← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

إنها الذكرى والموعظةُ والتثبيتُ في قَصَصِ المرسلين: ﴿وَكُلًا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). ١٣ - وأخيرًا- وليسَ آخرًا- دونكمْ هذا المثبِّتُ فتدبِّروهُ والزَموه، إنه حبلُ اللهِ المتينُ، وكتابهُ المبينُ، هدًى وشفاءٌ، ونورٌ وبرهانٌ بصائرُ للناس، ورحمةٌ للعالمين: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٢). ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ (٣). آهٍ على المسلمين! ! كمْ ضيَّعوا كتابَ ربِّهمْ وفيهِ ذكرُهمْ وتقواهم، وسرُّ تفوُّقِهمْ ودليلُ أعدائهم، كم هجروه تلاوةً أو حُكمًا أو كليهما، وهو المنقذُ لهمْ في الأزمات، والهادي لمسيرتهمْ حين تَدْلَهِمُّ الخطوبُ وتَحْلوْ لكُ الظلماتُ، يُتلى على مسامعهمْ صباحَ مساءَ، ولكنَّ القلوبَ شاردةٌ، وكمْ يتقدمونَ بهِ في مناسباتهم، ولكنهمْ يغيبونَ عنهُ حينَ أزماتهم، يخافُ منهُ الأعداءُ ولا يُثمنُ المسلمونَ خوفَ الأعداء، إنهُ كتابٌ مفتوحٌ يقرأُ المسلمونَ فيهِ أسبابَ النصر وعواملَ الهزيمة، وسرَّ النجاحِ وأسبابَ الفشل، ومصدرَ القوةِ، ومكمنَ الخطر، ناصحٌ للمؤمنينَ ومبشرٌ لهم، ومغيظٌ للكفارِ ومتوعدٌ لهم، فهلْ يستمسكُ المسلمونَ بالذي أوحيَ إلى نبيِّهم، وهلْ يتذكرونَ أنهمْ سيُسألونَ عنه؟ ! وهلْ تكونُ الأزماتُ سببًا لمزيدِ إقبالهم عليه ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٤).

стр. 2907

اللهمَّ اهدِنا بهدايةِ القرآن، واشفِنا بشفاءِ القرآن، واجعَلْهُ لنا هاديًا ودليلًا. هذه- معاشرَ المسلمين- مُسكِّناتٌ ومسلِّياتٌ في الأزمات، وهيَ كذلك أمورٌ إيجابيةٌ في جميعِ الحالات .. إنها لا تُسْكِّنُ ولا تفتِّر، بلْ تسكِّن وتُطمئِنُ وتُثمر، وهيَ ليستْ ظنيَّةً تُصدقها التجاربُ، بلْ ثابتةً أكيدةَ المفعول .. ولكنَّ شرْطَها الإيمانُ والتصديقُ، خُذوها بقوَّةٍ، ولتكنْ سنَدًا لكم للعملِ المثمرِ في الدنيا، وزادًا للآخرة. كم نَئِنُّ ونتناولُ منْ مسكناتٍ تمتلئُ بها صيدلياتُنا .. وربما سكَنَ الألمُ ثمَّ عاد .. لكننا قدْ نغفلُ عنْ هذهِ المسكِّناتِ الإيمانيةِ وهيَ في متناولِ أيدينا فلا يكنْ حالُنا: كالعِيْس في البَيْداءِ يقتُلُها الظَّما ... والماءُ فوقَ ظُهورِها مَحْمولُ ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (١)، ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ (٢)، ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (٣). اذكروا اللهَ يذكركمْ، واشكروه على نعمهِ يزدْكم ولذكرُ اللهَ أكبرُ واللهُ يعلمُ ما تصنعون.

стр. 2908

هجمة الغرب ونصرة المظلومين في العراق (١) الخطبةُ الأولى: إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونعوذُ باللهِ منْ شرورِ أنفسِنا ومنْ سيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهدِهِ اللهُ فلا مُضلَّ لهُ، ومَنْ يضلِلْ فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولهُ، اللهمَّ صلِّ وسلِّم عليهِ وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلينَ، وارضَ اللهمَّ عنِ الصحابةِ أجمعينَ، والتابعينَ وتابعيهمْ بإحسانٍ إلى يومِ الدِّينِ وسلِّمْ تسليمًا كثيرًا. أيها الناسُ: وتمرُّ بالعالَمِ المعاصرِ أحداثٌ يكادُ العاقلُ لهَوْلِها وصدمتِها لا يُصدِّقُ، فبالأمسِ دولةٌ قائمةٌ، واليومَ لمْ يبقَ منها إلا الخبرُ والعبرةُ، وبالأمسِ كانتْ شعوبٌ منتظمةٌ- وإنْ كانتْ بائسةً- ولكنَّها اليومَ تعيشُ وضعًا آخرَ، لا تدري ما هيَ صانعةٌ، ولا ما يُصنعُ بها في المستقبلِ، ولا يدري المقتولُ فيمَ قُتلَ. إنَّ حركةَ التأريخِ ماضيةٌ، وسُنةَ اللهِ في التغييرِ جاريةٌ .. والعاقلُ مَنِ اتَّعظَ بغيرهِ، ولكنَّ المستنكَرَ- وإنْ كانَ غيرَ غريبٍ- أنْ تتعرَّضَ بلادُ المسلمينَ لغزوِ النصارى جهارًا نهارًا، وأنْ يَحْدُثَ التغييرُ بالقوةِ، وعلى مرأى العالَمِ ومسَمعِهِ، في زمنٍ باتَ يُسمَعُ كثيرًا عنْ حُرِّياتِ الآخرينَ وحقوقِ الآخرينَ، وأمْنِ الدولِ وسيادةِ الشعوبِ! ما الذي تغيّرَ فجأةً؟ وهلْ تكفي للهجمةِ تُهمةُ نزعِ أسلحةِ الدمارِ الشاملِ، ومنْ يُثبِتُ التهمةَ؟ وأينَ هيَ أسلحةُ الدمارِ الشاملِ بعدَ أنْ

стр. 2909

وضعتِ الحربُ أوزارَها، ومَنْ يُحاكِمُ الجانيَ إذا لمْ تثبتْ تهمتُهُ؟ لا شكَّ أنَّ غزوَ العراقِ سابقةٌ في التاريخِ المعاصرِ لا ينبغي أنْ تمرَّ على المسلمينَ بسلامٍ وعفويّةِ، فالغربُ ذاتُه كانَ يتوقَّعُ ردودَ أفعالٍ صاخبةٍ، ومعَ الأسفِ كانَ استنكارُ غيرِ المسلمينَ أقوى وأبلغَ مِنَ المسلمينَ! إننا لا نأسى على رُموزٍ ظَلَمةٍ غيّبتْهمُ الأحداثُ بعدَ طولِ ضجيجِ وإفسادٍ في الأرضِ، ولا نأسى على حزبٍ طالما أَهلكَ بجَبَروتِهِ الحرثَ والنسلَ، ولكننا نأسى ونحترقُ لأمّةِ العراقِ المسلمةِ، ولشعبِ العراقِ المسلمِ، نأسى لثروةِ الأمّةِ في بلدِ العراقِ، تلكَ التي لمْ يكتفِ الغُزاةُ والمفسدونَ بعدمِ الاكتراثِ بها أرواحًا، وأموالًا، ومُقدَّراتٍ .. بلْ تطاولوا على مُقدَّراتِ الأمّةِ وإرثِها الحضاريِّ حتى قيلَ: «أحدثُ حضارةٍ تُدمِّرُ أقدمَ حضارةِ» (١) فأحرَقوا الكتبَ، ودُمِّرتِ المكتباتُ، والتقتْ دماءُ البشرِ على مِدادِ الكتبِ، في مشهدٍ يُذكِّرُنا بهجمةِ (التَّترِ) على بغدادَ حينَ اختلطتْ مياهُ الأنهارِ معَ دماءِ المسلمينَ، وتغيَّرَ لونُ الماءِ بمِدادِ الكُتبِ، ولسنا ندري لِمَ كانتْ ضجةُ الغربِ حينَ حطمتْ طالبانُ الأصنامَ؟ واليومَ يرعى الغربُ تحطيمَ آثارِ العراقِ! لقدْ كانتْ كارثةُ الأمسِ وكارثةُ اليومِ نُذُرًا للمسلمينَ وعواقبَ إلهيةً على الغفلةِ والفسادِ والخيانةِ التي تكفي أن تقعَ منْ فئةٍ ولا تستطيعُ الفئةُ الأخرى دفْعَها وإصلاحَها، فاللهُ يقول: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٢). أجلْ، إنَّ المتأمِّلَ في سياقِ التاريخِ يرى أنَّ أمّةَ الإسلامِ منذُ القِدَمِ مستهدفةٌ

стр. 2910

منْ قِبَل أعدائها، وممتَحنةٌ بهجماتٍ شرسةٍ تتابعُ عليها .. ولكنَّ أحوالَ المسلمينَ صلاحًا أو فسادًا، صدقًا أو نفاقًا هيَ الفيصلُ في رسمِ النتائجِ .. وسأقصُّ عليكمْ منْ ذاكرةِ التاريخِ عجبًا .. أمةٌ منَ النصارى تتقصَّدُ بلادَ المسلمينَ في النصفِ الثاني منَ القرنِ الخامسِ الهجريِّ، وتلتقي بالمسلمينَ في جيشٍ لَجِبٍ لا طاقةَ للمسلمينَ بهِ، ولا مقارنةَ على الإطلاقِ بينَ الجيشينِ .. ثمَّ تنتهي المعركةُ لصالح المسلمينَ، بلْ ويؤسَرُ زعيمُ النصارى، فكيفَ وقعَ، ومَعَ مَنْ وقعَ هذا؟ قالَ ابنُ الأثيرِ وعنه الذهبيُّ: في هذهِ السنةِ (٤٦٣ هـ) خرجَ أرمانوسُ ملكُ الرومِ في مائتي ألفٍ منَ الرُّومِ، والفِرَنْجِ، والغربِ، والرُّوسِ، والبجناكِ، والكُرجِ، وغيرِهمْ، منْ طوائفِ تلكَ البلادِ، فجاءوا في تجمُّل كثير، وزيٍّ عظيم، وقَصَدَ بلادَ الإسلامِ، فوَصلَ إلى ملازكرد (١) من أعمالِ خِلاطَ. فبلغَ السلطانَ ألْب أرسلان الخبرُ، وهوَ بمدينةِ خُوَيّ من أذْرَبِيجانَ، قدْ عادَ منْ حَلَبَ، وسمعَ ما هُوَ مَلكُ الرومِ فيهِ منْ كثرةِ الجُموعِ، فلمْ يتمكَّنْ منْ جمْعِ العساكرِ لبُعدِها وقُربِ العدوِّ، فسيَّر الأثقالَ مَعَ زوجتهِ ونظامِ المُلكِ إلى هَمَذانَ، وسارَ هوَ فيمنْ عندَهُ مِنَ العساكرِ، وهمْ خمسةَ عَشَرَ ألفَ فارسٍ، وجدَّ في السَّيرِ، وقالَ لهمْ: إنّني أقاتلُ محتسِبًا صابرًا، فإنْ سلِمْتُ فنعمةٌ منَ اللهِ تعالى، وإنْ كانتِ الشهادةُ فإنَّ ابني مَلِكْشاه وليُّ عهدي؛ وساروا. فلمّا قاربَ العدوَّ جعلَ له مقدّمةً، فصادفتْ مقدّمتُه، عند خِلاطَ، مُقدَّمَ الروسيّةِ في نحوِ عشرةِ آلافٍ منَ الرومِ، فاقتَتَلوا، فانهزمتِ الروسيّةُ، وأُسرَ مُقدَّمُهم، وحُملَ إلى السلطانِ، فجَدَع أنْفَه، وأنفذَ بالسَّلب إلى نظامِ المُلكِ،

стр. 2911

وأَمَرَهُ أنْ يرسلَه إلى بغدادَ، فلمّا تقاربَ العسكرانِ وتراءى الكفرُ والإيمانُ) أرسلَ السلطانُ إلى ملكِ الرومِ يطلبُ منهُ المُهادنةَ، فقالَ: لا هُدنة إلا بالرَّيِّ، فانزعجَ السلطانُ لذلكَ، فقالَ لهُ إمامُه وفقيهُه أبو نصرٍ محمّدُ بنُ عبدِ الملكِ البخاريُّ، الحنفيُّ: إنَكَ تقاتلُ عن دينٍ وَعَدَ اللهُ بنصرهِ وإظهارِه على سائرِ الأديانِ، وأرجو أنْ يكونَ اللهُ تعالى قد كَتَبَ باسمِك هذا الفتحَ، فالقَهمْ يومَ الجُمعةِ، بعدَ الزوالِ، في الساعةِ التي يكونُ الخطباءُ على المنابرِ، فإنِّهمْ يَدعُون للمجاهدينَ بالنصرِ، والدعاءُ مقرونٌ بالإجابةِ. فلمّا كانتْ تلكَ الساعةُ صلَّى بهمْ، وبكى السلطانُ، فبكى الناسُ لبكائهِ، ودعا ودعَوْا له، وقالَ لهمْ: مَن أرادَ الانصرافَ فلْينصرفْ، فما ها هنا سُلطانٌ يأمرُ ويَنهى، وألقى القوسَ والنُّشّابَ، وأخذَ السيفَ والدبُّوسَ، وعَقدَ ذَنَبَ فرسِه بيدهِ، وفعلَ عسكرُه مثْلَه، ولبسَ البياضَ، وتحنَّط، وقالَ: إنْ قُتلتُ فهذا كَفَني. وزحفَ إلى الرومِ، وزَحفوا إليهِ، فلمّا قارَبَهمْ ترجَّلَ وعفَّر وجْهَه على الترابِ، وبكى، وأكثرَ الدعاءَ، ثم رَكِبَ وحَمَلَ، وحَملتِ العساكرُ معهُ، فحَصَلَ المسلمونَ في وسطهمْ، وحَجزَ الغبارُ بينهمْ، فقَتَلَ المسلمونَ فيهمْ كيفَ شاءوا، وأنزل اللهُ نصْرَه عليهم، فانهزم الرومُ، وقُتلَ منهمْ ما لا يُحصى، حتى امتلأتِ الأرضُ بجُثثِ القتلى، وأُسرَ ملكُ الرومِ ... ، فلمّا أُحضرَ (الملكُ الروميُّ المأسورُ) ضَرَبَه السلطانُ ألْبُ أرسلان ثلاثَ مَقارعَ بيدهِ، وقالَ لهُ: ألمْ أُرسلْ إليكَ في الهُدنةِ فأَبَيتَ؟ فقالَ: دعني منَ التوبيخِ، قالَ: ما عزمُك لو ظفرتَ بي؟ قالَ (ملكُ الرومِ): كلُّ قبيحٍ، قالَ له ألْب أرسلان: فما تؤُمِّلُ وتظنُّ بي؟ قالَ: القتلَ، أو تُشهِّرني في بلادكَ، والثالثةُ بعيدةٌ (العفو) وقبولُ الفداءِ، قالَ لهُ أَلْب أرسلان: ما عزمتُ على غيرِها، فاشترى نفْسَه بألفِ ألفِ دينارٍ وخمسِ مائةِ

стр. 2912

ألفِ دينارٍ، وإطلاقِ كلِّ أسيرِ في بلادهِ منَ المسلمينَ (١). تأمَّلوا- إخوةَ الإيمانِ- الفَرْقَ في الصدقِ معَ اللهِ، وكيفَ تتحوَّلُ القِلَّةُ الصابرةُ المحتسِبةُ إلى قوةٍ مرهبةٍ مرعبةٍ، وكيفَ يَحيقُ المكرُ السيئُ بأهلهِ، وتتفرَّقُ الجموعُ المحتشدةُ إلى قتلى وأسرى ومحزونينَ حينَ يَصْدُقُ المجاهدونَ، وتأمَّلوا- على صعيدٍ آخرَ- الفرقَ بينَ معاملةِ المسلمينَ حينَ يَنتصرون، وإنْ ظُلِموا واعتُديَ عليهمْ، فالعفوُ والتسامحُ خلافُ ما طنطنَ به غيرُ المسلمينَ في هيآتهمْ ودساتيرِهم وما طافوا بهِ العالمَ دَجَلًا وجَعْجَعةً في إعلامهمْ ولكن المسلمين تمثلوهُ واقعًا عمليًا في حياتهم .. وغيرُ المسلمينَ إذا ظفرَ أحدُهمْ فَعَلَ الأفاعيلَ وتجاوزَ الدساتيرَ، وظهرتْ جاهليتُه في العراءِ، يَنهبونَ ويَسلبونَ ويُفسدونَ ويَحرِقون، ويكيدونَ ويمكرونَ، ويُخططون بلْ يوطرون الفسادَ للمستقبل .. ! ! تلكَ حضارةُ الغربِ- وإن رغموا-، وتلكَ حضارةُ المسلمينَ إذا ما اتقَوْا وآمَنوا، والزَّبَدُ يَذهبُ جُفاءً، ويَمكثُ في الأرضِ ما يَنفعُ الناسَ. نفعني اللهُ وإياكم بهَدْيِ كتابهِ.

стр. 2913

الخطبةُ الثانية: الغربُ في العراقِ باتَ يُنفَّذُ مخطَّطاتِه، فالقواعدُ العسكريةُ تُختارُ مواقعُها ويُبدأُ بإنشائِها، والحاكمُ العسكريُّ الأمريكيُّ يصلُ بغدادَ ليشرفَ على حُكمِ العراقِ واختيار مَنْ يقومُ نيابةً عنِ الغربِ بحُكمِ العراقِ، وبدأتِ التّهمُ تُلاحقُ الموفَدَ الأمريكيَّ للعراقِ بأنهُ صاحبُ علاقاتٍ حميمةٍ مَعَ دولةِ الصهاينةِ! وسواءٌ ثبتَ هذا أمْ لمْ يثبتْ فالنظامُ الجديدُ في العراقِ لا بدَّ أنْ يكونَ متفقًا مَعَ رغباتِ اليهودِ وتطلُّعاتِهمُ المستقبليةِ في المنطقةِ .. فهذا منْ أهدافِ الغزوِ. والغربُ وأمريكا كاذبانِ في دعوى أنَّ العراقَ للعراقيِّينَ، وسيَختارُ العراقيونَ ما يرونهُ مناسبًا لحُكم بلادِهمْ .. إنها شنشنةٌ وذرٌّ للرَّمادِ في العيونِ، بلْ يعتزمُ الأمريكانُ التدخلَ والتغييرَ في العراقِ لما يشتهونَ، (إنْ لمْ يُقاوَموا). وقدْ أعلنَ مكتبُ مستقبلِ العراق! تشكيلَ لجانٍ خاصةٍ لوضعِ نظامٍ تعليميٍّ، ورُويدًا- أيُّها البسطاءُ- فلا تظنوا إصلاحًا للنظامِ التعليميِّ البعثيِّ؟ بلْ هوَ وفقَ العقيدةِ والنظرةِ الأمريكيةِ، بلْ هوَ مؤشِّرٌ على حرصِ القومِ على تغييرِ المناهجِ في البلادِ العربيةِ والإسلاميةِ عمومًا إنِ استطاعوا، ومتى أُتيحتْ لهمُ الفرصةُ في ذلكَ، وهذا وغيرُه جزءٌ من خَبَرِ اللهِ لنا عنهمْ: ﴿لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًا وَلاَ ذِمَّةً﴾ (١). ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ (٢). ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ (٣).

стр. 2914

إنَّ على المسلمينَ أنْ يُدرِكوا حقيقةَ الهجمةِ وأهدافَ اللعبةِ، فالقومُ يتعاملونَ معَ المسلمينَ منْ منطلقاتٍ دينيةٍ، لا يقال هذا رَجْمًا بالغيبِ، ولا يُرمى بالكلامِ على عَواهنِهِ، بلْ تؤيِّدُه تصريحاتُ القومِ وتصرفاتُهمْ، ولوْ تجاوزْنا تصريحاتِ الساسةِ بالحربِ الصليبيةِ، وتجاوزْنا الهجومَ المسيسَ على الإسلامِ ورسولِ الإسلامِ ومبادئِ القرآنِ- ممّا طغى به إعلامُ القومِ- فثمَّةَ كتابانِ يحتفي الغربُ بهما، ويُمثِّلانِ المَعْلَمَ البارزَ لاعتقادِ أمريكا بأنها مسئولةٌ دينيًا عنْ نشْرِ قِيَمِ النصرانية، والكتابانِ هما: ١ - «صراعُ الحضارات» لـ: (صومائيل هانتغنتون). ٢ - وكتابُ «نهايةُ التاريخ» لـ: (فرانسيس فوكاياما) .. ويمثّلُ الكتابُ الأخيرُ خلفيةً دينيةً عَقَديةً تؤمنُ بأنَّ الحضارةَ الغربيةَ بمثالِها الأمريكيِّ الحضارةُ التي يرتضيها الربُّ لنهايةِ العالمِ (١). بلْ يؤمِنُ الغربُ- وفي مقدّمتهِ أمريكا- أنه الوصيُّ في تحقيقِ الشروطِ اللَّاهوتيَّةِ لنزولِ المخلِّص- في نَظَرِهمْ-، وهذهِ النظرةُ تبدأُ بحمايةِ أمنِ إسرائيلَ ومعاقبةِ مَنْ يُهدِّدُها .. وتنتهي هذهِ النظرةُ الدينيةُ المتطرِّفةُ- في نظرِ القومِ- بمعركةِ (هرمجدونَ) التي تضمنُ نهايةَ العالمِ بانتصارِ المؤمنينَ وإبادةِ الكافرينَ، ويمثِّلُ احتلالُ العراقِ- حسبَ نبوءاتِهمْ- أولَ مبشِّراتِ هذهِ المعركةِ الإنجلويهودية. فهلْ يا ترى يتعاملُ المسلمونَ مَعَ خصمِهمْ بناءً على نظرتهمْ وعقيدتِهمْ. أمْ ترى العدوُّ ينجحُ في التضليلِ والخداعِ سائرًا في مخطَّطِهِ مُستهترًا بمَنْ حولَه؟ تُرى متى يُفيقُ المسلمونَ فيواجهونَ الحربَ بحربٍ مثلها، يقابلون العقيدةَ

стр. 2915

المنحرفةَ بالعقيدة الصحيحةِ، ويواجهون العدّةَ الحربيةَ بمثلِها ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ (١)، ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ (٢). إنَّ منَ المؤسفِ أنَّ القومَ يصدِّرونَ لنا العَلْمَنةَ ويتعاملونَ مَعَ قضايانا بالعقيدةِ الإنجيليةِ .. يريدونَ تشويه إرثِنا الحضاريِّ، وهمْ في المقابلِ باتُوا يبحثونَ عنْ إرثِهمْ ويتكئونَ عليه في حروبِنا، ولئنْ كانتِ النهايةُ للحقِّ والمحقِّينَ، فلا ينبغي أنْ نكونَ- معاشرَ المسلمينَ- بجهلِنا وتخلُّفِنا فتنةً للكافرين.

стр. 2916

لماذا وكيف ندفع الفتن ؟ (١) الخطبةُ الأولى: إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ منْ شرورِ أنفسِنا ومنْ سيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهدِهِ اللهُ فلا مُضلَّ لهُ، ومنْ يضلِلْ فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، اللهمَّ صلِّ وسلِّم عليهِ وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلينَ، وارضَ اللهمَّ عن الصحابةِ أجمعينَ والتابعينَ وتابعيهمْ بإحسانٍ إلى يومِ الدِّينِ وسلِّمْ تسليمًا كثيرًا. أيُّها المسلمون: عظَّمَ الإسلامُ أمرَ الفتنِ، وحذَّرَ المصطفى ﷺ منْ آثارِها، وأرشدَ إلى المخرجِ منها بالمبادرةِ للأعمالِ الصالحةِ فقالَ: «بادِرُوا بالأعمالِ فِتَنًا كقِطَع الليلِ المظلمِ، يصبحُ الرجلُ مؤمنًا ويُمسي كافرًا، ويُمسي مؤمنًا ويصبحُ كافرًا، يبيعُ دِينَه بعَرَضٍ منَ الدنيا» (٢). رُوي عنِ الحسنِ أنهُ قالَ في هذا الحديثِ: «يصبحُ الرجلُ مؤمنًا» يعني: مُحرِّمًا لدمِ أخيه وعِرْضِه ومالِه، ويُمسي مُستحلًّا (٣). وما زالَ العلماءُ يُحذِّرونَ منَ الفتنِ حتى بوَّبَ أهلُ الحديثِ في كتابِ (الفتنِ): (بابَ الاعتزالِ في الفتنةِ)، وبه ساقُوا حديثَ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «يوشكُ أنْ يكونَ خيرُ مالِ المسلمِ الغَنَمَ، يتَّبعُ بها شَعَفَ الجبالِ، ومواقعَ القَطْرِ، يَفرُّ بدِيِنهِ منَ الفتنِ» (٤).

стр. 2917

أجلْ يا عبادَ اللهِ! إنَّ دِينَ المسلمِ عزيزٌ عليهِ، ويَنبغي أنْ يجتهدَ أنْ يَلقى اللهَ وهُوَ غيرُ مفتونٍ، وأنْ يجاهدَ نفْسَهُ بالحذرِ منَ الفتنِ، وهنا تَرِدُ أسئلةٌ ثلاثةٌ، وأجتهدُ في الإجابةِ عنها: ١ - لماذا نَحذَرُ ونُحذِّرُ منَ الفتن؟ ٢ - ومَنْ يُسهِمُ في إشعالِ فتيلِ الفتنِ؟ ٣ - وكيفَ نُساهمُ في دفعِ الفتنِ؟ تلكَ أسئلةٌ ثلاثة أكتفي بعرضِها، وإنْ كانَ ثمَّةَ أسئلةٌ أُخرى لا تقلُّ أهميةً عنها، ولعلَّ اللهَ أنْ يُيسِّرَ لعرضِها والإجابةِ عنها. أمّا: لماذا نَحْذَرُ ونُحذِّرُ منَ الفتنِ؟ فالعالِمونَ والعارفونَ والعقلاءُ يحذِّرونَ منْ وقوعِ الفتنِ؛ لأنهمْ يُقدِّرونَ ما بعدَها، ويتخوَّفونَ ممّا تصيرُ إليهِ في بَدْئِها أو منتهاها، بعكسِ الجَهَلةِ ومَنْ تغلِبُ عواطفُهمْ عقولَهمْ، ولا يتحسَّبونَ للعواقبِ. ولهذا أخرجَ البخاريُّ في «صحيحهِ» في بابِ «الفتنة» التي تموجُ كموجِ البحرِ» ... : وقالَ ابنُ عيينةَ عن خلفِ بنِ حَوْشَبٍ: كانوا يستحبُّونَ أنْ يتمثَّلوا بهذهِ الأبياتِ عندَ الفتنِ، قالَ امرُؤ القيسِ: الحربُ أولُ ما تكونُ فتيَّةً ... تَسْعَى بزينتِها لكلِّ جَهُولِ حتَّى إذا اشتعلتْ وشبَّ ضِرامُها ... ولّتْ عجوزًا غيرَ ذاتِ حَليلِ شمطاءَ يُنكَرُ لونُها وتغيّرتْ ... مكروهةً للشمِّ والتقبيلِ (١) قال الحافظُ ابنُ حَجَرٍ: والمرادُ بالتمثلِ بهذهِ الأبياتِ استحضارُ ما شاهَدُوهُ

стр. 2918

وسمعوهُ منْ حالِ الفتنةِ، فإنهمْ يتذكَّرونَ بإنشادِهمْ ذلكَ، فيصدُّهم عنِ الدخولِ فيها حتى لا يغترُّوا بظاهرِ أمرِها أولًا (١). ونعودُ لإجابةِ السؤالِ: (لماذا نحذر الفتنَ؟ ) فنقولُ: لعدّةِ أمورٍ، منها: ١ - لأنَّ الفتنَ توقعُ الفرقةَ والاختلافَ بينَ المسلمينَ، فيضعفُ حَبلُ الإخاءِ، وتضمرُ ميادينُ التعاونِ على البرِّ والتقوى، واللهُ أَمَرَنا بالتعاونِ على الخيرِ، وأوصانا بالأخوّةِ والإصلاحِ، ونهانا عن الفُرقةِ والاختلافِ: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢). ٢ - ولأنها سببٌ لاختلاطِ الأوراق، وتدسسِ أهلِ الرِّيَبِ، وبُروزِ النفاقِ، وهيَ أجواءٌ للمنافقينَ الذين يسعَوْنَ في الأرضِ فسادًا بلهجةِ الناصحينَ المصلحينَ. وإذا كانتِ الأمورُ في أيامِ (الفتنةِ الأُولى) في زمنِ الصحابةِ كانَ لها وقعُها وأثرُها في تصدُّعِ الأمّةِ وذهولِها إلى حدٍّ توقفَ معهُ سَيرُ الفتوحِ الإسلاميةِ في ظلِّ تلكَ الأزمةِ، وجيلُ الصحابةِ لا يزالُ موجودًا، فما الظنُّ بغيرِهمْ؟ ٣ - والفتنُ تُشغِلُ عنِ العبادةِ والطاعةِ، وتشلُّ حركةَ الاحتسابِ والدعوةِ، إذ الناسُ في شُغلٍ شاغلٍ ونَصَبٍ دائبٍ، وتفكيرٍ بالمُصاب الأعظمِ (الفتنِ وأطرافِها)، والنفوسُ متوترةٌ، والقلوبُ مشحونةٌ، والتوجُّسُ والرِّيبةُ تحلُّ محلَّ الثقةِ والطمأنينةِ .. وهذا بلا شكِّ يُخلِّف آثارًا سلبيةً لا سيَّما على العبادةِ والدعوةِ. ٤ - وفي المقابلِ ففي أجواءِ الأمنِ والسِّلمِ يمتدُّ رِواقُ الإسلامِ، وتُنشَرُ

стр. 2919

الدعوةُ، ويتقاربُ الناسُ، والكسبُ الأكبرُ للإسلامِ وأهلِهِ إذا صدقوا في دعوتِهمْ ونشرِ إسلامِهمْ، ومَنْ تأمَّلَ أحداثَ السيرةِ النبويةِ وَجَدَ ما يُصدِّقُ هذا ويشهدُ لهُ. ففي (صلحِ الحُدَيبيَةِ) أَبرمَ النبيُّ ﷺ مَعَ المشركينَ (معاهدةَ الحديبيةِ) وفقَ شروطٍ لمْ يرضَ عنها طائفةٌ منَ المؤمنين في البدايةِ، حيثُ بدا لهمْ أنَّ الشروطَ مُجحفةٌ للمسلمينَ، وهي لصالح المشركينَ، حتى قالَ عمرُ ﵁ للنبيِّ ﷺ : ألستَ نبيَّ اللهِ حقًا؟ قالَ: «بلى»، قالَ: أَلسْنا على الحقِّ وعدوُّنا على الباطلِ؟ ... فلِمَ نُعطي الدنيّةَ في دينِنا إذًا؟ قالَ: «إني رسولُ اللهِ، ولستُ أعصيَه، وهُوَ ناصري». ومَعَ ذلك كانَ الصلحُ بشهادةِ القرآنِ فتحًا مُبينًا، حيثُ نزلَ قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ (١) والرسولُ ﷺ في طريقِ العودةِ منَ الحُدَيبيَة إلى المدينةِ، قال عمرُ متعجِّبًا: أَوَفتحٌ هُوَ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: نَعمْ» (٢). قالَ الزهريُّ ﵀ معلِّقًا على نتائجِ (صلحِ الحديبيةِ): فما فُتحَ في الإسلامِ فتحٌ قبْلَه كانَ أعظمَ منهُ، إنما كانَ القتالُ حيثُ التقى الناسُ، فلمّا كانتِ الهدنةُ ووَضعتِ الحربُ أوزارَها، وآمنَ الناسُ بعضُهمْ بعضًا، والتقَوْا فتفاوَضُوا في الحديثِ والمنازعةِ، فلمْ يُكلَّمْ أحدٌ بالإسلامِ بعقلٍ إلا دخلَ فيهِ، ولقدْ دخلض في تينِكَ السنتينِ مثلُ مَنْ كانَ في الإسلامِ قبلَ ذلكَ (٣). وعلَّقَ ابنُ هشامٍ على هذا قائلًا: والدليلُ على قولِ الزهريِّ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ

стр. 2920

خرجَ إلى الحديبيةِ في ألفٍ وأربع مائةٍ في قولِ جابرٍ، ثمَّ خرجَ في عامِ الفتحِ بعدَ ذلكَ بسنتينِ في عشرةِ آلافٍ (١). ٥ - أنَّ الفتنَ- إذا وقعتْ- تُفرحُ العدوَّ المتربِّصَ (في الخارج أو في الداخلِ) منَ الكفار أو منَ المنافقينَ، وتُتيحُ لهُ الفرصةَ وتُهيِّئُ لهُ الأجواءَ المناسبةَ للغارةِ على المسلمينَ وبَلْبلتِهمْ مستغلةً انشغالَ المسلمينَ بما همْ فيهِ منْ أجواءِ الفتنِ، فتُمرَّرُ كثيرٌ منَ الأمورِ السيئةِ على حينِ غفلةٍ وتُقرَّرُ موادُّ الفسادِ، ويَشيعُ أهلُ الريبِ والفسادِ والفحشاءِ والمنكرِ، إذِ الحرّاسُ مشغولونَ، والمحتسِبونَ المطفئِونَ للحرائقِ منهمكونَ في دفعِ الفتنِ النازلةِ .. وهكذا يَحصلُ منَ الضررِ والفسادِ ما يَسوءُ المؤمنينَ ويُفرحُ المتربِّصينَ .. ولا بدَّ منْ وعيِ هذا جيدًا والتعوُّذِ منَ الفتنِ ودفعِها. ٦ - والفتنُ إذا استعرتْ مُناخٌ لظهور الطائفيّةِ والتعصُّبِ المنبوذِ، ويتخذُها أرقّاءُ الدِّينِ مناسبةً لتصفيةِ الحساباتِ وتحقيقِ الثاراتِ، فالحريقُ يمتدُّ هنا وهناكَ، والدعواتُ والنَّعراتُ الجاهليةُ تنشطُ، ويظهرُ الحسدُ والحقدُ والكيدُ والعدوانُ، وهكذا حينَ يغيبُ العقلُ، وتكونُ لغةُ القوةِ هيَ لغةَ التفاهمِ، ويغيبُ الحوارُ الهادئُ والإقناعُ بالحجّةِ والبرهانِ، والدعوةُ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ، فهلْ يَرضى عاقلٌ .. فضلًا عنْ صاحبِ الدِّينِ بهذا الواقعِ؟ ! إخوةَ الإسلام: مَنْ يُسهمُ في إشعالِ الفتنِ؟ وبعدَ الإجابةِ عنِ السؤالِ الماضي: لماذا نَحْذَرُ ونُحذِّرُ منَ الفتنِ؟ يَرِدُ سؤالٌ آخرُ، لا يقلُّ أهميةً، وهُوَ كذلكَ محتاجٌ إلى إجابةٍ. والسؤالُ الآخرُ يقولُ: مَنْ

стр. 2921

يُسهمُ- مِنْ حيثُ يَشعُر أوْ لا يشعرُ- في إشعالِ الفتنِ؟ وللإجابةِ أسوقُ رأيً يُروى عنْ عمرَ ﵁ حيثُ قالَ: قَصَمَ ظهري رَجُلانِ: فاجرٌ مُتهتِّكٌ، وجاهلٌ مُتنسِّكٌ. وإذا كانَ الجاهلُ المتنسِّكُ يضرُّ بالدِّينِ ويُسيءُ للمسلمينَ منْ حيثُ يَشعُرُ أو لا يشعرُ .. والحديثُ عنْ هذا الصنفِ كثيرٌ؛ فدعُونا نكتفِ بالصنفِ الآخر: فلا شكَّ أنَّ الفاجرَ المتهتِّكَ باعثٌ للفتنةِ، لا سيِّما إذا جاوزَ في تهتُّكِهِ محيطَهُ القريبَ، وسلوكياتِهِ الشخصيةَ، إلى الدعوةِ على فجورِهِ، والمدافعةِ عنْ باطلهِ، ورميِ الآخرينَ بالتُّهمِ .. كمَنْ يرمي بيوتَ الآخرينَ وبيتُه منْ زُجاجٍ .. إنَّ التطرفَ- بمفهومِهِ الواسعِ- لا يقفُ عندَ حدودِ (الغلوِّ في الدينِ)، فهذا، وإنْ كانَ خطيرًا، فالشقُّ الآخرُ للتطرُّفِ هُوَ (الغلوُّ في الجفاءِ)، والمبالغةُ في الفسادِ، ومحاولةُ إسقاطِ القِيَمِ، والرغبةُ في التنصُّلِ منْ تكاليفِ الشريعةِ، واعتبارُ حدودِ الإسلامِ ومُثُلِهِ قيودًا لا بدَّ منْ تحطيمِها والخلاصِ منها .. إنَّ هذه السلوكياتِ الجائرةَ على النفسِ وعلى الآخرينَ تُحرِّكُ الساكنَ، وتستفزُّ المشاعرَ وتوسِّعُ دائرة الحريقِ، وربَّما دفعتْ مَن قلَّ عِلْمُه أو ضَعُفَ صبرُه إلى تصرفاتٍ لا تُقَرُّ ولا تُقبلُ، وتُضِرُّ ولا تُبرَّرُ. إننا لا بدَّ أنْ نستشعرَ جيدًا أنَّ التطرفَ (ضدّ الدِّينِ) كالتطرفِ الدينيِّ، في الإضرارِ بوحدتِنا وأَمْنِنا، والاعتدالُ ودراسةُ الأمورِ برويّةِ بعيدًا عنْ ردودِ الأفعالِ هيَ الكفيلةُ بوصولِنا- بإذنِ اللهِ- إلى شاطئ الأمانِ، وذلك بعلاجِ الخطأِ دونَ أنْ يؤدِّيَ العلاجُ إلى داءٍ جديدٍ (١). وإذا كنا لا بدَّ أنْ نكونَ صرحاءَ في رفضِ الغلوِّ في الدِّينِ، ورفضِ لغةِ القوةِ

стр. 2922

والتدميرِ والإفسادِ وقتلِ الأنفسِ المعصومةِ، والتأكيدِ على أنَّ ذلكَ بوابةٌ للفتنِ .. فلا بدَّ أنْ نكونَ صُرحاءَ كذلكَ في رفضِ فجورِ المتهتِّكينَ .. الذينَ دأبوا على الإرجافِ والتصيُّد في أجواءِ الفتنِ، فما أَنصَفوا مناهِجَنا، بل عاُبوها واتَّهموها، ونسَبُوا إليها كلَّ قبيحٍ، ومناهجُنا، وإنْ كانتْ منْ جُهدِ بشرٍ يصيبونَ ويخطئونَ، إلا أنها- وبشهادةِ الآخرينَ- منْ أعدلِ المناهجِ وأقومِها، وهيَ تجمعُ بينَ الأصالةِ والمعاصرةِ، ولكنَّ القومَ طالما شَرِقُوا بهذهِ المناهجِ وطالَبُوا بتغييرِها لا تطويرِها، وركَّزوا على المناهجِ الدينيةِ أكثرَ منْ غيرِها، وكلَّما حدثَ أمرٌ صاحُوا مُتستِّرينَ وراءَ الحدثِ لتجديدِ الدعوةِ للهجومِ على المناهجِ، ولكنَّ حكمةَ المسئولِ، ووعيَ المربِّي، وأناةَ المتخصِّصينَ في المناهجِ وقناعتَهمْ بأهميةِ التطويرِ المتعقِّل والمدروسِ بوعيٍ لا بهوًى .. كلُّ ذلكَ يجعلُ هذهِ الدعواتِ في مهبِّ الريحِ، وما سلمتْ مؤسساتُنا التربويةُ وهيآتُنا الاحتسابيةُ منْ هجومِ هؤلاءِ وصُراخِهمْ، وكأنَّ هذهِ الجهاتِ الرسميةَ نشازٌ في مؤسساتِنا الحكوميةِ، يتَّهمونَ المعلمَ والمعلمةَ داخلَ فصولِهمُ الدراسيةِ، ويستكثرونَ منهمُ الدعوةَ في مدارسهمْ ويستغربونَ إذْ يوجِّهونَ طلاَبهمْ ويَلمِزونَ المطَّوِّعينَ منَ المؤمنينَ في الدعوةِ والحِسْبةِ، ويَسخرونَ بمظاهرِ التديُّن، وتُغيظهمُ الصحوةُ، ويَسلمُ منهمُ الشبابُ الضائعونَ في المخدِّراتِ والانحرافاتِ الخُلقيةِ، ويتطيَّرونَ بالمتديِّنينَ منَ الرجالِ والنساءِ، وما سَلِمَ مِنْ أذاهمُ العلماءُ وأصحابُ الدعوةِ الموتى، وأنَّى للأحياءِ، وهمْ يُعيدونَ للأذهانِ مَنْ تطيَّرَ قبْلَهمْ بالصالحينَ، حيثُ قالَ اللهُ عنْ آلِ فرعون: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ﴾ (١)، ولكلِّ قومٍ وارثٌ (٢).

стр. 2923

لقدْ تحدَّثَ هؤلاءِ الجاهلونَ عنِ الولاءِ والبَراءِ فما أحسَنوا، وعنِ الجهادِ فأساءوا، وتلمَّسوا الأعذارَ للضالِّينَ، واشتطُّوا في نظرتِهمْ لإخوانِهمُ المسلمينَ، ووَقعوا بأعظمَ ممّا عابُوا! أتُراهمْ يطمعونَ إلى تغييرِ هُويةِ المجتمعِ المحافظِ بمثلِ هذهِ الطروحاتِ؟ أجَهِلوا أنهمْ في بلادِ الحرمَيْن منبعِ الرسالةِ ومصدرِ الهدايةِ ومَعقلِ الدعوةِ؟ القرآنُ نزلَ فيها، ومحمدٌ ﷺ بُعثَ منْ بطاحِها فالإسلامُ والدعوةُ جذورُها وعمقُها التاريخيُّ، وهو مفخرةٌ لأهلِها. لقدْ خابَ وخَسِرَ مَنْ حاربَ ديِنَ اللهِ أوْ سَخِرَ بشيءٍ ممّا جاءَ بهِ رسولُ اللهِ ﷺ . تُرى منْ أيِّ بيئةٍ نَهلوا هذا الفكرَ الجانحَ؟ وإلى أيِّ جماعةٍ ينتمونَ ويَركنونَ في هذا الهجومِ الكاسحِ؟ ومجتمعُنا- بحمدِ اللهِ- يمثِّلُ الدِّينُ لُحمتَه، ويَشعرُ الذكرُ والأنثى بالعزةِ إذْ ينتمي للإسلامِ ويتمثَّلُ تعاليمَ الإسلامِ، أجلْ لقدْ قامَ هذا الكيانُ الذي نعتزُّ بهِ على أساسٍ متينٍ منَ الدِّينِ والعلمِ والقِيَمِ، وتعاقدَ الشيخُ (المجدِّدُ) والأميرُ (الإمامُ) على قيامِ الدولةِ، فتأسَّستِ الدولةُ السعوديةُ الأُولى، ثمَّ أعادَ الأحفادُ في الدولةِ السعوديةِ الثالثةِ ما بناهُ الأجدادُ، ولا يزالُ الحديثُ في كلِّ مناسبةٍ عنْ قيمةِ العقيدةِ، وتحكيمِ الشريعةِ، والعزةِ بالإسلامِ، فكيفَ تسلَّلتْ إلينا أفكارُ العَلْمَنِة؟ ! إذا كانتْ تلكَ بعضَ استفزازاتِ القومِ وطروحاتِهم فمَنْ وراءَهم؟ إذا كانَ ولاةُ الأمرِ يتحدَّثونَ بكلِّ صراحةٍ حديثًا غيرَ أحاديثِهم ويُدافعونَ عنِ الجهاتِ المستهدفةِ ويُعلُونَ منْ شأنِها، وأنَّ فصلَ الدِّينِ عنِ الدنيا في بلادِنا أمرٌ غيرُ واردٍ- إلى غيرِ ذلكَ مما جاءَ على لسانِ وزيرِ الداخلية (١) - وفَّقه الله- وغيرِهِ من

стр. 2924

مسئولي الدولةِ فمَنْ يُسندُ هؤلاءِ المتطاوِلينَ المتّهَمينَ المُرجِفينَ؟ إننا نُسَرُّ لمحاسبةِ كلِّ مخطئٍ أيًا كانَ موقعُهُ، ومهما كانَ اتجاهُه وفكرُهُ .. ولكنَّ إقالةَ صحفيٍّ تجاوزَ حدودَ مسئوليتهِ، أوْ مَنْع كاتبٍ شذَّ قلمُه .. ليستْ حلًّا أمثلَ لعلاجِ هذهِ الظاهرةِ المثيرةِ التي تتكرَّرَ بلاؤُنا بها، ولا تكفي لقطعِ دائرِ الفتنةِ المُهيِّجةِ، فالصحفيُّ المُعفى قدْ يَخلُفُه منْ هُوَ مثلُه أوْ أكثرُ منهُ جُنوحًا، والكاتبُ الممنوعُ قدْ يحلُّ محلَّهُ كاتبٌ أكثرَ إثارةً وتهيجًا .. ولكن الحلَّ يَكْمُنُ في نظري في وضعِ أُطُرٍ عامّةٍ لا ينبغي المساسُ بها تتعلَّقُ بالقيَمِ والأخلاقِ وكراماتِ الناسِ وحقوقِهمْ، تمنعُ السخريةَ واللَّمْزَ، وتسدُّ البابَ على المتصيِّدينَ والمتطاولينَ، وتوضَعُ عقوباتٌ رادعةٌ ولجانُ متابعةٍ منصفةٌ، تمنعُ كلَّ ما يثيرُ الفتنَ ويدعو للفرقةِ والشحناءِ ويُخلُّ بأمنِ البلدِ الفكريِّ والثقافيِّ والاجتماعيِّ والقِيَميِّ، ثمَّ تُعطى الفرصةُ للعلاج الهادئ المثمرِ الناجحِ الأمينِ .. ذلكَ مخرجٌ مهمٌّ منْ مخارجِ الأزمةِ، وبدايةُ طريقٍ صحيحٍ لمعالجةِ كلِّ ظاهرةٍ غاليةٍ أو جافيةٍ، وثمَّةَ مخارجُ لدفعِ الفتنِ بشكلٍ عامٍّ، أتوقَّفُ عندَ شيءٍ منها. إذا كانت آثار الفتن تعم ولا تخص ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَآصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] فدفع الفتن مسئوليتنا جميعًا، ويمكن أن نساهم في دفعها بالوسائل التالية: ١ - تعليم العلم النافع ونشره، فالعلم مُبصرٌ للناس ومانع لهم من الفتن بإذن الله ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. ٢ - التحذير من الفتن وآثارها وويلاتها، والنصح لإخواننا المسلمين على كافة المستويات (فالدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم).

стр. 2925

٣ - الاستمرار في مشاريع الدعوة والاحتساب .. فبنشر الدعوة ينتشر الخير، وينشغل الناس بالنافع المفيد، وتصح القلوب، وتقمع الشرور والفتن، وبالحسبة يحاصر المبطلون وتنطفئ المنكرات، ويشيع المعروف، وتُخفف آثار الفتن. ٤ - عدم التعجل في الفتن (قولًا وعملًا) استرشادًا بهدي النبي ﷺ إذ يقول: «ستكون فِتن القاعد فيها خيرٌ من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من الساعي، من تشرّف لها تستشرفه، فمن وجد منها ملجًا أو معاذًا فليعُذ به» رواه البخاري ﵀ ٧٠٨١ (الفتح ١٣/ ٣٠). ٥ - المساهمة في الإصلاح حيث يقع شيء من الفتن، وتقريبُ وجهات النظر، وردم هوَّة الخلافِ، فالخلافُ شر، والله يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]. ويقول: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]. ٦ - التنبيه للمتربصين، والتفطن لمن يسعون بالفتنة أو يحاولون استغلالَ أجوائِها لبث شرورهم وباطلهم. فذلك مطلب حتى لا تتسع الفتنة وتعمّ البلبلة. ٧ - تبصيرُ الناس بأحاديث الفتن والموقف المشروع منها، وعدمُ التعجل في تطبيق بعض الأحاديث العامة في الفتن، وتنزيلها على أحداث خاصة- دون علم-. ٨ - التأكيد على أهمية الوحدة والائتلاف وبيان النصوص الشرعية في ذلك، حتى ولو أدى إلى أن يتنازل المرء في سبيل ذلك عن بعض ما يُحبّ- ما لم يكن حرامًا- في سبيل توحيد كلمة المسلمين ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون: ٥٢].

стр. 2926

والخلافُ شر، والشيطانُ يئس أن يعبدَ في أرضكم ورضى بالتحريش بينكم. «ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت». ٩ - دعوة الناس إلى كثرة العبادة، وتذكيرهم بقيمة التوبة، فما وقع بلاء إلا بذنب ولا رُفع إلا بتوبة ﴿يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٦]. «بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم .. » «العبادة في الهرج كهجرة إليّ» ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور: ٣١]. ١٠ - المشورة بين العلماء وطلبة العلم والدعاة لدفع الفتن، والنصح للولاة لتجنيب البلاد والعباد آثار الفتن وويلاتها، فالمسلمون أمرهم شورى بينهم، والدين النصيحة، ولا بد من رفض إعجاب كل ذي رأي برأيه، ولا بد من اتهام النفس وتوطينها لقول الحق وقبوله ممن جاء به. ١١ - وعماد ذلك وأساس المخرج من الفتن تحقيق التقوى، والتواصي بالصبر ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] ﴿يِاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إَن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠] ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣] ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠].

стр. 2927

الصلاة بين الأداء والإقامة وصايا وتنبيهات (١) الخطبةُ الأولى: الحمدُ لله أمرَ بالعدلِ والإحسانِ ونهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والإثمِ والعدوانِ، وأشهدُ ألا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ، جعلَ الصلاةَ على المؤمنينَ كتابًا موقوتًا، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ وخِيرتُهُ منْ خَلْقِه جُعلتْ قرةُ عينِهِ في الصلاةِ، وكانَ إذا حزبَهُ أمرٌ فزعَ إلى الصلاةِ، اللهمَّ صلِّ وسلِّم عليهِ وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسَلين. أيها المسلمونَ: الإنسانُ في خِضَمِّ مُعْترَكِ الحياةِ، ومكافحةِ همومِ القَلَقِ والضَّجرِ، والضِّيقِ والكَدَرِ يحتاجُ حاجةً مُلحَّةً إلى ما يُنفِّسُ عن مشاعرِه، ويُفرِّجُ من لأوائه ومصائبه، ويبعث في نفسِه وقلبِه الطمأنينةَ والراحةَ- ومهما كدَّ وجدَّ فلن يجدَ ملاذًا غيرَ الله، يدعوهُ ويأنسُ به، ويرجوهُ ويلوذُ بحماهُ، ويعبدُه ويُلقي بهمومِهِ ويشكو أمرَه وحوائجَهُ إليهِ، فهوَ الذي يُجيبُ المضطَّر إذا دعاهُ، ويكشفُ السوءَ، وهو وحدَه الذي يُفَرُّ منه إليه. ألا إنَّ من أعظمِ العباداتِ التي تحقِّقُ هذا كلَّه (الصلاةُ) .. وكمْ نحنُ بحاجةٍ على الدوامِ أن نتذاكرَ قيمةَ الصلاةِ وقدرَها، وبرَّها وأثرَها، وأسبابَ قبولِها، والمعوِّقاتِ دونَ إقامتِها وتمامِها، ولماذا خفَّ أثرُها في حياتِنا؟ عبادَ الله: الصلاةُ سِيما الأنبياءِ عليهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ﴾ (٢).

стр. 2928

وبها أُوصي الأنبياءُ ووصَّوْا ووصَّى الحكماءُ: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ (١). ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ (٢)، ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ (٣)، ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ﴾ (٤). وهي قرينةُ الإيمانِ وعلامةُ المؤمنينَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ وبها يُعرفُ قَدرُ الرجالِ: ﴿رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ﴾ (٥). إنَّها عَهدٌ وميثاقٌ وفرضٌ في الكتابِ: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ (٦) والعهدُ الذي بينَنا وبينَهم الصلاةُ، وهي ناهيةٌ عن الفحشاءِ والمنكرِ: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ (٧). وبها عَوْنٌ واستعانةٌ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ﴾ (٨). أيها الناسُ: والصلاةُ ميزانٌ للتقى أو الفجور، وكاشفةٌ للإيمانِ أو النفاقِ، وهي لوحةٌ كاشفةٌ لتفاوتِ الإراداتِ والهِمَمِ.

стр. 2929

أجلْ، إنه لا يتكرَّرُ في الإسلام مثلُها .. في الليلِ والنهارِ، وفي اليقظةِ وبعدَ المنامِ في الشتاءِ والصيفِ، والسفرِ والحَضَرِ، والسِّلمِ والحربِ، والصحةِ والمرضِ، وعلى الغنيِّ والفقيرِ، والصغيرِ والكبيرِ، والذكرِ والأنثى، والحرِّ والعبد .. ومنْ هنا كانتْ ميزانًا للإيمانِ المستمرِّ، والإرادةِ المتجدِّدة، والهمَّةِ العاليةِ، إن نفرًا من المسلمين علت هممُهم، فكانت الصلاةُ همَّهمْ، وتعلقَتْ في المساجد قلوبُهمْ لا يُفقدونَ في وقتٍ، ولا يتأخَّرونَ عن الجماعةِ، وإذا ما فُقدوا عَلِمَ إخوانُهمْ أنهمْ مسافرونَ أوْ مرضىَ، إذا حضرَتْهمُ الصلاةُ كانَ الخشوعُ وكانَتِ السكينةُ، وإذا خرجُوا من المسجدِ كانَ الصدقُ وحسُنُ الخلقِ، وكانَ العفافُ والتقى آثارًا خلِّفْتها الصلاةُ؛ فيهِمْ صدقٌ معَ اللهِ وحسنُ تعاملِ معَ خَلْقِ اللهِ أولئكَ أصحابُ القَدَحِ المعَلَّى، وأولئكَ أهلُ الصلاةِ حقًا وأولئكَ همُ المفلحونَ، وأولئكَ لا خَوْفٌ عليهِمْ ولا همْ يحزَنونَ. ونفرٌ آخر يُصلونَ حينًا وينقطعونَ حينًا، تراهُمْ يكثرونَ في حالِ قيامهِمْ ولكنَّهمْ كثيرًا ما يتخلَّفونَ إذا ناموا .. وصلاةُ الفجرِ والعصرِ ثقيلةٌ عليهم، والتبكير للصلاة ليسَ عادةً مستمرةً لهم، والقضاءُ ونقرُ الغرابِ سمةٌ تكادُ تكونُ بارزةً فيهم، يَغيبُ عنهُمُ الخشوعُ حالَ الصَّلاةِ ويضعفُ أثرُ الصلاةِ في حياتهِمْ وفي التعاملِ مع إخوانهِمْ خارجَ الصَّلاةِ، أتلكَ هيَ الصلاةُ التي أُمِرَ بها المسلمونَ .. أفهكذا يُؤدَّى الركنُ الثاني من أركانِ الإسلام؟ أما علمَ أولئكَ أنَّ أسوأَ الناسِ سَرِقةً الذي يَسرقُ مِنْ صَلاتِهِ؟ (١)، أَمَا يَخشَى أولئكَ المفرِّطونَ في شأنِ الصَّلاةِ والساهونَ عَنْها أنْ يكونوا ممَّنْ قالَ اللهُ فيهمْ:

стр. 2930

﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ أيرَضى المسلمُ أن يخرجَ من صلاتِهِ وما كُتبَ له إلا القليلُ منْها .. رُبعُها أو خُمسُها أو عُشْرُها؟ أوَيرضَى مصلٍّ أنْ تُلفَّ صلاتُهُ بثوبٍ خَلْقٍ ثم يُرمَى بها تقولُ: ضيَّعكَ اللهُ لِمَ ضيَّعتَني. منْ قالَ أنَّ الصَّلاةَ قالبٌ بدونِ قلبٍ، حركاتٌ دونَ خُشوعٍ؟ عادةٌ لا عبادةٌ، صورةٌ لا حقيقةٌ، كلا- إنها رُوحٌ وراحةٌ «أرِحْنا بها يا بلال» وهي عروجٌ بالقلبِ والروحِ إلى السماءِ في اليومِ والليلةِ خمسَ مراتٍ، فضلًا عن النوافلِ، إنَّها تسبيحٌ وتكبيرٌ وتهليلٌ، وتعظيمٌ وتقديسٌ ودعاءٌ، وقوفٌ بين يَدَيِ اللهِ، رغبة ورهبة، تلاوةٌ للقرآنِ وتعظيمٌ للرحمنِ، انقطاعٌ عنِ الحياةِ والخَلْقِ، واتصالٌ بالخالقِ وقربٌ من الآخرةِ .. كمْ تغيبُ هذه المَعاني عنْ أعدادٍ منَ المسلمينَ المصَلِّينَ ويغيبُ معها أثرُ الصلاةِ في حياتهم. أَما الذينَ لا يُصَلُّونَ فأولئكَ لهمْ شأنٌ آخرُ وحديثٌ آخرُ. لا تستَغْربوا إنْ بلغَ المسلمونَ منَ الذلِّ ما بلغُوا وهمْ لمْ يذلُّوا بعدُ اللهِ حقًا في الصَّلاةِ؟ ولا تستغربوا أنْ كَثُرَتْ فينا الفواحشُ والمنكراتُ، فصلاتُنا لمْ تصلْ إلى مستوى النهيِ عنِ الفحشاءِ والمنكرِ. إنَّ أمةً لا يقفُ أفرادُها بينَ يَدَيِ اللهِ في الصَّلاةِ لِطلبِ الفضْلِ والخيرِ منْهُ وحدَهُ لعاجزةٌ أنْ تقفَ ثابتةً في مواقفِ الخيرِ والوَحدةِ والنصرِ والقوَّةِ، لأنَّ هذه كلَّها منْ عندِ اللهِ وحده، فإذا أصلَحْنا ما بيننا وبينَ اللهِ أصلحَ اللهُ ما بيننا وبينَ الناس. كمْ في الصَّلاةِ- ولا سيَّما صلاةِ الجماعةِ- من معاني الأخوَّةِ والمحبَّةِ، وكمْ يُجسِّدُ وقوفُ المصلينَ كالبناءِ المرصوصِ من معاني الرُّعب والرهبةِ في قلوبِ الأعداءِ.

стр. 2931

في المسجدِ يُعلَّمُ الجاهلُ، ويطعَمُ الجائعُ، وينُصَرُ المظلومُ، يُعلَّمْ العلمُ، وتُبلَّغُ الدعوةُ، يتعارفُ المسلمونَ ويتآلفونَ، ويُعلَّمُ الصبيانُ آدابَ المسجدِ والصلاةِ ويُحَفَّظونَ القرآنَ في المسجدِ، يتشاورُ المسلمونَ في أمرهِمْ، ويتفقدونَ حالَ إخوانهِمْ المنقطعينَ عنِ المسجدِ لسببٍ أوْ لآخَرَ. المساجدُ خيرُ البقاعِ، وما أحراها بكثرةِ الجلوسِ والتذكرةِ والتلاوةِ والخَلوةِ والدعاءِ حتى تحينَ الصلاةُ، إلى غيرِ ذلكَ منْ مهامِّ وأدوارِ المسجدِ التي تضاءَلَتْ في هذا الزمنِ، حتى فقدَت عددٌ من المساجدِ رسالتَها العُظمى، وآثارَها التربويةَ والاجتماعيةَ وأشياءَ أخرى. وهي مسئوليةٌ مشتَرَكةٌ بين الإمامِ والمأمومينَ، والأوقافِ والدعوةِ. يا عبدَ اللهِ قفْ، وسائلْ نفسَكَ ما قدْرُ الصلاةِ عندَكَ؟ قلْ ما شئتَ، وَعَبِّرْ بما شئْتَ .. فإنَّ حظَّكَ منَ الإسلامِ على قَدْرِ حظِّكَ مِنَ الصَّلاةِ؟ يا مسلمُ كيفَ تؤدِّي الصَّلاةُ؟ قلُ ما شئْتَ وتذكَّرْ ما شئْتَ فليسَ لكَ منْ صلاتِكَ إلا ما عقَلْتَ! أيُّها المُصَلونَ هلْ تُؤدونَ الصَّلاةَ أمْ تُقيمونَها .. والفرقُ كبيرٌ بين مجردِ الأداءِ وإقامةِ الصلاةِ كما أمرَ اللهُ ورسولُه، ومنْ تأمَّلَ في آياتِ القرآنِ وجدَ أنَّ الأمرَ بالصلاةِ يأتي دائمًا بأسلوبِ (الإقامةِ) (أقيموا الصلاةَ) فالإقامةُ تعني الإتمامَ والعنايةَ لا مجرَّدَ الأداءِ (١). أيها الراكعونَ الساجدونَ: هلْ تتثاقلونَ القيامَ مع الإمامِ والركوعَ والسجودَ والتلاوةَ إنْ أطالَ؟ فدونكُمُ العلاجُ .. وهوَ الخشوعُ في الصلاةِ وفي محكم

стр. 2932

التنزيلِ: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (١). والمعنَى أنَّ الصلاةَ شاقةٌ إلا على الخاشعينَ فإنَّها سهلةٌ عليهِمْ، لأنَّ الخشوعَ وخشيةَ اللهِ ورجاءَ ما عندَهُ يوجبُ لهُ فعلَها منشرِحًا صدرُهُ، لترقُّبِهِ للثوابِ وخشيته منَ العقابِ (٢). أعوذ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ (٣).

стр. 2933

الخطبةُ الثانيةُ: إخوةَ الإسلامِ: ثَمَّةَ أمورٌ تُقلِّلُ منْ أجرِ الصَّلاةِ أو تُبطلُها، وثمَّةَ أخطاءٌ في أداءِ الصَّلاةِ ينبغي التنبهُ لها والتنبيهُ عليها. ١ - فالطهارةُ مفتاحُ الصلاةِ وهي شرطٌ عظيمٌ للصلاةِ، وكم يتهاونُ بعضُ المسلمينَ بشأنِ الطهارةِ، إنْ تفريطًا يؤدِّي إلى الإخلالِ بواجباتِ الوضوءِ ومكمِّلات الطهارةِ، أو إفراطًا يصلُ إلى حدِّ الوسْوَسَةِ المنهيِّ عنْها. ٢ - وسترُ العورةِ شرطٌ من شروطِ الصلاةِ .. وكذلكَ يتهاونُ نفرٌ مِنَ المسلمينَ في سَتْرِ عورتِهِمْ منْ لبسِ الثيابِ الشفَّافةِ أو الضيِّقة والسراويلِ القصيرةِ، حتى يبان شيءٌ من العورةِ؛ والعورةُ من السُّرة إلى الركبةِ، فاحفظوا عَوْراتِكُمْ دائمًا، وإياكُمْ والتهاونَ بها في الصلاةِ مُطلَقًا. ٣ - تسويةُ الصفوفِ تلك التي استهانَ بها بعضُ المصلينَ- هداهُمُ اللهُ- وقد وردَ التشديدُ في ذلكَ حتى قالَ ﵊: «لَتُسَوُّنَّ صفوفَكُمْ أو لَيُخالِفَنَّ اللهُ بينَ وجوهَكُمْ» متفقٌ عليه. وفي حديثٍ آخرَ: «إنَّ اللَه لا ينظرُ للصّفِّ الأعْوَجِ». ٤ - الإخلالُ بشيءٍ منْ أركانِ الصلاةِ .. ولا سيَّما (الطمأنينةُ) التي تَساهلَ بها عددٌ من المصلينَ إذْ تراهُ يَنْقُرُ الصلاةَ نَقْرَ الغُرابِ- لا يعقلُ ما يقولُ ويقرأُ- وأنَّى لهذا منّ الطمأنينةِ والخشوع- وهي لبُّ الصلاةِ- لقدْ قالَ النبيُّ ﷺ للمُسيءِ في صلاتِهِ «ارجعْ فصلِّ فإنَّكَ لمْ تُصلِّ». وأبصرَ أحَدُ السلفِ رجلًا لا يطمئنُّ ولا يُحسنُ صلاتَهُ، فقالَ: منذُ كمْ وأنتَ تُصلي هذه الصلاةَ؟ فأجابَ الرجلُ: منذُ ستينَ سَنةً، فقالَ لهُ الصحابيُّ: منذُ ستينَ سنةً وأنتَ لمْ تُصَلِّ؟

стр. 2934

فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ في صلاتِكُمْ .. وهيَ ليسَتْ حِملًا تضعونَهُ عن رقابِكُمْ .. ولكنَّها عبادةٌ تُرضونَ بها ربَّكُمْ. ٥ - ومسابقةُ الإمامِ أو موافقتُهُ بليّةٌ يُبتلَى بها بعضُ المصَلينَ، وهي منْ- نزْغِ الشيطانِ- وإلا فلنْ يُسلِّم المسابقُ -في النهايةِ- قبلَ الإمامِ. قالَ العلماءُ: المسابقةُ تُبطلُ الصلاةَ، وموافقةُ الإمامِ في حالِ القيامِ والركوعِ والسجودِ، تُنقِصُ من قدْرِ الصلاةِ والسنةُ في المتابعةِ للإمامِ، فإذا انتهَى راكعًا فاركَعوا، وإذا اعتدَلَ قائمًا فانهَضُوا، وإذا استَوَى ساجدًا فاسْجُدوا وهكذا .. فإنَّما جُعِلَ الإمامُ ليُؤْتَمَّ به. وإيَّاكُمْ وتلاعبَ الشيطانِ، أما يَخْشى الذي يرفع رأسَهُ قبلَ الإمامِ أن يجعلَ اللهُ رأسَهُ رأسَ حمارٍ أوْ يجعلَ اللهُ صورتَه صورةَ حِمارٍ؟ متفقٌ عليهِ. قالَ الإمامُ أحمدُ ﵀: ليسَ لمَنْ سبقَ الإمامَ صلاةٌ (١). ٦ - وممَّا ينْبغي التفطُّنُ له في المسجدِ عدمُ إيذاءِ المصلينَ برائحةٍ مُستكرَهَةٍ كالثُّومِ والبصلِ وشُربِ الدخانِ ونحوِها، وعلى المسلمِ أنْ يكونَ نظيفَ المَلبَسِ، حَسَنَ الرائحةِ، آخذًا بالزينةِ التي أمَرَهُ اللهُ بها ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٢). كما لا ينبغي إيذاءُ المصلينَ بحركةٍ مُستفِزَّةٍ، أو سلوكياتٍ غيرِ لائقةٍ .. أَلا وإنَّ منْ بلايا العصرِ رنينُ الجَوَّالاتِ، والتي لا تُشغِلُ صاحبَها وحدَهُ، بلْ تُشوِّشُ على المصلينَ كلِّهِمْ، وعلى الرغمِ من التحذيراتِ المسموعةِ والمكتوبةِ على أبوابِ المساجدِ، وغيرِها .. إلا أنَّ ظاهرةَ الجوالاتِ في المساجدِ لا تزالُ

стр. 2935

مصدرَ قلقٍ وتشويشٍ على المُصَلينَ، فهلْ تنتهي يا صاحبَ الجوالِ .. إما بالعنايةِ بإغلاقِهِ .. أو بتركِهِ في البيتِ أو السيارةِ حالَ الصلاةِ؟ ٧ - ولا بدَّ يا عبادَ اللهِ مِنَ العَوْدِ والتأكيدِ على رُوحِ الصَّلاةِ ولُبِّها، ألا وهوَ الخشوعُ فيها، ألا وإنَّ المؤدِّين للصلاةِ كثيرٌ .. ولكنَّ المقيمينَ لَها .. بواجباتِها وأركانِها وسُننِها قليلٌ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ، أَلَسْنا نرى فِئامًا مِنَ المصلينَ يُصلونَ أشباحًا بلا أرواحٍ، وقوالبَ بلا قُلوبٍ، وحركاتٍ بلا مشاعرَ، صلاتُهمْ مرتعٌ للوساوسِ وفرصةٌ لإعادة الذكرياتِ والهواجسِ يدخلُ الشيطانُ على أحدِهِمْ منْ حينَ يكبِّرُ حتى يُسلِّمَ، فيصولُ ويجولُ بفكرِهِ في مجالاتِ الدنيا، ولذا تراهُ يتحركُ ويتشاغلُ، ويستطيلُ ويتثاقلُ، ويلتفتُ بقلبِهِ وبصرِهِ إلى حيثُ يُريدُ، قلوبُهمْ في كلِّ وادٍ تهيمُ، وعقولُهمْ في كلِّ مكانٍ تسرحُ .. ولو سألتَهُ: ماذا قرأَ الإمامُ؟ لم يَجد جوابًا بلْ رَبما لوْ سألتَهُ: ماذا قرأتَ وقُلتَ في صلاتِك لتردَّدَ في الجوابِ .. إنَّ صلاةً يتلاعبُ الشيطانُ بصاحبِها إلى هذا الحدِّ خِداجٌ غيرُ تمامٍ، فاللهَ اللهَ في مجاهدَةِ نفسِكَ والشيطانِ. أيها المصَلَّي: ليسَ لكَ منْ صلاتِكَ إلا ما عَقلْتَ، والشيطانُ إنْ عَجَزَ عنْ صدِّك في المجيءِ للمسجدِ والصلاةِ معَ المسلمينَ، فسيحاولُ إفسادَ صلاتِك عليكَ، فتعوَّذْ باللهِ منْهُ صادقًا مستحضِرًا قدرَ الصلاةِ وتذكرْ أنَّ الرجُلينِ يقفانِ في الصفِّ الواحدِ وبينَ صلاتِهِما كما بينَ المشرقِ والمغربِ، فكُنْ عبدَ الله المقيمَ للصلاةِ ولا تكتفي بمجردِ أدائها. واعلمْ أنَّ أولَ ما يحاسَبُ عَنْهُ العبدُ في قبرِهِ الصلاةُ، فأعِدَّ للسؤالِ جوابًا. عبادَ اللهِ: ٨ - ومعَ الحرصِ على صلاةِ الجماعَةِ في المسجِد، فلا بدَّ مِنَ التفطُّنِ ألّا

стр. 2936

تُجعَلَ البيوتُ مقابرَ، فإنَّ البيوتَ تُحيا بصلاةِ النوافلِ، وهيَ في البيتِ أفضلُ بشكلٍ عامٍّ- ولا سيما سنةَ المغربِ- قالَ ابنُ القيمِ ﵀: وكان ﷺ يُصلي عامةَ السُّننِ والتطوِّعِ الذي لا سببَ لَهُ في بيتِهِ، لا سّيما سُنةَ المغربِ، فإنَّهُ لمْ يُنقلْ عنْهُ أنّهُ فعلَها في المسجدِ البتةَ (١). أيّها المسلمونَ: وخلاصةُ القولِ: إنَّنا نستطيعُ بالصلاةِ المشروعةِ أنْ نُطهِّرَ أنفسَنا منْ الفواحشِ والمنكراتِ، وأن نتخفَّفَ بالصلاةِ منْ أوزارٍ طالَما أثقلَتْنا عنِ الانطلاقِ الخيِّر في الحياةِ، نستطيعُ بالصلاةِ المُقامةِ أنْ ننجَحَ في معركةِ الشهواتِ والشبهاتِ، وأنْ نُغالِبَ الشيطانَ في وساوسِهِ ونَزَغاتِهِ، وحينَ ننتصرُ على نزواتنا وأهوائنا والشيطانِ، يصبحُ الطريقُ مفتوحًا للنصرِ على أعدائنا .. أجَلْ، إننا نقفُ في الصلاةِ بينَ يَدَيِ اللهِ متضرِّعينَ سائلينَ، واللهُ قريبٌ مجيبُ الدعاءِ، وفي الصلاةِ فرصةٌ كُبْرى للدعاءِ، وأقربُ ما يكونُ العبدُ لربِّه وهو ساجدٌ فهل نُلحُّ على اللهِ- في صلاتِنا- بإصلاحِ أحوالِنا والتمكينِ في الأرضِ .. وبينَ الصلاةِ والتمكينِ صِلةٌ وثْقى، فاللهُ يقولُ: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ﴾. ألا أيها المتكاسلُ عنِ الصلاةِ بادِرْ قبلَ أنْ يُكْشَفَ عن ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السجودِ فلا يستطيعونَ. ألا أيُّها المقصِّرُ في الصلاةِ مع الجماعةِ تدارَكْ نفسَكَ، فَيَدُ اللهِ معَ الجماعةِ وإنَّما يأكلُ الذئبُ من الغنمِ القاصيةَ. أيها المصلُّونَ أَطِيلوا الركوعَ والسجودَ بعدَ القيامِ واخْشَعوا في صلاتِكُمْ وادْعوا ربَّكُمْ خوفًا وطمَعًا، إنَّ رحمةَ اللهِ قريبٌ مِنَ المحسنينَ.

стр. 2937

ولا تَنْسَوْا أنْ تدْعوا بدعاءِ الخليل: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ (١).

стр. 2938

حرارةُ الصيفِ ذكرَى وعِبرة (١) الخطبةُ الأولى: إنَّ الحمدَ للهِ نحمَدُهُ ونستعينُهُ ونستغفرُهُ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنا ومنْ سيئاتِ أعمالِنا، منْ يهدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ لَهُ، ومنْ يضْلِلْ فلا هاديَ لَهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ عليه وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسَلينَ، وارْضَ اللهُمَّ عنِ الصحابةِ أجمعينَ والتابعينَ وتابعيهمْ بإحسانٍ إلى يومِ الدِّينِ وسلِّمْ تسليمًا كثيرًا. أيُّها الناسُ: درجةُ الحرارةِ تصلُ إلى أربعةٍ وأربعينَ درجةً (٤٤) وقدْ تزيدُ وقدْ تنقصُ، والأمرُ للهِ، فما منْ قوّةٍ مهْما بلغَتْ تستطيعُ أنْ تخفضَ درجَةَ الحرارَةِ إذا ارتفعَتْ، أو ترفعَها إذا انخفضَتْ. ألاَ ما أعظمَ اللهَ! وفي خلقِه وتدبيره آياتٌ للسائلينَ، وهذا الكونُ منْ صُنعِه، وعجيبِ تقديرِه، فهو مُتَّسقٌ في دورتِهِ وفصولِهِ، وأحيائِه ونجومِهِ، حَرٌّ وبردٌ، وربيعٌ وخريفٌ، وثمارٌ يانعةٌ في كلِّ فصلٍ، وأحياءٌ ومخلوقاتٌ تظهرُ في هذا الفصلِ وتختفي في غيرِه، ليلٌ ونهارٌ، وشمسٌ وقمرٌ، ونجومٌ ومجرّاتٌ تملأُ السماءَ: ﴿لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (٢). عبادَ اللهِ: وحينَ تبلغُ درجةُ الحرارةِ الخمسينَ أوْ دونَها بقليلٍ فلا تسألْ عنِ الحرِّ والسَّمومِ، والظمأ والعرَقِ، وذكرى فيحِ جهنّمَ ليسَ عنّا ببعيدٍ؟

стр. 2939

وهنا أسئلةٌ تثورُ ولا بدَّ أنْ نُجيبَ عنْها بوعيٍ يتجاوزُ حدودَ الزمانِ والمكانِ كيفَ نقضي زمنَ الصيفِ بحرِّه وسَمومِهِ؟ وبماذا يُذكِّرُنا؟ وأينَ المفرُّ والمهربُ؟ وكيفَ نعبدُ ونشكرُ؟ تعاَلوْا بنا في رحلةٍ واعيةٍ وإجاباتٍ مُذكِّرةٍ- مع حرارةِ الصيفِ- نُذكِّرُ بها أنفسَنا، ونتذكَّرُ خلقًا من خلقِ اللهِ غيرَنا، ونتجاوزُ حدودَ الدنيا لنتصورَ حياةَ الآخرةِ، لنرى تباينَ الهمَمِ، واختلافَ منازلِ الصبرِ. إنَّ مِنَ المؤكدِ أننا جميعًا نتضايقُ مِنَ الوقوفِ تحتَ حرارةِ الشمسِ ولوْ لدقائقَ معدودةٍ، ونسرعُ باحثينَ عنِ الظِّلال الوارفةِ، وتطمئنُّ نفوسُنا في الأماكنِ الباردةِ، ونحنُ في منازلِنا نستعدُّ مسبَقًا لتخفيفِ درجةِ الحرارةِ، فعَزْلٌ حراريٌّ، وتكييفٌ مائيٌّ، وآخرُ فريونيٌّ، وكمْ هيَ مُشكلةٌ لوِ انقطعَ التيارُ الكهربائيُّ في حمأةِ الظهيرةِ، أو حتى في حِنْدِسِ الظُّلمةِ؟ ومشكلةٌ أخرى لو تعطلَتْ أجهزةُ تبريدِ الماءِ وغيرِه، يا اللهُ ما أضعفَنا، وأقلَّ صبرَنا! وحينَ تُطلُّ الإجازةُ الصيفيةُ نتهيَّأ للسفرِ، ونبحثُ عن مكانٍ نفرُّ إليهِ منَ الحرِّ؟ ولا ضيرَ في ذلكَ كلِّه- في حدودِ ما أحلَّ اللهُ- لكنْ هلْ فكّرنا مليًّا فيما نحنُ فيهِ منْ نعمةٍ؟ وهلْ نحنُ شاكرون؟ وإذا كنّا اليومَ نستطيعُ أنْ نتقيَ شدّةَ الحرارةِ بوسائلَ مختلفةٍ فهلْ بإمكانِنا غدًا أنْ نتقيَها بسهولةٍ؟ كيفَ الحالُ في أرضِ المَحشرِ؟ وهلْ منْ مفرٍّ أو مهرَبٍ؟ هناكَ لا ينطقونَ ولا يؤذنُ لهمْ فيعتذرونَ، يفرُّ المرءُ منْ أخيهِ وأمِّه وأبيهِ وصاحبتِهِ وبينهِ لكلِّ امرئٍ منهم يومئذٍ شأنٌ يُغنيه. وفي عالمِ الدنيا كمْ همُ الذينَ في البراري والقفارِ، يستظلّونَ بظلِّ الشجرِ- إنْ وجِدَ- أو بظلِّ بعضِ منسوجِ الخيامِ إنْ توفَّر. غاب المكيفُ، وقبلَه عزَّ البناءُ المشيّدُ، أرضُهُم في النهارِ تفوحُ لظًى وهيَ في

стр. 2940

الليلِ موحشةٌ مظلمةُ تملؤها هوامُّ الأرضِ ودوابُّها تتحركُ وتَسعَى! وكمْ في أرض اللهِ منْ أممٍ وشعوبٍ تعيشُ أدْنى مستوياتِ الفقرِ، تتخذُ من أرصفةِ الشوارع مسكنًا، وتكتفي من الظلِّ بعِشاشٍ يُقامُ من العيدانِ والخِرقِ الباليةِ، ولا تسألْ عن نُدرةِ الطعامِ والشرابِ عندَ هؤلاءِ- فهلْ نتذكرُ بحرارةِ الجوِّ هذه الأيامَ مأساةَ هؤلاءِ، وما نحنُ فيه منْ نعمةٍ، وهلْ يكفي مجردُ التَّذكير السلبيِّ، أمْ لا بدَّ من شُكرٍ- على النعمةِ- بالقلبِ واللسانِ، ولا بدَّ منْ شكرٍ على المالِ ومدِّ يدِ المساعدةِ للمحتاجينَ المسلمينَ؟ معاشرَ المسلمينَ: إنَّ ما نُحسنُّ بهِ هذه الأيامَ منْ شدّةِ الحرارةِ إنما هو فَيحٌ ونَفسٌ من أنفاسِ جهنّمَ، فكيفَ بشدّةِ حرارةِ جهنَّمَ بكُلِّ أنفاسِها؟ فكيفَ بمنْ يُعذّبَ فيها؟ وكيفَ بمنْ هو خالدٌ فيها؟ نسألُ اللهَ العافيةَ. وفي الحديثِ الصحيحِ قالَ رسولُ الله ﷺ : «اشتكَتِ النارُ إلى ربِّها فقالَتْ: يا ربِّ أكلَ بعضي بعضًا، فأَذِنَ لها بنفَسَيْنِ، نَفَسٍ في الشتاءِ، ونَفسٍ في الصيفِ فهوَ أشدُّ ما تجدونَ من الحرِّ، وأشدُّ ما تجدونَ من الزمهريرِ» رواهُ مالكٌ والشيخانِ والترمذيُّ (١). وفي روايةٍ عند الترمذيِّ: فأما نفَسُها في الشتاءِ فهو زمهريرٌ، وأما نفسُها في الصيفِ فسَمُومُ (٢). هلْ تتذكرُ أيها المسلمُ بشدةِ الحرارةِ- إنَّ منَ الشمسِ أو النارِ البسيطةِ في الدنيا- شدَّةَ حرارةِ جهنمَ، وفي التنزلي: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ﴾ (٣).

стр. 2941

يا مسلمُ يا عبدَ الله: وإذا كنتَ اليومَ تتقي شدةَ الحرارةِ بالتكييفِ والظلالِ الوارفةِ وغيرِ ذلكَ منْ وسائلَ- لا ضيرَ عليكَ في استخدامِها- فبأيِّ شيءٍ تُراكَ ستتَّقي حرَّ جهنّمَ وشدةَ الموقفِ في عَرَصاتِ الحسابِ. وهناكَ تدنو الشمسُ منَ الخلقِ وتكونُ بقدرِ الميلِ .. واليومَ بينَنا وبينَها آلافُ الأميالِ، هناكَ العَرقُ يلجم الناسَ على قدرِ أعمالِهم ولا ظِلَّ إلا ظلُّ الرحمنِ ولا جاهٌ ولا مالٌ ولا حسبٌ ولا نسبٌ؟ إنني أذكِّرُك ونفسي بالسبعةِ الذينَ يُظلُّهم اللهُ في ظلِّه يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّهُ فهلْ نكونُ أحدَ هؤلاءِ السبعةِ، بخوفِنا منَ اللهِ، وبعملِ الصالحاتِ، وتقديمِ القُرُباتِ؟ يا مسلمُ يا عبدَ اللهِ، ومهْما تضايقْتَ من شدّةِ الحرِّ أو البردِ إياكَ أن تَسُبَّ الدهرَ فاللهُ هو الدهرُ، ولا يَغِبْ عنْ ذِهْنِكَ أن الشمسَ والقمرَ بحُسْبانٍ، وأنَّ للهِ حِكَمًا في تقليبِ الليلِ والنهارِ، وتكرارِ الفصولِ وتقليبِ الزمانِ وَعاها العالِمونَ، وذكرَ بعضَها العارفونَ. وقالَ ابنُ القيِّم ﵀: ثمَّ تأملْ بعدَ ذلكَ أحوالَ هذه الشمسِ في انخفاضِها وارتفاعِها لإقامةِ هذه الأزمنةِ والفصولِ وما فيها مِنَ المصالحِ والحكَمِ، إذْ لوْ كانَ الزمانُ كلُّه فصلًا واحدًا لفاتَتْ مصالحُ الفصولِ الباقيةِ فيهِ .. إلى أنْ قالَ عنْ حكمِ الصيف: وفي الصيفِ يحتدّ الهواءُ ويَسخُنُ جدًّا فتنضجُ الثِّمارُ، وتنحلُّ فَضَلاتُ الا يدانِ والأخلاطِ التي انعقدَتْ في الشتاءِ، وتَغورُ البرودةُ وتهربُ إلى الأجوافِ، ولهذا تبردُ العيونُ والآبارُ. ويتحدثُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ ﵀ عنْ شيءٍ منْ رحمةِ اللهِ وتقديرِهِ في اختلافِ الفصولِ وبما يَحمي الإنسانَ بإذنِ الله، فيقول: يسخُنُ جوفُ الإنسانِ في الشتاءِ ويَبْرُدُ في الصيفِ، لأنَّ في الشتاءِ يكونُ الهواءُ باردًا فيبردُ ظاهرُ البدَنِ فتهربُ الحرارةُ إلى باطنِ البدَنِ؛ لأنَّ الضدَّ يَهربُ من الضدِّ .. وتبردُ الأجوافُ

стр. 2942

في الصيفِ لسخونةِ الظاهرِ فتهربُ البرودةُ إلى الأجوافِ: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. يا عبدَ اللهِ: وإذا كانَ الضِّدانِ لا يجتمعانِ وأحدُهما يهربُ من الآخرِ، فهلْ تفرُّ من المعصيةِ إلى الطاعةِ؟ وإذا كانَ حرُّ الصيفِ شديدًا فنارُ جهنمَ أشدُّ حرًا، ورحمَ اللهُ أقوامًا كانوا يتحرَّونَ الهواجرَ فيتقربون إلى اللهِ بصيامِها، تحسُّبًا ليومٍ شديدٌ حرُّه، وكان أبو الدرداءَ ﵁ يقولُ: صُوموا يومًا شديدًا حَرُّه لحرِّ يومِ النشورِ، وصلّوا رَكعتينِ في ظلمةِ الليلِ لظُلمةِ القبورِ. ويُذكرُ أنَّ عددًا من السلفِ كانوا يصومونَ في الصيفِ طلبًا لكثرةِ الأجرِ، ويقولُ قائلهُم: إنَّ الشيءَ إذا رَخَص اشتراهُ كلُّ أحَدٍ؟ ويروى أنَّ ابنَ عمرَ ﵄ خرجَ في سفرٍ ومعهُ أصحابُه، فلما وضعوا سُفرتَهم، مرَّ بهم راعٍ فدعَوْه إلى أنْ يأكلَ معهُمْ، فقالَ: إني صائمٌ، فقالَ ابنُ عمرَ: في مثلِ هذا اليومِ الشديدِ حرُّه وأنتَ بينَ هذه الشِّعابِ في آثارِ هذه الغنمِ وأنتَ صائمٌ؟ فقالَ الراعي: أبادرُ أيامي هذه الخالية (١). أعوذُ باللهِ منَ الشيطانِ الرجيمِ: ﴿لإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ (٤)﴾.

стр. 2943

الخطبةُ الثانية: إخوةَ الإيمانِ: وفي الشدائدِ دروسٌ وتعويدٌ على الصبرِ، ومنْ قَلَّ صبرُه أعاقَهُ بردُ الشتاءِ أو حرُّ الصيفِ عنْ مشاريعِ الخيرِ، وضعُفَتْ همتُه عنِ القيامِ بما كانَ يقومُ به حينَ اعتدالِ الجوِّ، وأهلُ الصبرِ والإيمانِ واليقينِ يتجاوزونَ في أعمالِهِم الصالحةِ ومشاريعهم الخيرةِ معوّقاتِ الشدائدِ .. بعكسِ أهلِ الريبِ والنفاقِ وأصحابِ الهِمَمِ الضعيفةِ فأولئكَ يقعدونَ عنِ المعالي ويعتذرونَ بشدةِ الزمانِ .. إنهما صنفانِ يتكرران، أحدُهما يقول: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (١). والآخرونَ قالوا: ﴿وَقَالُوا لاَ تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ (٢). وفيما نحنُ بصدَدِه ربّما ضعُفَتْ هِممْ أناسٍ عن صلاةِ الفجرِ في وقتِها ومعَ جماعةِ المسلمينَ لقِصَرِ ليلِ الصيفِ، وربّما ضَعُفَتْ هِممُ آخرينَ عنِ الخروجِ لصلاةِ الظهرِ أو العصرِ لشدةِ الحرِّ ولفحِ السَّمومِ .. وفرقٌ بينَ هؤلاءِ وبينَ منْ يقومونَ الليلَ- وإنْ قصُرتْ ساعاتُهُ- ومَنْ يصومونَ النهارَ وإنِ اشتدَّ حرُّه، وسلعةُ اللهِ غاليةٌ، وعلى قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ! رأى عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ ﵀ قومًا في جنازةٍ قدْ هربوا منَ الشمسِ إلى الظلِّ، وتَوَقَّوا الغبارَ، فبكى ثم أنشدَ: منْ كانَ حينَ تُصيبُ الشمسُ جبهتَه ... أوِ الغبارُ يخاف الشينَ والشَّعَثا ويألفُ الظَّلَّ كيْ تبقَى بشاشتُه ... فسوفَ يسكنُ يومًا راغمًا جَدَثًا في ظلِّ مُقْفِرةٍ غَبراءَ مُظلمةٍ ... يطيلُ تحتَ الثَّرى في غمِّها اللَّبَثا

стр. 2944

تجهَّزي بِجَهازٍ تَبلُغينَ به ... يا نفسُ قبلَ الرَّدَى لم تُخلَقي عَبَثًا هنا وبهذه الأفكارِ والتساؤلاتِ والإجاباتِ تعودونَ من رحلةِ الصيفِ وحرارتِه واعِينَ متفطِّنينَ شاكرينَ ذاكرينَ، ومن شكرَ فإنّما يشكرُ لنفسِه. أيها المسلمونَ: خُلقَ الإنسانُ هَلوعًا فتراهُ يتضجّرُ من شدةِ الحرِّ إذا حلَّ الصيفُ ثم تراهُ متضجِّرًا من شدةِ البردِ إذا حلَّ الشتاءُ، وحالُه كما قالَ الشاعرُ: يتمنّى المرءُ في الصيفِ الشتاءَ ... فإذا جاءَ الشتاءُ أنكرَهْ فهو لا يرضَى بحالٍ واحدٍ ... قتِلَ الإنسانُ ما أكَفرَهْ ألا وإنَّ الموفَّقَ منِ استفادَ من الصيفِ بطولِ نهارِه .. واستفادَ منَ الشتاءِ بطولِ ليلِه، وفضلُ اللهِ يؤتيهِ من يشاءُ، ومنْ رضيَ فلهُ الرضاءُ ومن تسخَّطَ فعليه السُّخْطُ؟ لقدْ كانَ منْ هَدْي النبيِّ ﷺ الإبرادُ بصلاةِ الظهرِ حينَ يشتدُّ الحرُّ رأفةً بالمسلمينَ، فهلْ يا ترى يرأفُ الأغنياءُ والموسرونَ بالفقراءِ الذين لا يتوفرُ عندهم منْ وسائلِ التبريدِ ما يتقونَ به حرارةَ الصيفِ؟ وإذا كانَ آباؤنا وأجدادُنا عاشوا حياةً بسيطةً، ومسَّتْهم البأساءُ والضّرّاءُ وربما تغيّرَتْ جلودُهم، واسودَّتْ وجوهُهم منْ لفحِ السَّمومِ وشدّةِ الحرِّ، فهلْ نُذكّرُ أبناءنا ما همْ فيه من نعمةٍ الآنَ، ليرعَوْها ويشكروا اللهَ عليها. أيها المسافرونَ: وإذا فَررْتُم منْ حرِّ الصيفِ سائحينَ هنا أو هناكَ، فإياكُم أن تفِرُّوا من الجحيمِ إلى الجحيمِ، فحرارةُ الصيفِ منْ فيْحِ جهنمَ، ولكن مبارزةَ اللهِ بالمعاصي والفسوقِ والعصيانِ، واستبدالِ جحودِ النعمِ بشكرِها، والمعصيةِ بالطاعةِ كلُّ ذلكَ فرارٌ إلى جحيمٍ آخرَ، لا بدَّ أنْ يذكّرَنا به حرارةُ الصيفِ .. فارحلْ واستمتعْ وبرّدْ، وسِحْ في أرضِ اللهِ .. لكنْ مع صدقِ المراقبةِ واستحضارِ موجباتِ الخوفِ للهِ ..

стр. 2945

فليسَتِ المعاصي والفجورُ من مُستلزماتِ السياحةِ والسفرِ، بلِ السياحةُ الحقّةُ فرصةٌ للذكرِ والشكرِ، والدعوةِ والأُنسِ، ومن المُسَلَّماتِ أنَّ راحةَ الضميرِ وطمأنينةَ القلبِ، لا يمكنُ أن تتحقَّقَ بالزورِ والفجورِ، بل هي كما قالَ خالقها: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (١)، بل ضيقُها وعذابُها ونكدُها بالإعراضِ عنِ اللهِ وذكرِه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ (٢). أيها المسلمونَ: وإذا تضايقْتُم يومًا أو سَنةً أو عُمرًا قصيرًا مِنْ شدّةِ الحرِّ، فتذكِّروا أنَّ يومًا مِنْ أيام الآخرةِ كألفِ سنةٍ مما تعدّونِ، وهناك نعيمُ الجنةِ الدائمِ في ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ (٣) .. وتذكّروا في مقابِلها ظِلًّا ذا ﴿ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ (٤). وتذكّروا لأهلِ النعيمِ جنتَيْنِ ذواتَيْ أفنانٍ، فيهما عينانِ تجريانِ، وتذكّروا لأهلِ الجحيمِ: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ﴾ (٥)، تذكّروا الفرقَ بينَ وجوهٍ مسفرةٍ ضاحكةٍ مستبشرةٍ ووجوهٍ يومئذٍ عليها غبرةٌ ترهقُها قَتَرةٌ ثمَّ قدّموا لأنفسِكم عملًا صالحًا. اللهم أعِذْنا من خِزي الدنيا وعذاب الآخرة واجعلنا من أهل النعيم في الدنيا والآخرة.
следующие страницы →