← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

[القصص: ٢٥] ومن قبل عرض القرآن كنموذج المرأة في الخروج من البيت فالحاجة شرط لها، والبعد عن الاختلاط بالرجال ضمان لتزكيتها ﴿قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير﴾ [القصص: ٢٣] فشيخوخة الأب والحاجة للماء أخرجت هاتين المرأتين والانتظار حتى يصدر الرعاء من الرجال خلق تجملت به هاتان المرأتان؟ وليس يخفى أن أزكى النساء أمهات المؤمنين .. ومع هذا قيل لهن ﴿يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولًا معروفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢]. وإدناء الجلابيب وإرخاء الحجاب، وغضُّ البصر للرجل والمرأة كل ذلك مفردات كريمة جاءت نصوص الشريعة حافلة بها. وفي حقوق المرأة وواجباتها كفل الإسلام لها ذلك ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم﴾ [البقرة: ٢٢٨]، والنهي واضح في عضلن أو إرثهن كرهًا ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما أتيتموهن﴾ [النساء: ١٩] وفي حسن التعامل معها وتقدير مشاعرها جاءت النصوص الشرعية تقول: ((خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي))، ((استوصوا بالنساء خيرًا))، ((لا يكرمهن إلا كريم)). أيها المسلمون إذا كانت تلك بعض نصوص الإسلام تجاه المرأة فأهل الإسلام أكثر الناس اعتدالًا وأحسنهم خلقًا، وأكرمهم تعاملًا مع المرأة .. وعلى قدر التزام المرء بالإسلام وفهمه وتطبيقه لنصوص الشريعة يكون قدر المرأة عنده وتتجلى أخلاقياته في التعامل معها دون إسفاف وقهر كالذي مارسته الجاهلية الأولى ودون إفساد وفتنة كالذي تمارسه الجاهلية المعاصرة. في عالم اليوم محاولات جادة لتنحية المرأة عن قضاياها المصيرية والهامة، وإشغال لها بقضايا استهلاكية هامشية ..

стр. 3012

أين الطرح بقوة لرسالة المرأة في الإسلام، ودورها في الدفاع عن قيمها وإسلامها في زمن بات التهجم على القرآن ظاهرًا للعيان، والسخرية بالرسول ﷺ والإسلام يمارس من خلال وسائل الإعلام وتدعمه دول كبرى أين موقع المرأة المسلمة في عالم تتخذ المرأة الغريبة والشرقية مكانها لتعبر عن حضارة وقيم عالمها ومجتمعها؟ وهي تتقصد المرأة المسلمة بالغزو والتذويب والاستلاب والنهب؟ أين المؤتمرات الإسلامية العالمية للمرأة على غرار مؤتمر المرأة في بكين حيث التخطيط والدعم والإعلام؟ أين الحديث عن المطلقات وأين الحديث عن العنوسة والعانسات أين الدراسات الجادة لدور المرأة في التنمية بمفهومها الشامل حيث تبدأ انطلاقتها من البيت وتربية النشء في زمن ربَّات الخادمات والاستقدام المسعور للسائقين والخدم وفي هذا الجو لا تسأل عن ضعف التربية، وترهل المرأة، والاستنزاف الاقتصادي، والفساد القيمي والانتحار الخلقي وما ينشر في الإعلام من جرائم وموبقات عظيم عظيم وما يخفى ربما كان أعظم. أين الصيحات الصادقة والمنادية بتأمين كافة المستلزمات الصحية للمرأة من مستشفيات خاصة بالمرأة وعناية طبية فائقة، وتخفيف ساعات عملها حفاظًا على صحتها وإبقاءً لرونق أنوثتها؟ وفي التعليم والعمل من ينادي بتحسين تعليم المرأة، وصياغة مناهجها باستقلالية كاملة تخدم رسالة المرأة في بيتها، وتؤهلها للأعمال المناسبة لطبيعتها، وتثبِّت هويتها في معترك الصراع العالمي، ونصلها بالتبعية المعاصرة، ويصح على عالمها المعاصر دون عزلة أو تذويب وفي عملها ثمة مطالبات ناصحة لتخفيف عن ساعات العمل ونصابها والتدريس على المرأة مع الاحتفاظ بكامل مرتبها .. وثمة دعوات صادقة لتخفيف سنوات الخدمة حتى تحصل المرأة على التقاعد المبكر ..

стр. 3013

لتتفرغ لرعاية بيتها وتربية أطفالها وتوفير جو السعادة لزوجها، مع الاحتفاظ بحقوقها المالية وحتى تتيح الفرصة لأخت لها على قائمة الانتظار الوظيفي. أين الجمعيات والهيئات المتابعة لعضل المرأة والاعتداء على حقوقها سواء من قبل الزوج أو الأب أو غيرهم أين المحامون عنها والمطالبون بحقوقها قضايا كثيرة يمكن أن تُدرج في الاهتمام بالمرأة ولكنها في سياق العفة والكرامة، وفي محيط الصدق والعمق، والنصح والأدب والتوازن والاعتدال. أما اختزال قضية المرأة في أمورها مشية .. فذلك نوع من التلاعب بقضايا المرأة .. بل هو يسير في اتجاه الاستفزاز، وإثارة الجدلية وهدر الأوقات والجهود، وبث روح التنازع والافتراق. خذوا على سبيل المثال (قيادة المرأة للسيارة) هل هي بالفعل حاجة ماسة لا تستقر حياة المرأة والأسرة والمجتمع إلا بها؟ ولا تصلح دنيا الناس إلا بها؟ وهل نكرم المرأة بقيادتها للسيارة أم أن مهنة القيادة لا تحتل قيمة مرموقة حين تصنف المهن؟ إن القضية في نظر المنصفين لا تعدو أن تكون موضوعًا جانبيًا متأخرًا في الترتيب لمن يرون ترتيب الأولويات بعيدًا عن الإثارة والضجيج وحين نفكر بهدوء هل قيادتها للسيارة ستخفف أم تزيد من مشكلاتنا الاجتماعية، والاقتصادية والأمنية فضلًا عن تأثيراتها القيمية وتداعياتها الأخلاقية. وإذا كنا نهتم بالدراسات ونعني بالتقارير، ونثمن النتائج فثمة دراسات هادئة تبرز النتائج المتوقعة لقيادة المرأة للسيارة وتشير هذه الدراسة إلى ما يلي: ١ - قيادة المرأة للسيارة ستضيف أعباء اقتصادية على المجتمع، وسترهق كوامن كثير من الأسر التي تعاني حتى توفر سيارة واحدة .. فكيف إذا أضيف إليها للأثاث مثلها .. وما يتتبعها من نفقات السير والمرور؟ والوقود والإصلاح.

стр. 3014

٢ - وقيادة المرأة للسيارة ستضيف مشكلات مرورية هائلة، وستحدث من الزحام ولاسيما في المدن الكبرى ما سيكون على حساب الوطن والمواطن. ٣ - وستضيف أعباء أمنية كثيرة ذات مظاهر خطيرة هذا فضلًا عن المظاهر الخلقية وانتهاك القيم، وخدش الحياء والخلق. ٤ - أما الزعم بحلها لمشكلة السائقين فالتجربة الموجودة في دول الخليج مثلًا تؤكد أن نسبة ٨٠% من الأسر الخليجية لديهم سائقون مع كون قيادة المرأة للسيارة متاحة (١). وبكل حال فخسارة الأعراض أشد من خسارة الأموال (٢). أيها الناس إن بلادنا غير محتاجة لمزيد من القلاقل والفتن، وليس فيها متسع للاستفزازات وردود الأفعال، وكفانا تجارب من سلفنا بل ويمكننا أن نأخذ الدرس من تجارب وقعت في محيطنا، وعلى سبيل المثال دخلت المرأة عالم الأسهم وهذا حلال لها، لكنها حين مارسة الاقتصاد بشكل مهم فماذا جنت وبماذا أخرجت؟ إليكم اعترافات بعضهن عبر عناوين سريعة نشرتها صحافتنا المحلية وتقول على السنة النساء وسوق الأسهم ((خرب الآلاف وأصبت بانهيار)). وأخرى تقول: ((انتظر أن يتراجع زوجي عن الطلاق والطامة حدثت مع هبوط سوق الأسهم)) وثالثة تقول: ((الطمع أعمى بصيرتي وأرى السخرية في عيني زوجي يوميًا)) (٣). لقد كفل الإسلام لها حق النفقة على الأزواج .. ولئن تعيش المرأة سعيدة

стр. 3015

آمنة مطمئنة .. وإن لم تسجل في قوائم المساهمين والتجار، خير لها من أن تملك القناطير المقنطرة .. ولكن على حساب سعادتها .. وأنوثتها .. وتكدير صفو عيشها مع زوجها وأولادها. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهن على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا إن الله كان عليًا كبيرًا﴾ [النساء: ٣٤].

стр. 3016

الخطبة الثانية أيها المسلمون: قيادة المرأة للسيارة قضية محسومة في بلادنا بفتوى شرعية وبقرار سياسي، ونحن في بلد تحتكم إلى الشرع، ونطيع وليَّ الأمر أما الفتوى فقد صدرت من أعلى هيئة شرعية (هيئة كبار العلماء) مدعومة بالدليل، مدللة بفقه الواقع، معتبرة للمآلات مقدرة للنتائج، أليست هذه الهيئة محل ثقتنا .. أليست فتواها معتبرة لرجالنا ونسائنا؟ وإذا كانت فتواهم غير مقنعة عند فئة قليلة في المجتمع فهي بحمد الله محل للثقة والاعتبار عند غالبية المجتمع. وهل يراد من هذه الإثارات لقيادة المرأة للسيارة بين الفينة والأخرى هز الثقة بهذه المرجعيات الشرعية في بلادنا؟ هل يسوغ أن نسمع للهيئة الشرعية العليا في بلادنا، فيما نشاء ونحب ونتجاهل رأيها حين لا نشاء ولا نحب؟ إنها انتقائية يرفضها العقل المنصف ويردها الشرع المطهر، فالحكم الشرعي إذا صدر من أهل الفتيا والعلم فليس لمسلم أن يكون له الخيرة ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعصي الله ورسوله فقد ضل ضلالًا مبينًا﴾. أليس الله يقول لنا ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾. ولقد سُئل أهل الذكر فأجابوا، وأُحيل موضوع قيادة المرأة للسيارة لهيئة كبار العلماء فأفتوا .. فماذا بعد؟ أنرغب أن تكون أمور حياتنا فوضى، كل يتدخل فيما يعنين وما لا يعنين، وكل يهرف بما يعرف وما لا يعرف، وكل يجعل من نفسه حكمًا ومفتيًا هذا يحلل وذلك يحرم، وهذا يخطئ وذاك ينتقد، وخامس يجرم وسادس يتهم .. وهكذا

стр. 3017

تتحول أمورنا إلى فوضى عارمة، وفتن عمياء تفرق جمعنا وتذهب ريحنا، ويفرح العدو حين تكون المعركة محتدمة بيننا ألسنا نعطي القوس باريها في أمور السياسة والاقتصاد وننتقد حين يتدخل المهندس في عمل الطبيب أو يستشار الطبيب في عمل هندسي وهكذا في أمورنا الأخرى فلماذا نحيد ونتجاوز في مسألة حُكْم قيادة المرأة للسيارة عن الهيئة الشرعية التي اختارها الحاكم وزكاها .. وأحال إليها الأمر ورضي فتواها؟ ولقد أحسن نائب رئيس مجلس الشورى صنعًا وكان حصيفًا ومقنعًا ومنطقيًا ومنصفًا حين قال المسألة شرعية ولهيئة كبار العلماء الكلمة وقال المهندس محمود طيبة طيّب الله وجهه ((إن المسألة يجب أن تناقش من قبل أعلى هيئة شرعية في البلاد، وهي هيئة كبار العلماء لأنها سبق وأن أفتت في الأمر (١). على أن قضية قيادة المرأة للسيارة في بلادنا سبق وإن صدر فيه قرار سياسي، حين كانت شرارتها الأولى في أيام أزمة الخليج الأولى في التسعينيات وحينها صدر قرار الدولة بمنع قيادة المرأة للسيارة، بل وأكثر من هذا عوقبت اللاتي خرجن من النساء بالفصل من أعمالهن واستنكار تصرفاتهن فهل يريد المثيرون لهذه القضية من جديد إعادة الأمر جذعة ومراغمة الحكم الشرعي والقرار السياسي؟ إن ذاكرتنا تحتفظ بهذه المواقف ولن تنسى هذه الأحكام المنهية للفقه. أيها المؤمنون إن قيادة المرأة للسيارة عند أولي النهى لا يتعلق بقضية واحدة ولا بحكم فقهي محدد بل يستتبعها ويلحق بها أمور أخرى، لا بد أن نعيها ويتفطن لها حين تثار هذه القضية ومن التسطيح أن نقارن بين ركوب المرأة

стр. 3018

للحمل وقيادتها للسيارة في زمن السعار الجنسي، والاختناق المروري، وغزو الفضائيات فهي أولًا جزء من مشروع كبير طالما دندن حوله المغموسون في ثقافة المرأة، والمنبهرون بوضع المرأة الغربية أنه جزء من تغريب المرأة وإن شئت فقل تغريب المجتمع والقضية كذلك رهان تسابق عليه فئة قليلة، وتتطلع من خلاله إلى التمرد على السلطة الشرعية .. وعلى القيم والأعراف وتريد أن تفرض إرادته الفئة القليلة على الأغلبية الساحقة. ومن هنا كان وزير الداخلية واعيًا ومدركًا لطبيعة مجتمعنا حين قال مؤخرًا إن القضية تتعلق بالمجتمع، وحين لا نحتاج إلى الاستفتاء في مسألة صدر الحكم فيها .. فلن نكون الاستفتاء النزيه لو وقع في مصلحة المطالبين بقيادة المرأة للسيارة. وقيادة المرأة للسيارة لا ينبغي أن تفصل عن مشاكلنا الاقتصادية وإن دلّس فيها المدلسون، ولا عن اختناقاتنا المرورية وإن تجاهلها المتعجلون، ولا عن قيمنا وأعراضنا وإن تسامح فيها المتسامحون. قيادة المرأة للسيارة ستنتقل المرأة من امرأة مخدومة إلى امرأة خادمة وستنقلها من ظلال المنزل إلى وهج الشمس ومن أمين القرار ونعومة المظهر إلى خطر الإطارات المتفجرة وذبول الزهرة بالتعب والمعاناة. من يكرم المرأة أهو الذي يستجيب لطلباتها ويوفر حاجياتها أم الذي يسوقها لتذهب بنفسها في حمأة الظهيرة، ويضطرها للخروج بنفسها أو بمن تعول في ساعات متأخرة من الليل في الحالات الطارئة؟ كم تتعرض النساء للمضايقات من قبل السفهاء وهن مترجلات وفي خطوات محدودة .. فكيف سيكون الحال إذا قادت السيارة بعيدًا عن وليها وبيتها؟ إن التحرش الجنسي ظاهرة لا تُنكر .. وإذا مورست مع المرأة وهي في بيتها

стр. 3019

أو في السوق لقضاء حوائجها وهي في محيط الناس فكيف سيكون حال ضعفاء النفوس مع المرأة حين تقود السيارة في مكان تقل فيه الرقابة ويغيب الشهود؟ إننا - بقيادة المرأة للسيارة - نعرضها لمخاطر وأدواء هي في غنى عنها وطرقنا وشوارعنا لا نتحمل أعباد سيارتها ولا تنتعش صحيًا بعادم كربون مركبتها. إننا نثق بالمرأة لكننا نكرمها حين نقود السيارة بها .. ونثق بالمرأة ولكننا نحافظ على أنوثتها وجمالها حين نتحمل أعباء القيادة عنها. والواقع يشهد أن المرأة لم تتضايق من وضعها، ولم تشتك إلينا أو تطالبنا بتوفير القيادة لها ولكن البعض منا يريد تحقيق قاربه على أكتاف النساء وإن كان أولئك صادقون في المطالبة لها فليطالبوا بحاجيات أساسية للمرأة سبقت الإشارة إليها، وليرفعوا الظلم عنها من فئات تمارس الظلم بحقها. إن المرأة بخير في بلادنا .. والزاعمون لتحرير المرأة إن كانوا صادقين فليسهموا في رفع الظلم الواقع على المرأة حين تحتل بلادها ويصغي العاملون لها لقد عانت المرأة وما زالت في فلسطين من ظلم الصهاينة فماذا صنع أدعياء تحرير المرأة لها واليوم تعاني المرأة في العراق ألوان الظلم والاستبداد والحرب والاستعمارية والتصفية الطائفية فماذا صنع الرافعون لعقيدة تحرير المرأة؟

стр. 3020

الحج والحملات (١) الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ... أخوة الإسلام الحج ركن من أركان الإسلام، وفريضة على كل مسلم ومسلمة استطاع إليه سبيلاً، إنه شعائر ومشاعر وأحكام ومناسك، سنة الأنبياء، ونهج المرسلين، أذَّن به أبو الأنبياء إبراهيم ﵇، وهبط موسى ﵇ ملبيًا حتى أتى ثنية هَرْشَ، ولبى يونس بن متى على ناقة حمراء جَعْدَة، وقال ﵊ والذي نفسي بيده ليهلَّن ابن مريم بفجِّ الروحاء حاجًا أو معتمرًا أو ليَثْنِيَّنهما (أي يقرن بين الحج والعمرة) (٢). وفجُّ الروحاء: مكان بين مكة والمدينة كان طريق رسول الله ﷺ عام الفتح وحجة الوداع وهذا يكون بعد نزول عيسى ﵇ من السماء في آخر الزمان (٣). وروي عن النبي ﷺ أنه قال: في مسجد الخيف قبر سبعين نبيًا وقد صححه بعض العلماء وضعفه آخرون. صححه ابن حجر وضعفه الألباني (٤). أيها المسلمون وكما أن الحج اتباع للمرسلين، واقتداءً بمحمد ﵊، فهو من جانب آخر مخالفة للمشركين، وإظهار للبراءة منهم ومن أديانهم وعوائدهم يتجلى ذلك في كثير من مشاعر الحج، وفيما أعلنه النبي ﷺ

стр. 3021

على الملأ من تقصد مخالفة المشركين، وتظهر المخالفة في ابتداء التلبية فهي خالصة لله عند المسلمين (لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك). أما المشركون فشركهم يبدأ من التلبية حيث يقولون (إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك). والرسول ﷺ والمسلمون يقفون بعرفات، على حين ينتهي المشركون خاصة الخمس بالوقوف عند المزدلفة ويقولون: نحن أهل الحرم (لا نفيض إلا من الحرم) والرسول والمسلمون يفيضون من عرفة بعد مغيب الشمس، ومن مزدلفة قبل طلوعها، أما المشركون فكانوا يفيضون من عرفة قبل المغيب، ومن مزدلفة بعد الشروق، وكذلك خالفهم الرسول ﷺ وهو يقول: (هدينا مخالف لهديهم) (١). إلى غير ذلك من أمور خالف فيها الرسول والمسلمون المشركين حتى قال ابن القيم ﵀: (استقرت الشريعة ولاسيما في المناسك على قصد مخالفة المشركين) (٢). إنها البراءة من الشرك والمشركين ومخالفة نهجهم، والتأسي بالأنبياء وهديهم، وكذلك يؤسس الحج لقضية الولاء والبراء، والإتباع والانقياد لهدي المرسلين ﵈. عباد الله وكما يذكر الحج بالولاء للمؤمنين والبراءة من الكافرين فهو يذكر بالتقوى .. والمتأمل في عدد من آيات الحج يجدها تختم بالتقوى ففي قوله تعالى:

стр. 3022

﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ ختمت الآية بقوله: ﴿واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب﴾. وفي قوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ ختمت بقوله تعالى: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب﴾. ومثل ذلك في قوله تعالى: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾، وفي قوله تعالى ﴿لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن ينال التقوى منكم﴾. إنها آيات تذكر المسلم عمومًا، والحاج خصوصًا بتقوى الله ومراقبته وهذه الرقابة في أيام معدودات يراد لها أن تتحول إلى منهج وسلوك مستديم في الأيام التاليات فيبقى المسلم متقيًا لله في كل حين. أيها المسلمون عظموا شعائر الله، ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب .. فليس الحج رحلة تتحرك فيها الحافلات والأجساد من موقع إلى آخر دون وعي بل الحج رحلة قدسية يجتمع فيها شرف الزمان وشرف المكان، وشرف العمل أما الزمان فأيام عشر ذي الحجة تلك التي أقسم الله بها في كتابه ﴿وليال عشر﴾ وقال عنها رسول الله ﷺ : «أفضل أيام الدنيا أيام العشر» - يعني عشر ذي الحجة - قيل ولا مثلهن في سبيل الله؟ قال ولا مثلهن في سبيل الله إلا رجل عفَّر وجهه في التراب) (١). أما فضل المكان فهو بيت الله الحرام، والمشاعر العظام (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنًا). أما فضل العمل فهو لأفضلية العمل الصالح في عشر ذي الحجة (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام، قالوا ولا الجهاد في سبيل الله .. الحديث

стр. 3023

أيها الحاج إذا عرفت شيئًا من مقاصد الحج وقيمته وعظم مشاعره فخليق بك أن تعلم الحج المشروع بأركانه وواجباته وسننه حتى تعبد الله على بصيرة .. وكم هو مؤلم أن يذهب عدد من الحجاج للحج وهم يصنعون كما صنع الناس، ولو أخطأ من حولهم لأخطأوا معهم، وهنا أنبه إلى أمرين مهمين: الأول أن يقرأ الحاج عن الحج ما يعينه على فهم المناسك كما أمر الله وكما سنها رسول الله ﷺ وهو القائل: «خذوا عني مناسككم» والكتب والمطويات والأشرطة عن الحج متوفرة بحمد الله وبعدد من اللغات. ثانيًا: أنبه إلى أهمية اختيار الرفقة في الحج، فرفقة الحج تختلف عن رفقة الرحلات الأخرى فلابد أن يختار الحاج رفقته بعناية ويحرص على من يعينه على أداء نسكه، يذكره إذا نسي، ويعلمه إذا جهل، ويعينه على تعظيم شعائر الله أيها الأولياء حري بكم أن تبرؤوا ذممكم بالحج بمن فرض عليه الحج من أهليكم وأولادكم ذكورًا أم إناثًا وهو مستطيع ولم يحج بعد ولكم في رسول الله أسوة حسنة، فقد حج بنسائه كليهن معه (١). كما خرج بضعفة أهله معه (٢). بل حرَّض على الحج حتى من كان مريضًا منهم فقد دخل ﷺ على ابنة عمه ضباعة بنت الزبير ﵂ وهي عليلة فقال لها: ما يمنعك يا عمتاه من الحج؟ فقالت: أنا امرأة سقيمة، وأنا أخاف الحبس، فقال فأحرمي واشترطي أن محلك حيث حبست (٣).

стр. 3024

وفي رواية أنه قال لهما: أما تريدين الحج هذا العام؟ (١). فهل نتفقد أهلينا وذوينا لأداء ما افترض الله عليهم، لاسيما وقد جاء الأمر صريحًا في التعجل للحج حيث قال الرسول ﷺ (تعجلوا إلى الحج - يعني الفريضة - فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له) (٢). عباد الله .. وإذا خرجتم للحج فاعلموا أن الحج مدرسة يربى من خلالها .. كيف لا والحج شعار للوحدة بين المسلمين، لباسهم واحد، وإهلالهم واحد، ومناسكهم واحدة .. يستوي في الحج الضعفاء والأقوياء، والمأمورون والأمراء، والأغنياء والفقراء. كم تسيل بهم مناسك الحج زرافات وجموعًا يختلط فيها العربي بالأعجمي وأهل المشرق بأهل المغرب، والصغير والكبير والذكر والأنثى؛ فلا إله إلا الذي خلقهم، ولا رب إلا الذي وحدهم على هذا النسك العظيم في الحج فرض ومواطن تُذرف فيها الدموع بكاء وخشية لله، وفي الحج مناسك يبلغ الزحام والتدافع حدَّ الموت .. وحق للحاج في مواطن البكاء أن يبكي وفي مواطن التدافع أن يترفق بإخوانه المسلمين وفي الحج أنظمة ومنظمون ورجالات تعمل، ومؤسسات تبذل ومن حق هؤلاء على الحجاج أن يقدروا جهدهم، وأن يسمعوا لتوجيهاتهم، وأن يشكروا للباذلين بذلهم، وللميسرين للحج جهودهم وفي الحج فرض للعلماء وطلبة العلم والدعاة أن يعلموا وأن يفتوا وأن يدعوا إلى الله بالحسنى فهي مناسبة إسلامية عالمية. وفرص للمحسنين أن يحسنوا وكم هو مبهج للنفس أن ترى وجودًا للمحسنين

стр. 3025

في كل مكان .. هذا يوزع طعامًا وآخر يوزع ماءً أو عصيرًا أو لبنًا، وثالث يوزع كتبًا أو أشرطة نافعة للحجاج ولا يعذر أحد على تقديم الخير والإحسان .. فمن أسعف مريضًا، أو ساعد عاجزًا، أو أرشد مسترشد .. فهو محسن وأجره على الله، ومن لم يحتج إليه في هذا ولا ذاك فليقل كلمة طيبة وليدع لإخوانه المسلمين، وليتحسس حوائج المحتاجين، إلا أن في الحج منافع ومقاصد وصدق الله ﴿ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾. نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وسنة نبيه ﷺ أقول ما تسمعون وأستغفر الله.

стр. 3026

الخطبة الثانية معاشر المسلمين تذكرون جميعًا بالموسم القادم، فرصة العام، وسيدة الأيام، إنها عشر ذي الحجة، ليس بينكم وبينها سوى أيام معدودة، وكم ستخترم المنا أناسي قبل بلوغها، إلا وأن من حسن طالع المرء أن يتشوق لبلوغها فإذا بلغه الله إياها أن يجتهد في عمل الصالحات فيها، سواء كان حاجًا أم مقيمًا .. إنها فرصة لأن تعمر بالذكر، وتلاوة القرآن والصيام، والصدقات والإحسان، والدعوة للخير .. وكفى بقسم الله فيها داعيًا لأهميتها، وكفى بدعوة رسول الله ﷺ هاديًا لاستثمارها .. إلا وأن من علائم الخير أن يفكر المسلم قبل حلولها في أنواع الطاعات التي سيعملها فيها، وأن تكون هذه العشر محطة للمسلم يتزود منها لعامه فيها، بل ويودع عامة بحسن العمل فيها يا من قصرتم في الجهاد - وكلنا كذلك - وهو ذروة سنام الإسلام عوضوا بهذه العشر فقد قال حبيبكم محمد ﷺ : «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام، قالوا ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء». ومرة أخرى اسأل نفسك ماذا أعددت لهذه العشر؟ ثم حاسب نفسك بعد دخولها على العمل. أيها المسلمون وألتفت إلى الحجاج وإلى حملات الحج لأقول: فإن كره بعض الناس هذه الحملات إما لعدم قدرته المادية على تكاليفها أو لرغبة البعض في أخذ راحتهم بوسائلهم الخاصة وأماكنهم المفضلة إلا أن في الحملات فرصة للتنظيم والفائدة، وتقليل المراكب والدعوة للتعارف والتآلف بين الحجاج وهذا من منافع الحج وشكرًا لأصحاب الحملات حين يتنافسون في تقديم خدمات

стр. 3027

مخفضة للمحتاجين حتى لا يكون الهدف ماديًا فحسب، على أن المهم أن تتنافس الحملات في تقديم الخدمات لحجاجها، وألا تكون الدعاية والإعلان أكبر من حجم التطبيق الواقعي، فذاك الذي يُفقد الحملة مصداقيتها ويجعل الناس ينفرون ويُنفرون غيرهم مستقبلاً من المشاركة فيها. أما خدمات التوعية فقد أصبحت جزءً من مظهر الحملات وأسلوبًا لتسويقها - وهذا شيء جميل - لكن من المهم في توعية الحملات ألا تكون متخمة للحجاج بحيث لا يجدون فرصة للخلوة بربهم، أو لقراءة القرآن بمفردهم أو لمزيد من ممارسة العبادة الفردية في تلك الأيام الفاضلة ومن المهم كذلك أن تكون التوعية شاملة فلا يُتخمون بالحديث عن الحج طوال الرحلة مع حاجتهم لقضايا تربوية وآداب وتنبيهات أخرى قد يكون استعدادهم لها في هذه الظروف أكثر من غيرها. ومن المهم - في هذه الحملات - أن تنال المرأة عناية إن لم تفق العناية بالرجال فلا تقل عنها، لأن فرص توعية المرأة أقل من فرص الرجال، وفوق ذلك العناية بمكانها ونوع خدماتها الأخرى. الحملات فرصة لاكتشاف الطاقات وتوظيفها، فقد تكون ضمن إفراد الحملات طاقات من المهم تقديرها واستثمارها وحسن التعامل معها - والحج فرصة للتعارف والتآلف - والحج فرصة عالمية ومن المهم مساهمة الحملة في إيجابيات هذه العالمية - بحيث يرشد الضال، ويطعم المسكين، ويترحم الغير العربي، وتقضى حاجات كثيرة من خلال مجموع أفراد الحملة. كل ذلك يتم باستشعار هذا المعنى والدعوة لتفعيله وبشكل لا يؤثر على نظام الحملة وانتظامها - يقال للحجاج في الجملة وأصحاب الحملات خاصة أن الحج بعمومه فرصة لاكتشاف الأخلاق، والحملة ميدان لاكتشاف تطبيقات

стр. 3028

الأخلاق فثمة منافع عامة يشترك فيها أصحاب الحملة وقد يحتاجون إلى الإيثار أو إلى الصبر، والتحمل .. وهنا تسفر الأخلاق عن وجهها ويتبين المؤثر من الأناني، والصبور من الجزع وهكذا .. فلتمتحن أخلاقنا ولنُصبِّر أنفسنا على آثار ومخرجات الخلطة في أيام معدودة. ويقال لأصحاب الحملات إياكم والوعود الهلامية لأنواع الخدمات المقدمة ثم يتفاجأ المشاركون في الحملة بخلاف ذلك .. إنه الكذب والتلاعب بمشاعر الناس .. ولا كثر الله أصحاب هذه الحملات .. كما أن الإسراف ممنوع فالتقتير مرفوض .. وإذا قيل هذا لأصحاب الحملات قيل للمشاركين في الحملة ولا يكن الأكل والشرب همَّكم فإذا تأخر الطعام عن موعده قليلاً - لعذر ما - قامت الدنيا ولم تقعد .. إنه التعاون والتفاهم والصدق والتحمل ينبغي أن تسود أجواء الحملات حتى تؤدى المشاعر بعيدًا عن الخصومة والجدال المنهي عنها في كل حين ولاسيما في الحج ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ حقًا يا أخي الحاج تكرم بقراءة كتاب أو سماع شريط نافع عن الحج قبل أن تؤدي المناسك، واجتهد باختيار رفقة الحج تربت يداك. وختامًا أيضًا -أيها المسلمون عامة- عظموا شعائر الله واستثمروا فرص الطاعات، ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض﴾ .. ألا أنها فرض للمقصرين أن يعوضوا، وفرض للمسرفين في المعاصي أن يتوبوا .. وفرص للمجتهدين في عمل الصالحات أن يزيدوا. اللهم بلغنا عشر ذي الحجة، وأعنا فيها على عمل الصالحات اللهم يسر للحجاج حجهم واحفظهم في مناسكهم، وارجعهم إلى أهليهم وبلادهم سالمين غانمين.

стр. 3029

الاعتصام بالوحيين وأسباب الخلاف (١) الحمد لله رب العالمين جعل الدين الحقَّ دينًا واحدًا فقال ﴿إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم﴾ [آل عمران: ١٩] وحكم ببطلان ما سواه فقال جلَّ من قائل عليمًا ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾ [آل عمران: ٨٥] وجعل من سمات هذه الأمة الوحدة مع تباعد الزمان واختلاف المكان وكثرة المرسلين واختلاف الشرائع فقال ﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون﴾ [الأنبياء: ٩٢]. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الله أوصى عباده بالاعتصام بالكتاب والسنة ونهى عن الفرقة والاختلاف فقال: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله كان من أواخر ما أوصى به أصحابه كما نقل العرباض بن سارية ﵁: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كلَّ بدعة ضلالة» (٢). اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وعلى آله المؤمنين وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اتقوا الله معاشر المسلمين واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، ﴿ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾.

стр. 3030

عباد الله وحين يغيب الاعتصام بالكتاب والسنة يتفرق الناس شيعًا كل حزب بما لديهم فرحون، وتسود الفرقة والتناحر بدل الوحدة والألفة تستبدُّ بالناس الأهواء، ويعود المنكر معروفًا، والمعروف منكرًا. ويتهاون الناس بالواجبات المتحتمات ويتشبثون بالبدع والخرافات فهذا يقيم مولدًا، وذاك يستغيث بميت أو يطوف حول قبر، وفئة تعظم (رجبًا) وربما كان عندهم أفضل من شهر الصيام، وأخرى تعتقد أفضلية خاصة (ليلة النصف من شعبان) وتعتقد في أحيائها فضلًا خاصًا بها، ومائة ثالثة تعني بأوراد وأذكار جماعية وفرقة تعظم مزارات مبتدعة أعظم من تعظيم الكعبة. أيها المسلمون إن ما تلحظون في عالمنا الإسلامي من الاختلاف والفرقة، ومشو البدع وقلة المستمسكين بالسنة إنما هو ثمرة طبيعية للبعد عن هدي الكتاب والسنة والجهل بهما أو التجاهل لنصوصهما، والله تعالى يقول ﴿ومن يَعْش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانًا فهو له قرين﴾ [الزخرف: ٣٦]. قيل: معناه: من يُعرض عن ذكر القرآن وما فيه من الحِكم إلى أقاويل المضلِّين وأباطيلهم، نعاقبه بشيطان نقيضه له حتى يضلَّه ويلازمه قرينًا له». وذكر ابن كثير نظيرها قوله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى نوله ما تولى﴾ (١). أجل لقد اقتضت حكمة الله أن يتباين الناس في آرائهم وأن تختلف اجتهاداتهم. لماذا الكتاب والسنة؟ ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربُّك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربِّك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ [هود: ١١٨، ١١٩]،

стр. 3031

ولكن الله جعل للمسلمين ضمانة الاتفاق إن هم احتكموا إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ : ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلًا﴾ [النساء: ٥٩]. إنها قطع الاختيار، وإنهاء النزاع، والتسليم لأوامر الشرع المطهر كذلك يكون الإيمان وبذا يوصف المؤمنون ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالًا مبينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]. وبمثل ذلك تُضرب الأمثال، أخرج البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: جاءت ملائكة إلى النبي ﷺ وهو نائم، فقال بعضهم إنه نائم، وقال بعضهم إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلًا، فاضربوا له مثلًا .. فقالوا: مثله كمثل رجل بنى دارًا، وجعل فيها مأدبة، وبعث داعيًا، فمن أجاب الداعي دخل الدار، وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة فقالوا: أوِّلوها له يفْقهْها، قال بعضهم: إنه نائم وقال بعضهم إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: فالدار الجنة، والداعي محمد ﷺ ، فمن أطاع محمدًا فقد أطاع الله، ومن عصى محمدًا فقد عصى الله، ومحمد فرَّق بين الناس» (١). هكذا فرق محمد ﷺ بين المطيع والعاصي فمن اتبع السنة ولزم الحقَّ وإن خالف هواه فذلك المطيع، ومن هجر السنة واتخذ إلهه هواه فذلك العاصي. أمة الإسلام لقد كان النبيُّ ﷺ يتعوذ بالله من شرِّ الفرقة والاختلاف، ويرى أن إلباس الناس شيعًا وإذاقة بعضهم بأس بعض أعظم من رجم السماء أو خسف

стр. 3032

الأرض، وفي ذلك روى البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ : ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم﴾ [الأنعام: ٦٥]، قال: أعوذ بوجهك ﴿أو من تحت أرجلكم﴾ قال أعوذ بوجهك، فلما نزلت: ﴿أو يلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعض﴾ قال: هاتان أهونُ أو أيسر (١). ولاشك أن المتبعين لهدي محمد ﷺ يجمعون الكلمة ولا يفرقونها ويؤلفون بين المسلمين ولا يفرقون جمعهم، وينصحون صادقين لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ولا يطلبون أجرًا على نصحهم وماذا تستفيد الأمة من التفرق وفيها من الأدواء ما لا يحتمل المزيد وفيها من الجراح ما يكفي لشغل أوقات الفارغين إن لم تكن لهم همة سوى تضميد الجراح، أما أن تُستنزف دماء أخرى وتوسِعَ دائرة الجراح فذلك لا يُسلِّم به العقلاء فضلًا عمن يدعي الصلاح والتقى ألا وإن من أسباب الفرقة والخلاف بين المسلمين تتبع العورات وتصيد الزلات، والتزيد في الاتهامات، وإساءة الظنون واتهام النوايا، وتفسير المقاصد، والتهويش والتحريش بين المسلمين وإثارة المعارك الكلامية، وكل ذلك لا يخدم مصلحة المسلمين، وإنما هو سهم من سهام الشياطين، وصدق رسول الله ﷺ : «إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم» (٢). وهل غاب عن المسلمين عمومًا وأولئك المشتغلين بأعراض الصالحين

стр. 3033

خصوصًا قول النبيِّ ﷺ : «إياكم والظنَّ فإن الظنَّ أكذب الحديث ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا» (١). وكان السلف رضوان الله عليهم يعيبون هذا المنهج المتخوّض في أعراض المسلمين ويخوفون أصحابه، وفي صحيح مسلم باب لا يدخل الجنة قتَّات، عن همام بن الحارث قال: كنا جلوسًا مع حذيفة ﵁ في المسجد، فجاء رجل حتى جلس إلينا، فقيل لحذيفة: إن هذا يرفع إلى السلطان أشياء، فقال حذيفة: إرادة أن يُسْمِعَه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يدخل الجنَّة قتَّات» (٢)، ألا إنها ذكرى والذكرى تنفع المؤمنين، ومن يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا ﴿ومن تاب وعمل صالحًا فإنه يتوب إلى الله متابًا﴾ [الفرقان: ٧١].

стр. 3034

نابتة القرآنية الخطبة الأولى أيها المسلمون ونبتت نابتة أخرى في بلاد المسلمين ترى التشكيك في كتب السنة، وربما أنكر أو شكك بعضهم بأحاديث صحيحة عن النبي ﷺ ، وربما بلغت الجرأة ببعضهم أن يقول: نحن بشر ومحمد بشر فما وجدنا في كتاب الله قبلناه، وما وجدنا في السنة قبلنا ما تحتمله العقول وأنكرنا ما عداه؟ وأيَّ عقل نرتضيه، ومن ذا الذي يُقدم بين يدي الله ورسوله؟ وهؤلاء مصدر خطر على وحدة الأمة واعتصامها بالكتاب والسنة، وهم سبب في فرقة الأمة وانشطارها، ومكمن خطر في حاضر الأيام ومستقبلها وأنى لهذه الأفكار أن تروج عند المسلمين الذين يعتقدون بأن السنة رديفة القرآن، وهي إحدى الوحيين، وصاحبها ﵊ هو القائل: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه» (١). والحق ﵎ يقول: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ [النساء: ٨٠]. ويقول: ﴿وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر: ٧]، وفي آية ثالثة: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا﴾ [النور: ٦٣]. والمعنى كما قيل: لا تجعلوا دعاء الرسول إذا دعاكم لأمر أو نهي كدعاء بعضكم بعضًا تجيبون إذا شئتم وتمتنعون إذا شئتم (٢). والسنة شارحة للقرآن ومبيِّنة لمجمله والله تعالى يقول لنبيه ﷺ : ﴿وأنزلنا إليك

стр. 3035

الذكر لتبين للناس ما نزِّل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ [النحل: ٤٤]. وعن هذا الضَّرب من الناس بيَّن الرسول ﷺ وحذَّر فقال: «لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا أدري، ما وجدناه في كتاب الله اتبعناه» (١). وقال عمر بن الخطاب ﵁: «إنه سيأتي أناس يأخذونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنة، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله» (٢). ويقول الزهري ﵀: «لا تُناظرْ بكتاب الله ولا بسنة رسول الله ﷺ أي: لا تجعل شيئًا نظيرًا لهما فتدعهما لقول قائل» (٣). ألا فاحذورا عباد الله هذه الدعوات المضلّلة، وتنبهوا لهذا التحرر الفكري الخطير، وإن لُبِّس بلبوس التجديد والمعاصرة والانعتاق من التقليد؟ أعوذ الله من الشيطان الرجيم ﴿فإن لم يستجيبوا لك فإنما يتبعون أهواءهم ومن أضلُّ ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ [القصص: ٥٠]. نفعني الله وإياكم بهدي كتابهن ورزقني وإياكم والمسلمين الاقتداء بالسنة أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم.

стр. 3036

الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أوحى إلى عبده فيما أوحى ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء﴾ [الأنعام: ١٥٩]، أولئك هم أهل الأهواء والبدع وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وهو القائل «إن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» (١). اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. أما بعد عباد الله فإن من أعظم أسباب الفرقة والحيدة عن الكتاب والسنة إتباع الهوى، فقد يكون صاحبه يعلم الحقَّ لكنه يُغمض عنه ويستجيب لهواه، قال الله تعالى: ﴿ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله﴾ [القصص: ٥٠]، ﴿ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله﴾ [ص: ٢٦]، وقال : ﴿وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم﴾ [البقرة: ٢١٣]. أي على علم أن الفرقة ضلالة ولكنهم فعلوه بغيًا (٢). وإتباع الهوى يبلغ بصاحبه الابتداع في الدين وعبادة الله بما لم يأذن به الله، ومن عبد الله بمستحسنات العقول فقد قدح في كمال هذا الدين، واتهم محمدًا ﷺ بعدم التبليغ، قال الإمام مالك ﵀: من أحدث في هذه الأمة شيئًا لم يكن عليه سلفها، فقد زعم أن محمدًا ﷺ خان الدين، لأن الله يقول: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: ٣]، فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا» (٣).

стр. 3037

وقد يكون الهوى رغبة في مطمع دنيوي، أو تطلعًا إلى منصب إداري أو حُلُمًا في مكانة اجتماعية، أو ليثبت نفسه أمام الناس بالمخالفة ليس إلا. والهوى - عباد الله - أيًا كانت دوافعه مرتع وخيم، وآفة مهلكة وحجاب يمنع صاحبه النور، ويفصله ويعزله عن جماعة المسلمين ﴿ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور﴾. ولقد أخبر النبي ﷺ عن أهل الأهواء وأثره فيهم وافتراق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلُّها في النار إلا واحدة في الجنة وهي الجماعة، ثم قال ﷺ : «وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجاري بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مَفْصِلٌ إلا دخله» (١). قال صاحب النهاية: «الكلب» بالتحريك: داء يَعْرِضُ للإنسان من عضِّ الكلب الكلب، فيصيبه شبه الجنون، فلا يعضُّ أحدًا إلا كلب، وتعرض له أعراض رديئة ويمتنع من شرب الماء حتى يموت عطشًا» (٢). وحذّر السلف من الأهواء فقال الربيع عن الشافعي: لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك، خير له من أن يلقاه بشيءٍ من الأهواء» (٣). وجماع الأمر أيها المسلمون والمخرج من هذا كما قال يحيى بن سعيد، سمعت أبا عبيد يقول: جمع النبي ﷺ جميع أمر الآخرة في كلمة «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردٌّ» وجميع أمر الدنيا في كلمة «إنما الأعمال بالنيات» يدخلان في كل باب» (٤).

стр. 3038

فاحرصوا على هذين الأمرين الإتباع والإخلاص تهتدوا وتسلموا. أيها المسلمون وأحيانًا تكون الحيدة عن هدي الكتاب والسنة بسبب الرغبة في زيادة الخير والغلو في الدين، والإسلام يمنع الزيادة التي لم يأذن بها الله، ولم يهد إليها رسول الله ﷺ قطعًا لمداخل الشيطان وحفاظًا على وحدة الأمة من الفرقة والشتات وحذرًا من الفتنة في الدين، وفي قصة النفر الثلاثة الذين جاءوا يسألون عن عبادة رسول الله ﷺ فكأنهم تقالّوها، وأرادوا المزيد عليها - عبرة وعظة - فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال الآخر أنا أصوم النهار ولا أفطر، وقال الآخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء النبي ﷺ إليهم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (١). وروي أن رجلًا قال لمالك بن أنس ﵀: من أين أُحرم؟ قال: من حيث أحرم رسول الله ﷺ ، قال الرجل: فإن أحرمت من أبعد منه؟ قال: فلا تفعل فإني أخاف عليك الفتنة، قال وأيُّ فتنة في ازدياد الخير؟ فقال مالك: فإن الله تعالى يقول: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ [النور: ٦٣] وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك خُصصت بفضل لم يُخصَّ به رسول الله ﷺ (٢). عباد الله ومن أسباب الزيغ والاختلاف المبالغة في الأسئلة والتكلف فيما لا يعني، والجدل العقيم واتخاذ المراء ديدندًا وطريقة، قال ﵊

стр. 3039

محذرًا: «دعونكم ما تركتم، فإنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» (١). قال ابن حجر ﵀: وفي الحديث إشارة إلى الاشتغال بالأهم المحتاج إليه عاجلًا عما لا يحتاج إليه في الحال (٢). فحري بالمسلم الصادق أن يعمل بما يعلم، ثم يسأل عما يحتاج إليه مما لا يعلمه أما إضاعة الأوقات في الخصومة والمراء، والمفاخرة والتطاول في الجدل فتلك وربي من علائم الضلال، وليست من الهدى، كما قال النبي ﷺ : «ما ضل قوم بعد هدي كانوا عليه إلا أوتوا الجدل» (٣). ألا فاتقوا الله معاشر المسلمين وكونوا عباد الله إخوانًا، واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وعليكم بالثبات على هدي الكتاب والسنة وإياكم والتلون وإتباع الأهواء، وإليكم هذا الحوار المعبر، والنصح الصادق بين صحابي وآخر، فقد دخل ابن مسعود على حذيفة ﵄ فقال: اعهد إليَّ، فقال له: ألم يأتك اليقين؟ قال: بلى وعزة ربي، قال: فاعلم أن الضلالة حقَّ الضلالة أن تعرف ما كنت تنكر، وأن تنكر ما كنت تعرف، وإياك والتلوَّن فإن دين الله واحد» (٤). اللهم ارزقنا البصيرة في ديننا والثبات على كتاب ربنا وسنة نبينا واعصمنا من الأهواء المضللة والفتن المهلكة. هذا وصلوا على النبي المصطفى.

стр. 3040

الشباب إيجابيات وسلبيات نماذج وتوصيات الخطبة الأولى (١) إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا. فئة من المجتمع تستحق الرعاية والاهتمام، نسبتها في الإحصاءات عالية، والاهتمام الدولي والمحلي بها ظاهرة، تستحوذ على اهتمام المخططين للمستقبل، بها يقاس قوة المجتمع أو ضعفه طاقتها كبيرة، والمخططات لإصلاحها أو إفسادها كثيرة هذه الفئة لها إيجابيات تستحق الإشادة والمتابعة ولها سلبيات تستوجب النظر والعلاج. إنهم الشباب (الفتيان والفتيات) لفت القرآن الإشارة إليهما ﴿قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم﴾ وأصحاب الكهف ﴿إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى﴾. وجاء في السنة النبوية العناية بهما «وشاب نشأ في طاعة الله» «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج» وفي السيرة النبوية اعتمد النبي ﷺ على الشباب في الدعوة والهجرة، والجهاد، وتعلم العلم وتعليمه وهل كان أصحاب محمد ﷺ إلا شبابًا أحداثًا .. ومصعب بن عمير ومعاذ بن جبل، وعلي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد، وعبد الله بن الزبير، وابن عباس وابن عمر، وخالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل نماذج لهؤلاء الشباب وفي مجالات متعددة.

стр. 3041

أخوة الإسلام العناية بالشباب عناية بالمجتمع فهم يمثلون (نسبة كبيرة) منه، وفاعلة فيه والالتفات للشباب عناية بالمستقبل، فهؤلاء هم رجالاته وصانعوا تاريخه. إن المتأمل في وضع الشباب، يرصد إيجابيات تسرُّ وتفرح ومنها الحرص على الصلاة والإقبال على المساجد، والانخراط في حِلَقْ تحفيظ القرآن، والبحث عن السنة ومحاولة الالتزام بها والمشاركة في الدعوة، وطلب العلم، ومحبة العلماء، ومحاولة تقديم النموذج الأمثل للشباب، والبر والصلة، والإحسان والحسبة. وأيًا ما كان إجادة الشباب أو الشابات في هذه الأمور أو غيرها، أو تقصيرهم .. فالرغبة موجودة والدافع وإن ضعف يقوى، والملاحظات وإن وردت تُعالج، والجميل أن لدى الشباب استعدادًا للتوجيه، وقدرة على تطوير الذات وهذه وتلك تفرح وتسر. لكن ثمة ما يحزن ويؤلم ويحتاج إلى وعي بالداء ومعرفة بوضع الدواء، وصبر على المتابعة والتربية. إنها أخطاء يقع فيها الشباب .. ممارسات سلوكية مشينة وفراغ قاتل، وتسكع في الشوارع واعتداء على الآخرين وغيبة في الاستراحات - ولا تسأل عن موائدها - وخروج عن البيت وغيبة عن الأهل لساعات طوال لا يدري الأبوان فضلًا عن الأخوان والأخوات أين يكون هذا الشاب؟ نهم في العكوف على الفضائيات وأي فضائيات - إنها سارقة الدين والخلق، مثيرة الغرائز والفتن. وانشغال ولساعات طوال في الشبكات العنكبوتية، ولا سيما في مواقع مشبوهة، ومحادثات ودردشات هابطة وإدمان على مشاهدة برامج معينة في ما

стр. 3042

يسمى (بالسني) أو ما يسمى بـ (بلي ستيشن) وما فيها من غزو للأفكار والمعتقدات. ضعف في الدراسة وعقوق للوالدين وانطواء وعزلة عن الأسرة والمجتمع، تهور في القيادة وتسبب في قتل أنفس بريئة .. تهافت على الوجبات السريعة وزهد في طعام الأهل وموائد الأسرة ويسوءك في هذه النوعية من الشباب سهر مفرط - وعلى غير فائدة - بل ربما كان على أمور مشبوهة. ونوم ولساعات طوال في النهار يفوِّت الصلوات المكتوبة ويكون على حساب العمل أو الدراسة، ويشكل خطرًا يهدد الصحة ويدعو للانطواء والسلبية فماذا ترجوا من شباب يطيل السهر أن يقدم خدمات لأهله وأسرته. وربما نفعهم البعيد والقريب يغط في نوم عميق؟ والأخطر من ذلك حين يساق الشاب إلى مجتمعات وشلل من الشباب قلَّ دينها، أو يغرر به في الدخول إلى نفق المخدرات والمسكرات إنها خسارة للفرد والمجتمع وخطر وقلق على الأهل ومن سواهم. وحين يكون الحديث عن الشباب والجوال فالحديث يطول، ومكالمات تحصد الدرهم والدينار وتحصد قبل ذلك المُثُل والأخلاق، ورسائل تُبعث عبر بريد الرسائل يندى لها الجبين، وصور فاخمة يتبادلها الشباب وربما الشابات عبر تقنية البلوتوث أو غيرها وتلك تثير الغرائز وربما كانت سببًا في الوقيعة في المحظور. ومواعيد تربط عبر الجوال عبر أحداث وربما وقعت في فخهم فتيات أغرار فكانت الفتنة ومن يراقب الجوال؟ وإن شئت أن تقع على الداء فاذهب إلى محلات بيعها لترى معظم نوعية زبائنها؟ يا أيها الشباب وحين تهدى إليكم نصائح فاقبلوها، أو على الأقل تأملوا في جدواها.

стр. 3043

إنكم مَعْقِدْ أمل للأهل والمجتمع والدولة والأمة فأين تضعون أنفسكم؟ إن سكرة الشباب قد تلهيكم ولكن النظرة بعمق لمستقبلكم توقظ مشاعركم. يا أيها الشباب طاقتكم أمانة فارعوها، وصحتكم نعمة فلا تغبنوا فيها وأوقاتكم غالية فإياكم أن تقتلوها، ومعدنكم ومعتقدكم من الأصالة والطيب فإياكم أن تذبحوها على قارعة الطرقات والقنوات. يا معشر الشباب لن تزول أقدامكم يوم القيامة حتى تُسألوا عن شبابكم وأعماركم فيما أفنيتموها، فأعدوا للسؤال جوابًا يا معشر الشباب أيسركم أن يكون شباب الأمم الأخرى غارقين في الدراسة والبحث، مشاركين في بناء الحضارة، ووضع لبنات المستقبل، وأنتم في لهوكم غافلون وعن تطلعات بلدكم وأمتكم سادرون. ﴿من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ [النحل: ٩٧]. إن العناية بالشباب (فتيان كانوا أم فتيات) ينبغي أن يستحوذ على اهتمام المربين (تعقد له الاجتماعات وتناقش السلبيات والإيجابيات ونخلص إلى توصيات تُتَابع لا تُحفظ. وعلى رعاية ووقاية الآباء والأمهات فهم أغلى كنز، وأحق من توجه له التربية، زينة في الدنيا، ورصيد بعد الممات، وذكر ومفخرة للأحياء والأموات وعلى الجهات الدعوية والاحتسابية أن تخصهم ببرامج توعية متميزة، وتوضع لهم الدورات والمسابقات، وتدعم بالجوائز والمحفزات .. وليس خسارة ما ينفق على هؤلاء وأولئك وعلى الجهات الأمنية أن تراقب وتتابع، وتشخص المشكلات وتقترح العلاج، وأن تغطي الجوانب التربوية والتوعوية في هذه القطاعات ما عسى الله أن يفتح به على قلوب من بُلي بقضايا أمته تخل بالشرف

стр. 3044

والعرض وتخرم المروءة وتهدد المجتمع وعلى القطاعات المعنية بالشباب وسواء كانت رسمية (كرعاية الشباب) أو خيرية كالندوة العالمية للشباب أن تطور في خدماتها، وتوسع دائرة مناشطها، وتسهم بفاعلية في حل مشكلات الشباب واستثمار طاقاتهم بما يفيدهم ويفيد مجتمعهم. وعلى وسائل الإعلام أن تخصص برامج للشباب وتكون من القوة والجاذبية بحيث تشكل بديلًا نافعًا عن عدد من وسائل الإعلام التي فتنت الشباب أن للكلمة وقعها .. وللحوارات، والمنتديات والقصة والشعر، وغير ذلك من مفردات الإعلام أثر لا يستهان به. والمهم أن نستشعر جميعًا موقع هؤلاء الشباب ومسئوليتنا تجاههم، ومع ذلك وقبله أن يستشعر الشباب موقعهم ويضعوا أنفسهم في الموقع المناسب لهم.

стр. 3045

الخطبة الثانية الحمد لله يستحق الحمد والثناء، ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾، وإذا مسكم الضر ضل من تدعون إلا إياه. يا معشر الفتيان والفتيات ويكفي أن نذكركم بنموذجين صالحين للشباب يمثل الذكور (أبو جندل) عبد الله بن سهيل بن عمرو ﵄ ويمثل الإناث (أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط) ﵂ وكلاهما كان أبواهما من قادة قريش منهم من هلك قبل (عقبة) ومنهم من هو سيد المفاوضات في صلح الحديبية وخبرهما جاء في صحيح البخاري. أما أبو جندل فقصته وعصاميته وولاءه للإسلام وأهله تبدأ قبل صلح الحديبية حيث كان من السابقين إلى الإسلام، وممن عُذب على إسلامه فثبت، وحين خرج أهله لبدر، خرج معهم لكنه انحاز إلى المسلمين، ثم أُسر بعد ذلك وعُذِب ليرجع عن دينه فثبت فلما كان صلح الحديبية جاء يرسف في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال أبوه (سهيل) هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن تردَّه إليَّ، فقال النبي ﷺ إنا لم نقض الكتاب بعد .. فأبى سهيل فلما أجيز للمشركين قال أبو جندل: أي معشر المسلمين أردُّ إلى المشركين وقد جئت مسلمًا؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عُذِّبَ عذابًا شديدًا في الله (١). ثم استطاع أبا جندل أن يفرَّ مع أبي بصير إلى الساحل وهناك شكلوا خطرًا يهدد تجارة قريش .. حتى طلبت قريش من النبي ﷺ أن يردهم إليه في المدينة.

стр. 3046

وحين فتحت مكة كان الشاب (أبو جندل) هو الذي استأمن لأبيه (سهيل بن عمرو) وطلب الجوار حتى أسلم (سهيل) وأخيرًا شهد (أبو جندل) اليمامة لقتال مسيلمة فكان آخر شهدائها ﵁ وأرضاه (سنة ١١) (١). وتلك صفحات ناصعة لهذا الشباب في الثبات والجهاد وعلو الهمة، ومقاومة الكفر وأهله. أما النموذج الأخير فهي (أم كلثوم) بنت أحد أعداء النبي ﷺ البارزين، قتل أبوها في بدر وبقي إخوانها وأخواتها على الكفر أما هي ورغم حداثة سنها فقد رغبت في الإسلام وتحدت أهلها وخرجت مراغمة لهم حين أتيحت لها الفرصة. وفي البخاري في قصة صلح الحديبية وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله يومئذ -وهي عاتق- يعني شابة لم تتزوج، فجاء أهلها يسألون النبي ﷺ أن يرجعها إليهم فلم يرجعها حين نزل ﴿فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾ (٢). أم كلثوم هذه هي التي قال عنها ابن سعد: ولا نعلم قرشية خرجت من بين أبويها مسلمة مهاجرة إلى الله ورسوله إلا أم كلثوم (٣). إنما نموذج آخر لصدق المرأة وثباتها رغم البلاء والمحن، والصدود والإعراض، والإغراء والفتن تجاوزت به أم كلثوم ضعف النساء لتسجل في قائمة الثابتين على الحق والمهاجرين في سبيل الله. فنعمت الهجرة إلى الله ورسوله ونعمت المرأة أم كلثوم؟

стр. 3047

يا معشر الفتيان والفتيات أين أنتم من هذه النماذج أليس مصيركم كمصيرهم؟ ماذا بقي لهؤلاء السابقين إلا الذكر الحسن .. والذكر للمرء عمر ثان. يا معشر الشباب لابد للشمس من غروب، ولابد للشباب من المشيب هذا إن عمروا .. ويا ليتكم تتأملون قول الشاعر: يعمر واحد فيغرُّ قومًا ... ويُنسى من يموت من الشباب قال ابن الجوزي ﵀: يجب على كل من لا يدري متى يبغته الموت أن يكون مستعدًا ولا يغتر بالشباب والصحة فإن أقل من يموت من الأشياخ وأكثر من يموت من الشباب، ولهذا يندر من يكبر ويبلغ الشيخوخة (١). يا معشر الشباب أيكم صاحب القلبين: قلب يتألم به وآخر به يتأمل؟ ألا تقدرون أن تكونوا كالنخلة تراها عن الأحقاد مرتفعة وبالطوب تُرمى فتُلقي أطيب الثمر. وكونوا كالنحلة أين وقعت فالعسل لا يفارقها وما يخرج من بطونها شفاء للناس والتعاون والجدية والعمل ديدنها. وهل يكون مثلكم عثمان ﵁ فقد خطب على المنبر وقال: والله ما تغنيت ولا تمنيت ولا زنيت في جاهلية ولا إسلام، وما تركت ذلك تأثمًا ولكن تركته تكرمًا (٢). يا أيها الشباب كيف تفكر في مستقبلك؟ وما هي طموحاتك، وبرامجك ما وزن الدنيا والآخرة في نظرك؟ وكيف تضبط جنوحك وتستثمر طاقتك فكر ساعة، واعمل مثلها، واصبر في الساعة الثالثة تذل لك الصعاب وترتق مراق العز والشرف، ليكن قدوتك الشباب الجادين، وإياك ومصاحبة البطالين، كن

стр. 3048

لأبويك كالظل، ولإخوانك كالنحل، ولمجتمعك كالنخلة لا تكن كلًّا على المجتمع، ولا شغلًا لرجالات الأمن، ولا مشكلة لرجالات التعليم، أمامك مشوار طويل للحياة وفي طريقك تحديات، وأمامك فرص للنجاح والفشل، فخذ من شبابك لهرمك، ومن فراغك لشغلك، ومن صحتك لسقمك وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا قامت القيامة وبيدك فسيلة فاغرسها كان الله في عونك وسدد على طريق الخير خطاك، وحفظك ووقاك وجعلك قرة عين لوالديك وللمسلمين.

стр. 3049

الثقافة الوافدة ومعرض الكتاب بالرياض ؟ (*) ٤/ ٣/ ١٤٢٨ هـ الخطبة الأولى الحمد لله علّم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له أعلى من شأن العلم ورفع منزلة العلماء فقال تعالى: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب﴾. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله كان أول ما نزل عليه ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ وأوحى إليه ربَّه ﴿وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيمًا﴾ اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أوصيكم ونفسي - معاشر المسلمين - بتقوى الله، ومن يتق الله يجعل له مخرجًا، ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرًا. أخوة الإسلام .. حين يكون الحديث عن العلم والمعرفة والكتاب ومعارضه فلابد من توطئة تقول: نحن أمة العلم ومحطة العلماء، فمنذ أشرق نور الإسلام بـ ﴿اقرأ﴾ والمسلمون وفي مقدمتهم محمد ﷺ يقرؤون لكن باسم ربِّهم لا باسم (يغوث، ويعوق، ونسرًا) وغيرهم ممن أضل كثيرًا، ولم ينفع فتيلًا للقلم ظل في حضارتنا، فبه عُلِّم الإنسان ما لم يعلم، وبه أقسم الباري تعظيمًا وتأكيدًا ﴿ن والقلم وما يسطرون﴾ العلم زادنا ومحل دعائنا ﴿وقل رب زدني علمًا﴾ والعلماء الربانيون تيجان ورموز فوق هامتنا ﴿يرفع الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾. وحين يكون الحديث عن الثقافة فنحن من وعى الثقافة وحررها ونقاها ثم صدَّرها، في وقت كانت الثقافة نصوصًا تحفظ أو ممارسات خاطئة تقسِّم الشعوب طبقات، وتورثها بهذه الطبقية ظلمًا وعدوانًا وإرهابًا وإقصاءً.

стр. 3050

لقد شعت أنوار حضارتنا فأضاءت الكون بنورها، وتنفَّس المظلومون والمضطهدون الصُعداء على أفياء عدلها وأصالتها نحن أهل الثقافة لكنها الثقافة الأصيلة التي تحفظ للفرد كرامته، وللمجتمع أمنه، وللحاكم والمحكوم حقوقهما لم تكن ثقافتنا سلبية أو نصوصًا جامدة، بل حَدَتْ بنا إلى الابتكار والتجديد والإنتاج والتحفيز، والطموح في كل ميدان .. لكن ﴿باسم ربك الذي خلق﴾. كانت هذه الثقافة الإيمانية الأصيلة تفسر لنا كلَّ شيء في هذا الكون بصدق منطق، واعتدال نظرته وشمول في الرؤية، لا تناقض ولا حيرة بل هداية ويقين ﴿تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾. وسارت هذه الحضارة وانتشرت هذه الثقافة في كل مكان، ولا تزال مكتبات العالم كله تحتفظ بمخطوطات علمائنا وتشهد على إنجاز حضارتنا. وما يزال العلماء إلى عصرنا يحققون في هذا التراث الضخم، ويساهم المسلم وغير المسلم في تحقيق هذا التراث، ويشترك غير المسلمين مع المسلمين في الإعجاب بهذا التراث الضخم. ولئن لم يسلم هذا التراث الإسلامي من الاعتداء والغزو، والتحريف والتشكيك فتلك سنة من سنن الله في التدافع والصراع بين الحق والباطل، وبين أهل الإسلام وملل الكفر.
следующие страницы →