أهمية هذه الأخلاق في أحاديثنا فالأهم أن نمارسها في واقعنا وأن ننصف بها إخواننا.
إن ممارسة الأخلاق المرذولة سهل، ولكن الترفع عن الهنات وستر العورات والتعامل بلطف مع الزلات، وممارسة أعالي الأخلاق هو الذي يحتاج إلى صبر ومجاهدة للنفس، انظروا إلى إمام من أئمة الجرح والتعديل وهو يمارس الخلق الرفيع ويقول: «ما رأيت على رجل خطأ إلا سترته وأحببت أن أزين أمره، وما استقبلت رجلاً في وجهه بأمر يكرهه، ولكن أبين له خطأه فيما بيني وبينه فإن قبل وإلا تركته» (١).
إنه نموذج رفيع للتعامل مع الأخطاء والزلات، فهل نمارسه؟
٣ - والعلم والورع سبب للتأليف ووسيلة عظمى لجمع كلمة المسلمين، وكلما كان المرء ذا علم واسع وورع كلما اجتمعت عليه القلوب، وكلما اتسع أفق الإنسان كان أقدر على تقدير الآخرين واتسع صدره للمخالفين.
أما الجهل أو التعالم فهو سبب للفرقة وضيق الأفق، وكم جنى أولئك المتعالمون على الأمة وكم أصبحت أعراض العلماء والدعاة كلأً مباحًا لمبتدئين في العلم، ظنوا أنهم إذا اطلعوا على بعض الكتب أو نالوا شيئًا من الشهادة قد بلغوا في العلم مبلغًا يؤهلهم لنقد هذا وتقويم ذاك، وتلك ظاهرة قديمة تتجدد، وهذا الإمام أحمد بن علي بن الآبار يقول - في زمنه - رأيت بالأهواز رجلاً حف شارته، وأظنه قد اشترى كتبًا، وتعبأ للفتيا، فذكروا أصحاب الحديث فقال: ليسوا بشيء، وليسوا يسوون شيئًا، فقلت له: أنت لا تحسن تصلي، قال أنا؟
стр. 3082
قلت: نعم، قلت: إيش تحفظ عن رسول الله ﷺ إذا افتتحت الصلاة ورفعت يديك؟ فسكت، فقلت: وإيش تحفظ عن رسول الله ﷺ إذا وضعت يديك على ركبتيك؟ فسكت، قلت: إيش تحفظ عن رسول الله ﷺ إذا سجدت؟ فسكت، قلت: مالك لا تتكلم؟ ألم أقل لك إنك لا تحسن تصلي؟ إنما قيل لك تصلي الغداة ركعتين والظهر أربعًا، فالزم ذا خير لك من أن تذكر أصحاب الحديث، فلست بشيء ولا تحسن شيئًا» (١).
ومن العجب - كما يقول ابن القيم ﵀ إن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام والظلم والزنا والسرقة وشرب الخمر وغير ذلك.
ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه (٢).
فهل نحفظ ألسنتنا؟ وهل نكون سببًا للتأليف بجميل العبارة، وحسن الظن وتقدير الآخرين.
٤ - التثبت مما يروى والتحري فيما يقال، ذلك منهج رباني نُدب إليه المؤمنون ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ .. ﴾ وإذا كانت الشائعات مفسدة للمجتمعات مفرقة للجماعات فإن دواءها بالتثبت والتحري وعدم الاستعجال في اتخاذ المواقف، وتلك المواقف المتأنية تسهم في جمع الكلمة، كما تسهم العجلة في الفرقة والشتات ألا فتثبتوا ولا تستعجلوا يا عباد الله، ولا يستخفكم الذين لا يوقنون.
٥ - ومع التثبت إقالة ذوي الهيئات عثراتهم، فإذا كان شخص لا يعرف عنه إلا الخير، ثم كبا كبوة لا ينبغي أن يسارع لتجريمه ويعان الشيطان عليه، بل تقال
стр. 3083
عثرته ما لم تكن حدًا، كما قال ﷺ : «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود» (١).
وفي الحديث الآخر الصحيح: «من أقال عثرة أقاله الله يوم القيامة» (٢).
قال ابن القيم وإقالة ذوي الهيئات: باب من أبواب محاسن الشريعة الكاملة وسياستها للعالم، وانتظامها لمصالح العباد في المعاش والمعاد (٣).
إننا في سبيل جمع الكلمة ووحدة الصف لا ينبغي أن نفرح بالعثرة يعثرها أحد إخواننا المسلمين، بل نتألم لذلك ونسارع بنصحه وإقالة عثرته.
٦ - ولا بد في سبيل جمع الكلمة من ضبط النفس عند حدوث الخلاف فالشيطان حريص على الوقيعة والفرقة بين المسلمين، والشديد ليس بالصرعة إنما الذي يملك نفسه عند الغضب، ولتضيق هوة الخلاف ندب الإسلام المتهاجرين إلى الإسراع بالسلام وخيرهما الذي يبدأ صاحبته بالسلام .. إلا فعظموا ما عظم الله وكونوا عباد الله إخوانًا .. ليسأل كل منا نفسه هل هو عنصر بناء ووسيلة لجمع الكلمة أم هو بضد ذلك، ولا ينبغي أن ننعى حال الأمة ونحن المقصورون نتلمس الداء.
стр. 3084
بين خالد والوليد (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ..
أيها المسلمون ثمة صراع أزلي بين الحق والباطل، وثمة مدافعة بين الناس يمنع الله بها الفساد في الأرض، ثمة محقون ومبطلون، ومسلمون وكافرون، وأصحاب الجنة وأصحاب السعير، تلك حقائق يراها الناس في القديم والحديث، وعاشها الناس فيما مضى ويعيشونها اليوم وغدًا ..
ولكن ثمة حقيقة تقول إن البقاء للأصلح، وإن العاقبة للتقوى وللمتقين، والزبد يذهب جفاءً ويبقى في الأرض ما ينفع الناس.
الباطل يهيج فترة، والمبطلون يتصدرون القيادة حقبة من الزمن، ولكن المسلم لا يغر بتقلبهم في البلاد، وهم لا يعجزون الله، ولكنه إن أمهلهم لا يهملهم، وإن متعهم فهو يستدرجهم .. والعاقبة وخيمة والأخذ أليم ..
تعالوا بنا معشر المسلمين نقرأ واحدة من قصص القرآن عن القوم المجرمين، كيف طغوا وتجبروا واستكبروا وتفاخروا، ثم كانت النتيجة المرة، وكان الذكر السيء .. وإلى جانب ذلك نذكر نموذجًا آخر خالف فخاف، وأسلم فسلم، وفرق بين ذكر وذكر .. إنها مفارقات عجيبة تحكي عاقبة الكفر، وفضل الإسلام، وفضل الله يؤتيه من يشاء، وهو العليم الحكيم.
стр. 3085
بين الوليد بن المغيرة وابنه خالد تكمن العبرة، ويكون الدرس لهذا اليوم فماذا قيل عن الأب؟ وماذا قيل عن الابن؟ وأي ذكر وتاريخ حفل به الأب .. وماذا سطر للابن من مكارم؟
تعالوا بنا إلى مائدة القرآن لتشخيص الموقف ونهايته لأحد سادة قريش وأكابر مجرميها (الوليد بن المغيرة المخزومي).
يقول تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً (١٢) وَبَنِينَ شُهُوداً (١٣) وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيداً (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾.
قال ابن كثير: يقول تعالى متوعدًا لهذا الخنيث (الوليد بن المغيرة المخزومي) الذي أنعم الله عليه بنعم الدنيا، فكفر بأنعم الله، وبدلها كفرًا، وقابلها بالجحود بآيات الله والافتراء عليها، وجعلها من قول البشر، وقد عدد الله عليه نعمه حيث قال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ أي خرج من بطن أمه وحده لا مال له ولا ولد، ثم رزقه الله ﴿مَالاً مَّمْدُوداً﴾ أي واسعًا كثيرًا، وجعل له ﴿بَنِينَ شُهُوداً﴾ أي لا يغيبون عنه ولا يسافرون في التجارات، بل مواليهم وأجراؤهم يتولون ذلك عنهم وهم قعود عند أبيهم يتمتع بهم ويتملى بهم، وكانوا فيما ذكر ثلاثة عشر، أو عشرة، وقعودهم عنده أتم في النعمة، ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً﴾ أي مكنته من صنوف المال والأثاث وغير ذلك، ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيداً﴾ أي معاندًا وهو الكفر بعد العلم، ثم جاء الجزاء ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ قيل المقصود
стр. 3086
بالصعود: جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفًا، ثم يهوى به كذلك فيه أبدًا. وقيل: هو جبل في النار من نار يكلف أن يصعده فإذا وضع يديه ذابت، وإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله ذابت وإذا رفعها عادت. وقيل هو: صخرة عظيمة يسحب عليها الكافر على وجهه. وقيل: هو مشقة من العذاب، أو عذاب لا راحة فيه - وهو اختيار ابن جرير (١).
أيها المسلمون .. حين يعرف المرء الحق ثم يحيد عنه أو يلبس يمكن كشأن المجرمين قديمًا وحديثًا، تكون العقوبة قاسية والذكر سيئًا .. وكذلك كان الوليد ..
لقد جاء إلى أبي بكر ﵁ فسأله عن القرآن، فلما أخبره خرج على قريش فقال: يا عجبًا لما يقول ابن أبي كبشة، فوالله ما هو بشعر ولا بسحر، ولا يهذي من الجنون، وإن قوله لمن كلام الله. وفي رواية: فوالله ما منكم أحد أعلم بالشعر مني، ولا بأشعار الجن، وما يشبه شيئًا من ذلك، وإن له لحلاوة، وإنه ليعلو وما يعلى عليه.
وهكذا اعترف الوليد بعظمة القرآن، وقاتل الله رفقة السوء وقرناء السوء كيف يوقعون أصحابهم، فلما سمع بذلك النفر من قريش ائتمروا فقالوا: والله لئن صبأ الوليد لتصبون قريش. فلما سمع بذلك أبو جهل قال: أنا أكفيكم شأنه، فانطلق حتى دخل عليه فقال للوليد: ألم تر قومك قد جمعوا لك الصدقة؟ فقال: ألست أكثرهم مالًا وولدًا، فقال له أبو جهل: يتحدثون أنك إنما تدخل على ابن أبي قحافة لتصيب من طعامه، فقال الوليد: أقد تحدثت بذلك عشيرتي؟ فلا والله لا أقرب ابن أبي قحافة ولا عمر ولا ابن أبي كبشة -يقصد النبي- وما قوله إلا سحر يؤثر. فأنزل الله بشأنه الآيات السابقات (٢).
стр. 3087
أيها المسلمون تأملوا في ثنايا القصة كيف يعلو الحق ويعترف به الملأ .. وكيف يكون النكوص حفاظًا على المركز، واستسلامًا لأعراف القبيلة وطمعًا في البقاء في الرئاسة، وتأثرًا برفقة السوء، ثم تأملوا كيف يوصف الخير والأخيار، فالنبي الأمين يلقبونه بابن أبي كبشة .. والإسلام بالصباء، وكذلك يتلاعب المجرمون بالألفاظ، ويلمزون الخير والأخيار .. وإذا جرى ذكر السحر، والكهانة، والجنون ونحوها من ألفاظ المجرمين فيما مضى، فاليوم تعود السخرية لكن بألفاظ الإرهاب، والأصولية، والفاشية، ونحوها .. وتتغير الألفاظ والمعنى واحد، ويمضي التاريخ ويتقلب الوليد في النعم .. لكنها أيام الدنيا قليلة وحبالها قصيرة، وتذكره كتب السيرة ضمن المستهزئين بالنبي ﷺ والإسلام، ويسلي الله نبيه ﷺ بكفايته لهؤلاء المستهزئين، ويأمره بالصدع بالحق دون تردد: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٤، ٩٥]. ويهلك الله أولئك المستهزئين جميعًا - وهم خمسة كما ذكرتهم كتب السيرة والتفاسير- وأحدهم بل من أكابرهم الوليد بن المغيرة .. يهلكون بآفات قال عنها الشنقيطي في «أضواء البيان»: والآفات التي كانت سببًا في هلاكهم مشهورة في التاريخ (١).
وكذلك أسدل الستار على قصة هذا المكابر المستهزئ، وبقي ذكره لا يسر الناظرين، وخبره عبرة للمعتبرين، ولئن غاب الوليد عن مشهد الأحداث ببدنه فقد بقي من تاريخه ما يعيد الذكرى في كل حين .. إن في الأرض من يسخر ويستهزئ ويتطاول ويتكبر، ويمهل وينعم عليه .. لكنها نهاية الطغاة
الخطبة الثانية
إخوة الإيمان .. بين خالد بن الوليد ﵁ وبين أبيه الوليد مفارقة كبيرة، وفرق شاسع .. كما بين الثرى والثريا ..
أجل لقد عاش خالد فترة من عمره في مراهقة الجاهلية، وفي طاعة القبيلة، وكان شجاعًا لكن دون هدف، وقائدًا لكن دون إيمان .. ألحق بالمسلمين هزيمة أحد حين انطلق بخيله ومن كان معه إلى من بقي من رماة المسلمين، فأحصاهم قتلًا، واستدار على المسلمين من خلف الجبل، فكان مصاب أحد على المسلمين عظيمًا وبقي خالد جنديًّا مطيعًا لقريش وصاحب خيلها .. وكانت الأحزاب والحديبية .. وخالد لم يسلم بعد، لكنه يكابد القلق، ويعيش التناقضات، ويقول بكل صراحة: «لقد شهدت المواطن كلها على محمد، فليس في موطن أشهده إلا أنصرف وأنا أرى في نفسي أني مُوضع في غير شيء، وأن محمدًا سيظهر، فلما خرج رسول الله ﷺ إلى الحديبية خرجت في خيل المشركين، فلقيت رسول الله ﷺ في أصحابه بعسفان فقمت بإزائه وتعرضت له، فصلى بأصحابه الظهر أمامنا، فهممنا أن نغير عليهم ثم لم يعزم لنا - وكان فيه خيرة - فاطلع على ما في أنفسنا من الهم به، فصلى بأصحابه صلاة العصر، صلاة الخوف، فوقع ذلك منا موقعًا، وقلت في نفسي: الرجل ممنوع فاعتزلنا، وعدل عن سير خيلنا وأخذ ذات اليمين، فلما صالح قريشًا بالحديبية ودافعته قريش بالرواح، قلت في نفسي: أي شيء بقي؟ أين أذهب؟ إلى النجاشي فقد اتبع محمدًا، وأصحابه عنده آمنون، فأخرج إلى هرقل فأخرج من ديني إلى نصرانية أو يهودية؟ فأقيم في عجم؟ فأقيم في داري بمن بقي؟ فأنا في ذلك إذا دخل رسول الله ﷺ مكة في عمرة القضية، فتغيبت ولم أشهد دخوله، وكان
стр. 3090
أخي الوليد بن الوليد قد دخل مع النبي ﷺ في عمرة القضية فطلبني فلم يجدني، فكتب إلي كتابًا فإذا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام، وعقلك عقلك، ومثل الإسلام جهله أحد؟ وقد سألني رسول الله ﷺ عنك، وقال: «أين خالد؟ ».
فقلت: يأتي به الله، فقال: «مثله جهل الإسلام، ولو كان جعل نكايته وجده مع المسلمين كان خيرًا له، ولقدمناه على غيره». فاستدرك يا أخي ما قد فاتك من مواطن صالحة. قال خالد: فلما جاءني الكتاب نشطت للخروج، وزادني رغبة في الإسلام وسرني سؤال رسول الله ﷺ عني، وأرى في المنام كأني في بلاد ضيقة مجدبة، فخرجت إلى بلاد خضراء واسعة. وكذلك وقع الإسلام في نفس خالد وانتهى به المطاف إلى الإسلام ومبايعة النبي ﷺ ، واحتفى النبي بخالد منذ إسلامه، وحاول خالد أن يكفر عن سابقته، فخرج مع المسلمين (لمؤتة) لمجابهة الروم، وكان البلاء هناك واستشهد أمراء المسلمين الثلاثة زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، واستلم الراية بعدهم خالد بن الوليد، ففتح الله عليه .. وأخبر النبي أصحابه عن المعركة وشهداء المسلمين، وعيناه تذرفان حتى قال: «حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليه» (١).
أيها المؤمنون .. لم يكن بين إسلام خالد وبين خروجه مع المسلمين وما فتح الله عليه في مؤتة إلا ما يقرب من أربعة أشهر؛ فإسلامه في صفر سنة ثمان، ومؤتة في جمادى الأولى من السنة نفسها (٢).
ومنذ ذلك الحين واسم خالد يتردد في الملأ، ويحمل تاج (سيف الله
стр. 3091
المسلول) وقد كان لهذا المسمى ثمنًا أعطى خالد من نفسه للإسلام، ومارسه في حركة الفتح الإسلامي .. وأرض العراق وما وراءها، وأرض الشام وما جاورها، تشهد لخالد بالبلاء والفتح المبين، وصفحات التاريخ تعطر بذكر هذا البطل الصنديد ولئن علم الناس من شجاعة خالد ما عرفوا .. فثمة جهد لخالد قد ينغمر في حياته العظيمة، ألا وهو الدعوة للإسلام، فغير المسلمين كان يعجب بخالد وشجاعته ثم يكون الحوار وينتهي إلى الإسلام .. وإليكم نموذجًا لذلك:
حوار خالد مع جرجة: (١)
قالوا: وخرج جرجه أحد الأمراء الكبار من الصف واستدعى خالد بن الوليد، فجاء إليه حتى اختلفت أعناق فرسيهما، فقال جرجة: يا خالد أخبرني فاصدقني ولا تكذبني، فإن الحر لا يكذب، ولا تخادعني فإن الكريم لا يخادع المسترسل بالله، هل أنزل الله على نبيكم سيفا من السماء فأعطاكه الله فلا تسله على أحد إلا هزمتهم؟ قال: لا، قال: فبم سميت سيف الله؟ قال: إن الله بعث فينا نبيه فدعانا فنفرنا منه ونأينا عنه جميعا، ثم إن بعضنا صدقه وتابعه، وبعضنا كذبه وباعده، فكنت فيمن كذبه وباعده، ثم إن الله أخذ بقلوبنا ونواصينا فهدانا به وبايعناه، فقال لي: أنت سيف من سيوف الله، سله الله على المشركين. ودعا لي بالنصر، فسميت سيف الله بذلك، فأنا من أشد المسلمين على المشركين.
فقال جرجة: يا خالد إلى مَ تدعون؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده
стр. 3092
ورسوله، والإقرار بما جاء به من عند الله .
قال: فمن لم يجيبكم؟ قال: فالجزية ونمنعهم.
قال: فإن لم يعطها؟ قال: نؤذنه بالحرب ثم نقاتله.
قال: فما منزلة من يجيبكم ويدخل في هذا الأمر اليوم؟ قال: منزلتنا واحدة فيما افترض الله علينا، شريفنا ووضيعنا وأولنا وآخرنا.
قال جرجة: هل لمن دخل فيكم اليوم من الأجر مثل ما لكم من الأجر والذخر؟ قال: نعم وأفضل.
قال: وكيف يساويكم وقد سبقتموه؟ فقال خالد: إنا قبلنا هذا الأمر عنوة، وبايعنا نبينا وهو حي بين أظهرنا تأتيه أخبار السماء ويخبرنا بالكتاب، ويرينا الآيات، وحق لمن رأى ما رأينا، وسمع ما سمعنا أن يسلم ويبايع، وإنكم أنتم لم تروا ما رأينا، ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحجج، فمن دخل في هذا الأمر منكم بحقيقة ونية كان أفضل منا.
فقال جرجة: بالله لقد صدقتني ولم تخادعني؟ بالله لقد صدقتك (١)، وإن الله ولي ما سألت عنه.
فعند ذلك قلب جرجة الترس ومال مع خالد، وقال: علمني الإسلام، فمال به خالد إلى فسطاطه، فشن عليه قربة من ماء، ثم صلى به ركعتين.
وحملت الروم مع انقلابه إلى خالد وهم يرون أنها منه حملة فأزالوا المسلمين عن مواقفهم إلا المحامية عليهم عكرمة بن أبي جهل والحرث بن هشام، وركب خالد وجرجة معه والروم خلال المسلمين، فتنادى الناس وثابوا وتراجعت الروم إلى مواقفهم وزحف خالد بالمسلمين حتى تصافحوا بالسيوف، فضرب فيهم
стр. 3093
خالد وجرجة من لدن ارتفاع النهار إلى جنوح الشمس للغروب، وصلى المسلمون صلاة الظهر وصلاة العصر إيماء، وأصيب جرجة ﵀ ولم يصل لله إلا تلك الركعتين مع خالد ﵄.
وضعضعت الروم عند ذلك، ثم نهد خالد بالقلب حتى صار في وسط خيول الروم، فعند ذلك هربت خيالتهم، واشتدت بهم في تلك الصحراء، وأفرج المسلمون بخيولهم حتى ذهبوا، وأخر الناس صلاتي العشاءين حتى استقر الفتح، وعمد خالد إلى رحل الروم وهم الرجالة ففضوهم عن آخرهم حتى صاروا كأنهم حائط قد هدم، ثم تبعوا من فر من الخيالة واقتحم خالد عليهم خندقهم، وجاء الروم في ظلام الليل إلى الواقوصة، فجعل الذين تسلسلوا وقيدوا بعضهم ببعض إذا سقط واحد منهم سقط الذين معه.
قال ابن جرير وغيره: فسقط فيها وقتل عندها مائة ألف وعشرون ألفا سوى من قتل في
المعركة.
ألا ما أبعد البون بين ذكر خالد ﵁ وذكر أبيه، وذلكم الفرق بين الإسلام والكفر، ألا وإن التاريخ سجل حافظ، وكما تعطر صفحاته بجهاد المجاهدين وفتح الفاتحين، وإذا كان هذا في الدنيا، فالذكر أعظم والفضيحة أسوأ في الآخرة حين تكون على رءوس الأشهاد، ألا فليجاهد المسلمون بأموالهم وألسنتهم وأيديهم، فالزرع محفوظ، وليستكبر الملأ الظالمون، ويشيعوا في الأرض الفساد، فربك لهم بالمرصاد.
стр. 3094
٢١/ ٨/ ١٤٢٤ هـ
حصار القطاع الخيري لمصلحة من ؟ (*)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره
إخوة الإسلام ديننا دين المحبة والرحمة والإحسان، وأخلاقنا وبذلنا للمحتاج يتجاوز الإنسان إلى الحيوان «في كل كبد رطبة أجر». بل يتجاوز المسلمين إلى الكفار؛ لتأليفهم ودعوتهم للإسلام ﴿والمؤلفة قلوبهم﴾، مصرف من مصارف الزكاة.
ومنذ شع نور الإسلام ونزل القرآن داعيًا للبر والإحسان والنفقة والصدقة، وبساط المسغبة يطوى، ويباشر الفرحة وتعلو وجوه اليتامى والأيامى والأرامل والمحتاجين، فلا ييأس محتاج، ولا يتلوى جائع، ولا يقتل الهم والغم مدينًا أو معسرًا.
بل مرت في تاريخنا الإسلامي فترات كان يطاف بالصدقات والزكوات فلا تجد لها آخذًا، إذ استغنى الناس بما يعطون من حقوقهم وأعطياتهم.
وفي تاريخنا المعاصر، ورغم النكبات والجوائح، وكثرة الرزايا والضحايا، وانتشار الفقر، واتساع مساحة الجهل، إلا أن العمل الخيري بمؤسساته وهيآته المختلفة كان نقطة ضوء وإشعاع خير وسط هذا الظلم والظلام الدامس، أجل لقد كان العمل الخيري الإسلامي هو كف الرحمة التي امتدت على كل أرض وتجوب كل قطر، تمسح دموع اليتامى، وتبدد أحزان الثكالى، وتقتلع مآسي الأرامل، وترعى الأطفال، وتعلم الجهلة وتنقذ الغرقى في أتون الشرك والوثنية، أو براثن الخرافة والبدعة، وكانت هذه المؤسسات الخيرية واسطة خير، ومستشارًا ناصحًا لرجال المال والأعمال، إذ تتكفل بإيصال نفقاتهم إلى المحتاجين، وتسهم في تحقيق الخيرية نيابة عنهم.
стр. 3095
لا يقال ذلك عاطفة ولا تخرصًا .. ولا وهمًا ولا ادعاء بل إن لغة الأرقام تكشف عن إحصاءات، وإن تطلعنا إلى المزيد منها فهي تسر الصديق وتغيظ الأعداء، وعلى سبيل المثال لا الحصر بلغت قيمة نفقات بعض المؤسسات الخيرية الإسلامية وفي مدة محدودة كما يلي: بناء المساجد بلغت تكاليفها مائة وستة وعشرين مليون دولار، المشاريع التعليمية وبلغت تكاليفها مائة وثلاثة وثلاثين مليون دولار، المنح الدراسية بلغت أكثر من خمسة وأربعين مليون دولار، الإغاثة الفردية تكاليفها مائتان وخمسة وثمانون ملون دولار، المخيمات الطبية أكثر من ستة وعشرين مليون دولار، آبار ومياه شرب ستة وثلاثون مليون دولار، وجبات إفطار صائم أكثر من ستة وأربعين مليون دولار، كفالة الأيتام بلغت تكاليفها تسعة وأربعين مليون دولار، أما المراكز الاجتماعية (غير التعليمية) فقد بلغت تكاليفها أكثر من ثلاثة وستين مليون دولار.
وبالجملة فقد زادت تكاليف هذه المشاريع وغيرها عن ثمانمائة وثلاثة وستين مليون دولار، (د. محمد السلومي القطاع الخيري ودعاوى الإرهاب صـ ٥٨٥).
إخوة الإيمان ما جرم من يتعرض لهذا الخير المتدفق، وكيف الحال إذا تعرض لهذه المسيرة الحضارية من يزعمون أنهم رعاة حقوق الإنسان، ورواد الحضارة وحماة العدل في هذا الزمان؟
لقد كشف المخبوء، وتعرت القيم، وانكشف عوار المجرمين، وأحيطت هذه المؤسسات الخيرية بسياج من الحصار، واتهمت زورًا وبهتانًا بالإرهاب، وإذا قدر لهذا الحصار الظالم أن ينجح فستكون الكارثة بأهل الأرض فادحة كم ستكون الصدمة؟ وأي شقاء سيحل بالبشرية إذا حيل بينها وبين هذا الخير؟ والعالمون وغير العالمين يدركون كم هي بعيدة هذه الأعمال الإغاثية عن الإرهاب المزعوم.
وهنا يقال كم تصدم البشرية بمخرجات هذه الحضارة النكرة، التي لم يقتصر نكرها على شعوبها البعيدة عن هدي القرآن، بل تحاول أن يكون النكر سمة لهذا الكون، وخاصة لأهل الإسلام.
стр. 3096
إن على المسلمين ألا يستجيبوا لهذه الصيحات المرجفة، ولا يستسلموا للدعاوى الخاطئة الكاذبة، وألا يقعوا ضحية الإعلام المزيف، والتي أوجدت فتنة دجالين تشبه إلى حد ما فتنة الدجال الأكبر -كما يقال-أجل إن الحكم على هذه المؤسسات الخيرية الإسلامية واتهامها بالإرهاب ظلم بين، فليس هذا في قاموسها، وليس عندها وقت له، إن الذين يشتغلون بتلبية الحاجات الأساسية للناس في إشباع بطونهم، وتقديم دوائهم، وتوفير غطائهم، وإزاحة ركام الأسى والألم من طريقهم .. هؤلاء لديهم من الطهارة وسلامة المقصد ونزاهة الهدف، وشرف تحمل الأعباء، وطلب الأجر ما يسمو بهم عن الإرهاب .. تلك البضاعة المزجاة التي صدرت للمسلمين ثم اتهموا بها.
معاشر المسلمين إن علينا أن ندرك المخطط، والهدف من الاتهام؛ فأعداؤنا يغيظهم أن يتقدم الإسلام بمده الحضاري، وأن يفتح قلوب الناس عبر عدة وسائل في الدعوة والإغاثة .. وحين أحسوا بالمنافسة، ورأوا الناتج للداخلين في الإسلام لم يكن لديهم من وسيلة إلا أن يطعنوا بهذه الأعمال الخيرية؛ بغية الحد منها، وكان الإرهاب هو الدعوى المقدمة والمدخل الواسع للاتهام والإسقاط، وقد صدر مؤخرًا كتاب قيم يعالج هذه التهمة بأسلوب علمي، ويعرض بلغة الأرقام ما يكشف عن إرهاب القوم الحقيقي .. والكتاب بعنوان «القطاع الخيري ودعاوى الإرهاب» لمؤلفه د. محمد بن عبد الله السلومي، وهو من إصدارات مجلة البيان، والكتاب جدير بالقراءة والتأمل للعلماء والدعاة ورجال المال والأعمال، والعاملين في المؤسسات الخيرية الإسلامية وسواهم.
стр. 3097
وزاد الكتاب مقدمة لمعالي الرئيس العام لشئون المسجد الحرام والمسجد النبوي الشيخ صالح الحصين، والذي وصَّف الفتنة الواقعة واللبس في خلط الحق بالباطل والتهم الموجهة للخيريين ومؤسساتهم بقوله: إن تكنولوجيا الإعلام، وتصريحات السياسيين، وكتابات المثقفين، قد خلقت فتنة دجالية تشبه إلى حد يدعو إلى الدهشة ما تصف به النصوص الدجال الأكبر الذي يأتي آخر الزمان. ثم وصف العلاج بقوله: وهذا الوضع يقتضي الاستجابة للحاجة الماسة الملحة إلى مقاومة الفتنة والتصدي للدجل، ونصر الحقيقة، وأن تبذل في هذا السبيل أقصى الجهود على كل المستويات. (مقدمة الشيخ للكتاب صـ ٥).
ثم شخص الشيخ نفسه في مقدمته أهداف الغرب في هذه الهجمة على (الجهاد) و (المؤسسات الخيرية والقيم والمبادئ الإسلامية) فقال: قبل سنوات عني أحد الباحثين بوضع فرضية أدخلها في حاسوبه الشخصي، وظل يرصد الأحداث وتصريحات السياسيين التي لها صلة بهذه الفرضية، وكان يدهش كيف أن الوقائع ظلت تؤيد فرضيته، لقد بنى هذه الفرضية بشكل هرم كتب على ثلثه الأعلى الجهاد، وعلى ثلثه الأوسط المؤسسات الخيرية والمؤسسات المالية، وعلى قاعدته: القيم والمبادئ، وقد افترض أن الغارة على الإسلام -في صراع الحضارات- سوف يكون هدفها الأول الجهاد، وهدفها الأخير القيم والمبادئ، مرورًا بالمؤسسات الخيرية والمالية. (مقدمة كتاب القطاع الخيري صـ ٧).
стр. 3098
أما مؤلف الكتاب فيعرض في مقدمة الكتاب لعمق هذه الظاهرة المتهمة للأعمال الخيرية الإسلامية، وأبعادها والتخطيط لها، فيقول: لقد ولدت مشوهة بإسقاط مبكر، ورغم ذلك كانت قضية عملاقة تزداد يومًا بعد يوم وسنة بعد سنة، حتى تأكد أنها معركة طويلة الأجل، وأنها انطلقت من استراتيجيات وليست من طوارئ أو ردود فعل لأزمات طارئة، بل إنها مسبوقة بتخطيط ومتبوعة بقوة تنفيذ، وقد تعمدت التكرار في إبراز القوة الدينية والأصولية الأمريكية، والأدوار والأقوال المتطرفة لرجال الدين النصارى، كما أبرزت نمو وتكاثر المناهج والمدارس والجامعات الدينية في أمريكا وذلك في مواضع كثيرة من الكتاب لأهميتها في كشف حقيقة الحملة ودوافعها وأهدافها (المقدمة صـ ١٤، ١٥).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٢، ٣٣].
الخطبة الثانية
أيها الإخوة المؤمنون القطاع الخيري رئة يتنفس بها الخيرون وأصحاب الأموال، والمناشط الخيرية دوحة غناء، يستظل بظلها المحتاجون والفقراء .. ومن أعظم جرائم العصر أن توأد هذه النبتة المباركة، أو تجفف منابعها، ومن أبرز معالم الشقوة أن يقف الملأ لهذا النهر الجاري بالمرصاد، ومن المذل المخزي أن يستجيب الراشدون وأهل الإسلام لهذه الممارسات المستفزة، فيصدقوا التهمة بالإرهاب، ويتواروا خجلاً بأعطياتهم ومساعداتهم للمؤسسات الإسلامية والهيئات الإغاثية، أو يتحسسوا من متابعة حساباتهم أو كشف أرصدتهم وجوالاتهم، وهل في عرف دين أو حضارة أو قيم ومبادئ عالية أن يمنع عطاء فقير، أو علاج مريض، أو تنفيس مكروب؟ أو نحوها من أعمال الخير.
стр. 3099
بل على المسلمين كافة والموسرين منهم خاصة أن يدركوا حجم الإعانات والمساعدات، وأعداد الهيئات والمنظمات الغربية التي تقوم بدورها بكل صراحة وراحة، وعليهم أن يعلموا أن عددًا من هذه المنظمات والهيئات الإغاثية تمارس الإرهاب بشكل أو بآخر، وتلقى من الدعم الرسمي والشعبي ما يفوق الخيال، وإليكم شيئًا من البيان عن منظمات القوم وهيآتهم وإرهابهم:
كشف تقرير بريطاني معلومات مهمة وخطيرة عن مراكز تدريب في أمريكا تخرج إرهابيين متخصصين، نفذوا عشرات العمليات التي فاقت ضحاياها في العدد والوحشية ضحايا عمليات ١١ سبتمبر، وتفجيرات السفارتين الأمريكيتين في أفريقيا، دون أن يتحدث عنها أحد، وجاء في تقرير نشرته صحيفة (الجارديان البريطانية) الحديث عن مركز لتدريب الإرهاب .. وتعجب الكاتب من وجود هذا المركز في أرض الدولة التي تدعي محاربة الإرهاب، بينما هي ترعاه وتموله. (القطاع الخيري ودعاوى الإرهاب ١٥٠).
أما المنظمات (غير الربحية) فقد تشكل في أمريكا ما يزيد عن (مليون ونصف المليون) جمعية ومنظمة، كلها معفاة من الضرائب، بل لها حق الحصول على نسبة كبيرة من الضرائب المستحقة على الشركات والأفراد والمنشآت. (السابق/ ٤٣٩).
بل تشير لغة الأرقام المقارنة أن المنظمات الخيرية في كل أقطار العالم الغربي لا تتجاوز مجموع المنظمات الخيرية في ولايتين فقط من الولايات المتحدة الأمريكية (السابق/ ٤٤١).
إخوة الإسلام أما عن الدعم المقدم لهذه الجمعيات الأمريكية من الأفراد فقد بلغ تبرع أكبر ثلاثة متبرعين في أمريكا عام ٢٠٠٠ م أكثر من إحدى عشر مليار دولار، حسب إحصائية كتاب (عطاء أمريكا ١٤٤، السابق ٤٤٩).
وثمة دعم آخر أهم مما سبق: إنه دعم المؤسسات الوقفية، وهذه تقوم بدعم المؤسسات والمنظمات وجمعيات القطاع غير الربحي، وهذه المؤسسات الوقفية يزيد رأس مالها على سبعة وسبعين مليار دولار (السابق ٤٤٨).
стр. 3100
إنها أرقام وإحصاءات خيالية ومخيفة .. ومع أن القوم ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله وستكون عليهم حسرة .. إلا أنهم شرقوا بمؤسساتنا وهيآتنا الخيرية، وهي رقم صغير إلى جانب أرقامهم وما زالوا ولن يزالوا يترصدون لها .. ولئن كانوا أمرًا طبيعيًا وقوفهم لمناشطنا، ومحاولاتهم وقف مد إسلامنا، وإطفاء نور الإسلام كما أخبرنا الله عنهم: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨].
فليس طبيعيًا أن نستجيب لهم، وأن نصدق تهمهم، بل علينا أن نكاثرهم وننافسهم في عمل الخير، ولئن كنا نألم ويألمون فنحن نرجوا من الله ما لا يرجون .. ولئن كانت نتيجة نفقتهم حسرة وندامة، فنحن عاقبة أمرنا في النفقة خلف وبركة ونماء وسعادة، وبعد عن الخوف والحزن؛ فلا خوف على المنفقين المؤمنين ولا هم يحزنون.
أيها الإخوة المسلمون وهنا يبرز سؤال مهم بل عدة أسئلة:
تقول: محاصرة القطاع الخيري لماذا وهو حديث عن (الدوافع والأهداف)؟ ولمصلحة من؟ وما المخرج؟ وما هو النداء الموجه للمسلمين عامة والموسرين والعاملين بالقطاع الخيري خاصة؟
стр. 3101
وإلى أن أجيب عن هذه الأسئلة في خطبة قادمة -بمشيئة الله- أختم حديث اليوم بالقول: والعجب لا ينتهي والدعم للعمل الخيري الغربي لا يقف عند حد دعم كبار الأثرياء، ولا عند دعم المؤسسات الوقفية الغربية ذات الأرصدة الضخمة .. بل يصل في قمته إلى دعم الرئيس الأمريكي، ومؤازرته له، وفي كلمة (بوش) التي انتظرها العالم في الذكرى الأولى لأحداث الحادي عشر من سبتمبر، ركز في كلمته وبشكل لافت للنظر على أهمية العمل الخيري الأمريكي، في الوقت الذي تعلن فيه الحرب على المؤسسات الخيرية الإسلامية، ومما قاله في هذا الصدد: وقد سألني عدد لا يحصى من جميع أنحاء البلاد كيف يمكنني أن أساعد في الحرب على الإرهاب؟ والجواب -كما يقول بوش- هو تغلبوا على الشر بأعمال الخير، أحبوا جارًا، تواصلوا مع شخص يعاني من حاجة، أطعموا جائعًا، علموا طفلاً القراءة، أو شاركوا في الجهود المحلية للتأهب لحالات الطوارئ. (القطاع الخيري ٥١٨).
هكذا إخوة الإسلام ينادي الغرب بأعمال الخير، وتستحث الساسة شعوبَهم للمساهمة، ولئن كان هذا منهم، أليس تناقضًا صارخًا .. أليس استغفالًا للمسلمين، بل وقهرًا لكرامتهم، واعتداءً على قيمهم وإسلامهم حين يمارس الغرب الضغط على مؤسساتهم ومحاصرة إنفاقهم؟ !
وصدق الشاعر حين قال:
بلاد المسلمين بلاد خير ... به شهد المؤيد والمشيح
ألا يا من يعكر ما وردنا ... خسرت فنبع أمتنا طفوح
هو الإسلام غوث للناس يسمو ... به عقل وتسعد فيه روح
رويدك لو خضعنا للدعاوى ... لما فتحت لأمتنا الفتوح
ولا سمعت بدين الله (حينٌ) ... ولا شفيت بمنهجه الجروح
(العشماوي، القطاع الخيري ٥٨٣).
стр. 3102
٢٨/ ٨/ ١٤٢٤ هـ
حصار القطاع الخيري لماذا؟ وكيف المخرج ؟ (*)
الخطبة الأولى
إخوة الإسلام هذا الحديث متمم لحديث قبله عن القطاع الخيري ومحاصرته، وإجابة على تساؤلات: محاصرة القطاع الخيري لماذا؟ ولمصلحة من؟ وما المخرج؟
وهو وما سبقه حديث عن الدوافع والأهداف، وكشف للحقائق بلغة الأرقام، وبيان للمخرج من الحصار، ونداء للمسلمين عامة، وللموسرين والعاملين في القطاع الخيري خاصة.
وفي البداية لا بد من التأكيد على هوية المحاصرين للعمل الخيري وقطاعاته المختلفة، فمن هؤلاء؟
إنهم: السائحون على الكوارث، الراقصون على الأزمات، هم المتطرفون الأصوليون الإنجيليون، والواقعون تحت قبضة الصهاينة المفسدين أصحاب المطامع الشخصية، رعب البشرية ومصدر قلقها ونكدها، والمفاخرون بتدمير العالم وتحجيم فرص الخير لمصالحهم الخاصة.
إن تطاول هؤلاء الأعداء على القطاع الخيري هو جزء من حملة مسعورة، هدفها في النهاية القضاء على الإسلام، وتدمير إمكانات المسلمين .. ومن تصريحات القوم وكلماتهم هوجم الإسلام والقرآن والرسول ﵊، ودونكم البيان، فقد قال القس (فرانكلين جراهام) في مناسبة حفل تنصيب الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش: «إن الإسلام دين شرير سيء جدًّا». وهو الذي قال: «إن الإرهاب جزء لا يتجزأ من تعاليم الإسلام» (القطاع الخيري/ ٥٠٣).
وقال: «إن القرآن يحض على العنف» (السابق ١٥٠٣).
وقال منظر صراع الحضارات (صموئيل هنتنجتون): «إن المشكلة الفعلية ليست في الأصولية الإسلامية، إنها الإسلام نفسه، بحضارته المختلفة، وبأتباعه الذين يعتقدون بتفوق حضارتهم في نفس الوقت الذي نراهم مهووسين فيه بتخلف قوتهم» (السابق ٥١٠).
وقال (جيري فالويل) في برنامجه التليفزيوني أمام العالم كله: «أن الرسول محمدًا ﷺ إرهابي» (السابق ٥١٤).
стр. 3103
ونحن لا نحتاج إلى مزيد نقوله لنؤكد حقد وعداوة القوم واتهامهم للإسلام والمسلمين، والله يقول عنهم: ﴿إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة: ٢]. ويقول: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَا إِن تُطِيعُوا فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠].
ولكنا نذكر ذلك لنرفع اللثام عن الدعوى المغرضة بمحاربة الإرهاب ومطاردة الأصولية، فالأمر أبعد من هذا وأعمق، وإنما جعل (الإرهاب) قناعًا خادعًا أمام البسطاء، واستطاع الغرب وأذنابهم بحملة ظالمة مظلة تمرير مشاريعهم المفسدة، وتبرير حروبهم المدمرة، وتجفيف المنابع الإسلامية .. وكل ذلك باسم (الحملة على الإرهاب)، هذا (القميص المفترى) والذي فصل ونسج في بلاد الغرب، وألبسه المسلمون زورًا وبهتانًا، وما أكل الذئب يوسف ﵇، وما صدق يعقوب ﵇ الفرية بمجرد قطرات دم كاذبة نثرت على قميص الغلام!
إنها (دعوى الإرهاب) .. فرية أبى الله إلا أن يكشفها، وستنكشف أكثر مع مرور الزمن .. لكن وماذا ينفع النائمين إذا استيقظوا على مكر الأعداء وهم يجوسون خلال الديار، وأي خسارة إذا تنبه الغافلون وقد سرق اللصوص نفائس الكرماء؟ !
لا بد أن ندرك أن (الإرهاب) في مصطلح الغرب يعني عداوة أمريكا، فكل من حارب أو عادى أمريكا، فهو (إرهابي)، ولا بد أن ندرك كذلك أن من أهداف الغرب الإستراتيجية ضرب العمل الإسلامي باسم (محاربة الإرهاب)، وما محاصرة القطاع الخيري إلا أسلوب من أساليب تطويق العمل الإسلامي.
стр. 3104
ومن أهداف الغرب محاصرة التعليم الديني، والتدخل في تغيير المناهج الدراسية في بلاد المسلمين، فثمة مطالب أمريكية بإلغاء مناهج التعليم الديني في الوطن العربي، بل ثمة أبحاث وباحثون متخصصون في دراسات الشرق الأوسط، أوصوا بضرورة إلغاء التعليم الديني في المنطقة العربية (القطاع الخيري صـ ٢٣٦).
وفي هذا السياق طالب رئيس لجنة الشئون الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي، السناتور (جوزيف بيدن) بإبلاغ (السعودية) بضرورة التوقف عن دعم المدارس الدينية التابعة لها .. وحينها انتقد وزير الداخلية هذه التصريحات -كما نشرت صحيفة عكاظ (السابق ٢٣٧). فإن لم يحصل الإلغاء فعلى الأقل تشويه هذه المناهج، وتفريغها من محتواها، وطمس معالم الجهاد، والولاء والبراء، ونسخ عداوة الكفار الموصلة في المناهج .. إلى غير ذلك من قيم إسلامية لا ترضي الغرب.
ومن أهداف حملة الإرهاب (المزعومة) إضعاف ومحاصرة القضية الفلسطينية، وذلك من أجل ضمان أمن ورفاهية إسرائيل، وفي أمريكا ثم إغلاق أكبر المؤسسات الإسلامية الداعمة لفلسطين، ثم تبع ذلك إقفال لمؤسسات مماثلة في أوربا، ثم تطور الغرب في محاصرته للمقاومة الإسلامية في فلسطين، حين أعلنت (واشنطن) أن حركتي (حماس) و (الجهاد) منظمتان إرهابيتان، وبالتالي جمدت أموالهما، واستباحت دماء أعضائهما على الأقل من وجهة النظر الإسرائيلية، بل ضغطت (أمريكا) على دول الاتحاد الأوربي لتبني موقفها من المقاومة الإسلامية، وقد كان، ومن هنا جاز لبعض المتابعين أن يربطوا بين حصار القطاع الخيري، وحصار المقاومة والهدف: هو خفق الانتفاضة والقضاء على المقاومة المشروعة، وتأمن إسرائيل (السلومي: القطاع الخيري ٢٨٦ - ٢٩١).
أما اليهود في فلسطين -فمع إرهابهم وتطرفهم- فالغرب يدعمهم ماديًّا ومعنويًّا.
стр. 3105
أيها المسلمون .. أهداف كثيرة ودوافع متعددة يمكن أن تحصى وتعلم من مخططات القوم وتصريحاتهم، ولكنها في النهاية تصب في محاربة الإسلام الحق، ومحاصرة المسلمين؛ ولذا ينبغي أن تعلم أن الإرهاب في نظر الغرب يعني (عداوة أمريكا، والتعرض لشيء من أهدافها)، وأن (الإرهابيين) في نظر الغرب (هم الرافضون لسياسات أمريكا الكارهون لمبادئها).
وإذا عرفنا هذا وأدركناه، استطعنا أن نفهم السر في محاصرة الدعوة الإسلامية والقطاع الخيري .. فهي وسيلة لتجفيف المنابع في ظنهم، وهي أسلوب من أساليب الحصار الاقتصادي، سبقهم إليه كفار قريش في حصار المسلمين ودعوتهم بمكة في شعب أبي طالب، وكما خرج المسلمون حينها منتصرين، فعلى أتباعهم من مسلمي اليوم أن يخرجوا من هذا الحصار سالمين منتصرين، وهذا يستدعي إيمانًا وصبرًا، وتفكيرًا وتخطيطًا حاضرًا ومستقبلاً .. فمكر أولئك يبور، وكيد الشيطان ضعيف، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، والعاقبة للتقوى وللمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.
إن (تقوى الله) من أعظم المخارج لهذه الأزمة، كيف لا والله يحكم ولا معقب لحكمه، ويقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]. والتقوى فرقان بين الحق والباطل: ﴿يِاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إَن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً﴾ [الأنفال: ٢٩].
ومن مخارج الأزمة التخطيط والعمل الدءوب، والتفكير المستمر في الآليات والأساليب، وفقه الواقع، ومعرفة المداخل والمخارج، وعدم إتاحة الفرصة للمتربصين لاختراق هذه الجمعيات والمؤسسات الإسلامية، أو الفصل بينها وبين حكومات بلادها، ومن ثم محاربتها من الداخل، فالأعداء قديمًا وحديثًا بارعون في سياسة (فرق تسد).
стр. 3106
ومن المخارج تطوير العمل الخيري، والتفكر بوجود مؤسسات وقفية داعمة له، وتطوير مخرجاته من كونه أو بعضه مجرد عطاء استهلاكي، إلى كونه عطاء إنتاجيًا، يعلم الفقير كيف يستثمر وقته، وينفع نفسه وأمته.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [آل عمران: ٦٩].
ولا بد مع هذا من تنسيق وتشاور وتكامل بين المؤسسات في تطوير الأداء، ووضع استراتيجيات بعيدة المدى لمواجهة الهجمات التي تشن على الإسلام ومؤسساته.
ولا بد كذلك من ترويج العمل التطوعي الشعبي، وذلك من خلال تشجيع إنشاء جمعيات تطوعية متخصصة في جميع أوجه العمل الخيري، وإذا ركز أعداؤنا على (عولمة فكرهم)، فنحن أولى (بالعالمية) منهم.
ولا بد من التفكير والعمل على وجود مشاريع استثمارية في البلاد الفقيرة، يكون ريعها للدعوة والإغاثة في هذه البلاد، ويقطع الطريق على محاصرة الحوالات للخارج.
وأخيرًا يحتاج القطاع الخيري إلى وسائل إعلام تعمم فكرته وتدافع عنه، وتكشف الأنشطة المعادية له.
الخطبة الثانية
الحمد لله وحده نصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده.
إخوة الإسلام ومرة أخرى وثالثة: محاصرة القطاع الخيري لماذا؟ ولمصلحة من؟
إنه استخفاف بشرائع السماء، واعتداء على قيم أهل الأرض، إلا من نكثت فطرته، وخبثت طويته، ومرغ في الوحل قيمه ومبادئه، هي اعتداء صارخ على دعوة القرآن للبر والإحسان، بل تسفيه لدعوات الأنبياء ﵈ الناهية عن الظلم والعدوان ..
стр. 3107
محاصرة القطاع الخيري مؤشر إلى فساد الأرض، وتعميق الجهل، وزيادة حجم الكوارث، وارتفاع أصوات البكاء والعويل، إن ثمة حقيقة لا بد أن تدرك وهي: إن الطغاة والمفسدين في الأرض يشعلون الحرائق هنا وهناك، ونحن - معاشر المسلمين - نطفئ ما استطعنا من هذه الحرائق، وغيرنا يوسعون دائرة الكوارث في كل حين، ونحن نجتهد في تخفيف معاناة المتضررين منها .. أليس ذلك جرم يشهد على عنف هذه الحضارة، وويلاتها على البشرية؟
ولكن الجرم يتضاعف إذا منع إطفاء الحريق، وصدر القرار الأرعن باتهام من يحد من الكوارث، وينقذ المصابين؟
وهنا توجه رسالة إلى عقلاء ومفكري القوم مفادها: أن ما يمارسه صناع القرار في بلادهم سبب لتدمير حضارتهم هم قبل تدمير الآخرين، وهو موجب لكره العالم لهم، وتمني زوالهم، وحين لم يغب عن بالنا معاشر المسلمين وجود (مليون وخمسمائة) منظمة غير حكومية في بلادكم، و (تسعين) مليون متطوع، و (ثمانين مليون أصولي جديد) ممن يسمون بالمسيحيين المولودين من جديد، و (اثنين وثلاثين ألف) مؤسسة وقفية (انظر: د. محمد السلومي: القطاع الخيري ٥٥٤).
فماذا صنعنا نحن المسلمين لمحاربتها أو محاصرتها؟ وكيف رضيتم بمحاصرة ساستكم وقاداتكم لمؤسساتنا الخيرية؟
أما النداء الموجه للمسلمين عامة: فهو إدراك طبيعة المعركة ومساحة الحصار، وتعانق وعدوان اليهود والنصارى للمسلمين، وعلى كل واحد من المسلمين أن يشمر عن ساعد الجد، وألا يشتغل بالقول: ماذا صنع المسلمون لمواجهة هذا الحصار؟ بل ينبغي أن لا يكون الشعار والسؤال المطروح: [ماذا صنعت للدعوة للإسلام، وما حجم مساهمتي في الدفاع عن قضايا المسلمين؟ ].
وعلى كل مسلم أن يستشعر أنه إنما يقدم لنفسه؛ فالله غني عنا، وهو قادر وحده على إهلاك الظالمين، وإتمام نور الإسلام، ولكن ليبلو بعضكم ببعض، وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم.
стр. 3108
أجل إن الله أغير لدينه وحرماته منا، ولكن ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾.
وثمة رسالة توجه للجنود المجهولين العاملين في القطاع الخيري، ملؤها الإعزاز والإكبار لمجهوداتكم، فكم سهرتم والناس نيام، وكم سافرتم وتحملتم المخاطر، وغيركم آمنون مقيمون بين أهلهم وأبنائهم، تحية لكم حين تخططون، وتحية لكم حين تنفذون، وما أشد فرحتكم حين يدعم الآخرون مشاريعكم، وكأن كل درهم هدية لكم، مع أنه يحملكم مزيدًا من المسئولية والعناء.
وهمسة في آذانكم تقول: اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله، ومعها أخرى تقول: ولا مزيد من التفكير والتخطيط المستقبلي، والتحدي في قدرتكم على فتح آفاق جديدة للعمل الخيري، وعلى تجييش الناس للعمل ودعم القطاعات الخيرية، وإياكم أن يستفزكم الذين لا يوقنون، أو يوهن من عزيمتكم المثبطون والشانئون والمرجفون حتى وإن كانوا من أبناء جلدتكم ومن أقرب الناس إليكم.
* أيها المسلمون جميعًا .. ولا يسوغ لنا بحال أن نعطل السنة النبوية في الجمع في المساجد للمحتاجين وإغاثة الملهوفين، ورسول الهدى ﷺ ما زال يحث المسلمين ويستصرخهم لسد حاجة (وفد مضر)، حتى جمع لهم من المال والمتاع ما أذهب البؤس عنهم وغير حالهم وسد حاجتهم .. ولكم في رسول الله أسوة حسنة.
وعلى العلماء وطلبة العلم والدعاة والأئمة والخطباء أن يقوموا بدورهم بجمع التبرعات، وأن يكونوا وسطاء خير بين أصحاب المال والعاملين في القطاع الخيري؛ فالدال على الخير كفاعله.
стр. 3109
أيها الموسرون من المسلمين .. المال نعمة وزينة، وهو امتحان وفتنة، وفي أموالكم حق معلوم للسائل والمحروم، وتغبطون أن كنتم ممن قال الله عنهم: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً (٩) إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (١٠) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً (١١) وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ [الإنسان: ٨ - ١٢].
يا معاشر الأغنياء .. صائح السماء ينادي: اللهم أعط منفقًا خلفًا، وأعط ممسكًا تلفًا، وصارخ الأرض يصيح: من يغيث الملهوف، من يداوي الجراح، من يحي الموتى بالعلم والإيمان .. وهنيئًا لأموالكم إن لبيت دعوة المنادي.
هل سمعتم بإنفاق الأثرياء من غير المسلمين، وأحدهم (مونا هان) الأمريكي تبرع بكل ثروته لصالح (الكاثوليك)، وصاحب مؤسسة (بل غيتس) أوقف أكثر من (٢٤) مليون دولار عام ٢٠٠٠ م لجمعياتهم الخيرية (القطاع الخيري/ ٥٧٧)، أفيكون هؤلاء أسبق إلى الخير منكم، وأفقه بحاجة المحتاجين من فقرائكم، هل هم أكثر منكم أجرًا؟ ! أم أهدى سبيلاً؟ ! كلا ثم كلا.
معاشر الأغنياء .. لا داعي للقلق والخوف الوهمي في النفقة فالشيطان يعدكم الفقر، والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً.
إن ما تنفقون حجاب لأموالكم من الهلكة، ولجلودكم من النار، وعلاج لأنفسكم من البخل والشح، هل غاب عنكم أن من تدعمون يمثلون خط الدفاع الأول عنكم وعن إسلامكم وبلادكم .. إن الجهاد بالمال مقدم على الجهاد بالنفس في القرآن الكريم .. وفي السنة: «من جهز غازيًا فقد غزى»، ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه، والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم.
стр. 3110
معاشر المسلمين .. ومن الشعر حكمة، تصوروا ضخامة الكارثة وشدة الحاجة وحجم الغربة على لسان الشاعر الفحل حين يقول:
وهنالك في العراء نرى نساءً ... وأطفالاً ونائحة تنوح
تحدث عن بيوتهم الشظايا ... ويروى قصة الظلم النزوح
ألوف في أتون الحرب تشوى ... كأن الأرض تحتهم صفيح
إذا هربوا تلقتهم صقيع ... وإن لم يهربوا حفر الضريح
أتنسبنا إلى الإرهاب زورًا ... وفي عينيك إرهاب صريح
نغيث من اعتديت عليه ظلمًا ... ومن تقسوا عليه وتستبيح
افعل الخير إرهاب لماذا؟ ... وقد نادى إلى الخير المسيح
رويدك لو خضعنا للدعاوي ... لما فتحت لأمتنا الفتوح
ولا سمعت بدين الله حين ... ولا شفيت بمنهجه الجروح
بلاد المسلمين بلاد خير ... به شهد المؤيد والمشيح
ألا يا من تعكر ما وردنا ... خسرت فنبع أمتنا طفوح
هو الإسلام غوث الناس يسمو ... به عقل وتسعد فيه روح
من قصيدة للدكتور عبد الرحمن العشماوي (القطاع الخيري ٥٨١ - ٥٨٣).
стр. 3111
الشكر والشاكرون (١)
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، وأشهد أن لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله كان إمامًا للشاكرين ونموذجًا للصابرين. أيها الإخوة المسلمون ما بنا من نعمة فمن الله، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها.
﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾.
ابن آدم أنت في مبدئك ومنتهاك وفي حال ضعفك وقوتك وصحتك وغناك، وبكل ما تتربع عليه من نعم ويدفع عنك من نقم .. أنت من فضل الله وجوده وكرمه وإحسانه .. شكرت ذلك أم كفرته أدركت هذه النعم أم غاب عنك بعضها.
أجل إن من أسماء الله الحسنى (الشكور) وهو الذي يجازي بيسير الطاعات كثير الدرجات، ويعطى بالعمل في أيام معدودات نعيمًا في الآخرة غير محدود، ومن جازى الحسنة بأضعافها يقال أنه شكر، فإذا نظرت إلى معنى الزيادة في المجازاة لم يكن الشكور المطلق إلا الله لئن زيادته في المجازاة غير محصورة ولا محدودة، ذلك أن نعيم الجنة لا آخر له، والله يقول: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤].
стр. 3112
يا أخا الإسلام الله يهدي للتي هي أقوم ثم يشكر المهتدي وينعم بالصحة والمال ويشكر العابد المنفق، وينعم بالعقل ويشكر المتفكر المؤمن، ويهدي لأحسن الأخلاق والأعمال، ويجزي صاحب الخلق والعمل الحسن.
يا ابن آدم أين تفر من الشكر لله، وأنعمه تحاصرك في ضعفك وإقامتك، وفي حال سرائك وضرائك نعم تترى في اليقظة والمنام، وفي الليل والنهار، سرًا وجهرًا، ظاهرًا وباطنًا .. عافية وأمان، وأموال وأولاد، ومباهج لا تحصى .. حتى إذا ضعفت وتجاوزت حدود الله سترك وأعطاك فرصة للتوبة والندم.
حتى إذا نسبت وغفلت ذكرك واعظ الله علك أن تفيق وتتذكر ..
حتى إذا مرضت وعجزت كتب الله لك من الأجور والحسنات مثل ما كنت تعمل يوم كنت سليمًا مقيمًا ..
يا عبد الله كن من الشاكرين حقًا فهم كما قال الله: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ [سبأ: ١٣].
ولا تحسبن الشكر مجرد كلمة تمر على اللسان مرورًا عابرًا فالشكور - كما قال العالمون - ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده ثناءً واعترافًا، وعلى قلبه شهودًا ومحبة، وعلى جوارحه انقيادًا وطاعة (١).
الشاكر هو من يشكر على الرخاء بزيادة الثناء وعدم البطر ويشكر على البلاء بزيادة الصبر والإمساك عن الشكوى.
إخوة الإسلام ولعظيم منزلة الشكر قرنه الله بالإيمان فقال: ﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم﴾ [النساء: ١٤٧].
والشاكر هو من يرى عليه أثر الشكر ثناءً على الله وقيامًا بواجبات الله،
стр. 3113
وانتهاءً عن المحرمات من سيما الشاكرين البكاء تعظيمًا وخوفًا .. هم الشاكرون الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون.
الشاكرون يتواضعون وإن كانوا كبارًا، ويسارعون للخيرات وإن كانوا لها سابقين ..
يحتاج الشكر إلى إعانة من الله .. والدعاء واحد من مفاتح الشكر، فاسأل ربك أن يجعلك في زمرة الشاكرين ولقد كانت وصية المحب لمن أحب بالاستعانة بالله على الشكر، فقد أخر رسول الله ﷺ بيد معاذ بن جبل ﵁ وقال: «يا معاذ، والله إني لأحبك، والله إني لأحبك، أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» (١).
وقد كان من دعاء الصالحين ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ ... ﴾.
يا عبد الله ويعينك على الشكر أن تنظر إلى من فوقك في الدين فتقتدي به، وتنظر في دنياك إلى من هو دونك فتحمد الله على تفضيل الله لك عليه، وقد ورد في الأثر عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكرًا صابرًا، ومن لم تكونا فيه لم يكتبه الله لا شاكرًا ولا صابرًا من نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به، ونظر إلى دنياه إلى من هو دونه، فحمد الله على ما فضله به عليه كتبه الله شاكرًا صابرًا، ومن نظر في دينه إلى من هو دونه، ونظر في دنياه إلى من هو فوقه فأسف على ما فاته منه، لم يكتبه الله لا شاكرًا ولا صابرًا» (٢).
стр. 3114
يا مسلم يا عبد الله كن شاكرًا تكن في قافلة الأنبياء والصالحين فنوح ﵇ ﴿إنه كان عبدًا شكورً﴾ وإبراهيم ﵇ وصفه ربه ﴿شاكرًا لأنعمه اجتباه﴾ ومحمد ﷺ قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا»، وآل داود قيل لهم: ﴿اعملوا آل داود شكرًا وقليل من عبادي الشكور﴾ لقد أمر الله بالشكر ﴿واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون﴾ ونهى عن ضده ﴿ولا تكفرون﴾.
وأثنى على أهله ووعد بجزائهم ﴿وسنجزي الشاكرين﴾ أي سنعطيهم من فضلنا ورحمتنا في الدنيا والآخرة بحسب شكرهم وعملهم (تفسير ابن كثير ١١٠٢). الشكر من أعلى المنازل، وهو فوق (الرضا)
وحيث سمى الله نفسه شاكرًا، وشكورًا، فقد سمى الشاكرين بهذين الاسمين فأعطاهم من وصفه وسماهم باسمه، وحسبك بذلك محبة للشاكرين وفضلاً (١).
يا أخا الإسلام وثمة قواعد خمس بها يعرف الشاكر، قال عنها ابن القيم ﵀: والشكر مبني على خمس قواعد: خضوع الشاكر للمشكور، وحبه له، واعترافه بنعمته، وثنائه عليه بها، وألا يستعملها فيما يكره (٢).
والشكر معه المزيد أبدًا لقوله تعالى: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ فمتى لم تر حالك في مزيد فاستقبل الشكر.
وإذا اشترك مع المسلمين غيرهم في الشكر على المحاب - وإن تميز المسلمون على غيرهم بكمال الشكر في هذه الدرجة .. فثمة درجة يتقدم المسلمون على غيرهم وربما اختصوا بها ألا وهي الشكر على المكاره و «عجبًا
стр. 3115
لأمر المؤمن إن أمره له كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له وليس ذلك لأحد إلا المؤمن».
كما يختصون بالأجر على الحمد، وقد صح الخبر « ... ومن قال: الحمد لله رب العالمين من قبل نفسه كتبت له ثلاثون حسنة، وحط عنه ثلاثون خطيئة» (١).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٥].
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وسنة نبيه ﷺ .
стр. 3116
الخطبة الثانية
الحمد لله ملء السموات والأرض وما بينهما .. وهو أهل الثناء والمجد أحمده تعالى وأشكره، وقد وعد الشاكرين يثيب (الحمد) في الجنة اللهم لا تحرمنا فضله، واجعلنا له شاكرين ذاكرين.
أيها المسلم اعزم على شكر ربك ولا تتردد فيه أو تتشكك ودونك هذا الحوار وفوائده في العزيمة على الشكر، فقد أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: أن النبي ﷺ كان يلقى رجلاً فيقول: «يا فلان كيف أنت؟ » فيقول: بخير أحمد الله، فيقول له النبي ﷺ : «جعلك الله بخير»، فلقيه النبي ﷺ ذات يقوم فقال: «كيف أنت يا فلان؟ فقال: بخير إن شكرت، قال: فسكت عنه، فقال: يا نبي الله إنك كنت تسألني فتقول: «جعلك الله بخير»، وإنك اليوم سكت عني؟ فقال له: «إني كنت أسألك تقول: بخير أحمد الله، فأقول: جعلك الله بخير، وإنك اليوم قلت إن شكرت، فشككت فسكت عنك» (١).
يا أيها الشاكر وفضل الله عليك عظيم بالشكر، وأنت تبلغ درجة الصائم الصابر، وفي الحديث: إن للطاعم الشاكر من الأجر مثل ما للصائم الصابر» (٢).
يا مسلم يا عبد الله اجعل من وردك اليومي كلما نيرات في الشكر، فمن قال حين يصبح: «اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر، فقد أدى شكر يومه، ومن
стр. 3117
قال ذلك حين يمسي فقد أدى شكر ليلته» (١)
يا عبد الله وهل تعلم أن شكر الناس طريق لشكر الله وقد صح الخبر: (لا يشكر الله من لا يشكر الناس) (٢).
والحديث ورد برفع اسم الجلالة ومظنة (لا يشكر لله) ومن معانيه: إن الله لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس ويكفر معروفهم، وقيل: إن من كان من عادته عدم شكر الناس كان من عادته كذلك كفران نعمة الله (٣).
ابن آدم سيسألك ربك عن الشكر على كل نعمة أنعم بها عليك وفي الحديث القدسي يقول الله يوم القيامة: «يا ابن آدم حملتك على الخيل والإبل، وزوجتك النساء، وجعلتك تربع وترأس، فأين شكر ذلك؟ » (٤).
اشكروا الله وامدحوه، فلا شيء أحب إليه المدح من الله، ولذلك مدح نفسه (٥).
ومن صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرًا فقد أبلغ في الثناء (٦).
وكيف لا يمدح وهو أهل الفضل والثناء والحمد وصدق الشاعر:
إذا كان شكري نعمة الله نعمة ... علي له في مثلها يجب الشكر
стр. 3118
فكيف وقوع الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العمر
إذا مس بالسراء عم سرورها ... وإن مس بالضراء أعقبها الأجر
وما منهما إلا له فيه منة ... تضيق بها الأوهام والبر والبحر
قال العالمون: من أعطى أربعًا لم يمنع أربعًا، من أعطي الشكر، لم يمنع المزيد، ومن أعطي التوبة لم يمنع القبول، ومن أعطي الاستخارة لم يمنع الخيرة، ومن أعطي المشورة لم يمنع الصواب (١).
وقال بعض الحكماء: من قصرت يداه عن المكافأة فليطل لسانه بالشكر (٢).
وأخيرًا اجعل هذا الدعاء النبوي نصب عينيك: رب اجعلني لك شكارًا، لك ذكارًا، لك رهابًا، لك مطيعًا، لك مخبتًا، إليك أواهًا منيبًا (٣).
اللهم اجعلنا لك شاكرين، لك ذاكرين .. اللهم إنا نسألك المزيد من فضلك، والشكر على نعمائك.
стр. 3119
حين يسخر بالنبي ﷺ (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ..
إخوة الإسلام ولا تزال تتأجج مشاعر المسلمين هذه الأيام في مغرب العالم ومشرقه مدافعة عن حياض النبي ﷺ .. حيث الإهانة والسخرية والسب من قبل أقوام لأخلاق لهم.
وينتفض المؤمنون رجالاً ونساءً صغارًا وكبارًا معبرين عن صدق محبتهم لمحمد ﷺ ، وصدق الانتماء لدينه ورسالته .. ولا غرابة في ذلك .. فدون محمد ﷺ ترخص الأرواح، وتبذل المهج والأوقات ..
محمد ﷺ رفع الله شأنه وأعلى ذكره، وختم بالمرسلين شريعته، وبسط في الخافقين نوره ورحمته .. إنه السراج المنير، والرحمة المهداة، والقدوة والأسوة، أعطاه الله اسمين من أسمائه: ﴿بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ وقدمه في إمامة الأنبياء، وجعل رسالته حية في قلوب العالمين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، أحبه المؤمنون، وأنصفه العقلاء، وشهد على صدقه وعدله البر والفاجر، واشترك في ميراثه العرب والعجم، والأحمر والأسود، والذكر والأنثى، والغني والفقير، والقاصي والداني.
من حماقات هذا العصر، ومن مأفون تصرفات السفهاء، وإذكاء لروح العدوان والصدام .. يصدر من الدانمرك ومن ورائها الاتحاد الأوربي أصوات
стр. 3120
منكرة ورسوم كاريكاتورية ساخرة تستهدف الإسلام والمسلمين وتسخر بنبي الرحمة والملحمة.
ما دوافع الحملة ومن وراءها؟ أهي مجرد حقد دفين على الإسلام والمسلمين أم هي مع ذلك متاجرة رخيصة بحرية الرأي؟ تجرأ دولة صغرى على هذه الجريمة النكراء؟ أم ثمة ضمانات ومحالفات من دول كبرى؟
وهذه الحملة الظالمة والهجوم الخاسر ليست وليدة اليوم، وليست قصرًا على مكان دون آخر، ولا على شعب أو ديانة دون أخرى ودعونا نستدعي التاريخ فهو شاهد على حلقات هذا العداء وكاشف لنتائج المعركة .. وهي بلا شك لصالح الحق ولأهل الحق.
حين بعث محمد ﷺ وأعلن دعوته ناصبته قريش العداء، وتجهموه وآذوه وسخروا منه ومما نزل عليه، وقال قائلهم: ﴿لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون﴾ [فصلت: ٢٦] وقريش في داخلها تؤمن بصدق محمد وصدق القرآن .. فمحمد الأمين والقرآن يتحدى .. ولكن قريشًا آثرت هذا الأسلوب للصد والاعتراض وحتى لا ينكشف ضعفهم وباطلهم، ولذا نقل ابن إسحاق عن قريش قولهم (معترفين) فإنكم إن ناظرتموه أو خاصمتموه غلبكم.
واليوم يتكرر الأسلوب ويتخوف الأعداء من مد الإسلام ومن أثر محمد ﷺ على المسلمين وغيرهم فلا يجدون وسيلة إلا التنفير والسخرية والسب والانتقاص.
ولكن وكما خابت قريش وخسرت بالأمس فسيخسر أمثالها اليوم .. أجل إن حملة الأمس الظالمة من قريش الكافرة على رسول الله ﷺ التي سول حمق القوم أن ينشروها في اجتماعات العرب وأسواقهم ومناسباتهم - عادت بدور إيجابي على محمد ﷺ ودعوته .. وصدر العرب - وهم من جهات شتى - وقد