← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

رحمةِ الله وأَيَّسَهُ مِنَ التوبةِ فهوَ مخطئٌ في حقِّ نفسهِ وحقِّ غيره، ومهما كانتْ ذنوبُ العبدِ فعفوُ اللهِ أوسعُ .. ولكنَّ الحبلَ الموصلَ إلى هذهِ الرحمةِ هوَ التوبةُ الصادقةُ والإنابةُ إلى الله، والشعورُ بعِظَمِ الذَّنْبِ. الثانية: فضلُ العالمِ على العابد، فالمسئولُ الأولُ راهبٌ متعبدٌ غاَبت عنه سعةُ رحمةِ الله، فأفتى هذا القاتلَ بعدمِ قبولِ توبتهِ فقتَلَهُ مكمِّلًا به المائة، ولكنْ حينَ استفتى العالِمَ فتحَ لهُ آفاقَ التوبةِ، وأرشدَهُ إلى ما يُعينهُ إلى ذلك .. وكانَ سببًا في نجاةِ نفسهِ وفي تخليصِ هذا المذنبِ من ذنوبه، وفي هذا تأكيدٌ على فضيلةِ العلمِ وقدرِ العلماء، وفضلُ العالمِ على العابدِ كفضلِ القمرِ ليلةَ البدرِ على سائرِ الكواكب. الوقفةُ الثالثة: حاجةُ المذنبِ التائبِ إلى تغييرِ البيئةِ التي مارسَ فيها جرائمَهُ .. وحاجتُه كذلكَ إلى تغييرِ الخِلّانِ الذين كانوا سندًا له في ارتكابِ الموبقات .. فالقرينُ مؤثِّرٌ، والصاحبُ ساحبٌ، ومنْ جالسَ المُصلينَ صلَّى، ومنْ عاشَ مع الغافلينَ أعرضَ وتولى .. ولذا قالَ العالمُ لهذا التائب: (انطلِقْ إلى أرضِ كذا وكذا، فإنَّ بها أناسًا يعبدونَ اللهَ فاعبدِ اللهَ معهم، ولا ترجعْ إلى أرضكَ فإنها أرضُ سوء). نعم، إنَّ كثيرًا مِنَ التائبينَ الذينَ يعودونَ إلى ما كانوا عليهِ إنما عادوا لأنهمْ لمْ يَصْدُقوا في توبتهم، ولم يهجُروا أصحابَ السوءِ منْ أقرانهم، فلا يزالُ بهمْ هؤلاءِ الأقرانُ يوسوسونَ لهمْ ويتهمونَهم على توبِتهم حتى يَنْكُصُوا على أعقابِهم .. ويعودوا إلى سالفِ منكراتهم، ولذا قالَ العلماءُ تعليقًا على هذا الحديث: وفي الحديثِ استحبابُ مفارقةِ التائبِ المواضعَ التي أصابَ بها الذنوب، والأخْدانَ المساعدينَ لهُ على ذلك، ومقاطعتِهمْ ما داموا على حالِهم وأنْ

стр. 2872

يستبدلَ بهمْ صحبةَ أهلِ الخيرِ والصلاحِ والعلماءِ المتعبدينَ الورعينَ ومنْ يُقتدى بهم ويُنتفعُ بصحبتهمْ وتتأكدُ بذلكَ توبتُه (١). إنَّ قرينَ السوءِ لنْ ينفعَ نفسَه، فأنَّى لهُ أنْ ينفعَ غيرَه، وكمْ منْ عزيزٍ كريمٍ غَرّهُ خِلّانُ السوءِ فأوْقعوه وأرْدوه، وإذا تذكرتَ- يا أخا الإسلام- أثرَ قرينِ السوءِ فلا تقعدْ بعدَ الذكرى معَ القومِ الظالمين. الوقفة الرابعة: والحديثُ يطيبُ عن التوبةِ في كلِّ حين، والدعوةُ إلى التوبةِ لم يُستثنَ منها المؤمنون، والله يقول: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢). وغيرُ المؤمنين بالتوبةِ أولى وهمْ إليها أحوجُ .. ولكنَّ التوبةَ يطيبُ التذكيرُ بها في مثل هذه الأيام التي تُكَّفرُ بها السيئاتُ وتعودُ الصحائفُ بيضاءَ نقيةً على إثرْ حجِّ بيتِ اللهِ الحرام، أو على إثرِ عملِ الصالحاتِ في الأيامِ الماضيةِ وما فيها منْ تكفيرٍ للسيئات، فالحاجُّ الموفقُ يرجعُ منْ ذنوبهِ كيومِ ولدَتْهُ أُمُهُ، والصائمُ ليومِ عرفةَ يكفرُ اللهُ عنهُ بهِ سنتين. كما يطيبُ الحديثُ عن التوبةِ في نهايةِ عامٍ حملَ كلُّ واحدٍ منا ما حملَ من الآثام والسيئات .. وما أجملَ العامَ يُختمُ بالتوبةِ والاستغفار، واللهُ تعالى يبسطُ يَدَهُ بالليلِ ليتوبَ مسيءُ النهار، ويبسطُ يَدَهُ بالنهارِ ليتوبَ مسيءُ الليل، والأعمالُ بالخواتيم، وفرقٌ بينَ منِ استحضرَ عظمةَ الله، وأدركَ عفوَهُ وسعةَ رحمتهِ فأناب وتابَ واستغفرَ مدركًا أنهُ لا يغفرُ الذنوبَ إلا الله، ومنْ لجَّ في عَمَاه واستغواهُ الشيطانُ وهواه .. فاستمرَّ يُحاددِ اللهَ بمعاصيهِ وختمَ عامَهُ بأقبحِ

стр. 2873

ما عنده، وإذا كنتَ يا عبدَ الله تغارُ على محارمِك، فاللهُ يغارُ على حُرماتِه، وفي الحديثِ الصحيحِ قال ﷺ : «إنَّ اللهَ يغارُ، وإنَّ المؤمنَ يغارُ، وغَيْرَةُ اللهِ أنْ يأتيَ المؤمنُ ما حَرَّمَ عليه» (١). أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢).

стр. 2874

الخطبةُ الثانية: الحمدُ لله ربِّ العالمين، ولا عُدوانَ إلا على الظالمين، والعاقبةُ للتقوى والمتقين، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ له، نِعمَهُ على خَلْقِهِ لا تعدُّ ولا تُحصى، ومن أعظمِ النّعمِ نعمةُ الإسلام، والمسلمونَ همُ السعداءُ في الدنيا، وهمُ الفائزونَ والآمنونَ منْ عذابِ اللهِ في الآخرة، ومهما تصنَّعَ غيرُ المسلمينَ السعادةَ في الدنيا، فهمْ يتقلَّبون في ضيقٍ ونكَدِ، وأمراضٍ وقلقٍ لا يعلمُها إلا الله .. أما في الآخرةِ فالأمرُ أدهى وأمرّ، وهذا نبيُّ الهدى والرحمةِ ﷺ يكشفُ لنا شيئًا منْ خسارتهمْ في الآخرة، وكيفَ يكونُ اليهودُ والنصارى فداءً للمسلمينَ عنِ النار. وفي «صحيح مسلم» عنْ أبي موسى الأشعريِّ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : «إذا كانَ يومُ القيامةِ دفعَ اللهُ إلى كلِّ مسلمٍ يهوديًا أو نصرانيًا فيقولُ: هذا فِكاكُكَ منَ النار» (١). وفي الحديثِ الآخر، أنَّ أبا بُرْدَةَ حدَّثَ عمرَ بنَ عبد العزيزِ عنْ أبيه (أبي موسى) عنِ النبيِّ ﷺ قال: «لا يموتُ رجلٌ مسلمٌ إلا أدخلَ اللهُ مكانَهُ النارَ يهوديًا أو نصرانيًا»، قال: فاستحلفَهُ عمرُ بنُ عبدِ العزيز باللهِ الذي لا إلهَ إلا هوَ ثلاثَ مراتٍ أنَّ أباهُ حدَّثَهُ عنِ النبيِّ ﷺ ، قال: فحلفَ له .. (٢). تلكمْ هيَ البشارةُ الثانية، وكمْ فرحَ المسلمونَ بهذا الحديث، حتى جاءَ عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ والشافعيِّ رحمهما اللهُ أنهما قالا: هذا الحديثُ أرجى حديثٍ للمسلمين، قال النووي: وهو كما قالا، لما فيهِ منَ التصريحِ بفداءِ كلِّ

стр. 2875

مسلمٍ وتعيمِ الفداء، وللهِ الحمدُ (١). عبادَ الله: وما بالُ المسلمينَ لا يفرحونَ بهذا الحديث، وقدْ جاءَ في روايةٍ أخرى: «يجيءُ ناسٌ منَ المسلمينَ بذنوبٍ أمثالَ الجبال، فيغفرُها اللهُ لهمْ ويضعُها على اليهودِ والنصارى» (٢). وفي هذا المعنى يردُ حديثُ أبي هريرةَ ﵁ يرفعُه: «لكلِّ أحدٍ منزلٌ في الجنةِ ومنزلٌ في النار، فالمؤمنُ إذا دخلَ الجنةَ خلَفَه الكافرُ في النار .. ». قال العلماءُ في معنى هذه الأحاديث، والجمعِ بينها وبينَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٣): إنَّ المسلمينَ يغفرُ اللهُ لهمْ ذنوبَهمْ ويُسقِطُها عنهمْ بإسلامهم، ويضعُ على الكفارِ بكفرِهمْ وذنوبهمْ مثلَها، فصارَ الأمرُ وكأنَّ الكفارَ حمِّلوا ذنوبَ المسلمين، وإنما حمَلوا ذنوبَهمْ ولمْ يغفرْها اللهُ لهمْ لكُفرِهم. ويحتملُ أنْ يكونَ المرادُ آثامًا كانَ للكفار سببٌ فيها بأنْ سنّوها للمسلمين فاحتمَلوا وِزْرَها ووزْرَ من عملَ بها (٤). عبادَ الله: وسواءٌ قيلَ هذا أو غيرَهُ منْ تأويلاتِ فكاكِ الكفارِ عنِ المسلمينَ يومَ القيامة، فلا ينبغي للمسلمِ أنْ يستهينَ بأمرِ اللهِ ويعتدي على حُرُماتِه، لكنهُ يعملُ الصالحاتِ ويرجو رحمةَ ربِّه، ويدركُ نعمةَ الإسلامِ التي هو فيها، وحُرِم غيرُه إياها، وفضلُ المسلمِ على الكافر حيًّا وميتًا، وفي الدنيا ويومَ يقومُ الأشهادُ، فيدعوهُ ذلكَ للاستمساكِ بالإسلامِ والاعتزازِ به، ودعوةِ غيرهِ إليه، ولا

стр. 2876

يغتبرُّ بما عليهِ الكفارُ من باطلٍ وما همْ متلبِّسونَ به ظاهرًا منْ نعمةٍ وأمن، فاللهُ يقولُ وهوَ أصدقُ القائلين: ﴿لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلاَدِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (١) ويقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (٢). إنَّ منْ لا يفهمُ آياتِ الكتاب، ولا يعيشُ معَ هديِ المصطفى ﷺ تغيبُ عنهُ هذهِ المعاني والحقائقُ في نظرتهِ لنفسهِ وللكفارِ منْ حوله. ألا فاشكروا نعمةَ اللهِ عليكمْ إذْ جعلكمْ مسلمينَ، واختموا عامَكمْ بالتوبةِ والاستغفارِ وتلكَ التي تُسهمُ في استصلاحِ ما سبقَ وتهيأةِ ما يستجدُّ ويلحق، وما تدري نفسٌ ماذا ستكسبُ غدًا ولا تدري نفسٌ بأيِّ أرضٍ تموت، إنَّ اللهَ عليمٌ خبير. اللهمَّ اختمْ لنا عامَنا بالتوبةِ والغفرانِ والقبول، وأعِنَّا على عملِ الصالحاتِ فيما نستقبلُ منْ أيامنا، واجعلْ عامَنا القادمَ عامَ خيرٍ وبركةٍ علينا وعلى المسلمين.

стр. 2877

نهاية العام موعظة وذكرى (١) الخطبةُ الأولى: إنَّ الحمدَ للهِ نحمدهُ ونستعينُه ونستغفره، ونعوذُ باللهِ منْ شرورِ أنفسِنا ومنْ سيئاتِ أعمالِنا، منْ يهدهِ اللهُ فلا مضلَّ لهُ، ومنْ يضللْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسوله، اللهمَّ صلِّ وسلمْ عليهِ وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلين، وارضَ اللهمَّ عن الصحابةِ أجمعينَ والتابعينَ ومنْ تبعهمْ بإحسانٍ إلى يومِ الدين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣). أيها الناس: تجري عوائدُ التجارِ وأصحابُ المؤسساتِ الحكوميةِ والأهليةِ على جردِ حساباتهمْ في نهايةِ العام، وكتابةِ تقريرٍ سنويٍّ عما أُنجز، فثمةَ تقريرٌ مالي، وتقريرٌ إداري، وتقويمٌ للعملِ وحسابٌ وتدقيقٌ للمكاسبِ والخسائر، وتفكيرٌ في التطويرِ المستقبلي، وتجاوزٌ لسلبياتِ الماضي .. وهكذا مما يحتاجُ له العملُ الدنيوي، وتفرضهُ ظروفُ الحياة، ولا ضَيْرَ في الحزمِ ولا جُناحَ في الدقةِ والمتابعة، ومنْ فكَّر أبصر، ومنْ خططَ أثمر .. ولكنْ ماذا عنْ حساباتِ الآخرة؟ كم مِنَ الناسِ مَنْ يكتبُ تقريرًا لنفسهِ عنْ مشاريعهِ الخيريةِ وأعمالهِ الصالحة؟ وكمْ منَ الناسِ أغنياءَ كانوا أمْ فقراءَ يجردُ ما أسعفتْهُ ذاكرتُه منْ

стр. 2878

أخطائهِ وزلاّتهِ وكبواتِهِ خلالَ العام؟ ومنْ ذا الذي يتذكرُ مشاريعَهُ في الدعوةِ والإصلاحِ وتقديمِ الخيرِ للناس، فيحاولُ الزيادةَ عليها وتطويرَها في العامِ الآخر؟ كمْ يقفُ المرءُ منا- في نهاية العام- على أعمالٍ مشينةٍ مارسَها وقفةَ تحسرٍ وتألمٍ وندم، عسى اللهُ أنْ يغفرَها .. وعسى أنْ تكونَ هذه الوقفةُ المتحسرةُ ضمانًا لعدمِ تكرارها .. وربَّ سيئةٍ قادتْ صاحبَها إلى الجنة، لأنهُ لا يملكُ عينيهِ منَ البكاءِ خشيةً للهِ إذا تذكرَها، ولا يملكُ قلبَه منَ الإخباتِ والانكسارِ وهو يتذكرُ جُرأتَهُ في الإقدامِ عليها، وعفوَ اللهِ وفضلَه في سترهِ عليهِ إذ مارسها. يا عبدَ الله: ليستْ حياةُ المسلمِ لهوًا وعبثًا .. ولا فراغًا مملًا ولا فسحةً إلى الا يد .. فلستَ تدري متى تبلغُ الروحُ الحلقومَ، وما عندكَ ضمانٌ ببلوغك الأمانيَ وطولَ الأمل، وفسحةَ الأجل، ومن ذا الذي يضمنُ لكَ خطَّ الرجعةِ إذا وقعتْ بكَ الواقعة؟ كمْ أنتَ عجيبٌ والفواجعُ والقوارعُ منْ حولكَ صباحَ ومساء، ونُذُرُ الموتِ تخطفُ بمرأى منكَ القريبَ والبعيد، والصغيرَ والكبير، والذكرَ والأنثى! ! ترى كمْ يُثير فيكَ منْ ذكرياتٍ آخرُ شهرٍ في السنة .. بلْ آخرُ يومٍ في السنةِ الماضيةِ وأولُ يومٍ في السنةِ القادمة؟ أتُرى الحياةَ ستستمرُ لكَ صفوًا دونَ كَدَر .. وصحةَ دونَ سقَمٍ وأمانًا دونَ خوف، قُلْ لي بربكَ: هلْ فكرتَ أنْ تكونَ في العامِ القادمِ أرحمَ بنفسكَ وأخشى لربكَ منْ أعوامٍ خلَت؟ أمْ أنكَ ستستبدلُ مُفكرةَ التقويمِ الماضيةَ بمفكرةِ العامِ الجديدِ دونَ أيِّ وقفةِ وتأمل آه .. وسؤالٌ يقول: فيمَ ستفتتحُ العامَ الجديد، وبماذا اختتمتَ العامَ المنصرم؟

стр. 2879

وموعظةٌ وذكرى تناديكَ -يا أخا الإسلام- وتقولُ: الأوراقُ تتساقطُ والنباتُ الأخضرُ ينصرمُ، ثم يعودُ هشيمًا تذروهُ الرياحُ، والجديدُ يبلى، والصغيرُ يكبرُ ويهرمُ والموتُ نهايةُ كلِّ حيٍّ .. وكلُّ شيءٍ هالكٌ إلا وجهَهُ .. لكنْ ماذا بعدُ؟ هلْ أيقنتَ أنَّ الأنفاسَ تُحصى، والرقيبُ لا يغفلُ ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (١) والربُّ يُحصي ولا ينسى ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ (٢) وهو يُجازي على القِطْمير والنَّقير، وهو يعدلُ ولا يظلم ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (٣) والكتاب يُوضع ﴿لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (٤). هل ستنفعُكَ المعذرةُ ... أمْ ستدافعُ عنكَ العشيرةُ أو القبيلةُ ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (٥) ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (٦). هلكَ المالُ، ولمْ ينفعِ الجاهُ والسلطان، وتمنى المغرورُ أنه لمْ يقفْ هذا الموقفَ العصيبَ الرهيب. إنها مشاهدُ غيبيةٌ يعرضها القرآنُ، وكأنها رأيُ العين، فاستمعْ إليها ما دامَ السماعُ ممكنًا، واعقِلْها بأهوالها ومشاهدِها وأقمْ لها وزنًا وفي القرآن معتبرٌ ومدَّكر ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ (٧).

стр. 2880

يا عبدَ الله: واخترْ لنفسكَ أيَّ المنزليْن ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَئوا كِتَابِيهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ (٢٦) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلا طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخَاطِئونَ﴾ (١). يا أخا الإسلام: الأرضُ تميدُ منْ حولك، والأممُ والشعوبُ باتتْ تبحثُ عنْ هُويتِها- وإنْ كانتْ مزوَّرةً- وتلتفتُ إلى أديانها وقيمِها- وإن كانت ساقطةً ومنحطةً- فما موقُعكَ في هذا العالمِ المَريجِ؟ وماذا عن اعتزازِك بهويتكَ الأصلية، وثباتِكَ بلْ ودعوتِكَ لدينكَ الحقِّ .. أيسوغُ أن يموتَ إخوانُ القردةِ والخنازيرِ مدافعينَ عنْ دينهمْ وهويتِهمْ .. وأنْ يتفانى عبَّادُ الصليبِ والبقر، وأصحابُ بوذا وكنفوشيوس، بلْ وعبَّادُ الشياطين والفروج، وأممٌ وشعوبٌ أخرى أضلَّها الله، أيسوغُ أنْ يتفانى هؤلاءِ في الدفاعِ عنْ دياناتهم، ويثبتوا على نِحَلهمُ الباطلةِ ويبخلُ المسلمُ في تقديمِ شيءٍ يستطيعُ تقديمَه .. فكيفَ إذا عاشَ المسلمُ غافلًا سادرًا في الشهوات، مرتكبًا للمحرمات حائرًا هائمًا، إنها نكسةٌ وحَوْرٌ بعدَ الكَوْر .. وضلالةٌ بعدَ الهدى، وعمًى بعدَ الإبصارَ، نسألُ اللهَ لنا ولإخوانِنا المسلمينَ السلامةَ والعافية. يا مسلمُ يا عبدَ الله: أتريدُ خَيرَي الدنيا والآخرة؟ شيئانِ إذا عملتَ بهما

стр. 2881

أصبت بهما خَيرَي الدنيا والآخرة، تحملُ ما تكرهُ إذا أحبهُ الله، واتركْ ما تحبُّ إذا كرهَهُ الله- كذا قالَ أبو حازمٍ ﵀ (١). وهلْ تعلمُ معوقاتِ إصلاحِ النفوس؟ يجيبكَ أبو الدرداءِ ﵁: لولا ثلاثٌ لصلُحَ الناسُ: شُحٌّ مُطاعٌ، وهوًى مُتبعٌ، وإعجابُ المرءِ بنفسه. أيها العقلاء: فكِّروا فيما يبقى ويُثمرُ ولو كانَ على أنفسكمْ ثقيل، ولا يغرنَّكم ما ألهى وأضحك، فالحزنُ بعدهُ طويل .. قالَ ابنُ مسعودٍ ﵁: الحقُّ ثقيلٌ مريءٌ، والباطلُ خفيفٌ وبيءٌ، وربَّ شهوةِ ساعةٍ أورثتْ حزنًا طويلًا. استكثِروا منَ الطاعاتِ كلما أفسحَ اللهُ لكمْ في الأجل وأمدَّكمْ بالصحةِ وأنعمَ بالأمن، فذاكَ الرصيدُ الحقُّ يومَ تُبلى السرائر، وتتطايرُ الكتب، وتنُشرُ الصحائفُ، وما أعمارُكمْ فيمنْ سَبَقكمْ منْ الأممِ إلا نَزْرٌ يسيرٌ، وذلكَ يستدعي استثمارَ الأوقاتِ والمسارعةَ إلى أبوابِ الخيرات، وتحسينَ العمل، وحسنَ الظنِّ بالله .. ، لا ريبَ أنَّ سعادةَ المرءِ في طولِ عمرهِ وحسنِ عملهِ، وتعاستُه بطولِ عمرهِ وسوءِ عملهِ، كذا أخبرَ المصطفى ﷺ حين سُئل: أيُّ الناسِ خيرٌ؟ فقال: «منْ طالَ عمرُهُ وحَسُنَ عملُه»، قيل: وأيُّ الناسِ شرّ؟ قال: «منْ طالَ عمرُهُ وساءَ عملُه» (٢). أعوذُ باللهِ منَ الشيطانِ الرجيم: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَئونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١) وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (٣).

стр. 2882

الخطبةُ الثانية: الحمدُ للهِ غافرِ الذنوبِ وساترِ العيوب، والصلاةُ والسلامُ على إمامِ المستغفرين، وداعي الناسِ للتوبةِ أجمعين. أيها المسلمون: والاستغفارُ عبادةٌ وقُربة، ورحمةٌ ورِفْعةٌ، ودفعٌ للشرورِ والبلاء، حتى قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ ﵀: شهادةُ التوحيدِ تفتحُ بابَ الخير، والاستغفارُ يُغلقُ بابَ الشر (١). وقالَ الحسنُ ﵀: أكثِروا منَ الاستغفار، فإنكمْ لا تدرونَ متى تنزلُ الرحمةُ. والاستغفارُ خيرُ رفيقٍ في الدنيا، وفي ظلماتِ القبر، وحينَ العرضِ على الله، فمنْ لزمَ الاستغفارَ جعلَ اللهُ لهُ منْ كلِّ همٍّ فرَجًا، ومنْ كلِّ ضيقٍ مخرجًا، ورَزَقَهُ منْ حيثُ لا يحتسبُ .. هذا في الدنيا. وفي القبرِ، قالَ أبو المنهال ﵀: «وما جاورَ عبدٌ في قبرهِ منْ جارٍ أحبَّ إليهِ منْ استغفارٍ كثير» (٢). يا عبدَ الله: منْ أهمَّتهُ ذنوبُهُ أكثرَ لها منَ الاستغفار، ومنْ استشعرَ نعمةَ اللهِ ختمَ ذلكَ بالاستغفار .. وهذا رسولُ اللهِ ﷺ حينَ وفّى تبليغَ الرسالةِ ونصرَه اللهُ، وفتحَ لهُ ما فتح، ودخلَ الناسُ في دينِ الله أفواجًا، أُمِرَ بالاستغفار، فكانَ الجهادُ والدعوةُ عبادةً أداها، وشُرعَ له الاستغفارُ عُقيبها. ومنْ وصايا لقمانَ لابنه: يا بني، عوِّدْ لسانَكَ الاستغفارَ، فإنَّ للهِ ساعاتٍ لا يَردُّ فيهن سائلًا (٣).

стр. 2883

يا عبدَ الله: إني مرشدُكَ ونفسي إلى عدَّةِ أمور: ١ - اختمْ عامكَ بالاستغفار .. فطالما أخطأْنا وطالما قصَّرْنا، وفي بعضِ الآثار: إن إبليسَ قال: أهلكتُ الناسَ بالذنوب، وأهلكوني بـ: «لا إلهَ إلا اللهُ» والاستغفارِ. ٢ - واستقبلْ عامَكَ الجديدَ بهمَّةٍ صادقةٍ وعزيمةٍ متجدِّدةٍ على فعلِ الخيرِ، واحرصْ على أنْ يكونَ لكَ في كلِّ ميدانٍ من ميادينِ الخيرِ سهمٌ قلَّ هذا السهمُ أو كَثُر، وضَعْ نفسَكَ في منافسةٍ معَ كلِّ منْ رأيتَ يتقدمُ في أبوابِ الخير، ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (١). ٣ - تذكرْ أرجى عملٍ عملتَه في عامِكَ المنصرمِ، فافرحْ بهِ دونَ أنْ تغترَّ أو تَمُنَّ، واشكرِ اللهَ إذْ وَفَّقك لعملِه، واسأْلهُ القَبُولَ عليه، ثمْ حاولْ أن تكررَ مثلَهُ أو أحسنَ في عامِكَ الجديدِ، فمنْ علائمِ قبولِ الحسنةِ عملُ الحسنةِ بعدَها. ٤ - وتذكرْ أَسْوَأَ عملٍ عملتَهُ فيما مضى، فابكِ على خطيئتِكَ، واسألْ ربَّكَ المغفرةَ، وإياكَ أنْ تكرر الخطيئةَ أو ما يُشبهها، فالندمُ توبةٌ، والاستغفارُ يُحرقُ الخطيئةَ، ومنْ تابَ وأنابَ فإنَّ الله يُبدِّلُ سيئاتِهِ حسناتٍ، وكانَ اللهُ غفورًا رحيمًا. ٥ - فتِّشْ في أحوالِك كلِّها واسألْ عنْ نوعِ علاقتكَ بربِّكَ وبالناسِ منْ حولك، ما درجةُ الإيمانِ باللهِ واليقينِ بوعدِهِ ووعيده، وما قدرُ الصلاةِ عندكَ، وكيفَ حالُكَ معَ الصيامِ وقيامِ الليل، وكيفَ خُلُقُكَ وأسلوبُ تعاملُكَ معَ الناس، هلْ أنتَ وَصولٌ للرحم، محسنٌ للخَلْق، رطبُ اللسانِ بذكرِ الله، كثيرُ التلاوةِ لكتابه، تحبُّ للآخرينَ منَ المسلمينَ ما تحبُّهُ لنفسك، يهمكَ أمرُ

стр. 2884

الإسلامِ ويشغَلُ بالَكَ حالُ المسلمين؟ ؟ كريمٌ صبورٌ حييٌّ، حليم .. فتلكَ ومثلُها خصالٌ يحبُّها اللهُ ويتمناها خَلْقُ الله وما لمْ يكنْ منها خلقٌ متأصِّلٌ فيمكنُ بالتخلُّقِ والمجاهدةِ وترويضِ النفسِ، فالعلمُ بالتعلُّم والحِلْمُ بالتحلُّمِ وهكذا .. ٦ - أيها الشابُ: لا تغترَّ بشبابكَ فحبلُ المنايا قصيرٌ، وقطارُ الموتِ لا ينتظرُ الشابَّ حتى يكبرَ، ألا فلتعلمْ أنَّ الشبابَ أوسعُ ميدانٍ وأقوى سلاحٍ لزرع الآخرة، أما إذا انحنى الظهرُ وتعثرتِ القدمان عنِ الخطوِ وضَعُفَ البصرُ وثَقُلً السمعُ، فما أقلَّ الجهدَ وإنْ توفرتْ دواعي الخير، ولو طلبتَ من شيخٍ عاجزٍ أنْ يتمنى، لقال: أنْ تُوهبَ لي قوتكَ فاستعنْ بها على طاعةِ الله، وليسَ يخفاكَ أنَّ في ظلِّ اللهِ يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّهُ متسعٌ لشابٍّ نشأ في طاعةِ الله، فشمِّرْ عنْ ساعدِ الجِدِّ واستثمرْ شبابَكَ قبلَ هرَمِك. ٧ - أيها المسرفُ على نفسه بالمعاصي لا تَجعلْ من سترِ اللهِ عليك سببًا لمبارزتهِ بالمعاصي، فقدْ تؤخذُ على حينِ غَفلةٍ، ألا فاعلم أنهُ لا يَحُولُ بينكَ وبينَ اللهِ أحدٌ، فبادِرْهُ بالتوبةِ ما دامَ في الأمرِ مهلةٌ، ولا تظنَّ أنَّ عظيمَ ذنوبِكَ مانعةٌ منْ عفوِ اللهِ ومغفرته، فاللهُ لا يغفرُ أنْ يُشْرَكَ بهِ ويغفرُ ما دونَ ذلكَ لمنْ يشاء وإياكَ والقنوطَ، وربكُ ينادي ويقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (١). ٨ - صاحبَ الدنيا: لا تَغُرنَّكَ بزُخْرفِها؛ فهي الغدَّارةُ، إياكَ أنْ تجمعَ الشوكَ فيؤذيكَ حيًا وميتًا .. ألا وإنَّ في الحلالِ غُنيةً عنِ الحرام، وإذا كانَ الحسابُ دقيقًا على الحلال فما ظنُّك بالحساب على الحرام وإن أغناك الله فحذارِ من

стр. 2885

الكبر والغُرور، فالمالُ مالُ الله وأنت مستأمَنٌ عليه وانظر -يَرْعاكَ اللهُ- كيف تكسبه وفيمَ تنفقُه؟ ٩ - أيها المسلمون تفاءلوا ولا تشاءموا وثِقُوا بنصرِ الله وغَلَبة الإسلامِ وكلَّما ادلهمَّت الخطوبُ فالفرجُ في ثناياها يلوحُ، فالكرب معه الفرجُ، والنصرُ مع الصبرِ والتقوى، وكلما اشتدت فُرجت، والجنةُ غالية وهي سلعةُ الله، وقد قيل لمن هم خيرٌ منا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (١). أما أعداؤنا منَ الكفار فمتاعُهم غرورٌ، وكبرياؤهم يزولُ، وأموالهم التي ينفقونها ليصدُّوا بها عن سبيل الله ستكون عليهم حسرةٌ ثم يُغلبون، وفي النهاية إلى جهنم يُحشرون .. وليسوا بمأمنٍ من عذاب الله في الدنيا وأخذَهم على حينِ غفلةٍ ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢). وفي القرآن نماذجُ لنهايةِ الطُّغاة والمستكبرين ودروسٌ وأمثالٌ للأولين والآخِرين: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلآخِرِينَ﴾ (٣) ﴿فَكُلًا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٤).

стр. 2886

ألا فاستمسِكوا بدينكمُ الحقِّ- معشرَ المسلمين- وكونوا على ثقةٍ بنصرِ اللهِ لكمْ في الحياةِ الدنيا ويومَ يقومُ الأشهادُ، وذلك وعدٌ غيرُ مكذوب: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ (١)، بَشِّروا وأبشِروا، ويسِّروا ولا تُعسِّروا، وادعوا ربَّكم خوفًا وطمَعًا ﴿إِنَّ رَحْمةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢). اللهمَّ انصرْ دينَكَ وعبادَك المسلمين، اللهمَّ لا تجعلْ للكافرينَ سبيلًا على المسلمين.

стр. 2887

الثلاثة الذين خلفوا (١) الخطبةُ الأولى: إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُهُ ونستعينُهُ ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ منْ شرورِ أنفسِنا ومنْ سيئاتِ أعمالنا، منْ يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومنْ يضللْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسوله، اللهم صلِّ وسلمْ عليهِ وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلين، وارضَ اللهمَّ عنِ الصحابةِ أجمعينَ والتابعينَ وتابعيهمْ بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ وسلمْ تسليمًا كثيرًا. إخوةَ الإيمان: لكلِّ أمةٍ رجالٌ تفخرُ بهمْ وتكثرُ مناقبُهم، ويحلو الكلامُ في سِيَرهم، وما منْ نبيٍّ إلا كانَ له حواريونَ وأصحابٌ، يؤمنونَ بما جاءَ به، ويجاهدونَ معه، وإنْ كانَ يوجدُ النبيُّ الذي يأتي يومَ القيامةِ وليسَ معهُ أحد؟ ولكنَّ رجالَ هذهِ الأمةِ الأوَّلينَ فاقوا غيرَهم .. وكُثَر عددُهم، وشهدَ النبيُّ ﷺ على خيريَّتِهمْ فقال: «خيرُ الناس قَرْني»، وأثنى اللهُ عليهمْ في أكثرَ منْ موضعٍ منْ كتابهِ العزيز، منْ مثلِ قولهِ تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢). ومن السنةِ- كما يقولُ الإمامُ أحمدُ ﵀ في كتابه «السنة»: ذكرُ محاسنِ أصحابِ رسولِ الله ﷺ كلِّهمْ أجمعين، والكفُّ عنِ الذي جرى بينهم، فمنْ سبَّ أصحابَ رسول الله ﷺ أو واحدًا منهمْ فهوَ مُبتدعٌ رافضيٌّ .. إلى أنْ قالَ

стр. 2888

الإمام: حبُّهمْ سُنَّةٌ، والدعاءُ لهمْ قُرْبةٌ، والاقتداءُ بهمْ وسيلةٌ والأخذُ بآثارهمْ فضيلة (١). أخوةَ الإسلام: وصحابةُ رسولِ اللهِ ﷺ جاهدوا بأموالهمْ وأنفسِهمْ في سبيلِ الله، وفدَوْا رسولَ اللهِ ﷺ بأرواحهم، وحملوا الإسلامَ إلى أصقاعِ الأرض، وهمْ يحملونَ أرواحهمْ على أكُفِّهم، فمنهمْ منْ قضى نحبَهُ في ساحاتِ الجهادِ ومنهمْ منِ انتظرَ حتى توفاهُ اللهُ وما بدَّلوا تبديلًا. كانوا قِمَمًا في إيمانهمْ وصِدْقِهم، وكانوا كذلكَ قِمَمًا حين يخطئونَ فيتوبون، وحديثُ اليوم عن الثلاثةِ الذينَ خُلِّفوا، جاءَ ذكرهمْ في القرآنِ وأفاضتِ السيرةُ النبويةُ في تفصيلِ خبرهمْ- وإنْ لمْ نجدْ في كتب الطبقات والتراجم مزيدَ تفصيل عن حياتهم- وهم: كَعبُ بنُ مالك- وهوَ أصغرُهمْ سنًا وأشهرهمْ ذِكرًا- ومُرارةُ بنُ الربيعِ العمريِّ، وهلالُ بن أميةَ الواقفيُّ، والثلاثةُ من الأنصارِ، والاثنان الأخيران بَدْرِيَّان. أما كعبٌ فهوَ خزرجيٌّ عَقَبيٌّ أُحُديّ- يعني منَ الخزرجِ وشهدَ العقبةَ وأحدَ، كانَ منْ أهلِ الصُّفَّة- كما قالَ ابنُ أبي حاتم (٢)، شهدَ العقبةَ وبايعَ بها، وتخلَّفَ عنْ بدر- ولمْ يعاتب الرسولُ ﷺ منْ تغيّبَ عنها وشهدَ أحدًا وكانَ لهُ موقفٌ فيها، ثمَّ شهدَ ما بعدَها، وتخلَّفَ في تبوكَ، وقصتُهُ وصاحباهُ مشهورةٌ فيها (٣). كان كعبٌ أحد شعراءِ النبيِّ ﷺ المشهورينَ وهم: حسانٌ، وابنُ رواحةَ وكعبٌ، وخدمتُهمْ للإسلامِ في شعرهمْ لا تُنكر، قالَ ابنُ سيرين: أما كعبٌ فكانَ

стр. 2889

يذكرُ الحربَ يقول: فعلنا ونفعلُ ويتهدَّدُهم، وأما حسانٌ فكانَ يذكرُ عيوبَهمْ وأيامهم، وأما ابنُ رواحةَ فكان يُعيِّرُهمْ بالكفر (١). ولقدْ تأثرَ كعبٌ ﵁ حينَ نزلَ في القرآنِ ما نزلَ في ذمِّ الشعراء، فجاءَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ وقال: يا رسولَ الله، قدْ أنزلَ اللهُ في الشعراءِ ما أنزل، فقالَ له النبيُّ ﷺ مطمئنًا: «إنَّ المجاهدَ مجاهدٌ بسيفهِ ولسانه، والذي نفسي بيدهِ لكأنما ترمونهمْ بهِ نضحُ النَّبْلِ» (٢). شهدَ كعبٌ أحدًا فارتُثَّ فيها، بل جُرح فيها سبعةَ عشرَ جرحًا، وهوَ أولُ منْ عرفَ رسولَ الله ﷺ ، وبشرَّ به المؤمنين حيًّا سويًّا، ودعا رسولُ اللهِ ﷺ كعبًا بلأمَتِه، وكانتْ صفراءَ، فلبسها كعبٌ وقاتلَ يومئذٍ قتالًا شديدًا حتى جُرحَ سبعةَ عشرَ جرحًا (٣). أيها المسلمون: وكما جاهدَ كعبٌ المشركينَ بسيفه، جاهدهمْ كذلكَ بلسانه، وكانَ لشعرهِ أثرٌ بالغٌ عليهم، بلْ أسلمتْ لهُ دَوْسٌ لبيتينِ قالهما كعبٌ والخبرُ كما ذكرهُ ابنُ سيرين: قالَ كعبٌ بيتينِ كانا سببَ إسلامِ دَوْس، والبيتانِ قالهما كعبٌ حينما انصرفَ النبيُّ ﷺ منْ حُنينٍ وأجمعَ المسيرَ إلى الطائف، والبيتانِ هما- كما ذكرَ ابنُ هشام-: قَضَيْنا منْ تهامةَ كلَّ ريبٍ ... وخيبرَ ثمَّ أجمَعْنا السُّيوفا نُخيِّرُها ولو نطقتْ لقالتْ ... قواطعهنَّ دَوْسًا أو ثقيفا (٤)

стр. 2890

فلما بلغَ ذلكَ دَوْسًا قالوا: خذوا لأنفسكم، لا ينزلُ بثقيف (١). قالَ الذهبي: وقدْ أسلمتْ دوسٌ فَرَقًا منْ بيتٍ قَالهُ كعبٌ .. نخيِّرها ولو نطقَتْ لقالت: قواطعهنَّ دَوْسًا أو ثقيفا (٢). وفي الحديثِ عنْ شعرِ كعب، قالَ لهُ النبيُّ ﷺ : «ما نسيَ ربُّكَ لكَ، - وما كانَ ربُّك نسِيًا- بيتًا قلتَه»، قال: وما هو؟ قال: «أنشِدْه يا أبا بكر» فقال: زَعَمتْ سخينةُ أن ستغلِبُ ربَّها ... وَلَيُغْلَبنَّ مُغالبُ الغلاب والسخينةُ لَقَبٌ لقريشٍ كانت تُعَّير به (٣). قالَ الذهبي: مات كعبٌ سنةَ خمسين (٤). وقالَ ابنُ حجر: ولمْ نجدْ لهُ في حربِ عليٍّ ومعاوية- ﵄ خبرًا (٥). أما مرارةُ بنُ الربيع، وهلالُ بنُ أمية فهما كما قالَ صاحبهما كعب: قدْ شهدا بدرًا وفيهما أسوةٌ (٦). وهلالُ بنُ أميةَ- كما تقولُ امرأتُه-: شيخٌ ضائعٌ وما به حِراكٌ إلى شيءٍ، وما زالَ يبكي منذُ كانَ من أمرهِ في تبوكَ ما كان (٧). كان هلالٌ قديمَ الإسلامِ وشهدَ بدرًا وأُحدًا، وكانَ يكسرُ أصنامَ بني واقف،

стр. 2891

وكانتْ معهُ رايتُهمْ يومَ الفتح (١). والثلاثةُ كلُّهم- كعبٌ وهلالَ ومرارة- امتُحنوا حينَ تخلَّفوا في غزوةِ تبوك إلى الحدِّ الذي أخبرَ اللهُ عنهمْ في كتابهِ بقوله: ﴿وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٢). وأخبرَ أحدُهمْ (كعبٌ) عن المعاناةِ التي عاشوها والضيقِ الذي لازمهمْ طيلةَ خمسينَ ليلةً إذْ يقول: ونهى رسولُ الله ﷺ المسلمينَ عن كلامنا، فاجتنبَنَا الناسُ وتغيَّروا لنا، حتى تنكرتْ في نفسي الأرضُ، فما هيَ التي أعرفُ، فلبثْنا على ذلكَ خمسينَ ليلةً، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشبَّ القومِ وأجلَدَهم، فكنتُ أخرجُ فأشهدُ الصلاةَ مع المسلمين، وأطوفُ في الأسواقِ ولا يكلِّمُني أحدُ، وآتي رسولَ اللهِ ﷺ فأسلمُ عليهِ وهوَ في مجلسهِ بعدَ الصلاةِ فأقولُ في نفسي: هلْ حرّكَ شَفَتَيهِ بردِّ السلامِ عليَّ أم لا؟ ثمَّ أصلي قريبًا منه، فأسارِقُهُ النظرَ، فإذا أقبلتُ على صلاتي أقبلَ إليَّ وإذا التفتُّ نحوَهُ أعرضَ عني، حتى إذا طالَ عليَّ ذلكَ- من جَفْوةِ الناس- مشيتُ حتى تسوَّرتُ جدارَ حائطِ أبي قتادةَ، وهوُ ابنُ عمي وأحبُّ الناسِ إليَّ فسلمتُ عليه، فواللهِ ما ردَّ عليَّ السلامَ، فقلتُ: يا أبا قتادةَ: أنشُدُكَ بالله، هل تعلَمُني أُحِبُّ اللهَ ورسولَه؟ فسكتَ، فعُدتُ له فنشَدْتُهُ فسَكتَ، فعُدْتُ له فنَشَدْتُه. فقال: اللهُ ورسولُهُ أعلم، ففاضتْ عيناي .. إنها قمةُ المعاناةِ يعيشها الثلاثةُ ويُعبرُ عنها كعب .. فالأصحاب يَهْجرونَ

стр. 2892

والأرضُ تتغير، والأسواقُ وحشةٌ وهجر، وفي المسجدِ إعراضٌ وهَجْر، والصديقُ الحميمُ يتردَّدُ في البوحِ بأدنى تزكية .. وحُقَّ للثلاثةِ أنْ يتأثروا لهذهِ المحنةِ وأنْ تجيبَ العينانِ بالبكاءِ قبلَ ما يمكنُ أنْ يعبِّرَ عنه القلبُ ويترجمُه اللسانُ! وهكذا يُبتلى العظماءُ، ويُمحَّصُ المؤمنون، وتكونُ العاقبةُ حميدةً والبشارةُ سارةً .. والرسولُ ﷺ يقولُ لكعب- حينَ نزلَ القرآنَ بتوبتهم: «أبشرْ بخيرِ يومٍ مرَّ عليكَ منذُ ولدَتْكَ أمُّكَ» (١). أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٢).

стр. 2893

الخطبةُ الثانية: إخوةَ الإسلام: ومنْ قمةِ المعاناةِ والضيقِ التي وجدَها الثلاثةُ الذينَ خُلِّفوا .. إلى قمةِ الفرح والبشرى بالتوبةِ تنزلُ منَ السماء، وبالفرجِ بعدَ الكَرْبِ يأذنُ بهِ اللهُ وينزلُ بهِ القرآنُ منَ السماء .. وتتجاوزُ الفرحةُ نطاقَ الثلاثةِ إلى عمومِ المسلمينَ لتكشفَ هذهِ الحادثةُ- فيما تكشفُه- طبيعةَ مجتمعِ المسلمينَ وما فيهِ منْ معاني الأُخوَّةِ الصادقةِ والتكافلِ والمحبة .. فتراهمْ يعتذرونَ بالحُسنى عنِ الغائب، ويَحْمونَ عِرْضَ المتخلِّف ما دامَ مشهودًا لهُ بالخيرِ والصلاح، وهمْ- وإن هجروهُ لمصلحةٍ واستجابوا لأمر اللهِ ورسولِه- فهمْ كذلكَ يفرحونَ بالخيرِ يُصيبُه، بلْ يتسابقونَ لتهنئته .. وترى الرجلينِ يتنافسانِ في سرعةِ البشرى له، وأيُّهما يوصلُ لهُ الرسالةَ أولًا .. فأحدُهما يمتطي صهوةَ جوادهِ مسرعًا، والآخرُ يعلو جبلًا فيرفعُ صوتَهُ مُبشرًا .. وثالثٌ يقومُ يحتضنُ ويُهنِّئُ وأفواجٌ على إثرِ أفواجٍ تُبشِّر بالخير .. وهكذا .. فما أجملَها منْ صورةٍ تمثلُ المجتمعَ الإسلاميَّ المتماسكَ .. ودُونَكمُ الصورةَ بجلاءٍ يُعبرُ عنها بكلِّ وضوحٍ كعبُ بنُ مالكٍ ﵁، حينَ نزلتْ توبتهُ ويقول: فلما صليتُ صلاةَ الفجرِ صُبْحَ خمسينَ ليلةً، وأنا على ظَهْرِ بيتٍ منْ بيوتنا، فبينا أنا جالسٌ على الحالِ التي ذكرَ اللهُ، قدْ ضاقتْ عليَّ نفسي وضاقتْ عليَّ الأرضُ بما رَحُبتْ، سمعتُ صوتَ صارخ أَوْفَى على جبلِ سَلْعٍ بأعلى صوتِه: يا كعبَ بن مالك، أبشِرْ، قال: فخررتُ ساجدًا، وعرفتُ أنْ قدْ جاءَ فرجٌ، وآذنَ رسولُ اللهِ ﷺ بتوبةِ اللهِ علينا حينَ صلى صلاةَ الفجر، فذهبَ الناسُ يبشِّروننا، وذهبَ قِبَلَ صاحبيَّ مُبشِّرون، وركضَ إليَّ رجلٌ فَرَسًا، وسعى ساعٍ منْ أسَلَمَ

стр. 2894

فأَوْفَى على الجبل، وكانَ الصوتُ أسرعَ منَ الفَرَسِ، فلما جاءني الذي سمعتُ صوتَه يُبشِّرُني نزعتُ لهُ ثوبيَّ فكسوتُه إياهما ببشُراه، واللهِ ما أَمْلِكُ غيرَهما يومئذ، واستعرتُ ثوبينِ فلبستُهما، وانطلقتُ إلى رسولِ الله ﷺ ، فيتلقَّاني الناسُ فوجًا فوجًا يهنئوني بالتوبةِ ويقولون: لِتَهْنِكَ توبةُ اللهِ عليك. قالَ كعبٌ: حتى دخلتُ المسجدَ فإذا رسولُ اللهِ ﷺ جالسٌ حولَهُ الناسُ، فقامَ إليَّ طلحةُ بنُ عبيدِ الله يُهرولُ حتى صافَحَني وهنأني، واللهِ ما قامَ إليَّ رجلٌ منَ المهاجرينَ غيرَه، ولا أنساها لطلحةَ. قالَ كعبٌ: فلما سلَّمتُ على رسولِ اللهِ ﷺ قال- وهو يبرقُ وَجْهُهُ منَ السرور-: «أبشرْ بخيرِ يومٍ مرَّ عليكَ منذُ ولدَتْكَ أُمُّكَ» قالَ (كعبٌ): قلتُ: أمِنْ عندكَ يا رسولَ اللهِ أمْ منْ عندِ الله؟ قال: «لا، بلْ منْ عندِ الله». عبادَ الله: ومن معاني القصةِ ودلالاتِها العُظمى: قيمةُ الصدقِ معَ اللهِ، وأثرُه في تفريجِ الكُربات، وعواقبُهُ الحميدة. وهذا كعبٌ يحدثُ بنفسِه عنِ الصدقِ بدْءًا ونهايةً، ويقول: فلما قَفَلَ رسولُ اللهِ ﷺ راجعًا منَ الغزوة إلى المدينة، أتيتُهُ فتبسَّم تبسُّمَ المُغْضَبِ، وسأل عن سببِ تخلُّفي عن الغزوة، فقلتُ: إني واللهِ لو جلستُ عندَ غيركَ منْ أهلِ الدنيا لرأيتُ أنْ سأخرجُ منْ سَخَطهِ بعُذْرٍ ولقدْ أعطيتُ جَدَلًا، ولكني واللهِ لقدْ علمتُ لئنْ حدثتُكَ اليومَ حديثَ كذبٍ ترضى به عني ليوشِكنَّ اللهُ أنْ يُسخِطَكَ عليّ، ولئنْ حدثْتُكَ حديثَ صدقٍ تجدُ عليَّ فيه، إني لأرجو فيهِ عفوَ الله، لا واللهِ ما كانَ لي منْ عُذْر .. إلى قوله ﷺ : «أما هذا فقدْ صَدَقَ، فقمْ حتى يقضيَ اللهُ فيك». وفي نهايةِ القصة، وحينَ نزلتْ توبةُ كعبٍ جاءَ ليقولَ للرسولِ ﷺ (عن أثرِ

стр. 2895

الصدقِ والتزامهِ الصدق): يا رسولَ اللهِ، إنَّ اللهَ إنما نجَّاني بالصِّدق، وإنَّ منْ توبتي أنْ لا أُحدِّثَ إلا صادقًا ما بقيتْ، ثمَّ يقول: فواللهِ ما أعلمُ أحدًا منَ المسلمينَ أبلاهُ اللهُ في صِدْقِ الحديث- منذُ ذكرتُ ذلكَ لرسولِ اللهِ ﷺ أحسنَ مما أبلاني، ما تعمَّدتُ منذُ ذكرتُ ذلك لرسولِ اللهِ ﷺ إلى يومي هذا كذِبًا، وإني لأرجو أنْ يحفظَني اللهُ فيما بقيتُ .. وليسَ يخفى أنَّ اللهَ أثنى على صدقِ هؤلاء .. ودعا المسلمينَ إلى التحلي بالصدق، كما في قولِهِ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (١). فهلْ نصدقُ معَ اللهِ كما صدقَ كعبٌ وصاحباه؟ وهلْ نصدقُ معَ أنفسنا كما صدقوا معَ أنفسهم؟ أيها المؤمنون: وهنا سرٌّ عظيم، فأكابرُ الرجالِ والصادقونَ معَ اللهِ لا تزيدهمُ المواقفُ الصعبةُ إلا قوةً ورفعةً، وقدْ يكونُ صاحبُ الذنبِ التائبُ أفضلَ منهُ قبلَ الخطيئة، كما قالَ بعضُ السلف: كانَ داودُ ﵇ بعدَ التوبةِ أحسنَ منهُ حالًا قبلَ الخطيئة، كذا نقلَ شيخُ الإسلامِ في «الفتاوى» (٢) ثم قال: والاعتبارُ بكمالِ النهايةِ لا بنقضُ البدايةَ (٣). قالَ ابنُ حجر، ومنْ فوائدِ قصةِ الثلاثة: أنَّ القويَّ في الدينِ يؤاخذُ بأشدَّ مما يُؤاخذُ الضعيفُ في الدِّين (٤). ومعَ ذلك، يقالُ عنْ أثرِ المعصيةِ ما قالهُ الحسنُ البصريُّ ﵀: يا سبحانَ

стр. 2896

الله، ما أكلَ هؤلاءِ الثلاثةِ مالًا حرامًا ولا سَفَكوا دمًا حرامًا، ولا أفسدوا في الأرض، أصابهمْ ما سمعتمْ وضاقتْ عليهمُ الأرضُ بما رَحُبَتْ، فكيفَ بمنْ يواقعُ الفواحشَ والكبائرَ (١)؟ ! أيها المسلمون: لم تنتهِ بعدُ قصةُ الثلاثةِ الذين خُلِّفوا، وثمةَ دروسٌ وعبرٌ أخرى لكني أُرجئُ ذلكَ لخطبةٍ أخرى إنْ شاء الله. وثمةَ ما يُذكَّرُ بهِ هذه الأيام، ألا وهوَ صومُ يومِ عاشوراءَ، فنحنُ الآنَ في شهرِ اللهِ المحرم، وفي العاشرِ منهُ كانتِ الملحمةُ بينَ الإيمانِ يمثِّلهُ موسى والمؤمنونَ معه، والكفرُ والطغيانُ يمثِّلهُ فرعونُ وجنودُه، وانتصرَ الإيمانُ وعزَّ المؤمنونَ وذلَّ المشركونَ وخابَ كلُّ جبار عنيد .. وانتهى أمدُ طغيانِ فرعونَ الذي قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (٢)، واستصغرَ الذي قالَ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ (٣) - وحينَ أدركهُ الغرقُ عرفَ الحقيقةَ ولكنْ هيهات ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٤)، وكانتِ العبرةُ وكانَ الدرسُ بليغًا ولكنْ لمنْ؟ ! ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ (٥). وصامَ موسى ومحمدٌ ﵉ يومَ عاشوراء، ففي «صحيحِ مسلم» عن ابنِ عباسِ ﵄ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قدمَ المدينةَ، فوجدَ اليهودَ صيامًا يومَ عاشوراء، فقالَ لهمْ رسولُ اللهِ ﷺ : «ما هذا اليومُ الذي تصومونَه؟ » قالوا: هذا يومٌ عظيمٌ أنجى اللهُ

стр. 2897

فيه موسى وقومَهُ وغرقَ فرعونُ وقومهُ فصامَهُ موسى شكرًا، فنحن نصومُه، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «فنحنُ أحقُّ وأولى بموسى منكم»، فصامهُ رسولُ اللهِ ﷺ وأمرَ بصيامه (١). وإذا كانَ الأنبياءُ صاموا عاشوراء واليهودُ صامُوه، وقريشٌ في جاهليتها تصومُ عاشوراءَ- كما في «صحيح مسلم» (٢) فحريٌّ بالمسلمِ الذي يرجو ثوابَ ربِّه أنْ يصومَه .. لا سيَّما وقدْ وردَ في فضلهِ أنه يكفِّرُ سنةً .. وما أحوجَنا جميعًا إلى تكفيرِ الذنوب .. ومن السُّنةِ مخالفةُ اليهودِ بصومِ يومٍ قبلَهُ أوْ يومٍ بعْدَه، ومَنْ صامَ التاسعَ والعاشرَ والحادي عشرَ، فذاكَ أكملُ وأعلى مراتبُ صيامهِ كما قالَ ابنُ القيمِ ﵀ (٣).

стр. 2898

مسكنات في الأزمات (١) الخطبةُ الأولى: الحمدُ للهِ مُغيثِ اللَّهفاتِ، فارجِ الكُرباتِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، ما منْ دابةٍ في الأرضِ إلا عليهِ رِزْقُها ويعلمُ مُستقرَّها ومستودَعها، كلُّ ذلكَ في كتابٍ مبين، لا يُغادرُ صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها. وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُه آمنَ وصدَّقَ، وجاهدَ وصبرَ، ونشرَ اللهَ رسالتَهُ في العالمين، وأوحى إليهِ ربُّه ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (٢)، وأوحى إليهِ ومنْ معَهُ منَ المؤمنين ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾ (٣). اللهمَّ صلِّ وسلمْ عليهِ وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلين. أيها المسلمون: منْ يتأملُ واقعَ العالمِ اليومَ يرى أحداثًا تتسارعُ وقوى تتصارع، شحناءُ وبغضاء، تهديدٌ وإرجاف، هَرْجٌ ومَرْجٌ، أهدافٌ مُعلنةٌ وأخرى مُبيَّتة، فُرْقةٌ واختلاف، وفتنٌ تموجُ ومستقبلٌ مجهول، يطغى صوتُ الحمقى، ويغيبُ أو يُغيَّبُ صوتُ العقلاء، وإذا كانَ العالمُ كلُّه قلقًا ومنكِرًا لهذهِ الحماقاتِ التي ربَّما دمرتِ الأخضرَ واليابس .. فما حالُ المسلمِ في ظلِّ هذه الأزماتِ المتلاحقة، وهلْ منْ مُهدئاتٍ ومُسكناتٍ ومبشرات؟

стр. 2899

إنَّ المسلمَ الذي يرتبطُ باللهِ خالقِ الكونِ ومُدبِّره، ويعرفُ حقيقةَ الحياةِ الدنيا وطبيعتها والآخرةَ ونعيمَها، ويؤمنُ بالقدرِ خيرهِ وشرِّهِ .. ينبغي أنْ يختلفَ عنْ غيره، فلا يقلقُ ولا يضجر، ولا ييأسُ ولا يَقْنطُ، وهوَ- وإنْ أحسَّ كغيرهِ بالقلقِ وفكَّرَ وقدَّرَ بالعواقب- فثمةَ مهدِّئاتٌ إيمانيةٌ تخففُ منْ رَوْعِه، وتُجيبُ على تساؤلاته، وتمنحهُ الهدوءَ والطمأنينةَ والراحةَ النفسية، بلْ وتدفعُه للعملِ المثمرِ. وتعالوا بنا- معشرَ المسلمين- إلى شيءٍ من هذه المُسكِّناتِ الإيمانيةِ نعلمها ونتعاملُ معها، كلَّما حدثتْ أزمةٌ، أو أطلّت فتنةٌ، أو ضاقتْ علينا أنفسُنا. أولًا: ترسيخُ مفاهيمِ العقيدةِ الحقَّةِ في نفوسنا، ومنْ قضايا التوحيدِ والعقيدةِ التي يجبُ ألا تغيبَ عنِ المؤمنِ أبدًا قضيةُ الربوبية، وأنَّ اللهَ تعالى بيدهِ الأمرُ كلُّه، وإليهِ يرجعُ الأمرُ كلُّه، فالخلقُ والرزق، والإحياءُ والإماتة والنفعُ والضُّر، والرفعُ والخفضُ .. كلُّها بيدِ الله، والخلقُ كلُّهمْ وعلى مختلفِ رُتَبِهِمْ وقوَّتِهِمْ لا يملكونَ منَ الأمرِ شيئًا ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (١). وهذا صفوةُ الخلقِ يعلنُها حقيقةً إيمانيةً ويقول- وهوَ الكريمُ على الله-: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ (٢) ويوجهُ الخطابَ صريحًا وعامًا: ألَّا أحدَ يملكُ الضُرَّ أو النفعَ إلا الله ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (٣).

стр. 2900

أما البشرُ فهمْ مهما امتلكوا منْ قوةٍ ضُعفاءُ، بلْ يتناهى ضعفُهم إلى حدٍّ قولهِ تعالى: ﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ (١). ٢ - إخوةَ الإيمان: ومنْ توحيدِ الربوبيةِ إلى توحيدِ الأسماءِ والصفاتِ مُسَكِّنٌ ثانٍ، وتوحيدُ الأسماءِ والصفاتِ هو الإقرارُ بأنَّ اللهَ بكلِّ شيءٍ عليمٌ، وعلى كلِّ شيءٍ قديرٌ، وأنهُ الحيُّ القيومُ لا تأخُذُهُ سِنَةٌ ولا نوم، لهُ المشيئةُ النافذةُ، والحِكمةُ البالغةُ، وأنهُ سميعٌ بصيرٌ رؤوفٌ رحيم، على العرشِ استوى، وعلى الملكِ احتوى، وأنه الملكُ القدُّوس السلامُ المؤمنُ المهيمنُ العزيزُ الجبارُ المتكبرِّ، سبحانَ اللهِ عمَّا يشركون .. إلى غيرِ ذلكَ منْ أسماءِ اللهِ الحسنى، وصفاتِه العلى (٢). إن استشعارَ المسلمِ لأسماءِ الله، وتصوُّره لصفاتهِ يمنحهُ الرِّضى بما قضى، والطمأنينةَ بما قدَّر، ولمِ القلقُ واللهُ علّامُ الغيوب، ورحمتُهُ وسِعَتْ كلَّ شيء، وبيدهِ وحدهُ مفاتيحُ الرحمةِ ومغاليقها؟ ! ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ (٣) ولمَ الَخَوَرُ والضجرُ وأزِمَّةُ الأمورِ كلِّها بيدِ الله؟ ! فهوَ العليمُ وهوَ الحكيمُ وهوَ الخبيرُ وهو اللطيف، وهوَ السميعُ البصير، وهوَ الجبَّارُ القادرُ المتكبر، وقدْ صحَّ الخبر: «إنَّ للهِ تسعةً وتسعينَ اسمًا، مَنْ أحصاها دخلَ الجنة .. » متفقٌ عليه، وقدْ قيلَ في معنى إحصائها: أي مَنْ أطاقَ القيامَ بحقِّ هذهِ الأسماء، والعملَ بمقتضاها، وهوَ أنْ يعتبرَ معانيها فيلزم نفسَه بموجباتها، فإذا قال: الرزاق وثِقَ بالرزق، وكذا سائرُ الأسماء (٤).

стр. 2901

٣ - ومُسكِّنٌ ثالثٌ يتمثلُ في صدقِ الدعاءِ والتضرعِ لله: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١)، ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ (٢). ومنْ هَدْيِ النبوةِ قبسٌ ودعاءٌ يُذهبُ الهمَّ والغمَّ، ففي «المسند» و «صحيح أبي حاتم» منْ حديثٍ عبد اللهِ بن مسعودٍ ﵁ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «ما أصابَ عبدًا همٌّ ولا حَزَنٌ فقال: اللهمَّ إني عبدُك ابنُ عبدِك، ابنُ أَمَتِك، ناصِيَتي بيدِكَ، ماضٍ فيَّ حكُمكَ، عدلٌ فيَّ قضاؤُك، أسألُكَ بكلِّ اسمٍ هوَ لك، سميتَ بهِ نفسَكَ أو أنزلتَهُ في كتابك، أو علَّمْتَهُ أحدًا منْ خلقكَ أو استأثرتَ بِهِ في علمِ الغيبِ عندك، أنْ تجعلَ القرآنَ ربيعَ قلبي، ونورَ صدري وجلاءَ حُزْني وذهابَ همِّي وغمِّي، إلا أذهبَ اللهُ همَّهُ وغمَّهُ وأبدلَهُ مكانهُ فرحًا»، قالوا: يا رسولَ الله، أفلا نتعلمهن؟ قال: «بلى، ينبغي لمنْ سمعهنَّ أنْ يتعلمهن» (٣). فهل نعلمُ هذا الدعاء؟ وهل نعملُ به؟ وهلْ نجدُ لهُ أثرًا في حياتنا؟ ٤ - أما المسكِّن الرابعُ فهوَ النظرُ بتفاؤلٍ للمستقبل، وعدمُ حبسِ النفسِ تحتَ ضغطِ الواقعِ المؤلم، إذْ كثيرًا ما يتضايقُ المرءُ ويقلقُ ويضجرُ نتيجةَ ما يراهُ حاضرًا منْ أحداثٍ مؤلمة، لكنهُ حينَ يتجاوزُ الحاضرَ ويتفاءلُ بالمستقبلِ يُسرِّي عنْ نفسهِ ويقودُها للعملِ والإنتاجِ والبهجةِ والسرور، فالأحزانُ لا تدوم، والضيقُ يعقبهُ الفرجُ، والصبرُ جسرٌ يعبرُ عليهِ الصابرون من حالٍ إلى حال، وهذا رسولُ الهدى ﷺ حينَ ضاقتْ على أصحابهِ المهاجر، وجاءوا إليهِ يشكونَ ما

стр. 2902

يلقونَ منْ عَنَتِ المشركين، وقالَ قائلُهم: ألا تستنصرُ لنا، ألا تدعو لنا؟ فتحَ لهمْ رسولُ اللهِ ﷺ بابَ الأمل، وبشَّرهمْ بمستقبلٍ مشرق، بعدَ ترويضهمْ بالبصرِ واليقين: «واللهِ ليُتِمَّنَّ اللهُ هذا الأمرَ حتى يسيرَ الراكبُ منْ صنعاءَ إلى حضرموتَ، لا يخافُ إلا اللهَ والذئبَ على غَنمِه، ولكنكمْ تستعجلون». ٥ - ومن المسكِّناتِ في الأزماتِ: كثرةُ العبادةِ والاستمرارُ على الطاعة؛ إذ الأنفسُ تُشْغَلُ، والقلوبُ تضعُف، والذهنُ يتشتَّت (١)، والمؤمنُ الذي يداوي ذلكَ بكثرةِ العبادةِ لا شكَّ موفَّقٌ مروِّضٌ لنفسِه، ولهذا ندبَ الرسولُ ﷺ المسلمينَ إلى العبادةِ في الهَرْجِ وعظَّمَ أمرَها فقال: «العبادةُ في الهَرْجِ كهجرةٍ إليَّ». ولا ريبَ- معاشرَ المسلمين- أنَّ منْ فعلَ ما يوعَظُ بهِ آنسَهُ اللهُ وثبَّته، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ (٢). ٦ - والدعوةُ للخيرِ في الأزماتِ كذلكَ مفتاحٌ لحلِّها بإذنِ الله، وفي ذلكَ إشغالٌ للنفسِ بما ينفعُ، أجل، إنَّ الفارغَ منَ العملِ المثمرِ يقضي وقتهُ بالتفكرِ والتحسرِ السلبي، لكنْ إذا صرفَ هِمَّتَهُ للدعوةِ ونَفْعِ الناسِ نفعَهُ الله، ونفعَ الناسَ به، ومنْ تأملَ سيرةَ النبيِّ ﷺ والمؤمنينَ معَهُ وجدَهمْ في أشدِّ الضيق والأذى يمارسونَ الدعوةَ إلى الله، وعجِبَتْ قريشٌ وهيَ تضايقُهم، وأفرادٌ منَ المعدودينَ فيهمْ يستجيبونَ للدعوةِ وينضمونَ لقافلةِ المؤمنين .. ومن أبرزِ هؤلاء: حمزةُ وعمرُ بن الخطابِ وغيرُهمْ كثيرٌ ﵃ أجمعين، بلْ ومنْ خارجِ مكةَ أمثال: أبي ذرٍ الغفاري، والطُّفيلِ بن عمرو الدَّوْسيِّ وغيرِهما ﵃ أجمعين.

стр. 2903

فهلْ يا تُرى ينشطُ المسلمونَ في الدعوةِ إلى اللهِ في وقتِ الأزماتِ خاصةً، ليغيظوا الكفارَ والمنافقينَ منْ جانب، وليطردوا عنْ أنفسِهم الضيقَ والضجرَ واليأسَ والإحباطَ منْ جانبٍ آخر. ٧ - والصدقةُ والإحسانُ سبيلٌ لرفعِ الأزماتِ والكروب، كيفَ لا وقدْ صحَّ الخبرُ أنَّ «صنائعَ المعروفِ تقي مصارعَ السُّوء، والصدقةُ خَفيًّا تطفئُ غضبَ الربِّ، وصلةُ الرحم زيادةُ في العمر، وكلُّ معروفٍ صدقةٌ، وأهلُ المعروفِ في الدنيا همْ أهلُ المعروفِ في الآخرة» (١). والصدقةُ برهانٌ على حبِّ الخير، وهي شارحةٌ للصدر منفِّسةٌ للكَرْب، مبعِدةٌ للشُّحِّ- وفي القرآن- مُذهبةٌ للخوفِ والحزن ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢). الصدقةُ يُداوى بها المرضى وينتفعُ بها الموتى، ويُتَّقى بها منَ الشُّحِّ والبخلِ والأثَرةِ للأحياء، فأينَ المتصدقون يواسونَ إخوانَهم المسلمين، وبها يُداوونَ مرضاهم ويُحسِنون إلى أنفسِهمْ وموتاهم، واللهُ تعالى يجزي المتصدقينَ ويُخلِف على المنفِقين.

стр. 2904

الخطبةُ الثانية: إخوةَ الإيمان: ٨ - وحينَ يكونُ الحديثُ عنِ المُسكِّناتِ في الأزماتِ فلا بدَّ أنْ يكونَ للعملِ النافعِ تعلُّمًا وتعليمًا ونشرًا نصيبٌ وافر؛ فالعلمُ نورٌ يضيءُ للسالكين، وهوَ خشيةٌ يقطعُ الخوفَ إلا منْ ربِّ العالمين، والعلمُ طريقٌ إلى الجنة، وهو سببٌ للأمنِ والطُّمأنينة، العلماءُ الربانيونَ أعرفُ الناسِ في الفتن، وأقدرهمْ على تسكينِ الناسِ حينَ المخاوفِ والمِحَن: ﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (١). والعلماءُ أعرفُ الناسِ بسُننِ اللهِ في الكون، وأعلمُ الناسِ بحركةِ التاريخِ ومصائرِ الأمم .. ولذا فتعلُّمُ العلمِ، ونشرُه، والقربُ منَ العلماءِ ومشورتهم، كلُّ ذلكَ مُسكِّنٌ في الأزمات، وهوَ في غيرها منْ بابِ أَوْلى. ٩ - أيها الناسُ: وليسَ كلُّ ما يُسمعُ بصحيح، ولوسائلِ الإعلامِ أثرُها في الإرجافِ والتخويف، ولا سيما إذا كانَ العدوُّ مستحوذًا على المعلومةِ ينشرُ منها ما يشاء، فاحذروا التهويلَ الإعلامي، ولا تكونوا أداةً للترويجِ والترويعِ بما لا يصحُّ ولا يثبتُ، وحَسْبُ المرءِ كذبًا أنْ يُحدِّثَ بكلِّ ما سمع، وفي القرآنِ تنويهٌ وتوجيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (٢). فلا تستفِزنكمُ الأخبارُ الكاذبة، ولا يستخِفَّنّكمُ الذينَ لا يُوقنون.

стр. 2905

١٠ - والمسكِّنُ العاشر: تثمينُ المكاسبِ الحاصلةِ في هذهِ الأزمات، وتقديرُ المنحِ الربانيةِ على إثرِ المحنِ والنكبات، فما منْ شرٍّ صَرْفٍ وقدْ يبتلي اللهُ عبادَهُ بالضراءِ ليعافيَهمْ ويُحزنَهمْ ويرفعَ درجاتِهم، فضلًا عما يقعُ في هذه النكباتِ منْ خيرٍ عامٍّ للمسلمين، تتوحَّدُ كلمتُهمْ وتتقاربُ قلوبُهم، ويتوبونَ إلى ربِّهم، ويدعونَهُ خَوْفًا وطمعًا، ويستغفرونَهُ سِرًّا وجَهرًا، ويصحِّحونَ مسارَهم، ويتفقَّدونَ مسيرتَهُم .. ويخطِّطونَ بوعيٍ لمستقبلهم، وهذهِ المكاسبُ وأمثالُها إذا ثُمِّنتْ وروعيتْ كانتْ منْ أعظمِ المسكِّناتِ وأقوى العلاجات (١). ١١ - ومنَ المسكِّناتِ: معرفةُ الأعداءِ على حقيقتهم، والحذرُ منهم، والاستعدادُ لهم، فللأمةِ المسلمةِ أعداءٌ ينكشفونَ أكثرَ في الأزمات، ومنهمُ الظاهرُ بعداوته، ومنهمُ المنافق، وإذا كانَ خيرُ القرونِ قيل لهم: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ (٢) فغيرُهمْ منْ بابِ أَوْلى، ففي الأزماتِ يَميزُ اللهُ الخبيثَ منَ الطيِّب، ويبيِّنُ الصادقَ منَ الكاذب .. وهكذا تستبينُ سبيلُ المجرمين، ويطمئِنُّ لقضاءِ اللهِ وقدرهِ المؤمنون، وتسكنُ النفوسُ إذْ تعرفُ أعداءها، وتستعدُّ لمقاومتهم. ١٢ - ومنَ المسكِّنات: الوقوفُ على سِيَر الأنبياءِ وجهادِهمْ وثباتِهم، وما تَعرَّضَ له المؤمنونَ في تاريخهم، وإدراكُ سُنِّةِ اللهِ في الابتلاءِ والحكمةِ منْ ورائها ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (٣).

стр. 2906

إنها الذكرى والموعظةُ والتثبيتُ في قَصَصِ المرسلين: ﴿وَكُلًا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). ١٣ - وأخيرًا- وليسَ آخرًا- دونكمْ هذا المثبِّتُ فتدبِّروهُ والزَموه، إنه حبلُ اللهِ المتينُ، وكتابهُ المبينُ، هدًى وشفاءٌ، ونورٌ وبرهانٌ بصائرُ للناس، ورحمةٌ للعالمين: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٢). ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ (٣). آهٍ على المسلمين! ! كمْ ضيَّعوا كتابَ ربِّهمْ وفيهِ ذكرُهمْ وتقواهم، وسرُّ تفوُّقِهمْ ودليلُ أعدائهم، كم هجروه تلاوةً أو حُكمًا أو كليهما، وهو المنقذُ لهمْ في الأزمات، والهادي لمسيرتهمْ حين تَدْلَهِمُّ الخطوبُ وتَحْلوْ لكُ الظلماتُ، يُتلى على مسامعهمْ صباحَ مساءَ، ولكنَّ القلوبَ شاردةٌ، وكمْ يتقدمونَ بهِ في مناسباتهم، ولكنهمْ يغيبونَ عنهُ حينَ أزماتهم، يخافُ منهُ الأعداءُ ولا يُثمنُ المسلمونَ خوفَ الأعداء، إنهُ كتابٌ مفتوحٌ يقرأُ المسلمونَ فيهِ أسبابَ النصر وعواملَ الهزيمة، وسرَّ النجاحِ وأسبابَ الفشل، ومصدرَ القوةِ، ومكمنَ الخطر، ناصحٌ للمؤمنينَ ومبشرٌ لهم، ومغيظٌ للكفارِ ومتوعدٌ لهم، فهلْ يستمسكُ المسلمونَ بالذي أوحيَ إلى نبيِّهم، وهلْ يتذكرونَ أنهمْ سيُسألونَ عنه؟ ! وهلْ تكونُ الأزماتُ سببًا لمزيدِ إقبالهم عليه ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٤).

стр. 2907

اللهمَّ اهدِنا بهدايةِ القرآن، واشفِنا بشفاءِ القرآن، واجعَلْهُ لنا هاديًا ودليلًا. هذه- معاشرَ المسلمين- مُسكِّناتٌ ومسلِّياتٌ في الأزمات، وهيَ كذلك أمورٌ إيجابيةٌ في جميعِ الحالات .. إنها لا تُسْكِّنُ ولا تفتِّر، بلْ تسكِّن وتُطمئِنُ وتُثمر، وهيَ ليستْ ظنيَّةً تُصدقها التجاربُ، بلْ ثابتةً أكيدةَ المفعول .. ولكنَّ شرْطَها الإيمانُ والتصديقُ، خُذوها بقوَّةٍ، ولتكنْ سنَدًا لكم للعملِ المثمرِ في الدنيا، وزادًا للآخرة. كم نَئِنُّ ونتناولُ منْ مسكناتٍ تمتلئُ بها صيدلياتُنا .. وربما سكَنَ الألمُ ثمَّ عاد .. لكننا قدْ نغفلُ عنْ هذهِ المسكِّناتِ الإيمانيةِ وهيَ في متناولِ أيدينا فلا يكنْ حالُنا: كالعِيْس في البَيْداءِ يقتُلُها الظَّما ... والماءُ فوقَ ظُهورِها مَحْمولُ ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (١)، ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ (٢)، ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (٣). اذكروا اللهَ يذكركمْ، واشكروه على نعمهِ يزدْكم ولذكرُ اللهَ أكبرُ واللهُ يعلمُ ما تصنعون.

стр. 2908

هجمة الغرب ونصرة المظلومين في العراق (١) الخطبةُ الأولى: إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونعوذُ باللهِ منْ شرورِ أنفسِنا ومنْ سيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهدِهِ اللهُ فلا مُضلَّ لهُ، ومَنْ يضلِلْ فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولهُ، اللهمَّ صلِّ وسلِّم عليهِ وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلينَ، وارضَ اللهمَّ عنِ الصحابةِ أجمعينَ، والتابعينَ وتابعيهمْ بإحسانٍ إلى يومِ الدِّينِ وسلِّمْ تسليمًا كثيرًا. أيها الناسُ: وتمرُّ بالعالَمِ المعاصرِ أحداثٌ يكادُ العاقلُ لهَوْلِها وصدمتِها لا يُصدِّقُ، فبالأمسِ دولةٌ قائمةٌ، واليومَ لمْ يبقَ منها إلا الخبرُ والعبرةُ، وبالأمسِ كانتْ شعوبٌ منتظمةٌ- وإنْ كانتْ بائسةً- ولكنَّها اليومَ تعيشُ وضعًا آخرَ، لا تدري ما هيَ صانعةٌ، ولا ما يُصنعُ بها في المستقبلِ، ولا يدري المقتولُ فيمَ قُتلَ. إنَّ حركةَ التأريخِ ماضيةٌ، وسُنةَ اللهِ في التغييرِ جاريةٌ .. والعاقلُ مَنِ اتَّعظَ بغيرهِ، ولكنَّ المستنكَرَ- وإنْ كانَ غيرَ غريبٍ- أنْ تتعرَّضَ بلادُ المسلمينَ لغزوِ النصارى جهارًا نهارًا، وأنْ يَحْدُثَ التغييرُ بالقوةِ، وعلى مرأى العالَمِ ومسَمعِهِ، في زمنٍ باتَ يُسمَعُ كثيرًا عنْ حُرِّياتِ الآخرينَ وحقوقِ الآخرينَ، وأمْنِ الدولِ وسيادةِ الشعوبِ! ما الذي تغيّرَ فجأةً؟ وهلْ تكفي للهجمةِ تُهمةُ نزعِ أسلحةِ الدمارِ الشاملِ، ومنْ يُثبِتُ التهمةَ؟ وأينَ هيَ أسلحةُ الدمارِ الشاملِ بعدَ أنْ

стр. 2909

وضعتِ الحربُ أوزارَها، ومَنْ يُحاكِمُ الجانيَ إذا لمْ تثبتْ تهمتُهُ؟ لا شكَّ أنَّ غزوَ العراقِ سابقةٌ في التاريخِ المعاصرِ لا ينبغي أنْ تمرَّ على المسلمينَ بسلامٍ وعفويّةِ، فالغربُ ذاتُه كانَ يتوقَّعُ ردودَ أفعالٍ صاخبةٍ، ومعَ الأسفِ كانَ استنكارُ غيرِ المسلمينَ أقوى وأبلغَ مِنَ المسلمينَ! إننا لا نأسى على رُموزٍ ظَلَمةٍ غيّبتْهمُ الأحداثُ بعدَ طولِ ضجيجِ وإفسادٍ في الأرضِ، ولا نأسى على حزبٍ طالما أَهلكَ بجَبَروتِهِ الحرثَ والنسلَ، ولكننا نأسى ونحترقُ لأمّةِ العراقِ المسلمةِ، ولشعبِ العراقِ المسلمِ، نأسى لثروةِ الأمّةِ في بلدِ العراقِ، تلكَ التي لمْ يكتفِ الغُزاةُ والمفسدونَ بعدمِ الاكتراثِ بها أرواحًا، وأموالًا، ومُقدَّراتٍ .. بلْ تطاولوا على مُقدَّراتِ الأمّةِ وإرثِها الحضاريِّ حتى قيلَ: «أحدثُ حضارةٍ تُدمِّرُ أقدمَ حضارةِ» (١) فأحرَقوا الكتبَ، ودُمِّرتِ المكتباتُ، والتقتْ دماءُ البشرِ على مِدادِ الكتبِ، في مشهدٍ يُذكِّرُنا بهجمةِ (التَّترِ) على بغدادَ حينَ اختلطتْ مياهُ الأنهارِ معَ دماءِ المسلمينَ، وتغيَّرَ لونُ الماءِ بمِدادِ الكُتبِ، ولسنا ندري لِمَ كانتْ ضجةُ الغربِ حينَ حطمتْ طالبانُ الأصنامَ؟ واليومَ يرعى الغربُ تحطيمَ آثارِ العراقِ! لقدْ كانتْ كارثةُ الأمسِ وكارثةُ اليومِ نُذُرًا للمسلمينَ وعواقبَ إلهيةً على الغفلةِ والفسادِ والخيانةِ التي تكفي أن تقعَ منْ فئةٍ ولا تستطيعُ الفئةُ الأخرى دفْعَها وإصلاحَها، فاللهُ يقول: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٢). أجلْ، إنَّ المتأمِّلَ في سياقِ التاريخِ يرى أنَّ أمّةَ الإسلامِ منذُ القِدَمِ مستهدفةٌ

стр. 2910

منْ قِبَل أعدائها، وممتَحنةٌ بهجماتٍ شرسةٍ تتابعُ عليها .. ولكنَّ أحوالَ المسلمينَ صلاحًا أو فسادًا، صدقًا أو نفاقًا هيَ الفيصلُ في رسمِ النتائجِ .. وسأقصُّ عليكمْ منْ ذاكرةِ التاريخِ عجبًا .. أمةٌ منَ النصارى تتقصَّدُ بلادَ المسلمينَ في النصفِ الثاني منَ القرنِ الخامسِ الهجريِّ، وتلتقي بالمسلمينَ في جيشٍ لَجِبٍ لا طاقةَ للمسلمينَ بهِ، ولا مقارنةَ على الإطلاقِ بينَ الجيشينِ .. ثمَّ تنتهي المعركةُ لصالح المسلمينَ، بلْ ويؤسَرُ زعيمُ النصارى، فكيفَ وقعَ، ومَعَ مَنْ وقعَ هذا؟ قالَ ابنُ الأثيرِ وعنه الذهبيُّ: في هذهِ السنةِ (٤٦٣ هـ) خرجَ أرمانوسُ ملكُ الرومِ في مائتي ألفٍ منَ الرُّومِ، والفِرَنْجِ، والغربِ، والرُّوسِ، والبجناكِ، والكُرجِ، وغيرِهمْ، منْ طوائفِ تلكَ البلادِ، فجاءوا في تجمُّل كثير، وزيٍّ عظيم، وقَصَدَ بلادَ الإسلامِ، فوَصلَ إلى ملازكرد (١) من أعمالِ خِلاطَ. فبلغَ السلطانَ ألْب أرسلان الخبرُ، وهوَ بمدينةِ خُوَيّ من أذْرَبِيجانَ، قدْ عادَ منْ حَلَبَ، وسمعَ ما هُوَ مَلكُ الرومِ فيهِ منْ كثرةِ الجُموعِ، فلمْ يتمكَّنْ منْ جمْعِ العساكرِ لبُعدِها وقُربِ العدوِّ، فسيَّر الأثقالَ مَعَ زوجتهِ ونظامِ المُلكِ إلى هَمَذانَ، وسارَ هوَ فيمنْ عندَهُ مِنَ العساكرِ، وهمْ خمسةَ عَشَرَ ألفَ فارسٍ، وجدَّ في السَّيرِ، وقالَ لهمْ: إنّني أقاتلُ محتسِبًا صابرًا، فإنْ سلِمْتُ فنعمةٌ منَ اللهِ تعالى، وإنْ كانتِ الشهادةُ فإنَّ ابني مَلِكْشاه وليُّ عهدي؛ وساروا. فلمّا قاربَ العدوَّ جعلَ له مقدّمةً، فصادفتْ مقدّمتُه، عند خِلاطَ، مُقدَّمَ الروسيّةِ في نحوِ عشرةِ آلافٍ منَ الرومِ، فاقتَتَلوا، فانهزمتِ الروسيّةُ، وأُسرَ مُقدَّمُهم، وحُملَ إلى السلطانِ، فجَدَع أنْفَه، وأنفذَ بالسَّلب إلى نظامِ المُلكِ،
следующие страницы →