← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

خيرٍ، على حينِ يبخلُ المسلمونَ بأنفسِهم، وهمْ على الحقِّ .. ويَعجزونَ عنِ الدفاعِ عن أنفسِهمْ وإخوانِهم وبلادِهمْ ومقدَّساتِهم، وهمْ يُهاجَمونَ .. وللهِ في خَلْقِه شئونٌ .. ومهما بلغتْ قوةُ الأعداءِ .. ففيهمْ منَ الرعبِ والخوفِ والضعفِ والَخوَرِ .. ما اللهُ بهِ عليمٌ .. فلوْ صدقَ المسلمونَ لأرهبوهمْ، ولوِ اجتمعتْ كلمتُهمْ لأخافوهمْ .. ولوْ دافعوا عنْ دينِهمْ وحُرُماتِهم لدافعَ اللهُ عنهمْ. اللهمَّ انصرْ دِينَكَ، وعبادَكَ .. وانتقمْ ممنْ أرادَ بالمسلمينَ سوءًا، يا عزيزُ يا جبَّارُ.

стр. 2837

النعمان وفتح الفتوح، والمستقبل للأمة (١) الخطبةُ الأولى: إن الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا ومن سيئات أعمالِنا، من يَهدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهم صلِّ وسلِّمْ عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسَلين، وارضَ اللهم عن الصحابةِ أجمعينَ والتابعينَ وتابعِيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين وسلِّم تسليمًا كثيرًا. إخوةَ الإيمان: صحابيٌّ جليلٌ ومعركةٌ كُبرى من معاركِ المسلمين، بل (فتحْ الفتوح)، أذكِّرُكم ونفسيَ بها، شاء اللهُ لهذا الصحابيِّ أن يكون قائدَ المعركةِ وأولَ الشهداءِ فيها، وجمعَ اللهُ له بينَ النصرِ والشهادة كما تمنّى ودعا، كان هذا الصحابيُّ مُجابَ الدعوة، وسألَ ربَّه الشهادةَ فأعطاه إياها، وكانت هذه المعركةُ التي خاض غِمارَها -والمسلمون معه- نهايةً للفُرسِ وبدايةً للمدِّ الإسلامي في أرضِ المشرِق .. ومع انتصارِ المسلمين في هذه المعركةِ وفرحتِهم إلا أن ذلك لم يَمنعْهم من البكاءِ على قائدِهم وقد ضرَّجَتْه الدماءُ في أرضِ المعركة .. بل بَكَى المسلمون في المدينةِ وفي مقدّمتِهم الخليفةُ عمرُ بنُ الخطابِ ﵁ حين بلغهم استشهادُ هذا الصحابيِّ ﵃ أجمعين، فمن يكونُ هذا الصحابيُّ؟ وما هي المعركةُ ولماذا انتصرَ المسلمون؟ هو أبو حكيم، وقيل: أبو عَمْرو النعمانُ بن مُقرِّنٍ المُزنَي، وفدَ إلى رسول الله ﷺ في المدينة، مع وفدِ قبيلتِه (مُزَيْنةَ) وشاركَ مع رسولِ الله ﷺ في

стр. 2838

جهادِه ومغازِيه وكان إليه لواءُ قومِه يومَ فتحِ مكة (١). وبعدَ أن لَحِقَ رسولُ الله ﷺ بالرفيقِ الأعلى، استمرَّ النعمانُ ﵁ في عهدِ أبي بكرٍ مجاهدًا في سبيلِ الله مشارِكًا في الفتوحِ الإسلامية، حتى إذا كان عهدُ أبي بكرٍ مجاهدًا في سبيلِ الله مشارِكًا في الفتوحِ الإسلامية، حتى إذا كان عهدُ عمرَ بنِ الخطابِ ﵁ فَتَحَ (النعمانُ) مدينةَ (كَسكَر) فولاّه الخليفةُ إمارتَها .. ولكنَّ النعمانَ لم يرغبْ في حياةِ الإمارةِ الهادئةِ فكتب إلى عمرَ يستعفيهِ من هذِه المهمّةِ ويطلبُ منه الإذنَ له بالانضمامِ إلى صفوفِ المجاهدينَ في سبيل الله، النعمان هو بشير عمر بفتحِ القادسية، وهو فاتحُ أصبهان .. وشهيدُ نَهاوَنْدَ (٢). وبعدَ انتصاراتِ المسلمين في (القادسيةِ) (والمدائنِ) انحازَ (يَزدَجَرْدُ) ملكُ الفُرس على (نهاوند) -وهي في وسَطِ إقليمِ فارسَ، وفي قِبْلة همذانَ- وجمع هذا الملكُ الفارسيُّ كلَّ ما يستطيعُ جمعَه، واعتبر هذا المكانَ والمعركةَ (نهاوندَ) معركةً مصيريَّةً مع المسلمين. أما الخليفةُ عمرُ ﵁ فقد أهمَّه أمرُ (يزدجردَ) وجمعُه في (نهاوندَ) فجمع المسلمين واستشارَهم، وهمَّ أن يرحلَ بنفسِه ليكون قريبًا من منازلةِ مِلك الفُرْس، ولكن المسلمين لم يُشِيروا عليه بتركِ المدينة، وإنما أشاروا عليه أن يختارَ قائدًا للمعركةِ يَكْفيهِ هذه المهمةَ ونَثَرَ الفاروقُ كِنانتَه ليختار -وكلُّ الصحابةِ أخيار- ولكنّ الاختيارَ هذه المرةَ وقع على النعمانِ، ودعاه عمرُ لقيادةِ جيشِ المسلمين في نهاوندَ وقال له: «إذا أتاكَ كتابي هذا فسِرْ بأمرِ الله، وبنَصْر الله بمن مَعَك من المسلمينَ ولا تُوطِئهم وَعْرًا فتؤذيَهم، ولا تمنعْهم حقًا

стр. 2839

فتكفِّرَهم .. » (١). واستجابَ النعمانُ لأمير المؤمنين وسار إلى أرضِ المعركةِ ومعه عددٌ من وجوهِ الصحابة فيهم: حُذَيفةُ بن اليَمانِ وعبدُ الله بنُ عمرَ، وجَرِيرُ بنُ عبدِ الله البَجَلِي، والمغيرةُ بن شُعْبة .. وسِواهم ﵃ أجمعين. وحين وَصَلَ النعمانُ إلى (نهاوندَ) نظَّمَ أصحابَه وهم ثلاثون ألفًا، وجعلَ على المقدّمةِ نُعَيم بنَ مقرِّنٍ المُزَني، وعلى الميمنةِ حذيفةَ بنَ اليمانِ، وعلى الميسرةِ سُويدَ بن مقرِّن، وعلى الساقةِ مُجاشعَ بنَ مسعودٍ ﵃، وابتدأت المعركةُ يومَ الأربعاءِ سنةَ إحدى وعشرين للهجرة- وكان الفُرسُ قد تحصَّنوا بخنادقَ حفروها وربطوا أنفسَهم بالسلاسل حتى لا يَفِرُّوا .. وفرقٌ بين أولئكَ الجبناءِ وهم في أرضِهم وبين طلائعِ الشهادةِ من المسلمين وقد وَطِئوا أرضَهم، أولئك الذي آلُوا على أنفسِهم أن يقتتِلوا مع عدوِّهم حتى يموتَ الأعجلُ منهما .. أو أن يُذعِنوا للإسلام الدينِ الحقِّ فيكونَ لهم ما للمسلمينَ وعليهم ما عليهم .. وطال الحصارُ، واستشار النعمانُ قادتَه فأشاروا عليه باستدراج الفُرسِ والتظاهرِ بالهروب حتى إذا ابتعدَ الجندُ المُختَفُون عن حصونِهم وخنادقِهم نَشِبَت المعركةُ .. وقد كان .. فقد وافقَ النعمانُ على هذا الرأيِ وقال: إني مُكبِّرٌ ثلاثًا، فإذا كانت الثالثةُ فابدءوا القتالَ، ودعا النعمانُ ربَّه- وكان كما يقول الذهبي: مُجابَ الدعوة- فبماذا دعا؟ وكيف قال؟ لقد رفعَ يديهِ إلى السماء، وتعلَّق قلبُه بخالقِه وتاقت نفسُه إلى الجنة، وعزَّ عليه أن يُغلَبَ المسلمون ويُخذَلَ الإسلام وقال: «اللهم أعزَّ دينَك، وانصُرْ عبادَك، اللهم إني أسألُك أن تُقِرَّ عيني بفتحٍ يكون فيه عزُّ الإسلام واقبِضْني شهيدًا» وسمع الناسُ الدعاءَ فبكَوْا .. وحُقَّ

стр. 2840

لهم أن يَبكُوا. وابتدأِ المعركةُ على إثرِ تكبيرِ القائد الشهيدِ (النعمان) وكانت شديدةً، ولكن فرسانَ المسلمينَ كانوا يَشقّون الصفوفَ وفي طليعتِهم (النعمانُ) والذي كان أولَ شهيدٍ في أرضِ المعركةِ، فما وَهَنَ المسلمون وما استكانوا بل استلمَ بعد النعمانِ (حذيفةُ بن اليمانِ) وأخفى خبرَ (النعمان) وهكذا شأنُ المسلمين، فكلَّما غاب منهم سيدٌ قام سيدٌ، وهكذا حتى تمَّ النصرُ المؤزَّرُ للمسلمين، وهرب (الفيرزانُ) قائدُ الفُرْس، فلحِقَه القعقاعُ بن عمرو ﵁ وقتله، وقُتل (يزدجردُ) ملكُ الفرس، وتفرَّق جمعُ الفُرس حينَها، بل انتهى أمرُ الفرسِ على إثرِ هذه المعركةِ التي سُمِّيت بـ (فتحِ الفتوح). وهلَّل المسلمون- في أرضِ فارسَ- للنصرِ وكبَّروا .. ثم التفتوا يسألون عن قائدِهم (النعمانِ) ليبارِكُوا له النصرَ، ويهنِّئوه بما فتح اللهُ على يديه .. ولكن القائدَ قد فاضتْ روحُه إلى بارئِها وأقرَّ اللهُ عينَه بنصرِ الإسلام وعزِّ المسلمين- كما دعا- وحين أخبرهم أخوه (نُعَيم بن مقرِّن) قائلًا: هذا أميرُكم خُتِمَ له بالشهادةِ؛ لم يتمالكِ المسلمون أنفسَهم من البكاءِ لأميرِ نهاوندَ الشهيدِ، فبكَوْه بكاءً شديدًا. أما المسلمون في المدينةِ، فكانوا بشَوْقٍ إلى معرفةِ الأخبارِ، وكان الخليفةُ عمرُ ينتظر نتائجَ معركةِ (نهاوند) بقلقٍ كبيرٍ، أجل لقد أَسهرتْهُ ليالي نهاوندَ، وكان يخرج إلى ضواحي المدينةِ في حرِّها القاسي ينتظرُ أخبارَ الفتحِ ويستنصرُ، وكان الناسُ مما يرونَ من استنصارِه ليس لهم همٌّ إلا (نهاوندُ) و (ابن مُقرِّن) فجاء إليهم أعرابيٌّ مهاجِر، فلما بلغ البقيعَ قال: ما أتاكم عن (نهاوند)؟ قالوا: وما ذاك؟ قال: لا شيء، فأرسل إليه عمرُ، فأتاه، فسأله فقال: أقبلتُ بأهلي مهاجرًا حتى وَرَدْنا مكانَ كذا وكذا، فلما صَدَرْنا إذا نحن براكبٍ على جملٍ أحمرَ ما رأيتُ

стр. 2841

مثله، فقلتُ: يا عبدَ الله، من أين أقبلتَ؟ قال: من العراق، قلتُ: ما خبرُ الناس؟ قال: اقتتل الناسُ (بنهاوند) ففتحها الله، وقُتل ابنُ مُقرِّن، والله ما أدري أيُّ الناسِ هو، ولا ما نهاوندُ. وما زال الخليفةُ عمرُ يسأل الأعرابيَّ حتى قال له: لعلك تكونُ لقيتَ بَرِيدًا من بُرُد الجنِّ، فإن لهم بُرُدًا (١). وبعد فترةٍ وجيزةٍ جاء البشيرُ إلى عمرَ وكان السائبَ بن الأقرع .. فقال له عمر- بلهفٍ-: ما وراءَك؟ قال: فتحَ اللهُ عليك واستُشهِدَ الأمير .. واختلطتْ المشاعرُ وتداخلتِ الأحاسيسُ عند عمرَ .. فرَحٌ وحزنٌ، ودموع للنصرِ وأخرى لاستشهادِ القائدِ المظفَّر .. واعتلى عمرُ المنبرَ، ونعى إلى المسلمين النعمانَ بن مقرِّن، وبكى .. وبكى حتى نَشَجَ .. وشاركه المسلمون البكاءَ .. ولكنَّ عمرَ والمسلمين استبشروا بالنصرِ والفتح. أما النعمانُ بن مقرِّن ففي سهلٍ فسيحٍ ممتدٍّ في نهاوندَ دُفن، ودُفن معه جنودُه الشهداءُ الأوفياء- يُشهِدون الناسَ على أنهم الأوفياءُ لدِينِهم ويَشهَدُ اللهُ على أنهم المجاهدون في سبيل الله، المتعالُون على حُطامِ الدنيا وزينتِها، وبمثلِ أولئك الرجالِ ينتصرُ الإسلام ... وبمثلِ هذه العيِّناتِ يُرجَف بالأعداء، وبمثل هذا الصدقِ والإخلاص ينتصرُ المسلمون، ينتصرون وإن قدَّموا أنفسَهم شهداءَ، ويفرَحون وإنْ خُيِّلَ للعدو أنه أَلقاهم صَرْعى، وصدق اللهُ العظيم ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢).

стр. 2842

الخطبةُ الثانية: أيها المسلمونَ: كيف انتصرَ المسلمون على أعدائِهم في الماضي، وكيف هُزِموا بعدُ، وكيف ينتصرُ المسلمون اليومَ وغدًا على عدوِّهم؟ تلك أسئلةٌ سَهلةٌ صعبة .. فما أسهلَ الحديثَ عنها، وما أعظمَ القيامَ بها .. وبكلِّ سهولةٍ يمكن القولُ: إنَّ المسلمين أسلافَنا انتصروا على عدوِّهم حين انتصروا على أنفسِهم، وخافهم عدوُّهم حين خافوا من ربِّهم، نَصَروا دينَ الله فنصرهم الله، وجاهدوا في سبيلِ الله مخلِصين فتحقَّقَ على أيديهم من النصرِ والتمكينِ والفتحِ المبينِ ما يشهدُ به العدوُّ والصديق، كانوا يبحثون عن الموتِ فتُوهَبُ لهم الحياةُ، وكانوا يتطلَّعون إلى الشهادة ويسألونَ ربَّهم أن يُبلِّغَهم إياها .. لقد قذفَ الله في قلوبِهم العزةَ بالإسلام وقال قائلهم: «نحن قومٌ أعزَّنا اللهُ بالإسلام، ومهما ابتَغَيْنا العِزةَ بغيره أذلَّنا الله»، فقذف الله في قلوبِ أعدائِهم الرعبَ والمهابةَ منهم؛ والرعبُ بدايةُ الهزيمةِ. تاقتْ نفوسُهم وتعالَتْ في الدنيا .. فكانت الآخرةُ همَّهم، وهجروا الأرضَ والأوطانَ والعشيرة والأزواجَ جهادًا في سبيل الله ودعوةً إلى دينه .. ووقف فارسُهم على جانب البحر وقال: واللهُ لو أعلمُ أن هناك أرضًا وقومًا خلفَ هذا البحرِ لم تبلُغْهم دعوةُ الإسلام، وتستطيعُ الخيلُ أن تصلَه، لأوطأْتُها إياه. كانوا يتسابقون إلى الجهادِ في سبيل الله ومقارعةِ الأعداء .. يستوي في ذلك الشبابُ والكهولُ والأسوياءُ وأهلُ الأعذار، فالأعرجُ يأتي النبيَّ ﷺ وقد منعه أبناؤه من القتالِ ويقول: يا نبيَّ الله إني أريدُ أن أطأَ بعَرْجتي هذه الجنةَ، فلا تَحرِمْني من الجهادِ. فيأذنُ اللهُ فيُستشهَد! والأعمى يقول لأصحابه: إنني رجلٌ أعمى لا أستطيعُ الفرار، فأعطوني الرايةَ أحملها. فيُستشهَد والشبابُ بين يديْ

стр. 2843

رسول الله ﷺ يتصارعون ليُثبِتوا مقدرتَهم على القتال، فيَقبَلُ من يَقبَل منهم، ويرجئُ آخرين لعدمِ بلوغهم ومقدرتِهم حتى يبلُغوا في المعركة القادمة، وهكذا. بل حتى النساء لهذا الجيل- وهنَّ ممن عَذَرَ اللهُ عن الجهاد- كنَّ يشاركنَ في الجهاد، يداوِينَ الجَرحى ويَسقِينَ العطشى من المسلمين المجاهدين- وربما حملنَ السلاح ونكَأْنَ العدوَّ، بل ربما استحقَّت إحداهن لقب (المجاهدة) كنُسَيْبة بنت كعب التي شهدت أُحدًا وقال عنها رسولُ الله ﷺ : «لَمُقامُ نسيبةَ بنتِ كعبِ اليومَ خيرٌ من مُقامِ فلانٍ وفلان»، وشهدتْ حمراءَ الأسدِ ودمُها ينزِف وشهدت الحديبيةَ، ويومَ حُنينٍ، ويومَ اليمامة، وبها قُطِعَت يدُها، وجُرحت يدها، وجُرحت سوى ذلك أحدَ عشرَ جُرحًا .. ﵂ وأرضاها (١). أما المُوسِرون وأهلُ الثراءِ من المسلمين فكانوا يَبذُلون أموالَهم رخيصةً في سبيل الله وتجهيزِ المجاهدين، وربما تسابقَ اثنان منهم فأتى أحدُهما بنصفِ ماله، وجاء الآخر بمالِه كلِّه، ذلك شأن الخيِّرينِ (أبي بكر وعمر) ﵄، أما عثمانُ وابن عوفٍ وأمثالُهما فما ضَرَّهُم ما فعوا بعد تجهيزِ جيشِ العُسرة، وتبقى في المجتمع فئةٌ شاذَّةٌ منافقة يَلمِزون المطَّوِّعين من المؤمنين في الصدقات. أما الفقراءُ الذين لا يجدون ما ينفقون، ولا ما عليه يحملون، فتفيضُ أعينُهم بالبكاء حزنًا ألاَّ يجدوا ما ينفقون، ولا يَضِيرُهم سُخْريةُ الساخرين بهم، فأولئك سَخِرَ اللهُ منهم. نعم لقد كان أولئك الفاتحونَ يقاتلون في سبيلِ الله ولا يخافون لَوْمةَ لائمِ كتب اللهُ في قلوبِهم الإيمانَ فكانوا يُوالُون أو يعادُون في الله ولله، ويقاتلون من يَكفُر ولا يُوادُّون من حادَّ اللهَ ورسولَه ولو كانوا آباءَهم أو أبناءَهم أو إخوانَهم أو

стр. 2844

عشيرتَهم، ذلك الجيلُ كانوا باختصار: فرسانًا بالنهار، رهبانًا بالليل. وجيلٌ تلك بعضُ سِمَاتِه حَرِيٌّ بالنصر، وخليقٌ بأن يخافَهم العدوُّ، ويفتحوا الأقاليمَ وينشروا دينَ الله. لكن ماذا جرى على مَن بعدَهم ممن هزمهم الأعداءُ وفرَّقوهم شِيَعًا، لقد أضاعوا الصلاةَ واتَّبعوا الشهواتِ، تعلَّقوا بالدنيا وتنافسوها، كَرِهوا الموتَ وأُصيبوا بالوَهْن، الشبابُ طَغَوْا بشبابِهم، بل ربما أمضَوْه في اللهوِ والترف، والكهولُ تعاجزوا وتباطئوا، والأغنياءُ بَخِلوا، والفقراءُ ذلُّوا بالمسألةِ وتشاغلوا بها، والنساءُ تسابقنَ إلى المُوضةِ وتعلَّقنَ بالتوافهِ من الأمور، بل أصبح بعضُهنَّ مَثارًا للفِتْنة ومحطةَ للتقليد وزُبالةِ القيَم والأفكارِ البالية المستورَدة. طاش ميزانُ الولاءِ والبراءِ .. وأصبح استِجداءُ العدوِّ وتقديمُ العونِ له أمرًا ظاهرًا. استهان بهم العدوُّ فاحتلَّ أرضَهم، بل تطاولَ إلى التدخُّل في شئونِهم الخاصة، واتَّهمهم بل تطاولَ على دينِهم ونبيِّهم ﷺ . وجيلٌ تلك بعضُ سِمَاتِهم أنَّى يُنصَرون. أيها المسلمون: ومع ذلك فالخيرُ باقٍ في هذه الأُمةِ، وثَمَّةَ من يَأنَفُون من هذا الواقعِ، والمسلمون بشكلٍ عامٍّ باتوا يتململون ويُدرِكون أكثرَ حجمَ الخَطَر المُحدِق، والفرصةُ أمامهم للإصلاح والعَوْدة إلى الله مُشرَعة الأبواب، والنماذجُ الصادقة للسلفِ والخَلَف تَغْذُو سيرَهم، وفي تجاربِ المسلمين- عبرَ القرون- مع أعدائهم ما يُحفِّزُهم على النهوضِ والاستعلاء، واللهُ غالبٌ على أمره، ولَيَنصرنَّ اللهُ من ينصرُه، وجندُ الله هم الغالبون، والعاقبةُ للمتقين. عباد اللهَ: وكم هو جميلٌ هذا العنوانُ الذي عبَّر به الكاتبُ عن وصفِ أحوالِ المسلمين اليومَ بهذا التعبير (المستَضعَفُون الأقوياءُ) ثم قال: مُخطئ من يظنُّ أن المسلمين الصادقين أصبحوا لُقْمةً سائغةً في أيدي أعدائهم، ومغرورٌ من يُمنِّي نفسَه بسهولةِ المعركة الطويلةِ معهم، وواهمٌ أو مُغفَّل من يعتقدُ أن تلك المعركةَ

стр. 2845

ستنتهي بإنهائِهم أو احتوائِهم أو إِلجائِهم إلى التخلِّي عن رسالتِهم الموكولة من الله إليهم بأن يُخرِجوا الناسَ من الظُّلماتِ إلى النور، ويملئوا الأرضَ قِسطًا وعدلًا بعد أَن مُلِئت جَوْرًا وظُلْمًا. فهؤلاء المسلمون- رغمَ استضعافِهم- أداةٌ إلهيَّة قَدَريّة سيُجري اللهُ تعالى بهم سُنَّته، ويحقِّق بهم وعدَه بانتشاره نورِه وانتصارِ دينه وانكسار أعدائه ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (١). ثم يقول الكاتب- وفَّقَه اللهُ-: صحيحٌ أن المسلمين الآن ضُعفاءُ في تفرُّقِهم، مشتَّتون بجراحِهم، ضائعون بفِقدانِ القيادةِ العالمَية الواحدة الرائدة، وصحيحٌ أن ظِلالًا من الذُّلِّ لا تزالُ تخيِّم على رءوس الأُمة بعد طولِ مخاصمةٍ لمَعقِد العزِّ والتمكين المتمثِّل في ذُرْوةِ سنامِ الإسلام، ولكنْ هذه كلُّها أعراضٌ لأمراضٍ سرعانَ ما تزولُ بزوال أسبابِها، والأيامُ تُثبِت هذا، فلا تزال العودة إلى الله تعالى بالمسلمين رويدًا رويدًا إلى آفاقٍ رَحْبةٍ من رحمة الله. ثم استعرضَ الكاتبُ مكرَ الأعداء وماذا حقَّقَ من إيجابياتٍ للمسلمين، وجالَ جولاتٍ متعددةً في عددٍ من المناطق الملتهبةِ، وتفاءَل بمستقبلٍ مشرِقٍ للإسلام والمسلمين من خلال مسمَّياتِه التالية: ١ - فلسطينُ عَطاءٌ بلا غِطاء. ٢ - أفغانستان: طالِبان وغلامُ الأخدود. ٣ - الشِّيشان دورٌ كبير لشعبٍ صغير. ٤ - أكرادُ العراق ووميضُ أملٍ في الآفاق.

стр. 2846

٥ - الفِلِبِّين أولُ الغيثِ قَطْرة. وتحتَ كلِّ مسمًّى تحدَّث الكاتبُ وفصَّل عبرَ رُؤًى وإحصائياتٍ حَريَّةِ بالقراءَة والتأمُّل كما جاء في (مجلة البيان) في عددها الأخير: ذي القَعْدة ١٤٢٣ هـ. وما أحوجَ المسلمين اليومَ إلى نظرةٍ متفائلة تَنظُر بنورِ الله .. وتتعامل مع كيدِ الأعداء وَفْقَ سُننِ الله، ألا وإن دين الله منتصرٌ .. ولكنَّ السؤالَ المهمَّ لكل واحدٍ منا: ماذا قدَّم لنُصرةِ هذا الدينِ؟ وما دور إيمانِنا بحقائق القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ (١) ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (٢) ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ (٣) ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ﴾ (٤) ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ (٥).

стр. 2847

ظاهرةٌ، وموسم (١) الخطبةُ الأولى: الحمدُ لله أَمَرَنا بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُرْبى، ونهى عن الفحشاءِ والمنكرِ والبغيِ، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، حرَّمَ الظلم على نفسِه وجعله بين عبادِه محرَّمًا، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، جاءت شريعتُه بحفظِ الأنفُس والأموالِ والأعراض، والمفلِسُ من أُمّته من جاء يومَ القيامة وقد سفكَ دمَ هذا وضربَ هذا وأخذ مالَ هذا. اللهم صلِّ وسلِّمْ عليه وعلى سائر النبيين. عبادَ الله: ظاهرةٌ اجتماعيةٌ مقلِقةٌ، يتفاقمُ خَطَرُها، ويكثُر جَرْحاها وقتلاها، وتعمُّ ببلواها فتتجاوزُ الفاعلين إلى الأبرياءِ الآمنين، نشتركُ جميعًا في مسئوليتها، ولا بدَّ أن نتعاونَ جميعًا في علاجِها .. ضحيتُها أولادُنا، ووَقودُها أموالُنا، إنها تستفزُّ مشاعرَنا، وتحرقُ أعصابَنا، وطاقَمُها في بيوتِنا وأبطالُها المتهوِّرون فَلَذَاتُ أكبادِنا، كم أيتمتْ، وأرملتْ، وأقعدتْ وشلّتْ، وكم أحزنتْ وأبكتْ، وآلمتْ وفرّقتْ وآثارُها مزيجٌ من الدماءِ النازفةِ، والأشْلاءِ المتناثرةِ، والجثثُ الهامدة هنا وهناك، فهل عرفتُم هذه الظاهرةَ؟ إنها ظاهرةُ حوادثِ السياراتِ عمومًا .. وأخصُّ منها تلك التي تَحدُث نتيجةَ تهوُّرٍ في القيادة، واستخفافٍ بالأنفُس البشرية، وتطاوُلٍ على الأنظمة المروريّة كسرعةٍ جنونية، أو قَطعٍ للإشارة دون مبالاتٍ بالنتيجة، أو نوعٍ من القيادة ذاتِ الحَرَكات البهلوانية والتي تؤدِّي إلى الإضرارِ بالآخرين، وقد يكون هذا القائدُ

стр. 2848

المتهوِّرُ أولَ الجرحى، وربما كان أولَ واحدٍ في عِدَاد الموتى. وهذه الظاهرةُ الأخيرة- أعني ظاهرةَ ما يُسمَّى (بالتفحيط) - هي المقصودةُ بحديثِ اليوم، لأن سُوقَها يَرُوج- أكثرَ- في أيامِ الامتحانات، وعلى مشارفِ الإجازات .. ولقد فُتِنَ بها أبناؤُنا حتى شكَّلوا جمهورَها المتفرِّج، وتفنَّن بها أبناؤنا (المتهوِّرون) حتى عاد مِقودُ السيارةِ بأيديهم أشبهَ بمُسدسٍ في يدِ مهووسٍ أو مجنون؟ والسؤالُ الذي يطرَحُ نفسَه: ما دورُنا- نحن الأولياءَ- في هذه الظاهرةِ وجودًا أو عدمًا؟ وما دَورُ المؤسساتِ التربويةِ والتعليميةِ- قبل الأَمنية- تربيةً وتعليمًا ونُصحًا، ثم أين دورُ الجهاتِ الأَمنية الفاعل تجاهَ هذه الظاهرةِ رصدًا ومتابعةً وتوعيةً ومنعًا؟ أيها الآباءُ .. وأيها المربُّون، ويا رجالَ الأمنِ- تعالَوْا بنا نضعُ النِّقاطَ على الحروفِ في سبيل علاجِ هذه الظاهرة، وتجنيبِ مجتمعِنا وأبنائنا من كوارثَ تُهِيل فيها لغةُ الأرقام .. ويُصدَم الغافلُ حين يطَّلعُ على إحصاءاتِ الحوادثِ وعددِ الموتى، فضلًا عن المعاقِينَ والمشلولينَ وأصحابِ العاهاتِ الأخرى .. ولقد ذَهَلتُ حين طالعتُ في إحدى صحفِنا المحلية جريدةِ الرياض في يوم الثلاثاء ٢٥ م ١١/ ١٤٢٣ هـ- وبها مقالٌ يتحدَّثُ عن آثارِ الحوادث ونسبتِها وكثرتِها، ويُحصي المقالُ حوادثَ هذا العامِ الذي نودِّعُه ٢٠٠٢ م وتقول: إن عددَ الحوادثِ زاد ليصلَ إلى ثلاثمائة وعشرين (٣٢٠) ألفَ حادثٍ، بمعدَّل ثمانمائةٍ وعشرين (٨٢٠) حادثًا في اليومِ الواحدِ، مع ستٍّ وثمانين إصابةً، وثلاثةَ عشرَ (١٣) وفاةً في اليومِ ثم يقولُ الكاتبُ معلقًا: هذه المعلوماتُ والأرقامُ والحقائقُ كشفَتْها إحصائياتٌ رسمية أُعلِنَ عنها في الصحفِ، وكَشفتْ الإحصائياتُ أرقامًا مُروِّعةً ومخيفةً لعدد القتلى والمصابين جرَّاءَ الحوادثِ

стр. 2849

المروريةِ الناتجة عن السرعة واللامبالاةِ والتهوُّر في القيادةِ وقَطْع الإشارات، وفوقَ كلِّ هذا لا يزال للأسفِ حصادُ الأنفُسِ مستمرًا، بل وفي تصاعدٍ مُذهِل (١). أيها الناسُ: ودعونا نقفْ على لونٍ واحدٍ من هذه الممارسات الخاطئةِ في القيادةِ وما يُسمَّى بـ (التفحيط) أو (حربِ الشوارع) ولنبدأْ بدَوْرِ الأسرةِ وممثِّلِها الأول (الأب) وأَكتفي هنا بطرحِ عددٍ من الأسئلةِ على الآباء، وكلٌّ يختارُ الإجابةَ التي يراها مناسبةً له ولأولادِه وللمجتمعِ من حولِه. فهل ابنُكَ- أساسًا- مؤهَّلٌ للقيادةِ وأهلٌ لتحمُّل مسئوليةِ السيارة؟ وإياك أن تقول: هذه مسئوليةُ رجالِ الأمن وحدَهم .. فأنت بكلّ تأكيدٍ أدرى وأعرفُ بابنِك من غيرِك، لا سيَّما في تعقُّلِه وتحمّلهِ للمسئولية، وتقديرِه لمصلحة نفسِه والآخرين، وإذا لم يبقَ إلا قدرتُه على القيادةِ فنيًّا فتلك مسئوليةُ رجالِ الأمن .. لكنْ إياك أن تشفعَ أو توسِّط أو تضغطَ عليهم للتجاوزِ عن شروطٍ لا بدَّ منها للقيادة. وهل ينتهي دورُك- أيها الأبُ- عند شراءِ السيارةِ ثم تسليم الابنِ مقاليدَها دون شرطٍ أو قيد، ودون معرفةِ أين يذهبُ، ومن يصطحبُ .. وأين يُمضِي سَحابةَ النهار وعتمةَ الليل على هذه السيارةِ، هل لديك متابعةٌ وسؤالٌ ومعرفةٌ وتوعيةٌ؟ أم أنك محاسِبٌ تدفع فاتورةَ الوَقُود .. وقد يحرق نفسَه أو غيرَه بهذا الوقود. هل ابنُك أصلًا محتاجًا للسيارةِ أم أنك تُباهي أن في البيت عددًا وأنواعًا من السياراتِ، بقطعِ النَّظَر عن مدى الحاجةِ إليها، وبِصرفِ النظر عن من يقودُها.

стр. 2850

إن العاطفةَ قد تأخذُنا- أحيانًا- لتوفيرِ السيارة للابنِ .. وقد نُدفَعُ من داخلِ البيت- ممن قد لا يُقدِّرون العواقبَ- فهل نحتاطُ لذلك كلِّه؟ وحين تتابعُ- أيها الأبُ- أبناءَك .. وتُعلِّم وتحذِّر، وتُنذِر .. فهل يصعبُ عليك أن تسحبَ السيارة من ابنِكَ حين لا يسمعُ لنُصحِك .. وتَكثُر الشكاوَى عليه من الآخَرين .. أم تظنُّ أن هذا الحقَّ من اختصاصِ رجالِ الأمنِ فقط؟ وبالجملةِ فعلينا معاشرَ الآباءِ كِفلٌ من مسئوليةِ هذه الآثار التي نتوجَّعُ لها، ولا يكفي أن نُرحِّلَ المشكلةَ إلى غيرِنا .. بل نقومُ بدورِنا ثم نطالبُ الآخرين بدَورهم، أما المَحاضنُ التربوية- وفي طليعتها المدارسُ- فهي تملك التوعيةَ لهؤلاءِ الشبابِ قولًا وفعلًا .. فالندوةُ والمحاضرةُ عن آثارِ الحوادثِ .. ودَوْرِ الشبابِ الفاعلِ في أُمتهم. وفي طابورِ الصباح كلمةٌ مختصَرةٌ أو قُصاصةٌ معبِّرة من جريدةٍ أو مجلَّة، أو قصيدةٍ مُوحِيَة .. أو تجرِبة مذكِّرة وهكذا .. من ألوانِ التوعية وأساليبِها المؤثِّرة، وتستطيعُ المدرسةُ أن تتابعَ المتهوِّرين في القيادةِ فتتحدَّثُ إليهم على انفراد .. فإن نفعَ أسلوبُ اللِّينِ والترغيب .. وإلا فالتلويحُ بالترهيب والعقوبة .. وقد يصلُ الأمرُ إلى التهديدِ بالفَصْل من المدرسة إنِ استمرَّ هذا المتهوِّرُ في تهوُّره .. والمنعُ من دخولِ الامتحان يسبِقُه كعقوبةٍ أوَّلية رادعةٍ، ودرجاتُ (السلوك) المهمَّشةُ ينبغي أن يُعادَ لها اعتبارُها ويَشعُر الطالبُ بأثرِها في معدَّلِه، وأثرِها في قَبُولِه في المرحلةِ اللاحقة لمرحلتِه. ولستُ أدري، ألاَ تفكِّرُ مدارسُ البنينِ بإبقاءِ الطلبة بعد الامتحانِ في المدرسة، وتكثيفِ المناشطِ اللاصفِّيّة المقبولةِ والتوعويةِ المؤثِّرة في هذه الفترةِ الضائعة، والتي كثيرًا ما يستغلُّها الشبابُ بالتجمُّعات الفارغةِ والتي لا تخلُو من سلوكياتٍ غير مُرضيةٍ، إن هذه لو فُكِّر فيها بجدٍّ لإفادةِ الطلبة من جهةٍ، ومُنِعت

стр. 2851

هذه التجمعاتُ التي ينتظرُها المتهوِّرون في القيادةِ ليستعرِضوا أمامَها .. من جهةٍ أخرى. وفوقَ ذلك كلِّه فقد أصبحت الثقافةُ الأمنيّةُ ضرورةً مُلحَّةً في مناهجِنا التعليمية، بشكلٍ يُسهِم في إيقافِ نزيفِ الدماء، ويقلِّلُ بإذنِ الله من الجَرْحى والموتى. أمّا أنتم يا رجالاتِ الأمنِ فعلى الرَّغمِ من الجهدِ الذي تقومون به، فالمجتمعُ يلومُكم على عددٍ من الجرائم التي تقعُ في غفلةٍ منكم، والمجتمعُ يتطلَّع إلى جهدٍ أكثرَ وفاعليةٍ أقوى .. وأساليبَ متجدِّدةٍ ومؤثِّرة للتوعية المروريةِ عمومًا، ولمعالجةِ مثل هذه الظاهرة على الأخصِّ، فزيارتُكم للمدارس لا ينبغي أن تُحصَرَ في أسابيع المرورِ لتكون حوليةً .. ولا يكفي أن تكونَ محاضرةً أو ندوةً إلقائيةً مرتَجَلةً وإنشائيةً، فنحن في زمنِ المعلومات .. وفي زمنِ تأثير الصورةِ المرئيّة، وبالتالي فلا بدَّ من لغة الأرقامِ تخاطبون وتحذّرون بها الطلاب، ولا بدَّ من عرضِ الصُّور وإن كانت مفزِعةً ليرى المشاهِدُ كيف تكونُ المأساةُ حين لا تُضبَطُ القيادة، لا بدَّ من قراءةِ الآثار والمعدَّلاتِ الناجمةِ عن الحوادث .. ولا بدَّ من عرضِ الأسبابِ بوضوحٍ ورسمِ العلاج بحَزْمٍ، هل تعجزُ قطاعاتُنا الأمنيةُ عن محاصرةِ هذه الظواهر .. ومعاقبةِ من لا يبالي بالأرواحِ والممتلكات؟ وهل يكفي مطاردةُ هؤلاءِ المتهوِّرين- وقد يَنجُم عنه أضرارٌ أكبرُ- أم أن هناك دراسةً للظاهرةِ وعلاجًا لها بوسائلَ وآلياتٍ جديدةٍ وجيدة وآمنةٍ تقطعُ دابرَ المشكلة، وتمنعُ مشكلاتٍ مماثلةً؟ ألا يُفكَّر في وجودِ نقاط أمنيّةٍ فرعيّة في الأحياءِ الكبيرة، وكذا في الشوارع المزدحمةِ ليَسهُل تعاملُ رجلِ الأمن مع القضايا والحوادثِ الأمنية بشكل عامّ- ومنها هذه الظاهرةُ وظاهرةُ السرقةِ، لا بدَّ من عقوباتٍ رادعةٍ لمن يتكرَّرُ خطؤُه، ولا بدَّ من توعيةٍ مروريةٍ مكثَّفةٍ لتصلَ إلى البيوتِ والمدارسِ تذكِّر وتحذِّرُ وتوعِّي وتُنذِر- وبالجملةِ فبإمكانِنا مجتمعين

стр. 2852

ومتعاونين أن نصنعَ شيئًا، وأن نجنِّب أولادَنا ومجتمعَنا من ويلاتِ هذه الحوادثِ المفزِعة. وهمسةٌ أخيرةٌ في أُذنِ من بُليَ بهذه القيادةِ المتهوِّرة من الشبابِ نقول: فكِّروا في العواقبِ جيدًا، واحمُوا آباءكم وأمهاتِكم ومجتمعَكم .. وأنتم زهورٌ فلا تَذبُل الزهرةُ فجأةً، وأمامَكم المستقبلُ فلا تُضيِّعوه بهذه الممارساتِ الخاطئةِ، وحين تفكِّرون أو يفكِّرُ غيرُكم في كَسْب الزمن في قَطْع الإشارة ففكِّروا كذلك أنكم ربما خَسِرتُم الحياةَ كلَّها، وإذْ كنّا في زمنٍ نحاصَرُ فيه بالأعداء، فهل تكون مساهمتُكم في دفعِ العدوِّ ترويعَ الآمنين وإعلانَ الحربِ على إخوانِكم المسلمين؟ اللهمَّ انفَعْنا بهَدْي القرآنِ وسُنَّةِ محمدٍ ﵊، أقولُ ما تسمعونَ وأستغفر الله لي ولكم ..

стр. 2853

الخطبةُ الثانية: الحمدُ للهِ يسَّر لعبادِه من فُرَص الطاعةِ ما يَبلُوا هممَهم ويُعظِّم أجورَهم، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، خصَّ هذه الأُمةَ بخصائصَ، واختار لها مناسباتٍ وأيامًا فاضلةً، الموفَّقُ من وفَّقَه اللهُ لاستثمارِها، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، بيَّن للأُمةِ ما يُسعِدُها، وحثَّها على ما فيه بِرُّها وخيرُها، ومن يُطعِ الرسولَ فقد أطاع الله، ومن تولَّى فما أرسلناك عليهم حفيظًا- صلَّى الله وسلَّمَ على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبهِ أجمعين. إخوةَ الإسلام: موسمٌ عظيمٌ وسُوقٌ من أسواقِ الجنة، وتجارةٌ رابحةٌ تحلُّ بها- قريبًا- رحماتُ ربي على المسلمين، فهل من مُشترٍ؟ وهل من مُتاجرٍ؟ ألا ويحَ من غُبِنوا حين يكسبُ الناسُ، ومساكينُ من فرَّطوا حين يَجِدُّ الناسُ! عشرُ ذي الحِجَّة قابُ قوسين أو أدنى- بلَّغنا اللهُ إياها، وأعاننا على عمل الصالحاتِ فيها- وما أدراك ما عشرُ ذي الحجَّة؟ أقسمَ اللهُ بها في كتابِه العزيز فقال: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ ثمِ قال بعدُ ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ﴾ والمعنى: إن في ذلك لقِسمة لكلِّ ذي لُبٍّ وعقل (١). أي: إن ما في هذه الأيامِ العشرِ من فُرِص للطاعةِ ومناسباتٍ للعبادة، وإغاظةٍ للشيطان، وأشياءَ معظَّمةٍ، تستحقُّ أن يقسِمَ اللهُ بها .. لكن منَ يعقلُ ويعملُ أولئك هم أُولُوا الألباب ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ﴾ (٢). عبادَ الله: وهذه العشرُ حثَّ على اغتنامِها نبيُّ الهدى والرحمةِ، فقد أخرج

стр. 2854

الإمامُ أحمدُ وغيرُه بإسنادٍ صحيح عن عبدِ الله بن عمرِو بن العاص ﵄ قال: كنتُ عندَ رسولِ الله ﷺ ، قال: فذُكِرَت له الأعمالُ، فقال: ما من أيامٍ العملُ فيهنَّ أفضلُ من هذه العشرِ، قالوا: يا رسولَ الله، ولا الجهادُ في سبيل الله؟ فأكبره، فقال: «ولا الجهادُ، إلا أن يخرجَ رجلٌ بنفسِه ومالِه في سبيلِ الله، ثم تكونَ مهجةَ نفسِه فيه» (١). يا عبدَ الله، الفرصُ غاليةٌ، والعمرُ قصيرٌ، والفتنُ متلاحقةٌ، وسِلعةُ الله غالية .. فهل تضعُ لك سهمًا وافرًا في المبادرة؟ وهل تتساوى عندَك الأيامُ، أم أنك تشعرُ بالتقصيرِ وتفرَحُ بهذه الأيامِ لتسدِّدَ وتقاربَ وتكسبَ مع من يكسبُ في الموسم؟ هذه الأيامُ العشرُ فرصتُك- يا أخا الإيمانِ- في تجديدِ العزمِ على القيامِ بالفرائض، فهي أحبُّ ما تَقرَّب به العبدُ إلى ربِّه، وفرصتُك في الزيادةِ من النوافلِ فهنَّ جابراتٌ ومكمِّلاتٌ للنقص- ولئن كانت فرصُ الطاعةِ كثيرةً من صلاةٍ وصيام، وذِكرٍ وتلاوةٍ للقرآن، وصِلَةٍ ودعوةٍ، وأمرٍ بالمعروفِ ونهيٍ عن المنكر، وصدقةٍ وبرٍّ وإحسانٍ وحجٍّ وأضاحيَ، فقد أرشدَ المصطفى ﷺ إلى كثرةِ الذِّكر في هذه الأيام، وقال: «فأكثِروا فيهنَّ من التهليلِ والتكبيرِ والتحميدِ» ورغَّبك في الصيامِ، وصيامُ عَرَفةَ يكفِّرُ سنتين، وللدعاءِ مَزِيّةٌ في العشرِ لا سيما في يوم عرفةَ، فخيرُ الدعاءِ دعاءُ يومِ عرفة- كما أخبر النبيُّ ﷺ وكم لكَ من حاجةٍ، وكم بالمسلمينَ من فاقةٍ ومِحنةٍ، فهل ترفعُ أكُفَّ الضراعةِ وقلبُكَ خاشعٌ وعينُك تدمعُ لتدعوَ لنفسِك والأقربين وللمسلمين، وربُّك يجيبُ المضطرَّ إذ دعاه؟ ويكشفُ السوءَ، وهو قريبٌ يستجيبُ دعوةَ الداعِ إذا دعاهُ، ألا فليُعلَمْ أن

стр. 2855

الدعاءَ سلاحٌ يملكُه المسلمون دون عناءٍ فهل يستثمرونَه؟ وهل يتحيِّنونَ فرصَ الإجابةِ؟ أيها المسلمُ والمسلمةُ: وليس لأحدٍ منكما بلغَ سنَّ التكليفِ وهو قادرٌ على الحجِّ أن يتراخَى، فهذا ركنٌ من أركانِ الإسلام لا يَسُوُغ التفريطُ أو التراخي فيه .. وقد يمرضُ السليم، أو تحلُّ بالمقتدرِ اليومَ حاجةٌ غدًا .. إلى غيرِ ذلك من عوارضَ قد تعرِضُ للمسلم فتمنعُه عن الحجِّ (١)، فالبِدارَ البِدارَ لأداءِ الفرض؛ والمسابقةُ والمتابعةُ بين الحجِّ والعمرة لمن أَفرضَ سنَّةٌ وقُرْبة، فالرسولُ ﷺ يقول: «تابِعُوا بين الحجِّ والعمرةِ، فإنهما ينفيانِ الفقرَ والذنوبَ كما ينفي الكِيرُ خَبَثَ الحديدِ والذهبِ والفضةِ، وليس لحَجَّةٍ مبرورةٍ ثوابٌ إلا الجنة، وما من مؤمنٍ يَظَلُّ يومَه مُحرِمًا إلا غابتِ الشمسُ بذنوِبه» أخرجه الترمذيُّ، وأخرج النسائيُّ بعضَه (٢). إن الحجّ والعمرةَ جهادُ الكبيرِ والصغيرِ والمرأةِ- كما أخبرَ النبيُّ ﷺ ؛ أخرجه النسائيُّ، وإسناده صحيح (٣). وعن عائشةَ ﵂ قالتُ: قلت: يا رسولَ الله، نرى الجهادَ أفضلَ الأعمالِ، أفلا نجاهدُ؟ قال: «لَكُنَّ أفضلُ الجهادِ وأجملُه: حجٌّ مبرورٌ، ثم لزومُ الحُصُرِ» قالت: فلا أَدعُ الحجَّ بعدَ إذْ سمعتُ هذا من رسولِ الله ﷺ (٤).

стр. 2856

عبادَ الله: ويبقى بعدَ ذلك إشاراتٌ وتنبيهاتٌ للحجِّ والأضاحي أَعرِضُ لها في الجمعةِ القادمةِ بإذن الله .. وتنبيهٌ آخرُ يتعلَّقُ بالتوبةِ من الذنوب .. فكما تستدعي هذه الأيامُ الفاضلةُ المسارعةَ بالطاعاتِ .. تستدعي كذلك المبادرةَ بالتوبةِ عن الماضي، والكفَّ قدرَ الُمستطاعِ عن عملِ السيئات، ولقد سُئِلَ شيخُ الإسلام ابنُ تَيْميَّةَ- يرحمه الله- عن أثرِ المعصيةِ في الأيام المباركةِ هل تزيدُ أم لا؟ فأجاب: نعم، المعاصي في الأيامِ المفضَّلةِ والأمكنةِ المفضَّلةِ تُغلَّظ وعقاُبها بقَدْرِ فضيلةِ الزمان والمكان (١). ألاَ فعَظِّموا حرماتِ الله معاشرَ المسلمين .. ومن يُعظِّمْ حرماتِ الله فهو خيرٌ له عند ربِّه، وأَنِيبُوا إلى ربِّكم وأَسلِموا له، وتزوَّدوا فإن خيرَ الزادِ التقوى، وسارعوا إلى مغفرةٍ من ربِّكم وجنَّةٍ عرضُها السماواتُ والأرض أُعِدَّت للمتقين، واستقبِلوا أَيامَ العشرِ بالفرح والبُشْرى، وأَرُوا اللهَ من أنفسِكم خيرًا، ولا تأخذْكم الغفلةُ، وتشغلْكم الدنيا عن نعيمِ الآخرة، فما متاعُ الحياةِ الدنيا في الآخرة إلا قليلٌ، ومن تزكَّى فإنما يتزكَّى لنفسِه وإلى اللهِ المصيرُ.

стр. 2857

وقفات للحجاج وغيرهم وعن الهدي والأضاحي والأيام الفاضلة (١) الخطبةُ الأولى: الحمدُ لله، جعلَ لكلِّ أمةٍ منْسكًا همْ ناسِكوه، وفضَّلَ هذهِ الأمةَ على غيرِها مِنَ الأممِ بأكملِ الشرائعِ وأوفى المناسك، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، جعلَ لأمةِ الإسلامِ أعيادًا تعتزُّ بها وتكفيها عمّا سواها منْ مُبتدعاتٍ في الدين، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسوله، أنزلَ عليهِ عشيةَ عرفةَ قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (٢). اللهمَّ صلِّ وسلمْ عليهِ وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلين، وارضَ اللهمَّ عن الصحابةِ أجمعينَ والتابعينَ ومنْ تبعهمْ بإحسانٍ إلى يومِ الدين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (٣). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٤). أيها المسلمون: في هذهِ الأيامِ التي نعيشها ونستقبلُها مناسباتٌ وعِبَرٌ، ومواسمُ وفرصٌ وقرباتٌ وطاعات، وإقبالٌ وإدْبار، وذكرٌ وغفلةٌ .. والسؤالُ المطروحُ المهمُّ يقول: أينَ موقعكَ- أخي المسلم وأختي المسلمة- منْ هذهِ أو

стр. 2858

تلك، وما مد تقديركَ للفرصِ وما حجمُ استثماركَ للمَغْنم؟ وأقفُ اليومَ مُذِّكرًا نفسي وإياكمْ ببعضِ ما ينبغي التذكيرُ به، والذكرى تنفعُ المؤمنين، ومنْ تذكرَ فإنما يتذكرُ لنفسه، وأرجو أنْ تكونَ هذهِ الوقفاتُ مُذكِّرةً للحُجاجِ وغيرِ الحُجّاج. الوقفةُ الأولى: رغمَ كثرةِ الحديثِ عنْ «عشرِ ذي الحجة» وفضلِها ومَزِيّةِ عملِ الصالحاتِ فيها، إلا أنَّ هناكَ نفرًا منَ المسلمينَ لا يَقْدُروها حقَّ قدْرِها، فهيَ عندَ هؤلاءِ فرصةٌ للرحلةِ والاستجمامِ داخلَ البلادِ أو خارجَها- لا شك أنَّ الاستجمامَ المنضبطَ بضوابطِ الشرعِ لا حرج فيه ولكنَّ التفريطَ في الوقتِ، والتقصيرَ في عملِ الصالحات، والغفلةَ عنْ الذكرِ في هذهِ الرحلاتِ لا يليقُ بالمسلمِ في كلِّ وقت، ولا سيما في الأزمانِ الفاضلةِ كهذهِ العشر، أمّا إنْ صحِبَ هذهِ الرحلاتِ محظوراتٌ شرعيةٌ ومنكراتٌ منَ القولِ أَو الفعل، واستهانةٌ بالحُرمات، وتجاوزٌ على سياجِ المحرَّماتِ .. فذلكَ خللٌ بلْ سَفَهٌ، وعلى المسلمِ أنْ يعصمَ نفسَهُ منه، ويفطمَها عنهُ في كلِّ حين ولا سيما في وقتٍ يشتغلُ المسلمونَ فيهِ بالذكرِ ويتسابقونَ إلى القربات. الوقفةُ الثانية: وعلى الذين يعيشونَ نعمةَ الأمن ورغدَ العيشِ أنْ يتذكروا إخوانًا لهمْ منَ المسلمينَ ضاقتْ عليهمُ الأرضُ بما رَحُبتْ؛ فلا أمنَ يتنفَّسونَ في أجوائه، ولا رَغَدَ منَ العيشِ يُعينُهم على مزيدٍ منَ البذلِ والقُرباتِ، وهؤلاءِ وأمثالهمْ ممنْ يعيشونَ ظروفًا صعبةً منَ المسلمين، منْ أقلِّ حقوقهمْ علينا أنْ لا ننساهمْ بالدعاء، وإنِ امتدتْ أيديَنا إليهمْ بشيءٍ منَ المساعدة، فهمْ أحوجُ ما يكونونَ إلى الإغاثةِ والمساعدة، ونحنُ في مثلِ هذهِ الأيامِ الفاضلةِ أحوجُ ما نكونُ إلى ثوابِها. الوقفةُ الثالثة: والحجُّ نداءٌ ربانيٌّ ومؤتمرٌ عالمي، ومنذْ أنْ قيلَ لإبراهيمَ عليهِ السلام

стр. 2859

﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (١) وهذا الوعدُ الربانيُّ يتحققُ عبرَ قوافلِ الحجيجِ منْ مشرقِ الأرضِ ومغربها .. واليومَ، ومعَ اتساعِ العالمِ وتعدُّدِ وتطوُّرِ وسائلِ النقلِ، وتأمينِ سُبل الحجِّ، يتكاثرُ الحجاجُ وتتكاثرُ الجنسياتُ والوفودُ المسلمةُ منْ أقصى مغربِ الأرضِ إلى أقصى المشرقِ فيها .. وهلْ تعلمُ أخي المسلمَ أنَّ ثمةَ مسلمينَ آخرينَ يحركهمْ هذا النداءُ الربانيُّ- سواءَ استطاعوا الحجَّ أمْ لمْ يستطيعوا- وهمْ قُربَ القطبِ الجنوبي .. ونسألُ اللهَ أن يبلغهمْ حجَّ بيتهِ الحرامِ- فإذا كانتْ (أستراليا) تقعُ في الأقصى الشرقيِّ للكرةِ الأرضية، فثمةَ مسلمونَ في (نيوزيلاند) التي تبعدُ عنْ (أستراليا) بما يقاربُ عشرةَ آلافِ كيلو متر- منْ ناحيةِ الجنوبِ الشرقيِّ لأستراليا، وهيَ عبارةٌ عنْ جزيرتينِ يُقدرُ عددُ سكانهما بثلاث مئةٍ وخمسينَ ألفِ نسمة، أما عددُ المسلمينَ منْ هؤلاءِ فيقربْ منْ عشرينَ ألفِ نسمة (٢). هذا نموذجٌ للمدِّ والوجودِ الإسلاميِّ في الجنوبِ الشرقيِّ للكرةِ الأرضية، وهناكَ وجودٌ إسلاميٌّ في الغربِ والشمالِ- ولا شك- وبالتالي فإنَّ الحجَّ يمكنُ أنْ يكونَ مؤتمرًا عالميًا يستثمرُه المسلمونَ فيه أفضلَ استثمار، ويتعرفُ بعضهمْ على ظروفِ بعض، ويعينُ القادرونَ منهمُ الضعفاءَ والمضطهدين. الوقفة الرابعة: وفي الحجِّ فرصٌ للدعوةِ إلى دينِ اللهِ عبرَ الكلمةِ الطيبةِ والمساعدةِ الماديةِ أو المعنوية، وعبرَ الهديةِ النافعةِ لكتيب أو شريطٍ أو مطويَّة، ومنْ خلالِ الاستماعِ إلى الوفودِ الحاجةِ ونقلِ أخبارهمْ واحتياجهمْ إلى إخوانهم المسلمينَ أوْ نحوِ ذلكَ منْ وسائلِ الدعوةِ التي يعتبرُ الإعلامُ الإسلاميُّ لا يزالُ

стр. 2860

مُقصِّرًا في خدمتِها ونقلِها. الوقفة الخامسة: أيها الحجاجُ، وهناك سُننٌ في الحجِّ يجدرُ بكمْ العنايةُ بها، وربما غفلَ عنها كثيرٌ منَ الحُجّاج، ومنْ هذهِ السنن: الحمدُ والتسبيحُ والتكبيرُ عندَ الإحرام، وفي «صحيح البخاري» (بابُ التحميدِ والتسبيحِ والتكبيرِ قبلَ الإهلالِ عندَ الركوبِ على الدابة). وبهِ ساقَ الحديثَ عنْ أنسٍ ﵁، قال: « .. ثمَّ ركبَ حتى استوتْ به على البَيْدَاءِ، حمدَ اللهَ وسبَّحَ وكبَّر، ثمَّ أهلَّ بحجٍّ وعُمرةٍ .. » (١). قالَ ابنُ حجر: وهذا الحكمُ هو استحبابُ التسبيحِ وما ذكرَ معه قبلَ الإهلال- قلَّ منْ تعرَّضَ لذكرهِ معَ ثُبوتِه .. » (٢). ومنْ هذهِ السُّنن- كذلك- الدعاءُ عندَ الجمرتينِ الأُوليين، وفي «صحيح البخاري» - أيضًا- (بابُ الدعاءِ عندَ الجمرتين) ثمَّ ساقَ الحديثَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ كان إذا رمى الجمرةَ التي تلي مسجدَ مِنىً، يرميها بسبعِ حصَيَاتٍ يُكبرُ كلَّما رمى بحَصَاة، ثمَّ تقدمَ أمامَها فوقفَ مستقبلَ القبلةِ رافعًا يديهِ يدعو، وكانَ يُطيلُ الوقوفَ، ثمَّ يأتي الجمرةَ الثانيةَ فيرميها بسبعِ حَصَياتٍ يُكبرُ كلَّما رمى بحَصَاة، ثمَّ ينحدرُ ذاتَ اليسارِ مما يلي الوادي، فيقفُ مستقبلَ القبلةِ رافعًا يديهِ يدعو، ثمَّ يأتي الجمرةَ التي عندَ العقبةِ، فيرميها بسبعِ حَصَياتٍ يُكبُر عندَ كلِّ حَصَاةٍ، ثمَّ ينصرفُ ولا يقفُ عندَها .. » (٣). وقد روى ابنُ أبي شيبةَ بسندٍ صحيح- كما قالَ ابنُ حجر- في مقدارِ الوقوفِ

стр. 2861

للدعاء، عنْ ابنِ عمرَ ﵄ أنه كانَ يقومُ عندَ الجمرتيْنِ مقدارَ ما يقرأُ سورةَ البقرةِ. ومنَ السننِ: الزيادةُ في الهَدْيِ بنحرِ أكثرَ منْ فِدْية، وذلكَ للمُتمتِّع والقارِن، وقدْ أهدى رسولُ الله ﷺ مائةً، فذبحَ بعضَها ثلاثًا وستين بَدَنَة (١) وأوكلَ إلى عليِّ ﵁ ذبحَ ما بقيَ منها (٢). الوقفة السادسة: أيها المقيمون، وثمةَ سُننٌ طالَما هجرها البعضُ منكم، فهلْ تُحيونَها في هذهِ الأيامِ الفاضلة، فالصيامُ- غيرُ الواجبِ- سنةٌ، بلْ هوَ طريقٌ إلى الجنة، وقدْ قالَ أبو أُمامةَ ﵁ للنبيِّ ﷺ : دُلَّني على عملٍ أدخلُ بهِ الجنةَ، قال: «عليكَ بالصومِ لا مثلَ له» رواهُ النسائيُّ والحاكمُ وسندهُ صحيح (٣). فهلْ يتذكَّرُ الصيامَ- في هذه الأيامِ الفاضلةِ- منْ لا يصومونَ إلا منْ رمضانَ إلى رمضان؟ وتلاوةُ القرآنِ قُربةٌ وطاعةٌ لله .. وكذا السُّننُ والنوافلُ والصدقاتُ، فكثيرٌ من الناسِ تتحركُ هِمَّتهُ للصدقةِ في رمضان، فأينَ المتصدقونَ في هذه الأيام، وقدْ سمعتمْ أنها موازيةٌ في الفضلِ للعشرِ الأخيرِ منْ رمضان، بل ربما فضَّلَ نهارها على نهارِ العشرِ الأخيرِ طائفةٌ من العلماء (٤). إلى غيرِ ذلكَ منْ سننٍ وطاعاتٍ يجدرُ بالحريصِ على آخرتهِ أنْ يُنافسَ فيها حينَ يتنافسُ المتنافسون. الوقفة السابعة: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن

стр. 2862

شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ (١). إنها آيةٌ في كتابِ اللهِ تحكي موقفًا وحدثًا منْ أحداثِ السيرةِ النبوية، وتعلِّمُ المسلمينَ كيفَ يكونُ الفَرجُ بعدَ الشدة، وكيفَ يتحقَّقُ وعدُ اللهِ ونصرةُ أوليائه- ولو بعدَ فترة- والمسلمونَ الذينَ نزلتْ عليهمْ هذهِ الآياتُ كانوا يتطلَّعونَ إلى اليومِ الذي يصلونَ فيه إلى البيتِ الحرامِ بعدَ أنْ أخرجَهمُ المشركونَ منهُ ومنعوهمْ من الطوافِ فيه، وقد أُري الرسولُ ﷺ في المنامِ أنهُ دخلَ مكةَ وطافَ بالبيت، فأخبرَ أصحابَهُ بذلكَ وهوَ في المدينة، فلما وقعَ الصلحُ وعادَ المسلمون دونَ أنْ يدخلوا المسجدَ الحرام، وقعَ في نفوسِ بعضهم منْ ذلكَ شيءٌ حتى نزلتِ الآيةُ مؤكِّدةً دخولَهم، ثمَّ تحقَّقَ الوعدُ في العامِ الذي يليهِ في عُمرةِ القضاءِ، وعلى رغمِ أنوفِ المشركين، وشاعرُ المسلمين يردِّدُ: باسمِ الذي لا دينَ إلا دينُه ... باسمِ الذي محمدٌ رسولُه خَلُّوا بني الكُفّارِ عن سبيلِهِ ... اليومَ نَضْرِبْكُمْ على تَأويلِه كما ضربْناكمْ على تنزيلِهِ ... ضَرْبًا يُزيلُ الهامَ عن مَقِيلِه ويُذهلُ الخليلَ عن خليلِه ... قدْ أنزلَ الرحمنُ في تنزيلِهِ في صُحُفٍ تُتلى على رسُولِهِ ... بأَنَّ خيرَ القتلِ في سبيلِهِ يا ربِّ إني مؤمنٌ بقِيلِه (٢) ولقد كانَ محمدٌ ﷺ يربي أصحابَهُ على الصبرِ على الشدائد، ويعلِّمُهمْ كيفَ يكونُ الأملُ بعدَ الألم، وكيفَ يأتي النصرُ والفرجُ بعدَ الهزيمةِ والشدة، وفي مصابِ أُحدٍ، ورغمَ الشهداءِ والجرحى وانتفاشِ قريشٍ وفرحتِها لِما وقعَ

стр. 2863

بالمسلمين .. يقولُ الرسولُ ﷺ لعمرَ وبكلِّ ثقة: «يا ابنَ الخطاب، إنَّ قريشًا لنْ ينالوا مِنَّا مثلَ هذا اليومِ حتى نستلمَ الرُّكنَ» (١). وقدْ تحققَ الوعيدُ وانتصرَ المسلمون وذلَّ الشركُ والمشركون، وجاءَ نصرُ اللهِ والفتحُ، ودخلَ الناسُ في دينِ اللهِ أفواجًا، ووعدُ اللهِ باقٍ، ونصرُهُ لأوليائِهِ مستمرٌّ ولوْ كرهَ المشركون، فهلْ يعي المسلمونَ هذه الدروسَ؟

стр. 2864

الخطبةُ الثانية: الحمدُ للهِ مُستحقِّ الحمدِ وأهلِ الثناء، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، يدعوكم للطاعةِ ليغفرَ لكمْ ذنوبَكم ويرفعَ درجاتِكم، والموفَّقُ منِ استجابَ للدعوة: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ (١). وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، كانَ يدلُّ الأمةَ على الخيرِ ويسبقُهم إلى فِعْلِه، وكذلكَ كانَ ينافسُ أصحابُه في الصالحاتِ اقتداءً به .. اللهمَّ صلِّ وسلمْ عليهِ وارضَ عن أصحابه .. إخوةَ الإسلام: يومُ عرفةَ من الأيامِ الفاضلةِ في هذا العَشْرِ، لأنهُ يومُ مغفرةِ الذنوبِ والتجاوزِ عنها ويومُ عيدٍ لأهلِ الموقف، ويُستحبُّ صيامُه لأهلِ الأمصار، وفي صيامِهِ تكفيرُ سنتين، وهذا اليومُ يومٌ أكملَ اللهُ به الدينَ، وأتمَّ بهِ النعمةَ على المسلمين .. وعنْ عمرَ ﵁ أنَّ رجلًا منَ اليهودِ قال: يا أميرَ المؤمنين، آيةٌ في كتابِكم، لو علينا- معشرَ اليهود- نزلتْ لاتَّخذْنا ذلكَ اليومِ عيدًا، قال: أيُّ آيةٍ؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (٢)، قالَ عمر: قدْ عرفنا ذلكَ اليومَ والمكانَ الذي نزلتْ فيهِ على النبيِّ ﷺ وهوَ قائمٌ بعرفةَ يومَ الجمعة (٣).

стр. 2865

وفي روايةٍ عندَ الطبريِّ أنَّ السائلَ كعبُ الأحبار، وفيها أنَّ عمرَ قال: نزلتْ في يومِ جمعةٍ ويوم عرفةَ، وكلاهم بحمدِ اللهِ لنا عيدٌ (١). تُرى هلْ يُقدِّرُ المسلمونَ هذا اليومَ حقَّ قدْره، فيبتهلُ الحجاجُ فيه إلى اللهِ بالذكرِ والدعاء، «وخيرُ الدعاءِ دعاءُ عرفةَ، وخيرُ ما قلتُ أنا والنبيونَ منْ قَبْلي: لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ له، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ وهوَ على كلِّ شيءٍ قدير» (٢). قالَ ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: «وفي الحديثِ دليلٌ على أنَّ دعاءَ يومِ عرفة مُجابٌ في الأغلب، وأنَّ أفضلَ الذكرِ لا إله إلا الله .. » (٣). وإذا كانَ الحُجَّاجُ يتهيءُ لهمْ فضلُ عرفةَ بعرفة، فغيرُ الحُجَّاجِ منْ الصائمينَ يجتمعُ لهمْ فضلُ الصيامِ مع فضلِ عرفة، وهمْ كذلكَ حريُّونَ بإجابةِ الدعاء. فلنحرصْ جميعًا حجَّاجًا كنا، أو غيرَ حُجّاج. على استثمارِ هذا اليومِ وخاصةً في الدعاءِ لنا ولوالدينا وأولادِنا وأهلِينا والمسلمين (الأحياءِ منهم والميتين). أيها المسلمون: ويومُ النحرِ يومُ الحجِّ الأكبر، وفي الحديث: «إنَّ أعظمَ الأيامِ عندَ الله تعالى يومُ النحرِ ثمَّ يومُ القَرِّ»، ويومُ القَرِّ هوَ اليومُ الحادي عشرَ منْ ذي الحجة، لأنَّ الناسَ فيه يقِرُّون بمنى، قاله صاحبُ «النهاية» (٤). وأيامُ التشريقِ كذلكَ أيامٌ فاضلةٌ عندَ الله، وهيَ منْ أيامِ عِيْدنا، قالَ ﷺ : «يومُ عرفةَ ويومُ النحرِ وأيامُ التشريق عيدُنا أهلَ الإسلام» أخرجه أبو داودَ

стр. 2866

والترمذيُّ والنسائيُّ، وهوَ حديثٌ صحيح (١). عبادَ الله؛ أهلَ الإسلام: وفضلُ اللهِ علينا في هذه الأيامِ يمتدُّ .. وقُرُباتُه تكثرُ .. وإذا كانَ الحُجَاجُ يتقربونَ إلى اللهِ بذبحِ النُّسُك، فغيرُ الحُجّاجِ يتقربونَ إلى اللهِ بذبحِ الأضاحي .. والأضاحي مشروعةٌ بالكتابِ والسُّنةِ والإجماع، قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٢). ومنْ هَدْيهِ ﷺ أنهُ لمْ يَدَعِ الأُضْحيةَ، قالَ عبدُ الله بنُ عمرَ ﵄: أقامَ النبيُّ ﷺ بالمدينةِ عشرَ سنينَ يُضحِّي. رواهُ أحمدُ والترمذيُّ وسندهُ حسن (٣). ومنْ هَدْيهِ ﷺ اختيارُ الأضحيةِ واستحسانُها، وسلامتُها من العيوب، وهوَ القائل: «أربعٌ لا تُجزئُ في الأضاحي: العوراءُ البيِّنُ عَوَرُها، والمريضةُ البيِّنُ مرضُها، والعرجاءُ البيِّنُ عرجُها، والكسيرة (التي لا تُنقي، والعجفاءُ التي لا تنقي» -أي منْ هُزالِها لا مخَّ فيها (٤). ومنْ هَدْيهِ ﷺ أنْ يضحي بالمصلِّى، وفي «الصحيحين» وغيرِهما: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يذبحُ وينحرُ بالمصلَّى (٥). قال ابنُ بطال: الذبحُ بالمصلى هو سنةٌ للإمامِ خاصةً عند مالك، وقال: إنما يفعلُ ذلكَ لئلا يذبحَ أحدٌ قبلَه، زادَ المهلبُ: وليذبحوا بعدَهُ على يقين، وليتعلموا منهُ صفةَ الذبح (٦).

стр. 2867

ومنْ هَدْيهِ ﷺ أنَّ الشاةَ تجزئُ عنِ الرجلِ وعنْ أهلِ بيتهِ ولوْ كثرَ عددُهم (١) لكنْ منْ قدرَ منَ الزوجةِ والأولادِ على الأضحيةِ بمالهِ فإنُه يُضحي عنْ نفسه، لأنها قربةٌ، والأصلُ في الأضاحي أنها عنِ الأحياء، ولهمْ أنْ يشركوا في ثوابِها منْ شاءوا منَ الأحياءِ والأموات، وأما الظنُّ بأنَّ الأضحيةَ للأمواتِ فقط، فهذا خطأٌ- ومع ذلك- فالأضحيةُ عن الميتِ عملٌ طيبٌ لأنها نوعٌ من الصدقة، والأمواتُ بحاجةٍ إلى الثواب، وثوابُ الأضحيةِ عن الميتِ أفضلُ من الصدقةِ بثمنها، كذا اختار ابنُ تيميةَ في «الاختيارات الفقهية» (٢). وينبغي للمسلمِ والمسلمةِ المضحِّي أنْ يختارَ أضحيتَه، وتطيبَ نفسُهُ بها مهما غلا ثمنُها، قالَ ابنُ تيميةَ ﵀: والأجرُ في الأضحيةِ على قدرِ القيمةِ مطلقًا. ومنَ السُّنةِ أنْ يتولى المضحِّي نحرَ أضحيتِه، ولو كانت امرأةً، قالَ البخاري: أمرَ أبو موسى بناتِهِ أنْ يُضحينَ بأيديهن» (٣). وتجوزُ الاستنابةُ في الذبح، لأنَّ النبيَّ ﷺ ذبحَ ثلاثًا وستين بَدَنةً بيده، واستنابَ عليًا ﵁ في نحرِ ما بقيَ منْ بُدْنِهِ (٤). وعند الذبحِ يسمي اللهَ وجوبًا بقوله: بسمِ الله، ويكبرُ (استحبابًا) قائلًا: اللهُ أكبر، ولا تُشرعُ الصلاةُ على الرسولِ ﷺ في هذا الموضع، ولا زيادة: (الرحمنِ الرحيم) في البسملة. ويسنُّ لهُ أنْ يأكلَ ويُهدي ويتصدقَ، قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٥).

стр. 2868

ويجوزُ أنْ يُعطى الكافرُ منها لفقرهِ أو قرابتهِ أو جوارِه أو تأليفِ قلبه، وهذا منْ محاسنِ الإسلام (١). أمةَ الإسلام: اشكروا اللهَ على نعمهِ يزدْكم، وتذكروا إخوانًا لكمْ يحتاجونَ للأضاحي فلا يجدونَ ما به يضحون، فأشرِكوهم في فرحةِ العيدِ يومَ النحر، واجعلوا منْ هذه الأضاحي وسيلةً للصلةِ بهمْ والعطفِ عليهم، وهناكَ- بفضل الله- مؤسساتٌ وهيئاتٌ إسلاميةٌ توصلُ أضاحيكم وصدقاتِكم لهؤلاءِ المحتاجينَ منَ المسلمين، وبثمنٍ يسير، وبحدودِ المائة أو المائتين- والحمدُ لله. أيها المسلمون: واتَّخِذوا منْ أيام العيدِ فرصةً للصلةِ والزيارةِ والذِّكرِ والشكر، فهي أيامُ أكلٍ وشربٍ وذكرٍ لله. نسألُ اللهَ أنْ يعيدَ أعيادَنا والأمةُ المسلمةُ ترفلُ بأثوابِ العزةِ والكرامة، ورايةُ الإسلامِ خفاقةً في كلِّ مكان، وأنْ يعوِّضَ منْ لمْ يفرحْ بالعيدِ منَ المسلمينَ خيرًا، وأنْ يرفعَ عنهمْ كلَّ محنةٍ وبلوى.

стр. 2869

بشارتان وختام التوبة (١) الخطبةُ الأولى: الحمد لله ﴿غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (٢)، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، يُجزلُ المثوبةَ ويغفرُ الخطيئةَ ويفرحُ بتوبةِ عبدهِ إليهِ وهوَ غنيٌّ عنْ عبادته، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، كانَ يستغفرُ ربَّهُ في كلِّ يومٍ أكثرَ منْ سبعينَ مرةً، وهوَ المغفورُ له ما تقدَّمَ منْ ذنبهِ وما تأخَّر، صلى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وإخوانهِ .. ورضيَ اللهُ عنِ الصحابةِ أجمعينَ والتابعينَ ومنْ تبعهمْ بإحسانٍ إلى يوم الدين. اتقوا الله معاشرَ المسلمين، فتقوى اللهِ أقومُ وأقوى، وتقوى الله مخرجٌ من الكروب، وفيها تكفيرٌ للسيئاتِ والذنوب، وهي وصيةُ اللهِ للأولين وللآخرين. حجاجَ بيتِ اللهِ الحرام، تقبلَ اللهُ حجَّكمْ وغفرَ ذنبَكُمْ وجعلَ الجنةَ مثواكم، أيها المقيمون، تقبلَ اللهُ طاعتِكمْ، وآجرَكمْ وجعلَ الجنةَ متقلَّبَكُمْ ومثواكم. أيها المسلمون: ومنْ فضلِ اللهِ ورحمتهِ بكمْ أنَّ مشاريعَ الخيرِ لا تنقطعُ، والطرقَ الموصلةَ إلى الجنةِ لا تُوْصَدُ في كلِّ حين .. فأينَ المشمِّرونَ وأينَ المقبلونَ على الله؟ ومنْ تقربَ إلى اللهِ شبرًا تقربَ إليهِ ذراعًا، ومنْ جاءَ إليه يمشي أتاهُ يُهروِل، ومنْ تقربَ إلى اللهِ بفرائضهِ أحبَّهُ اللهُ، ومنْ أكملَ بالسننِ والنوافلِ سدَّدَ ما في الواجباتِ منْ نقصٍ وتقصير، ألا وإنَّ التوبةَ تجُبُّ ما قبلَها، ومنْ يستغفرِ اللهَ يجدِ اللهَ غفورًا رحيمًا.

стр. 2870

إخوةَ الإسلام: وإليكمْ أسوقُ بشارتين: إحداهما على شكلِ قصةٍ لرجلٍ فيمنْ كانَ قبلَنا، وأخبرَ عنها رسولُنا، والأخرى على هيئةِ خبرٍ أخبرَ به الصادقُ المصدوقُ ﷺ ، واستحلفَ عليه عمرُ بنُ عبدِ العزيز ﵀ الراويَ له ثلاثًا .. ولكنَّ البشارتين كلتيْهما تَسُرَّانِ ولا تغران، وتُحفِّزانِ على التوبةِ ولا تُقْعدانِ عنِ العمل. أما الأولى: فقد روى الإمامُ مسلمٌ ﵀ في «صحيحه» عنْ أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁، أنَّ نبيَّ اللهِ ﷺ قال: «كانَ فيمنْ كانَ قبلَكم رجلٌ قتلَ تسعةً وتسعينَ نفسًا، فسألَ عنْ أعلمِ أهلِ الأرض، فدُلَّ على راهبٍ فأتاه، فقال إنهُ قتلَ تسعةً وتسعينَ نفسًا، فهلْ لهُ منْ توبة؟ فقالَ: لا، فقتلَه، فكمَّل به مئةً، ثم سألَ عنْ أعلمِ أهلِ الأرض فدُلَّ على رجلٍ عالمٍ، فقالَ إنهُ قتلَ مئةَ نفسٍ فهلْ لهُ منْ توبة؟ فقال: نعم، ومنْ يحولُ بينهُ وبينَ التوبة؟ انطلِقْ إلى أرضِ كذا وكذا، فإنَّ بها أُناسًا يعبدون اللهَ فاعبدِ اللهَ معهم، ولا ترجعْ إلى أرضِك فإنها أرضُ سوءٍ، فانطلَقَ حتى إذا نَصَفَ الطريقَ أتاهُ الموتُ، فاختصمتْ فيهِ ملائكةُ الرحمةِ وملائكةُ العذاب، فقالتْ ملائكةُ الرحمةِ: جاء تائبًا مقبلًا بقلبهِ إلى الله، وقالتْ ملائكةُ العذاب: إنهُ لمْ يعملْ خيرًا قطّ، فأتاهمْ مَلَكٌ في صورةِ آدميٍّ فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بينَ الأرضيْن فإلى أَيَّتِهما كانَ أدنى فهوَ له، فقاسوا فوجدوهُ أدنى إلى الأرضِ التي أراد فقبضتْهُ ملائكةُ الرحمة» (١). أيها المسلمون: ولنا على هذا الحديثِ أكثرُ منْ وقفة: الأولى: فضلُ اللهُ وسَعَةُ رحمتهِ مهما كانَ ذنبُ العبد، فاللهُ تعالى يغفرُ الذنوبَ جميعًا .. وهو يقبلُ توبةَ العبدِ ما لم يُغرْغِر، ومَنْ حَجَبَ المذنبَ عنْ

стр. 2871

رحمةِ الله وأَيَّسَهُ مِنَ التوبةِ فهوَ مخطئٌ في حقِّ نفسهِ وحقِّ غيره، ومهما كانتْ ذنوبُ العبدِ فعفوُ اللهِ أوسعُ .. ولكنَّ الحبلَ الموصلَ إلى هذهِ الرحمةِ هوَ التوبةُ الصادقةُ والإنابةُ إلى الله، والشعورُ بعِظَمِ الذَّنْبِ. الثانية: فضلُ العالمِ على العابد، فالمسئولُ الأولُ راهبٌ متعبدٌ غاَبت عنه سعةُ رحمةِ الله، فأفتى هذا القاتلَ بعدمِ قبولِ توبتهِ فقتَلَهُ مكمِّلًا به المائة، ولكنْ حينَ استفتى العالِمَ فتحَ لهُ آفاقَ التوبةِ، وأرشدَهُ إلى ما يُعينهُ إلى ذلك .. وكانَ سببًا في نجاةِ نفسهِ وفي تخليصِ هذا المذنبِ من ذنوبه، وفي هذا تأكيدٌ على فضيلةِ العلمِ وقدرِ العلماء، وفضلُ العالمِ على العابدِ كفضلِ القمرِ ليلةَ البدرِ على سائرِ الكواكب. الوقفةُ الثالثة: حاجةُ المذنبِ التائبِ إلى تغييرِ البيئةِ التي مارسَ فيها جرائمَهُ .. وحاجتُه كذلكَ إلى تغييرِ الخِلّانِ الذين كانوا سندًا له في ارتكابِ الموبقات .. فالقرينُ مؤثِّرٌ، والصاحبُ ساحبٌ، ومنْ جالسَ المُصلينَ صلَّى، ومنْ عاشَ مع الغافلينَ أعرضَ وتولى .. ولذا قالَ العالمُ لهذا التائب: (انطلِقْ إلى أرضِ كذا وكذا، فإنَّ بها أناسًا يعبدونَ اللهَ فاعبدِ اللهَ معهم، ولا ترجعْ إلى أرضكَ فإنها أرضُ سوء). نعم، إنَّ كثيرًا مِنَ التائبينَ الذينَ يعودونَ إلى ما كانوا عليهِ إنما عادوا لأنهمْ لمْ يَصْدُقوا في توبتهم، ولم يهجُروا أصحابَ السوءِ منْ أقرانهم، فلا يزالُ بهمْ هؤلاءِ الأقرانُ يوسوسونَ لهمْ ويتهمونَهم على توبِتهم حتى يَنْكُصُوا على أعقابِهم .. ويعودوا إلى سالفِ منكراتهم، ولذا قالَ العلماءُ تعليقًا على هذا الحديث: وفي الحديثِ استحبابُ مفارقةِ التائبِ المواضعَ التي أصابَ بها الذنوب، والأخْدانَ المساعدينَ لهُ على ذلك، ومقاطعتِهمْ ما داموا على حالِهم وأنْ

стр. 2872

يستبدلَ بهمْ صحبةَ أهلِ الخيرِ والصلاحِ والعلماءِ المتعبدينَ الورعينَ ومنْ يُقتدى بهم ويُنتفعُ بصحبتهمْ وتتأكدُ بذلكَ توبتُه (١). إنَّ قرينَ السوءِ لنْ ينفعَ نفسَه، فأنَّى لهُ أنْ ينفعَ غيرَه، وكمْ منْ عزيزٍ كريمٍ غَرّهُ خِلّانُ السوءِ فأوْقعوه وأرْدوه، وإذا تذكرتَ- يا أخا الإسلام- أثرَ قرينِ السوءِ فلا تقعدْ بعدَ الذكرى معَ القومِ الظالمين. الوقفة الرابعة: والحديثُ يطيبُ عن التوبةِ في كلِّ حين، والدعوةُ إلى التوبةِ لم يُستثنَ منها المؤمنون، والله يقول: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢). وغيرُ المؤمنين بالتوبةِ أولى وهمْ إليها أحوجُ .. ولكنَّ التوبةَ يطيبُ التذكيرُ بها في مثل هذه الأيام التي تُكَّفرُ بها السيئاتُ وتعودُ الصحائفُ بيضاءَ نقيةً على إثرْ حجِّ بيتِ اللهِ الحرام، أو على إثرِ عملِ الصالحاتِ في الأيامِ الماضيةِ وما فيها منْ تكفيرٍ للسيئات، فالحاجُّ الموفقُ يرجعُ منْ ذنوبهِ كيومِ ولدَتْهُ أُمُهُ، والصائمُ ليومِ عرفةَ يكفرُ اللهُ عنهُ بهِ سنتين. كما يطيبُ الحديثُ عن التوبةِ في نهايةِ عامٍ حملَ كلُّ واحدٍ منا ما حملَ من الآثام والسيئات .. وما أجملَ العامَ يُختمُ بالتوبةِ والاستغفار، واللهُ تعالى يبسطُ يَدَهُ بالليلِ ليتوبَ مسيءُ النهار، ويبسطُ يَدَهُ بالنهارِ ليتوبَ مسيءُ الليل، والأعمالُ بالخواتيم، وفرقٌ بينَ منِ استحضرَ عظمةَ الله، وأدركَ عفوَهُ وسعةَ رحمتهِ فأناب وتابَ واستغفرَ مدركًا أنهُ لا يغفرُ الذنوبَ إلا الله، ومنْ لجَّ في عَمَاه واستغواهُ الشيطانُ وهواه .. فاستمرَّ يُحاددِ اللهَ بمعاصيهِ وختمَ عامَهُ بأقبحِ

стр. 2873

ما عنده، وإذا كنتَ يا عبدَ الله تغارُ على محارمِك، فاللهُ يغارُ على حُرماتِه، وفي الحديثِ الصحيحِ قال ﷺ : «إنَّ اللهَ يغارُ، وإنَّ المؤمنَ يغارُ، وغَيْرَةُ اللهِ أنْ يأتيَ المؤمنُ ما حَرَّمَ عليه» (١). أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢).

стр. 2874

الخطبةُ الثانية: الحمدُ لله ربِّ العالمين، ولا عُدوانَ إلا على الظالمين، والعاقبةُ للتقوى والمتقين، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ له، نِعمَهُ على خَلْقِهِ لا تعدُّ ولا تُحصى، ومن أعظمِ النّعمِ نعمةُ الإسلام، والمسلمونَ همُ السعداءُ في الدنيا، وهمُ الفائزونَ والآمنونَ منْ عذابِ اللهِ في الآخرة، ومهما تصنَّعَ غيرُ المسلمينَ السعادةَ في الدنيا، فهمْ يتقلَّبون في ضيقٍ ونكَدِ، وأمراضٍ وقلقٍ لا يعلمُها إلا الله .. أما في الآخرةِ فالأمرُ أدهى وأمرّ، وهذا نبيُّ الهدى والرحمةِ ﷺ يكشفُ لنا شيئًا منْ خسارتهمْ في الآخرة، وكيفَ يكونُ اليهودُ والنصارى فداءً للمسلمينَ عنِ النار. وفي «صحيح مسلم» عنْ أبي موسى الأشعريِّ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : «إذا كانَ يومُ القيامةِ دفعَ اللهُ إلى كلِّ مسلمٍ يهوديًا أو نصرانيًا فيقولُ: هذا فِكاكُكَ منَ النار» (١). وفي الحديثِ الآخر، أنَّ أبا بُرْدَةَ حدَّثَ عمرَ بنَ عبد العزيزِ عنْ أبيه (أبي موسى) عنِ النبيِّ ﷺ قال: «لا يموتُ رجلٌ مسلمٌ إلا أدخلَ اللهُ مكانَهُ النارَ يهوديًا أو نصرانيًا»، قال: فاستحلفَهُ عمرُ بنُ عبدِ العزيز باللهِ الذي لا إلهَ إلا هوَ ثلاثَ مراتٍ أنَّ أباهُ حدَّثَهُ عنِ النبيِّ ﷺ ، قال: فحلفَ له .. (٢). تلكمْ هيَ البشارةُ الثانية، وكمْ فرحَ المسلمونَ بهذا الحديث، حتى جاءَ عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ والشافعيِّ رحمهما اللهُ أنهما قالا: هذا الحديثُ أرجى حديثٍ للمسلمين، قال النووي: وهو كما قالا، لما فيهِ منَ التصريحِ بفداءِ كلِّ

стр. 2875

مسلمٍ وتعيمِ الفداء، وللهِ الحمدُ (١). عبادَ الله: وما بالُ المسلمينَ لا يفرحونَ بهذا الحديث، وقدْ جاءَ في روايةٍ أخرى: «يجيءُ ناسٌ منَ المسلمينَ بذنوبٍ أمثالَ الجبال، فيغفرُها اللهُ لهمْ ويضعُها على اليهودِ والنصارى» (٢). وفي هذا المعنى يردُ حديثُ أبي هريرةَ ﵁ يرفعُه: «لكلِّ أحدٍ منزلٌ في الجنةِ ومنزلٌ في النار، فالمؤمنُ إذا دخلَ الجنةَ خلَفَه الكافرُ في النار .. ». قال العلماءُ في معنى هذه الأحاديث، والجمعِ بينها وبينَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٣): إنَّ المسلمينَ يغفرُ اللهُ لهمْ ذنوبَهمْ ويُسقِطُها عنهمْ بإسلامهم، ويضعُ على الكفارِ بكفرِهمْ وذنوبهمْ مثلَها، فصارَ الأمرُ وكأنَّ الكفارَ حمِّلوا ذنوبَ المسلمين، وإنما حمَلوا ذنوبَهمْ ولمْ يغفرْها اللهُ لهمْ لكُفرِهم. ويحتملُ أنْ يكونَ المرادُ آثامًا كانَ للكفار سببٌ فيها بأنْ سنّوها للمسلمين فاحتمَلوا وِزْرَها ووزْرَ من عملَ بها (٤). عبادَ الله: وسواءٌ قيلَ هذا أو غيرَهُ منْ تأويلاتِ فكاكِ الكفارِ عنِ المسلمينَ يومَ القيامة، فلا ينبغي للمسلمِ أنْ يستهينَ بأمرِ اللهِ ويعتدي على حُرُماتِه، لكنهُ يعملُ الصالحاتِ ويرجو رحمةَ ربِّه، ويدركُ نعمةَ الإسلامِ التي هو فيها، وحُرِم غيرُه إياها، وفضلُ المسلمِ على الكافر حيًّا وميتًا، وفي الدنيا ويومَ يقومُ الأشهادُ، فيدعوهُ ذلكَ للاستمساكِ بالإسلامِ والاعتزازِ به، ودعوةِ غيرهِ إليه، ولا
следующие страницы →