وحين فتحت مكة كان الشاب (أبو جندل) هو الذي استأمن لأبيه (سهيل بن عمرو) وطلب الجوار حتى أسلم (سهيل) وأخيرًا شهد (أبو جندل) اليمامة لقتال مسيلمة فكان آخر شهدائها ﵁ وأرضاه (سنة ١١) (١).
وتلك صفحات ناصعة لهذا الشباب في الثبات والجهاد وعلو الهمة، ومقاومة الكفر وأهله.
أما النموذج الأخير فهي (أم كلثوم) بنت أحد أعداء النبي ﷺ البارزين، قتل أبوها في بدر وبقي إخوانها وأخواتها على الكفر أما هي ورغم حداثة سنها فقد رغبت في الإسلام وتحدت أهلها وخرجت مراغمة لهم حين أتيحت لها الفرصة.
وفي البخاري في قصة صلح الحديبية وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله يومئذ -وهي عاتق- يعني شابة لم تتزوج، فجاء أهلها يسألون النبي ﷺ أن يرجعها إليهم فلم يرجعها حين نزل ﴿فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾ (٢).
أم كلثوم هذه هي التي قال عنها ابن سعد: ولا نعلم قرشية خرجت من بين أبويها مسلمة مهاجرة إلى الله ورسوله إلا أم كلثوم (٣).
إنما نموذج آخر لصدق المرأة وثباتها رغم البلاء والمحن، والصدود والإعراض، والإغراء والفتن تجاوزت به أم كلثوم ضعف النساء لتسجل في قائمة الثابتين على الحق والمهاجرين في سبيل الله. فنعمت الهجرة إلى الله ورسوله ونعمت المرأة أم كلثوم؟
стр. 3047
يا معشر الفتيان والفتيات أين أنتم من هذه النماذج أليس مصيركم كمصيرهم؟ ماذا بقي لهؤلاء السابقين إلا الذكر الحسن .. والذكر للمرء عمر ثان.
يا معشر الشباب لابد للشمس من غروب، ولابد للشباب من المشيب هذا إن عمروا .. ويا ليتكم تتأملون قول الشاعر:
يعمر واحد فيغرُّ قومًا ... ويُنسى من يموت من الشباب
قال ابن الجوزي ﵀: يجب على كل من لا يدري متى يبغته الموت أن يكون مستعدًا ولا يغتر بالشباب والصحة فإن أقل من يموت من الأشياخ وأكثر من يموت من الشباب، ولهذا يندر من يكبر ويبلغ الشيخوخة (١).
يا معشر الشباب أيكم صاحب القلبين: قلب يتألم به وآخر به يتأمل؟
ألا تقدرون أن تكونوا كالنخلة تراها عن الأحقاد مرتفعة وبالطوب تُرمى فتُلقي أطيب الثمر.
وكونوا كالنحلة أين وقعت فالعسل لا يفارقها وما يخرج من بطونها شفاء للناس والتعاون والجدية والعمل ديدنها.
وهل يكون مثلكم عثمان ﵁ فقد خطب على المنبر وقال: والله ما تغنيت ولا تمنيت ولا زنيت في جاهلية ولا إسلام، وما تركت ذلك تأثمًا ولكن تركته تكرمًا (٢).
يا أيها الشباب كيف تفكر في مستقبلك؟ وما هي طموحاتك، وبرامجك ما وزن الدنيا والآخرة في نظرك؟ وكيف تضبط جنوحك وتستثمر طاقتك فكر ساعة، واعمل مثلها، واصبر في الساعة الثالثة تذل لك الصعاب وترتق مراق العز والشرف، ليكن قدوتك الشباب الجادين، وإياك ومصاحبة البطالين، كن
стр. 3048
لأبويك كالظل، ولإخوانك كالنحل، ولمجتمعك كالنخلة لا تكن كلًّا على المجتمع، ولا شغلًا لرجالات الأمن، ولا مشكلة لرجالات التعليم، أمامك مشوار طويل للحياة وفي طريقك تحديات، وأمامك فرص للنجاح والفشل، فخذ من شبابك لهرمك، ومن فراغك لشغلك، ومن صحتك لسقمك وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا قامت القيامة وبيدك فسيلة فاغرسها كان الله في عونك وسدد على طريق الخير خطاك، وحفظك ووقاك وجعلك قرة عين لوالديك وللمسلمين.
стр. 3049
الثقافة الوافدة ومعرض الكتاب بالرياض ؟ (*)
٤/ ٣/ ١٤٢٨ هـ
الخطبة الأولى
الحمد لله علّم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له أعلى من شأن العلم ورفع منزلة العلماء فقال تعالى: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب﴾.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله كان أول ما نزل عليه ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ وأوحى إليه ربَّه ﴿وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيمًا﴾ اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أوصيكم ونفسي - معاشر المسلمين - بتقوى الله، ومن يتق الله يجعل له مخرجًا، ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرًا.
أخوة الإسلام .. حين يكون الحديث عن العلم والمعرفة والكتاب ومعارضه فلابد من توطئة تقول: نحن أمة العلم ومحطة العلماء، فمنذ أشرق نور الإسلام بـ ﴿اقرأ﴾ والمسلمون وفي مقدمتهم محمد ﷺ يقرؤون لكن باسم ربِّهم لا باسم (يغوث، ويعوق، ونسرًا) وغيرهم ممن أضل كثيرًا، ولم ينفع فتيلًا للقلم ظل في حضارتنا، فبه عُلِّم الإنسان ما لم يعلم، وبه أقسم الباري تعظيمًا وتأكيدًا ﴿ن والقلم وما يسطرون﴾ العلم زادنا ومحل دعائنا ﴿وقل رب زدني علمًا﴾ والعلماء الربانيون تيجان ورموز فوق هامتنا ﴿يرفع الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾.
وحين يكون الحديث عن الثقافة فنحن من وعى الثقافة وحررها ونقاها ثم صدَّرها، في وقت كانت الثقافة نصوصًا تحفظ أو ممارسات خاطئة تقسِّم الشعوب طبقات، وتورثها بهذه الطبقية ظلمًا وعدوانًا وإرهابًا وإقصاءً.
стр. 3050
لقد شعت أنوار حضارتنا فأضاءت الكون بنورها، وتنفَّس المظلومون والمضطهدون الصُعداء على أفياء عدلها وأصالتها نحن أهل الثقافة لكنها الثقافة الأصيلة التي تحفظ للفرد كرامته، وللمجتمع أمنه، وللحاكم والمحكوم حقوقهما لم تكن ثقافتنا سلبية أو نصوصًا جامدة، بل حَدَتْ بنا إلى الابتكار والتجديد والإنتاج والتحفيز، والطموح في كل ميدان .. لكن ﴿باسم ربك الذي خلق﴾.
كانت هذه الثقافة الإيمانية الأصيلة تفسر لنا كلَّ شيء في هذا الكون بصدق منطق، واعتدال نظرته وشمول في الرؤية، لا تناقض ولا حيرة بل هداية ويقين ﴿تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾.
وسارت هذه الحضارة وانتشرت هذه الثقافة في كل مكان، ولا تزال مكتبات العالم كله تحتفظ بمخطوطات علمائنا وتشهد على إنجاز حضارتنا.
وما يزال العلماء إلى عصرنا يحققون في هذا التراث الضخم، ويساهم المسلم وغير المسلم في تحقيق هذا التراث، ويشترك غير المسلمين مع المسلمين في الإعجاب بهذا التراث الضخم.
ولئن لم يسلم هذا التراث الإسلامي من الاعتداء والغزو، والتحريف والتشكيك فتلك سنة من سنن الله في التدافع والصراع بين الحق والباطل، وبين أهل الإسلام وملل الكفر.
стр. 3051
ولكن الداء العضال حين يتطاول على هذا التراث الأصيل من أبناء الإسلام، مدعيًا التجديد فيه، أو راكبًا قطار الآخرين، أو متدثرًا بحرية النقد، وهم إنما يرومون التشكيك في الأصول والتطاول على الثوابت، ونشر الفكر المنحل، وترويج الثقافة العفنة .. ومن هنا صدرت كتب في الإلحاد والزندقة، وكتبت روايات في الجنس تدعو لإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا وألِّفت كتب في الأدب تعتمد الحداثة الغربية، وتحطم الأطر وتنفلت من كل قيد حتى خُشيت بسبِّ الدين والسخرية من القيم، بل تطاولت على ربِّ العالمين - تعالى وتقدس - وألِّفت كتب أخرى في التاريخ تطعن بخير القرون، وتقرأ التاريخ قراءة مادية نفعية، وتسلط الضوء - أكثر - على السقطات، وتهمل الشامخات، وتدَّعي تحرير التاريخ أو إنقاذ التاريخ .. وهي تطعن فيه بالصميم! !
وهكذا الأمر في علم الاجتماع أو التربية - أو نحوها من العلوم الإنسانية - التي شوّهها أدعياء الإصلاح، ومن تسمون أحيانًا بالنخب المثقفة .. وللحق والعدل فثمة كتابات ومؤلفات في هذه الفنون .. تعتبر أنموذجًا للمنهج العلمي الرصين، وللعزة بالإسلام وأهله.
إخوة الإسلام .. ولئن كان هذا الركام الثقافي المستغرب واحدة من مشكلات الأمة ومعوقاتها عن النصر - إذ هو بوق للأعداء ومبشر بحضارتهم وداع لقيمهم - وتلك الحضارة المبشر بها هي اليوم التي تحاصر المسلمين في عقر دورهم وتعيق تقدمهم، بل تقتل شعوبهم وتستعمر بلادهم وتنهب خيراتهم؟ !
стр. 3052
أقول لئن كان هذا الفكر وتلك الثقافة معوقًا لنهوض الأمة - وهذا في حد ذاته بليَّة - فالبلية الأعظم حين يُسوَّق لهذا الفكر، وتروَّج هذه الثقافة في بلاد المسلمين أجل لقد استنكر الناس عامة وأهل العلم، والمثقفون بخاصة ما حدث في معرض الرياض الدولي للكتاب الأخير ١٠ - ١٩/ ٢/ ١٤٢٨ هـ حيث حملت قوائمه كتبًا في الإلحاد والزندقة، وبيعت روايات تحكي الدعارة وتروج للمجون وتكشف للأحداث والنساء صنوف الممارسات الجنسية الشاذة.
وضعفت الرقابة في المعرض إلى حد بيعت فيه محرمات دولية، واعتدى على مقام الألوهية والنبوة، ولم تكن سياسة الدولة وأنظمتها بمنأى عن النقد .. حيث شملت أروقة المعرض على كتب تناهض سياسة الدولة (١)
стр. 3053
وضّح الناس، واستنكر أهل العلم، ووصلت قضية المعرض إلى قبة مجلس الشورى، وطالب عدد من أعضاء المجلس بمساءلة الوزارة المشرفة على تنظيم المعرض، ومحاكمة مسئوليها إلى أنظمة الدولة ولوائحها التي تنص على احترام القيم الإسلامية وتؤكد على محاربة الفكر الفاسد، وتجعل من الشريعة الإسلامية أساسًا للحكم والتحاكم، ولا يزال السؤال واردًا على وزارة الثقافة والإعلام كيف سمحت لعدد من الكتب الممنوعة والمناهضة لسياسة البلد وتوجيهه أن تُعرض في معرض الرياض الدولي للكتاب؟ ولا تدري ماذا سينتهي إليه طلب أعضاء مجلس الشورى حضور الوزير للمساءلة؟
إن دولة ترعى المقدسات الإسلامية، وتحمي الحقوق المشروعة حرية بأن تساءل أي مسئول يتجاوز هذه السياسة، وأن تضع حدًا لمن يتجاوز الأطر الشرعية والنظامية.
أن بلادنا موئل الوحي ومهبط الرسالة، وقبلة العالم الإسلامي، لا ينبغي بحال أن يخرق سفينتها من يتجرأ ثم يعتذر، ثم تتكرر الأخطاء وتتجاوز الأخطاء المعرض إلى وسائل الإعلام التي خرجت عن إطار السياسة الإعلامية العليا للدولة .. ولا يزال أهل العلم والرأي وأصحاب الشورى وأساتذة الجامعات وغيرهم يتطلعون إلى وقفة تصحيحية من الدولة وفقها الله تعيد الحق في نصابه، وتردم فجوة صنعها ويصنعها المتعجلون في تغريب البلد.
إن هؤلاء المتعجلين - في التحديث - كما يرون، يزرعون تعجلًا آخر، ويهيئون أرضًا للغلو، ويتيحون فرصًا للإرهاب ليست بلادنا بحاجة إليها .. بل طالما عانت من ويلاتها .. إن بيئة الغلو تنمو حيث يكون الغلو الآخر، وأبرز وسائل مقاومة الغلو والتطرف محاربة الفساد الفكري، وسد منافذ الإلحاد والزندقة.
стр. 3054
وإذا رعت بلادنا - وفقها الله للخير - مؤتمرات أو ملتقيات لصحة البيئة فلأن ترعى صحة الفكر وسلامة المعتقد من باب أولى، وصحة البيئة الفكرية والقيمية ركن مهم في سلامة البيئة وصحتها بمفهومها الأعمق والأشمل.
وإذا كان لبلادنا - بلاد الحرمين - سبق مشكور في الاحتجاج على إساءة الدانمرك للإسلام ونبيه ﷺ وللمسلمين فمن غير المعقول أن ترضى أن يساء للدين والقيم والإسلام والمسلمين بل ويتطاول على رب العباد .. في أرضها وعبر وزارة من وزاراتها.
لقد استنكر عدد من مسئولي الدولة ما جرى في معرض الرياض من عبث في الثقافة باسم الثقافة، ومن ترويج للكتب الساقطة والممنوعة باسم الحرية .. ولا يزال الناس بانتظار الخطوة الأخرى لهذا الاستنكار، وحذَّر مفتي عام المملكة في خطبة الجمعة من بيع أو شراء الكتب المنحرفة أما اعتراف المسئولين بوزارة الثقافة والإعلام بوجود تجاوزات في المعرض، وحصول الخطأ فهذا وحده لا يكفي .. فكيف يعالج الخطأ وقبل ذلك كيف ومن المسئول عن هذا الخطأ.
إن الناس من الوعي بدرجة لا يكفي فيها مجرد الاعتراف والاعتذار البارد، بل لابد من خطوات عاجلة لما حصل، وخطوات مستقبلية تضمن عدم تكرار الخطأ أعوذ بالله ﴿ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد﴾.
стр. 3055
الخطبة الثانية
الحمد لله ذي العزة والكبرياء.
أيها المسلمون هل يمكن اعتبار ما وقع في معرض الرياض الدولي للكتاب زلة أو خطأ غير مقصود؟ وهل يُعد المعرض حالة استثنائية في التجاوز لم يسبق لها مثيل؟ إن المتأمل بعمق لما يجري في ساحتنا الفكرية والثقافية يرى أن المعرض حلقة في سلسلة - يروم أصحابها تغريب البلد - والتفلّت من أنظمته وسياساته، عبر عدد من الأساليب والآليات، يطرح ذلك عبر وسائل الإعلام المختلفة لوجود عدد من المتنفذين فيها من أصحاب هذا التوجه، ويُمارس عبر ملتقيات اقتصادية، وإعلامية - ليس (منتدى جدة) الاقتصادي إلا واحدًا منها، ويتجاوز ذلك إلى لقاءات مشبوهة مع الآخرين في السفارات أو غيرها، وفي داخل البلاد أو خارجها والله أعلم بما يدور في هذه اللقاءات؟ !
إن ما وقع في المعرض الدولي للكتاب في الرياض سبقه تنظير وتخطيط حيث أقيمت ندوة في المعرض السابق عن الرقابة على المطبوعات، وكان الحديث مركزًا وجريئًا على تجاوز هذه السياسة في عالم اليوم المنفتح، وأنه لا يمكن الرقابة في زمن التحرر والانفتاح .. وجاء هذا المعرض ليكون خطوة عملية لهذا التنظير والتوجه، ولا ندري ما هي الخطوة الأخرى التي يفكر بها القوم مستقبلًا؟
إن المفارقات العجيبة والتناقض المخزي لأصحاب هذا الفكر .. أن تبح حناجرهم وتكاد تجف أقلامهم من تحذير شبابنا عن التأثر في محاض حلق تحفيظ القرآن الكريم والمراكز الصيفية .. ونحوها من مناشط ترعاها الدولة ويشرف عليها أخيار مؤتمنون - كذلك نحسبهم والله حسبنا وإياهم ولا نزكي على الله أحدًا - ثم ترى هؤلاء لا يرحمون الشباب ولا يقلقون عليهم وهم يقعون فريسة لهذه الكتب الإلحادية والإباحية والشذوذ الفكري والجنسي والاختراق الثقافي؟ !
تُرى أي أثر ستصنعه هذه الثقافة الوافدة في عقول الفتيان والفتيات وما نوع هذه الشريحة من المجتمع التي ستتغذى على هذا الفكر، وستخرج علينا غدًا؟
стр. 3056
إننا مؤتمنون على فكر الشباب والشابات وأخلاقهم وقيمهم، وإذا تسارعت الدول والأمم على صياغة عقول شعوبها على فكر الدولة وقيمها - وقد تكون قيمًا بالية - أفلسنا أولى أهل الإسلام أن نصوغ عقول وأفكار شعوبنا على هدي من شريعة الله وهدي محمد ﷺ ؟
﴿أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون﴾.
إننا - أهل الإسلام - لا نستنكر (الحرية) بل هي قيمة كبرى في إسلامنا وحضارتنا لكنها الحرية المنضبطة بضوابط الشرع وليست على حساب القيم والأخلاق والثوابت والمحكمات في الدين.
إن الحرية المجردة من الضوابط عبث ومجون وفساد واعتداء على الآخرين ولا تعارض عندنا بين الحرية المكفولة (والرقابة) المهذبة .. فتلك - أعني الرقابة - مبدأ مقرَّ في شريعتنا - وما ضر عمر ومن هو عمر ﵁ والنبيُّ ﷺ يوجهه ويراقبه وينهاه عن النظر في (التوراة).
وإذا نُهي عمر عن النظر في التوراة فكيف الحال إذا عرضت أو بيعت التوراة والإنجيل في معرض الرياض الدولي على شباب أغرار أو فتيات ناشئات؟ أو حتى على كهول وكاهلات؟ ! إنها واحدة من هنات وتجاوزات المعرض؟ بل هي إحدى الكبر؟
стр. 3057
ومن المقرر عند علماء الملة أن ليس كل علم نافع، بل في العلوم ما يضر، وما يحسن حجبه عن عامة الناس، ولذا حين كانت حركة الترجمة في زمن المأمون العباسي ونقل وترجم فيها الغث والسمين، لم تكن محل رضا العالمين، ولم تورث الأمة تقدمًا قدر ما أورثته تفرقًا وفتنة، يقول الذهبي ﵀ وحين استُخْلف المأمون على رأس المائتين نجم التشيع وأبدى صفحته، وبزغ فجر الكلام، وعُربت حكمة الأوائل، ومنطق اليونان، ونشأ للناس علم جديد مرد مهلك، لا يلائم علم النبوة ولا يوافق توحيد المؤمنين، قد كانت الأمة منه في عافية وقويت شوكة الرافضة والمعتزلة وحمل المأمون المسلمين على القول بخلق القرآن إلى أن يقول إن من البلاء أن تعرف ما كنت تنكر، وتنكر ما كنت تعرف، وتقدم عقول الفلاسفة ويعزل منقول إتباع الرسل، ويماري في القرآن ويُتبرم بالسنن والآثار، وتقع في الحيرة، فالفرار قبل حلول الدمار وإياك ومضلات الأهواء، ومجارات العقول، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم. (تذكرة الحفاظ ١/ ٣٢٨، ٣٢٩).
ويحذر الذهبي في موطن آخر من كتبه عن بعض العلوم ويقول: والعلم الذي يحرم تعلمه ونشره علم الأوائل، واللاهيات وإلهيات الفلاسفة وبعض رياضيهم بل أكثره، وعلم السحر ثم يذكر من ذلك الشعر الذي يُعرض فيه إلى الجناب النبوي فالعلوم الباطلة كثيرة جدًا فالتحذر .. ثم يرى الذهبي إن الأحاديث المكذوبة الواردة في الصفات لا يحل بثها إلا للتحذير من اعتقادها، وإن أمكن إعدامها فحسن. (السير ١٠/ ٦٠٤).
ترى ماذا سيقول الذهبي لو أبصر ما فوق ذلك؟
إنها جنايات على الفكر والمعتقد، واختراقات أخلاقية وأمنية وانقلابات فكرية، وغزو ثقافي، واجب العقلاء والغيورين وأهل الغيرة الإسلامية، والوطنية الصادقة أن يتصدوا لها، ويكشفوا أستار المخططين والمنفذين لها.
стр. 3058
وبعد - إخوة الإسلام - فقد نشرت عدد من الصحف المحلية أن المعرض القادم سيكون في القصيم وسيفتح أبوابه من الثالث والعشرين لهذا الشهر/ ربيع أول ولمدة عشرة أيام، وأعلنت المسئولة في الجهة المنظمة للمعرض أن جميع الجهات ودور النشر التي شاركت في معرض الرياض ستشارك في هذا المعرض، وتحت مظلة وزارة التعليم العالي، وإن الأخطاء التي وقعت في معرض الرياض سيتم تلافيها في معرض القصيم .. (عكاظ/ الثلاثاء/ ٢٣/ ٢/ ١٤٢٨ هـ)
ونأمل أن تكون أول خطوة تتخذ في سبيل تلافي أخطاء المعرض السابق أن تمنع دور النشر والمكتبات التي ضُبطت عليها مخالفات وسُجِلَ عليها تجاوزات لسياسة البلد وقيمه كما نأمل من المسئولين عن رعاية أو تنظيم هذا المعرض أن يرفعوا سقف المراقبة حتى لا تتكرر الأخطاء السابقة وتعود بلبلة الناس وفتنتهم أن مسئوليتنا جميعًا تجاه بلادنا وفكرنا وأمننا كبيرة، فالمسئول بحكم صلاحيته والعالم بما أؤتمن عليه من العلم، والمثقف والمفكر بحكم معرفته يرصد ويسجل والشاب والفتاة لابد أن يحتاطوا ويتبصروا ماذا يقرؤون والولي مسئول عن حماية بيته من اللوثات الفكرية.
والجميع عليه مسئولية الاحتساب على المكتبات ودور النشر التي تبيع أو تعرض كتبًا لا تتفق وثقافتنا وسياسية بلادنا .. ومن أصرّ من هذه المكتبات والدور قوطع وحوصر اقتصاديًا حتى يكون عبرة للآخرين ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾.
اللهم احفظ بلادنا من كل سوء ومكروه.
стр. 3059
في البيوع والغلاء والتكسب والتجارة الرابحة (١)
الخطبة الأولى
الحمد لله جعل في الحلال غنية عن الحرام، أحل البيع وحرم الربا، وبين الحلال والحرام أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس.
إخوة الإسلام الناس في حياتهم ومعاشهم يحتاجون للبيع والشراء كما يحتاجون للطعام والشراب والكساء، وقد جاءت شريعة الإسلام موضحة للأحكام المتعلقة بفقه المعاملات كما هي موضحة لفقه العبادات، فأحل الله البيع وحرم الربا، وأباح السلم والدين لمن به حاجة إليه، وحرم الغرر والقمار والميسر والاحتكار ونحوها من المعاملات المحرمة.
أيها المسلمون وكما يتعبد المرء ربه بالتعبد لربه في الصلاة أو الصيام أو نحوها .. يتعبد ربه كذلك في تعاملاته مع الناس وتيسيره لهم في البيع والشراء، وسماحته معهم في القضاء والاقتضاء.
إن من المهم - عند المسلم - أن يكون مطعمه حلالاً، ومشربه حلالاً وملبسه حلالاً، وكل جسد نبت على الحرام فالنار أولى به.
ومن الخطأ أن يجتهد المسلم في عبادته وعلاقته بربه فقط ثم هو يفرط ولا يبالي بعلاقته بعباد الله .. فيظلم، ويغش، ويكذب ويسرق ويحتكر .. وهكذا من صنوف المعاملات المحرمة شرعًا وعقلاً.
وهناك أخطاء وتجاهلات عند عدد من الباعة والتجار في أحكام البيع والشراء أوقعت المجتمع في جملة من الإشكالات والتعسفات، وحري بمن
стр. 3060
نصب نفسه لهذه المهنة أن يعلم حكم الله فيها، وألا تجره الدنيا إلى جمع المال كيفما أنفق فيوقع نفسه ويوقع الآخرين، قال أحد السلف من لم يتفقه في البيع والشراء فلا يبع في سوقنا هذا.
إن الكذب في البيع والشراء آفة ومعصية يظن البائع الكاذب يكسب وهو خسران، وكيف يسوغ لك أيها المسلم أن يثق بقولك مسلم آخر بقولك اشتريت السلعة بكذا وأنت كاذب، أو طلبها مني شخص بمبلغ كذا -يعني تسلم بكذا- وأنت كاذب إنك ربما ربحت دريهمات معدودة لكنك خسرت أشياء أخرى.
والغش في السلعة وعدم بيان عيوبها للمشتري آفة أخرى ومن غش فليس منا.
والنجش: وهو المزايدة في السلعة لمجرد رفع قيمتها وخداع الناس بنجشه حرام في شريعتنا.
والتدليس ومدح السلعة المباعة بما ليس فيها خداع وتغرير بالمشترين وبيع الغرر والمجهول، ومزاولة الميسر والقمار، كل ذلك مما جاءت الشريعة بالنهي عنه .. وكل بيوع تجاوزت حدود الله في البيع والشراء فهي خسارة وإن ظن صاحبها أنه يربح .. ﴿فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين﴾.
إن من كمال الشريعة الإسلامية أنها لم تحرم شيئًا إلا وأحلت بديلاً خيرًا منه.
ومن سمات المؤمن أنه سمح إذا باع وإذا اشترى وإذا قضى واقتضى، والله طيب لا يقبل إلا طيبًا، والدعاء يستجاب لمن أطعم مطعمه .. ويرد الدعاء حين يغذي المسلم نفسه بالحرام، فمن كان مطعمه حرامًا ومشربه حرامًا وغذي بالحرام فأنى يستجاب له.
أيها المسلمون واحتكار ما يحتاجه المسلمون من طعام أو شراب أو كساء أو نحوه مما نهت عنه الشريعة، وحذر منه المصطفى ﷺ .. والاحتكار عرف بأنه شراء الطعام محتكرًا له للتجارة مع حاجة الناس إليه فيضيق عليهم، أو عرف
стр. 3061
كذلك بأنه شراء الأقوات وقت الغلاء ليمسكه ويبيعه بعد ذلك بأكثر من ثمنه للتضييق حينئذ (١).
وهل تعلمون أن بعض المفسرين كابن كثير فسر قوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] .. بالاحتكار والمحتكر في مكه (٢).
ومما يؤيد ذلك ما أخرجه أبو داود في سننه عن النبي ﷺ قال: «احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه» لكن ضعفه بعض العلماء (٣).
وإذا تجاوزنا تفسير الآية وجدنا نصوصًا أخرى تنهى عن الاحتكار ومن ذلك قوله ﷺ : «لا يحتكر إلا خاطئ» (٤).
واستمعوا إلى هذا الهدي النبوي والتحذير من الاحتكار وعاقبة المحتكرين يقول ﷺ : «من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس» والجذام داءً يعترض في الرأس ويتشوه منه الوجه (٥).
وكان عثمان ﵁ ينهى عن الحكرة.
وأحرق علي ﵁ بيادز بالسواد لقيس بن أبي صعصعه، يقول قيس ولو لم يحرقها لربحت فيها مثل عطاء الكوفة (٦).
عباد الله الاحتكار إذًا ظلم، والله حرم الظلم على نفسه وجعله بين عباده
стр. 3062
محرمًا .. وهو جشع واستغلال لما بالناس حاجة إليه والمؤمنون إخوة ..
أيها المسلمون أما تحديد الأسعار .. فالأصل أن الله هو المسعر والحرية مكفولة للبائع في سعر سلعته .. وقد جاء عن أنس قوله غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ فقالوا يا رسول الله سعر لنا فقال: «إن الله هو المسعر القابض الباسط الرزاق، وإني لأرجو أن ألقى ربي وليس أحد يطلبني بمظلمة في دم ولا مال .. » (١).
لكن لولي الأمر أن يتدخل في التسعير في حالة الاحتكار .. لأن ذلك على حساب المصلحة العامة .. يقول ابن القيم: وجماع الأمران مصلحة الناس إذا لم تتم إلا بالتسعير سعر عليهم تسعير عدل لا وكس ولا شطط، وإذا اندفعت حاجاتهم وقامت مصلحتهم بدونه لم يفعل (٢).
ولولي الأمر أيضًا أن يتدخل في التسعير في حالتي الحصر والتواطئ، أما الحصر فهي أن يكون الناس قد التزموا إلا بيع الطعام أو غيره إلا أناس يعرفون، لا تباع تلك السلع إلا لهم، ثم هم يبيعونها، فلو باع غيرهم ذلك منع، فها هنا يجب التسعير عليهم بحيث لا يبيعون إلا بقيمة المثل، ولا يشترون أموال الناس إلا بقيمة المثل بلا تردد في ذلك عند أحد من العلماء - كما يقول ابن تيمية ﵀ (٣).
أما التواطؤ - فهي حالة مزدوجة تتمثل في تواطئ البائعين وتآمرهم على المشترين بالبيع طمعًا في الربح الفاحش، أو على العكس بأن يتواطؤ المشترون
стр. 3063
على أن يشتركوا فيما يشتريه أحدهم حتى يهضموا حق البائعين .. فهنا كذلك يتدخل ولي الأمر في التسعير .. حتى لا يحصل ضرر على البائع والمشتري (١).
أيها المسلمون اجتنبوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، واعلموا أن الخير والبركة والنماء إنما هي فيما أحل الله .. وما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين.
أعوذ بالله الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً (٢٩) وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (٣٠)﴾ [النساء: ٢٩، ٣٠].
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه ..
стр. 3064
الخطبة الثانية
الحمد لله يستحق الحمد وأهل الثناء .. أحمده تعالى وأشكره وأسأله المزيد من فضله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
أيها المسلمون تفقهوا في دين الله عمومًا - وتفقهوا في مسائل البيع والشراء واقرأوا في كتب البيوع حتى لا تقعوا في الحرام وأنتم لا تشعرون.
ثم اعلموا معاشر الإخوة أن المسلم مأمور بفعل الأسباب والتكسب والإتجار حتى يغني نفسه ومن يعول، ويتصدق من فضل الله على الفقراء والمحتاجين وإذا التزمتم بطرق الحلال في بيعكم وشرائكم، فأدوا ما أوجب الله ولا يشغلكم الصفق بالأسواق أو في أسواق البورصات .. وصالات الأسهم عن الصلوات المكتوبة قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ولا يؤخر لكم ذلك عن التبكير لصلاة الجمعة والجماعة فذلك خير لكم لشهادته العليم الخبير: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
ولقد أثنى الله على الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة يخافون يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار ..
عباد الله، ثمة من يريد الدنيا فقط. وأولئك ليس في الآخرة من خلاق، وآخرون يتطلعون للآخرة ولا ينقص من حرث الدنيا شيئًا، قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠].
стр. 3065
يا مسلم يا عبد الله وإذا وفقك الله لتكسب الحلال .. وحافظت على فرائض الله .. فاشكر الله على ما وهبك من مال واعلم أنك ممتحن فيه جمعًا وإنفاقًا .. فلا تجمعه من كسب حرام - أيًا كان نوع هذا التكسب - وسواء كان ذلك مباشرة أو بالإعانة .. فالله تعالى أمرنا أن نتعاون على البر والتقوى ونهانا عن التعاون على الإثم والعدوان.
وكما تجاهد نفسك على عدم بيع المأكول المحرم أو المشروب المحرم، أو اللباس المحرم فجاهد نفسك كذلك ألا تعين من بيع المحرمات أو يتعامل في التعاملات المحرمة كالربا ونحوها - مما حرم الله-.
واحرص على إنفاق المال فيما أمر الله. وابدأ بالفرائض والواجبات كالزكاة .. ثم احرص على الصدقات - فهذه وتلك حرز لمالك وسبب لنمائه في الدنيا وهي خير وثواب عظيم تجده يوم تلقى الله.
ويشهد الناس في واقعهم مصداق حديث المصطفى ﷺ : «اللهم اعط كل منفق خلفًا وكل ممسك تلفًا» ..
والله تعالى كما يمحق الربا، يربي الصدقات .. وكما يعاقب الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بالعذاب الأليم .. هو سبحانه يعد الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منًا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ..
وجماع الأمر .. أن يتصور المسلم أنه في عبادة لربه في حال صلاته وصومه .. وهو في عبادة لربه في حال بيعه وشرائه وإنفاقه ..
ومن الخطأ والجهل أن يكون للمسلم حال وهو في المسجد .. وحال أخرى تناقضها وهو في السوق والمتجر .. إنها عبودية لله في كل حال وفي كل ميدان
стр. 3066
﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾.
وكما يثاب العبد وهو يطيل الركوع والسجود ويتلوا القرآن ويصوم النهار فهو يثاب كذلك في تعامله بالحسنى في البيع والشراء - وإنظار المعسر والسعي لتوفير غذاء المسلمين والمساهمة في بيعه بسعر المثل، ويشكر التجار الذين يبادرون حال غلاء الأسعار بتخفيضها وبيعها بسعر التكلفة ..
إنها طرق ومجالات للخير، ونفع للمسلمين .. والمهم أن تقدم معها النية الطيبة واحتساب الأجر، والرفق بالمسلمين وربك لا يضيع أجر من أحسن عملاً (١).
إن من إحقاق الحق أن نؤكد أنه كما يوجد من يتعامل بالمعاملات المحرمة ويغش ويخادع في البيع والشراء .. يوجد كذلك نماذج عالية وواعية، تخشى الله وتراعي حقوق خلق الله .. وأولئك جديرون بتقديرنا وثنائنا، وأهم من ذلك هم جديرون برضى الله عنهم ومجازاتهم بالحسنى .. وغيرهم جديرون بدعائنا وتحذيرنا لهم في الدنيا قبل الآخرة .. وعلى هؤلاء أن ينفقوا مليًا عند قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ الآيات.
اللهم اجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر ووفقنا للحسنى وجنبنا العسرى، اللهم اكفنا بحلالك عن حرمك واغننا بفضلك عمن سواك.
стр. 3067
﴿قل آمنت بالله فاستقم﴾ (١)
الخطبة الأولى
الحمد لله يثبت الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء، وأشهد أن لا إله إلا هو له الحمد في الأولى وفي الآخرة وله الحكم وإليه ترجعون وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
إخوة الإيمان: سفيان بن عبد الله الثقفي ﵁ صحابي، وفد على رسول الله ﷺ مع وفد أهل الطائف، فأسلم، وسأل النبي ﷺ عن أمر يعتصم به فقال: قل ربي الله ثم استقم (٢).
والحديث في صحيح مسلم عن سفيان ﵁ أنه قال: قلت يا رسول الله: قل لي في الإسلام قولاً، لا أسأل عنه أحدًا بعدك، قال: ﴿قل آمنت بالله فاستقم﴾ (٣).
ما أحوجنا إلى هذه الوصية الجامعة في زمن تتلاطم فيه أمواج الفتن، ويضعف الإيمان .. أو تضعف الاستقامة والثبات على الإيمان .. وإذا كانت الحاجة إلى هذه الوصية في زمن النبوة فالحاجة إليها فيما بعد أشد وآكد.
قال القاضي عياض - معلقًا على هذا الحديث - هذا من جوامع كلمه ﷺ ، وهو مطابق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ أي وحدوا الله وآمنوا به، ثم استقاموا فلم يحيدوا عن التوحيد والتزموا طاعته إلى أن توفوا على ذلك (٤).
стр. 3068
قال العلماء: الاستقامة هي سلوك الصراط المستقيم وهو الدين القويم، وتشمل ذلك فعل الطاعات كلها الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها كذلك (١).
واختصرها ابن حجر بالقول: الاستقامة كناية عن التمسك بأمر الله تعالى فعلاً وتركًا (٢).
وقالوا كذلك في معنى الاستقامة - أنها زائدة في المرتبة على الإقرار بالتوحيد؛ لأنها تشمله وتشمل الثبات عليه، والعمل بما يستدعيه (٣).
إخوة الإسلام نحتاج إلى الاستقامة على دين الله في هذه الحياة؛ لأن ذلك سبيل الاستقامة حياتنا بعد الممات، ومن أراد أن يثبته الله على أهوال يوم القيامة فلا بد أن يتثبت على صراط الله في الدنيا ..
وهنا كلام جميل لابن القيم ﵀ حيث يقول: من هدي في هذه الدار إلى صراط الله المستقيم .. هدي هناك إلى الصراط المستقيم الموصل إلى جنته .. وعلى قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار، يكون ثبوت قدمه على الصراط المستقيم المنصوب على متن جهنم، وعلى قدر سيره على هذا الصراط يكون سيره على ذلك الصراط، ولينظر العبد الشبهات والشهوات التي تعوقه عن سيره على هذا الصراط المستقيم فإنها الكلاليب التي بجنبتي ذاك الصراط تخطفه وتعوقه عن المرور عليه، فإن كثرت هنا وقويت فكذلك هي هناك، وما ربك بظلام للعبيد (٤).
стр. 3069
يا أخا الإسلام إذًا أنت مدعو لأن تبصر طريقك وتثبت أقدامك على الحق في هذه الحياة، حتى تثبت على الصراط في الآخرة ولا شك أن دون هذا مجاهدة للنفس وصبرًا على الحق. وترويضًا على سلوك الصراط المستقيم حين تنازعك نفسك، وحين ترى من حولك وعن يمينك وشمالك أقدامًا تزل .. وقلوبًا تفتن، ومغريات تصد .. وشياطين للإنس والجن، يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا.
ولا يغب عن بالك - يا أخا الإسلام - أن أصل الاستقامة استقامة القلب على التوحيد، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب .. فأصلح قلبك تصلح جوارحك وتطيب أعمالك ..
إن الاستقامة - كما يقول صاحب البصائر (١) - كلمة آخذة بمجامع الدين، وهي القيام بين يدي الله تعالى على حقيقة الصدق والوفاء بالعهد، وهي تتعلق بالأقوال والأفعال والنيات، والاستقامة فيها وقوعها لله وبالله وعلى أمر الله ﵎.
والاستقامة كما قال عمر ﵁: «أن تستقيم على الأمر والنهي، ولا تروغ روغان الثعالب» (٢).
هي إخلاص لله في العبادة، ومجاهدة للنفس على الطاعة وهي فضل من الله وكرامة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية «أعظم الكرامة لزوم الاستقامة» (٣).
ألا فأبشروا يا أهل الاستقامة فسيدخلكم الله في رحمة منه وفضل ويهديكم
стр. 3070
إليه صراطًا مستقيمًا ليس هذا فقط بل ومن آثار الاستقامة وفضلها ألا خوف ولا حزن، بل بشرى وولاية، ولكم ما تشتهون وما تدعون، ذلك وعد غير مكذوب ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
الجنة نزلكم والخلود فيها وعد خالقكم ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
أو تفتح لكم بركات السماء والأرض ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ .. ﴾ [الأعراف: ٩٦] وتسقون ماءً غدقًا ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقاً (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾ [الجن: ١٦، ١٧].
ويتحقق لهم الأمن في الوقت الذي يتخطف الناس من حولهم ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢].
﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ (٤)﴾.
ألا وإن الاستقامة اتباع لنهج المرسلين وما أمروا به ﴿فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٨٩] ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢] نفعني الله وإياكم بهدي القرآن.
стр. 3071
الخطبة الثانية
إخوة الإيمان ورغم الشدائد والأهوال، والبلايا وضعف الإيمان .. وكثرة الانحراف عن صراط الله المستقيم إلا أن ثمة مبشرات ومسليات .. فالوعد بنصرة الحق حكم إلهي ﴿وكان حق علينا نصر المؤمنين﴾.
وهو بشارة نبوية «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين» وفي صحيح البخاري ومسلم خبر عن الذي لا ينطق عن الهوى في بقاء هذه الأمة على الاستقامة .. وعنه قال ﷺ : «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم، ويعطي الله، ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيمًا حتى تقوم الساعة، أو حتى يأتي أمر الله» (١).
عباد الله ولعلكم بعد إذ عرفتم معنى الاستقامة وفضلها وآثارها، تتطلعون إلى معرفة الأمور المعينة على الثبات والاستقامة.
١) ألا وإن من أول هذه العوامل الإيمان الحق ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة .. ﴾.
٢) والعمل بالعلم وفعل ما يوعظ به المرء مثبت آخر قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (٦٦) وَإِذاً لآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْراً عَظِيماً (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً﴾ [النساء: ٦٦ - ٦٨].
أجل إن الإيمان يربط بالعمل الصالح كثيرًا في كتاب الله فالإيمان يقين القلب وعمل الصالحات مصداق لهذا الإيمان.
٣) والصبر على طاعة الله وعن محارم الله وعلى أقدار الله كلها مثبت على
стр. 3072
الصراط المستقيم. «ألا وإنكم ستلقون بعدي أثره». قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «اصبروا حتى تلقوني». ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠] ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ [آل عمران: ١٢٠].
٤) الاعتبار بقصص السابقين المؤمنين وفي مقدمتهم الأنبياء والمرسلون، ومعرفة ما جرى لهم وكيف صبروا وثبتوا وتجاوزوا المحن كذلك عامل من عوامل الثبات، ألم يقل الله لنبيه وخاتم رسله محمد ﷺ : ﴿وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠]، وقيل للمؤمنين كافة ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١].
٥) والقرآن - بشكل عام - وبقصصه وأخباره ووعده ووعيده مثبت وهدى وفرقان وموعظة للمتقين ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢].
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾ [الفرقان: ٣٢] كم نحتاج لدواء القرآن وهو شفاء .. وحاجتنا إليه في زمن الشدائد أشد .. وكم نهجر القرآن تلاوة أو عملاً أو علمًا أو تحاكمًا والقرآن يهدي للتي هي أقوم ..
٦) واللجأ إلى الله وصدق الدعاء والتضرع عامل مهم من عوامل الثبات، فالله فارج الكربات ومجيب الدعوات، وكان من دعاء المؤمنين ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ ومهما بلغ الإنسان فهو محتاج إلى تثبيت الله وتسديده.
стр. 3073
أجل ألم يقل الله لنبيه وخيرته من خلقه: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾.
ألا فلنلح على الله بتوفيقنا للصراط المستقيم، ولنلح على الله بالثبات على هذا الصراط حتى نلقاه، وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء.
٧) والرفقة الأخيار والجلساء الصالحون خير معين على الاستقامة والثبات على الحق بإذن الله فهم يشجعونك حين تحسن أو ينصحونك حين تضعف، تأنس بهم وتتقوى وتتعاون وإياهم على البر والتقوى، وإياك ورفقة السوء.
٨) أيها المسلمون وهنا وفي نهاية الحديث أقف عند عامل مهم من عوامل الثبات على دين الله ألا وهو السعي في حوائج المسلمين وتنفيس كرباتهم فمن مشى في حاجة أخيه حتى يثبتها له ثبت الله قدميه على الصراط، تدعو الحاجة إليه في زمن بات المسلمون هدفًا سهلاً للأعداء يقتلون ويشردون وتمارس بحقهم أبشع أنواع التعذيب وأي وجدان لا يتأثر لمشاهد الفلسطينيين وبيوتهم تهدم ومخيماتهم تحاصر وتقصف وقتلاهم بالعشرات يتساقطون، ومزارعهم تدمر، والآخرون مهددون ينتظرون الموت صباح مساء .. وعلى مرأى ومسمع من العالم كله ..
وفي العراق احتلال وانتهاك وقتل واغتصاب، وممارسات بشعة يندى لها جبين الإنسانية، فضلاً عن تأثر المسلمين ورفض أصحاب القيم والمبادئ وفي سجن أبي غريب نموذج للفضائح، ظن الملأ المفسدون أنه يرضي العالم العربي والإسلامي أن يعتذروا لما حصل، وانكشف للمجتمع الغربي أن جنودهم الذين ذهبوا لإنقاذ العراقيين من الظلم والاستبداد .. باتوا يمارسون بأنفسهم أبشع الجرائم وأقسى الظلم، ويعيدون لذاكرة التاريخ محاكم التفتيش، وممارسات النازية ..
стр. 3074
وإذا كان الذئب لا يلام في عدوانه: أن يكون راعيًا للغنم؟ ! فأين المسلمون عن نصرة إخوانهم والمشي في حوائجهم والرسول ﷺ يقول: «ومن مشى في حاجة أخيه حتى يثبتها له ثبت الله قدميه على الصراط».
ومن نفس كربة عن أخيه المسلم نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة.
وفي الهدي النبوي كذلك: «صنائع المعروف تقي مصارع السواء».
إن من حق هؤلاء المسلمين الذين يتعرضون للقتل والسلب ويراد لهم التخلي عن عقيدتهم وقيمهم .. أن من حقهم علينا النصرة والدعاء، فهم في محنة يحتاجون إلى تثبيت والمسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضًا .. فالتنفيس عن مكروب .. ولنصر مظلوما.
стр. 3075
(٢) أسباب الخلاف وآثاره وطرق العلاج (١)
الخطبة الأولى
الحمد لله أمر بالتعاون على البر والتقوى، ونهى عن الفحش والبغضاء، والتعاون على الإثم والعدوان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يحب المحسنين ويجزي المتصدقين ويبغض الفاحش البذيء، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين.
إخوة الإسلام وإذا كان الخلاف أمرًا واقعًا فما هي أبرز أسبابه، وأسوأ آثاره؟ وأهم الطرق والوسائل لعلاجه؟
١ - من أسباب الخلاف والافتراق تفاوت الناس في الطبائع والميول وتفاضلهم في العقول والفهوم، فسبحان من فاوت بين الناس في الحفظ أو في الاستنباط، والموفق من لم يزك نفسه بل اتهمها حتى يقلل مساحة الخلاف ويضيع الفرصة على الشيطان.
٢ - الإعجاب بالرأي الذي يحمل صاحبه على الغرور وتسفيه آراء الآخرين، وإيثار الهوى على الهدى الذي يمنع من قبول الحق وإن كان واضحًا، وقد جاء النهي صريحًا عن العجب والهوى ائتمروا بالمعروف وانتهوا عن المنكر حتى إذا رأيتم شحًا مطاعًا وهوى متبعًا ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك ودع عنك العوام» (٢).
٣ - ومن أسباب الفرقة البغي والحسد، فقد يرى بعض الناس ما عنده أولى
стр. 3076
وأصوب من غيره، ويبلغ به الغرور بما عنده حدًا يزدري به ما عند غيره .. إما بنوع بغي أو حسد، ثم تقوده هذه المشاعر إلى احتقار الآخرين ولمزهم والتشكيك فيما عند غيره ولو كان حقًا فإن عملية التأمل فيه بعين العدل والإنصاف وإذا انتشر داء البغي والحسد ثارت رياح الفرقة، وسادت البغضاء، وحصل النفور والافتراق.
٤ - شهوة الزعامة وحب الصدارة بحيث يسعى صاحب هذا المرض إلى أن يكون متبوعًا لا تابعًا، وآمرًا لا مأمورًا، ويدعوه ذلك إلى رفض ما عند الآخرين وعدم تقبل وجهات نظرهم وإن كانت صائبة .. بل قد يخيل لهذا المريض أنه وحده حامي حمى الإسلام وأنه الأجدر بالقيادة والريادة دون سواه.
٥ - سوء الظن بالآخرين وتغليب التشاؤم على التفاؤل فهو في الغالب يسيء الظن بالآخرين، إلى حد لا يثق بأحد .. ولا يصوب عملاً، ويطغى عليه جانب التشاؤم بحيث يرى أن كل عمل لم يعمله أو يشرف عليه مصيره الفشل ونهايته الخسران، وهذا الداء يخفى وراءه أمراضًا وأدواء أخرى كالآثرة وحب الذات، واتهام الآخرين، والرغبة في الوقيعة بأعراض المسلمين ..
بينما عكس ذلك من حسن الظن وحسن الفأل يعبر عن قلب سليم ونفس كريمة تحب للآخرين كما تحب لنفسها وتحاول تعليل الأخطاء وإيجاد المعاذير قبل إصدار الأحكام، ورحم الله عمر وهو القائل: «لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المسلم سوءًا وأنت تجد لها في الخير محملاً» (١).
٦ - الخلط بين الثوابت والمتغيرات وبين الأصول والفروع فهناك ثوابت لا يجوز لأحد أن يتهاون فيها أو يفرط في الحفاظ عليها، وهناك أمور وقضايا
стр. 3077
فرعية يسع الخلاف فيها، ولا ينبغي أن تكون أساسًا للمفاصلة أو سببًا للفرقة .. وحين تختلط الأمور ولا يميز بين هذه وتلك يقع الخلاف لأدنى سبب ويظن هذا المختلف أنه يحكم الشرع ويحمي حمى العقيدة وينسى أن ما أحدثه من شرخ الفرقة والخلاف أعظم بل نسي أن من مقاصد الشرع الاجتماع لا الافتراق والاتفاق لا الاختلاف، وبالتالي فلا ينبغي أن توالي أو تعادي على أمر من الدين فيه متسع للحوار والنقاش وفي المقابل لا ينبغي أن تضيع حرمات الدين وأصوله في سبيل جمع الكلمة ونبذ الفرقة والاختلاف على حساب الأصول والثوابت.
عباد الله ولا تقف أسباب الفرقة والاختلاف عند هذه الأسباب فثمة أسباب أخر .. ولكن الجامع لها ضعف الإيمان والتقى وتغليب الهوى على الهدى، وحب الذات في مقابل سحق الآخرين، والجهل بأحكام الشريعة ومقاصد الإسلام والعصبية الممقوتة للمذهب أو للطائفة أو للبلد أو الجنس، وإيثار الدنيا على الآخرة، وعدم الوعي بآثار الخلاف وسلبياته.
إن للخلاف والفرقة آثارًا سيئة لا بد أن يعيها المسلمون ويقدروها حتى لا يقعوا في الفرقة والشتات.
١ - ومن آثار الخلاف تصدع صف المسلمين وفشلهم وذهاب ريحهم، وما زال ربهم يحذرهم ويقول تعالى: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ [الأنفال: ٤٦].
٢ - وينتج عن ذلك أثر سلبي آخر وهو تسلط الأعداء عليهم، إذ لا يتمكن الأعداء من استباحة دماء المسلمين وأعراضهم واستحلال ديارهم وأموالهم إلا إذا وهنوا عن مقاومته وضعفوا عن مواجهته، ومن أعظم الوهن والضعف: الفرقة والشتات الناتج عن الاختلاف والافتراق .. ومن يبصر واقع المسلمين
стр. 3078
اليوم يرى كم طمع فيهم الأعداء حين تفرقوا واختلفوا وسهل على العدو اختراقهم والعبث بمقدراتهم.
٣ - والهلاك أثر ثالث من آثار التنازع والافتراق حذرنا منه النبي ﷺ وأخبرنا بمصير الأمم قبلنا فقال: «إنما أهلك من كان قبلكم الفرقة ... » (١)، وحين جاء عبد الله بن مسعود ﵁ برجل قرأ آية من القرآن بغير ما سمعها هو من النبي ﷺ قال لهما النبي ﷺ : «كلاكم محسن، فاقرآ، فإن من كان قبلكم اختلفوا فأهلكهم» (٢).
٤ - ومن آثار الفرقة والشتات تبدد الطاقات وضياع جهود الأمة والمجتمع، وتناحر الأفراد على توافه الأمور، في وقت يتجمع فيه الآخرون بل ويتخذون من فرقة المسلمين مصدرًا لقوتهم، ومستندًا لغزوهم.
إن المسلمين مهما اختلفوا فثمة أمور أكثر وأعظم يجتمعون عليها وحري بهم أن يحيوا فقه الائتلاف بدل الاختلاف، وإن يعظموا ما اتفقوا عليه ويجعلوه الأساس، بدل أن ينطلقوا من الخلافات متناسين أهمية الوحدة وجمع الكلمة.
٥ - ومن آثار الخلاف فقدان الثقة بين العامة والعلماء والأمراء مما يهيء لظهور المتزيدين بقضايا الأمة ومن يرقصون على الجراح ويستغلون الأزمات، من أهل الأهواء وأصحاب النفاق، الذي لا تسعفهم ظروف وحدة الأمة على الظهور .. ولكنهم يرفعون رءوسهم في ظروف الفرق والتناحر.
أيها المسلمون ..
٦ - ومن آثار الافتراق انتزاع البركة من الفرد والأمة بأسرها تصديقًا
стр. 3079
لقوله ﷺ : «إن الله لا يجمع أمتي أو قال: أمة محمد ﷺ على ضلالة، ويد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار» متفق عليه.
٧ - والفرقة والاختلاف تؤثر سلبًا على النفوس فتصيبها بالإحباط والانكفاء على الذات، فتحرم الأمة من طاقاتها، وتتحطم نفسياتها .. وهذه وتلك مكاسب لأعدائها .. فلنحذر الفرقة وأدواءها المهلكة ولنحرص على جمع الكلمة وردم الفجوات، ولنستشعر جميعًا أننا أمة الوحدة، وأن دواعي الاتفاق والاجتماع في ديننا وشريعتنا أكثر وأعمق مما عند غيرنا .. وهنا لا بد أن نتساءل لماذا اجتمعوا وتفرقنا .. ولماذا تضامنوا وتنازعنا؟ لماذا نفترق وكيف نتفق ما دور الأشخاص والهيئات .. والمجتمع والدولة في تحقيق وحدة الأمة؟
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾.
стр. 3080
الخطبة الثانية
أيها الإخوة المؤمنون وحين تعرفون شيئًا من أسباب الفرقة والاختلاف .. وآثارها المهلكة .. فحري بكم أن تجتنبوها، بل وتبحثوا عن أسباب العلاج وعوامل وحدة الصف .. فما هي الوسائل المؤدية إلى الاتفاق ووحدة الصف؟
لا بد من العلم أولاً أن الدعوة إلى الاتفاق ووحدة الصف لا تأتي تلبية للحاجة الملحة وللظروف المحيطة بالأمة المسلمة فقط وإنما هي استجابة لأمر إلهي وتحقيق لمطلب شرعي، كما قال ربنا ﵎: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٣].
إن الوحدة في الصف المسلم لازم من لوازم عقيدة التوحيد ومن علائم خيرية هذه الأمة اجتماعها على الحق، ودعوة الناس إليه، ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ الآية.
١) ولهذا فإن الالتزام بالعقيدة الحقة أول الأسس في وحدة الصف، فالعقيدة توحد بين القريب والبعيد، والعربي والأعجمي، والغني والفقير، والأحمر والأسود .. وتعجز آية رابطة أخرى أن توحد صف المسلمين وتؤلف بين قلوبهم.
إن هذه العقيدة ضرورة للفرد ليسعد ويطمئن، وتزكو نفسه وضرورة للمجتمع ليستقر ويتآخى ويتعاون ويتماسك ويتناصر.
٢ - التخلق بكريم الأخلاق التي أمر بها الشرع عامل مهم في الوحدة كالمحبة والإيثار والعفو والصفح وخفض الجناح وسلامة الصدر والعدل والإنصاف ونحوها من أخلاق تجمع ولا تفرق، وتهذب النفوس .. وإذا كنا نتفق على
стр. 3081
أهمية هذه الأخلاق في أحاديثنا فالأهم أن نمارسها في واقعنا وأن ننصف بها إخواننا.
إن ممارسة الأخلاق المرذولة سهل، ولكن الترفع عن الهنات وستر العورات والتعامل بلطف مع الزلات، وممارسة أعالي الأخلاق هو الذي يحتاج إلى صبر ومجاهدة للنفس، انظروا إلى إمام من أئمة الجرح والتعديل وهو يمارس الخلق الرفيع ويقول: «ما رأيت على رجل خطأ إلا سترته وأحببت أن أزين أمره، وما استقبلت رجلاً في وجهه بأمر يكرهه، ولكن أبين له خطأه فيما بيني وبينه فإن قبل وإلا تركته» (١).
إنه نموذج رفيع للتعامل مع الأخطاء والزلات، فهل نمارسه؟
٣ - والعلم والورع سبب للتأليف ووسيلة عظمى لجمع كلمة المسلمين، وكلما كان المرء ذا علم واسع وورع كلما اجتمعت عليه القلوب، وكلما اتسع أفق الإنسان كان أقدر على تقدير الآخرين واتسع صدره للمخالفين.
أما الجهل أو التعالم فهو سبب للفرقة وضيق الأفق، وكم جنى أولئك المتعالمون على الأمة وكم أصبحت أعراض العلماء والدعاة كلأً مباحًا لمبتدئين في العلم، ظنوا أنهم إذا اطلعوا على بعض الكتب أو نالوا شيئًا من الشهادة قد بلغوا في العلم مبلغًا يؤهلهم لنقد هذا وتقويم ذاك، وتلك ظاهرة قديمة تتجدد، وهذا الإمام أحمد بن علي بن الآبار يقول - في زمنه - رأيت بالأهواز رجلاً حف شارته، وأظنه قد اشترى كتبًا، وتعبأ للفتيا، فذكروا أصحاب الحديث فقال: ليسوا بشيء، وليسوا يسوون شيئًا، فقلت له: أنت لا تحسن تصلي، قال أنا؟
стр. 3082
قلت: نعم، قلت: إيش تحفظ عن رسول الله ﷺ إذا افتتحت الصلاة ورفعت يديك؟ فسكت، فقلت: وإيش تحفظ عن رسول الله ﷺ إذا وضعت يديك على ركبتيك؟ فسكت، قلت: إيش تحفظ عن رسول الله ﷺ إذا سجدت؟ فسكت، قلت: مالك لا تتكلم؟ ألم أقل لك إنك لا تحسن تصلي؟ إنما قيل لك تصلي الغداة ركعتين والظهر أربعًا، فالزم ذا خير لك من أن تذكر أصحاب الحديث، فلست بشيء ولا تحسن شيئًا» (١).
ومن العجب - كما يقول ابن القيم ﵀ إن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام والظلم والزنا والسرقة وشرب الخمر وغير ذلك.
ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه (٢).
فهل نحفظ ألسنتنا؟ وهل نكون سببًا للتأليف بجميل العبارة، وحسن الظن وتقدير الآخرين.
٤ - التثبت مما يروى والتحري فيما يقال، ذلك منهج رباني نُدب إليه المؤمنون ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ .. ﴾ وإذا كانت الشائعات مفسدة للمجتمعات مفرقة للجماعات فإن دواءها بالتثبت والتحري وعدم الاستعجال في اتخاذ المواقف، وتلك المواقف المتأنية تسهم في جمع الكلمة، كما تسهم العجلة في الفرقة والشتات ألا فتثبتوا ولا تستعجلوا يا عباد الله، ولا يستخفكم الذين لا يوقنون.
٥ - ومع التثبت إقالة ذوي الهيئات عثراتهم، فإذا كان شخص لا يعرف عنه إلا الخير، ثم كبا كبوة لا ينبغي أن يسارع لتجريمه ويعان الشيطان عليه، بل تقال
стр. 3083
عثرته ما لم تكن حدًا، كما قال ﷺ : «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود» (١).
وفي الحديث الآخر الصحيح: «من أقال عثرة أقاله الله يوم القيامة» (٢).
قال ابن القيم وإقالة ذوي الهيئات: باب من أبواب محاسن الشريعة الكاملة وسياستها للعالم، وانتظامها لمصالح العباد في المعاش والمعاد (٣).
إننا في سبيل جمع الكلمة ووحدة الصف لا ينبغي أن نفرح بالعثرة يعثرها أحد إخواننا المسلمين، بل نتألم لذلك ونسارع بنصحه وإقالة عثرته.
٦ - ولا بد في سبيل جمع الكلمة من ضبط النفس عند حدوث الخلاف فالشيطان حريص على الوقيعة والفرقة بين المسلمين، والشديد ليس بالصرعة إنما الذي يملك نفسه عند الغضب، ولتضيق هوة الخلاف ندب الإسلام المتهاجرين إلى الإسراع بالسلام وخيرهما الذي يبدأ صاحبته بالسلام .. إلا فعظموا ما عظم الله وكونوا عباد الله إخوانًا .. ليسأل كل منا نفسه هل هو عنصر بناء ووسيلة لجمع الكلمة أم هو بضد ذلك، ولا ينبغي أن ننعى حال الأمة ونحن المقصورون نتلمس الداء.
стр. 3084
بين خالد والوليد (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ..
أيها المسلمون ثمة صراع أزلي بين الحق والباطل، وثمة مدافعة بين الناس يمنع الله بها الفساد في الأرض، ثمة محقون ومبطلون، ومسلمون وكافرون، وأصحاب الجنة وأصحاب السعير، تلك حقائق يراها الناس في القديم والحديث، وعاشها الناس فيما مضى ويعيشونها اليوم وغدًا ..
ولكن ثمة حقيقة تقول إن البقاء للأصلح، وإن العاقبة للتقوى وللمتقين، والزبد يذهب جفاءً ويبقى في الأرض ما ينفع الناس.
الباطل يهيج فترة، والمبطلون يتصدرون القيادة حقبة من الزمن، ولكن المسلم لا يغر بتقلبهم في البلاد، وهم لا يعجزون الله، ولكنه إن أمهلهم لا يهملهم، وإن متعهم فهو يستدرجهم .. والعاقبة وخيمة والأخذ أليم ..
تعالوا بنا معشر المسلمين نقرأ واحدة من قصص القرآن عن القوم المجرمين، كيف طغوا وتجبروا واستكبروا وتفاخروا، ثم كانت النتيجة المرة، وكان الذكر السيء .. وإلى جانب ذلك نذكر نموذجًا آخر خالف فخاف، وأسلم فسلم، وفرق بين ذكر وذكر .. إنها مفارقات عجيبة تحكي عاقبة الكفر، وفضل الإسلام، وفضل الله يؤتيه من يشاء، وهو العليم الحكيم.
стр. 3085
بين الوليد بن المغيرة وابنه خالد تكمن العبرة، ويكون الدرس لهذا اليوم فماذا قيل عن الأب؟ وماذا قيل عن الابن؟ وأي ذكر وتاريخ حفل به الأب .. وماذا سطر للابن من مكارم؟
تعالوا بنا إلى مائدة القرآن لتشخيص الموقف ونهايته لأحد سادة قريش وأكابر مجرميها (الوليد بن المغيرة المخزومي).
يقول تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً (١٢) وَبَنِينَ شُهُوداً (١٣) وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيداً (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾.
قال ابن كثير: يقول تعالى متوعدًا لهذا الخنيث (الوليد بن المغيرة المخزومي) الذي أنعم الله عليه بنعم الدنيا، فكفر بأنعم الله، وبدلها كفرًا، وقابلها بالجحود بآيات الله والافتراء عليها، وجعلها من قول البشر، وقد عدد الله عليه نعمه حيث قال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ أي خرج من بطن أمه وحده لا مال له ولا ولد، ثم رزقه الله ﴿مَالاً مَّمْدُوداً﴾ أي واسعًا كثيرًا، وجعل له ﴿بَنِينَ شُهُوداً﴾ أي لا يغيبون عنه ولا يسافرون في التجارات، بل مواليهم وأجراؤهم يتولون ذلك عنهم وهم قعود عند أبيهم يتمتع بهم ويتملى بهم، وكانوا فيما ذكر ثلاثة عشر، أو عشرة، وقعودهم عنده أتم في النعمة، ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً﴾ أي مكنته من صنوف المال والأثاث وغير ذلك، ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيداً﴾ أي معاندًا وهو الكفر بعد العلم، ثم جاء الجزاء ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ قيل المقصود