يَقِفُونَ عندَ حدِّ الرِّضاءِ والقبولِ، بل يقترفونَ ويخطِّطون ويَعملون. إنها آيةٌ ظاهرةٌ في تعاونِ الأعداءِ فيما بينهمْ ضدّ الإسلامِ والمسلمينَ، والمعركةُ التي يقودُها الباطلُ والمبِطلون ضدَّ الحقِّ يتجمِّعُ فيها أصنافُ الشياطينِ، ويتعاونونَ لإمضاءِ خطّةٍ مدبَّرةٍ. فبعضُهمْ يوحِي إلى بعضٍ، وبعضُهم يُغوي بعضًا. رابعًا: ولكنَّ هذا الكيدَ والمكرَ مهما بلغَ شأنُه واجتمعَ لهُ الخصومُ منْ كلِّ صوبٍ فليسَ طليقًا .. بلْ هوَ مقيَّدٌ بقَدَرِ اللهِ، ومُحاطٌ بمشيئتهِ سبحانَه ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ (١)، إنهُ لا ينطلقُ كما يشاءُ بلا قيدٍ ولا ضابطٍ، ولا يصيبُ مَن يشاءُ بلا مُعقِّبٍ ولا رادعٍ .. وإنَّ الأعداءَ مهما بلغتْ قوتُهم وإرادتُهمْ فهيَ مقيَّدةٌ بمشيئةِ اللهِ ومحدودةٌ بقَدَرِ اللهِ .. وهنا يتعلَّقُ المؤمنُ باللهِ ويُسلّي نفسَه موقِنًا بأنَّ القوةَ للهِ جميعًا .. وأنَّ الخَلْقَ مهما صَنعوا فهمْ لا يشاءونَ إلا أنْ يشاءَ اللهُ، فيعتصمُ المؤمنُ باللهِ وحدَه، ويتوكَّلُ عليهِ وحدَهُ، ويخافُه وحدَهُ، ويرجوهُ وحدَه، معَ فعلِ الأسبابِ والأخذِ بسُبلِ النجاةِ. خامسًا: والماكرونَ لهمْ عذابٌ شديدٌ، ومكرُهمْ يبورُ، ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ (٢)، قالَ أبو العاليةِ: همُ الذينَ مكروا بالنبيِّ ﷺ لمّا اجتمعوا في دارِ النَّدْوةِ (٣). ونهايةُ مكرِهمْ في تبابٍ، واللهُ يدافعُ عنْ أوليائهِ المؤمنينَ ويحفظُهمْ منْ مكرِ

стр. 2828

الماكرينَ، وهذهِ قريشٌ تجتمعُ وتُخطِّطُ وتُدبِّرُ المكائدَ وتصنعُ المؤامراتِ لإنهاءِ الرسولِ ﷺ ، ثمَّ يُبطِلُ اللهُ كيدَهمْ ويُفشلُ مخطّطَهم، ويوحي إلى نبيِّهِ ﷺ بما ائتمروا بهِ: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (١). سادسًا: المكرُ السيئُ يَحيقُ بأهلِهِ: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ (٢) وفي أمثالِ العربِ: «مَنْ حفرَ لأخيهِ جُبًّا، وقعَ فيه مُنْكبًا»، وروى الزهريُّ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لا تمكرْ ولا تُعِنْ ماكرًا، فإنَّ اللهَ تعالى يقولُ: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾» (٣). وربُّك يُمهلُ الظالمَ حتى إذا أخذَهُ لم يُفلتْه: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (٤). سابعًا: والعاقبةُ للمكرِ والماكرينَ هيَ الهلاكُ والتدميرُ عاجلًا في الدنيا ومؤجَّلًا في الآخرةِ: ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٥). أجلْ لقدْ تجاوزَ التدميرُ التسعةَ الرهطَ المفسدينَ إلى قومِهمْ أجمعينَ، وكذلكَ يُحيطُ عذابُ اللهِ بالمفسِدينَ والمتعاونينَ والساكتينَ الراضينَ .. وما ربُّكَ بغافلٍ عمّا يعملونَ. أيها المسلمونَ: ومَنْ تأمَّلَ في آياتِ القرآنِ وَجَدَه يَعرضُ عنْ أُممٍ مَكَرتْ

стр. 2829

فحلَّتْ بها عقوبةُ اللهِ في الدنيا، وما ينتظرُها في الآخرةِ أشدُّ وأخزى، وهذا محمدٌ ﷺ يُسلِّي ويسرِّي عنه ربُّه ويُصبِّرُه على مَكْرِ قريشٍ بذكرِ مكرِ الأُمم الماضيةِ ومصيرِهم، ويقولُ تعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ .. ﴾ (١). نَعَمْ لقدْ مكرَ الذينَ منْ قَبْلِ قريشٍ، ومكرتْ قريشٌ، ومكر من بعد قريش وما يزال المكرُ ساريًا والنتيجة واحدة ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ﴾ فانهدمَ عليهمُ البنيانُ الذي شيَّدوهُ، وكانَ مقبرةً لهمْ، ﴿وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ (٢)، وكذلكَ يحيقُ المكرُ السيئ بأهلهِ، وتلك سُنّةُ اللهِ معَ جميعِ الماكرينَ: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (٣). إخوةَ الإيمانِ: قدْ يُزيَّنُ للماكرينَ مكرُهمْ، وقدْ يغترُّ المبطِلون بباطلهمْ، ولكنَّ ذلكَ لا يُلغي حقيقةً قرآنيةً بأنهمْ -هؤلاءِ الماكرينَ- صدُّوا عنِ السبيلِ، وبأنهم ضالُّون عنِ الطريقِ الحقِّ، ومَنْ يضلِلِ اللهُ فما لهُ منْ هادٍ، اسمعْ إلى ذلكَ كلِّه في قولهِ تعالى: ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (٤)، والنتيجةُ المُرتقبةُ لهؤلاءِ: ﴿لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ (٥)، فهمْ إنْ أصابتْهم قارعةٌ، أو حلَّتْ قريبًا منْ

стр. 2830

دارِهمْ فهوَ الرعبُ والقلقُ والتوقُّعُ وإلا فجفافُ القلبِ منْ نورِ الإيمان عذابٌ، وحيرةُ القلبِ بلا طمأنينةِ الإيمانِ عذابٌ، ومواجهةُ كلِّ حادثٍ بلا إدراكٍ للحكمةِ الكبرى وراءَ الأحداثِ عذابٌ، ثمَّ ﴿وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ (١). أمّا المؤمنونَ الصادقونَ في إيمانِهمْ فقدْ ينالُهم بأسٌ منْ مكرِ الماكرينَ، وقدْ يتعرَّضونَ لأذىً منْ كيدِ الكائدينَ، وذلك ليبتليَ اللهُ المؤمنينَ ويُمحِّصَهمْ ويَمحقَ الكافرينَ ويكشفَ المنافقينَ .. إنها البأساءُ والضرّاءُ يُمتحنُ بها المسلمونَ للثباتِ على الإسلامِ وإنْ هُوجمَ .. وللصبرِ على الحقِّ وإن طُورِدَ، وعدمِ الفتنة بالباطلِ وإنْ علتْ رايتُه فترةً منَ الزمنِ، والنصرةِ للمسلمينَ وإن كانوا قِلّةً مُضطهدينَ. إنَّ ممّا يُسلِّي المؤمنينَ ويُصبِّرُهم ويُكثّرُ قلَتَهم، ويُقوِّي ضعفَهمْ أنهم لا يخوضونَ المعركةَ معَ الكافرينَ وحدَهمْ، بلِ اللهُ معهمْ، وهو حسبُهمْ وناصرُهم والمدافعُ عنهمْ والمنتقمُ منْ أعدائهمْ، تجدونَ مصداقَ ذلكَ في عددٍ منْ آياتِ القرآنِ: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾ (٢)، ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، ثم قال بعدها: ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ (٣)، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (٤).

стр. 2831

وبعدَ هذا العرضِ لشيءٍ منْ آياتِ المكرِ في القرآنِ يَرِدُ السؤالُ: وأينَ المسلمونَ منْ هذهِ التوجيهات وغيرِها في القرآنِ؟ أينَ همْ منها عِلمًا وعملًا .. ومعرفةً ويقينًا. وصدق اللهُ: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (١). اللهمَّ انفعْنا بهَدْيِ القرآنِ.

стр. 2832

الخطبةُ الثانية: الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، والعاقبةُ للمتقينَ، ولا عدوانَ إلا على الظالمينَ، ومَنْ يُهِنِ اللهُ فما لهُ منْ مُكرِمٍ. إخوةَ الإسلامِ: ونحنُ هذهِ الأيامَ أمامَ هجمةٍ شرسةٍ بكلِّ المقاييسِ وأنواعِ الهجومِ، وفي ظلِّ أزمةٍ لا يعلمُ مَداها إلا اللهُ فالمستقبلُ مظلمٌ، ومؤشِّراتُ الملاحمِ والفتنِ تملأُ الآفاقَ، والمصيبةُ أنَّ المسلمينَ في غفلةٍ عنْ هذا، على حينِ يتحرَّكُ الأعداءُ ويجتمعونَ ويخطَّطونَ، والبوارجُ الكبرى تمخرُ عُبابَ البحرِ محمَّلةً بأنواعِ الأسلحةِ .. وأساطيلُ الجوِّ تتحرَّكُ منْ مغربِ الأرضِ إلى مشرقِها .. والمناوراتُ العسكريةُ منْ قِبَلِ جنودِ النصارى واليهودِ على أشُدِّها، أيستحقُ العراقُ كلِّ هذهِ الحشودِ؟ وما هيَ الخطوةُ الأخرى بعدَ العراقِ؟ وهلْ يسوغُ أنْ يظلَّ المسلمونَ يتفرَّجون والعدوُّ يحتل بلادَهمْ، ويقتلُ أبناءَهمْ، ويسيطرُ على مقدَّراتِهم؟ تلكَ أسئلةٌ كثيرًا ما تُثارُ .. فمنْ يجيبُ عنها بصدقٍ؟ لقدْ أصيبَ المسلمونَ بُذلٍّ، وهمُ الأعزّاءُ، وتفرَّقتْ كلمتُهمْ وهمُ الأمّةُ الواحدةُ .. وأصبَحوا هدفًا للغزوِ بعدَ أنْ كانوا قادةَ الفتحِ، والإسلامُ لا خوفٌ عليهِ ولكنَّ الخوفَ على المسلمينَ، فاللهُ يقولُ: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (١) فإلى متى يظلُّ المسلمونَ هدفًا لمخططاتِ الأعداءِ؟ إنَّ الإسلامَ يأبى الذوبانَ في المِللِ الأخرى .. بلْ يظلُّ مدُّه حتى في الأزماتِ .. واليومَ يشهدُ الناسُ أنَّ دينَ اللهِ يسيحُ في أرضِ اللهِ رغمِ المطاردةِ والتهمِ والإرجافِ والإرهاب، وفي بلادِ الغربِ نفسِها نطالعُ كلَّ يومٍ خبرًا عنْ

стр. 2833

إسلامِ مجموعةٍ منْ غيرِ المسلمينَ، ولمْ يَعُدِ الأمرُ قصرًا على الرجالِ بلْ شملَ النساءَ ناهيكَ عنْ مدِّهِ في آفاقِ الأرضِ كلِّها. ولعلَّ هذا المدَّ الإسلاميَّ بشكلٍ عامٍّ أحدُ المخاوفِ الكبرى التي أثارتِ الغربَ فرأَوا تعجيلَ الضربةِ للمسلمينَ قبلَ أنْ يكتسحَهم الإسلامُ .. أمّا في البلادِ الإسلاميةِ فتستمرُّ ثمارُ الصحوةِ لتغطّيَ مساحةً أوسعَ ولتشمل كافةَ القطاعاتِ المدنيةِ والعسكريةِ وعلى مستوى الرجالِ والنساءِ .. ولعلَّ هذهِ الحملاتِ الغربيةَ .. وتلكَ الصورَ اليهوديةَ المأساويةَ لإبادةِ المسلمينَ تزيدُ مِنْ تنامي الصحوةِ وتعجِّلُ بيقظةِ المسلمينَ .. وهكذا يمكرُ الأعداءُ ويمكرُ اللهُ واللهُ خيرُ الماكرينَ، وكلَّما ظنُّوا أنهمْ أوشكوا على القضاءِ على المسلمينَ وإذا بالإسلام يُثبِّتُ أقدامَهم، ويُوقظُ عزائمَهمْ. أيها المسلمونَ: والنصرةُ للمسلم حقٌ مشروعٌ، والرسولُ ﷺ يقولُ: «انصْر أخاكَ ظالمًا أوْ مظلومًا» .. وحينَ يُبيتُ شعبُ العراقِ المسلمُ (مظلومًا) منْ ليلٍ أو نهارٍ فلا يسوغُ للمسلمينَ أن يَسكتوا .. ومنْ حقِّهمُ الدفاعُ عنْ أنفسِهمْ وإخوانِهم بكلِّ ما يستطيعونَ. إخوةَ الإيمانِ: وإذا أصرَّ المتجبِّرونَ على طغيانِهم وحقَّقوا ضربتَهم، فلعلَّها أن تكونَ بدايةَ النهايةِ .. وعساها أنْ تكونَ مرحلةً لضعفِ القوةِ ونهايةِ الظُّلمِ والغطرسةِ .. وسُننُ اللهِ ماضيةٌ في الفناءِ والهلاكِ على كلِّ مستكبرٍ ظالم غشومٍ جاحدٍ بآياتِ اللهِ: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئون﴾ (١). ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ

стр. 2834

قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ (١). أيها المسلمونَ: هلْ تُوقِظُ هذهِ الملاحمُ والفتنُ المتوقَّعةُ ضمائرَ المسلمينَ فيحاسبوا أنفسَهمْ ويعودوا إلى بارئِهمْ .. ويبادروا بالأعمالِ الصالحةِ كما أوصاهم حبيبُهمْ وناصحُهم ونبيُّهمْ ﷺ إذ يقولُ: «بادِرُوا بالأعمالِ فِتَنًا كقِطَعِ الليلِ المُظلِمِ». وهلْ تدعوهمْ هذهِ الأزماتُ وتجمعُ الأعداءِ إلى نّبْذِ الفُرقةِ واجتماعِ الكلمةِ وتوحيدِ الهدفِ، فتلكَ القوةُ التي لا تُغلَبُ. ومنْ مخارجِ الأزمةِ: الإيمانُ باللهِ واليقينُ بنصرِه والتوكلُ عليهِ وحْدَه: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (٢). أجلْ حسبُنا اللهُ ونِعْمَ الوكيلُ، قالَها إبراهيمُ ﵇ حينَ أُلقيَ في النارِ، فكانَ الجوابُ: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ﴾ (٣). وقالها المؤمنونَ معَ محمدٍ ﷺ حينَ قيلَ لهمْ: إنَّ الناسَ قد جَمَعوا لكمْ فاخشَوْهم، في حمراءِ الأسدِ، فكانَ الجوابُ: ﴿فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (٤). وما زالَ التوكلُ على اللهِ واليقينُ بنصرهِ سلاحًا يتدرَّعُ بهِ المؤمنونَ كلَّما

стр. 2835

اشتدتِ الأَزماتُ وتكالبَ الأعداءُ، ولكنْ لا بدَّ معَ الإيمانِ منْ عملٍ، ومعَ اليقينِ منْ جهدٍ يُبتلى فيهِ الإيمانُ ويتميَّزُ الصادقونَ من الكاذبين: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (١). إنَّ منْ معوِّقاتِ النفسِ عن الجهادِ: حبَّ الآباءِ والأبناءِ والإخوانِ والأزواجِ والعشيرةِ والأموالِ والتجارةِ التي يُخشى كسادُها، والمساكنِ التي تُرضى، وإيثارَ السلامة والإخلادِ للراحةِ والدَّعَةِ .. وتلكَ التي حذَّرَ اللهُ منها المؤمنينَ بقولِهِ: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٢). إنَّ ما عند اللهِ خيرٌ وأبقى .. وهذهِ الحياةُ الدنيا متاعٌ، والآخرةُ هيَ دارُ القرارِ. وماذا بعدَ أنْ تُهانَ كرامةُ المسلمينَ ويُسخَرَ بديِنِهمْ ونبيِّهم، ويُهدَّدوا بالاحتلالِ في قعرِ ديارِهمْ .. إنَّ المسلمينَ وُعِدوا إحدى الحسنَييْن: فإمّا النصرُ وإمّا الشهادةُ. مَنْ لمْ يمُتْ بالسيفِ ماتَ بغيرِهِ ... تنوَّعتِ الأسبابُ والموتُ واحدُ فإمّا حياةٌ تسرُّ الصديقَ ... وإمّا مماتٌ يّغيظُ العِدا ولنْ تموتَ نفسٌ حتى تستكملَ رزْقَها وأجلَها، لقدْ أصيبَ المسلمونَ بالوهنِ، وطغى عليهم حبُّ الدنيا وكراهيةُ الموتِ، ومن عجبٍ أنَّ غيرَ المسلمينَ باتوا يُفادُونَ بأنفسِهمْ وهمْ على الباطلِ، ويَرحلونَ منْ بلادِهم ويهاجِمونَ دونَ هدفِ

стр. 2836

خيرٍ، على حينِ يبخلُ المسلمونَ بأنفسِهم، وهمْ على الحقِّ .. ويَعجزونَ عنِ الدفاعِ عن أنفسِهمْ وإخوانِهم وبلادِهمْ ومقدَّساتِهم، وهمْ يُهاجَمونَ .. وللهِ في خَلْقِه شئونٌ .. ومهما بلغتْ قوةُ الأعداءِ .. ففيهمْ منَ الرعبِ والخوفِ والضعفِ والَخوَرِ .. ما اللهُ بهِ عليمٌ .. فلوْ صدقَ المسلمونَ لأرهبوهمْ، ولوِ اجتمعتْ كلمتُهمْ لأخافوهمْ .. ولوْ دافعوا عنْ دينِهمْ وحُرُماتِهم لدافعَ اللهُ عنهمْ. اللهمَّ انصرْ دِينَكَ، وعبادَكَ .. وانتقمْ ممنْ أرادَ بالمسلمينَ سوءًا، يا عزيزُ يا جبَّارُ.

стр. 2837

النعمان وفتح الفتوح، والمستقبل للأمة (١) الخطبةُ الأولى: إن الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا ومن سيئات أعمالِنا، من يَهدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهم صلِّ وسلِّمْ عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسَلين، وارضَ اللهم عن الصحابةِ أجمعينَ والتابعينَ وتابعِيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين وسلِّم تسليمًا كثيرًا. إخوةَ الإيمان: صحابيٌّ جليلٌ ومعركةٌ كُبرى من معاركِ المسلمين، بل (فتحْ الفتوح)، أذكِّرُكم ونفسيَ بها، شاء اللهُ لهذا الصحابيِّ أن يكون قائدَ المعركةِ وأولَ الشهداءِ فيها، وجمعَ اللهُ له بينَ النصرِ والشهادة كما تمنّى ودعا، كان هذا الصحابيُّ مُجابَ الدعوة، وسألَ ربَّه الشهادةَ فأعطاه إياها، وكانت هذه المعركةُ التي خاض غِمارَها -والمسلمون معه- نهايةً للفُرسِ وبدايةً للمدِّ الإسلامي في أرضِ المشرِق .. ومع انتصارِ المسلمين في هذه المعركةِ وفرحتِهم إلا أن ذلك لم يَمنعْهم من البكاءِ على قائدِهم وقد ضرَّجَتْه الدماءُ في أرضِ المعركة .. بل بَكَى المسلمون في المدينةِ وفي مقدّمتِهم الخليفةُ عمرُ بنُ الخطابِ ﵁ حين بلغهم استشهادُ هذا الصحابيِّ ﵃ أجمعين، فمن يكونُ هذا الصحابيُّ؟ وما هي المعركةُ ولماذا انتصرَ المسلمون؟ هو أبو حكيم، وقيل: أبو عَمْرو النعمانُ بن مُقرِّنٍ المُزنَي، وفدَ إلى رسول الله ﷺ في المدينة، مع وفدِ قبيلتِه (مُزَيْنةَ) وشاركَ مع رسولِ الله ﷺ في

стр. 2838

جهادِه ومغازِيه وكان إليه لواءُ قومِه يومَ فتحِ مكة (١). وبعدَ أن لَحِقَ رسولُ الله ﷺ بالرفيقِ الأعلى، استمرَّ النعمانُ ﵁ في عهدِ أبي بكرٍ مجاهدًا في سبيلِ الله مشارِكًا في الفتوحِ الإسلامية، حتى إذا كان عهدُ أبي بكرٍ مجاهدًا في سبيلِ الله مشارِكًا في الفتوحِ الإسلامية، حتى إذا كان عهدُ عمرَ بنِ الخطابِ ﵁ فَتَحَ (النعمانُ) مدينةَ (كَسكَر) فولاّه الخليفةُ إمارتَها .. ولكنَّ النعمانَ لم يرغبْ في حياةِ الإمارةِ الهادئةِ فكتب إلى عمرَ يستعفيهِ من هذِه المهمّةِ ويطلبُ منه الإذنَ له بالانضمامِ إلى صفوفِ المجاهدينَ في سبيل الله، النعمان هو بشير عمر بفتحِ القادسية، وهو فاتحُ أصبهان .. وشهيدُ نَهاوَنْدَ (٢). وبعدَ انتصاراتِ المسلمين في (القادسيةِ) (والمدائنِ) انحازَ (يَزدَجَرْدُ) ملكُ الفُرس على (نهاوند) -وهي في وسَطِ إقليمِ فارسَ، وفي قِبْلة همذانَ- وجمع هذا الملكُ الفارسيُّ كلَّ ما يستطيعُ جمعَه، واعتبر هذا المكانَ والمعركةَ (نهاوندَ) معركةً مصيريَّةً مع المسلمين. أما الخليفةُ عمرُ ﵁ فقد أهمَّه أمرُ (يزدجردَ) وجمعُه في (نهاوندَ) فجمع المسلمين واستشارَهم، وهمَّ أن يرحلَ بنفسِه ليكون قريبًا من منازلةِ مِلك الفُرْس، ولكن المسلمين لم يُشِيروا عليه بتركِ المدينة، وإنما أشاروا عليه أن يختارَ قائدًا للمعركةِ يَكْفيهِ هذه المهمةَ ونَثَرَ الفاروقُ كِنانتَه ليختار -وكلُّ الصحابةِ أخيار- ولكنّ الاختيارَ هذه المرةَ وقع على النعمانِ، ودعاه عمرُ لقيادةِ جيشِ المسلمين في نهاوندَ وقال له: «إذا أتاكَ كتابي هذا فسِرْ بأمرِ الله، وبنَصْر الله بمن مَعَك من المسلمينَ ولا تُوطِئهم وَعْرًا فتؤذيَهم، ولا تمنعْهم حقًا

стр. 2839

فتكفِّرَهم .. » (١). واستجابَ النعمانُ لأمير المؤمنين وسار إلى أرضِ المعركةِ ومعه عددٌ من وجوهِ الصحابة فيهم: حُذَيفةُ بن اليَمانِ وعبدُ الله بنُ عمرَ، وجَرِيرُ بنُ عبدِ الله البَجَلِي، والمغيرةُ بن شُعْبة .. وسِواهم ﵃ أجمعين. وحين وَصَلَ النعمانُ إلى (نهاوندَ) نظَّمَ أصحابَه وهم ثلاثون ألفًا، وجعلَ على المقدّمةِ نُعَيم بنَ مقرِّنٍ المُزَني، وعلى الميمنةِ حذيفةَ بنَ اليمانِ، وعلى الميسرةِ سُويدَ بن مقرِّن، وعلى الساقةِ مُجاشعَ بنَ مسعودٍ ﵃، وابتدأت المعركةُ يومَ الأربعاءِ سنةَ إحدى وعشرين للهجرة- وكان الفُرسُ قد تحصَّنوا بخنادقَ حفروها وربطوا أنفسَهم بالسلاسل حتى لا يَفِرُّوا .. وفرقٌ بين أولئكَ الجبناءِ وهم في أرضِهم وبين طلائعِ الشهادةِ من المسلمين وقد وَطِئوا أرضَهم، أولئك الذي آلُوا على أنفسِهم أن يقتتِلوا مع عدوِّهم حتى يموتَ الأعجلُ منهما .. أو أن يُذعِنوا للإسلام الدينِ الحقِّ فيكونَ لهم ما للمسلمينَ وعليهم ما عليهم .. وطال الحصارُ، واستشار النعمانُ قادتَه فأشاروا عليه باستدراج الفُرسِ والتظاهرِ بالهروب حتى إذا ابتعدَ الجندُ المُختَفُون عن حصونِهم وخنادقِهم نَشِبَت المعركةُ .. وقد كان .. فقد وافقَ النعمانُ على هذا الرأيِ وقال: إني مُكبِّرٌ ثلاثًا، فإذا كانت الثالثةُ فابدءوا القتالَ، ودعا النعمانُ ربَّه- وكان كما يقول الذهبي: مُجابَ الدعوة- فبماذا دعا؟ وكيف قال؟ لقد رفعَ يديهِ إلى السماء، وتعلَّق قلبُه بخالقِه وتاقت نفسُه إلى الجنة، وعزَّ عليه أن يُغلَبَ المسلمون ويُخذَلَ الإسلام وقال: «اللهم أعزَّ دينَك، وانصُرْ عبادَك، اللهم إني أسألُك أن تُقِرَّ عيني بفتحٍ يكون فيه عزُّ الإسلام واقبِضْني شهيدًا» وسمع الناسُ الدعاءَ فبكَوْا .. وحُقَّ

стр. 2840

لهم أن يَبكُوا. وابتدأِ المعركةُ على إثرِ تكبيرِ القائد الشهيدِ (النعمان) وكانت شديدةً، ولكن فرسانَ المسلمينَ كانوا يَشقّون الصفوفَ وفي طليعتِهم (النعمانُ) والذي كان أولَ شهيدٍ في أرضِ المعركةِ، فما وَهَنَ المسلمون وما استكانوا بل استلمَ بعد النعمانِ (حذيفةُ بن اليمانِ) وأخفى خبرَ (النعمان) وهكذا شأنُ المسلمين، فكلَّما غاب منهم سيدٌ قام سيدٌ، وهكذا حتى تمَّ النصرُ المؤزَّرُ للمسلمين، وهرب (الفيرزانُ) قائدُ الفُرْس، فلحِقَه القعقاعُ بن عمرو ﵁ وقتله، وقُتل (يزدجردُ) ملكُ الفرس، وتفرَّق جمعُ الفُرس حينَها، بل انتهى أمرُ الفرسِ على إثرِ هذه المعركةِ التي سُمِّيت بـ (فتحِ الفتوح). وهلَّل المسلمون- في أرضِ فارسَ- للنصرِ وكبَّروا .. ثم التفتوا يسألون عن قائدِهم (النعمانِ) ليبارِكُوا له النصرَ، ويهنِّئوه بما فتح اللهُ على يديه .. ولكن القائدَ قد فاضتْ روحُه إلى بارئِها وأقرَّ اللهُ عينَه بنصرِ الإسلام وعزِّ المسلمين- كما دعا- وحين أخبرهم أخوه (نُعَيم بن مقرِّن) قائلًا: هذا أميرُكم خُتِمَ له بالشهادةِ؛ لم يتمالكِ المسلمون أنفسَهم من البكاءِ لأميرِ نهاوندَ الشهيدِ، فبكَوْه بكاءً شديدًا. أما المسلمون في المدينةِ، فكانوا بشَوْقٍ إلى معرفةِ الأخبارِ، وكان الخليفةُ عمرُ ينتظر نتائجَ معركةِ (نهاوند) بقلقٍ كبيرٍ، أجل لقد أَسهرتْهُ ليالي نهاوندَ، وكان يخرج إلى ضواحي المدينةِ في حرِّها القاسي ينتظرُ أخبارَ الفتحِ ويستنصرُ، وكان الناسُ مما يرونَ من استنصارِه ليس لهم همٌّ إلا (نهاوندُ) و (ابن مُقرِّن) فجاء إليهم أعرابيٌّ مهاجِر، فلما بلغ البقيعَ قال: ما أتاكم عن (نهاوند)؟ قالوا: وما ذاك؟ قال: لا شيء، فأرسل إليه عمرُ، فأتاه، فسأله فقال: أقبلتُ بأهلي مهاجرًا حتى وَرَدْنا مكانَ كذا وكذا، فلما صَدَرْنا إذا نحن براكبٍ على جملٍ أحمرَ ما رأيتُ
следующие страницы →