حرب العقائد والدرس المستفاد (١)
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، له العزة والكبرياء، يحكم ما يشاء ويختار، والذين يمارون في عزته أو يتشككون في قدرته أولئك هم الخاسرون.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، بديل أممًا من الناس على أمم تارة، وقد تكون هذه الإدالة بداية النهاية.
ويمتحن آخرين فيسلط عليهم أعداءهم، وقد يجعل الله في ثنايا المحن منحًا إلهية، وقد يكون بداية النصر المؤزر على إثر الهزيمة الساحقة.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله جاهد في الله حق جهاده وناله وأصحابه من ألوان الأذى من أعدائه ما لم يستكينوا معه أو ييأسوا وما زالوا يتضرعون حتى كان النصر والفتح المبين ... اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطاهرين وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.
اتقوا الله معاشر المسلمين، واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمته إخوانًا ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيرة ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا﴾ (٢).
стр. 317
إخوة الإسلام والمتتبع لتاريخ العلاقات ما بين الغرب وشعوب الإسلام يلاحظ حقدًا مريرًا يملأ صدور الغرب حتى درجة الجنون، يصاحب هذا الحقد خوف رهيبٌ من الإسلام والمسلمين. وهذا الحقد وذلك الخوف ليس مجرد إحساس نفسي لا ظل له ولا أثر في الوجود، وإنما من أهم العوامل التي تبني وتبلور عليها مواقف الحضارة الغربية من الشعوب المسلمة سياسيًا واقتصاديًا وإعلاميًا وسائر جوانب الحياة الأخرى.
ولم تعد هذه المقولة مجازفة يطلقها المسلمون ... أو تهمة تلصق بالغرب ومن شايعهم وهم منها براء، كلا والواقع ينطق والحقائق تشهد، والستار الوهمي يزاح، وتشهد أرض البوسنة والهرسك اليوم أبشع جريمة، وأسوأ كارثة في التاريخ المعاصر .. تسفك فيها دماء الأبرياء، وتغتصب النساء، ويفصل بين الأبناء والآباء، ويموت الألوف محل الأطفال ويحال بينهم وبين الرضاع أو شربة الماء .. ولا تنتهي الكارثة رغم سوئها عند هذا الحد فالهوية المسلمة يراد طمسها .. والأرض الخاصة لابد من تقسيمها والملأ يأتمرون ويخططون والسادة يباركون، والمنظمات والهيئات الدولية تحمي وتشرف على المخطط الآثم وتضطلع بمسؤوليتها في الجريمة النكراء، ويلف الصمت أممًا أو دولاً أخرى لها نصيبها في المغنم أو يكفيها يوأد الإسلام المتململ، وتنهى- ولو إلى حين- هذه الصحوة الإسلامية المتجددة.
ولك الله يا شعب البوسنة والهرسك، كم تكالبت عليك الخطوب، وكم كنت هدفًا للتخطيط الماكر، والكيد الظاهر والخفي ... لك الله وأنت باكورة ثمار التخطيط للنظام العالمي الجديد بصليبيته الظاهرة، واستعماره الملفوف، وخداعه المكشوف.
стр. 318
على أن حرب اليوم ليست ضد شعب البوسنة وحدهم، بل هي حرب على الإسلام أنى كان وعلى المسلمين أينما وجدوا ... ودونك مذابح المسلمين في الشيشان والطاجيك، وبورما، وتايلند، وكشمير، والفلبين، وفلسطين وغيرها. وكأن من بنود النظام العالمي الجديد السماح لأي دولة تريد الاستقلال وتقرير حق المصير، أما الإسلام وأما المسلمون فيستثنون من هذه القاعدة ولابد من اضطهادهم والتضييق عليهم وعدم تمكينهم.
إنها حرب العقائد بكل ما تحمله الكلمة من معان ومضامين، وممارسة الاستعمار، ولكن بثوب جديد، وميدان المعركة خير دليل على المؤامرة، وبيان هوية المقاتلين، والتصريحات بعدم السماح لدولة ترفع شعار الإسلام في أوربا لم تعد خافية، والجهود لمحاصرة هذه النبتة الإسلامية مسؤولية مشتركة حتى ولو كانوا من بني جلدتهم.
أيها المؤمنون وإن من السذاجة والتغفيل أن نتصور حرب العقائد وليدة اليوم، وأن عدوان الغرب لنا معاشر المسلمين نبتت هذه الأيام. كلا .. فالتخطيط قديم، والنية للعداء مبيتة، والتصريحات قديمة وإن رغمت أنوف المخدوعين، وهاكم البينة وإليكم الدليل، يقول (أيو جين روستو) رئيس قسم التخطيط في وزارة الخارجية الأمريكية ... ومستشار الرئيسي جونسن لشؤون الشرق الأوسط حتى عام ١٩٦٧ م: (يجب أن ندرك أن الخلافات القائمة بيننا وبين الشعوب العربية ليست خلافات بين دولٍ أو شعوب، بل هي خلافات بين الحضارة الإسلامية والحضارة المسيحية، لقدر كان الصراع محتدمًا بين المسيحية والإسلام منذ القرون الوسطى، وهو مستمر حتى هذه اللحظة بصور مختلفة .. إلى أن يقول: إن الظروف التاريخية تؤكد أن أمريكا إنما هي جزء مكمل للعالم الغربي، فلسفته، وعقيدته، ونظامه، وذلك يجعلها تقف معادية
стр. 319
للعالم الشرقي الإسلامي بفلسفته وعقيدته الممثلة بالدين الإسلامي ولا تستطيع أمريكا إلا أن تقف هذا الموقف في الصف المعادي للإسلام وإلى جانب العالم الغربي والدولة الصهيونية، لأنها إن فعلت عكس ذلك فإنها تتنكر للغتها وفلسفتها وثقافتها ومؤسساتها). فهل بعد هذا من صراحة؟ (١).
إذا كانت هذه سياسة أمريكا فقبلها أوربا وقد قال مسؤول في وزارة الخارجية الفرنسية عام ١٩٥٢ م- وليت المسلمين يعون ما يقوله الآخرون عنهم. يقول هذا المسؤول: ليست الشيوعية خطرًا على أوربا فيما يبدو لي، إن الخطر الحقيقي الذي يهددنا تهديدًا مباشرًا وعنيفًا هو الخطر الإسلامي. فالمسلمون عالم مستقل كل الاستقلال عن عالمنا الغربي، فهم يملكون تراثهم الخاص بهم، ويتمتعون بحضارة تاريخية ذات أصالة، فهم جديرون أن يقيموا قواعد عالم جديد دون حاجة إلى إذابة شخصيتهم الحضارية والروحية في الحضارة الغربية، فإذا تهيأت لهم أسباب الإنتاج الصناعي في نطاقه الواسع- هكذا يقول الكاتب من وجهة نظره المادية، وإلا فهناك أسباب أخرى لانطلاقة المسلمين الكبرى- انطلقوا في العالم يحملون تراثهم الحضاري الثمين، وانتشروا في الأرض يزيلون منها قواعد الحضارة الغربية، ويقذفون برسالتها إلى متاحف التاريخ ... إلى أن يقول الكاتب: إن العالم الإسلامي عملاق مقيد، عملاق لم يكتشف نفسه حتى الآن اكتشافًا تامًا، فهو حائرٌ، وهو قلقٌ، وهو كاره لانحطاطه وتخلفه، وراغب رغبة يخالطها الكسل والفوضى في مستقبل أحسن وحرية أوفر ... إلى آخر ما قال (٢).
стр. 320
إخوة الإسلام هذه التصريحات الجلية بالعداوة من جانب، وبالتخوف من الإسلام القادم من جانب آخر إذا انضم إليها الواقع المشهود بتآمر الغرب ووحشيته وتآمره على الإسلام والمسلمين في أرض البوسنة والهرسك مثلاً باتت سهامًا موجعةً وضربةً قاصمةً للعلمانيين في ديار المسلمين أولئك الذين ما فتأوا ينافحون عن الغرب ومؤسساته ويوهمون أمتهم أن الدول المتحضرة لم تعد تقيم للدين وزنًا قي سياستها وبرامج تخطيطها، وينبغي- حسب نظرتهم الهزيلة- أن يبقى الدين علاقة شخصية بين الفرد وخالقه، لا علاقة له بتنظيم أمور الحياة السياسية والعسكرية والاقتصادية والإعلامية وسواها.
أجل لقد واتت الفرصة لكل مخدوع بشعار العلمنة والتغريب أن يكشف القناع عن عينيه، وأن يسمح لأذنيه بسماع ما لم يكن يسمح به من قبل، وستتكشف له الحقائق دون غموض، وهذه راعية العلمنة ومصدرة أفكارها تؤوب إلى ديانتها وإن كانت محرفةً، وتتخذ من الدين والمعتقد منطلقًا أساسيًا لسياستها، وتُبقي العلمنة شعارًا أجوف تخدع به المساكين، وتصدره بضاعةً مزجاة لمن لا زال في قلبه مرضٌ من أبناء المسلمين، وإذا سقطت العلمانيةُ وأفلس العلمانيون في ديار الغرب، فلا تسأل عن مصيرها في ديار المسلمين، وربك يحكم ما يشاء ويختار، فبالأمس سقطت الشيوعية الشرقية وأذنابها داخل يحميها، واليوم تتهاوى العلمانية الغربية ومؤسساتها وغدًا وبعد غدٍ ستتهاوى بإذن الله كل نحلة ضالة، وسينفضح كل نظام مزورٍ مهما خدع الأبصاَر برهةً من الزمن.
ويبقى دين الإسلام دين الله في الأرض منسجمًا مع نظام الكون كلِّه، ويبقى المسلمون يسبحون بحمد ربهم، ويشاركون غيرهم من مخلوقات الله تسبيحهم. ووعد الله حق، ولكن الله لا تغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وأنصتوا
стр. 321
لعلكم ترحمون لقوله تعالى ﴿إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور، أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ... ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾ (١).
نفعني الله وإياكم بهدي القرآن، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين.
стр. 322
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين أحمده تعالى وأشكره ولا يحمد على مكروه سواه، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد أيها المسلمون فطالما تحدث الغرب ومؤسساته وأذنابه عن الأصولية الإسلامية وعن تطرف المسلمين وتعصبهم وخطرهم، وها هي الأحداث تكشف بجلاء أين مكمن التطرف وأين يكون العداء، فالغرب لا يكتفي برفع شعار الدين رايةً لحروبهم ومساعداتهم، ولا ينتهي عند حد الدفاع عن الصليب مقابل الهلال، بل ولفرط تطرفهم- يصيرون على الدفاع عن مذاهب النصرانية المتنافرة، ويتفقون على اقتسام الغنيمة بين فضائل الكاثوليك والبروتستانت، والأرثوذكس، ففي الوقت الذي تساند (ألمانيا) الكاثوليكية (الكروات) يبقى (الصرب) في حماية من روسيا واليابان وبقية الدول التي لا تدين بالكاثوليكية.
فهل بعد هذا التطرف من تطرف، وحروب اليوم تذكرنا بالحروب الصليبية السابقة فأين المعجبون بالغرب والمروجون لشعاراته الوهمية من الديمقراطية والحرية والعدالة. وحقوق الإنسان أتراهم اليوم يعيدون حساباتهم، ويعلنون انخداعهم فيما مضى. فينصحون لأنفسهم، ويصدقون مع أمتهم، أم تراهم يراوغون ويخادعون ولا تزال عقدة الشعور بالنقص تصاحبهم، والفتنة بالفكر المستورد تطاردهم.
أيها الإخوة المؤمنون وبرغم فداحة ما تسمعون من جرائم تقشعر لهولها الأبدان من أمم الكفر على شعوب الإسلام فالحقيقة الغائبة أكبر، والمخطط
стр. 323
أعتى وأقسى، وكل يوم تكشف لنا حقائق وإحصاءات لم تتكشف بالأمس، لن يكون آخرها اكتشاف قبور جماعية لما يقرب من ثلاثة آلاف مسلم ومسلمة من شعب البوسنة ردموا فيها بالجرافات في الأحداث المؤلمة الأخيرة، وأمثال هذه الأحداث تؤكد لنا استمرار العداوة بين المسلمين وأهل الكتاب التي أخبرنا عنها ربنا بقوله ﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ... ﴾ (١)، وتذكرنا بعدم اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، كما قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق﴾ ... إلى قوله تعالى ﴿وودوا لو تكفرون﴾.
ولقد مضى على العلماء والدعاة زمن وهم يقررون هذه الحقائق للناس، وقد لا يعيرهم البعض اهتمامًا لهذا، أما اليوم فكشفت الحقائق، ونطقت الرماح، وتحدثت لغة الأرقام عن حجم العداوة والمأساة، وفي أنين الأيامى والثكالى، وصراخ الأطفال جوعًا وعطشًا، وانتشار الجثث الهامدة على السكك طولاً وعرضًا ما يُعبر عن الصورة بجلاء، وما يقصر المسافة على الدعاة والعلماء ..
أمة الإسلام .. ومع الصمت والتخاذل والقعود عن نصرة المسلمين المستضعفين فلن تقف العداوة عند هذا الحد. فالهدف اقتلاع الإسلام من جذوره، والمخطط يشمل المسلمين كلهم، وما أجمل ما قيل (فبعد أن ينجز الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس مهمتهم في أوربا لابد وأن يتطلعوا عبر البحر الأبيض المتوسط صوب أراضي المسلمين ليكملوا ما يقوم به اليهود) (٢).
стр. 324
فهل نعي حقيقة المؤامرة وحجمها، وهل نتخذ من أساليب الوقاية وأسبابها ما نحفظ به على أنفسنا حين نساهم في الحفاظ على إخواننا .. إن أحداث البوسنة والهرسك ومثيلاتها في عالمنا الإسلامي مؤلمة للنفس أيَّما إيلام .. ولكن هل نتجاوز مجرد الحديث إلى ما بعده من دروسٍ وعبرٍ، وهل نتجاوزُ مرحلة البكاء والعويل إلى مرحلةِ الجدَّ والاستعداد للمستقبل القريب، فنتعاون جميعًا وبكل ما أوتينا من قوة للوقوف صفًّا واحدًا في وجه العدو الحقيقي لنا، هل نتجاوز الخلافات الوهمية التي يصنعها المغرضون، هل تتجاوز الحدود المرسومة من قبل المستعمرين لتقطيع أوصال الأمة وإشغالها عن قضاياها المهمة والمصيرية، هل يعود عودة صادقة لكتاب ربنا وسنة نبينا محمد ﷺ ، وكتابنا أصدق الكتب المنزلة، ونبينا خاتم المرسلين، في وقت عاد فيه الآخرون إلى كتبهم المحرفة ودياناتهم المنسوخة؟ هل نحافظ على طاقاتنا؟ .
إن عالم اليوم لا مكان فيه لمن يعيش بدون هوية، وإذ تشبث اليهودي والنصراني والبوذي وسواهم بعقائدهم أفيليق بنا معاشر المسلمين أن نعيش هملاً نقتات على موائد الآخرين، ونستطعم منهم وكأننا حفنة من المساكين ... أين العزة بالإسلام .. أين الغيرة للقرآن وأين نضع خيريتنا وشهادتنا على الأمم بنص القرآن ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ (١) ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس .. ﴾ (٢).
أن من واجبنا أن ندعم كل مبادرة خيرة صادقة للتضامن مع شعب البوسنة والهرسك، على أن لا يتوقف هذا الدعم، وذلك التضامن حتى ينتصر المضطهدون، ويفضح المعتدون، وأن يشمل هذا الدعم والمساندة بقية
стр. 325
المسلمين المضطهدين في أنحاء الأرض. إن على وسائل الإعلام بقنواتها المختلفة وفي عالمنا الإسلامي كله، مسؤولية توعية الشعوب بحقيقة المؤامرة، وشرسة الهجمة، والهدف من وراء اللعبة، ولا ينبغي أن نقل مصداقية إعلامنا عن إعلام الغرب حين يشوهون صورتنا ونحن المسلمون المضطهدون ويلهبون مشاعر شعوبهم ضدنا وهم الكفرة المعتدون؟ .
ومع ذلك كله فينبغي أن لا نقف عن حدود التوعية المبرمجة لقضايانا مع أهميتها، ولا نكتفي بمجرد المساندة المالية للمضطهدين مع مسيس الحاجة إليها، بل لابد من التفكير بربط علاقاتٍ ثقافية مع الشعوب المسلمة يحكمها الإسلام، ولابد من إقامة علاقات اقتصادية مع الشعوب المسلمة لا يكون الربح المادي هدفها، بل تهدف إلى إيجاد فرصٍ اقتصادية يستغني بها المسلمون عن استجداء الآخرين. ولابد من تعاونٍ عسكري جادٍ في محيط الأمة المسلمة، تتقلل منه في البداية عن معونات الأمم الأخرى وتستغني به مستقبلاً عن أي صفقة أخرى لا تعطى حتى تؤخذ تنازلات تقايضها، أو تعطى صراحة لفتة وتحرم أخرى كما يجري اليوم مع المسلمين البوسنة والصرب النصارى.
وحين نصدق مع ربنا، ونتمثل إسلامنا فلن يضرنا كيد الكائدين ﴿إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا فمهل الكافرين أمهلهم رويدًا﴾ (١) ولن يستطيعوا إطفاء نور الإسلام ﴿يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون﴾ (٢). والله غالب على أمره.
стр. 326
المرض الوافد (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره
إخوة الإيمان ويقول الله وهو أصدق القائلين: ﴿ومن يؤمن بالله يهد قلبه﴾ ويقول ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾.
وفي صحيح السنة يقول الرسول ﷺ : «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز ... » (٢).
وفي الحديث الآخر: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» في مأثور الحكم قيل: دع القلق وابدأ الحياة.
وبين هدي القرآن وتوجيهات السنة واستثمار مأثور الحكم سيكون الحديثُ عن موضوع من الأهمية بمكان، يُفترض أن بيئته التي ينمو فيها غيرُ بلاد المسلمين، ولا شك أن المصابين به من غير المسلمين أكثر، فإذا سرت عدواه إلى بلاد المسلمين، أو بدأت نذر خطره تهدد بعض المسلمين كان ذلك داعيًا للحديث عنه وتحذير الناس منه .. إنه المرض الوافد، القلق المؤذي، أو ما يسمى بالمرض النفسي داءٌ من أدواء هذا العصر، خفيُ العلة، ليس بالضرورة أن يكون الفقراءُ والمعوزون هم المرضى، وليس يسلم أصحابُ الثرى وأهلُ النعمةِ من الإصابة به، وتتجاوز عدواه الرجال إلى النساء، يمكن توصيف المرض بأنه
стр. 327
تراكمُ هموم خيالية لا مبرر لها، وأسوأهُ ما قطع عن الجمع والجماعات، وأفضى إلى ترك الواجبات وفعل الحرمات وتوارد أحزانٍ وخواطر لا حقيقة لوجودها، هو ذبولٌ عن الحياة وانقطاعٌ عن الأحياء لا مسوغ له، هو ضعف بعد القوة، وعزلةٌ بعد الصحبة، وشكوك مستحكمة، وخوف وقلق وبغضاء وأثرةٌ، وعجز عن الملائمة في حياته مع الآخرين، ويبلغ بالمرضُ ذروتَه حين يصاب صاحبهُ بالوسوسة، أو يغلب الشكُّ على المريض أفعلَ الشيءَ أم لم يفعلْه، وربما استدرج الشيطان بالإنسان فزين له فراق الأهل والأحبة، وتعد به عن العَمل أو الفصلِ من الوظيفة، أو الانقطاع عن الدراسة، أو حرم الشاب عن استثمارِ طاقته، ولم يستفد من شبابه أو عمره.
إخوة الإسلام ولا شك أن هذا المرضَ ينتشرُ كلما جارت الحياةُ الماديةُ على حساب القيم المعنوية، ويتَفاقمُ كلما غابت عن الوجود شريعةُ السماء بهداها وعدلِها، واستحكمت قوانين البشر. بجورها وظلمها وشقوتها، وها كم شهادة مجربٍ خبير درس المرض وألف فيه، وكان كتابه «دع القلق وابدأ الحياة» خلاصة تجاربه ومرئياته عن بني قومه، يقول «دايل كارنيجي» عشتُ في «نيويورك» أكثر من سبع وثلاثين سنة فلم يحدث أن طرق أحدٌ بابي ليحذرني من مرض يدعى «القلق» هذا المرض الذي سبب في الأعوام السبعة الثلاثين الماضية من الخسائر أكثر مما سببه الجدري بعشرة آلاف ضعف. نعم لم يطرق أحدٌ بابي ليحذرني أن شخصًا من كل عشرة أشخاصٍ من سكان أمريكا معرضٌ للإصابة بانهيار عصبي مرجعُه في أغلبِ الأحوال إلى القلق ... ثم يقول: كارنيجي: ويقرر الأطباءُ أن واحدًا من كل عشرين أمريكيًا سوف يقضي جانبًا من حياته في مصح للأمراض العقلية، ومن الحقائق المريرة أن واحدًا من كل
стр. 328
ستة شبابٍ تقدموا للالتحاق بالخدمة العسكرية في خلال الحرب العالمية الأخيرة رد على أعقابه لأنه يعاني مرضًا جسميًا أو نقصًا عقليًا (١).
هذه معاشر المسلمين صيحةُ محزنةٌ قديمة، ووراء الإحصاءات الحديثة أدهى وأمر. وإذا كانت تلك البيئاتُ الفاسدةُ موطن هذا المرضِ وأمثالهِ، فلا يعني براءةَ بلاد المسلمين منه، ولا عصمةَ المنتسبين للإسلام من آثاره.
وإذا كان الله قد حكم على هذه الدار بالفناء، وكتب على ابن آدم حظه فيها من الكبد والنكد والشقاوة أو السعادة، فذلك يعني أن نصوص الشريعة جاءت على ذكر الهم والحزن وما يتبعهما من غم وقلق، وضيق وغضب وتعرض للسراء والضراء، لكن ميزة هذه النصوص أنها موجهةٌ وهادفة. فالخوف أساسًا ينبغي أن يكون من الله، والخشية الحقيقية من عذابه وعقابه ﴿فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين﴾. ﴿والذين هم من عذاب ربهم مشفقون﴾ (٢) والغضب يتبعه الرضا والمغفرة ﴿وإذا ما غضبوا هم يغفرون﴾ (٣) ولا داعي للقلقِ والتحسر على ما مضى، أو زيادة الفرح على ما أوتي وأعطي ﴿ولكيلا لا تألسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم﴾ والصبر حين تحل الضراء والشكر حين تكون السراء، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن كما صح الخبر، والهموم ينبغي أن تقصر ولا تشعب، وفي الحديث «من جعل الهم همًا واحدًا، هم المعاد كفاه الله سائر همومه، ومن تشعبت به الهموم من أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أودية الدنيا هلك» (٤) والدعاء سبب لإزالة الهم والقلق، وقد أبصر النبي ﷺ رجلاً من الأنصار في المسجد قد ركبته الديونُ
стр. 329
ولزمته الهموم فأرشده أن يقول إذا أصبح وإذا أمسى: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال». قال أبو أمامة ﵁: ففعلت ذلك فأذهب الله همي وقضى ديني، وبالجملة فأهل الإيمان لا مكان لهذا المرض عندهم ﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ (١).
أيها المؤمنون تكاد تنحصر دواعي القلبي وكثرة الهموم والأحزان في التحسر على ماضٍ عمله الإنسان وهو عليه نادم، أو إشغال الفكر بمستقبل لا يدري ما الله صانع فيه. وهو منه متخوف وجل، أو مواجهة لواقع نازل لا يدري كيف الخلاص منه (٢).
أما القلق من المستقبل فقد قيل: إن من أخطاء الإنسان أن ينوء في حاضره بأعباء مستقبله، واستعجال الضوائق التي لم يحن موعدها ولا يدري ما في غيب الله منها. حمق كبير، وإفساد الحاضر السعيد بشؤون المستقبل المتقوقع خطأ صرف، وإساءة الظن وتشاؤم مبكر لا يليق بالمسلم الذي علمه الإسلام حسن الفأل وتوقع الخير، والرضاء بالقضاء والقدر وأما التحسر على الماضي الفاشل، والبكاء المجهد على ما وقع فيه من آلام وهزائم فذلك التحسر السلبي الذي يزيد الألم ألمًا وينكأ الجرح الذي أوشك على الشفاء، ويجر النفس إلى الوراء كلما رامت التقدم إلى الأمام ذاك في نظر العقلاء.
وهو في نظر الشرع تسخط على أقدار الله الواقعة لا ينبغي للمؤمن أن يقع فريسة له، ولا أن يثلم عقيدته بكثرة الأسى لفوات مرغوب أو عدم الحصول على
стр. 330
محبوب قد يكون الخير في منعه وهو لا يدري ... وقد يكون خيرًا له وهو يظن شرًا ووبالاً عليه إنها حسرات القلب دونما فائدة ... وأقدار الله جارية لا محالة كذلك وجه المسلمون وأربوا، وعوتب غيرهم وبالحسرة أخذوا ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزىً لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير﴾ (١).
أما النوازل الواقعة والشدائد الداهمة، فالعقلاء هم الذين يثبتون لها. والمؤمنون هم الذين يعتقدون أنها بإذن أدبه فيصبرون عليها، أما الضعفاءُ أما قليلو الإيمان فربما هدم الروح أفئدتهم، وربما رمت بهم العواصف الهائجة في مكان سحيق، والإسلام يرشد أن الصبر عند الصدمة الأولى. والحكماء يوصون بالتجلد للمصائب، والشجاعة في المواقف، ويقول الشاعر
أقول لها وقد طارت شعاعًا ... من الأبطال ويحك لن تُراعي
فإنك لو طلبت بقاء يومٍ ... على الأجل الذي لك لن تطاعي
ويقول الآخر:
وتجلدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهرِ لا أتضعضع
إخوة الإيمان: وهناك فرق بين الاهتمام بالمستقبل والاعتمام به، وبين الاستعداد له والاستغراق فيه، وبين التيقظ في استثمار اليوم الحاضر وبين التوجس المربك المحير، مما قد يفد به الغد، والتوسط في ذلك بدأ تستقبل الدنيا برضى ويقين وشجاعة، يصور ذلك أبو الحسن علي ﵁ حين يقول:
أي يومي من الموت أفر ... يوم لا يقدر أو يوم قدر
стр. 331
يوم لا تقدر لا أحذره ... ومن المقدور لا ينجي الحذر (١)
أيها المسلمون وطالما أهم بعض الناس معاشه في هذه الدار، وربما كان شبحُ الفقر همًّا ملازمًا أورث صاحبه الفقر وإن كان غنيًا، وأضحت حياتهُ نكدًا وإن كان مثلهُ سعيدًا، وقد قيل: والناس من خوف الفقر في فقر ومن خوف الذل في ذل (٢).
أين الثقة بالله، وأين التوكلُ عليه، ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين﴾ (٣).
أما الموت فهو شبح مخيف ودافعٌ للقلق عند قوم، ولئن صح ذلك عند غير المسلمين الذين يظنون الحياة الدنيا مبدأهم ومنتهاهم، والمحطة الأولى والأخيرة لملذاتهم وشهواتهم ... فليس الأمر كذلك بالنسبة للمسلمين. فالموت لا يخيف، والحياة بعده لمن وفقه الله أسعد وأكرم، وأطول وأنعم. إن الموت في حس المسلم مرحلة لحياةٍ أخرى تعد حيائنا هذه لهوًا وعبثًا إلى جانبها، ولذلك يعبر القرآن عنها بلفظ أكبر في مبناه وأوسع في معناه فيقول ﴿وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهى الحيوان لو كانوا يعلمون﴾ (٤).
فلا معنى ولا داعي لقلق المسلم من الموت لذاته، والخوف مما بعد الموت لا يقود للهم السلبي والقلق المؤذي والمرض النفسي، بل يقود النفس إلى عمل الصالحات بانشراح صدر، ويقودها إلى توقي السيئات بوعي وتعقل.
стр. 332
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربهم يؤمنون والذين هم بربهم لا يشركون، والذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون﴾ (١).
نفعني الله وإياكم.
стр. 333
الخطبة الثانية
الحمد لله وفق من شاء لطاعته وشرحَ صَدره لهداه، فاستقرت نفسه وقوي قلبه، ولم يجد الشيطان عليه سبيلاً، وأضل من شاء فجعل صَدره ضيقًا حرجًا كأنما يصعد في السماء، وتناوشته الهموم وتحاوشته الشياطين، وكذلك يجعل الله الرجس على الذين ما يؤمنون. وأشهد أن لا إله إلا الله بذكره تطمئن القلوب، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله قدوة المهتدين وإمام المتقين- اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر المرسلين.
أيها المسلمون سواءً كانت دواعي القلق تحسرًا على أمر مضى لم يدرك الإنسان بغيته منه، أو تخوفًا من مستقبل يوحي إليه الشيطان بمفاجآته الصعبة عليه، أو عجزًا عن مواجهة وتحدي الواقع الذي يعيشه في ظنه، أو هي نتيجة مجموعة من التخوفات الوهمية لا حقيقة لها- وكان المرض النفسي خلاصًا من مشكلة ظن المريض خطأً أنه يتخلص بها، أو كان نتيجة ترادف مشكلات استسلم الفرد لها، أو بسبب سوء معاملة من قريب أو بعيد جارت على المريض فغيرت مزاجه وتعكر صفو حياته، أو كان المرض لأي أسباب أخرى ... فثمة أنواع من العلاج يشفي الله بها من كل داء، وأول الأدوية الناجعة للعلاج الإيمان بالله ﴿ومن يؤمن بالله يهد قلبه﴾ فمن يملأ الإيمان قلبه تفر شياطين الإنس والجن من حوله، وذكر الله على كل حال كفيلٌ بشرح الصدر وطمأنينة القلب ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾.
والإيمان بالقضاء والقدر وما يقذفه في القلب المرء من الرضا والتسليم دواءٌ ناجح بإذن الله فصاحبه يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن
стр. 334
ليصيبه ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير﴾ (١).
والإيمان الحق بأسماء الله وصفاته يورث الطمأنينة ويذهب القلق، فالمالك مثلاً مقتضاه أنه هو المتصرف في مماليكه كيف شاء، «والحكيم» مقتضاه أن له الحكمة التامة في كل ما يصنع، و «الرحيم» تقضي بأنه لا أرحم بعباده منه، وهكذا بقية الأسماء والصفات الإلهية لو تأملها المرضى لكان عونًا لهم بإذن الله على الشفا- والعمل الصالح سبب للحياة الطيبة السعيدة ﴿من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزيهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ (٢) وعكسه التردي في الموبقات فهو سبب للمعيشة الضنك والقلق الحاد ﴿ومن أعرض عند ذكرى فإن له معيشة ضنكًا ... ﴾ (٣).
وخذوا على سبيل أثر الصلاة في تهذيب النفوس وطهارتها وصلتها بخالقها، وقد أوحى الله إلى عبده فيما أوحى ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا﴾ (٥) كان ﵊ إذا جزيه أمر فزع إلى الصلاة.
ويقول الغزالي: إن الركض في ميادين الحياة بقدر ما يُجلل البدن بالغبار والعرق، يجلل الروح بالغيوم والأكدار، والمرء إثر كل شوط طويل يحتاج إلى
стр. 335
ساعة يلم فيها شعثه، ويعيد النظام والنظافة إلى ما تعكر وانتكث من شأنه كله، وليست الصلاة إلا لحظات لاسترجاع هذا الكمال المفقود أو المنشود (١). بل لم يعد الاعتراف بقيمة الصلاة في تجاوز المشكلات قصرًا على المسلمين، وهذا الدكتور إلكسيس كاريل يقول في كتابه: الإنسان ذلك المجهول: «لعل الصلاة هي أعظم طاقة مولدةٍ للنشاط غرفت إلى يومنا هذا-، وقد رأيت بوصفي طبيبًا كثيرًا من المرضى فشلت العقاقير الطبية في علاجهم، فلما رفع الطب يديه عجزًا وتسليمًا تدخلت الصلاة فأبرأتهم من عللهم (٢).
ولئن كنا معاشر المسلمين نشعر محتاجين لمثل هذه العقول من الآخرين ففي كتاب ربنا وسنة نبينا غنيةٌ، فتلك مزيد لفتةٍ لأولئك الذين يتخلون عن الصلوات المكتوبة مع توفر الصحة في أجسامهم ورغد العيش في حياتهم. ثم تراهم بعد ذلك يشكون من قلق في حياتهم واضطراب في نفسياتهم، ولو عادوا إلى ربهم لعافاهم، ولو طلبوا الشفاء منه بمرضاته لأجابهم ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾.
إخوة الإسلام ويشكل الفراغ عاملاً مؤثرًا في المرضى النفسانيين، ويقول أحدُ الأطباء النفسانيين (إن ثلث مرضاي لا يشكون من أمراض نفسية معلومة واضحة بقدر ما يشكون من ألم الفراغ في حياتهم، ذلك الذي يُبعد البهجة والسعادة منها) (٣).
وإذا ساغ وجود فراغ عند أصحاب الملل والنحل الأخرى فلا يسوغ وجود فراغ عند مسلم يعلم ويعمل بقوله تعالى ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم
стр. 336
إلينا لا ترجعون﴾ (١)، أو يفقه المصطفى ﷺ : «نعمتان مغبون فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ» (٢). وكما يملأ الفراغ بطاعة الله، يملأ بالسعي في أرض الله بحثًا عن الرزق أو في طلب علم أو نحو ذلك مما ينفع المرء في دينه ودنياه، يروى عن عمر ﵁ أنه قال: إني لأرى الرجل فيعجبني، فإذا سألت عنه فقيل: لا حرفة له سقط من عيني (٣).
ومما يدفع القلق عن النفس عدمُ التطلع إلى ما عند الآخرين والرضا والقناعة بما قدر الله له، ومصيبة أن ينسى الإنسان ما أعطاه الله ويقلل التفكير فيما لديه، ويظل يرقب ويحصى ما عند الآخرين، ويكثر التفكير فيما ينقصه. ومن الجهل والحمق بل ومن بواعث المرض أن يتقمص المرء شخصيات الآخرين، ويتطلع إلى كل موهبة وهبها غيره، بل ربما حسدهم عليها وقد قيل إن التشبه بالغير انتحارٌ للشخصية ذاتها، وعلى المرء أن يتقبل نفسه على علاتها- ويحاول تقويم نفسه على منهج الله - وأن يرضى بما قسم له، وأن لديه قوةً ومواهب لم تمنح لغيره (٤).
ومن الوصايا لثبات النفس ومقاومة القلق أن يثبت الإنسان أمام النقد،
فمن ذا الذي ترضى سجاياه ... كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه
وألا يعول الإنسان كثيرًا على الثناء العاجل على المعروف في يسدى أو على النعمة تهدى، وكلم أن الحجور فطرةٌ، وأن مقابلة الإحسان بالإساءة شائع في الخليقة. وفي الأثر: اتق شر من أحسنت إليه.
وفي التنزيل: ﴿إن الإنسان لربه لكنود﴾ (٥) قال ابن عباس ﵄: أي كفور
стр. 337
جحود لنعم الله (تفسير القرطبي ٢٠/ ١٦٠) وما أجمل مقولة الإمام الشافعي الذي ملأ الدنيا علمًا ثم هو يقول بإخلاصٍ وتجرد: «وددت لو نشر هذا العلم دون أن يعرف صاحبه» (١).
عباد الله النظر في أمور الدنيا إلى من هو أسفل من الإنسان يطأ من كبريائه ويعرفه بمزيد نعمة الله، ويذهب عنه الوساوس والأحزان، ويطرد القلق وتلاعب الشيطان، قال ﵊ «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم» وحسن الظن بالناس والاشتغال بالشكر والذكر، والاعتدال في النظرة إلى الحياة وإفساحُ مجال الأمل وانتظار الفرج، والاشتغال بنفع الناس والإحسان إليهم، وجمعُ الفكر على الاهتمام بالباقية دون الفانية، وملازمة الاستغفار والتوبة، واستشعار غنى النفس واستحضار الأدعية الشرعية، وعدم السماح للنفس بالثورة لأتفه الأسباب ... كل هذه مع ما سبق أدوية دافعة للقلق بإذن الله، وعلاج شافٍ لتوتر النفسِ بحول الله ... عافاني الله وإياكم والمسلمين من كل شر ومكروه- ووفقنا لانشراح الصدور في الدنيا، وراحة القلب في الآخرة- هذا وصلوا.
стр. 338
فرض الحج ومنافعه (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ..
إخوة الإسلام، في هذه الأيام تتوق نفوس المؤمنين إلى زيارة البلد الحرام، وتتطلع الأفئدة لأداء مناسك الحج أحد فرائض الإسلام .. وهناك من يقدر له ذلك ويشاء الله أن يبلغه إتمام المناسك وقضاء النسك، وهناك آخرون تقعد بهم الحاجة، أو تنعدم لديهم الوسيلة، أو يشغلهم ما هم فيه من فتن ومحن عن مجرد التفكير في الحج، فضلاً عن الاستعداد له أو بلوغه.
وعلى الذين يعيشون حالة الأمن والرخاء أن يشكروا الله على هذه النعمة وأن يستثمروا أعمارهم وصحتهم في المسارعة للخيرات، وعدم التسويف في عمل الصالحات وعليهم أن يشاركوا إخوانهم محنتهم بالدعاء والدعم والمساندة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، وفي مواطن الحج ومواقفه فرصة للدعاء، وهي حرية بالإجابة والقبول، فلا تحرموا أنفسكم وإخوانكم المسلمين من الدعاء فهو سلاح نافذ، وهو طريق لتفريج الكربات بإذن الله.
أيها المسلمون لقد أنزل الله فيما أنزل في كتابه الكريم على رسوله الأمين قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ (٢).
стр. 339
قال أهل التفسير: هذه آية وجوب الحج عند الجمهور. وقيل: بل هي قوله تعالى ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ والقول الأول أظهر (١).
وقد وردت الأحاديث المتعددة بأنه أحد أركان الإسلام ودعائمه وقواعده، وأجمع المسلمون على ذلك إجماعًا ضروريًا وإنما يجب على المكلف في العمر مرة واحدة بالنص والإجماع.
وقد روى الإمام أحمد في مسنده، والإمام مسلم في صحيحه بسندهما عن أبي هريرة ﵁ قال: «خطبنا رسول الله ﷺ فقال: أيها الناس: قد فرض عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله ﷺ : لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم. ثم قال: ذروني ما تركتم، فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه» (٢).
وقد اختلفت عبارات السلف في المقصود بمعنى قوله تعالى ﴿من استطاع إليه سبيلاً﴾ ويجمعها: الزاد، والراحلة، والصحة، ويؤكدها قول الرسول ﷺ وقد سئل: من الحاج يا رسول الله؟ قال: «الشعث التفل»، فقام آخر فقال: أي الحج أفضل يا رسول الله؟ قال: «العجَ والثجّ»، فقام آخر (وهنا موضع الشاهد) فقال: ما السبيل يا رسول الله؟ قال: الزاد والراحلة (٣).
والمقصود بالشعث التفل: الذي لم يحلق رأسه، وقد اغبر من عدم الغسل، وتفرق من عدم المشط: أي تارك الزينة، والتفل الذي ترك استعمال الطيب.
стр. 340
أما العجّ فالمقصود به: رفع الصوت بالتلبية، والثجّ سيلان دم الهدي والأضاحي (المصادر السابقة).
إخوة الإسلام ويا من قدرتم على الحج وتيسرت لكم سبله ولم تحجوا بعد، الله الله بالمبادرة تأدية لفرض الله، وطاعة لرسوله ﷺ وهو يحثكم على الاستعجال في ذلك ويقول: «تعجلوا إلى الحج- يعني الفريضة- فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له» (١).
وفي الحديث الآخر يؤكد ﷺ على الاستعجال في أداء الفريضة، ويبين العوارض التي قد تصد الإنسان، فيقول ﷺ : «من أراد الحج فليتعجل، فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة وتعرض الحاجة» (٢).
واحذر- أخي المسلم- من التفريط في أداء الواجبات بشكل عام، وتأمل عقوبة من أطاق الحج فلم يحج- بشكل خاص- يقول عمر بن الخطاب ﵁: «من أطاق الحج فلم يحج، فسواء عليه يهوديًا مات أو نصرانيًا قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح إلى عمر (٣)، وروى سعيد بن منصور في سننه عن الحسن البصري قال: قال عمر بن الخطاب ﵁ «لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار فينظروا كل من كان له جدة- أي مالاً وقادرًا على الحج- فلم يحج فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين» (٤).
أيها المسلمون .. وفضلاً عن كون الحج أحد أركان الإسلام التي لا قيام له بدونه، وقد قال الله تعالى في نهاية آية الحج السابقة ﴿ومن كفر فإن الله غني عن
стр. 341
العاملين﴾ قال ابن عباس وغيره ﵄ في تأويلها: أي ومن جحد فريضة الحج فقد كفر والله غني عنه (١).
فضلاً عن وجوبه وعظم جريرة من جحده وأنكره .. فإن للحج سواء كان فريضة أو نفلاً منافع جمة، وفضائل كثيرة، جمعها الله تعالى في قوله ﴿وليشهدوا منافع لهم﴾ وجاء بيانها في سنة المصطفى ﷺ .
فمن منافع الحج وثماره: أنه وسيلة لمغفرة الذنوب، وهل يوجد شخص خلوًا من الذنوب والمعاصي. والرسول ﷺ يقول: «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» (٢).
ويروى عن أبي هريرة أنه قال: «حجة مبرورة تكفر خطايا سنة» (٣).
وقد ثبت أن الحج يهدم ما قبله من الذنوب، كما ورد في قصة إسلام عمرو بن العاص ﵁ وقد جاء النبي ﷺ فقال: أبسط يمينك لأبايعك، فبسط الرسول ﷺ يده، فقبضها عمرو، فقال له النبي ﷺ : مالك يا عمرو؟ قال: أردت أن أشترط، قال: تشترط ماذا؟ قال: أن يغفر لي، قال: «أما علمت يا عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله» (٤) ويا له من فضل عظيم لمن وفقه الله.
ومن منافع الحج أن المتابعة فيه والاستمرار على العمرة معه سببان مانعان
стр. 342
بإذن الله دون الفقر والذنوب، يقول الصادق المصدوق ﷺ : «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة» (١).
والحج المبرور طريق إلى الجنة .. وهي مبتغى كل مسلم- وقد قاله ﷺ «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» (٢).
وفي الحديث الآخر «وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة» (٣) «والحجاج والعمار وفد الله دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم» (٤). وفي لفظ: «الحجاج والعمار وفد الله إن دعوه أجابهم وإن استغفروه غفر لهم» (٥).
ومن منافع الحج أنه جهاد لكل ضعيف، وفي الحديث أتقول الرسول عملي الله عليه وسلم: «الحج جهاد كل ضعيف» (٦).
هذا فضلاً عن كونه يعفي النساء عن الجهاد، ففي الحديث المتفق على صحته تقول عائشة ﵂ استأذنت النبي ﷺ في الجهاد، فقالت: «جهادكن الحج» (٧).
وفي الحديث الآخر: قالت عائشة ﵂: قلت يا رسول الله على النساء جهاد؟ قال: «نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة» (٨).
стр. 343
والحج معاشر المسلمين- وسيلة بر للأرحام والأقربين، فحن حج عن أبيه أو عن أمه أو عن أحد أقاربه فهو من البر الذي تصدق لهم، لكن لابد أن يكون قد أدى الفريضة عن نفسه، ففي الحديث الصحيح عن أبي رزين العقيلي أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن، قال: «حج عن أبيك واعتمر» (١).
ويا لها من فرصة يبر فيها الأحياء للأموات أو لمن لا يستطيعون الحج وإن كانوا أحياء، وخاصة إذا كانت فريضة الإسلام، فانفعوا أنفسكم معاشر المسلمين، وبروا غيركم، واستبقوا الخيرات، وبادروا بالطاعات، واعلموا أن ما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرًا وأعظم أجرًا، واستغفر الله إن الله غفور رحيم.
стр. 344
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين يستحق الحمد والثناء، أشكره تعالى على نعمه وأستغفره من جميع الذنوب وأتوب إليه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى إخوانه وآله.
إخوة الإسلام لا تقف منافع الحج وآثاره عند هذا الحد، إذ أن الحج معبر وسبب لكثير من العبادات، ففيه ذكر الله دائمًا وأبدًا ﴿فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم﴾ ﴿واذكروا الله في أيام معدودات .. ﴾ وفيه الاستغفار ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله﴾.
وفيه يلهج الحجيج بالتهليل والتكبير، كلما طافوا أو سعوا، وكلما رموا الجمار أو ذبحوا، بل وكلما أقاموا في مكان أو ارتحلوا، أو هبطوا ثنية أو صعدوا.
ويكفي الحجيج أن يتلبسوا بالتوحيد، ويجعلوه شعارهم، وألسنتهم تردد «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك» ويا لها من كلمات عظمى لو عقلها والتزم بها المسلمون في حلهم وإحرامهم، وفي كل لحظة من لحظات حياتهم.
والحج فرصة لنحر الهدي والتقرب إلى الله بسفك الدماء، قال الله تعالى ﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾ قال مجاهد- ﵀ يريد استعظام البدن واستسمانها (١).
والحج فرصة كذلك لإطعام الطعام وإفشاء السلام وطيب الكلام. وقد جاء
стр. 345
في الحديث: «الحج المرور ليس له جزاءه إلا الجنة»، قيل: وما بره؟ قال: «إطعام الطعام، وطيب الكلام» (١).
فأنت مدعو أخي الحاج لإطعام الطعام وإفشاء السلام على من عرفت ومن لم تعرف، والكلمة الطيبة تشيع المحبة بين المسلمين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة للخير، كل ذلك من سمات المسلمين في كل زمان ومكان، ولاسيما في هذه الأزمان والأماكن الفاضلة، وحيث يجتمع المسلمون من كل حدب وصوب.
وأنت مدعو أخي الحاج لحفظ لسانك وسمعك وبصرك، وجميع جوارحك عن الحرام في كل منزل من منازل الحج، ولاسيما في المواطن التي ينبغي الاشتغال فيها بذكر الله كيوم عرفة، فعن ابن عباس ﵄ قال: كان فلان ردف النبي ﷺ (وفي رواية كان الفضل بن عباس) يوم عرفة، فجعل الفتى يلاحظ النساء وينظر إليهن، فقال له رسول الله ﷺ : «أي أخي إن هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له» (٢).
فهل يقدر المسلمون عامة والحجاج خاصة هذا اليوم حق قدره، فيشتغلوا بذكر الله ودعائه، أم تراهم يجتمعون للأحاديث العابرة، والحكايات النادرة التي تستجيب لها النفوس .. وكان يومًا كسائر الأيام؟ !
والحج وسيلة للكسب الحلال لمن هو محتاج إلى ذلك، قال الله تعالى ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم﴾ (٣).
стр. 346
روى البخاري ﵀ عن ابن عباس ﵄ قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواق الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في الموسم فنزلت هذه الآية.
وروى أبو داود وغيره عن ابن عباس قال: كانوا يتقون البيوع والتجارة في الموسم والحج، يقولون: أيام ذكر. فأنزل الله: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم﴾ (١).
وبالجملة فالحج معدود في فضائل الأعمال بعد الإيمان والجهاد، ففي الحديث المتفق على صحته «سئل رسول الله ﷺ : أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور» (٢).
حجاج بيت الله الحرام أوصيكم ونفسي بتقوى الله ومراقبته فيما تعملون أو تدعون، وأنصحكم ونفسي بالإخلاص لله في العمل، والمتابعة لرسوله ﷺ وهو القائل: «خذه عني مناسككم» وليس يسوغ لك أخي الحاج أن تذهب إلى المشاعر وأنت لا تدري ما تصنع وترى أنه يكفيك أن تذهب مع الناس حيث ذهبوا، وتتحرك معهم حيث تحركوا، بل عليك أن تعرف أحكام الحج، وأركانه وواجباته وسننه، فإن كنت قارئًا فاقرأ مناسك الحج لأصحاب الفضيلة العلماء، وإن كنت لا تستطيع القراءة فاستمع إلى هذه الأحكام مسجلة على أشرطة الكاسيت، وهي منتشرة والحمد لله.
وإن لم يتيسر لك هذا ولا ذاك فاسأل عن الأحكام الهامة وصفة الحج والعمرة قبل السفر، فليس يسوغ لك الجهل في هذا الزمان .. ولا تعذر
стр. 347
بالتقصير بكل حال- حتى عند الشاعر يتوفر علماء ودعاة يستقبلون السائلين ويوجهون الغرباء، واحرص على الرفقة الصالحة فهم خير معين لك على معرفة ما تجهل، أو تذكيرك حين تغفل، وسأتعرض في الخطبة القادمة إن شاء الله لبعض أحكام الحج التي تدعو الحاجة لبيانها، وبعض الأخطاء التي يقع فيها بعض الحجاج، هدانا الله وإياهم للحق وثبتنا عليه، ورزقنا البصيرة في ديننا والفقه في عبادتنا.
أيها المسلمون من غير الحجاج أمامكم فرصة هذه الأيام لا تعوض ألا وهي عشر ذي الحجة التي قال النبي ﷺ بشأنها «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام يعني أيام العشر، قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله، قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء» (١).
فاجتهدوا بكل طاعة من صيام وصدقة وذكر وصلاة ونحوها .. واعلموا أن على من أراد الأضحية منكم ألا يأخذ من شعره ولا ظفره شيء حتى يضحي.
стр. 348
شعاع من المحراب
الجزء الثاني
إعداد
د. سليمان بن حمد العودة
стр. 349
مقدمة الجزء الثاني
الحمد لله رب العالمين، أحمده تعالى وأشكره، وأثني عليه الخير كله، وأساله المزيد من فضله، وأصلي وأسلم على خير خلقه، وسائر أنبياء الله ورسله، ورضي الله عن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فإن سروري عظيم لنفاد طبعة الجزء الأول من مجموعة الخطب التي سميتها (شعاع من المحراب)، وكان ذلك مشجعًا لتقديم هذه المجموعة الثانية من الخطب حاملة العنوان نفسه (شعاع من المحراب).
وأسال الله تعالى ألا يحرم الأجر من كتبها، أو قرأها أو قسم ماله أو جهده في سبيل إخراجها.
وأعتذر للقارئ الكريم عن الأخطاء التي وقعت في الجزء الأول، أو ما سمع في هذا الجزء- وأرجو أن تكون أقل- فهي خارجة عن الإرادة أحيانًا، وفطنة القارئ المثقف كفيلة بتصحيحها.
ومع تأكيدي في مقدمة الجزء الأول على أهمية إثبات المصادر والمراجع التي يرجع إليها في كتابة الخطبة، وتأكيدي عليه مجددًا في هذا الجزء لأهميته، فإنني أعتذر سلفًا ولاحقًا عن القصور- أحيانًا- في تطبيق ذلك بكل دقة، وقد يشفع لي في ذلك أن الخطبة ليست بحثًا علميًا تحتاج إلى ما يحتاج إليه البحث من دقة في عزو المصادر وإثباتها من جهة، ومن جهة أخرى فقد لا يتوفر لي حال كتابة الخطبة المصدر الأصلي فأحيل إلى من نقل عنه- مراعاة لظروف الزمان ومثل ذلك يقال في تخريج الأحاديث وإرجاعها إلى أصولها.
стр. 350
وحسبي أن يجد المطلع على الخطب إثباتًا للمصدر الأصلي أو لمصدر أو مرجع يصله بالأصل إن احتاج إلى ذلك. والذي أحاذره أن تبقى النصوص أو النقود دون بيان.
وقد رأيت أن أقدم بين يدي هذه المجموعة الثانية أو الثالثة من الخطب ببعض القضايا المتعلقة بالخطبة أو الخطيب.
أسال الله أن يتقبل منا أعمالنا، ويتجاوز عن أخطائنا وتقصيرنا، وشكري عظيم لكل من قدم لي نصحًا أو مشورة، فالمرء قليل بنفسه كثير بإخوانه.
стр. 351
بين يدي الخطيب
إن مما يسر المسلم ويعين الخطيب في أداء مهمته توفر مجموعة من الخطب - لعدد من الخطباء- مطبوعة متداولة.
وثمة ظاهرة طيبة جديرة بالعناية والتقدير، ألا وهي تصدير بعض الخطباء كتبهم (الخاصة بالخطب) بمجموعة من الفوائد والتنبيهات التي يحتاجها الخطباء.
ومع ذلك فلا تزال الحاجة قائمة لعدد من التنبيهات والقضايا التي يحتاج إليها الخطباء، ولعل شخصية الخطيب والعوامل المساعدة له على الارتقاء بمستوى خطبته، ودواعي القبول وأسباب الضعف، واختيار موضوع الخطبة، وعناصر التأثير والتشويق فيها، ونحو ذلك من أمور لا تزال بحاجة لمزيد من التحرير والتنوير.
وكم هو مفيد أن يتفضل عدد من الخطباء الموهوبين بالكتابة في هذا الميدان الرحيب، وحسبهم أن يسجلوا خواطرهم ومرئياتها، وأن ينقلوا ويدونوا من رصيد تجاربهم ما ينفع الله به غيرهم.
ووزارة الشؤون الإسلامية- وهي صاحبة الاختصاص والسبق- تشكر كذلك حين تسهم بشكل أكبر في هذا الميدان، أو غيره من ميادين ينفع الله بها المتحدث والسامع.
وحتى لا أتهم بالسلبية أدون رؤى ونقاطًا متواضعة، مساهمةً مني في هذا الموضوع الحيوي، وعسى أن يكون فتحًا لمبادرات ورؤى أخرى أعمق وأوسع:
стр. 352
[١] أهمية خطبة الجمعة:
وليس يخفى أفضلية يوم الجمعة، واختصاص هذه الأمة به، وانتظار الناس- في هذا اليوم- للخطيب، والتطلع للخطبة، ومع ذلك تبدو أهمية الخطبة لعدة أمور منها:
أ- إلزام الناس شرعًا بالسكوت والاستماع للخطيب «ومن مس الحصى فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له».
ب- يجتمع للخطباء قطاع عريض من الناس، فيهم الغني والفقير، والمتعلم والجاهل، والصغير والكبير، والصالح والطالح .. ومخاطبة هؤلاء كلهم فرصة لا يتوفر سماعهم وإنصاتهم في غيرها.
ت- خطبة الجمعة أسبوعية، ولذا ينبغي أن يتوفر لها من الصدق والتأثير ما يقتات الناس عليه حتى مجيء الخطبة التي تليها.
ث- وفوق ذلك ينازع خطبة الجمعة في التأثير على الناس منابر، ووسائل أخرى بلغت ذروتها في القنوات الفضائية ذات التأثير السيء على القيم والأخلاق والمعتقدات، وذلك يضاعف من أهمية الخطبة، ويدعو لمزيد العناية بها.
ج- وعماد الخطبة: قال الله، قال رسول الله ﷺ ، فالخطبة توقيع عن الله، والخطيب متحدث باسم رسول الله ﷺ ، وذلك تعاظم من مسؤولية الخطيب، ويعطي للخطيب مكانة وأهمية، فلابد من اللهم لما ينقل، والتثبت لما يقال، والدقة في التعبير، حتى لا تزل الفيوم وتزل معها الأقدام!
[٢] هم الخطبة وقلق الخطيب:
لا شك أن الخطبة هم عند من يحتسبون إفادة الناس، وتوجيههم للخير،
стр. 353
وتحذيرهم من الشرور والفتن، وهو بهذا الاعتبار هم محمود، ولا شك أن عددًا من الخطباء يحل بساحتهم نوع من القلق في نهاية الأسبوع بواعثه:
أ- الرغبة في اختيار الموضوع للخطبة من جانب.
ب- تحديد وانتقاء عناصر الموضوع المختار من جانب آخر.
ت- واستكمال ذلك بالرجوع لعدد من المصادر المهمة، أو المراجع ذات العلاقة بالموضوع.
ث- ثم هم الصياغة واختيار العبارات المناسبة.
ج- وأخيرًا هم الإلقاء بطريقة تؤثر في جمهور المستمعين للخطبة.
فتلك هموم خمسة يعيشها كثير من الخطباء، ولكن ثمة أمورًا خمسة تخفف منها، وتحيلها راحة وطمأنينة ومثوبة للخطيب وهي:
أ- الإخلاص في قصد الخطيب، والرغبة في الإفادة دون طلب الثناء أو التطلع للشهرة.
ب- المثوبة العاجلة التي يراها الخطيب في استجابة الناس للخير الذي دعاهم له، والبعد أو الإقلاع عن الشر الذي حذرهم منه: «ولئن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم».
ت- وما ينتظر المثوبة الآجلة أعظم وأكبر حين تتطاير الصحف، وكل نفس بما كسبت رهينة، ويجازى معلمو الناس الخير على القطمير والنقير، وخير الناس أنفعهم للناس.
ث- والتفكير المسبق بالخطبة يريح الخطيب، ويعين على إخراج الخطبة إخراجًا جيدًا، وتأخير ذلك إلى نهاية الأسبوع، فوق ما فيه من هدم وقلق، فهو
стр. 354
عرضة للانشغال والارتباط المفاجئ وكل ذلك يؤثر سلبيًا على الخطبة (موضوعًا، وعناصر، وإخراجًا).
ج- واختيار عدة عناوين وموضوعات للخطب- سلفًا- وتحديد مظان عناصرها، ومواردها يسهم في إخراج خطب جيدة يستفاد منها مستقبلاً، ويوفر للخطيب احتياطًا مهمًا عند الحاجة، ويساعد على تنوع موضوعات خطبة في العقائد، والأحكام، والأخلاق والسير، والقضايا المعاصرة، والترغيب والترهيب ... وغير ذلك مما يجنب الخطيب التركيز على أمور أو موضوعات معينة، وإهمال أخرى قد لا تقل عنها أهمية.
[٣] عوامل تأثير الخطبة في السامعين:
لا شك أن توفيق الخطيب ونجاحه في خطبته فضل من الله يؤتيه من يشاء، وهو أعلم وأحكم، ولكن يمكن تلمس ذلك في الأسباب الآتية:
أ- الصدق في القول والإخلاص في العمل.
ب- اختيار الموضوع المناسب زمانًا ومكانًا، وتوافقه مع حاجة المخاطبين.
ت- شمولية العرض له واستيفاء عناصره المهمة دون إطالة مملة.
ث- أسلوب الإلقاء واختيار العبارات المؤثرة، وأساليب شد الانتباه.
ج- سعة ثقافة الخطيب واطلاعه المستمر على كل جديد.
ح- تنوع موضوعات الخطبة (في العقائد، والأخلاق، والآداب، والسير، والأحكام، والفرائض والسنن، وأحوال المسلمين وواقع الأمم ... ).
خ- استثمار النصوص والخطاب بلغة العصر، واستشعار واقع الناس ومخاطبتهم بما يعرفون.
стр. 355
د- الاستفادة من عرض النماذج العالية والقصص الصحيحة أحيانًا فهي مواد للتشويق والإثارة.
ذ- عدم تيئيس الناس وتقنيطهم، ومعالجة الأخطاء برفق وحكمة، وفتح المجال للتوبة والإنابة للمسرفين، ومن هدي النبوة: بشروا ولا تنفروا، ويسيروا ولا تعسروا.
ر- تفاعل الخطيب مع مادة الخطبة، ورفع صوته أحيانًا وخفضه أحيانًا أخرى.
كل ذلك يشد انتباه الحاضرين للخطبة، ويدعو لتفاعلهم مع الخطيب، وقد قيل: (لا يؤثر إلا المتأثر).
[٤] لغة الخطيب وبلاغته:
وهذه يمكن أن تكون ضمن عوامل التأثير في الخطبة، ولكني أفردتها هنا لأهميتها، وفي لغة الخطيب يمكن القول:
إن أعظم وعاء تحمل به الخطبة لغة القرآن الكريم، ولا يعني ذلك مجال التقعر في الكلام، ولا اختيار الغريب من العبارات والألفاظ، قدر ما يعني سهولة العبارة وشمولها وصحتها، وصون الخطبة من العجمة واللحن، ففي المستمعين للخطبة نماذج يقطع متابعتهم للخطيب لحنه الجلي، وربما فروا عن الخطيب إذا تكاثر خطؤه وتكرر لحنه، واللغة العربية السهلة كفيلة بوصول المعاني وتأثيرها في المنصتين للخطبة، وهي مما يزين الخطيب ويرفع من شأن الخطبة.
ولا ضير من تشكيل الخطيب ما يشكل عليه، ولا ضمير من سؤال أهل الاختصاص والاستفادة منهم في هذا المجال. وفي الحديث عن لغة الخطيب