← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

يا مسلمُ يا عبدَ الله: وإذا كنتَ اليومَ تتقي شدةَ الحرارةِ بالتكييفِ والظلالِ الوارفةِ وغيرِ ذلكَ منْ وسائلَ- لا ضيرَ عليكَ في استخدامِها- فبأيِّ شيءٍ تُراكَ ستتَّقي حرَّ جهنّمَ وشدةَ الموقفِ في عَرَصاتِ الحسابِ. وهناكَ تدنو الشمسُ منَ الخلقِ وتكونُ بقدرِ الميلِ .. واليومَ بينَنا وبينَها آلافُ الأميالِ، هناكَ العَرقُ يلجم الناسَ على قدرِ أعمالِهم ولا ظِلَّ إلا ظلُّ الرحمنِ ولا جاهٌ ولا مالٌ ولا حسبٌ ولا نسبٌ؟ إنني أذكِّرُك ونفسي بالسبعةِ الذينَ يُظلُّهم اللهُ في ظلِّه يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّهُ فهلْ نكونُ أحدَ هؤلاءِ السبعةِ، بخوفِنا منَ اللهِ، وبعملِ الصالحاتِ، وتقديمِ القُرُباتِ؟ يا مسلمُ يا عبدَ اللهِ، ومهْما تضايقْتَ من شدّةِ الحرِّ أو البردِ إياكَ أن تَسُبَّ الدهرَ فاللهُ هو الدهرُ، ولا يَغِبْ عنْ ذِهْنِكَ أن الشمسَ والقمرَ بحُسْبانٍ، وأنَّ للهِ حِكَمًا في تقليبِ الليلِ والنهارِ، وتكرارِ الفصولِ وتقليبِ الزمانِ وَعاها العالِمونَ، وذكرَ بعضَها العارفونَ. وقالَ ابنُ القيِّم ﵀: ثمَّ تأملْ بعدَ ذلكَ أحوالَ هذه الشمسِ في انخفاضِها وارتفاعِها لإقامةِ هذه الأزمنةِ والفصولِ وما فيها مِنَ المصالحِ والحكَمِ، إذْ لوْ كانَ الزمانُ كلُّه فصلًا واحدًا لفاتَتْ مصالحُ الفصولِ الباقيةِ فيهِ .. إلى أنْ قالَ عنْ حكمِ الصيف: وفي الصيفِ يحتدّ الهواءُ ويَسخُنُ جدًّا فتنضجُ الثِّمارُ، وتنحلُّ فَضَلاتُ الا يدانِ والأخلاطِ التي انعقدَتْ في الشتاءِ، وتَغورُ البرودةُ وتهربُ إلى الأجوافِ، ولهذا تبردُ العيونُ والآبارُ. ويتحدثُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ ﵀ عنْ شيءٍ منْ رحمةِ اللهِ وتقديرِهِ في اختلافِ الفصولِ وبما يَحمي الإنسانَ بإذنِ الله، فيقول: يسخُنُ جوفُ الإنسانِ في الشتاءِ ويَبْرُدُ في الصيفِ، لأنَّ في الشتاءِ يكونُ الهواءُ باردًا فيبردُ ظاهرُ البدَنِ فتهربُ الحرارةُ إلى باطنِ البدَنِ؛ لأنَّ الضدَّ يَهربُ من الضدِّ .. وتبردُ الأجوافُ

стр. 2942

في الصيفِ لسخونةِ الظاهرِ فتهربُ البرودةُ إلى الأجوافِ: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. يا عبدَ اللهِ: وإذا كانَ الضِّدانِ لا يجتمعانِ وأحدُهما يهربُ من الآخرِ، فهلْ تفرُّ من المعصيةِ إلى الطاعةِ؟ وإذا كانَ حرُّ الصيفِ شديدًا فنارُ جهنمَ أشدُّ حرًا، ورحمَ اللهُ أقوامًا كانوا يتحرَّونَ الهواجرَ فيتقربون إلى اللهِ بصيامِها، تحسُّبًا ليومٍ شديدٌ حرُّه، وكان أبو الدرداءَ ﵁ يقولُ: صُوموا يومًا شديدًا حَرُّه لحرِّ يومِ النشورِ، وصلّوا رَكعتينِ في ظلمةِ الليلِ لظُلمةِ القبورِ. ويُذكرُ أنَّ عددًا من السلفِ كانوا يصومونَ في الصيفِ طلبًا لكثرةِ الأجرِ، ويقولُ قائلهُم: إنَّ الشيءَ إذا رَخَص اشتراهُ كلُّ أحَدٍ؟ ويروى أنَّ ابنَ عمرَ ﵄ خرجَ في سفرٍ ومعهُ أصحابُه، فلما وضعوا سُفرتَهم، مرَّ بهم راعٍ فدعَوْه إلى أنْ يأكلَ معهُمْ، فقالَ: إني صائمٌ، فقالَ ابنُ عمرَ: في مثلِ هذا اليومِ الشديدِ حرُّه وأنتَ بينَ هذه الشِّعابِ في آثارِ هذه الغنمِ وأنتَ صائمٌ؟ فقالَ الراعي: أبادرُ أيامي هذه الخالية (١). أعوذُ باللهِ منَ الشيطانِ الرجيمِ: ﴿لإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ (٤)﴾.

стр. 2943

الخطبةُ الثانية: إخوةَ الإيمانِ: وفي الشدائدِ دروسٌ وتعويدٌ على الصبرِ، ومنْ قَلَّ صبرُه أعاقَهُ بردُ الشتاءِ أو حرُّ الصيفِ عنْ مشاريعِ الخيرِ، وضعُفَتْ همتُه عنِ القيامِ بما كانَ يقومُ به حينَ اعتدالِ الجوِّ، وأهلُ الصبرِ والإيمانِ واليقينِ يتجاوزونَ في أعمالِهِم الصالحةِ ومشاريعهم الخيرةِ معوّقاتِ الشدائدِ .. بعكسِ أهلِ الريبِ والنفاقِ وأصحابِ الهِمَمِ الضعيفةِ فأولئكَ يقعدونَ عنِ المعالي ويعتذرونَ بشدةِ الزمانِ .. إنهما صنفانِ يتكرران، أحدُهما يقول: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (١). والآخرونَ قالوا: ﴿وَقَالُوا لاَ تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ (٢). وفيما نحنُ بصدَدِه ربّما ضعُفَتْ هِممْ أناسٍ عن صلاةِ الفجرِ في وقتِها ومعَ جماعةِ المسلمينَ لقِصَرِ ليلِ الصيفِ، وربّما ضَعُفَتْ هِممُ آخرينَ عنِ الخروجِ لصلاةِ الظهرِ أو العصرِ لشدةِ الحرِّ ولفحِ السَّمومِ .. وفرقٌ بينَ هؤلاءِ وبينَ منْ يقومونَ الليلَ- وإنْ قصُرتْ ساعاتُهُ- ومَنْ يصومونَ النهارَ وإنِ اشتدَّ حرُّه، وسلعةُ اللهِ غاليةٌ، وعلى قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ! رأى عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ ﵀ قومًا في جنازةٍ قدْ هربوا منَ الشمسِ إلى الظلِّ، وتَوَقَّوا الغبارَ، فبكى ثم أنشدَ: منْ كانَ حينَ تُصيبُ الشمسُ جبهتَه ... أوِ الغبارُ يخاف الشينَ والشَّعَثا ويألفُ الظَّلَّ كيْ تبقَى بشاشتُه ... فسوفَ يسكنُ يومًا راغمًا جَدَثًا في ظلِّ مُقْفِرةٍ غَبراءَ مُظلمةٍ ... يطيلُ تحتَ الثَّرى في غمِّها اللَّبَثا

стр. 2944

تجهَّزي بِجَهازٍ تَبلُغينَ به ... يا نفسُ قبلَ الرَّدَى لم تُخلَقي عَبَثًا هنا وبهذه الأفكارِ والتساؤلاتِ والإجاباتِ تعودونَ من رحلةِ الصيفِ وحرارتِه واعِينَ متفطِّنينَ شاكرينَ ذاكرينَ، ومن شكرَ فإنّما يشكرُ لنفسِه. أيها المسلمونَ: خُلقَ الإنسانُ هَلوعًا فتراهُ يتضجّرُ من شدةِ الحرِّ إذا حلَّ الصيفُ ثم تراهُ متضجِّرًا من شدةِ البردِ إذا حلَّ الشتاءُ، وحالُه كما قالَ الشاعرُ: يتمنّى المرءُ في الصيفِ الشتاءَ ... فإذا جاءَ الشتاءُ أنكرَهْ فهو لا يرضَى بحالٍ واحدٍ ... قتِلَ الإنسانُ ما أكَفرَهْ ألا وإنَّ الموفَّقَ منِ استفادَ من الصيفِ بطولِ نهارِه .. واستفادَ منَ الشتاءِ بطولِ ليلِه، وفضلُ اللهِ يؤتيهِ من يشاءُ، ومنْ رضيَ فلهُ الرضاءُ ومن تسخَّطَ فعليه السُّخْطُ؟ لقدْ كانَ منْ هَدْي النبيِّ ﷺ الإبرادُ بصلاةِ الظهرِ حينَ يشتدُّ الحرُّ رأفةً بالمسلمينَ، فهلْ يا ترى يرأفُ الأغنياءُ والموسرونَ بالفقراءِ الذين لا يتوفرُ عندهم منْ وسائلِ التبريدِ ما يتقونَ به حرارةَ الصيفِ؟ وإذا كانَ آباؤنا وأجدادُنا عاشوا حياةً بسيطةً، ومسَّتْهم البأساءُ والضّرّاءُ وربما تغيّرَتْ جلودُهم، واسودَّتْ وجوهُهم منْ لفحِ السَّمومِ وشدّةِ الحرِّ، فهلْ نُذكّرُ أبناءنا ما همْ فيه من نعمةٍ الآنَ، ليرعَوْها ويشكروا اللهَ عليها. أيها المسافرونَ: وإذا فَررْتُم منْ حرِّ الصيفِ سائحينَ هنا أو هناكَ، فإياكُم أن تفِرُّوا من الجحيمِ إلى الجحيمِ، فحرارةُ الصيفِ منْ فيْحِ جهنمَ، ولكن مبارزةَ اللهِ بالمعاصي والفسوقِ والعصيانِ، واستبدالِ جحودِ النعمِ بشكرِها، والمعصيةِ بالطاعةِ كلُّ ذلكَ فرارٌ إلى جحيمٍ آخرَ، لا بدَّ أنْ يذكّرَنا به حرارةُ الصيفِ .. فارحلْ واستمتعْ وبرّدْ، وسِحْ في أرضِ اللهِ .. لكنْ مع صدقِ المراقبةِ واستحضارِ موجباتِ الخوفِ للهِ ..

стр. 2945

فليسَتِ المعاصي والفجورُ من مُستلزماتِ السياحةِ والسفرِ، بلِ السياحةُ الحقّةُ فرصةٌ للذكرِ والشكرِ، والدعوةِ والأُنسِ، ومن المُسَلَّماتِ أنَّ راحةَ الضميرِ وطمأنينةَ القلبِ، لا يمكنُ أن تتحقَّقَ بالزورِ والفجورِ، بل هي كما قالَ خالقها: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (١)، بل ضيقُها وعذابُها ونكدُها بالإعراضِ عنِ اللهِ وذكرِه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ (٢). أيها المسلمونَ: وإذا تضايقْتُم يومًا أو سَنةً أو عُمرًا قصيرًا مِنْ شدّةِ الحرِّ، فتذكِّروا أنَّ يومًا مِنْ أيام الآخرةِ كألفِ سنةٍ مما تعدّونِ، وهناك نعيمُ الجنةِ الدائمِ في ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ (٣) .. وتذكّروا في مقابِلها ظِلًّا ذا ﴿ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ (٤). وتذكّروا لأهلِ النعيمِ جنتَيْنِ ذواتَيْ أفنانٍ، فيهما عينانِ تجريانِ، وتذكّروا لأهلِ الجحيمِ: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ﴾ (٥)، تذكّروا الفرقَ بينَ وجوهٍ مسفرةٍ ضاحكةٍ مستبشرةٍ ووجوهٍ يومئذٍ عليها غبرةٌ ترهقُها قَتَرةٌ ثمَّ قدّموا لأنفسِكم عملًا صالحًا. اللهم أعِذْنا من خِزي الدنيا وعذاب الآخرة واجعلنا من أهل النعيم في الدنيا والآخرة.

стр. 2946

الإنسان قوة بين ضعفين (١) الخطبةُ الأولى: إنَّ الحمدَ للهِ نحمَدُهُ ونستعينُهُ ونستغفرُهُ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنا ومنْ سيئاتِ أعمالِنا، منْ يهدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ لَهُ، ومنْ يضْلِلْ فلا هاديَ لَهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ عليْهِ وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسَلينَ، وارْضَ اللهُمَّ عنِ الصحابةِ أجمعينَ والتابعينَ وتابعيهمْ بإحسانٍ إلى يومِ الدِّينِ وسلِّمْ تسليمًا كثيرًا. عجبًا لكَ يا ابن آدمَ كَمْ تطْغَى وتتكبَّرُ! وكَمْ تُفسدُ وتفسُقُ! تمشي في الأرض مَرَحًا، وتَنْسَى أصلَ خلقِكَ، وتتمرَّدُ على العبوديةِ لربِّك وفي مُحْكَم التنزيلِ: ﴿قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ (٢). يا ابن آدمَ تأمَّلْ في بدايةِ خَلْقِكَ ومنتَهاهُ، وتأمَّلْ في أحوالِكَ وأطوار حياتِكَ تَرَى الضعفَ لكَ ملازِمًا وصدَقَ اللهُ: ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ (٣)، فما هي مظاهرُ ضعفِنا؟ والأهمُّ من ذلك: ماذا يسْتَدْعي منا هذا الضعفُ؟ وما العبرةُ والدرسُ؟ أيها المسلمونَ: إن منْ يتأملُ حياةَ الإنسانِ ومراحلَهُ، وأحوالَه يَرى الضعفَ ظاهِرًا .. أجلْ، ضعفٌ في النشأةِ وضعفٌ في الهَرَمِ، وضعفٌ في حال الصحةِ والسّقمِ، وفي حالِ الجوعِ والشِّبعِ، ضعفٌ في الإقامةِ وضعفٌ في السفرِ،

стр. 2947

ضعفٌ في حالِ الغنى، وضعفٌ في حالِ الفقْرِ، وضعفٌ عندَ شدةَّ الحرارةِ، وضعفٌ عندَ شدَّةِ البرودَةِ .. إلخ مظاهرِ الضعفِ، فإنْ قُلتَ: فكيف هذا الضعفُ؟ وما هيَ مظاهرُهُ؟ أجبتُ بما يلي: أما الضعفُ في حالِ البدْءِ والنهايةِ فقدْ كشفَ القرآنُ الكريمُ عنْها بقولِهِ تعالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ (١)، والآية وإنْ كانَ معناها واضحًا ومُدْركًا منْ خلالِ الواقعِ المُشاهَدِ، ومنْ خلالِ أطوارِ الإنسانِ ومراحِلهِ التي لا يمكنُ لأحدٍ أنْ يتجاوزَها .. أو يُخالفَ سُنةَ اللهِ فيها. إلا أنَّ الحكمةَ الإلهيةَ هُنا أنْ يَرى العبدُ ضعفَهُ، وأنَّ قوتَه محفوفةٌ بضَعفَيْن وأنهُ ليسَ لهُ من نَفْسِه إلا النقصُ، ولولا تقويةُ اللهِ لهُ لما وصَلَ إلى قوةٍ وقدرةٍ، ولو استمرَّتْ قوَّتُه في الزيادةِ لطَغَى وبَغَا وعَتَا (٢). إنَّ الإنسانَ يبدأُ حياتَه معتمدًا- بعدَ اللهِ- على الآخرينَ، وتنتهي حياتُه كذلكَ وهو غيرُ مستغْنٍ عنِ الرعايةِ والإعانةِ منَ الآخرين إنَّهُ يخرجُ إلى الدنيا لا يعلمُ شيئًا .. وقبلَ أن يودِّعَ الدنيا يعودُ مرةً أخرى لا يعلمُ بعدَ علمٍ شيئًا .. تأملوا ذلك في آيتين من كتابِ اللهِ يقول تعالى عن المرحلة الأولى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ (٣)، ثُم يقولُ عن المرحلةِ النهائيةِ: ﴿وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ (٤). أما واقعُ الناسِ فيقولُ: إنَّ المرءَ قد يَعُولُ ابنَهُ الصغيرَ وأباه الكبيرَ في آنٍ

стр. 2948

واحدٍ .. هذا محتاجٌ للرعايةِ في طفولتِهِ وصِغَرِه وهذا محتاجٌ للرعايةِ في شيخوختِهِ وهرمِهِ! إنَّ في ذلكَ لَعِبرةً: غيابٌ في البدايةِ وغيابٌ في النهايةِ وما بينَهُما سنواتٌ وأيامٌ معدودةٌ؟ أيُّها المسلمونَ: وحتى في مرحلةِ القوةِ وبلوغِ الأشُدِّ .. لا يكادُ الضَعفُ يفارقُ الإنسانَ .. أوليسَ ﴿خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلاَّ الْمُصَلِّينَ﴾ (١)، وإلا منِ اتَّصفَ بصفاتِ الإيمانِ واليقينِ- كما جاءَ في الآياتِ المتمِّمةِ لهذه الآيةِ- وهو ضعيفٌ في حالةِ السفرِ والإقامةٍ، فهو يملُّ الإقامةَ، والسفرُ يُرهقُه. وهو كذلكَ ضعيفٌ في حالِ النومِ واليقظةِ- فإنْ كَثُرَ نومُهُ فهو مؤشِّرٌ إلى المرضِ والتعبِ، وإنْ قلَّ نومُه فهو القلقُ والضجرُ؟ يا ابْنَ آدمَ أَلَسْت ضعيفًا في حالِ الغِنَى والفقرِ، فالغِنى يُطغِي ويُلهي ويدْعو للتعالي والكبرياء ﴿كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾ (٢) إلا منْ رحمَ اللهُ وآتى المالَ على حبِّهِ مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا. والفقرُ يُضعِفُ وُيذلُّ وكادَ الفقرُ أنْ يكونَ كفرًا؟ إلا منْ صبرَ واحتَسَب. ابنَ آدمَ زمهريرُ البردِ يؤذيكَ، وشدةُ حرِّ الهواجرِ تُضايقُك! وأنتَ حينَ تجوعُ تظلُّ تتلوَّى، وربّما أذْهَبَ الجوعُ سمعَك وأضعفَ من بصرَكَ ورؤيتَكَ وأنتَ في حال الشِّبَعِ تثقلُ وتَصعُبُ عليكَ الحركةُ وتميلُ إلى النومِ والراحةِ، وربّما لم تسلَمْ من أَمراضِ التُّخمَةِ وأعراضِ السِّمَنِ؟

стр. 2949

ألا فاعرفْ قَدْرَكَ، وقدِّرْ ضعفَكَ، واستعِنْ بخالقِكَ، واستثمرْ قوَّتَك، واعلَمْ أنَّ الحياةَ أطوار .. ضعفٌ وقوةٌ، وطفولةٌ وشيبةٌ، غنًى وفقرٌ، وعُسرٌ ويسرٌ، شرٌّ وخيرٌ، سرّاءُ وضرّاءُ، محنٌ وبلايا .. نومٌ ويقظةٌ، ومهما طالَ عمُرُك فالموتُ يطلبُكَ والأجَلُ يحاصرُكَ .. فكُنْ على استعدادٍ ويقظةٍ .. وإياكَ والغَفلةَ والاستكبارَ والطغيانَ والفسادَ. أعوذُ بالله منَ الشيطانِ الرجيمِ: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (١). نفعني اللهُ وإياكم بهَدْي كتابِه ..

стр. 2950

الخطبةُ الثانيةُ: الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ الرحمنِ الرحيمِ .. رحمتُه وَسِعَتْ كلَّ شيءٍ وأنزلَ منْها في هذه الدنيا رحمةً، وادَّخرَ تسعةً وتسعينَ لِيومِ القيامةِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، شهِدَ بضعفِ الخَلقِ، وشهدَ المرسَلونَ على ضعفِ هذه الأمةِ ورحمةِ اللهِ بها، وهذا الكليمُ موسَى ﵇ يقولُ في ليلةِ الإسراءِ والمعراج للنبيِّ ﷺ حينَ فُرضَتُ عليه الصلاةُ ماذا فُرِضَ عليكُمْ؟ فقالَ ﷺ : «أمرَني ربي بخمسينَ صلاةً في كلِّ يومٍ وليلةٍ، فقالَ له موسَى ارجعْ إلى ربِّك فاسألْهُ التخفيفَ، فإنَّ أمتَك لا تُطيقُ ذلكَ، فإني قدْ بَلَوْتُ الناسَ قبلَكَ على ما هو أقلَّ من ذلكَ فعجَزوا، وإنَّ أمتَكَ أضعفُ أسماعًا وأبصارًا وقلوبًا .. فرجَعَ إلى ربِّه فوضعَ عنه عشرًا، وما زالَ يُراجعُ ربَّه حتى بقيَتْ خمسًا .. ولكنها بأجر خمسين رحمةً من رَبِّك وتخفيفًا وفضلًا (١). وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه اعترفَ بضعفِه وشكا إلى ربِّه حالَهُ حينَ عادَ هائمًا على وجهه من رحلةِ الطَّائفِ وهو يقولُ: «اللهُمَّ إليكَ أشكو ضعفَ قُوَّتي وقِلَّةَ حيلَتي وهواني على الناس، أنتَ ربُّ المستضعَفينَ وأنتَ ربي، إلى مَنْ تَكِلُني ... ». اللهمَّ صلِّ وسلِّم عليهِ وعلى سائرِ النبيينَ والمرسَلينَ. إخوة الإسلامِ: ضعفُنا يستَدْعي أنْ نركَنَ إلى اللهِ ونستعينَ به ونعوذَ به فلا مَلجَأَ ولا مَنْجا منهُ إلا إليه، وهو الذي يُفَرُّ منهُ إليهِ، وهذا نبيُّ اللهِ لوطٌ ﵇ اعتَصَم باللهِ مِنْ أَذَى قومِهِ وقالَ: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾

стр. 2951

فجاءه الغوث من السماء ﴿قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ (١). وحينَ أوشكَ المشركونَ أنْ يَصِلوا إلى رسولِ اللهِ ﷺ وصاحبِهِ وهُما مخْتفَيانِ في الغارِ، قال النبيُّ ﷺ لصاحبه: «لا تحْزنْ إنَّ اللهَ مَعَنا» فتنَّزلت السكينةُ وحُفِظوا مِنْ كيدِ الأعداءِ وتحوَّلَ الضعفُ على قوة والخوفُ إلى سكينةٍ ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ (٢). عبادَ اللهِ: ويستَدْعي ضعفُنا أنْ نشكرَ اللهَ على السرّاءِ وأنْ نصبرَ على الضرّاءِ، فبالشكرِ تدومُ النِّعَمُ، وبالصبرِ والتجلُّدِ تنقشعُ البلواءُ والمصائبُ والمحنُ. أجلْ، إن الإنسان يتقلبُ في هذه الحياةِ بين يُسرٍ وعُسرٍ، ورخاءٍ وشدّةٍ، وغنًى وفقرٍ، وصحةٍ وسُقمٍ، وقوةٍ وضعفٍ .. والموفَّقُ مَنْ شكرَ على السرّاءِ وصبرَ على الضرّاءِ، ولقدْ فَقِهَ عبادُ اللهِ المرسلون سِرَّ الابتلاء في كلِّ حالٍ .. فهذا سليمانُ ﵇ حينَ آتاه اللهُ منْ فضلِهِ ما شاءَ وسخَّرَ له من الجنودِ ووهبَهُ مِنَ القوةِ والمُلكِ ما فاقَ أهلَ الزمانِ، اسْتَشْعَرَ فضلَ اللهِ ومِنَنَه، وأحسَّ ببلوَى السرّاءِ وحاجتِهِ للشكرِ وقالَ: ﴿قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (٣). وهذا أيوبُ ﵇ حينَ أصابَهُ الضرُّ وابتلاهُ اللهُ بالسُّقمِ صبرَ واحتسَبَ وتوجَّهَ إلى اللهِ بكشفِ الضرِّ فقال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ... ﴾ (٤).

стр. 2952

ويُونسُ وهو في الظُّلماتِ في بطنِ الحُوتِ وأعماقِ البحرِ نادَى: ﴿أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). أيها المؤمنون: ضعْفُنا يستدعي ألّا نتكبَّرَ ونتجبَّرَ، ولا أنْ نطغَى ونكفرَ، وفي القرآنِ نماذجُ لأممٍ وشعوبٍ وأفرادٍ غرَّتْهُم قوَّتُهم واغترُّوا بما أعطاهُمُ اللهُ، فكانتْ نهايتُهم عِبرةً لمنْ بعدَهُم وفي قَصَصِ الغابرينَ أينَ منْ قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ (٢)؟ وأينَ منْ قالَ: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (٣)، ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ (٤)، وأينَ الذي خرجَ علَى قومِه في زينتِه، ومفاتيحُ كنوزِهِ تنوءُ بحَمْلِها العُصبةُ أولوا القوةِ، وتبجَّحَ قائلًا: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ (٥)، وإذا كانَ اللهُ خسفَ بِهِ الأرضَ، فقدْ أخبرَنا اللهُ أنه أهلَكَ مَنْ قبِلَهِ مِنَ القرونِ مَنْ هُو أشدُّ منهُ قوةً وأكثرُ جميعًا: أوَلا يتفكَّرُ الإنسانُ ممَّ خُلِقَ وإلى أينَ يصيرُ؟ ﴿قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ﴾ (٦). وسنةُ اللهِ لا تزالُ تطوي المتكبِّرينَ، وتعصِفُ بالمجرِمينَ، فلا يَغرُرْك تقلُّبُهم في البلادِ. عبادَ اللهِ: ضعفُنا يستَدْعي أن نكونَ دائمًا على يَقَظةٍ وحذرٍ، لا تغرُّنا القوةُ،

стр. 2953

ولا نَجزعُ للضعفِ، فالقويُّ يَضعُفُ، والضعيفُ يقوَى، لا بدَّ أنْ ندرِكَ سِرَّ اللهِ في خَلقِنا، وندركَ الهدفَ منْ وجودِنا، نتوجَّهُ إليه وحدَهُ في عُبوديةِ السرّاءِ وفي عُبوديةِ الضرّاء وفي ذلكَ يتحقَّقُ الخيرُ كما أخبرَ المُصْطفى ﷺ : «عَجَبًا لأمرِ المُؤمنِ إنَّ أمرَه كلَّه لهُ خيرٌ: إنْ أصابتْهُ سرّاءُ شَكَر فكانَ خيرًا لهُ، وإنْ أصابتْهُ ضرّاءُ صَبَر فكانَ خير لهُ، وليسَ ذلكَ لأحَدٍ إلا للمؤمنِ» نعم، إنَّ غيرَ المؤمنِ تُبطِرُه النعمةُ، ويجزعُ للمصيبة .. فلا استفادَ ولا أُجِرَ في الحالينِ، بلْ كانَتْ السرّاءُ والضرّاءُ عليهِ نقمةٌ. أيُّها المسلمونَ: وينبغي أنْ نستعينَ بالصبرِ والصلاةِ- على ضعفِنا- فبذلكَ أُمرْنا ونستعينُ بدعاءِ اللهِ والتضرعِ للهِ فتلكَ عُبوديةٌ نتقربُ بها إلى خالقِنا، وما فتئَ الصالحونَ يستغيثونَ ربَّهم ويدعونَه حتى يُفرِّجَ كَرَبُهم ويجيبَ دعاءَهُم ويرحمَ ضَعفَهم. لا بدَّ أنْ نستثمرَ حالاتِ القوةِ والرخاءِ في عملِ الصالحاتِ، حتى إذا جاءتْ مرحلةُ الضعفِ أو كانتْ ظروفُ الشدةِ ولمْ نقدِرْ على بعض ما يُرضي ربَّنا، وإذا لنا رصيدٌ يُؤنسُنا ويكتبُ اللهُ لنا مثلَ أجرِهِ في حالِ عجزِنا ومرضِنا، لا بدَّ أنْ نستشعرَ قوّتَنا بالأخوةِ والتكاثرِ، والمرءُ قليلٌ بنفسِهِ كثيرٌ بإخوانه، ولا بدَّ منْ حفظِ الطاقاتِ وعدم الهدرِ. اللهم ارحم ضعفنا وقوي عزائمنا، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

стр. 2954

ولا تسرفوا (١) الخطبةُ الأولى: الحمدُ للهِ أَمَرَ بالعدلِ والبرِّ والقوامِ والإحسانِ، ونهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والمَخِيلةِ والإسرافِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، جاءتْ شريعتُه آمرةً بكلِّ خيرٍ، دالةً على كلِّ معروفٍ ناهيةً عن المجاوزةِ والفسوقِ والعصيانِ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، أَمَرَ بالقِسْطِ والإحسانِ، وجاءتْ سيرتُه نموذجًا للزهدِ والاعتدالِ، «فما أكلَ آلُ محمدٍ أكلتَيْنِ في يومٍ واحدٍ إلا وأحدُهما تمرٌ» (٢)، وقالَ للناسِ كافّةً: «مَنْ أصبحَ آمِنًا في سِرْبِه، معافًى في جسدهِ، عندَهُ قُوتُ يومِه فكأنما حيزتْ لهُ الدنيا» (٣). اللهمَّ اجعلْنا لك شاكرين ذاكرين .. وصلى اللهُ وسلَّمَ على نبيَّنا محمدٍ .. إخوةَ الإسلامِ: ظاهرةٌ اجتماعيةٌ تتفشَّى، وعادةٌ منَ العوائدِ باتَ الناسُ يتنافسونَ فيها، لمْ يَسلمْ منها الرجالُ فضلًا عنِ النساءِ، فلهنَّ فيها قَدَحٌ مُعلّى، ولمْ تكنْ قصرًا على الأغنياءِ، بلْ باتَ الفقراءُ يُشاركون غيرَهمْ فيها .. نهى عنها دينُنا، وحذَّرَنا منها نبيُّنا ﷺ ، وفي القرآنِ الكريمِ مواضعُ عِدّةٌ في النهيِ عن الإسرافِ وذمِّ المسرفينَ، ومنها عبارةٌ محدودةٌ لكنها جامعةٌ: ﴿وَلاَ تُسْرِفُوا﴾ (٤). عبادَ اللهِ: وعينُ الناظرِ المتأمِّل لا تكادُ تُخطئُ مظاهرَ الإسرافِ، ومجالاتِ

стр. 2955

الهدرِ في حياتِنا، إسرافٌ في المأكلِ والمشربِ، وإسرافٌ في الملبسِ والزينةِ، إسرافٌ في الولائمِ والمناسباتِ، وهدرٌ للأموالِ وإضاعةٌ للجهودِ والطاقاتِ، وفي عالمِ النساءِ والأطفالِ أنواعٌ ومستحدَثاتٌ منَ اللباسِ يُبالَغُ في ثمنِها، ويَقلُّ استخدامُها، وفَتشْ عنْ شيءٍ منْ ذلكَ تجدْهُ ظاهرًا أكثرَ في حفلاتِ الزواجِ ولقاءاتِ المناسباتِ. كلُّ ذلك وغيرُه أنواعٌ منَ الإسرافِ الحسّيِّ المادّيِّ .. وثمّةَ أنواعٌ منَ الإسرافِ المعنويِّ. أيُّها المسلمون: تقرأون في كتاب رَبِّكم: ﴿وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (١). قالَ ابنُ عباسِ ﵄: أحلَّ اللهُ في هذهِ الآيةِ الأكلَ والشربَ ما لمْ يكنْ سرفًا أو مَخِيلةً، فأمّا ما تدعُو الحاجةُ إليهِ، وهُوَ ما سدَّ الجوعةَ وسكّنَ الظمأَ فمندوبٌ إليهِ عقلًا وشرعًا، لمَا فيهِ منْ حفظِ النفسِ وحراسةِ الحواسِّ .. إلى أنْ قالَ: وليسَ لمنْ مَنَعَ نفسَه قدْرَ الحاجةِ حظٌّ منْ بِرٍّ ولا نصيبٌ منْ زهدٍ؛ لأنَّ ما حَرَمَها مِنْ فعلِ الطاعةِ بالعجزِ والضعفِ أكثرُ ثوابًا وأعظمُ أجرًا (٢). قالَ العارفونَ: في قِلةّ الأكلِ منافعُ كثيرةٌ، منها: أنْ يكونَ الرجلُ أصحَّ جسمًا وأجودَ حفظًا، وأزكى فهمًا، وأقلَّ نومًا، وأخفَّ نَفْسًا، وفي كثرةِ الأكلِ كظُّ المَعِدة ونَتَنُ التُّخمةِ، ويتولَّدُ منهُ الأمراضُ المختلفةُ فيَحتاجُ منَ العلاجِ أكثرَ ممّا يحتاجُ إليهِ القليلُ منَ الأكلُ. وفي هَدْيِ النبوّةِ دواءٌ وشفاءٌ وتوجيهٌ وإرشادٌ، وهُوَ القائل ﷺ : «ما ملأَ ابنُ آدمَ وعاءً شرًا من بطنٍ، بحَسْبِ ابنِ آدمَ أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَه، فإنْ كانَ لا مَحَالةَ

стр. 2956

فثُلثٌ لطعامِه وثلثٌ لشرابِهِ وثُلثٌ لِنَفَسِه» (١). قالَ العلماءُ: لوْ سمعَ (بُقراطُ) هذه القسمةَ لعجبَ منْ هذهِ الحكمةِ (٢). وحينَ قيلَ لأحدِ الأطباءِ النصارى: ما في القرآنِ والسُّنّةِ منْ آياتٍ وأحاديثَ تفوقُ ما وصفَهُ الأطباءُ، عَجِبَ منْ ذلكَ، ثمَّ قالَ: ما تركَ كتابُكمْ ولا نبيُّكمْ لجالينوس طِبًّا (٣). وقالَ ﵊، مادحًا حالَ المؤمنِ في الزهدِ والقناعةِ فيما يأكلُ: «الكافرُ يأكلُ في سبعةِ أمعاء، والمؤمنُ يأكُلُ في مِعيَ واحدٍ» (٤). والمعنى كما قالَ العلماءُ: حضٌّ على التقليلِ منَ الدنيا والزهدِ فيها، فهُوَ يتناولُ دونَ شِبَعهِ ويُؤثِرُ على نفْسِهِ، ويُبقي منْ زادِه لغيرِهِ، فيقنعُه ما أَكلَ (٥). أمّا العربُ فكانتْ تُمتدحُ بقلّةِ الأكلِ وتُذَمُّ بكثرتهِ، كما قالَ قائلُهمْ (أعشى باهِلةَ .. ): تكفيهِ فَلِذَةُ كَبْدٍ إنْ ألمَّ بها مِنَ الشِّواءِ ويَرْوي شُرْبَه الغُمَرُ (٦) والمعتمدُ في ذلكَ ما جاءَ في «صحيحِ» البخاريِّ (معلِّقًا): «كُلوا واشربوا والبَسوا وتصدَّقوا في غيرِ إسرافٍ ولا مَخِيلةٍ» (٧). إخوةَ الإيمانِ: يُروى أنَّ أبا جُحيفةَ (وهبَ بنَ عبد اللهِ السُّوائيَّ) ﵁ أكلَ

стр. 2957

ثَريدًا بلحمٍ سَمينٍ، فأتى النبيَّ ﷺ وهوَ يتجشَّى (والتجشؤُ: تَنَفُّسُ المَعدةِ عندَ الامتلاءِ). فقالَ لهُ النبيُّ ﷺ : «أكفُفْ عليكَ منْ جُشائِكَ أبا جُحيفةَ، فإنَّ أكثرض الناسِ شِبَعًا في الدنيا أطولُهم جُوعًا يومَ القيامةِ»، فما أكلَ أبو جحيفةَ بملءِ بطنهِ حتى فارقَ الدنيا، وكانَ إذا تغدَّى لا يتعشَّى، وإذا تعشى لا يتغدى (١). ويُروى كذلكَ منْ وصايا لقمانَ لابنهِ: يا بنيَّ لا تأكلْ شبعًا فوقَ شبعٍ، فإنكَ إنْ تَنْبِذْه للكلبِ خيرٌ منْ أنْ تأكلَه (٢). ولقدْ قيلَ: منَ السرفِ أنْ تأكلَ كلَّ ما اشتهيتَ؛ لأنَّ كثرةَ الأكلِ تدعو إلى كثرةِ الشرب، وذلكَ يُثقلُ المَعِدةَ، ويُثبطُ الإنسانَ عنْ عبادةِ ربِّه، والأخذِ بحظِّهِ منْ نوافلِ الخيرِ، فإنْ تعدَّى ذلكَ إلى ما فوقَه ممّا يمنعُه القيامَ بالواجبِ عليهِ حُرّم عليهِ، وكانَ قدْ أسرفَ في مطعمِهِ ومشربهِ (٣). أيُّها المسلمونَ: لقدْ أسرفْنا في مأكولاتِنا ومشروباتِنا. مُقبِّلاتٌ قبلَ الطعامِ، وأنواعٌ منَ الطعامِ، وأشكالٌ منَ اللحومِ: مشويٌّ، ومضبيٌّ، وأحمرُ وأبيضُ، وكبابٌ ورِيَشٌ .. وأنواعٌ أخرى، وأَصنافٌ من (الزلطاتِ) والمشروباتِ، وفي الختامِ لا بدَّ من حلوى ومُهضِّماتٍ! ومَنْ يرقُبْ حالَ الناسِ وأعدادَ المراجِعينَ للمستشفياتِ يَرَى عَجبًا .. فمَعَ تقدُّمِ الطبِّ، إلا أنّ أعدادَ المرضى في تزايدٍ، وأنواعَ الأمراضِ في تصاعدٍ، تعرفُ منها وتُنكِرُ، حتى ظهرتْ أسماءُ أمراضٍ لمْ تكنْ معروفةً منْ قبلُ .. ولا

стр. 2958

شكَّ أنَّ الإسرافَ في المأكولاتِ والإخلادَ إلى الراحةِ والكسلِ .. والشَّرَهَ في استخدامِ المعلَّبات والمستورَداتِ سببٌ منْ أسبابِ انتشارِ هذهِ الأمراضِ، ومِنَ الحِكَمِ النافعةِ: (المعدةُ بيتُ الأدواءِ، والحِمْيةُ رأسُ كلِّ دواءٍ، وأعط كلَّ جسدٍ ما عودتَهُ). عبادَ اللهِ: والأمرُ أدهى وأمرُّ حينَ يتجاوزُ أثرُ الإسرافِ في المطعمِ والمشرب مَرَضَ الأبدانِ إلى مرضِ القلوبِ، فيتثاقلُ المسلمُ عنِ الواجباتِ المفروضةِ، ومِنْ أهمِّها الصلاةُ، فلا يأتيها إلا متأخِّرًا كسولًا، وربِّما أكلَ وشَبعَ واستغرقَ به النومُ حتى فوَّت الفريضةَ عنْ وقتِها، أو حَرَمَ نفْسَه أجرَ الجماعةِ والحضورِ للمساجدِ، وربما أسرفَ في الإنفاقِ ومَنَعَ الواجبَ منَ الزكاةِ أو المأمورِ به منَ الصدقاتِ، أو يزيدُ في الإسرافِ فينتهكُ محارمَ اللهِ بأكلِ محرّمٍ أو شربِ محرَّمٍ، أو يمتدُّ على أريكتهِ- بعدَ أنْ شَبعَ منْ نِعَمِ ربِّه- ليُسمعَ أذنَيْهِ الحرامَ منَ الغناءِ .. أو يُريَ عينيهِ مشاهدَ العُهرِ والفجورِ .. وربما تجاوزَ فاستحلَّ الفروجَ المحرَّمةَ وهَتَكَ الأستارَ واستهترَ بالقيَم. أهكذا يكونُ الشكرُ يا عبادَ اللهِ؟ ! أفيُنعِمُ عليكَ ربُّك بنِعَمِه ثمَّ تجاهرُه بالمعصيةِ؟ أيقاَبلُ الإحسانُ بالإساءةِ، والعطاءُ بالجحودِ والنكرانِ؟ ليستْ تلكَ منْ شِيَم الكرماءِ العقلاءِ فضلًا عن المسلمينَ وأهلِ القرآن، أمَا يَخشى المسرفونَ العقوبةَ في الدنيا والآخرةِ، واللهُ يقولُ: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ (١).

стр. 2959

الخطبةُ الثانية: أيُّها المسلمونَ: وإذا عرفْنا شيئًا منْ مظاهرِ الإسرافِ المادِّيِّ في حياتِنا، وما أردتُ الإحصاءَ لكلِّ مظاهرهِ قدْرَ ما أردتُ التنبيهَ على مخاطرِ الإسرافِ وأثرِه- فلا بدَّ أنْ نعرفَ أنواعًا ومظاهرَ أخرى من إسرافنا في مجالاتٍ أخرى، وهيَ لا تقلُّ أثرًا وخطرًا، وقدِ اختارَ ابنُ جريرٍ- ﵀ قولَ عطاءٍ في أنَّ النهيَ عنِ الإسرافِ في آيةِ الأنعامِ عامٌّ في الإسرافِ في كلِّ شيءٍ (١). واعتبرَها ابنْ زيدٍ خطابًا للوُلاةِ، يعني: لا تأخذوا فوقَ حقِّكمْ وما لا يجبُ على الناسِ (٢). وقالَ إياسُ بنُ معاويةَ: ما جاوزتَ به أمرَ اللهِ فهو سرفٌ وإسرافٌ (٣). أخي المسلمُ: ألا تُحسُّ بشيءٍ من إسرافِنا وهَدْرنِا للأوقاتِ؟ والوقتُ هوَ الحياةُ، كمْ نستمرُ من ساعاتِ الليلِ والنهارِ فيما ينفعُنا في دينِنا أوْ دنيانا؟ وفي القرآنِ تذكيرٌ لنا بقيمةِ الزمنِ، إذْ أقسمَ اللهُ بهِ في أكثرَ منْ موضعٍ: ﴿وَالْفَجْرِ﴾ ﴿وَالضُّحَى﴾ ﴿وَاللَّيْلِ﴾ ﴿وَالْعَصْرِ﴾، إلى غيرِ ذلك من إشاراتٍ لا تخفى لمنْ تأمَّلَ. يا عبدَ اللهِ: منَ العقلِ والحكمةِ أنْ تسألَ نفسَكَ: ماذا زرعتَ لآخرتِكَ في وقتِكَ؟ وما نوعُ مَكاسبِكَ في الدنيا منَ الوقتِ؟ أهيَ محقِّقةٌ للسعادةِ أمْ جالبةٌ للشِّقوةِ والنكدِ؟ يا مسلمُ يا عبدَ اللهِ: كمْ تُهدرُ منْ سمْعِكَ، وكمْ تُسرفُ في نظرِك، واللهُ

стр. 2960

تعالى يذكِّركَ بالمسئوليةِ، ويقولُ: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئولًا﴾ (١). اسألْ نفْسَكَ: كمْ نسبةَ ما تسمعُ منَ الحرامِ غيبةً أوْ نميمةً، أوْ فجور أوْ فسوقًا أوْ غِناءً أوْ مجونًا، وكم نسبةَ ما تَسمعُ منَ الحلالِ: قرآنٍ، دعوةٍ للخيرِ، إصلاحٍ بينَ الناسِ، كلماتٍ طيّبةٍ عَبْرَ محاضرةٍ أوْ ندوةٍ حيَّة أوْ مسجَّلةٍ؟ ماذا تنظرُ وتشاهِدُ وأنتَ مؤتمَنٌ على الوقتِ والجوارحِ؟ واعلمْ أنَّ عينيكَ إنْ لمْ تكتحلْ برؤيةِ ما تهوى لأنه حرام، فاعلم أن المتقين أعد الله لهم في الجنة عوضًا، ما لا عينٌ رأت ولا أذن سمعت ولا خطر بقلب بشر. يا أخا الإسلامِ: هلْ تفكِّرُ كيفَ وبمَ تقضي وقتَكَ؟ أمْ يكفيكَ أنْ تملأَ الوقتَ ويذهبَ الزمنُ كيفَ ما كانَ؟ وإذا كانَ وقتُكَ ووقتُ الآخرينَ سواءً فهلّا تأمَّلتَ وقارنتَ بينكَ وبينَ أشخاصٍ آخرينَ خلَّفوا منَ الأَثرِ، وبقيَ لهمْ منَ الذِّكْرِ ما ليسَ لكَ، فَلِمَ خَلّفوا وأهملت؟ أيها المسلمونَ: ومنْ إسرافِنا كثرةُ الكلامِ دونَ فائدةٍ، فأحدُنا مستعدٌّ للحديثِ ساعةً أو أكثرَ، وقدْ يكونُ معظمُ الحديثِ لا فائدةَ منهُ، إنْ لمْ يكنْ لَغْوًا محرَّمًا، ولوْ قيلَ لهُ: كمْ ذكرتَ اللهَ في هذا اليومِ؟ لمْ يجدْ إلا القليلَ، ولو قُلتَ له: ما حزبُكَ اليوميُّ منَ القرآنِ؟ لسمعتَ عجبًا! هل ذكّرتَ غافلًا، هلْ علَّمتَ جاهلًا؟ هلْ دعوتَ إلى اللهِ؟ .. إلى غيرِ ذلكَ منْ أعمالٍ تورثُ البرَّ والخيرَ، إيَّاك أنْ يكونَ نصيبُكَ منهُ قليلًا! ومنْ مظاهرِ إسرافِنا: إسرافُنا في النومِ، وإذا كانَ المرءُ لا يُمدحُ بكثرةِ النومِ فالمذمَّةُ أعظمُ حينَ تفوِّتُ بالنومِ صلاةً مكتوبةً، أوْ واجبًا أنت مسئولٌ عنهُ .. فإنْ

стр. 2961

لمْ يكنْ هذا ولا ذاكَ ففي كثرةِ النومِ من إضاعةِ الوقتِ وتفويتِ الفُرصِ ما يكفي لعَيْبِه ومذمّتِهِ. أيُّها المسلمونَ: احذروا الإسرافَ بكلِّ أشكالِه ومظاهرِهِ، فاللهُ لا يحبُّ المسرفينَ، واللهُ لا يهدي مَنْ هُوَ مسرفٌ كذّابٌ، والمسرفونَ همْ أصحابُ النارِ، ومَعَ ذلكَ لا تَقنطوا منْ رحمةِ اللهِ إذا تُبتمْ وأنبتُمْ إلى ربِّكم: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (١). وعليكمْ بالاقتصادِ والاعتدالِ في أكلِكمْ وشُربكمْ، وفي منامِكمْ ويقظتِكمْ، في نفقاتِكمْ وملبسِكمْ، في بيوتكمْ ومناسباتِكمْ، وفي حالِ سفرِكم وإقامتِكمْ، في حديثِكمْ وصمتكم، وفي أسماعِكمْ وأبصارِكمْ، في حالِ غناكمْ أو فقرِكمْ، ولذُكورِكم وإناثكمْ، وكبارِكم وصغارِكمْ، ألا ما أجملَ الاقتصادَ حينَ يتمثلَّهُ الأغنياءُ المقتدِرونَ! وما أروعَ الاعتدالَ حينَ يتصدَّرُه الكرماءُ الباذلونَ، وكلُّهمْ يقولونَ: شعارُنا: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (٢). وإذا كانَ يعابُ على العائلِ المستكبرِ فكذلكَ يُعابُ على الفقيرِ المُسرِفِ .. وكمْ تعجبُ لأسرةٍ تُجمَعُ لها الصدقاتُ منَ المحسنينَ فإذا بها تُنفِقُها في كمالياتِ الحياةِ، والأمرُ أخطرُ إذا استعانتْ بها على شراءِ المحرَّماتِ. وكمْ يُدهشُكَ شابٌّ يُجمَعُ مهرُه منَ الجمعياتِ الخيريةِ وصدقاتِ المحسنينَ، فإذا أبصرتَ رقاعَ الدعوةِ وجدتَها في أفخمِ القصورِ!

стр. 2962

وكمْ تألمُ حينَ تسمعُ عنْ قيمةٍ خياليةٍ لثوبِ سهرةٍ، وقدْ يكونُ الزوجُ منْ ذوي الدخلِ المحدودِ، وقدْ تَلْبَسُه المرأةُ مرةً أو مرتينِ ثمَّ ترمي بهِ جانبًا. ألا فلْنتقِ اللهَ جمعيًا فيما أنعمَ بِهِ علينا، وبَدَلَ أنْ نُسرفَ لنُفِيءْ على مَن بهِ حاجةٌ، وإذا جاءَ الإسرافُ في مخيّلتِنا فلْنتذكرْ مَنْ مسَّتهمُ الحاجةُ مِنْ إخوانِنا في مشرقِ الأرضِ أوْ مغربِها، ولْنمدَّ يدَ المساعدة إِليهمْ. لا بدَّ منْ تقييد النِّعم وشُكرِ المنعِمِ، وتقديمِ النموذجِ الأمثلِ، فالنِّعمُ إذا شُكِرتْ قرَّتْ، وإن كُفِرتْ فرَّتْ، لا بدَّ منْ توعيةٍ لأبنائنا وبناتِنا ونسائِنا، لا بدَّ أنْ يكونَ النهيُ عنِ الإسرافِ حديثًا في مجالسِنا، ولا بدَّ منْ إبرازِ قيمةِ الاقتصادِ وتطبيقاته في واقعنا، وذمِّ الإسرافِ في مدارسِنا وإعلامِنا، وعلى المربِّينَ والأئمةِ والدعاةِ والوعّاظِ أن يذكِّروا الناسَ بهذا الأمرِ. لا بدَّ أنْ نتعاونَ على البرِّ، وكمْ هوَ جميلٌ أن تتبنَّى البلدياتُ أكياسًا خاصةً لبقايا الطعامِ تُوزَّعُ في البيوتِ والمناسبات، تُوزَّع على من يحتاجُ إليها. ولا بد أن تنشط جمعيات البرِ والمستودعات الخيرية أكثر على إيصال بقايا الطعام لمن يحتاجون إليه، وكم هو جميل أن يبعث الجار إلى جاره ما فضل من طعامه بدل أن يرميه فقد يكون جاره محتاجًا إليه. اللهم أغن فقراء المسلمين ووفق الأغنياء للشكر والبذل، واعصمنا جميعًا من الإسراف والتبذير.

стр. 2963

(٢) الثلاثة الذين خلفوا (١) الخطبةُ الأولى: الحمدُ للهِ فارجِ الكُرباتِ ومغيثِ اللهفات، بيدهِ مقاليدُ السماواتِ والأرض، وعندهُ مفاتيحُ الغيبِ لا يَعلمُها إلا هو، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، يعلمُ ما في البرِّ والبحرِ وما تسقطُ منْ ورقةٍ إلا يعلمُها ولا حبةٍ في ظلماتِ الأرضِ ولا رطْبٍ ولا يابسٍ إلا في كتابٍ مبين. وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُه، جاهدَ في اللهِ حقَّ جهادِه، وتركَ أمتَهُ على مَحجَّةٍ بيضاءَ لا يزيغُ عنها إلا هالكٌ، اللهمَّ صلِّ وسلمْ عليهِ وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلين. ورضيَ اللهُ عنِ الصحابةِ أجمعين، أولئكَ الذي أُوذوا وصبروا ومسَّتهمُ البأساءُ والضراء، حتى مكَّنَ اللهُ لهمْ في الأرضِ وفتحَ لهمْ قلوبَ العباد .. وعن التابعينَ لهمْ بإحسانٍ إلى يومِ الدين، أوصيكمْ ونفسيَ معاشرَ المسلمينَ بتقوى الله، وتلكَ وصيته لمنْ قبلَنا ووصيتهُ لنا: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٣). أيها المسلمون: كانت الخُطبةُ الماضيةُ حديثًا مُعرِّفًا بالثلاثةِ الذين خُلِّفوا من

стр. 2964

صحابةِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وكيفَ عاشَ هؤلاءِ الأصحابُ ﵃ ظروفَ المحنةِ حين تخلَّفوا .. وكيفَ عاشوا وعاشَ المسلمونَ معهمْ ظروفَ التوبةِ حينَ تابَ اللهُ عليهم، كما شملَ الحديثُ قيمةَ الصدقِ معَ اللهِ وأثرَهُ على الصادقين، وكيفَ تزيدُ المواقفُ الصعبةُ عظماءَ الرجالِ عظمةً إلى عظمتهمْ ويقينًا إلى يقينهم، وأثرُ التوبةِ في رِفعةِ أصحابها إذا أنابوا إلى ربِّهم، وأستكملُ اليومَ أحداثًا ودروسًا أخرى في الحادثة، ومن ذلك: الحرصُ على المبادرةِ بأعمالِ الخير، والحذرُ من التسويف، فاللهُ تعالى يقول: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ (١)، ويقولُ تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ (٢). والرسولُ ﷺ يقول: «بادِروا بالأعمالِ فِتَنًا كقطعِ الليلِ المظلم، يصبحُ الرجلُ مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويُمسي مؤمنًا ويصبحُ كافرًا، يبيعُ دينهُ بعرضٍ من الدنيا» (٣). وأما التسويفُ والتباطؤُ والتثاقلُ في عملِ الخيرِ الممكن .. فذاكَ المخدِّرُ الشديدُ الذي ينبغي أنْ يُحذَرَ، وهو سببٌ في التحسُّرِ والتألُّمِ والضيقِ والضجر، وانظروا إلى كعبِ بنِ مالكٍ ﵁ وهوَ يصفُ لنا أثرَ التسويفِ والتردُّد في فعلِ الخيرِ ويقول: «فطفقتُ أغدو لكي أتجهزَ معهم، فأرجعُ ولمْ أقضِ شيئًا، فأقولُ في نفسي: أنا قادرٌ عليه، فلمْ يزلْ يتمادى بي حتى استمرَّ بالناس الجِدُّ، فأصبحَ رسولُ اللهِ ﷺ غاديًا والمسلمون معه، ولمْ أقضِ منْ جهازي شيئًا، ثمَّ غدوتُ فرجعتُ ولمْ أقضِ شيئًا، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارطَ الغزوُ،

стр. 2965

فهممتُ أنْ أرتحلَ فأدرِكَهم، فياليتني فعلتُ، ثمَّ لمْ يُقدرْ ذلكَ لي (١). فهلْ نحذرُ التسويفَ يا عبادَ الله .. وهلْ نُحاذرُ الكسلَ والتباطئَ في عملِ الخير، وهلْ نسلكُ الجدَّ والحزمَ كما قالَ ابنُ الجوزي: فينبغي للحازمِ أنْ يعملَ على الحزم، والحزمُ تَدَارُكُ الوقتِ وتركُ التسويف (٢). ٢ - أصنافُ المجتمع، ومِنْ أيِّهمْ أنت؟ في أيِّ مجتمعٍ مؤمنونَ أقوياء، ومؤمنونَ ضعفاءُ لكنهمْ معذورونَ لضعفهم، ومنافقون، ومتخلفونَ لا عنْ نفاقٍ لكنْ عنٍ تسويفٍ أو كسل، وفي حديثِ كعبٍ ﵁ تشخيصٌ لهذهِ الفئاتِ يقول: فكنتُ إذا خرجتُ في الناسِ بعد خروجِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فطفتُ فيهمْ أحزَنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصًا عليهِ في النفاق، أو رجلًا ممنْ عذرَ اللهُ من الضعفاء. وإذا تحدثَ كعبٌ عنْ صنفينِ ممنْ بقي، فهوَ وصاحباهُ يمثلانِ منْ تخلَّفَ دونَ عذرٍ لكنْ دونَ نفاق، وهذا صنفٌ ثالثٌ، أما الرابع .. فهمُ المجاهدونَ والسابقونَ معَ رسولِ اللهِ ﷺ وأولئكَ أصحابُ القدحِ المعلَّى. يا عبد الله: وإذا دُعي الناسُ للخيرِ فمنْ أيِّ الأصنافِ تُراكَ تُصنِّفُ نفسك؟ إنه لمُحزنٌ أنْ يحشرَ المؤمنُ نفسَهُ معَ المنافقين .. أو يُنزلَها منازلَ المعذورين، أو يقعدَ بها ببضاعةِ التسويف، ومن المعالي أنْ يكونَ معَ المسارعينَ للخيرات. ٣ - عبادَ الله: لِمنْ يكونُ الولاءُ؟ والحذرُ منْ مؤامراتِ الأعداء: ولاءُ

стр. 2966

المؤمنِ للهِ ولرسولهِ وللمؤمنين ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١). أما البراءةُ منَ الكفارِ عمومًا، واليهودِ والنصارى على وجهِ الخصوص، وهوَ ما يعيشهُ المسلمونَ هذهِ الأيام، فقدْ جاءَ التحذيرُ منها في كتابِ اللهِ في قولهِ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢). قالَ القرطبي- ﵀ في تفسيرِ هذهِ الآية: قولُه تعالى: ﴿لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ يدلُّ على قطعِ المولاة شرعًا (٣). وقولُه تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ﴾ أي: يَعضدُهمْ على المسلمين ﴿فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ يعني أنَّ حُكْمَهُ كحُكْمِهم، وهوَ يمنعُ إثباتَ الميراثِ للمسلمِ منَ المرتِّد، ثمَّ قالَ القرطبيُّ: وكانَ الذي تولاهمُ ابنُ أبيّ (رأسُ المنافقين)، ثمَّ هذا الحكمُ باقٍ إلى يومِ القيامةِ في قطعِ الموالاة، وقدْ قالَ تعالى: ﴿وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ... ﴾ (٤) (٥). وفي قصةِ كعبٍ نموذجٌ لمؤامراتِ الأعداءِ ومحاولةِ تفكيكِ المجتمعِ المسلمِ في زمنِ النبوة، ولكنَّ الصحابةَ كانوا مدركينَ لهذهِ الفتنة، يقولُ: كعب: فبينا أنا أمشي بسوقِ المدينةِ إذا نبطيٌّ منْ أنباطِ أهل الشامِ ممنْ قدمَ بالطعامِ يبيعهُ بالمدينةِ يقول: منْ يَدلُّ على كعبِ بنِ مالك؟ قال: فطفقَ الناسُ يُشيرونَ لهُ إليّ، حتى جاءني فدفعَ إلي كتابًا منْ ملكِ غَسَّانَ، وكنتُ كاتبًا فقرأتُهُ فإذا فيه: أما

стр. 2967

بعدُ: فإنهُ قدْ بلَغَنا أنَّ صاحبكَ قدْ جفاك، ولمْ يجعلْكَ اللهُ بدارِ هَوَانٍ ولا مَضْيَعةٍ، فالْحَقْ بنا نُواسِكَ، قالَ (كعب): فقلتُ حينَ قرأتُها: وهذهِ أيضًا منَ البلاء، فَتَيامَمْتُ بها التَّنورَ فَسَجَرْتُها بها (١). وما أحوجَنا في مثلِ هذهِ الأزمانِ إلى مثلِ صنيعِ كعب، حيثُ أحرقَ مودَّتهمْ معَ حاجتهِ إليهم، حيثُ يحرصُ الأعداءُ على خلخلةِ المجتمعِ المسلمِ والتدسسِ بينَ أفراده، ويظهرونَ أنهمْ ناصحونَ مواسونَ يدافعونَ عنِ المسلمينَ واللهُ أعلمُ بما يُريدون، ولقدْ كانَ ردُّ كعبٍ مميتًا لفتنةٍ وقاضيًا على طمعِ الكفارِ في المسلمين، فقدْ جاءَ عنْ كعبٍ في روايةِ ابنِ أبي شيبةَ قوله (كعب): إنا لله، قد طمعَ فيَّ أهلُ الكفر (٢). وعندَ ابنِ عائذ أنَّ كعبًا شكا أمرَهُ إلى الرسولِ ﷺ وقال: ما زالَ إعراضُكَ عني حتى رغبَ فيَّ أهلُ الشِّركِ (٣). قالَ ابنُ حجر معلقًا: ودلَّ صنيعُ كعبٍ هذا على قوةِ إيمانهِ ومحبتهِ للهِ ولرسوله، وإلا فمنْ صارَ في مثلِ حالهِ منَ الهجرِ والإعراض، قدْ يضعفُ عنِ احتمالِ ذلك، وتحمِلُهُ الرغبةُ في الجاهِ والمالِ على هُجرانِ منْ هجَرَه، ولا سيما معَ أمنهِ منَ الملكِ الذي استدعاهُ إليهِ أنهُ لا يُكرههُ على فراقِ دينهِ، لكنْ لما احتملَ عندَهُ أنهُ لا يأمَنُ من الافتتان، حسمَ المادةَ وأحرقَ الكتابَ ومنعَ الجواب (٤). وهكذا يكونُ المؤمنُ صادقًا في ولائهِ معَ المؤمنين، وفي عداوتهِ وبراءتهِ منَ

стр. 2968

الكفارِ في حالِ القوةِ أو حالِ الضعف، ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ (١). ٤ - صديقُكَ منْ صَدَقكَ لا منْ صدَّقَك: ثمةَ أصدقاءُ ربما أظهروا لكَ التعاطفَ حينَ تخطئ، أو حينَ تكونُ محتاجًا للنُّصح، وربما سهَّلوا لكَ الخطأ، أو حسَّنوا لكَ العزةَ بالإثم .. وأولئكَ قدْ يرقُّون لكَ وقدْ تنساقُ لنُصحهم- غيرَ مُقدِّرٍ للعواقب- وثمةَ أصدقاءُ آخرونَ ربما قَسَوا عليك لكنْ لمحبَّتهمْ لكَ وإخلاصِهمْ في نُصْحكَ قَسَوا، وحالُهمْ كمنْ قسى ليزدجروا، وربما لمْ يُجاملوكَ وإنْ غضبتَ عليهم، لكنهمْ يُثمنون العواقبَ، ويرونَ نَصَبَكَ في الدنيا أهونَ منْ عذابِ الآخرة، أولئكَ فاحرصْ عليهمْ وتمسَّكْ بنُصْحِهم، وقدِ استطاعَ كعبٌ أن يتجاوزَ نُصحَ ومشورةَ الصنفِ الأولِ فأفلحَ وأنجح، وها هوَ يقول: على إثرِ صِدْقهِ معَ الرسولِ ﷺ ، وأنه لا عُذْر له، فقمتُ- يعني من عند رسول الله ﷺ ، وثارَ رجالٌ منْ بني سَلِمة فاتبعوني، فقالوا لي: واللهِ ما علمناكَ أذنبتَ ذنبًا قبلَ هذا، ولقدْ عجزتَ في ألا تكونَ اعتذرتَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ بما اعتذرَ إليه المخلَّفون، فقدْ كانَ كافيكَ ذنبُكَ واستغفارُ رسولِ اللهِ ﷺ لك، يقولُ كعب: فواللهِ ما زالوا يؤَنِّبونني حتى أردتُ أنْ أرجعَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فأكذِّبَ نفسي (٢). كمْ نحنُ محتاجونَ للصدقِ معَ اللهِ ومعَ أنفسِنا- يا عبادَ الله- وهذا كعبٌ يبينُ لنا في نهاية قصّته إنهُ لمْ يُنجِهِ إلا الصدقُ، بلْ يعتبرها أعظمَ نعمةٍ بعدَ الإسلام، وما أحوَجنا كذلكَ إلى تجاوزِ الكذب، والحذر ممنْ يُلبِّسُ به، حتى وإنْ قيل لمن لا يحسن الكذب إنَّ هذا مسكينٌ وطيِّبُ القلبِ ولا يُحسنُ المخارج .. إلى غيرِ ذلكَ منْ عباراتٍ جارحهٍ للصدقِ والصادقين .. ومدحٍ وتلميعٍ للكذبِ

стр. 2969

والكاذبين، واللهُ تعالى يدعونا للصدقِ وهوَ أصدقُ القائلين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (١)، ويحذرنا من الكذب ويقول: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُوْلئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (٢). ٥ - الدفاعُ عنْ عِرْضِ المسلم .. وقعَ في قصةِ كعبٍ ما يُذكِّرنا بنموذجينِ للتعاملِ مع الخطأ والتقصير، أما النموذجُ الأولُ فهوَ المستعجلُ بالحكمِ المصدرُ للتُّهم، وما أسهلَ هذا على بعضِ الناسِ، وما أعظمهُ عندَ الله، والرسولُ ﷺ يُحذرُ ويقول: «كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرام؛ دمهُ ومالهُ وعِرْضُه». أما النموذج الثاني فهوَ المتريِّثُ بالحكمِ المدافعُ عن عِرْضِ أخيه إذا اعتُديَ عليهِ بغيرِ حقٍّ، وما أحوجَ مجالسَنا لمثلِ هؤلاء، وأولئكَ يستحقونَ العتقَ منَ النار، كما قال ﷺ : «منْ ذبَّ عنْ عِرْضٍ أخيهِ بالغَيْبِة، كانَ حقًا على اللهِ أنْ يعتقَهُ منَ النار» (٣). والنموذجانِ يَظْهرانِ بجلاءٍ في قصةِ كعب، فحينَ سألَ رسولُ اللهِ ﷺ عنْ كعبٍ حينَ بلغَ تبوكَ، قالَ رجلٌ منْ بني سلمة: يا رسول الله، حبسه بُرادهُ والنظرُ في عطفَيْه، فقالَ لهُ معاذُ بنُ جبل: بئسَ ما قلتَ، واللهِ يا رسولَ الله، ما علمْنا عليه إلا خيرًا (٤). ومعَ ذلكَ، وفيما يخصُّ الرجلينِ المتحدثينِ عن كعبٍ حينَ تخلَّف، قالَ ابنُ حجر: وفيهِ جوازُ الطعنِ في الرجلِ بما يغلبُ على اجتهادِ الطاعنِ عن حميَّةٍ

стр. 2970

للهِ ورسوله، وفيها: جوازُ الردِّ على الطاعنِ إذا غلبَ على ظنِّ الرادِّ وَهْمُ الطاعنِ أو غلَطُه (١). وهوَ تحريرٌ جميلٌ ودفاعٌ عن الصحابيينِ لاجتهادهما، ولكنَّ الاحتياطَ في حمايةِ عرضِ المسلمِ مطلب، والأصلُ في المسلمِ السلامةُ والخير. ٦ - ومنْ دروسِ القصةِ أنَّ التخلفَ عنِ الجهادِ في زمنِ النبوةِ معصيةٌ يُعاقِبُ عليها الرسولُ ﷺ ويَهجرُ مِنْ أجلِها المسلمون، وتضيقُ الأرضُ بما رَحُبتْ على المتخلِّفين. ثمَّ يدورُ الزمانُ، وتتخلفُ الأمةُ عن الجهاد .. بلْ يُعتبرُ المجاهدون نَشازًا غريبًا يُتهمونَ بالإرهاب، ويطارَدُونَ ويلاحقون .. والله المستعانُ. اللهمَّ اجعلْنا هُداةً مهتدين، لا ضالينَ ولا مضلِّين، أقولُ ما تسمعونَ وأستغفرُ اللهَ.

стр. 2971

الخطبةُ الثانية: أيها المسلمون: ٧ - ومنْ دروسِ قصةِ الثلاثةِ الذين خُلِّفوا: أنَّ الشكرَ قرينُ المؤمن، وأن مقامَ الشاكرينَ مقامٌ عليٌّ وبالشكرِ تدومُ النِّعَمُ وتزداد، وهذا كعبُ بنُ مالكٍ ﵁ يضربُ لنا نموذجًا يُحتذى في الشكر، فهوَ يسجدُ للهِ شْكرًا حينَ بلغهُ الصوتُ المبُشرُ بالخير، ويقول: يا كعبَ بنَ مالك، أبشر، يقولُ كعبٌ: فخررتُ ساجدًا وعرفتُ أنْ قد جاءَ فَرَجٌ، وحينَ جاءَهُ الرجلُ الذي سمعَ صوتَهُ بالبشرى، نزعَ لهُ كعبٌ ثوبيهِ فكساهما إياهُ لبشارته، وحينَ بلغَ كعبٌ النبيَّ ﷺ وبشّرهُ بخيرِ يومٍ مرَّ عليهِ منذُ ولدته أمُّه .. قالَ كعبٌ: يا رسولَ الله، إنَّ منْ توبتي أنْ أنخلعَ منْ مالي صدقةَ إلى اللهِ وإلى رسولهِ ﷺ (١). وهذهِ السلوكياتُ منْ كعبٍ كلُّها تسيرُ في اتجاهِ الشكر والفرحةِ بفضلِ اللهِ وفَرَجِه، وهكذا ينبغي أنْ يكونَ شأنُ المسلمِ شاكرًا، وكلما تذكرَ نعمةً منْ نعمِ اللهِ أتبَعَها بالشكر. وهنا، وفي مقامِ الشكرِ والشاكرين، لا بدَّ أنْ نتذكرَ أنهُ مقامُ الأنبياءِ بالدرجةِ الأولى منذُ نوحٍ ﵇ الذي قال اللهُ عنه: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ (٢) إلى خاتمهم محمد ﷺ الذي قام حتى تفطَّرت قدماهُ من القيام وهو يقول: «أفلا أكون عبدًا شكورًا». وبينَ هذينِ النبيينِ الكريمينِ أنبياءُ آخرونَ شاكرون، فسليمانُ ﵇ قال: ﴿رَبِّ

стр. 2972

أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ (١). وآلُ داودَ قالَ اللهُ عنهم: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٢). وموسى ﵇ صامَ عاشوراءَ شكرًا للهِ على نُصرةِ المؤمنينَ وهلاكِ الطغاةِ والمستكبرين. إخوةَ الإسلام: وحينَ يكونُ الحديثُ عنِ الشُّكر في الأيامِ التي وقعَ فيها ما يوجبُ الشُّكرَ- وهو عاشوراء- فلا غَرْوَ أنْ نشيرَ كذلكَ إلى معانٍ أخرى من المعاني العظيمةِ لهذا اليومِ العظيمِ (عاشوراء). فمَنْ يستنطقْ شهادةَ هذا اليومِ يجدْهُ يُحِّدثُ أنَّ العاقبةَ للتقوى، وأنَّ النصرَ لأولياءِ اللهِ مهما أُوذوا واستضُعفوا، وأنهُ تعالى بقُدْرتهِ يَمُنُّ على الذين استُضعفوا في الأرضِ ويجعلُهمْ أئمةً ويجعلهمُ الوارثين، ويُمكِّن لهمْ في الأرضِ وإنْ كانوا مُشرَّدينّ مطاردين. أما الكافرُ فهوَ وإن غرَّتَهُ قوتُه، وانخدعَ بمهلةِ الزمان، واستدراجِ الرحمنِ فعاقبتُهُ إلى بَوار، وفي نهايتهِ عبرةٌ لأولي الألباب. وفي مشهدِ عاشوراءَ عجزَ الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ (٣) أنْ يعلوَ على الماءِ الذي تعلوهُ أضعفُ الكائناتِ الحيّة، فأغرقَهُ اللهُ، ثمَّ أخرجَهُ ليكونَ لمنْ خَلْفَهُ آيةً. ونسأُلهُ تعالى كما أهلكَ الفراعنةَ الماضينَ أنْ يُهلكَ الفراعنةَ المعاصرين، أولئكَ الذين طَغَوْا وتجبَّروا، وقالَ لسانُ حالِهمْ ومقالِهم ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ (٤).

стр. 2973

ومنْ معاني عاشوراءَ أنَّ حَبْلَ الإيمانِ ممدود ومعقودٌ بينَ المؤمنينَ رغمَ فوارقِ الزمانِ وفواصلِ المكان .. فنحنُ اليومَ نصومُ عاشوراءَ لأنَّ موسى ﵇ صامَهُ .. ولأنَّ محمدًا ﷺ جدَّدَ صيامَه. ونحنُ اليومَ نشكرُ الله على نُصرةِ المؤمنينِ السابقين، ونسألهُ أنْ ينصرَ المؤمنينَ اللاحقين، وما أحرى المسلمُ بالدعاءِ- في كلِّ حين- والدعاءُ جيشٌ يمكنُ أنْ ينصرَ اللهُ بهِ المؤمنين، والدعاءُ جيشٌ يقوِّضُ دعائمَ الكافرينَ ويحطِّمُ عروشَهم. ولا سيما إنْ كانَ صائمًا - أنْ ينصرَ دينَهُ وأنْ يخذلَ أعداءه، فذلكَ شعورٌ واعٍ لهذا اليومِ بأحداثِهِ وعِبَرِه، وذلك استثمارٌ أمثلُ لهذه المناسبة. ويُعلِّمنا عاشوراءُ- فيما يُعلِّمُنا- أنْ لا يأسَ ولا إحباطَ عندَ المسلمِ مهما ادْلهمَّتِ الخُطوبُ، ومهما تجبّرَ العدوُّ وحشدَ قُواه، فالنصرُ منْ عندِ الله، والهزيمةُ طَوْعُ قدرتِه، وحينَ تستحكمُ الحلقاتُ ويصدقُ المؤمنونَ معَ ربِّهم، يُهيءُ لهمْ منْ أسبابِ النصرِ ما لمْ يصنعوه، ويُؤْخذُ المستكبرونَ الظالمونَ منْ حيثُ لمْ يحتسِبوا. أجلْ، إنَّ لله جنودًا في الأرضِ وجنودًا في السماء، وقدْ يتجاوزُ الظالمُ المعتدي حدودَ البَرِّ فيكونُ البحرُ نهايتَه ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ (١) وقدْ يعجزُ البشرُ عن مقاومتهِ فيتولَّى ربُّ البشرِ أخذَهُ وتحطيمَ قواه. كمْ نحنُ بحاجةٍ- يا مسلمون- إلى اليقينِ بنصرةِ اللهِ لأوليائِهِ المتَّقين. وكمْ نحنُ بحاجةٍ إلى التوكُّلِ لا إلى التواكُل. نحتاجُ إلى شجاعةٍ دونَ تهوُّرٍ، وشجاعةُ القلبِ مرتبطةٌ بتصوُّرِ عظمةِ اللهِ وقُدْرته، وإلى إيمانٍ لا مجردَ أمانٍ، وإلى إعدادٍ لا مجردَ جَعْجَعة، وإلى صدقٍ

стр. 2974

في المواقفِ لا مجردَ مزايدةٍ وتسويفٍ وادِّعاء. لقدِ انتصرَ المؤمنون الذين قيلَ لهم: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (١). وكذلكَ ينتصرُ المؤمنونَ منْ بعدهمْ إذا ساروا على خطاهم ..

стр. 2975

شعاع من المحراب الجزء الحادي عشر إعداد د. سليمان بن حمد العودة

стр. 2976

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2977

شعاع من الحراب

стр. 2978

المجاهرة بالذنوب (١) الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ... هاتفني صاحبي وفجأةً قال لي: هل تعجبك هذه الأجواء؟ وكانت السماء مغبرة والرياح عاتية، والرؤية تكاد تكون معدومة ترددت في الجواب وأنا استحضر الرد وماذا عساي أقول فإن قلت لا، أشعرت نفسي أو أشعرته بالتسخط، أو وقعت في سبِّ الدهر .. وإن قلت نعم فكأني غير مكترث ولا وجل وبينا أنا أختار العبارة المناسبة للرد، وأقول: لا يعجبني وأشكو إلى ربي .. عاجلني بالرد .. ألا تظن أن هذه الأجواء المغبرة والأعاصير العاتية بسبب الذنوب والمعاصي، وإن الله يخوّف عباده ويدعوهم للتضرع والتوبة والطاعة والاستغفار؟ حينها وقفت على ما ذكره أن القيم في الداء والدواء عن كعب قال: إنما تزلزل الأرض إذا عمل فيها بالمعاصي فترعد فزعًا من الرب ﷻ أن تطلع عليها وحينها انتقل تفكيري إلى مجالات أخرى في هذا الكون فنحن نشهد إلى جانب هذه الأعاصير والتقلبات الجوية، أعاصير من نوع آخر، وتقلبات في عدد من الأحوال والأمكنة مصائب تتردى، وموبقات هنا وأخرى هناك، فساد

стр. 2979

وإفساد في الأرض، فعلى مستوى المعتقد يعبد غير الله ويُدعى ويُسْتشفع بغير الله .. وليت هذا كان قصرًا على الكافرين لكنه طال نفرًا من المسلمين تشوّهت عقائدهم وزاغت أبصارهم فأشركوا مع الله غيره إن في شرك العبودية أو شرك الطاعة وسبُّ نفرٌ الدين والنبي علانية وليت هذا توقف عند غير المسلمين لكان المصاب أقل ولكن الشيطان سوّل لنفر من المسلمين وأملى لهم حتى نالوا من الدين، ومن مقام النبوة، ومن سبَّ شيئًا من دين الله أو سخر بشيء من شعائر الإسلام، أو أتهموا الرسول ﷺ في شخصه أو أزواجه أو طعن في سنته أو نال من صحابته الكرام آنذاك الطعن في صميم الدين، والتطاول على حرمات الإسلام. ومن فساد المعتقد والتصورات إلى فساد الأخلاق والتعاملات حيث شاع الزنا والربا، وانتشر اللواط والمخدرات، وطفف المكيال، وكان الغش في البيع والشراء، نقضت العهود، وأخلفت المواعيد، وشاع الكذب، وتطايرت التهم، ووقع الظلم. وقلت الصدقات، وربما منع أو قصر بعض المسلمين في الزكاة إنها أدواء خطيرة إذا كانت سرًا فكيف إذا وقعت جهارًا نهارًا وما أحوجنا هنا أن نتذكر هدي المصطفى ﷺ حين أقبل على المهاجرين يومًا فقال: ((يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلَّط عليهم عدوًا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله

стр. 2980

ويتخيَّروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم)) (١). أخوة الإسلام تأملوا في واقعكم ومصائبكم ترون عجبًا .. ألم تكثر في الأمة الأمراض والبلايا، وفي كل يوم لها قتيل، وفي كل مكان بها علة ومريض، قتلٌ متعمد، وخطف جماعي، ودماء تسيل وفي كل يوم تحمل الأخبار عن مصيبة وبلية وفي أرض الرافدين يتضح المشهد، وفي أرض الإسراء والمعراج غير بعيد انتهاكات ومآس ومشاهد مغيبة ولا ندري بماذا تفاجئ غدًا من الصهاينة وإذا كان استهداف المدنيين هناك على قدم وساق وإهلاك الحرث والنسل مخطط ومشروع، فالحفريات تحت المسجد الأقصى بات خطرًا يهدد المقدسات .. هذا فضلًا عن محاولات التطبيع وما تحمله من مشاريع الفساد المقنن .. فإلى الله المشتكى. يا أخوة الإسلام والفساد في الأرض قديم يتجدد .. والصراع بين الحق والباطل سنة ربانية ماضية تتكرر .. ولكن المصيبة حين يجاهر بالعصيان، وحين يلوذ الأعداء بالقوة ويستضعف المسلمون، وفي زمن لا يعرف إلا القوة، وحين يتجبر المجرمون في فرض الباطل والمنكر، ويضعف المسلمون عن قول المعروف وإظهار الحق إذا كثر الخبث وخفت صوت الحق فهنا تكون المصيبة. قال ﵊: ((إن الله لا يحب الفُحش أو يبغض الفاحش والمتفحش، قال: ولا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والتفاحش وقطيعة الرحم وسوء المجاورة، وحتى يؤتمن الخائن ويُخوَّن الأمين وقال: ألا أن موعدكم حوض عرضه وطوله واحد، وهو كما بين أيلة ومكة، وهو مسير شهر، فيه مثل النجوم
следующие страницы →