الخطبة الثانية
الحمد لله ملء السموات والأرض وما بينهما .. وهو أهل الثناء والمجد أحمده تعالى وأشكره، وقد وعد الشاكرين يثيب (الحمد) في الجنة اللهم لا تحرمنا فضله، واجعلنا له شاكرين ذاكرين.
أيها المسلم اعزم على شكر ربك ولا تتردد فيه أو تتشكك ودونك هذا الحوار وفوائده في العزيمة على الشكر، فقد أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: أن النبي ﷺ كان يلقى رجلاً فيقول: «يا فلان كيف أنت؟ » فيقول: بخير أحمد الله، فيقول له النبي ﷺ : «جعلك الله بخير»، فلقيه النبي ﷺ ذات يقوم فقال: «كيف أنت يا فلان؟ فقال: بخير إن شكرت، قال: فسكت عنه، فقال: يا نبي الله إنك كنت تسألني فتقول: «جعلك الله بخير»، وإنك اليوم سكت عني؟ فقال له: «إني كنت أسألك تقول: بخير أحمد الله، فأقول: جعلك الله بخير، وإنك اليوم قلت إن شكرت، فشككت فسكت عنك» (١).
يا أيها الشاكر وفضل الله عليك عظيم بالشكر، وأنت تبلغ درجة الصائم الصابر، وفي الحديث: إن للطاعم الشاكر من الأجر مثل ما للصائم الصابر» (٢).
يا مسلم يا عبد الله اجعل من وردك اليومي كلما نيرات في الشكر، فمن قال حين يصبح: «اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر، فقد أدى شكر يومه، ومن
стр. 3117
قال ذلك حين يمسي فقد أدى شكر ليلته» (١)
يا عبد الله وهل تعلم أن شكر الناس طريق لشكر الله وقد صح الخبر: (لا يشكر الله من لا يشكر الناس) (٢).
والحديث ورد برفع اسم الجلالة ومظنة (لا يشكر لله) ومن معانيه: إن الله لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس ويكفر معروفهم، وقيل: إن من كان من عادته عدم شكر الناس كان من عادته كذلك كفران نعمة الله (٣).
ابن آدم سيسألك ربك عن الشكر على كل نعمة أنعم بها عليك وفي الحديث القدسي يقول الله يوم القيامة: «يا ابن آدم حملتك على الخيل والإبل، وزوجتك النساء، وجعلتك تربع وترأس، فأين شكر ذلك؟ » (٤).
اشكروا الله وامدحوه، فلا شيء أحب إليه المدح من الله، ولذلك مدح نفسه (٥).
ومن صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرًا فقد أبلغ في الثناء (٦).
وكيف لا يمدح وهو أهل الفضل والثناء والحمد وصدق الشاعر:
إذا كان شكري نعمة الله نعمة ... علي له في مثلها يجب الشكر
стр. 3118
فكيف وقوع الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العمر
إذا مس بالسراء عم سرورها ... وإن مس بالضراء أعقبها الأجر
وما منهما إلا له فيه منة ... تضيق بها الأوهام والبر والبحر
قال العالمون: من أعطى أربعًا لم يمنع أربعًا، من أعطي الشكر، لم يمنع المزيد، ومن أعطي التوبة لم يمنع القبول، ومن أعطي الاستخارة لم يمنع الخيرة، ومن أعطي المشورة لم يمنع الصواب (١).
وقال بعض الحكماء: من قصرت يداه عن المكافأة فليطل لسانه بالشكر (٢).
وأخيرًا اجعل هذا الدعاء النبوي نصب عينيك: رب اجعلني لك شكارًا، لك ذكارًا، لك رهابًا، لك مطيعًا، لك مخبتًا، إليك أواهًا منيبًا (٣).
اللهم اجعلنا لك شاكرين، لك ذاكرين .. اللهم إنا نسألك المزيد من فضلك، والشكر على نعمائك.
стр. 3119
حين يسخر بالنبي ﷺ (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ..
إخوة الإسلام ولا تزال تتأجج مشاعر المسلمين هذه الأيام في مغرب العالم ومشرقه مدافعة عن حياض النبي ﷺ .. حيث الإهانة والسخرية والسب من قبل أقوام لأخلاق لهم.
وينتفض المؤمنون رجالاً ونساءً صغارًا وكبارًا معبرين عن صدق محبتهم لمحمد ﷺ ، وصدق الانتماء لدينه ورسالته .. ولا غرابة في ذلك .. فدون محمد ﷺ ترخص الأرواح، وتبذل المهج والأوقات ..
محمد ﷺ رفع الله شأنه وأعلى ذكره، وختم بالمرسلين شريعته، وبسط في الخافقين نوره ورحمته .. إنه السراج المنير، والرحمة المهداة، والقدوة والأسوة، أعطاه الله اسمين من أسمائه: ﴿بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ وقدمه في إمامة الأنبياء، وجعل رسالته حية في قلوب العالمين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، أحبه المؤمنون، وأنصفه العقلاء، وشهد على صدقه وعدله البر والفاجر، واشترك في ميراثه العرب والعجم، والأحمر والأسود، والذكر والأنثى، والغني والفقير، والقاصي والداني.
من حماقات هذا العصر، ومن مأفون تصرفات السفهاء، وإذكاء لروح العدوان والصدام .. يصدر من الدانمرك ومن ورائها الاتحاد الأوربي أصوات
стр. 3120
منكرة ورسوم كاريكاتورية ساخرة تستهدف الإسلام والمسلمين وتسخر بنبي الرحمة والملحمة.
ما دوافع الحملة ومن وراءها؟ أهي مجرد حقد دفين على الإسلام والمسلمين أم هي مع ذلك متاجرة رخيصة بحرية الرأي؟ تجرأ دولة صغرى على هذه الجريمة النكراء؟ أم ثمة ضمانات ومحالفات من دول كبرى؟
وهذه الحملة الظالمة والهجوم الخاسر ليست وليدة اليوم، وليست قصرًا على مكان دون آخر، ولا على شعب أو ديانة دون أخرى ودعونا نستدعي التاريخ فهو شاهد على حلقات هذا العداء وكاشف لنتائج المعركة .. وهي بلا شك لصالح الحق ولأهل الحق.
حين بعث محمد ﷺ وأعلن دعوته ناصبته قريش العداء، وتجهموه وآذوه وسخروا منه ومما نزل عليه، وقال قائلهم: ﴿لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون﴾ [فصلت: ٢٦] وقريش في داخلها تؤمن بصدق محمد وصدق القرآن .. فمحمد الأمين والقرآن يتحدى .. ولكن قريشًا آثرت هذا الأسلوب للصد والاعتراض وحتى لا ينكشف ضعفهم وباطلهم، ولذا نقل ابن إسحاق عن قريش قولهم (معترفين) فإنكم إن ناظرتموه أو خاصمتموه غلبكم.
واليوم يتكرر الأسلوب ويتخوف الأعداء من مد الإسلام ومن أثر محمد ﷺ على المسلمين وغيرهم فلا يجدون وسيلة إلا التنفير والسخرية والسب والانتقاص.
ولكن وكما خابت قريش وخسرت بالأمس فسيخسر أمثالها اليوم .. أجل إن حملة الأمس الظالمة من قريش الكافرة على رسول الله ﷺ التي سول حمق القوم أن ينشروها في اجتماعات العرب وأسواقهم ومناسباتهم - عادت بدور إيجابي على محمد ﷺ ودعوته .. وصدر العرب - وهم من جهات شتى - وقد
стр. 3121
سمعوا عن محمد ﷺ ودعوته، وعادت هذه القضية مثارًا للحديث في محالهم ومع أقوامهم، فعرف محمدًا والإسلام من لم يكن يعرفه من قبل.
وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت ... أتاح لها لسان حسود
وأدركت قريش أو لم تدرك أنها صنعت للنبي والإسلام دعاية مجانية ..
واليوم يشكل حمق الأوربيين ومن وراءهم دعاية مجانية لمحمد ﷺ ورسالته، فيعرف محمدًا من لم يكن يعرفه من قبل، ويتساءل مجموعات كبرى من البشر عن دين محمد ما هو؟ وعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا.
وثمة معلم آخر في سيرة محمد ﷺ .. وتعداد وتوعية الساخرين به، فلم يكونوا أفرادًا فقط بل جماعات، ولم يقتصر الأمر على مكة بل شمل المدينة .. بل تجاوز العرب إلى العجم، ويمكن القول أن كفار مكة والمنافقين في المدينة وشياطينهم اليهود وكسرى دولة فارس .. كل هؤلاء حلقات في سلسلة العدوان والسخرية.
إنها جماعات وأفراد، وديانات ومنظمات سرية، ودول كبرى ومع ذلك يشهد التاريخ أن هؤلاء وأولئك تحطموا وفشلوا، وتمزق ملكهم والنصارى الذين أسلم أحدهم في زمن النبوة ثم عاد وتنصر وافترى على النبي ﷺ بقوله: «ما يدري محمدًا إلا ما كتبت له».
فأماته الله وجعله عبرة للمعتدين حيث لفظه القبر مرارًا ثم ترك منبوذًا (١).
قال شيخ الإسلام معلقًا على هذه الحادثة: فهذا الملعون الذي افترى على النبي ﷺ .. قصمه الله وفضحه بأن أخرجه من القبر بعد أن دفن مرارًا .. وأن الله منتقم لرسوله ﷺ ممن طعن عليه وسبه، وتظهر لدينه ولكذب الكاذب.
стр. 3122
إذا لم يمكن الناس أن يقيموا عليه الحد (١).
فقريش أسلمت القياد .. ودخل من دخل منهم في الإسلام، ومن لم يكتب الله له الخير أخذه الله وأخزاه وكان عبرة للمعتبرين .. واليهود حوصروا وطردوا وقتلوا .. والمنافقون فشلوا وكشفوا وخابت مساعيهم.
إن المتأمل في عالم الأمس واليوم يرى هذه الفئات والمجاميع تتكرر في عدوانها وسخريتها، فيهود اليوم حين يسخرون بالإسلام والمسلمين لهم سلف قالوا عن المسلمين ﴿ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها﴾ ﴿وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلاَ تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾.
ونصارى اليوم لهم سلفًا بالسخرية بالنصراني الذي افترى على النبي ﷺ في حياته فأماته الله وفضحه على رؤوس الأشهاد حين لفظه القبر مرارًا .. ولعذاب الآخرة أشد.
ومنافقوا اليوم لهم حرب على السخرية بالإسلام ونبي الإسلام من وراء وراء، وليعرفنهم بسيماهم أو بلحن قولهم .. ومن قبل قال أسيادهم ليخرجن الأعز منها الأذل، لقد مردوا على النفاق، وضيقوا الحصار على المسلمين وقالوا: ﴿لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ... ﴾ ولئن فرق الله ملك كسرى حين سخر بالنبي ﷺ ومزق رسالته .. فهو قادر على تمزيق كل مملكة تتطاول على مقام النبوة وتسخر بسيد المرسلين.
إخوة الإسلام ويعلمنا القرآن .. ويشهد التاريخ أن الله كفى نبيه كيد الكائدين
стр. 3123
وسخرية المستهزئين .. وعصم نبيه وأظهر دينه على الدين كله .. وإذا كان واقع الحال يشهد على ذلك، فشهادة القرآن برهان صدق .. والله يقول: ﴿إنا كفيناك المستهزئين﴾ ويقول: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ بل يتوعد الله من ينال محمدًا بسوء، ويعتدي عليه بالأذى بالعقوبة واللعن في الدنيا والآخرة ويقول: ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابًا مهينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧].
عباد الله وفي مسلسل حلقات السب والشتم والسخرية والاستهزاء بمحمد ﷺ دونكم هذه الحادثة فتأملوها، وتاريخها يعود إلى نهاية القرن السابع الهجري وتحديدًا في سنة ثلاث وتسعين وستمائة وعنها قال الحافظ ابن كثير: (واقعة عساف النصراني) وعنها قال ابن كثير كان هذا الرجل من أهل السويداء (مكان من جبل حوران في أرض الشام) قد شهد عليه جماعة أنه سب النبي ﷺ ، وقد استجار عساف هذا بابن أحمد بن حجي أمير آل علي، فاجتمع الشيخ تقي الدين بن تيمية، والشيخ زين الدين الفارقي شيخ دار الحديث، فدخلا على الأمير عز الدين أيبك الحموي نائب السلطنة فكلماه في أمره فأجابهما إلى ذلك وأرسل ليحضره، فخرجا من عنده ومعهما خلق كثير من الناس، فرأى الناس (عسافًا) حين قدم ومعه رجل من العرب فسبوه وشتموه، فقال ذلك الرجل البدوي: هو خير منكم - يعني النصراني - فرجمهما الناس بالحجارة، وأصابت عسافًا، ووقعت خبطة قوية، فأرسل النائب فطلب الشيخين (ابن تيمية والقارفي) فضربهما بين يديه ورسم عليهما في العذراوية وقدم النصراني فأسلم، وعقد مجلس بسببه، وأثبت بينه وبين الشهود عداوة فحقن دمه، ثم استدعى بالشيخين فأرضاهما وأطلقهما، ولحق النصراني بعد ذلك ببلاد الحجاز فاتفق قتله قريبًا من مدينة رسول الله ﷺ ، قتله ابن أخته هلال وصنف الشيخ تقي الدين ابن تيمية في هذه الواقعة كتابه
стр. 3124
(الصارم المسلول على ساب الرسول) (١).
أرأيتم معاشر المسلمين كيف يحيق المكر السيء بأهله، وكيف ينتقم الله لنبيه ﷺ ، وكيف يحتسب المسلمون وفي مقدمتهم العلماء على أهل الزيغ والضلال والمستهزئين والساخرين .. إن في ذلك لعبرة.
وإذا انتصر شيخ الإسلام للرسول ﷺ بتأليف هذا الكتاب العظيم فهل يا ترى يقرأه المسلمون ليعرفوا مقام النبوة، وعظمة الرسول، وكيف يرد عل المستهزئين والمتطاولين .. وهل تؤكد هذه الأحداث المعاصرة ضرورة معرفة حقوق المصطفى ﷺ والالتزام بها؟
عباد الله وأمر آخر يسر ويفرح ويدعو للفأل وترقب النصر فشدة الهجمة على الإسلام مؤشر إلى قوته والتخوف منه، والتطاول على مقام النبوة والسخرية بالنبي معجل للنصر .. ويحكي شيخ الإسلام عن من سبقه من أهل الفقه والخبرة قولهم: كنا نحصر الحصن أو المدينة الشهر أو أكثر من الشهر، وهو ممتنع علينا حتى نكاد نيأس منه، حتى إذا تعرض أهله لسب رسول الله ﷺ والوقيعة في عرض تعجلنا فتحه وتيسر، ولم يكد يتأخر إلا يومًا أو يومين أو نحو ذلك ثم يفتح المكان عنوة، ويكون فيه ملحمة عظيمة، قالوا: حتى إن كنا لنتباشر بتعجيل الفتح إذا سمعناهم يقعون فيه، مع امتلاء القلوب غيظًا عليهم بما قالوا فيه» (٢).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٨، ١٢٩].
стр. 3125
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين والعاقبة للتقوى والغلبة للمتقين، والذل والصغار على المشركين والمنافقين ..
عباد الله والمسلمون لا تزيدهم هذه الحملات الظالمة إلا تمسكًا بهدي المصطفى ﷺ وثباتًا على الحق، وهم إن دافعوا أو ردوا العدوان فهم إنما يدافعون عن أنفسهم ودينهم ويتعبدون بذلك لخالقهم، لإنهم إن تولوا استبدل الله بهم قومًا غيرهم ثم لا يكونوا أمثالهم.
نعم إن محمدًا ﷺ في عصمة الله ويكفيه دفاع الله عنه، ودينه سيظهر على الدين كله - ذلك وعد غير مكذوب.
ولكن ما واجبنا نحن المسلمين تجاه هذه الحملات السافرة؟
حين يسب الرسول ﷺ لا يصمت إلا أهل الريب ومن في قلوبهم مرض، وخابت أقلام تتوارى حين يكون الدفاع عن الإسلام وعن رسول الإسلام، ولا بارك الله بألسنة تتحدث عن كل شيء إلا عن الإسلام وقضايا المسلمين؟
حين تكون السخرية برسول الله ﷺ تشكر وتعجب، وتشكر هذه الغيرة والعاطفة الإيمانية، وتعجب إن كان أصحابها لا يلتزمون بهدي المصطفى ﷺ في ذواتهم وفي كل حين .. إن الانتصار لمحمد ﷺ يعني أول ما يعني السير على خطاه والاقتداء بهديه في المظهر والمخبر .. ولا ينبغي أن يكون الانتصار عاطفة تفرغ وكفى .. ألا وإن كثرة الصلاة والسلام على النبي ﷺ أسلوب من أساليب الاستنكار لهذه الحملة الظالمة حين يسب محمد ﷺ يجدر بالآباء أن يعلموا أبناءهم وبناتهم ما جهلوا من سيرته وهديه، ويجدر بالمعلمين والمعلمات أن يدعوا الطلبة والطالبات للتعرف أكثر على سيرته والالتزام أقوى بهديه وسنته.
стр. 3126
وأعمق من ذلك أن تعمق السيرة النبوية في المناهج الدراسية من المراحل الأولى وحتى الجامعية ويجدر بالخطباء وأصحاب المنابر الإعلامية أن يدافعوا عن نبيهم ويدعو إلى هداه.
حين يسب الرسول ﷺ يجدر بوسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية أن تعنى بهذه السيرة العطرة وأن تعرف أكثر بهذا النبي المختار، وأن تعي مسئولية الكلمة ومسئولية البلاغ.
حين يسخر بالنبي ﷺ خليق بالهيئات والمنظمات الإسلامية والمجامع والندوات والجمعيات والمؤسسات الإسلامية أن تستنكر وتشجب وتزيد في رسم برامج مستقبلية تعرف بالإسلام ونبيه وتكشف عن زيغ الزائغين وترد على المنتحلين حين يسب الرسول حق على السفارات الإسلامية أن تسحب سفراءها من البلاد التي تجرأت على هذه الجريمة النكراء، وتحية لبلادنا (السعودية) حين سحبت سفيرها من الدانمرك ونأمل أن تحذو الدول العربية والإسلامية حذوها.
حين يسب الرسول خليق بالمسلمين أن يقاطعوا منتجات البلد الساخر ويحاصروهم في اقتصادهم، وخوفهم من انحسار الاقتصاد لم يعد يسرًا وحين يعتدى على جناب النبوة ويسخر بالنبي فخليق بالموسرين أن يطيعوا سيرته بعدة لغات لتصل إلى العالم كله .. فيعرف أخلاق محمد ﷺ وهديه ورحمته وعظيم رسالته من لم يكن يعرفها من قبل حين يقع السب والاستهزاء بمحمد ﷺ حق على أهل العلم والدعوة أن ينشروا سنته ويدعوا إلى أخلاقه وينشروا في العالم رسالته.
حين يسب الرسول ويسخر بالنبي فذلك قمة التطرف ودعوة للصدام، وانهيار للقيم وحين يصدر ذلك من دول تدعي الحرية وتتشبث بالديمقراطية فذلك متاجرة بحرية الرأي وامتهان لمسئولية الكلمة وأسلوب للإقصاء، ونموذج
стр. 3127
للتعصب، وتعبير عن عدم الاعتبار للآخرين ..
إنه الإفلاس في القيم، والشعور بخطر الآخر، واستهلاك للقوة في غير مكانها .. وهكذا ..
إننا نستطيع أهل الإسلام أن نحول هذه الأزمة إلى فرصة وهذه المحنة إلى منحة .. إن نحن تعاملنا مع الحدث بوعي وإيجابية وعمق ومتابعة وإرادة فاعله وتخطيط.
إن هذه النوازل فرصة لجمع كلمة المسلمين وتوحد صفوفهم، فالعدو يحاصرهم في أعلى ما يملكون، ويشهر سلاحهم عليهم في وضح النهار!
وهذه النوازل موقظات للأمة لتستفيق من رقدتها فيعود الشاردون ويستغفر المذنبون، ويستيقظ النائمون على ضربات الأعداء المتتالية .. وماذا بعد سب الرسول وتدنيس القرآن، والسخرية بالإسلام، والاستهانة بالمسلمين؟
إن أمتنا ولود .. وديننا يأبى الذوبان، وشريعتنا رحمة للعالمين، والعالم على شفا جرف هار ولا منقذ إلا وحي السماء .. ولا يؤتمن على الحضارة إلا من يستمسكون بهدي المرسلين لقد خلف تخلف المسلمين عن الريادة .. أن عم الكون الظلم والظلمات وانتشر الباطل وكثر المبطلون وشكى الحجر والشجر .. فضلاً عن بني الإنسان فأين المسلمون؟ دماءً تنزف هنا وهناك، وجراحات تتكرر، هتك للحجب، وعدوان على الأنفس والأموال، ضحايا بريئة، وحصار ظالم، وتهم تكال وإرجاف في الأرض .. وليس بعد الظلمة إلا النور .. ولا بديل للشقاء والنكد إلا السعادة والأمن، والإسلام هو الحل وعلى المسلمين أن يغيروا ما بأنفسهم ليغير الله ما بهم، والنصر قادم .. والفرج آذف .. ولله الأمر من قبل ومن بعد.
стр. 3128
الخيانة بئست البطانة/ أنواع، نماذج، آثار (١)
الخطبة الأولى
الحمد لله أمر بالعدل والتقوى، ونهى عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الله يحب التوابين والمتطهرين والمقسطين وأعلى مكانة الصادقين، وذم الخونة والكاذبين فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج: ٣٨].
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله قدوة الصادقين وإمام المتقين، وتعوذ من الخيانة فقال: «وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة» (٢) اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
إخوة الإسلام: خلق ذميم، وظاهرة تستشري وتتجدد بين القديم والحديث، مضعفة للقوى، محطمة للآمال تسقط العروش، وتهدم البيوت، وتسرع بزوال الدول والأمم تلكم هي الخيانة وبئست البطانة.
كم تعيش الأمم من غصص الخيانة، وكم بليت المجتمعات بهذا الداء النكد، وكم نحن بحاجة إلى فهم قبح الخيانة وآثارها على الفرد والمجتمع، وكم نحن بحاجة إلى التذكير بنماذج مرة للخيانة، وما أحوجنا إلى فضح الخونة والحذر من أساليب وأنماط الخيانة، وحاجتنا أشد إلى الأمناء المخلصين.
إننا - معاشر المسلمين - أمة قامت شريعتها على أساس من الصدق والنصح والعدل والصراحة والوضوح وسطر ساستها وقادتها نماذج عالية في حمل
стр. 3129
الأمانة، ورفض الخيانة، لا تغريهم الدنيا، ولا يبيعون أمتهم وشعوبهم بأبخس الإيمان ..
وحين وجد في الأمة المسلمة خونة مارقون وجد الأعداء فرصتهم للتسلل، فضاعت الديار، وانتهكت القيم، واستبيحت الأعراض، وكان حال الأمة من التشرزم والضياع بحال لا تحسد عليه.
إن الخيانة أنماط وأنواع كثيرة، ولكنها جميعًا مرة الثمرة، وخيمة العاقبة، بالغة الأثر.
هناك خيانة لله، وخيانة للرسول، وخيانة للأمانات، وثمة خيانة زوجية، وخيانة للصديق والحميم، هناك خيانة في العمل، وخيانة في التعامل، وهناك خائنة الأعين، وخائنة الضمائر، وثمة خيانات في السياسة والاقتصاد، والإعلام والتعليم ونحوها.
إنها مسئوليات جسيمة، ومواقع، ومحطات مهمة، والخيانة في أي منها، خيانة للفرد والمجتمع والدولة والأمة.
الخيانة شبح مخيف، وداء عضال، ومرض يسري، إنها غياب في الوازع الديني، واغتيال بشع للمروءة والأخلاق، أنانية ممقوتة، ومؤشر للحقد، ودليل على اللؤم، لا يقدم عليها أكابر الرجال، ولا يرتضيها، أصحاب الشهامة والكرامة.
وهاكم نموذجين في القديم والحديث ضاعت بسبب الخيانة فيهما بلاد المسلمين وتسلط الأعداء عليهم واستباحوا حماهم، وتطاولوا على قيمهم وإسلامهم.
والنموذجان كلاهما في بلاد الرافدين، وفي بغداد على وجه التحديد، سقطت الخلافة العباسية نتيجة مؤامرة لئيمة وخيانة الوزير الرافضي ابن العلقمي وذلك حينما كاتب التتر وطمعهم في دخول بلاد المسلمين، وأضعف جيش الخلافة، وغرر بالخليفة - حين رضيه مستشارًا ووزيرًا، فكانت الكارثة، وكانت
стр. 3130
خيانة ابن العلقمي ركنًا أساسيًا فيها حتى قال الصفدي عنه: «سعى في دمار الإسلام وخراب بغداد» (١).
وابن العلقمي الرافضي هو الذي حفر للأمة قليبًا فأوقع فيه قريبًا - كما قال الذهبي (٢).
ألا ما أعظم خطب الأمة حين يستوزر المنافقون، ويستنصح الخونة ويستشار المفسدون، وفي التاريخ دروس لمن عقل يقول الذهبي: استوزر (الخليفة) المستعصم ابن العلقمي الرافضي فأهلك الحرث والنسل، وحسن له جمع الأموال وأن يقتصر على بعض العساكر، فقطع أكثرهم (٣).
وقال ابن كثير عنه: «إنه لم يعصم المستعصم في وزارته، ولم يكن وزير صدق ولا مرض الطريقة» (٤).
وقال أيضًا: «إنه كان وزير سوء على نفسه وعلى الخليفة وعلى المسلمين» (٥).
إخوة الإسلام ويعيد التاريخ نفسه، وتتكرر مشاهد الخيانة عبر القرون - حين يتصدر القيادة الخونة، وينحى أهل العدالة والأمانة.
وفي بغداد (المعاصرة) يتكرر مشهد الخيانة، وتسقط بغداد فجأة بأيدي الغزاة الأمريكان، وكان يوم التاسع من إبريل عام ٢٠٠٣ م يوم صمت وحيرة وتساءل كيف سقطت بغداد بأيدي الاحتلال بهذه السرعة المذهلة ودون مقاومة؟
ثم جاءت تصريحات القادة الأمريكان لغزو العراق لنحل هذا اللغز المحير، وتجيب على هذا السؤال الملح .. كيف سقطت ولماذا استسلمت بغداد؟
стр. 3131
وحملت الإجابة خيانة بعض القادة العسكريين في العراق، وصرح قائد الحملة العسكرية على العراق (تومي فرانكس) لوكالات الأنباء ونشر في الجرائد في العالم يوم ٢٥/ ٥/ ٢٠٠٣ م قوله: إن عددًا من كبار ضباط الجيش العراقي الذين كانوا يتولون الدفاع عن عدد من المدن الرئيسية في العراق قد تقاضوا (رشاوى) من الولايات المتحدة لمنع قواتهم من قتال القوات الأمريكية الخاصة أثناء الحرب (١).
وجاء في صحفية (الاند بند نت) البريطانية عن أحد قادة وزارة الدفاع الأمريكية: إن الرشوة التي قدمت لأبرز القادة العراقيين توازي تكلفة صواريخ (كروز) .. وقال: إن تقديم هذه الرشاوى حقق الهدف المطلوب دون إراقة دماء، وقال: إن هذا الجزء من العملية العسكرية كانت له أهمية العمليات العسكرية نفسها وربما أكثر أهمية (٢).
معاشر المسلمين كم يعاني شعب العراق اليوم من آثار هذه النكبة المروعة، بل وكم تعاني الأمة من ويلات الاحتلال في العراق .. والذي كان من أبرز أسبابه الخيانة.
أرأيتم كيف تخذل الأمة من أبنائها .. كم بليت أمتنا بمثل هذه النوعية التي باعت ضمائرها قبل أن تبيع بلادها وتخلت عن كرامتها قبل أن تسلم بلادها وشعوبها للمستعمرين إنها الخيانة مرض فتاك .. وإنهم الخونة نقطة مظلمة في تاريخ الأمة المشرق، مهما كانت دعواهم في (الوطنية) و (الصمود) وخابوا وخسروا حين يرشون بلعاعة من الدنيا وقد يقضى عليهم قبل الاستمتاع بها، وقد يقعون في القليب التي حفروها .. فهل من مدكر؟
стр. 3132
﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢].
أيها المسلمون وكما يوجد في تاريخنا نقاط مظلمة وخونة مفسدون يوجد كذلك نقاط مضيئة ومشرقة، ورجال مخلصون أوفياء لأمتهم وبلادهم وإذا كان التاريخ المعاصر يحفظ للسلطان العثماني/ عبد الحميد ﵀ وقفته الشجاعة في وجه الصهاينة اليهود الذين راودوه عن التنازل عن جزء من فلسطين مقابل دعم مادي مغر له شخصيًا وللدولة العثمانية عمومًا، بلغ خمسة ملايين ليرة ذهبية هدية لخزينته الخاصة، ومائة مليون كقرض لخزينة الدولة بلا فائدة لمدة مائة عام، على أن يسمح لليهود ببعض الامتيازات في فلسطين.
وما أن أتم المفاوض اليهودي (قره صو) كلامه حتى نظر السلطان عبد الحميد إلى مرافقه بغضب وقال له: هل كنت تعلم ماذا يريد هذا الخنزير؟ فاعتذر بعدم علمه، ثم التفت السلطان إلى اليهودي قائلاً: «اخرج من وجهي يا سافل».
فالتاريخ يحفظ كذلك تكرر هذه المحاولات من اليهود، ويحفظ المواقف البطولية والكلمات الصادقة للسلطان عبد الحميد، ومن كلامه قوله: إذا تجزأت إمبراطوريتي يومًا فإنكم قد تأخذونها بلا ثمن، أما وأنا حي فإن عمل المبقع في بدني لأهون علي من أن أرى فلسطين قد بترت من إمبراطوريتي.
ومما قاله كذلك: إنكم لو دفعتم ملء الأرض ذهبًا فلن أقبل بتكليفكم هذا بوجه قطعيًا، فقد خدمت الأمة الإسلامية ما يزيد على ثلاثين سنة، فلم أسود صحائف المسلمين .. وحين خلع ﵀ قال: الحمد لله أنني لم أقبل أن ألطخ الدولة العثمانية والعالم الإسلامي بهذا العار الأبدي الناشئ عن تكليفهم بإقامة دولة يهودية في الأراضي المقدسة في فلسطين (مجلة البيان/ العدد السابق) كم تحتاج أمتنا إلى مثل هؤلاء.
стр. 3133
الخطبة الثانية
أيها المؤمنون ..
١ - المعصية خيانة ومنه قوله تعالى: ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾ [البقرة: ١٨٧]. أي تخونونها بالمعصية (ابن قتيبة) تأويل مشكل القرآن (٤٧٨).
٢ - ونقض العهد خيانة ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨].
٣ - والمخالفة في الدين خيانة ﴿كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما﴾ [التحريم: ١٠].
٤ - والزنا خيانة: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢] (١).
٥ - والكذب في المشورة خيانة، وفي الحديث: «ومن استشاره أخوه المسلم فأشار عليه بغير رشد فقد خانه» والخيانة نفاق وهي من علامات المنافقين «وإذا ائتمن خان» (١)، وهي من أخلاق اليهود ﴿وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ﴾ [المائدة: ١٣].
وهي كبيرة من الكبائر .. تعظم أو تصغر بحسب نوع الخيانة.
ألا فاحذروا الخيانة يا عباد الله .. بكل أشكالها وألوانها.
стр. 3134
فأهل النار خمسة كما في حديث مسلم (١) وأحدهم «الخائن الذي لا يخفى له طمع (أي لا يظهر) وإن دق إلا خانه ... ».
وظهور الخيانة وتولية الخونة من أمارات الساعة قال ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والتفاحش، وقطيعة الرحم، وسوء المجاورة، وحتى يؤتمن الخائن ويخون الأمين .. » (٢).
لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة - كما أخبر النبي ﷺ (٣).
يا أيها البائع احذر الخيانة في البيع والشراء بتحسين القبيح أو بالكذب والنجش ففي الحديث قال ابن أبي أوفى ﵁: الناجش آكل ربًا خائن (٤).
وآكل الربا وموكله محارب لله ولرسوله، وخائن لنفسه ولمجتمعه.
يا أيها العامل في أي مهنة إياك والخيانة في عملك، وكم هو ظلم ولؤم أن تخون من ائتمنك، ومهما غاب عنك الرقيب فاعلم أن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، إن من السوء الخيانة في الهندسة والمعمار، وأسوأ منه الخيانة في الطب.
يا أيها الموظف احذر الخيانة في وظيفتك سواء كان ذلك بنقص ساعات العمل أو عدم قضاء حوائج الناس، أو تعاطي الرشوة وذاك أعظم.
يا أيها المعلم أنت مؤتمن على التربية والتعليم فإياك إياك أن تخون الأمانة أو تقصر في عطائك فتتخرج على يديك أجيال ضعيفة في العلم، قاصرة في التربية ..
стр. 3135
يا أيها المدير والمسئول اتق الله فيما ائتمنت عليه، وإياك أن تجعل من الإدارة والمسئولية سلمًا لتحقيق أهدافك الشخصية وطموحاتك الخاصة .. كن نموذجًا في الأمانة والعدل والصدق .. وسوف تسأل عن هذه المسئولية.
أيها الآباء والأمهات أولادكم أمانة في أعناقكم فالله الله في هذه الأمانة تربية وإعدادًا ومتابعة.
أيها المسلمون جميعًا والسمع والبصر والفؤاد أمانات عندكم فاحفظوها في حدود ما أحل الله وإياكم والخيانة بالنظر أو الاستماع للحرام أو أن تنطوي القلوب على الغل والحسد .. فذلك خيانة فاحذروها ..
عباد الله فتشوا عن أحوالكم وانظروا في الأمانات التي أودعتموها وساءلوا أنفسكم هل حفظتم الأمانة؟ وهل وقعتم في شيء من الخيانة؟ فالخيانة أسوأ ما يبطن الإنسان.
إن انتشار الخيانة في المجتمع من علامات اضمحلاله، ونكده، وتفرق كلمة أبنائه .. والخيانة جسر يعبر عليه أعداء الأمة ليذهبوا ريحها لنحارب - جميعًا - الغش والخيانة والكذب والنفاق، والغل والحسد .. حتى يعود لمجتمعنا صفاؤه، ولأمتنا مجدها وعزها ولنضيق الخناق على الغادرين والماكرين والخائنين، فأولئك لا مقام لهم في المجتمع النظيف .. والمواطنة الصالحة ..
يا مسلم يا عبد الله أيًا كان موقعك ومهما كانت مسئوليتك أنت على ثغر من ثغور الإسلام فالله الله في حفظه وإياك والخيانة في أداء الواجب، واعلم أن الحيل والمبررات لا تخرج الخيانة عن حقيقتها، ولا تلبسها المشروعية تسميتها بغير اسمها.
أمتنا اليوم تستشعر غزو الأعداء لها، وتدرك ما يخطط لها وهي أحوج ما تكون إلى رجال أوفياء صادقين مؤتمنين، لا يفكرون في مصالحهم الشخصية،
стр. 3136
بل يضعون نصب أعينهم المستقبل المشرق ويضعون لبناته الأولى ..
كفانا من ذل الهزيمة ما دهانا .. وكفانا من نماذج الخيانة ما أضعف قوانا، لقد شمت بنا أعداؤنا، وسلطوا بعضنا على بعض إن الخيانة طريق موصل إلى العار في الدنيا والنار في الآخرة .. وإن الأمانة والصدق عز وكرامة في الدنيا، وسعادة ونعيم في الآخرة.
اللهم إنا نعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة، ونسألك الصدق في أقوالنا وأفعالنا .. اللهم جنب أمتنا الشرور والفتن واحفظها من الخونة والمفسدين ..
стр. 3137
معنيات الطاعة (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ..
إخوة الإسلام قضى ربنا ألا يعبد إلا هو ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ وحكم أن الدين الحق هو الإسلام ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾.
وما من أحد إلا وهو متخذ إلهًا حقًا كان أم باطلاً، فالمسلمون يتخذون من الإله الحق معبودًا لهم يعظمونه ويطيعونه ويتوكلون عليه وينيبون إليه ﴿ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير﴾ وغير المسلمين يعظمون آلهة ما أنزل الله بها من سلطان ﴿ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانًا وما ليس لهم به علم وما للظالمين من نصير﴾ [الحج: ٧١].
تتعدد الآلهة عند هؤلاء ويتعدد الشركاء .. وكلهم يشرعون ما لم يأذن به الله، والذين يتخذون أهواءهم آلهة من دون الله فأولئك ختم على قلوبهم وأسماعهم وجعل على أبصارهم غشاوة .. وإن خيل للناس أنهم يبصرون، وهم مرضى قلوب وإن كانوا أصحاء الأجساد ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣].
عباد الله الحديث هنا ليس حديثًا عن الكافرين وضلالهم وعاقبتهم وجزائهم، ولكنه حديث موجه للمسلمين الذين يعترفون بالعبودية لله رب العالمين، والذين
стр. 3138
يدركون قيمة الحياة والهدف من الوجود، وهو باختصار مجمل في قوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ وفي قوله تعالى ﴿خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً﴾ وليس الحديث كذلك عن معنى العبادة وتفصيلاتها .. ولكنه حديث عن الأمور التي تعين العبد على العبادة والطاعة فما هي الأمور المعنية للمسلم على العبادة - والحديث عن هذا يطيب في كل زمان .. ولكن الحاجة تشتد إليه كلما اشتدت الأحوال وتعاظمت الفتن، وكثر التفلت من الدين، واستسلم الناس للأهواء، وانقادوا للشهوات، وضعفت العبادة:
١ - الاستعانة بالله .. فلا حول للعبد ولا قوة له إلا بالله، وصلاح العبد في ركونه إلى الله، واعتماده عليه وطلب العون منه، وهلاكه وفساد حاله في الاستعانة بما سواه ومن أعانة الله فهو العبد الموفق، ومن خذله الله وأهانه فما له من ناصر أو مكرم.
ألا وإنه جدير بمن يقف بين يدي الله مصليًا أن يتذكر معنى ما يقوله في كل ركعة ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ يقول ابن رجب ﵀ «فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات وترك المحظورات والصبر على المقدورات كلها، في الدنيا وعند الموت وبعده من أهوال البرزخ ويوم القيامة فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كله أعانه .. ومن ترك الاستعانة بالله واستعان بغيره وكله الله إلى من استعان به فصار مخزولاً» (١).
أخي المسلم هل تعلم أن الدين نصفه استعانة، وفي هذا يقول ابن القيم ﵀: «التوكل نصف الدين والنصف الثاني الإنابة، فإن الدين استعانة وعبادة، فالتوكل هو الاستعانة، والإنابة هي العبادة» (٢).
стр. 3139
٢ - مجاهدة النفس .. فالنفس صعبة المراس، وهي أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، وهي أميل إلى العاجلة منها للآجلة .. ولذا يعين في التعبد مجاهدتها ومخالفتها ابتغاء نجاتها وطيب حياتها يقول ربنا ﵎: ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى﴾ ويقول ابن الجوزي ﵀: النفس مجبولة على حب الهوى فافتقرت لذلك إلى المجاهدة، والمخالفة ومتى لم تزجر عن الهوى، هجم عليها الفكر في طلب ما شغفت به فاستأنست بالآراء الفاسدة، والأطماع الكاذبة والأماني العجيبة، خصوصًا إن ساعد الشباب الذي هو شعبة من الجنون، وامتد ساعد القدرة إلى نيل المطلوب» (١) المجاهدة أمر رفيع القدر عالي المنزلة، قد تضعف أمامه صغار النفوس، ولا تعجز عنه نفوس الكبار، أرشد إلى المجاهدة رسول الهدى ﷺ واعتبره في طليعة الجهاد فقال: «المجاهد من جاهد نفسه لله » (٢) واعتبر ابن عبد البر أن مجاهدة النفس أفضل من مجاهدة العدو (٣).
على أن مما ينبغي أن تعلم أن مجاهدة النفس وسط بين الإفراط والتفريط، فمن أرخى العنان لنفسه أهلكته، ومن ألجمها حتى عن المباحات والطيبات أضعف سيرها وقصر في واجبها، قال العالمون أعجب الأشياء مجاهدة النفس لأنها تحتاج إلى صناعة عجيبة، فإن أقوامًا أطلقوها فيما تحب فأوقعتهم فيما كرهوا، وإن أقوامًا بالغوا في خلافها حتى منعوها حقها وظلموها ..
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾.
٣ - ومما يعين على التعبد تنويع الطاعات والترويح بين العبادات، حتى لا تمل النفس وتكل وحتى يكون للعبد أسهم متعددة في الخير، وطرق كثيرة
стр. 3140
للجنة .. بين صلاة وصيام، وذكر وتلاوة قرآن، ودعوة للخير، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وإحسان للخلق، وصدقات وصلات، وأخلاق فاضلة وظنون حسنة، وأدب وتربية .. إلى غير ذلك من أنواع القربات .. وحبذا لو حاسب العبد نفسه كل حين يوم أو كل أسبوع أو كل شهر عن أنواع الطاعات التي مارسها وتقرب إلى خالقه بها، حتى يكتشف نفسه فإن وجد خيرًا حمد الله وزاد، وإن وجد خللاً أو تقصيرًا سدد الخلل واستغفر وأناب.
٤ - ومع تنويع الطاعات فثمة معين آخر لا يكلف النفس إلا استحضار النية ألا وهو توسيع دائرة التقرب فمهما اجتهد المرء في العبادات المحضة فإنها تبقى معدودة، وقدرته عليها محدودة .. ولذا فتح الرحمن على عباده الموفقين للخير أمورًا تمكنهم من خلالها توسيع دائرة تقربهم ومن ذلك: أ- احتساب الأجر في الأمور المباحة .. والتي قد يراها الإنسان أمورًا عادية أو واجبة عليهم، كالنفقة على الأهل فهي مع الاحتساب قربة لله وطاعة قال ﷺ : «إذا أنفق المسلم نفقة على أهله وهو يحتسبها كانت له صدقة» (١). فهل نحتسب النفقة على أهلينا وأولادنا في عداد الصدقات .. دون أن يكون لذلك أثر على الصدقات الأخرى؟ ومثل ذلك يقال في احتساب الأجر في العمل الوظيفي والتعليمي والبيع والشراء وسائر المباحات فقد يتحول من عادة إلى عبادة ومن مجرد واجب يؤدي إلى دعوة للخير يثاب فاعلها.
ب- ومن ذلك كذلك الهم بنية الخير وإن لم يعمل المرء لعارض أو سبب .. فذلك مؤشر على طيب النفس وحب الخير، ومنهج لنشر الخير ومحاصرة الشر، وربنا يحاسب على الخردل والقطمير، وفي الحديث قال ﷺ : «إن الله كتب
стр. 3141
الحسنات والسيئات ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها وعملها كتبها الله له عنده عشرة حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة» (١). ومن وصايا الإمام أحمد لابنه: «يا بني انو الخير فإنك لا تزال بخير ما نويت الخير» ألا أنها دعوة لاستحضار نية الخير دائمًا، والتفكير في إرساء دعائم الحق ونصرة الحق، والدعوة للهدى والبعد عن الشر ومهالك الردى، ومن لم يعمل الخير فلا أقل من أن يتمنى فعله، ومن لم يكن من الأخيار فلا أقل من محبتهم. إنه تدريب للنفوس وحض لها على الخير.
جـ- ومن ذلك إرادة أكثر من قربة بالعمل الواحد، إذ من الممكن عمل أكثر من طاعة في جهد واحد - وذلك لا يحتاج إلا إلى احتساب نية الأجر المتعددة كمن ينوي بمكثه في المسجد انتظار الصلاة، والاعتكاف، وكثرة الذكر، وينوي بأكل الطعام الحلال البعد عن الحرام، والتقوي على الطاعة، وشكر المنعم، وهكذا ..
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢].
стр. 3142
الخطبة الثانية
الحمد لله يمن على من يشاء بطاعته، والموفق من أعانه ربه على ذكره وشكره وحسن عبادته وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه كان نموذجًا للمسارعة في كل قربة، وقال وقدماه تتفطر من القيام: «أفلا أكون عبدًا شكورًا» وهو المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر - اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين.
أيها المسلمون ..
٥ - ويعين على التعبد الرفقة الصالحة فهم خير عون لصاحبهم على الخير إن رأوا معروفًا شجعوا وشاركوا، وإن رأوا منكرًا نهوا واعتزلوا، يشجعون صاحبهم على الطاعات وينهونه عن المحرمات .. إن الصاحب ساحب وقرين بين من يسحب للخير ومن يسحب للشر، وكل قرين بالمقارن يقتدي، ومن مشكاة النبوة فالجليس الصالح كحامل المسك، إما أن تبتاع منه أو يحذيك رائحة حسنة، والجليس السوء كنافخ الكير فإما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحًا منتنة .. وكم تفوح روائح المسك من رفقاء الخير، وكم يحرق الدين فضلاً عن الثياب رفيق السوء .. ألا فاختاروا رفقاءكم .. وفي الحكمة قل لي من رفيقك أقل لك من أنت .. ذلك على مستوى الشباب والكبار والرجال والنساء .. وإن كان الأثر أعظم مع الشباب وفي مجتمع النساء.
ألا وإن الرفقة المتحابين في الله على غير أرحام، بينهم على منابر من نور يغبطهم الأنبياء والشهداء وهم ليسوا كذلك لكنهم اجتمعوا في ذات الله وتحابوا في الله، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر أولئك يكسبون إذا خسر الناس ويأنسون حين يلتقون في الجنة في حين يلعن الأشرار بعضهم بعضًا، قد تنقلب
стр. 3143
الصداقة إلى عداوة ﴿الأَخِلاَّء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ ألا يا من كنت غارقًا في المحرمات .. ضعيفًا في أداء الواجبات بسبب رفقة سيئة مسارع بالخلاص منهم، واستعض عنهم رفقة صالحة .. فإن الصحيح تناله عدوى الأجرب.
٦ - ومن المعينات على العبادة استشعار قصير الأمل، وصوارف الزمان، والخوف من مهلكات الفتن، فالسليم في هذه الحياة يمرض، والقوي يضعف، والشباب يهرم، وأحداث الزمان المفاجئة قد تأخذ الإنسان على حين غفلة، والإنسان معرض للفتن صباح مساء، والعبادة في أوقات الفتن كهجره إلى المصطفى ﷺ ، والحث على الطاعة مستديم ولكن المبادرة بالأعمال الصالحة في أزمان الفتن، وصية الذي لا ينطق عن الهوى «بادروا بالأعمال فتنًا لقطع الليل المظلم» تذكروا هادم اللذات (الموت) يحفزكم على الطاعة والاستعداد للرحيل، زوروا المقابر بأجسادكم وزوروا الآخرة بقلوبكم، وتصوروا هول الموقف بعقولكم، وتفكروا فيمن رحل قديمًا أو حديثًا من أقاربكم أو أصدقائكم، ثم اعلموا أن يومًا عند ربك كألف سنة مما تعدون.
٧ - عباد الله .. والدعاء لله والتضرع بين يديه معين على العبادة، والدعاء نفسه عبادة لله، كيف لا والله يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ لقد عمد الصالحون وفي مقدمتهم الأنبياء إلى الدعاء وقالوا: ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾
стр. 3144
وقالوا: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ وأوحي إليهم مما قالوا: ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾ وكان من دعائه ﷺ : «اللهم أعني على ذكرك وعلى شكرك وعلى حسن عبادتك»، «يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على طاعتك» ألا فألح على ربك يا عبد الله بحسن العبادة والمداومة عليها وقبولها .. فمهما اجتهدت بلا توفيق من الله وتسديد وقبول فجهدك ضعيف، والقبول هو الأساس وهو علامة التقوى ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾.
٨ - وبالجملة فصحة الإيمان والخوف من الجليل والزهد في الدنيا، والشوق للآخرة .. كل أولئك تغذو السير، وتعين على العبادة، وتقلل الطمع في الدنيا وتضعف الانشغال بها ..
أجل إن التفرغ للعبادة لا ينقص من الرزق، وأن الشره في طلب الدنيا لا يمنع الفقر - ذلك واقع مشهود، أما الحديث القدسي فقد جاء فيه: «ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسد فقرك، وإن لا تفعل ملأت يديك شغلاً ولم أسد فقرك» (١).
٩ - أيها المسلم الحريص على وقته والراغب في كثرة ثواب ربه، تنبه لفضائل الأعمال وفضائل الزمان، والمكان فليكن لك منها نصيب، وتحين حضور القلب فانكسر فيه بين يدي الله، وأعط نفسك حظها من الجد في طاعة تميل إليها، وجاهدها فيما تكره حتى تستمرئها - وإياك واليأس والقنوط والإحباط فتلك قواتل تمنع السير إلى الله، واعلم أنك تقبل على رب عظيم يفرح بالتوبة ويضاعف الحسنة، وهو الرحيم اللطيف الخبير.
стр. 3145
وإذا ضعفت في زمان فعوض عنه في زمان آخر، وإذا فاتك الخير في ساعة فلا يفتك في ساعة أخرى وإذا مسك الشيطان في حين ضعف فتذكر واستعذ بالله منه ولا تستسلم لإغرائه وإغوائه ذلك ذكرى للذاكرين، ومن عمل صالحًا فلنفسه ومن أساء فعليها .. إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب.
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
стр. 3146
تميم الداري وخبر الدجال والمبشرات (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ..
أبو رقية تميم بن أوس الداري .. ماذا نعرف عنه، وما صلته بأحاديث الفتن والدجال؟ وما المبشرات التي حفظها تميم عن الرسول؟ وأحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، كان نصرانيًا فأسلم، ووفد على رسول الله ﷺ سنة تسع في المدينة هو وأخوه (نعيم) فأسلما وأقطعهما رسول الله ﷺ شيئًا من أرض الشام، وتحديدًا من أرض فلسطين .. وهي بلدهما، فقد ورد أن تميمًا لما أسلم قال يا رسول الله: إن الله مظهرك على الأرض كلها فهب لي قريتي من (بيت لحم) قال: هي لك، وكتب له بها (٢).
وفي رواية ابن سعد أن رسول الله ﷺ أقطع تميمًا وأخاه (نعيمًا) حِبرى، وبيت عينون بالشام، وليس لرسول الله ﷺ قطيعة بالشام وغيرها (٣).
صحب تميم رسول الله ﷺ وغزا معه، ولم يزل بالمدينة حتى تحول إلى الشام بعد قتل عثمان ﵁ (٤).
كان تميم عابدًا تلاء لكتاب الله، قال أبو نعيم: كان راهب عصره وعابد أهل فلسطين (الإصابة: ٢/ ٣٠٥)، وكان رابع أربعة ممن جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ فعن ابن سيرين بسند رجاله ثقات قال: جمع القرآن على عهد
стр. 3147
رسول الله ﷺ أبي، وعثمان، وزيد، وتميم الداري (١) وبالإسناد الصحيح أيضًا أن تميمًا كان يختم القرآن في سبعٍ (٢). بل روي أنه يختم القرآن في ركعة (٣).
وصح أنه قام ليلة حتى أصبح أو كاد يقرأ آية ويرددها ويبكي ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] (٤).
كان الناس يسألون تميمًا عن عبادته .. ولاسيما عن حزبه من القرآن وقيامه في الليل، فيرشدهم إلى الاعتدال والمداومة والاستقامة على قدر الطاقة .. ويحذر من الحماس والانقطاع والانبتات .. ودونكم هذه المحاورة بينه وبين رجل آتاه فقال: كم جزؤك، قال له تميم: لعلك من الذين يقرأ أحدهم القرآن، ثم يصبح فيقول: قد قرأت القرآن في هذه الليلة، فوالذي نفسي بيده لأن أصلي ثلاث ركعات نافلة أحب إلي من أن أقرأ القرآن في ليلة، ثم أصبح فأخبر به، قال الرجل (السائل): فلما أغضبني قلت: والله إنكم معاشر صحابة رسول الله ﷺ من بقي منكم لجدير أن تسكتوا، فلا تعلموا وأن تعنفوا من سألكم، فلما رآني قد غضبت، لان، وقال: ألا أحدثك يا ابن أخي؟ أرأيت إن كنت أنا مؤمنًا قويًا وأنت مؤمن ضعيف، فتحمل قوتي على ضعفك فلا تستطيع فتنبت، أو أرأيت إن كنت أنت مؤمنًا قويًا، وأنا مؤمن ضعيف حين أحمل قوتك على ضعفي فلا أستطيع فأنبت ولكن خذ من نفسك لدينك ومن دينك لنفسك حتى يستقيم لك الأمر على عبادة تطيقها (٥).
تميم الداري ﵁ معدود في علماء أهل الكتاب حتى قال قتادة: ﴿ومن عنده
стр. 3148
علم الكتاب﴾ [الرعد: ٤٥] قال: سلمان، وابن سلام، وتميم الداري (١).
وعلق ابن كثير بقوله: والصحيح أنها اسم جنس يشمل علماء أهل الكتاب الذين يجدون صفة محمد ﷺ ونعته في كتبهم المتقدمة (١٢/ ٥٢١).
وتميم الداري هو الذي حدث عنه النبي ﷺ بقصة الجساسة والدجال على المنبر - وعد ذلك من مناقبه كما قال ابن حجر (٢).
فما هي قصة الجساسة؟ وما علاقتها بالدجال؟ وكيف حدث بها تميم؟ وكيف حدث بها النبي ﷺ ؟
روى مسلم في صحيحه عن فاطمة بنت قيس ﵂ وهي من المهاجرات الأول، قالت.
فهر قريش وهو من البطن الذي هي منه فانتقلت إليه. فلما انقضت عدتي سمعت نداء المنادي، منادي رسول الله ﷺ ، ينادي: الصلاة جامعة (٣). فخرجت إلى المسجد. فصليت مع رسول الله ﷺ . فكنت في صف النساء التي تلي ظهور القوم. فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته، جلس على المنبر وهو يضحك. فقال: «ليلزم كل إنسان مصلاه». ثم قال: «أتدرون لم جمعتكم؟ » قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «إني، والله! ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة. ولكن جمعتكم؛ لأن تميمًا الداري (٤)، كان رجلاً نصرانيًا، فجاء فبايع وأسلم. وحدثني حديثًا وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال. حدثني؛ أنه ركب في سفينة بحرية، مع ثلاثين رجلاً من لخم وجذام. فلعب بهم الموج
стр. 3149
شهرًا في البحر. ثم أرفؤا إلى جزيرة (١) في البحر حتى مغرب الشمس. فجلسوا في أقرب السفينة (٢). فدخلوا الجزيرة. فلقيتهم دابة أهلب (٣) كثير الشعر. لا يدرون ما قبله من دبره. من كثرة الشعر. فقالوا: ويلك! ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة. قالوا: وما الجساسة؟ قالت: أيها القوم! انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير.
فإنه إلى خبركم بالأشواق (٤). قال: لما سمت لنا رجلاً فرقنا منها (٥) أن تكون شيطانة. قال فانطلقنا سراعًا. حتى دخلنا الدير. فإذا فيه أعظم إنسان (٦) رأيناه قط خلقًا. وأشده وثاقًا. مجموعة يداه إلى عنقه، ما بين ركبتيه إلى كعبيه، بالحديد (٧). قلنا: ويلك! ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري. فأخبروني ما أنتم؟ قالوا: نحن أناس من العرب. ركبنا في سفينة بحرية. فصادفنا البحر حين اغتلم (٨). فلعب بنا الموج شهرًا. ثم أرفأنا إلى جزيرتك هذه. فجلسنا في أقربها. فدخلنا الجزيرة. فلقيتنا دابة أهلب كثير الشعر. لا يدرى ما قبله من دبره من كثرة الشعر. فقلنا: ويلك! ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة. قلنا: وما
стр. 3150
الجساسة؟ قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير. فإنه إلى خبركم بالأشواق. فأقبلنا إليك سراعًا. وفزعنا منها. ولم نأمن أن تكون شيطانة. فقال: أخبروني عن نخل بيسان (١). قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها، هل يثمر؟ قلنا له: نعم. قال: أما إنه يوشك أن لا تثمر. قال: أخبروني عن بحيرة الطبرية (٢). قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء. قال: أما إن ماءها يوشك أن يذهب. قال: أخبروني عن عين زغر (٣). قالوا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل في العين ماء؟ وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له: نعم. هي كثيرة الماء، وأهلها يزرعون من مائها.
قال: أخبروني عن نبي الأميين ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكة ونزل يثرب. قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم. قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه. قال لهم: قد كان ذلك؟ قلنا: نعم. قال: أما إن ذاك خير لهم أن يطيعوه. وإني مخبركم عني. إني أنا المسيح. وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج. فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة. غير مكة وطيبة (٤). فهما محرمتان علي. كلتاهما. كلما أردت أن أدخل واحدة، أو واحدًا منهما، استقبلني ملك بيده السلف صلتًا (٥). يصدني عنها. وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها. قالت: قال رسول الله ﷺ ، وطعن بمخصرته في المنبر «هذه طيبة. هذه طيبة. هذه طيبة» يعني المدينة «ألا هل كنت حدثتكم
стр. 3151
ذلك؟ » فقال الناس: نعم. «فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن المدينة ومكة. ألا إنه في بحر الشام أو بحر اليمن. لا بل من قبل المشرق، ما هو (١). من قبل المشرق، ما هو. من قبل المشرق، ما هو» وأومأ بيده إلى المشرق. قالت: فحفظت هذا من رسول الله ﷺ .
стр. 3152
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين أحمده تعالى وأشكره وهو أهلٌ للثناء والفضل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
إخوة الإسلام:
تذكر كتب الطبقات والسير لتميم الداري ﵁ موقفًا مع عمر ﵁، قال عنه ابن حجر: روى البغوي في الصحابة لتميم قصة مع عمر فيها كرامة واضحة لتميم، وتعظيم كثير من عمر له (١).
والقصة ساقها البغوي، والذهبي، وابن حجر، عن معاوية بن حرمل الحنفي، صهر مسيلمة الكذاب، وكان معه في الردة، قال: قدمت المدينة على عمر تائبًا، فقلت: يا أمير المؤمنين تائب من قبل أن تقدر عليه، فقال: من أنت؟ فقلت: معاوية بن حرمل - ختن مسيلمة - قال اذهب فانزل على خير أهل المدينة، قال: فنزلت على تميم الداري، فبينا نحن نتحدث إذ خرجت نار بالحرَّة، فجاء عمر إلى تميم فقال يا تميم اخرج، فقال: ما أنا، ومن أنا - فصغر نفسه - ثم لم يزل به حتى قام معه، وتبعتهما، فانطلقا إلى النار، فجعل تميم يحوشها (النار) بيده حتى دخلت الشعب ودخل تميم خلفها، حتى أدخلها الباب الذي خرجت منه، ثم اقتحم في إثرها، ثم خرج فلم تضره، فجعل عمر يقول: ليس من رأى كمن لم ير، قالها ثلاثًا (٢). اهـ.
وقال: وابن حرمل لا يُعرف، ولكن ابن حجر عرّف به - كما سبق، وساق
стр. 3153
القصة في الإصابة ونسبها للبغوي (١٠/ ٣٥).
توفي تميم ﵁ في بلاد الشام، وقبره ببيت جبرين من بلاد فلسطين (١) سنة أربعين للهجرة (٢) وكان أول من قصَّ، فقد استأذن عمر ﵁ سنين في القصص فلم يأذن له - إذ لم يكن يقص في عهد رسول الله ﷺ ولا أبي بكر فلما أكثر على عمر قال: ما تقول؟ قال: أقرأ عليهم القرآن، وآمرهم بالخير، وأنهاهم عن الشر، قال عمر: ذاك الربح، ثم قال: عِظ قبل أن أخرج للجمعة، فكان يفعل ذلك، فلما كان عثمان استزاده فزاده يومًا آخر (٣).
حفظ تميم ﵁ عن رسول الله ﷺ عدة أحاديث وروى عنه عدد من الصحابة كابن عباس وأنس، والتابعين كعطاء بن يزيد، وشهر بن حوشب وغيرهم (٤).
ومن الأحاديث التي رواها: «الدين النصيحة، قالوا لمن يا رسول الله قال: لله ولكتابه ولأئمة المسلمين والمؤمنين وعامتهم» (٥)، وعلق الذهبي على هذا الحديث بقوله اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين.
فتأمل هذه الكلمة وهي قوله «الدين النصيحة».
فمن لم ينصح لله وللأئمة وللعامة كان ناقص الدين وأنت لو دعيت، يا ناقص الدين لغضبت، فقل لي متى نصحت لهؤلاء؟ كلا والله، بل ليتك تسكت ولا تنطق أو لا تحسن لإمامك الباطل، وتجرئه على الظلم وتغشه فمن أجل ذلك سقطت من عينه ومن أعين المؤمنين، فبالله قل لي: متى يفلح من كان يسره ما يضره؟ ومتى يفلح من لم يراقب مولاه؟ ومتى يفلح من دنا رحيله، وانقرض جيله،
стр. 3154
وساء فعله وقيله، فما شاء الله كان، وما يرجو صلاح أهل الزمان، لكن لا ندع الدعاء، لعل الله أن يلطف وأن يصلحنا، آمين (١).
أيها المسلمون وثمة حديث آخر رواه تميم الداري فيه بشرى لعز الإسلام وانتشاره، وسعادة المسلمين وعزهم وذل الكفر وأهله، روى الإمام أحمد وغيره قال تميم: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزًا يعز به الإسلام وأهله، وذلاً يذل الله به الكفر» وكان تميم الداري يقول: «وقد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان منهم كافرًا الذل والصغار والجزية» (٢).
стр. 3155
١٢/ ٤/ ١٤٢٩ هـ
دعوى وحدة الأديان ؟ (*)
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رضي لنا الإسلام دينًا، وجعل للناس شرعة ومنهاجًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أمره ربه ألا يتبع سبيل المجرمين ولا يتبع أهواء المضلين وعصمه من الناس، وأظهر دينه على الدين كله، وإن رغمت أنوف الكافرين.
إخوة الإسلام بين فينة وأخرى يتردد على الأسماع مصطلح (وحدة الأديان).
وهذا من الخطورة بمكان إذ أن هناك فرقًا بين حوار الأديان والحضارات وبين وحدتها والقول بصحتها جميعًا، فالحوار دعوة للحق، ومجادلة بالتي هي أحسن، والغلبة للحق على الباطل، والمحجة للدين الحق وما ينفع الناس يمكث في الأرض، وأما الزبد يذهب جفاءً؟
ثمة أصول عند المسلم لا يليق به أن يحيد عنها، وثمة نصوص شرعية في الكتاب والسنة لا يمكن تجاوزها ..
ومن أمثلة ذلك ما يجده المسلمون في كتاب ربهم من آيات محكمات يقول ربنا فيها ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾.
ويقول في أخرى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾.
وينهى المسلمون وفي مقدمتهم محمد ﷺ عن اتباع أهواء القوم الضالين ويؤمرون بالتحاكم إلى ما أنزل الله على رسوله ﷺ ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [المائدة: ٤٨].