← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2977

شعاع من الحراب

стр. 2978

المجاهرة بالذنوب (١) الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ... هاتفني صاحبي وفجأةً قال لي: هل تعجبك هذه الأجواء؟ وكانت السماء مغبرة والرياح عاتية، والرؤية تكاد تكون معدومة ترددت في الجواب وأنا استحضر الرد وماذا عساي أقول فإن قلت لا، أشعرت نفسي أو أشعرته بالتسخط، أو وقعت في سبِّ الدهر .. وإن قلت نعم فكأني غير مكترث ولا وجل وبينا أنا أختار العبارة المناسبة للرد، وأقول: لا يعجبني وأشكو إلى ربي .. عاجلني بالرد .. ألا تظن أن هذه الأجواء المغبرة والأعاصير العاتية بسبب الذنوب والمعاصي، وإن الله يخوّف عباده ويدعوهم للتضرع والتوبة والطاعة والاستغفار؟ حينها وقفت على ما ذكره أن القيم في الداء والدواء عن كعب قال: إنما تزلزل الأرض إذا عمل فيها بالمعاصي فترعد فزعًا من الرب ﷻ أن تطلع عليها وحينها انتقل تفكيري إلى مجالات أخرى في هذا الكون فنحن نشهد إلى جانب هذه الأعاصير والتقلبات الجوية، أعاصير من نوع آخر، وتقلبات في عدد من الأحوال والأمكنة مصائب تتردى، وموبقات هنا وأخرى هناك، فساد

стр. 2979

وإفساد في الأرض، فعلى مستوى المعتقد يعبد غير الله ويُدعى ويُسْتشفع بغير الله .. وليت هذا كان قصرًا على الكافرين لكنه طال نفرًا من المسلمين تشوّهت عقائدهم وزاغت أبصارهم فأشركوا مع الله غيره إن في شرك العبودية أو شرك الطاعة وسبُّ نفرٌ الدين والنبي علانية وليت هذا توقف عند غير المسلمين لكان المصاب أقل ولكن الشيطان سوّل لنفر من المسلمين وأملى لهم حتى نالوا من الدين، ومن مقام النبوة، ومن سبَّ شيئًا من دين الله أو سخر بشيء من شعائر الإسلام، أو أتهموا الرسول ﷺ في شخصه أو أزواجه أو طعن في سنته أو نال من صحابته الكرام آنذاك الطعن في صميم الدين، والتطاول على حرمات الإسلام. ومن فساد المعتقد والتصورات إلى فساد الأخلاق والتعاملات حيث شاع الزنا والربا، وانتشر اللواط والمخدرات، وطفف المكيال، وكان الغش في البيع والشراء، نقضت العهود، وأخلفت المواعيد، وشاع الكذب، وتطايرت التهم، ووقع الظلم. وقلت الصدقات، وربما منع أو قصر بعض المسلمين في الزكاة إنها أدواء خطيرة إذا كانت سرًا فكيف إذا وقعت جهارًا نهارًا وما أحوجنا هنا أن نتذكر هدي المصطفى ﷺ حين أقبل على المهاجرين يومًا فقال: ((يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلَّط عليهم عدوًا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله

стр. 2980

ويتخيَّروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم)) (١). أخوة الإسلام تأملوا في واقعكم ومصائبكم ترون عجبًا .. ألم تكثر في الأمة الأمراض والبلايا، وفي كل يوم لها قتيل، وفي كل مكان بها علة ومريض، قتلٌ متعمد، وخطف جماعي، ودماء تسيل وفي كل يوم تحمل الأخبار عن مصيبة وبلية وفي أرض الرافدين يتضح المشهد، وفي أرض الإسراء والمعراج غير بعيد انتهاكات ومآس ومشاهد مغيبة ولا ندري بماذا تفاجئ غدًا من الصهاينة وإذا كان استهداف المدنيين هناك على قدم وساق وإهلاك الحرث والنسل مخطط ومشروع، فالحفريات تحت المسجد الأقصى بات خطرًا يهدد المقدسات .. هذا فضلًا عن محاولات التطبيع وما تحمله من مشاريع الفساد المقنن .. فإلى الله المشتكى. يا أخوة الإسلام والفساد في الأرض قديم يتجدد .. والصراع بين الحق والباطل سنة ربانية ماضية تتكرر .. ولكن المصيبة حين يجاهر بالعصيان، وحين يلوذ الأعداء بالقوة ويستضعف المسلمون، وفي زمن لا يعرف إلا القوة، وحين يتجبر المجرمون في فرض الباطل والمنكر، ويضعف المسلمون عن قول المعروف وإظهار الحق إذا كثر الخبث وخفت صوت الحق فهنا تكون المصيبة. قال ﵊: ((إن الله لا يحب الفُحش أو يبغض الفاحش والمتفحش، قال: ولا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والتفاحش وقطيعة الرحم وسوء المجاورة، وحتى يؤتمن الخائن ويُخوَّن الأمين وقال: ألا أن موعدكم حوض عرضه وطوله واحد، وهو كما بين أيلة ومكة، وهو مسير شهر، فيه مثل النجوم

стр. 2981

أباريق، شرابه أشد بياضًا من الفضة، من شرب منه مشربًا لم يظمأ بعده أبدًا)) (١). وفي الحديث الآخر إخبار عما يقع في آخر هذه الأمة، وتوصيف للداء، حيث يقول ﵊: ((يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف، قالت عائشة ﵂ قلت يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا ظهر الخبث (٢). عباد الله احذروا المجاهرة بالمعصية، وإذا بليتم فاستتروا، قال ابن بطال ﵀: في الجهر بالمعصية استخفاف بحق الله ورسوله وبصالحي المؤمنين، وفيه ضرب من العناد لهم (٣). وهل يُعذبُ العامة بعمل الخاصة؟ يقول عمر بن عبد العزيز ﵀: كان يقال أن الله ﵎ لا يعذب العامَّة بذنب الخاصة ولكن إذا عُمل المنكر جهارًا استحقوا العقوبة كلُّهم (٤). ألا وإن المجاهرة بالفسوق والمعاصي يستحقون الفضيحة بما جهروا به، قال النووي: من جاهر بفسقه أو بدعته جاز ذكره بما جاهر به دون ما لم يجاهر به (٥). أيها المسلمون لا تحلوا بأنفسكم عقاب الله .. وفي الحديث: لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبيه ثم قال ما ظهر في قوم الربا والزنا إلا أحلوا بأنفسهم عقاب الله (٦).

стр. 2982

أي حمق أن يسترك الله فتفضح نفسك بالمجاهرة، وفي الحديث المتفق على صحته: قال ﵊: ((كل أمتي معافى إلا المجاهرين وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملًا ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربَّه ويصبح يكشف ستر الله عنه. وكيف الحال إذا بلغت المجاهرة بالمعاصي والفسوق حدَّ الانتشار والذيوع والعرض على شاشات القنوات والتليفزيون، وأعمدة الصحف والمجلات، وكاميرات الجوالات وتقنيات البلوتوث ويحدث ما لا تعلمون ونحوها إنها طوام ومصائب نبرأ إلى الله منها، ونعوذ به من شروروها. يا من تأكلون نعم الله إياكم أن تستعينوا بها على معصية الله يا من تسكنون أرضه إياكم والإفساد في ملكه يا من تقعون تحت سمعه وبصره ومراقبته وعدله .. إياكم وخائنة الأعين وما تخفي الصدور. وإياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يا من لا تُعجزون الله في الأرض ولا في السماء، إياكم والتطاول على شرعه أو انتهاك محرماته فهو يُمهل ولا يهمل، ويملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته .. إن أخذه أليم شديد. يا من تخافون عقوبة الدنيا .. ألا وإن عقوبة الآخرة أشد وأنكى .. ويا من تخشون الفضيحة في الدنيا .. فهناك الفضيحة على الملأ من أقطار الأرض والسماء. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعًا عليمًا﴾. [النساء: ١٤٨]. نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وسنة نبيه ﷺ .

стр. 2983

الخطبة الثانية الحمد لله فارج الكربات وكاشف البليات، يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله تعالى الله عما يشركون .. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله هدى الأمة إلى صراط الله المستقيم، وحذرهم من الزيغ والضلال المبين اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين. أيها المسلمون .. وليس المقام مقام حصر للفساد وبأشكاله وممارساته وإلا لكان ثمة حديث عن الفساد الإداري بمحسوبياته وبرشاويه، وحديث عن الفساد الاجتماعي بتجلالاته وتغيراته، وعن الفساد الاقتصادي بتورماته وحيله، عن فساد الرجل والمرأة، والصغير والكبير لكنها وقفات وتنبيهات وتحذيرات واحتياطات أشمل منها وأبلغ قوله تعالى ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾. ولا يعني الحديث عن الفساد أو المجاهرة فيه نسيان الخير في الأمة وتجاهل الصالحين والأخبار ممن تفطر أكبادهم لهذا الفساد ويدعون ربهم خوفًا وطمعًا. إنه مع وجود الشر والأشرار يوجد الخير والأخيار وإذا وجد من تجاهر بالمعصية أو يشيع الفاحشة في الذين آمنوا، فثمة وجود لمن يجاهرون بالطاعة، ويشيعون الخير بين العباد إن مقصود الحديث التحذير من موبقات المعاصي، والدعوة لتكثيف الخير، وتنشيط الدعوة للفضيلة ومحاربة الرذيلة: ولذا - وفي ظل هذه الأزمات والتراكمات وفي كثرة الذنوب والفتن - أذكر الأمور التالية: ١ - اجعل من نفسك يا عبد الله متهمًا في وجود هذه الكوارث والمصائب،

стр. 2984

فأنا وأنت .. وكل ابن آدم خطاء ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي﴾. ٢ - ومع اتهام النفس اعمل لإصلاحها ومن يقول ثم انتقل بالخيرية والدعوة إلى الآخرين، فخير الناس أنفعهم للناس. ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾. ٣ - والتوبة يدعى لها المؤمنون ﴿وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون﴾ وغير المؤمنين مدعوون للتوبة من باب أولى. ٤ - والاستغفار استبشاع للذنب وتعظيم للرب، وفيه تفريج للكروب وتنفيس للهموم فمن لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا ومن كل ضيق مخرجًا ورزق من حيث لا يحتسب. ٥ - وكل ما وقع فيكم ذنب عامله بالتوبة والاستغفار ﴿ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا﴾. ٦ - وكلما اجترحتم السيئات اتبعوها بالحسنات فهن الماحيات ذلك ذكرى للذاكرين. ٧ - استبقوا الخيرات وبادروا بالصدقات فالصدقة تطفئ غصب الرب وتستنزل الرحمات والمتصدقون لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. كتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار أما بعد: «ما من هذه الرجف شيء يعاتب الله به العباد، وأمر من كان عنده شيءٌ أن يتصدق به فإن الله يقول قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى وقولوا لما قال آدم ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

стр. 2985

٨ - الصلاة نور ومن حافظ عليها فهو المحفوظ ومن ضيعها هو لمن سواها أضيع والصلاة مفزع عند الشدائد وراحة للقلوب، ونور وطمأنينة (١). ٩ - الذكر يملأ الميزان والقرآن شفاءٌ ونور وهدى ورحمه وبصائر من ربكم، تداووا بالقرآن وأنى لداء لم يشفه القرآن والسنة أن يُشفى. ١٠ - تضرعوا إلى ربكم دائمًا وكلما حلت بكم بأسًا، ففيه كشف للبلاء (فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم﴾. وقولوا كما قال العبد الصالح لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. ١١ - ﴿لا تقنطوا من رحمة الله ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾ [يوسف/ ٨٧]. ١٢ - فرَّجوا كربة، وساهموا في دفع مصيبة، أصلحوا ذات بينكم، وأصلحوا بين أخوانكم .. فتلك درجات عالية والله يحب المحسنين. ١٣ - ادفعوا الشر بالخير، والفساد بالإصلاح فذلك رهان لإصلاح الأرض ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض﴾. ١٤ - تأملوا في حادثات الزمن وتأملوا ما فيها من عظات ونذر، وويل للقاسية قلوبهم. إنها آيات ونذر يخوف الله بها عباده فلا تغفلوا ولا تلهو وتلعبوا فتكونوا كالذين طال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون. اللهم أيقظنا من رقدات الغفلة، والطف بنا وبعبادك المؤمنين، ولا تجعلنا عبرة للمعتدين، ولا فتنة للكافرين، ولا من رحمتك يائسين، ولا من عذابك ممسوسين.

стр. 2986

(١) الإنسان في كبد (١) الخطبة الأولى الحمد لله خلق الإنسان في أحسن تقويم، علمه البيان، أنشأه من ضعف وينتهي أمره إلى الضعف، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له قدر للإنسان حياته وكتب نصبته وكفاحه وهو العليم الخبير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أنموذج الكادحين وسيد المفلحين صلوات ربي وسلامه عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اتقوا الله معاشر المسلمين وتفكروا في أنفسكم وحياتكم وارجعوا إلى ربكم واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون. أيها المسلمون (الإنسان في كبد) حقيقة قرآنية وواقع بشري .. إنه الإنسان يعايش الكبد في أطوار حياته كلها، منذ بدأ يُخلَّق في بطن أمه حتى ينتهي إلى سكرات الموت ومفارقة الحياة .. هكذا قدَّر الخالق وأخبر ﴿لقد خلقنا الإنسان في كبد﴾. إن الخليَّة الأولى لا تستقرَّ في الرحم حتى تبدأ في الكبد والكدح والنصب لتوفر لنفسها- وبإذن ربها- الظروف الملائمة للحياة وما تزال كذلك حتى تنتهي إلى المخرج فتذوق من المخاض إلى جانب الأم ما تذوق، وما يكاد الجنين يرى النور حتى يكون قد ضُغط ودُفع حتى كاد يختنق في مخرجه من الرحم، بل ربما اختنق بعض الأجنة فانتهت حياته بنصب الولادة واختناق المولود.

стр. 2987

وحين يخرج الجنين للحياة يبدأ الجهد الأشق حيث يتنفس هواء لا عهد له به، ويفتح رئته لأول مرة ليشهق ويزفر ويستهل المولود صارخًا صرخة النزول الأولى في الحياة الجديدة .. وتبدأ دورة هضمية ودموية في العمل على غير عادة ويعاني المولود الجديد من كبد إخراج الفضلات حتى تُروض أمعاؤه على هذا العمل الجديد .. وفي هذه المرحلة يكثر الصراخ والعويل حتى وإن قُلِّب الجنين ذات اليمين وذات الشمال وكل خطوة بعد ذلك فيها كبد .. فهو يعاني ما يعاني حين يهم بالحبو .. وأشد من ذلك معاناة حين يستعد للوقوف والمشي .. فهو خائف وجل وهو يقوم ويسقط ويبكي أكثر مما يضحك .. وعند بروز الأسنان كبد .. هذا فضلًا عن كبد الأمراض المعترضة والآفات المصاحبة للنشأة ويستمر الجهد والكفاح والنصب والكبد في مسيرة الإنسان فهو يكابد حين يتعلم ويكابد حين يفكر .. وفي كل تجربة جديدة له فيها كبد ونصب. ثم يكبر ويشتد عوده وتبدأ رحلة أخرى من المشاق والكبد. ولئن اختلفت الطرق وتنوعت المشاق فالكل في كبد هذا يكدح بعضلاته، وهذا يكدح بفكره والفرق هذا يكدح ويبيع نفسه ليعتقها وآخر ليوبقها .. هذا يكدح في سبيل الله وذاك يكدح في سبيل شهوة ونزو وصدق الله ﴿إن سعيكم لشتى﴾. لا يفارق الكبد الإنسان في أطوار حياته كلها .. كبد وكدح في مرحلة الشباب .. وكبد من نوع آخر في مرحلة الشيخوخة والهرم .. إنه (الكدح) للغني والفقير والذكر والأنثى والسيد والمسود .. وكل يعايش نوعًا من الكبد فالفقير الذي يكلف في سبيل الحصول على لقمة العيش أو شدة العوز أو همِّ الدَّين وغلبته وقهر الرجال ومطاردتهم قد لا يظن أن غيره في كبد .. بينما ترى الغني

стр. 2988

يكابد في تجارته ويفكر في مكاسبه وخسائره .. وربما نام الفقير وهو يقظان وأكل الفقير وأنكح أكثر من الغني. إنه الكبد لا يسلم منه الزعماء والعظماء وإن كانوا في أبراج عاجية وقصور وخدم وحشم فللمسئولية كبدها وللزعامة والرئاسة ضريبتها .. وللأمانات والمسئوليات حمالتها. والكبد لا يُعفى منه العلماء وإن وصلوا إلى مراتب علية في العلم والمعرفة .. وهل حصَّلوا تلك العلوم وحازوا تلك المعارف إلا على جسور من التعب والكبد والسهر؟ إنَّ نصب العالم كامن في مسئولياته .. فحمل العلم وأداؤه وإبلاغه كل ذلك فيه كبد ونصب .. والميثاق المأخوذ على أهل الكتاب وزكاة العلم وحشية العلماء لربهم كل ذلك لا يتأتى دون نصب وكبد وجد ومجاهدة. أين من يسلم من الكبد .. ؟ وإن تفاوت أنواع الكبد؟ لا إله إلا الله قدر أن يعمر الكون بالكبد وشاء أن يقوم سوق الحياة على النصب ﴿يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحًا فملاقيه﴾. عباد الله لا يكفي أن نعلم كبد الحياة، وشمولها لبني الإنسان ولكن المهم كيف نتعامل مع هذا الكبد؟ وكيف نستفيد من هذا الكبد، وما نهاية الكبد وثمرته؟ وكيف نخفف من مكابد الحياة ومشاقها؟ إن المسلم يختلف عن غيره في نوع الكبد وغايته .. فهو مأجور على نصبه وهمّه وغمّه مادام يعبد الله ويخشاه، فما يصيبه من نصب ولا وصب ولا هم ولا غم ولا حزن، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه. والمؤمن ينصب ويكدح في هذه الحياة ليستريح بعد الممات إنه يكدح وهو مستيقن بلقاء ربه، مطمئن أنه سيجازى على جهده وعمله .. ومن هنا فهو

стр. 2989

يتحسس من المكابد ما يرفع درجاته، ويتجنب كل كبد ينتهي به إلى الشقاء بعد الشقاء أما غير المسلم فهو ينصب كغيره في هذه الحياة .. ولكن نصبه يستمر بعد الممات، فالنهاية مؤلمة والشقاء مستمر ولعذاب الآخرة أشق. المسلم يستعين على النصب بالصبر والصلاة وحسبك بهما معينًا والله يقول ﴿يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين﴾ ﴿وويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾ ومساكين هم الذين يجزعون ولا للعلق والنصب يصبرون وغير المسلم يتضجر ويقلق، ثم يعود إن لم يقتل نفسه أو يقتله النصب والقلق ﴿ومن يهن الله فما له من مكرم﴾. ولئن تفاوت المسلمون عن غيرهم في الكبد، فالمسلمون أنفسهم متفاوتون في كبدهم، سعيهم شتى وأجورهم وأوزارهم مختلفة، وفرق بين من ينصب ليرتفع درجات وبين من لا يزيده الكبد والنصب إلا خسرانًا مبينًا. عباد الله والاستغفار يخفف الكبد ويعين على مشاق الحياة ويفتح أبوابًا للرزق، وفي الحديث: ((من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا ومن كل ضيق مخرجًا ورزقه من حيث لا يحتسب)). ﴿فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارًا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارًا﴾. ومما يخفف الكبد والقلق أن يتصور المسلم مهما بلغ به من كبد الحياة

стр. 2990

ومشاقها أن فيه من هو أشد منه قلقًا وضيقًا، ومهما بلغ في حصول المعالي والمجاهدة في سبيل الدرجات العلى فهناك من سبق وفُضِّل عليه، فهذا يُخفف من آلامه الدنيوية وهذا يزيد في سعيه للآخرة (١). ولا بد من العفو والصفح والمسامحة والتجاوز فالخطأ وارد والسماحة خلق فاضل، والصفح والعفو من أخلاق العظماء ولا بد أن يحصل الخطأ منك أو عليك وربما نالك من خطأ الأقربين ما يحتاج منك إلى جميل العفو وكريم الصفح وفي التنزيل ﴿وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم﴾ [التغابن: ١٤]. بارك الله لي ولكم في القرآن.

стр. 2991

الخطبة الثانية يا أيها القلقون المكابدون استأنسوا بذكر الله على آلام المكابدة فطالما خاضت ألسنتكم بكل شيء إلا الذكر وبذكر الله تطمئن القلوب، كم يفرّج ذكر الله من كربة ويزيل من غمة وويل للقاسية قلوبهم، ومساكن من شحت عليهم ألسنتهم عن ذكر الله، ومثل الذي يذكر الله والذي لا يذكره كمثل الحي والميت ﴿فاذكروني أذكركم﴾ وفي القرآن شفاء لما في الصدور، ونور للقلوب، ولا غرابة أن تكثر هموم الهاجرين لكتاب الله، إنه القرآن هداية وبصائر ورحمة وذكر، فليكن لك من كتاب الله نصيب فهو نعيم لا ينسى في الوحشة والرفيق في الخلوة، والمصاحب في الغربة. أيها المسلم وكيف يزيد قلقك وأنت تؤمن بقضاء الله وقدره فما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك وكيف تضجر ورزقك وأجلك مسطوران في الكتاب ألا فاعمل فيما يفنى لما يبقى، واصرف همك للآخرة فهي المستحقة للعناء إذ هي دار البقاء. يا أيها العقلاء والاستخارة والاستشارة تخففان من القلق وسبيلان للراحة وحسن المنقلب .. إنك تستخير الله العليم الخبير في أمور لا تدري ما نهايتها .. وتسلم الأمر لله في تقدير ما ينفعك في الدنيا والآخرة .. أليس ذلك سبيل للراحة والاطمئنان؟ وأنت في الاستشارة تستفيد من عقول الآخرين ولا تحرم تجارب المجربين، وإذا تشابهت ظروف الحياة كان لأهل التجربة رأيهم، وخليق بالعقل أن يستفيد منهم .. إنها هدايا بلا ثمن، ومكاسب تخفف من المكابد والقلق. ومع ذلك فالدنيا - يا ابن آدم - مركب للسهل والصعب، وميدان للسرور

стр. 2992

والحزن، وينقلب أصحابها بين الصحة والسقم والشباب والهرم والفقر والغنى، ومن سره زمن ساءته أزمان، لا بد من ترويض النفس على إقبال الدنيا بالشكر وإدبارها بالصبر، لا بد من توقع المفاجآت ولا بد من الصبر واليقين عند الصدمات. إنك كادح إلى ربك كدحًا فملاقيه .. إلا فليكن كدحك في مرضاة الله وليكن نصبك في هذه الدار سبيلًا لراحتك يوم تلقى الله. ألا كم من مغرور غرته هذه الحياة فألقته المنايا في مهاوي الردى وفكر وقدر فإذا بالروح تبلغ الحلقوم فندم على التفريط ولكن هيهات عن التعويض! ألا إن سعيكم لشتى فانظر أيها العاقل في نوع سعيك وهل أنت ممن يزرع الخير ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويعين على نوائب الحق أم أن سعيك إفساد في الأرض وظلم للخلق ونسيان للخالق، ألا فاعلم أن سرَّك ونجواك وظاهرك وباطنك لا يخفى على الله منه شيء ﴿يعلم السر وأخفى﴾ ﴿وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين﴾. يا ابن آدم ومهما ابتلاك الله بشيء من رزايا الدهر ومصائب الزمان فلا تظن بربك الظنون السيئة فلعل الله أراد بك خيرًا وأنت لا تشعر، ولعل حسناتك قصرت بك عن منزلة علية أرادها الله لك فبلغك إياها بهذه المصائب ألا فاصبر واحتسب وفي الحديث: ((ومن يرد الله به خيرًا يصب منه)). رواه البخاري وهذا ابن مسعود ﵁ يدخل على رسول الله وهو يوعك فقلت يا رسول الله إنك توعك وعكًا شديدًا قال: أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم،

стр. 2993

قلت: ذلك أن لك أجرين؟ قال: أجل ذلك كذلك ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا كفر الله بها سيئاته وحُطَّت عنه ذنوبه كما تُحطُّ الشجرة ورقها)). متفق عليه هكذا يعلمنا نبينا أجر المصائب وعواقب الأذى. اللهم لا تحرمنا أجرك، وارزقنا الصبر واليقين على أقدارك واجعلنا من سعادة الدنيا إلى سعادة الآخرة، ولا تجعلنا من الخاسرين.

стр. 2994

المحاسبة لماذا وكيف ؟ (١) الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره. إخوة الإسلام قوارع الحقِّ تصكُّ أسماعنا صباح مساء فهل من مجيب؟ والنفس الأمارة بالسوء تحاول أن تردي أصحابها فهل من وقفة ومحاسبة؟ ﴿يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية﴾ [الحاقة: ١٨]. هكذا يكون العرض، وكذلك تكون الدقة في المحاسبة. ﴿ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا وليتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرًا ولا يظلم ربك أحدًا﴾ [الكهف: ٤٩]. قف واسأل نفسك يا أخا الإسلام ماذا أعددت لهذا اليوم، وكيف تتقيه اليوم؟ وفي ديوان الشعراء (أبي العتاهية): أأخي إن أمامنا كربًا لها شغب وإن أمامنا أهوالا أأخي إن الدار مدبرة ... وإن كنا نرى إقبالها إدبارا قال العالمون (الماوردي) إن على الإنسان أن يتصفح في ليلة ما صدر من أفعال نهاره، فإن كان محمودًا أمضاه وأتبعه ما شاكله وضاهاه، وإن كان مذمومًا استدركه إن أمكن وانتهى عن مثله في المستقبل (٢). وقال آخر: أضر ما على المكلف الإهمال وترك المحاسبة والاسترسال

стр. 2995

وتسهيل الأمور وتمشيتها، فإن هذا يؤول بصاحبه إلى الهلاك، وهذا حال أهل الغرور يغمض عينيه عن العواقب ويُمش الحال، ويتكل على العفو فيهمل محاسبة نفسه والنظر في العاقبة، وإذا فعل ذلك سهَّل عليه مواقعة الذنوب وأنس بها، وعسر عليه قطافها)) (١). عباد الله ومن أقوال السلف إلى أعمالهم وحرصهم على محاسبة أنفسهم، فهذا عمر ﵁ يدخل حائطًا فسمعه أحد المسلمين - وهو لا يدري - يقول: عمر! ! أمير المؤمنين؟ ! بخ بخ، والله يا بني الخطاب لتتقين الله أو ليعذبنك. وجاءه رجل يشكو إليه وهو مشغول فقال له أتتركون الخليفة حين يكون فارغًا، حتى إذا شُغل بأمر المسلمين أتيتموه، وضربه بالدّرة، فانصرف الرجل حزينًا فتذكر عمر أنه ظلمه، فدعا به، وأعطاه الدرة، وقال له: اضربني كما ضربتك، فأبى الرجل وقال: تركت حقي لله ولك، فقال عمر: إما أن تتركه لله فقط، وإما أن تأخذ حقك، فقال الرجل: تركته لله، فانصرف عمر إلى منزله فصلى ركعتين ثم جلس يقول لنفسه: يا ابن الخطاب كنت وضيعًا فرفعك الله، وضالًا فهداك الله وضعيفًا فأعزك الله، وجعلك خليفة فأتاك رجل يستعين بك على رفع الظلم فظلمته؟ ما تقول لربك غدًا إذا أتيته؟ وظل يحاسب نفسه حتى أشفق الناس عليه (٣). لله درك يا عمر على هذا العدل والإنصاف والمحاسبة أين نحن من عمر؟ كم نظلم أنفسنا بفعل المعاصي فهل نحاسبها وكم يقع منا ظلم على غيرها فهل نتقي الله ونرجع ونرد المظالم ونستأذن من ظلمنا، ونلوم أنفسنا؟

стр. 2996

إنها نفوس الكبار .. تُرَّوض على العدل والبر والإحسان وإذا وقعت في الخطيئة عادت تلوم وتستغفر وتحاسب؟ إنها الكياسة التي أخبر عنها المصطفى ﷺ بقوله: ((الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني)) (١). قال الترمذي معنى (من دان نفسه) أي حاسبها في الدنيا قبل أن تحاسب يوم القيامة. أيها المسلمون الأمر في المحاسبة النفس غاية في الأهمية، ولئن كان شاقًا اليوم فعاقبته الخير والفلاح غدًا. ورحم الله القائل: اقرعوا هذه الأنفس فإنها طلعة وإنها تنازع إلى شر غاية، وإنكم إن تقاربوها لم تبق لكم من أعمالكم شيئًا، فتصبَّروا وتشددوا، فإنما هي أيام تعدُّ، وإنما أنتم ركب وقوف يوشك أن يدعى أحدكم فيجيب ولا يلتفت فانقلبوا بصالح ما بحضرتكم)) (٢). عباد الله إننا نخطئ بالليل والنهار .. أفلا نتوب ونستغفر ومن يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا. تصور يا عبد الله لو أن كل ذنب عصيت الله به رمي في بيتك في مقابله حجرًا؟ ألا يمتلئ البيت بالحجارة؟ .. ألا تضيق عليك هذه الحجارة المسالك؟ ألا تخرب بيتك؟ فهل تتصور أن الله غافل عما تعمل، كيف والملكان الموكلان بك يحفظان ويكتبان ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾. ﴿احصاه الله ونسوه﴾

стр. 2997

أيها المسلمون وفي رحمة الحياة وغرورها، ومطالب النفس وتطلعاتها، وتسابق الناس إلى الشرف والسؤدد والرئاسة والمال والجاه والسلطان .. في ظل هذا كله قد تغيب أو تضعف المحاسبة، وعلى قدر الإيمان واليقين بحقائق الآخرة .. تكون المحاسبة قال أحدهم: مثلت نفسي في الجنة آكل من ثمارها وأشرب من أنهارها، وأعانق أبكارها، ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها، وأشرب من صديدها وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: يا نفس أي شيء تريدين؟ فقالت: أريد أن أردَّ إلى الدنيا فأعمل صالحًا؟ قلت فأنت في الأمنية فاعملي (١). أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى﴾ اللهم انفعنا بهدي القرآن أقول ما تسمعون.

стр. 2998

الخطبة الثانية ﴿الحمد لله جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا﴾ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يحاسب على النقير والقطمير، ﴿وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء﴾، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله قال وهو الصادق الأمين. يا أخا الإيمان .. أما وقد عرفت قيمة المحاسبة وحاجتنا إليها، بل وغفلة الكثير منا عن ممارستها فقد يرد السؤال وكيف تتم محاسبة النفس وما هي الأمور المعينة على هذه المحاسبة؟ ذكر أهل العلم أن المحاسبة الصادقة تعتمد على أمور ثلاثة هي: ١ - الاستنارة بنور الحكمة. ٢ - وسوء الظن بالنفس. ٣ - وتمييز النعمة من النقمة فكيف يتم ذلك. فأما نور الحكمة فهو العلم الذي يميز به العبد بين الحق والباطل، وكلما كان حظ العبد من هذا النور أقوى كان حظه من المحاسبة أتمَّ وأكمل. أما سوء الظن بالنفس فحتى لا يمنع ذلك من البحث والتنقيب عن المساوئ والعيوب، ولئن تزكية النفس حاجب عن محاسبتها. وأما تمييز النعمة من الفتنة فلأنه كم مستدرج بالنعم وهو لا يشعر، مفتون بثناء الجُهَّال عليه مغرور بقضاء الله حوائجه وستره عليه (١).

стр. 2999

ولله در الإمام أحمد حينما بلغه أن المسلمين في بلاد الروم كانوا- وهم في الغزو - إذا هدأ الليل رفعوا أصواتهم بالدعاء له، وكانوا يرمون المنجنيق باسمه حتى سقط رأس علج من درقته .. فلما بلغ أحمد الخبر تغيَّر وجهه وقال: ليته لا يكون استدراجًا (١). أيها المسلمون ومما يعين على المحاسبة ما قاله ابن القيم ﵀: ومن أنفع المحاسبة أن يجلس الرجل عندما يريد النوم ساعة يحاسب فيها على ما خسره وربحه في يومه ثم يجدد له توبة نصوحًا بينه وبين الله، فينام على تلك التوبة، ويعزم على ألا يعاود الذنب إذا استيقظ ويفعل هذا كل ليلة، فإن مات من ليلته مات على توبة، وإن استيقظ استيقظ مستقبلًا للعمل مسرورًا بتأخير أجله حتى يستقبل ربَّه ويستدرك ما فات (٢). ألا ما أحوجنا إلى هذه الساعة من المحاسبة، وكم نغفل عنها، فهل نمارسها قبيل النوم من الليل والليل- كما يقال - أخطر للخاطر وأجمع للفكر. يا أخا الإسلام حاسب نفسك على عمل السيئات وهل استغفرت وكفَّرت عنها، وعلى عمل الصالحات هل فرحت بها وسألت ربَّك قبولها؟ حاسب نفسك على نوع الكلام الذي صدر منك، وفرق بين الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة، حاسب نفسك على مطعمك ومشربك، وكل جسد نبت على سحت فالنار أولى به وحاسب نفسك على العدل والإنصاف، والظلم ظلمات يوم القيامة حاسب نفسك على استثمار الوقت، والوقت أغلى ما نملك والمغبون من فرط فيه أو استخدمه فيما يغضب الله.

стр. 3000

والوقت أغلى ما عنيت بحفظه ... وأراه أسهل ما عليك يضيع حاسب نفسك على همومك أهي للدنيا أم للآخرة، ﴿وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض﴾. ما نصيب الإسلام من جهدك، وما حض أخوانك المسلمين من اهتمامك ودعائك .. إلى غير ذلك من ألوان المحاسبة .. وإياك أن تكون من الغافلين، أو من الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم .. إننا بحاجة للمحاسبة فهي سبيل للاستقامة، ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه. أيها الأخوة المسلمون هذه الجمعة آخر جمعة في العام والسؤال بماذا تذكرك آخر جمعة في العام؟ إنها تُذكر- فيما تذكر - بسرعة الزمان، وانفراط الآجال وقرب الارتحال فما العمر إلا جمعة وأخرى وثالثة لا تدرك لا تدرك ما فيها من أحداثٍ وحوادث ورابعة خبر من الأخبار سرت وأخرى أضحكت وأبكت إنها الدنيا متاع الغرور وهي حرية أن تفتح صفحة ﴿وإن الدار الآخرة لهي الحيوان﴾ بل صفحات للمرء ماذا قدم من الجمعة إلى الجمعة، ومن أول جمعة في العام إلى آخر جمعة، بل وما رصيده من الخير أو نصيبه من الشر منذ أول جمعة عقلها إلى آخر جمعة أدركها؟ إن الجمعة تذكر ببداية الخليقة ومنتهاها، ففيه خلق آدم وبه تقوم الساعة. يوم الجمعة يوم الخيرية والأفضلية، فما طلعت الشمس ولا غربت على يوم خير من يوم الجمعة، هدى الله له هذه الأمة المسلمة وأضل عنه أمم اليهود والنصارى. يوم الجمعة يوم اجتماع المسلمين، ويوم زينتهم، وهو شعار للوحدة واجتماع الكلمة والتآلف والتقارب والسلام والبشر والذكر والدعاء والمزيد من الصلاة

стр. 3001

والسلام على النبي المجتبى إنه يوم يتفرغ المسلم من أعماله الدنيوية ليزيد من رصيده الأخروي ومن غسّل يوم الجمعة واغتسل وبكر وابتكر، ومسَّ شيئًا من طيب أهله، ودنا من الإمام واستمع للخطبة ولم يلغ كتب الله له بكل خطوة يخطوها للمسجد أجر سنة صيامها وقيامها. كم يفرط المسلمون في سنن يوم الجمعة من التبكير في ساعاتها الأولى إلى إهمال الدعاء في آخر ساعة فيها وتلك الساعة لا يوافيها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه - ما لم يسأل إثمًا - وأرجى ساعات الإجابة ساعتكم هذه، وساعة ما بعد العصر، فساعتكم هذه فيها صلاة الجمعة وانتظارها، وساعة بعد العصر فيها صلاة تحية المسجد وانتظار صلاة المغرب ومن كان في المسجد ينتظر الصلاة فهو في صلاة. هل أنت من المحتسبين لساعة الإجابة في الجمعة، وهل تحتسب على الله في الدعاء في وقت أنت أحوج ما تكون فيه للدعاء وبأمننا من الآلام واللؤى ما لا يرفع إلا إلى الله، فهل نسأل الله في أوقات الإجابة بكشف البلاء ودفع الضراء. عباد الله: خمسون جمعة هي محصلة العام تقريبًا هل تذكرت أخي المسلم كم لله عليك من فضل خلالها صحة في البدن وأمن في الوطن، والناس من حولك يتخطفون ويفتنون .. كيف تشكر الله على هذه النعمة؟ إن البلايا والمحن أقدار الله .. وهو يقدرها حيث شاء ويفتن بها من شاء، فهل اتخذت من أيام الرخاء عبرة لأيام البأساء والحق يذكرنا بالفتن الحولية ويقول ﴿أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون﴾. بل قد تكون ممن فتن بمال أو ولد أو مرض أو نحوه وهل لك أن تخرج من البلاء بغير كاشف الضراء ﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو﴾. حاسب نفسك ...

стр. 3002

(إن سعيكم لشتى) (١) الخطبة الأولى إن الحمد لله .. أيها الأخوة المؤمنون، الناس في هذه الحياة كلُّهم يسعى ولكن سعيهم مختلف ﴿إن سعيكم لشتى﴾ وإذا اختلف السعي اختلف الجزاء ﴿فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى، وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى﴾ إنه مقرر عند العقلاء أن الخير ليس كالشر، وليس الهدى كالضلال وليس الصلاح كالإفساد، وليس من أعطى واتقى كمن بخل واستغنى وليس من صدَّق وآمن كمن كذب وتولى .. إن لكل طريقًا ولكل مصيرًا، ولكل جزاء وفاقًا .. ولا يظلم ربك أحدًا. يا عبد الله إلى أين تسعى، وما الهدف من مسعاك، وما نتائج هذا المسعى؟ تلك أسئلة راشدة حق على كل مسلم أن يسأل نفسه إياها .. فهي مُوجهة للمسيرةٌ، وقائدةٌ بإذن الله للفلاح في الدنيا والسعادة في الآخرة. واعلم يا عبد الله أنه لا وقوف في الطريق البتة لكن هل تتقدم أم تتأخر، قال تعالى: ﴿لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر﴾. وإذا ضل سعي أكثر العالمين والله يقول عنهم ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾ فعلى عباد الرحمن أن يضبطوا مسيرهم، وأن يحددوا أهدافًا عالية لمسعاهم.

стр. 3003

وصدق الشاعر: شاب الصبا والتصابي بعد لم يشب ... وضاع وقتك بين اللهو والعب يصلحون أنفسهم، ويسهمون في إصلاح الحياة والأحياء من حولهم ويتأكد السعي المثمر حين يتأمل الساعي قصر الحياة الدنيا، وكثرة طرق الضلال، وتنوع ميادين الفساد والإفساد؛ فمن خلّص نفسه من هذه الأشواك وتجاوز هذه المغريات فهو السعيد الراشد، ﴿وقد أفلح من زكاها﴾. ويتأكد السعي المثمر كذلك بالنظر لنعيم الآخرة وطول المكث فيها ﴿فهي الحيوان لو كانوا يعلمون﴾ ﴿وأن يومًا عند ربك كألف سنة مما تعدون﴾: وشمس عمرك قد حان الغروب لها ... والفيء في الأفق الشرقي لم يغب وفاز بالوصل من قد جدَّ وانقشعت ... عن أفقه ظلمات الليل والسحب أجل لقد خطى على هذه الأرض أنبياء وعظماء، وأغنياء، وساسة وقادة وكبراء وما هي إلا برهة من الزمن وإذا الأرض تغنيهم في طورها ولم يبق إلا أخبارهم تروى ﴿منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى﴾ ﴿ألم نجعل الأرض كفاتًا أحياء وأمواتًا﴾؟ وكان الخبر بعدهم على حسب سعيهم وكان ذكرهم مقرونًا بنوع أعمالهم أجل إنهم أقوام باعوا أنفسهم لله، وجاهدوا في سبيله، ودعوا الخلق إلى عبودية الخالق فأولئك سعيهم مشكور، وأجرهم محفوظ، وأولئك في جنات مكرمون وآخرون دسوا أنفسهم ودنسوها بالمعاصي، وأوبقوها ولا بد للقيام بأمر الله من عاملين عامل القوة وعامل الإخلاص فالمخلص بلا قوة يعجز عن القيام به، والقوي للإخلاص يخدل، فمن قام بهما كاملًا فهو

стр. 3004

صديق، ومن ضعف فلا أقل من التألم والإنكار بالقلب ليس وراء ذلك إيمان .. كذا قرر الإمام الذهبي (١) وفي التنزيل ﴿خذ الكتاب بقوة﴾ ﴿ألا لله الدين الخالص﴾ بالسيئات والمنكرات .. وقد خابوا وخسروا ولم تكن خسارتهم في الدنيا بل خسروها والآخرة وذلك هو الخسران المبين وصدق رسول الله ﷺ «كل الناس يغدوا فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها» والحديث يتمم لكلام قبله قال ﷺ في أوله حاحثًا على جُمل من الأعمال الصالحة (الطُّهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض، والصلاة نور والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك (٢). يا مسلم يا عبد الله وتشتد الحاجة للسعي الراشد في أزمان الغربة، وفساد الزمان، وقلة الأعوان .. إنهم الغرباء القابضون على دينهم كالقابض على الجمر، ولهؤلاء قال ﷺ ((طوبى للغرباء أناس صالحون في أناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم)) (٣). عباد الله المشي في مناكب الأرض لابتغاء الرزق، أو للنظر والاعتبار فيما خلق الله وبرأ أمر مشروع لكن لأنه لا ينفك عن العبودية لله والشكر على تذليل الأرض وبسطها ودحوها وتذكر المبدأ والنشور وتأمل قوله تعالى: ﴿هو الذي جعل لكم الأرض ذلولًا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور﴾ ﴿أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور، أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبًا فستعلمون كيف نذير﴾.

стр. 3005

أجل لقد عرف الناس مسلمهم وكافرهم، وفي أقصى المعمورة وأدناها كيف تتحول هذه الأرض المذللة بإذن باريها إلى خَلْقٍ آخر يُدمِّر ما حوله في ثوان معدودة .. لا يملك البشر مهما أوتوا من قوة تذليلها ومنع كوارثها إنها حين تضطرب وتهتز وتقع الزلازل والبراكين المدمرة يتحطم كل شيء على ظهرها بناه الإنسان وشيده لعدة قرون أو نغوص في أعماق البحار والمحيطات حين تقع خسوف هنا أو هناك وتغيب قرى بأكملها وأناس وحيوانات في البر والبحر فسبحان القوي العزيز. وكذلك يشهد الناس حين تثور العواصف الحاصبة التي تدمر وتخرب، وتحرق وتصعق، والبشر بإزائها ضعاف لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا حتى يأخذ الله بزمامها ويُسكِّن رياضها، ويوقف أعاصيرها فتنقاد وتلين؟ فمن غير الله يبدئ ويعيد؟ الله القوي العزيز وبيده ملكوت كل شيء: قل للطبيب تخطفته يد الردى ... من يا طبيب بطبِّه أرداكا قل للمريض نجى وعوفي بعدما ... عجزت فنون الطب من عافاكا واسأل بطون النحل كيف تقاطرت ... شهدًا وقل للشهد من حلاكا وإذا ترى الثعبان ينفث سمَّه ... فاسأله من ذا بالسموم حشاكا واسأله كيف تعيش يا ثعبان ... أو تحيا وهذا السم يملأ فاكا فالحمد لله العظيم لذاته ... حمدًا وليس لواحد إلاكا إن الإنسان قوي بالقدر الذي وهبة الله من القوة، عالم بالقدر الذي أعطاه الله من العلم، ولكن هذا الكون الهائل زمامه بيد خالقه، ونواميسه من صنعه، وكل شيء بقدر الله وتقديره ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ وحين ينسى الإنسان هذه الحقائق فيطغى ويغتر وينخدع، بما أوتي من علم أو مال أو قوة، فإنه يصبح مخلوقًا مسيخًا مستكبرًا مقطوعًا عن الله ولا يبالى الله به بأي واد هلك هذا النوع من الخلق!

стр. 3006

ومع كتابة القدر وتحديد الآجال، والسعادة والشقاء .. فلا بد من العمل والأخذ بالأسباب الموصلة للنجاة دون تواكل سلبي .. فعول قدري عن العمل المثمر وفي صحيح مسلم: عن علي ﵁ قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله، ومع مخصرة فنكَّس (أي خفض رأسه وطأطأه نحو الأرض) فجعل ينكث بمخصرته، ثم قال ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة، قال فقال رجل: يا رسول الله، أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فقال: من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة، فقال: اعملوا فكل ميسر، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ ﴿فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى﴾. اللهم اجعلنا ويسرنا لليسرى وجنبنا العسرى. نفعني الله وإياكم بهدي كتابه ورزقنا عملًا نافعًا وعملًا صالحًا.

стр. 3007

الخطبة الثانية أيها المسلمون ومع حلول الإجازات يشتد سعي الناس وتكثر سفراتهم وترحالهم، ففريق يشد الرحال لزيارة المسجد الحرام، وأداء العمرة والطواف والسعي، والصلاة في البيت العتيق، والصلاة هناك بمائة ألف صلاة وأكرم بها من رحلة للبيت الحرام. وآخرون يشدون رحلهم إلى المسجد النبوي حيث مهاجر النبي ﷺ وأصحابه، ودار الهجرة، ومآزر الإيمان .. والصلاة هناك عن ألف صلاة. كما أن الصلاة في مسجد قباء كعمرة كذا صح عن النبي ﷺ (١). وثمة من يسافرون لصلة الأقارب والتواصل مع الأرحام، ومن وصل الرحم وصله الله ومن قطعها قطعه الله .. وكم هو فساد في الأرض قطيعة الرحم والله يقول ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم﴾ وكم هو جميل أن يتعلم المسلم من نسيه ما يصله به رحمه، وصلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأثر وكذا صح الخبر عن رسول الله ﷺ (٢). وفريق يرحلون إلى البراري ويصوون الصغار للنزهة وفسحة النفس، والتأمل في أرض الله الواسعة. وأيًا كانت جهة السفر .. فهو مرهون بحس أو سوء نية المسافر وما أحلى رفقة السفر يتعاونون على البر والتقوى ويقيمون الصلاة، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، يحسنون ويتصدقون على المحتاج، ويعظون قومًا غافلين

стр. 3008

عن ذكر الله، فإن لم تهدوا درهمًا أو دينارًا، أهدوا كلمة طيبة، وكتيبًا مفيدًا أو شريطًا نافعًا تحمل أعلام النبوة وتهدي للتي هي أقوم. عباد الله وليس من لوازم السفر السفور والتبرج، والتحلل من الفضيلة، والإقدام على الرذيلة .. ليس يسوغ في السفر كشف العورات ولا التساهل في الجماعات وثمة مخالفات يحسن تنبيه بعض المتنزهين بها ومن ذلك عدم تستر النساء، وركوب الدراجات أمام الرجال .. مع قلة الحياء وربما انقلب الفرح إلى أتراح حين يسقط طفل امرأة، ويصاب إصابات بالغة، وربما عرضت صور النساء على أجانب وربما كانت فضيحة للمرأة وهي لا تشعر كما تساهل الناس في التصوير، وتساهلوا مع الفتيات يتجولن في البراري لوحدهن وبعيدًا عن أهاليهن، وربما وقع المكروه من ضعف الرقابة والتساهل. كما يتساهل بعض أهل البراري بالرقص والغناء واستعاضوا به عن الشكر والذكر .. وليس يستوي لهو الحديث .. وترتيل القرآن فاشكروه ولا تكفروا نعمة يا أيها الأولياء أهاليكم وأولادكم وبناتكم أمانات في أعناقكم، وكما تحوطونهم في حضركم وحال إقامتكم فكذلك فحاجوهم في حال سفركم وترحالكم. أيها الناس وكما ترعوا أماناتكم في الذراري والأموال فارعوا أمانتكم في الحفاظ على الأوقات والاستفادة من العمر، وليس ثمة تعارض بين نزهة النفس وحفظ الوقت فلا يدري المرء أنحترمه ريب المنون في حال ** أو حال الإقامة. يا أهل الإسلام إن جهدًا بُذِلَ لتربية أبنائكم وبناتكم من خلال المؤسسات العلمية والتربوية بمراحلها كافة، لا ينبغي أن تُهدر في بضعة أيام من هذه الإجازة وإن أخوانًا لنا يعيشون المسعفة والحصار لا ينبغي أن ننساهم أينما حللنا أو ارتحلنا .. ولا تحقروا دعوة صادقة بظهر الغيب قد يكشف الله بها كربًا .. أو يشفى مريضًا، أو يفك مأسورًا، أو ينصر مظلومًا.

стр. 3009

وقد نقل ابن القيم ﵀ في الفوائد أن المواساة للمؤمنين أنواع، مواساة بالمال ومواساة بالجاه، ومواساة بالبدن والخدمة، ومواساة بالنصيحة والإرشاد ومواساة بالدعاء والاستغفار لهم، ومواساة بالتوجع لهم، وعلى قدر الإيمان تكون هذه المواساة، وكان رسول الله ﷺ أعظم الناس مواساة لأصحابه بذلك كله، فلأتباعه من المواساة بحسب إتباعهم له (١). أيها المؤمنون عظموا ربكم ووقروه، ألا وإن من أعظم الظلم والجهل أن تطلب التعظيم والتوقير لك من الناس وقلبك خال من تعظيم الله وتوقيره، فإنك توقر المخلوق وتجلُّه أن يراك في حال لا توقر الله أن يراك عليها، والله يقول ﴿ما لكم لا ترجون لله وقارًا﴾ [نوح: ١٣]. أي لا تعاملونه معاملة من توقرونه، وقيل: المعنى ما لكم لا تعرفون لله حقًا ولا تشكرونه، أو لا تعرفون حق تعظيمه (٢). وتوكلوا عليه حق التوكل، وقد قال العالمون التوكل على الله نوعان: أحدهما توكل عليه في جلب حوائج العبد وحظوظه الدنيوية أو دفع مكروهاته ومصائبه الدنيوية. والثاني: التوكل عليه في حصول ما يحبه ويرضاه من الإيمان واليقين والجهاد والدعوة إليه. قال ابن القيم فمن توكل على الله في النوع الثاني فإن النوع الأول (٣). اللهم اجعلنا ممن استهداك فهديته وتوكل عليك، اللهم اجعل عملنا مبرورًا وسعينا مشكورًا.

стр. 3010

قيادة المرأة للسيارة (١) الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه .. من الذي جعل من المرأة قضية؟ تُثار بمناسبة وبدون مناسبة وتُطرح في كل حوار وإن كان الحوار بعيدًا عن شؤون المرأة؟ لماذا هذه الإثارات؟ ومن المستفيد من هذه الاستفزازات؟ من أنصار المرأة حقًا ومن خصومها؟ ومن النَاصحون ومَنْ المغموسون في اجترار قضاياها؟ إن الإسلام لا يُجاري في إعطاء المرأة حقوقها، وفي تهذيب أخلاقها، والحرص على عفتها، وصون كرامتها. ولن يقوم أي نظام أرضي بديلًا عن الإسلام وإن وهم الواهمون، أو خُيل للمستغربين والمفتونين بحضارة الآخرين غير ذلك. إن المتأمل في نصوص الوحيين يجد مصطلحات عدة بشأن المرأة تجتمع على العفة والحياء، والقرار والصون لهذه الدرة الثمينة والبعد عن الخلطة بالرجال ونحوها من سلوكيات رفيعة نظيفة يشيد بها الإسلام ويدعو لها رسول الإسلام ﷺ أليس القائل: ((وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى)) هو العليم الخبير؟ وأين نحن جميعًا من قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين﴾. ألم يشد القرآن بحياء المرأة ﴿فجاءته إحداهما تمشي على استحياء﴾

стр. 3011

[القصص: ٢٥] ومن قبل عرض القرآن كنموذج المرأة في الخروج من البيت فالحاجة شرط لها، والبعد عن الاختلاط بالرجال ضمان لتزكيتها ﴿قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير﴾ [القصص: ٢٣] فشيخوخة الأب والحاجة للماء أخرجت هاتين المرأتين والانتظار حتى يصدر الرعاء من الرجال خلق تجملت به هاتان المرأتان؟ وليس يخفى أن أزكى النساء أمهات المؤمنين .. ومع هذا قيل لهن ﴿يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولًا معروفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢]. وإدناء الجلابيب وإرخاء الحجاب، وغضُّ البصر للرجل والمرأة كل ذلك مفردات كريمة جاءت نصوص الشريعة حافلة بها. وفي حقوق المرأة وواجباتها كفل الإسلام لها ذلك ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم﴾ [البقرة: ٢٢٨]، والنهي واضح في عضلن أو إرثهن كرهًا ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما أتيتموهن﴾ [النساء: ١٩] وفي حسن التعامل معها وتقدير مشاعرها جاءت النصوص الشرعية تقول: ((خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي))، ((استوصوا بالنساء خيرًا))، ((لا يكرمهن إلا كريم)). أيها المسلمون إذا كانت تلك بعض نصوص الإسلام تجاه المرأة فأهل الإسلام أكثر الناس اعتدالًا وأحسنهم خلقًا، وأكرمهم تعاملًا مع المرأة .. وعلى قدر التزام المرء بالإسلام وفهمه وتطبيقه لنصوص الشريعة يكون قدر المرأة عنده وتتجلى أخلاقياته في التعامل معها دون إسفاف وقهر كالذي مارسته الجاهلية الأولى ودون إفساد وفتنة كالذي تمارسه الجاهلية المعاصرة. في عالم اليوم محاولات جادة لتنحية المرأة عن قضاياها المصيرية والهامة، وإشغال لها بقضايا استهلاكية هامشية ..

стр. 3012

أين الطرح بقوة لرسالة المرأة في الإسلام، ودورها في الدفاع عن قيمها وإسلامها في زمن بات التهجم على القرآن ظاهرًا للعيان، والسخرية بالرسول ﷺ والإسلام يمارس من خلال وسائل الإعلام وتدعمه دول كبرى أين موقع المرأة المسلمة في عالم تتخذ المرأة الغريبة والشرقية مكانها لتعبر عن حضارة وقيم عالمها ومجتمعها؟ وهي تتقصد المرأة المسلمة بالغزو والتذويب والاستلاب والنهب؟ أين المؤتمرات الإسلامية العالمية للمرأة على غرار مؤتمر المرأة في بكين حيث التخطيط والدعم والإعلام؟ أين الحديث عن المطلقات وأين الحديث عن العنوسة والعانسات أين الدراسات الجادة لدور المرأة في التنمية بمفهومها الشامل حيث تبدأ انطلاقتها من البيت وتربية النشء في زمن ربَّات الخادمات والاستقدام المسعور للسائقين والخدم وفي هذا الجو لا تسأل عن ضعف التربية، وترهل المرأة، والاستنزاف الاقتصادي، والفساد القيمي والانتحار الخلقي وما ينشر في الإعلام من جرائم وموبقات عظيم عظيم وما يخفى ربما كان أعظم. أين الصيحات الصادقة والمنادية بتأمين كافة المستلزمات الصحية للمرأة من مستشفيات خاصة بالمرأة وعناية طبية فائقة، وتخفيف ساعات عملها حفاظًا على صحتها وإبقاءً لرونق أنوثتها؟ وفي التعليم والعمل من ينادي بتحسين تعليم المرأة، وصياغة مناهجها باستقلالية كاملة تخدم رسالة المرأة في بيتها، وتؤهلها للأعمال المناسبة لطبيعتها، وتثبِّت هويتها في معترك الصراع العالمي، ونصلها بالتبعية المعاصرة، ويصح على عالمها المعاصر دون عزلة أو تذويب وفي عملها ثمة مطالبات ناصحة لتخفيف عن ساعات العمل ونصابها والتدريس على المرأة مع الاحتفاظ بكامل مرتبها .. وثمة دعوات صادقة لتخفيف سنوات الخدمة حتى تحصل المرأة على التقاعد المبكر ..

стр. 3013

لتتفرغ لرعاية بيتها وتربية أطفالها وتوفير جو السعادة لزوجها، مع الاحتفاظ بحقوقها المالية وحتى تتيح الفرصة لأخت لها على قائمة الانتظار الوظيفي. أين الجمعيات والهيئات المتابعة لعضل المرأة والاعتداء على حقوقها سواء من قبل الزوج أو الأب أو غيرهم أين المحامون عنها والمطالبون بحقوقها قضايا كثيرة يمكن أن تُدرج في الاهتمام بالمرأة ولكنها في سياق العفة والكرامة، وفي محيط الصدق والعمق، والنصح والأدب والتوازن والاعتدال. أما اختزال قضية المرأة في أمورها مشية .. فذلك نوع من التلاعب بقضايا المرأة .. بل هو يسير في اتجاه الاستفزاز، وإثارة الجدلية وهدر الأوقات والجهود، وبث روح التنازع والافتراق. خذوا على سبيل المثال (قيادة المرأة للسيارة) هل هي بالفعل حاجة ماسة لا تستقر حياة المرأة والأسرة والمجتمع إلا بها؟ ولا تصلح دنيا الناس إلا بها؟ وهل نكرم المرأة بقيادتها للسيارة أم أن مهنة القيادة لا تحتل قيمة مرموقة حين تصنف المهن؟ إن القضية في نظر المنصفين لا تعدو أن تكون موضوعًا جانبيًا متأخرًا في الترتيب لمن يرون ترتيب الأولويات بعيدًا عن الإثارة والضجيج وحين نفكر بهدوء هل قيادتها للسيارة ستخفف أم تزيد من مشكلاتنا الاجتماعية، والاقتصادية والأمنية فضلًا عن تأثيراتها القيمية وتداعياتها الأخلاقية. وإذا كنا نهتم بالدراسات ونعني بالتقارير، ونثمن النتائج فثمة دراسات هادئة تبرز النتائج المتوقعة لقيادة المرأة للسيارة وتشير هذه الدراسة إلى ما يلي: ١ - قيادة المرأة للسيارة ستضيف أعباء اقتصادية على المجتمع، وسترهق كوامن كثير من الأسر التي تعاني حتى توفر سيارة واحدة .. فكيف إذا أضيف إليها للأثاث مثلها .. وما يتتبعها من نفقات السير والمرور؟ والوقود والإصلاح.

стр. 3014

٢ - وقيادة المرأة للسيارة ستضيف مشكلات مرورية هائلة، وستحدث من الزحام ولاسيما في المدن الكبرى ما سيكون على حساب الوطن والمواطن. ٣ - وستضيف أعباء أمنية كثيرة ذات مظاهر خطيرة هذا فضلًا عن المظاهر الخلقية وانتهاك القيم، وخدش الحياء والخلق. ٤ - أما الزعم بحلها لمشكلة السائقين فالتجربة الموجودة في دول الخليج مثلًا تؤكد أن نسبة ٨٠% من الأسر الخليجية لديهم سائقون مع كون قيادة المرأة للسيارة متاحة (١). وبكل حال فخسارة الأعراض أشد من خسارة الأموال (٢). أيها الناس إن بلادنا غير محتاجة لمزيد من القلاقل والفتن، وليس فيها متسع للاستفزازات وردود الأفعال، وكفانا تجارب من سلفنا بل ويمكننا أن نأخذ الدرس من تجارب وقعت في محيطنا، وعلى سبيل المثال دخلت المرأة عالم الأسهم وهذا حلال لها، لكنها حين مارسة الاقتصاد بشكل مهم فماذا جنت وبماذا أخرجت؟ إليكم اعترافات بعضهن عبر عناوين سريعة نشرتها صحافتنا المحلية وتقول على السنة النساء وسوق الأسهم ((خرب الآلاف وأصبت بانهيار)). وأخرى تقول: ((انتظر أن يتراجع زوجي عن الطلاق والطامة حدثت مع هبوط سوق الأسهم)) وثالثة تقول: ((الطمع أعمى بصيرتي وأرى السخرية في عيني زوجي يوميًا)) (٣). لقد كفل الإسلام لها حق النفقة على الأزواج .. ولئن تعيش المرأة سعيدة

стр. 3015

آمنة مطمئنة .. وإن لم تسجل في قوائم المساهمين والتجار، خير لها من أن تملك القناطير المقنطرة .. ولكن على حساب سعادتها .. وأنوثتها .. وتكدير صفو عيشها مع زوجها وأولادها. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهن على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا إن الله كان عليًا كبيرًا﴾ [النساء: ٣٤].
следующие страницы →