ذلك؟ » فقال الناس: نعم. «فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن المدينة ومكة. ألا إنه في بحر الشام أو بحر اليمن. لا بل من قبل المشرق، ما هو (١). من قبل المشرق، ما هو. من قبل المشرق، ما هو» وأومأ بيده إلى المشرق. قالت: فحفظت هذا من رسول الله ﷺ .
стр. 3152
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين أحمده تعالى وأشكره وهو أهلٌ للثناء والفضل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
إخوة الإسلام:
تذكر كتب الطبقات والسير لتميم الداري ﵁ موقفًا مع عمر ﵁، قال عنه ابن حجر: روى البغوي في الصحابة لتميم قصة مع عمر فيها كرامة واضحة لتميم، وتعظيم كثير من عمر له (١).
والقصة ساقها البغوي، والذهبي، وابن حجر، عن معاوية بن حرمل الحنفي، صهر مسيلمة الكذاب، وكان معه في الردة، قال: قدمت المدينة على عمر تائبًا، فقلت: يا أمير المؤمنين تائب من قبل أن تقدر عليه، فقال: من أنت؟ فقلت: معاوية بن حرمل - ختن مسيلمة - قال اذهب فانزل على خير أهل المدينة، قال: فنزلت على تميم الداري، فبينا نحن نتحدث إذ خرجت نار بالحرَّة، فجاء عمر إلى تميم فقال يا تميم اخرج، فقال: ما أنا، ومن أنا - فصغر نفسه - ثم لم يزل به حتى قام معه، وتبعتهما، فانطلقا إلى النار، فجعل تميم يحوشها (النار) بيده حتى دخلت الشعب ودخل تميم خلفها، حتى أدخلها الباب الذي خرجت منه، ثم اقتحم في إثرها، ثم خرج فلم تضره، فجعل عمر يقول: ليس من رأى كمن لم ير، قالها ثلاثًا (٢). اهـ.
وقال: وابن حرمل لا يُعرف، ولكن ابن حجر عرّف به - كما سبق، وساق
стр. 3153
القصة في الإصابة ونسبها للبغوي (١٠/ ٣٥).
توفي تميم ﵁ في بلاد الشام، وقبره ببيت جبرين من بلاد فلسطين (١) سنة أربعين للهجرة (٢) وكان أول من قصَّ، فقد استأذن عمر ﵁ سنين في القصص فلم يأذن له - إذ لم يكن يقص في عهد رسول الله ﷺ ولا أبي بكر فلما أكثر على عمر قال: ما تقول؟ قال: أقرأ عليهم القرآن، وآمرهم بالخير، وأنهاهم عن الشر، قال عمر: ذاك الربح، ثم قال: عِظ قبل أن أخرج للجمعة، فكان يفعل ذلك، فلما كان عثمان استزاده فزاده يومًا آخر (٣).
حفظ تميم ﵁ عن رسول الله ﷺ عدة أحاديث وروى عنه عدد من الصحابة كابن عباس وأنس، والتابعين كعطاء بن يزيد، وشهر بن حوشب وغيرهم (٤).
ومن الأحاديث التي رواها: «الدين النصيحة، قالوا لمن يا رسول الله قال: لله ولكتابه ولأئمة المسلمين والمؤمنين وعامتهم» (٥)، وعلق الذهبي على هذا الحديث بقوله اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين.
فتأمل هذه الكلمة وهي قوله «الدين النصيحة».
فمن لم ينصح لله وللأئمة وللعامة كان ناقص الدين وأنت لو دعيت، يا ناقص الدين لغضبت، فقل لي متى نصحت لهؤلاء؟ كلا والله، بل ليتك تسكت ولا تنطق أو لا تحسن لإمامك الباطل، وتجرئه على الظلم وتغشه فمن أجل ذلك سقطت من عينه ومن أعين المؤمنين، فبالله قل لي: متى يفلح من كان يسره ما يضره؟ ومتى يفلح من لم يراقب مولاه؟ ومتى يفلح من دنا رحيله، وانقرض جيله،
стр. 3154
وساء فعله وقيله، فما شاء الله كان، وما يرجو صلاح أهل الزمان، لكن لا ندع الدعاء، لعل الله أن يلطف وأن يصلحنا، آمين (١).
أيها المسلمون وثمة حديث آخر رواه تميم الداري فيه بشرى لعز الإسلام وانتشاره، وسعادة المسلمين وعزهم وذل الكفر وأهله، روى الإمام أحمد وغيره قال تميم: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزًا يعز به الإسلام وأهله، وذلاً يذل الله به الكفر» وكان تميم الداري يقول: «وقد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان منهم كافرًا الذل والصغار والجزية» (٢).
стр. 3155
١٢/ ٤/ ١٤٢٩ هـ
دعوى وحدة الأديان ؟ (*)
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رضي لنا الإسلام دينًا، وجعل للناس شرعة ومنهاجًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أمره ربه ألا يتبع سبيل المجرمين ولا يتبع أهواء المضلين وعصمه من الناس، وأظهر دينه على الدين كله، وإن رغمت أنوف الكافرين.
إخوة الإسلام بين فينة وأخرى يتردد على الأسماع مصطلح (وحدة الأديان).
وهذا من الخطورة بمكان إذ أن هناك فرقًا بين حوار الأديان والحضارات وبين وحدتها والقول بصحتها جميعًا، فالحوار دعوة للحق، ومجادلة بالتي هي أحسن، والغلبة للحق على الباطل، والمحجة للدين الحق وما ينفع الناس يمكث في الأرض، وأما الزبد يذهب جفاءً؟
ثمة أصول عند المسلم لا يليق به أن يحيد عنها، وثمة نصوص شرعية في الكتاب والسنة لا يمكن تجاوزها ..
ومن أمثلة ذلك ما يجده المسلمون في كتاب ربهم من آيات محكمات يقول ربنا فيها ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾.
ويقول في أخرى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾.
وينهى المسلمون وفي مقدمتهم محمد ﷺ عن اتباع أهواء القوم الضالين ويؤمرون بالتحاكم إلى ما أنزل الله على رسوله ﷺ ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [المائدة: ٤٨].
стр. 3156
أيمكن القول بوحدة الأديان وقد عادت اليهودية والنصرانية ميدانًا للتحريف والتبديل ﴿يحرفون الكلم عن مواضعه﴾ ولم تعد شريعة الله التي أنزل على موسى وعيسى ﵉، وموسى ﵇ براءً من عقيدة اليهود المعاصرة وسلوكياتهم الإجرامية الساقطة وكذا عيسى ﵇ بريء مما يعتقده النصارى ويمارسه القساوسة من تزييف وافتراء .. أجل أيرضى كليم الله أن يقول الزاعمون لاتباعه ﴿إن الله فقير ونحن أغنياء﴾ أم يقر كفرهم وقولهم ﴿عزير ابن الله﴾ وأي نسب بين موسى واليهود وهم يقولون ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾.
وأي صلة بين عيسى ﵇ وبين من يقولون: ﴿إن الله ثالث ثلاثة﴾ و ﴿إن الله هو المسيح بن مريم﴾ ولقد قالها المسيح ﵇ لهؤلاء الغالين الجاحدين لوحدانية الله وربوبيته ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ إنها رهبانية النصارى ابتدعوها ولم يكتبها الله أو يشرعها لهم رسول الله عيسى ﵇ ..
فأي التقاء بين عقيدتين .. عقيدة تؤمن بالله وحده وعقيدة بل عقائد تشرك مع الله غيره ..
إنها العبودية لله .. والتوحيد الخالص .. ونفي الشريك والولد .. هي التي نحاور عليها .. ونتفاصل من أجلها .. ونتحد أو نفترق من خلالها ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.
стр. 3157
أيمكن القول بوحدة الأديان وقد أرسل الله نبيه محمدًا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ..
عباد الله .. وإذا كان كتاب الله مليئًا بالنصوص والشواهد والمفاصل بيننا وبين القوم الكافرين فسنة نبينا، والمبعوث للناس كافة .. شاهدة على تميز ديننا، وتفرد إسلامنا بالاتباع إنها مسألة محسومة شرعًا .. لا خيار لنا ولا لغيرنا في تبديلها أو التنازل عن تكاليفها، وخاتم النبيين ﷺ يقول: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» (رواه مسلم مختصر المنذري ح ٢٠) وعن موسى ﵊ يقول محمد ﷺ : «لو كان موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي» وليس الأمر قصرًا على محمد ﷺ وموسى بل عيسى ﵊ يؤكد ذلك فهو حين ينزل في آخر الزمان يحكم بالإسلام لا بالنصرانية، ويكسر الصليب ويقتل الخنزير .. فماذا بعد الحق إلا الضلال؟
стр. 3158
أيها المسلمون وأين نحن - في هذا الزمن - من وحدة الأديان، والحرب على أشدها والعدوان بلغ المنتهى، والاعترافات بعنجهية وظلم اليهود والنصارى للمسلمين تجاوزت المسلمين إلى غيرهم من اتباع هذه الديانات. وإليكم شيئًا من هذه الاعترافات الحاقدة على الإسلام وأهله في كتاب أمريكا والإبادات الجماعية يقول (جورج بوش) جد الرئيس الحالي لأمريكا: «ما لم يتم تدمير إمبراطورية المسلمين فلن يتمجد الرب بعودة اليهود إلى وطن آبائهم وأجدادهم (صـ ١٤٩/ منير العكش) وهذا مستشار الرئيس الأسبق (جونسن) لأمريكا لشئون الشرق الأوسط (روستوا) يصرح ويكشف عن العداوة التاريخية مع المسلمين إذ يقول: يجب أن ندرك أن الخلافات القائمة بيننا وبين الشعوب العربية ليست خلافات بين دول أو شعوب، وإنما هي خلافات بين الحضارة الإسلامية والحضارة المسيحية، فقد احتدم هذا الصراع ما بين الحضارتين منذ العصور الوسطى وهو مستمر حتى هذه اللحظة وبصور مختلفة» فمن يؤجج الصراع يا ترى؟ .
بل يضيف رستوا القول «إن الظروف التاريخية تؤكد أن أمريكا إنما هي جزء مكمل للعالم الغربي، وذلك يجعلها تقف معادية للعالم الشرقي الإسلامي بفلسفته وعقيدته المتمثلة في الدين الإسلامي، ولا تستطيع أمريكا إلا أن تقف هذا الموقف في الصف المعادي للإسلام، وإلى جانب العالم الغربي والدولة الصهيونية، لإنها إن فعلت عكس ذلك فإنها تتنكر للغتها وفلسفتها وثقافتها ومؤسساتها (قادة الغرب يقولون دمروا الإسلام .. حلال العالم).
فمن ذا الذي يثير العدوان نحن أم هم؟
إنها تصريحات مسئولة تصدر من مراكز القرار .. وتؤكد أن العدوان ليس بشكله بسيط - كما قد يتصوره البسطاء أو المخدوعون .. وإنما هو عدوان تاريخ ممتد، وحضارة .. وفلسفة، ومؤسسات وثقافة الغرب .. (وقد صدق وهو كذوب).
стр. 3159
وتستمر هذه الروح العدائية .. مع قادة أمريكا، وفي الوقت الذي ينادي فيه الرئيس الأمريكي السابق (بل كلينتون) إلى تغيير مناهج المسلمين الدراسية حتى لا تبعث على روح الإرهاب على زعمه يذهب إلى إسرائيل (قائدة أو ربيبة الإرهاب) ليقول لهم - بعد فضيحته المشهورة «إن مرشدي الروحي أخبرني أني سأرتكب أخطاء يغفرها الرب لي، لكنه لن يغفر لي إذا تقاعست بحق إسرائيل؟ (عارف المشهداني، عراق المستقبل والبعد الديني للحرب، مجلة البيان ١٤٢٤ صفر) أي دعوة للإرهاب أكبر من هذه .. وأي دعم للإرهابيين أكثر من دعم الصهاينة المحتلين؟ لقد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر، وودوا لو تكفرون .. ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين .. بارك الله لي ولكم ونفعنا وإياكم بسنة محمد ﷺ .
الخطبة الثانية
ولقد تجاوزت هذه اللغة العدائية والاستفزاز للمسلمين وحضارتهم رجالات السياسة إلى رجالات الدين .. وهؤلاء حاخامات اليهود يفتون الجنود بقتل النساء والأطفال في لبنان وفلسطين، وقد جاء في فتواهم «إن من يترحم على أطفال غزة ولبنان فإنه يقسو بشكل مباشر على أطفال إسرائيل».
حتى الأطفال والنساء لم يسلموا من العدوان .. بل استهدفتهم الفتوى من رجالات دين يهود؟ وهل تستغرب القول أن مذابح دير ياسين، وصبرا وشاتيلا هي اعتماد على هذه الفتوى وتلك التوجهات؟
стр. 3160
ومن أطفال فلسطين ونسائهم إلى أطفال العراق ونساء العراق حيث يمنع الحليب ويقتل الأطفال وتغتصب النساء .. والقادة يقرون هذا بل يباركونه فحين وجهت إحدى الشبكات (cbs) سؤالاً لـ مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية السابقة لأمريكا عام ١٩٩٦ م: هل يستحق نصف مليون طفل عراقي الموت؟ إجابة: نعم اعتقد أنهم يستحقون ذلك؟ ولا ندري - في هذه الإجابة - أنحن أمام وزيرة خارجية دولة عظمى أم أمام قديسة تتحدث بحقد الصليب ضد الهلال؟ لا بل إن الأمر يا عباد الله تجاوز الساسة والقساوسة والمفتين إلى المفكرين المنصفين وإن كانوا يدينون بعقيدة القوم، ولعل من أكابر مثيري الرأي العام العالمي المعاصر المفكر نعوم تشومسكي الذي صرح بالقول: إن أمريكا هي قائدة الإرهاب العالمي، وإن صناع القرار فيها هم خطر على البشرية.
وحين تحدث عن حربها في فيتنام أشار إلى أن سبعين في المائة من شعب أمريكا يدين هذه الحرب.
ويشير الرجل إلى أن أمريكا قد أدينت في حروبها من قبل محكمة العدل الدولية بدعم الإرهاب في العالم، وأن لها سجلاً حافلاً بذلك لا يخفى على أحد (البيان عدد ١٨٦/ ١٤٢٤ هـ).
أما المفكر (مراد هوفمان) والذي عاش كاثوليكيًا -خمسة عقود- ثم تحول إلى الإسلام - وهو خبير بالغرب وحضارته وحاجته - فيرى أن في الإسلام فرصة لأوربا والولايات المتحدة للخروج من أزماتهم، وهو في الوقت نفسه ينتقد المسلمين لانحرافهم عن جوهر الإسلام ..
(وهوفمان) هو الذي يقول: وبدل أن يتفهم الغرب حاجته للإسلام - وهو بمثابة أولى محاولات الإصلاح للمسيحية وإعادتها إلى أصولها الأولى - راح ينشر أسطورة وأكذوبة توسم الإسلام بالنار والسيف .. (الإسلام في الألفية الثالثة ديانة في صعود/ ٨٥).
стр. 3161
أما الصحافة الغربية .. فمع حملتها المسعورة ضد الإسلام وأهله ونبيه .. فثمة نقاط ضوء تضيء وتنتقد، وتكتب وتكشف الحقائق المرة، عن حضارة الغرب، الكاتب الأمريكي (وليام بود) فقد كتب في صحيفة (ويست بومفريد) وفي الصفحة الأولى، وتحت عنوان (الاغتصاب الديمقراطي) أن بوش ترك لمجنديه (كول، ديفيد) أن يغتصبوا نحو ستة وعشرين فتاة عراقية .. ثم يضف: هذه ليست ديمقراطية - هذه عار على أمريكا أن تستمر في احتلال هذا البلد، يكفي تحقيق بعض الأهداف كالبترول والتوسع من أجل مصلحة الأعوان، ولترحل وترحم نساء وأطفال وشيوخ العراق؟ صحيفة الأسبوع المصرية ٢٠٠٤ م عدد ٢٢ كتاب مقدم للرابطة في المسابقة الدولية: أخلاقيات (حرب في السيرة).
أيها المسلمون وفي مقابل هذه الصورة المتوحشة لمعاملة الغرب (من اليهود والنصارى) للمسلمين، هناك صور مشرقة لتعامل المسلمين مع أصحاب الديانات الأخرى ملؤها العدل والرحمة والدعوة، وينقل (غوستاف لوبون) إن المسلمين وحدهم هم الذين جمعوا بين الغيرة لدينهم، وروح التسامح نحو اتباع الأديان الأخرى وإنهم مع امتشاقهم الحسام نشرًا لدينهم تركوا من لم يرغبوا فيه أحرارًا في التمسك بتعاليمهم الدينية) (حضارة العرب ص ١٢٨).
إخوة الإيمان وبقيت نتيجة مهمة كانت من قبل وتتكرر اليوم وغدًا طالما بقي هذا الدين، ألا وهي أنه بقدر الضربات التي تكال للإسلام وأهله، بقدر ما ينتشر الدين ويكثر المسلمون، أي أن الإسلام يغلب - حتى في أيام محنته وبهذا يعترف توماس أرنولد ويقول في كتابه (الدعوة الإسلامية) في الوقت الذي خربت فيه عصابات المغول بغداد، وأغرقت في بحر من الدماء بقايا مجد العباسيين، وفي الوقت الذي طرد فيه المسلمون من الأندلس، كان الإسلام قد اكتسب اتباعًا جددًا في جزيرة سومطره، كما كان على وشك أن يبدأ انتشاره في الملايو).
стр. 3162
واليوم مع الحصار والإرهاب والاستعمار والتنكيل إلا أن الإسلام يتصاعد، والمسلمين يتزايدون، وربما كان هذا سر المقاومة لدين يخشى الغرب أن يكون هو الدين الوحيد المنافس لحضارتهم وأديانهم .. وبالتالي فهل يسوغ في ظل هذه الاعتبارات الشرعية والوقائع التاريخية .. أن يكون ثمة فرصًا لوحدة الأديان .. إنها مسئولية المسلمين -وكل بحسبه- الدعوة لهذا الدين، والاعتزاز بالإسلام ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾.
стр. 3163
تقدير الأكابر بين الغلو والجفاء
وعبد الله بن المبارك العالم المجاهد (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمد ونستعينه ونستغفره ..
أيها المسلمون لكل أمة عظماء تعتز بهم وتذكر مفاخرهم، وتتطلع إلى اللحاق بهم، أو التأسي بهديهم وفي مقدمة عظماء الأمة الأنبياء والمرسلون وأتباعهم وحواريهم المؤمنون.
وما زال التاريخ - يذكر نماذج من العظماء - وما توقفت عجلة العظمة عند هؤلاء ..
فثمة عظماء في عبادتهم .. وعظماء في علمهم، وعظماء في جهادهم، وعظماء في خلقهم ومناقبهم الأخرى (١).
والسؤال المهم .. ماذا نستفيد نحن من مطالعة سير هؤلاء العظماء؟ وما الموقف المحمود منهم؟ هل نبالغ في تعظيمهم فنغلوا؟ أم نبالغ في هجر سيرهم أو الحط من قدرهم فنجفوا؟ وما الموقف الوسط المحمود؟
وقبل الإجابة لا بد أن نقرر أن لنا - أمة الإسلام - نماذج من القدوات لا يتوفر مثلها أو قريب منها لدى الأمم الأخرى مجتمعة، ومع ذلك تعجب حين ترى من هذه الأمم الكافرة تمجيدًا (لعظمائهم) يصل إلى حد الغلو والدجل والتماثيل
стр. 3164
المصنوعة، والصور المعظمة فيعظم من لا يستحق التعظيم، وتسطر في الكتب أسماء لا رصيد لها من البر والتقوى، ولا رصيد لها من الخلق إلا الشهرة الزائفة، وقد تكون هذه الشهرة بنيت على الجماجم أو على الظلم المتعدى والإفساد. (ونابليون وهتلر) نماذج لهذه العظمة الزائفة - عند غير المسلمين.
أما عظماؤنا فأصل عظمتهم الإيمان بالله وحده، والصدق والإخلاص والعدل والإنصاف، والبر والإحسان ونحوها - من كريم الجلال والأخلاق - سواق تروي شجرة الإيمان المباركة ..
ودعوني أقف بكم على واحد من هؤلاء العظماء في تاريخنا .. إنه عالم عابد، تقي ورع، حافظ زاهد، مجاهد شجاع، صادق أمين، محدث وفقيه، وشاعر وأديب شيخ الإسلام وعالم زمانه وأمير الأتقياء في وقته (عبد الله بن المبارك ﵀.
حدث عنه إسماعيل بن عياش فقال: ما على وجه الأرض مثل ابن المبارك، ولا أعلم أن الله خلق خصلة من خصال الخير إلا وقد جعلها في عبد الله بن المبارك (١).
وكان فضيل وسفيان ومشيخة جلوسًا في المسجد الحرام، فطلع ابن المبارك من الثنية، فقال سفيان: هذا رجل أهل المشرق، فقال فضيل: رجل أهل المشرق والمغرب وما بينهما (٢).
فإذا كانت تلك شهادة مشيخة زمانه (المعتبرين) فلا تسأل عن ثناء غيرهم، بل ورد عن سفيان الثوري وهو من هو ﵀ في العلم والعبادة والفضل ورد عنه تعظيم شأن ابن المبارك حتى تمنى بعض ما عنده وقال: «إني لأشتهي من عمري
стр. 3165
كله أن أكون سنة مثل ابن المبارك، فما أقدر أن أكون ولا ثلاثة أيام» (١).
وقال ابن عيينة: نظرت في أمر الصحابة وأمر ابن المبارك فما رأيت لهم عليه فضلاً إلا بصحبتهم النبي ﷺ وغزوهم معه (المصدرين السابقين) (١).
وإذا فاقت شهرة ابن المبارك على السنة العلماء، فقد فاقت شهرته على صيت الأمراء والخلفاء -وإن كانوا مشهورين في زمانه- فقد قدم الخليفة هارون الرشيد (الرقة) فأنجفل الناس خلف ابن المبارك، وتقطعت النعال وارتفعت الغبرة، فأشرفت أم ولد لأمير المؤمنين من برج من قصر الخشب فقالت ما هذا؟ قالوا: عالم من أهل خراسان قدم، قالت: هذا والله الملك، لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بشرط وأعوان (٣).
وفي سبيل نصح ابن المبارك للأمة: قال ابن مهدي .. ما رأيت أنصح للأمة من ابن المبارك (٤).
وفي ميدان الجهاد والغزو والشجاعة كان له سهم وافر حتى قال عبدة بن سليمان المروزي كنا سرية مع ابن المبارك في بلاد الروم فصادفنا العدو فلما التقى الصفان خرج رجل من العدو فدعا إلى البراز فخرج إليه رجل فقتله، ثم آخر فقتله، ثم آخر فقتله ثم دعا إلى البراز فخرج إليه رجل (ابن المبارك) فطارده ساعة فطعنه فقتله، فازدحم الناس إليه، فنظرت فإذا هو عبد الله بن المبارك، وإذا هو يكتم وجهه بكمه، فأخذت بطرف كمه فمددته، فإذا هو هو،
стр. 3166
فقال وأنت يا أبا عمر فمن يشنع علينا (١)؟
وابن المبارك ﵀ هو صاحب بالرسالة إلى الفضيل بن عياض ﵀ والتي قال فيها شعرًا ومما قال له:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا ... لعلمت أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب جيده بدموعه ... فنحورنا بدمائنا يتخضب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا ... رهج السنابك والغبار الأطيب
إلى آخر القصيدة التي وصلت إلى الفضيل وهو في الحرم فلما قرأها لم يتمالك نفسه عن البكاء، ثم قال: صدق أبو عبد الرحمن ونصح (٢).
أيها المسلمون ومع هذه الخلال الكريمة وغيرها لابن المبارك لم ينس نصيبه من الدنيا، وما فهم الزهد قعودًا عن العمل ولا أن يكون كلاً على الآخرين، بل استغنى بعمله، وتجارته عن سؤال غيره، وحفظ عرضه، وتصدق على إخوانه، ولم ينس الفقراء من حوله، وحين قال له الفضيل: أنت تأمرنا بالزهد والتقلل والبلغة، ونراك تأتي بالبضائع، كيف ذا؟ قال يا أبا علي، إنما أفعل ذا لأصون وجهي وأكرم عرضي، وأستعين به على طاعة ربي، قال الفضيل: يا ابن المبارك ما أحسن ذا إن تم ذا (٣).
وحق لعلم كابن المبارك أن يثني عليه العلماء والخلفاء وقد قال الخليفة الرشيد حين بلغه موت ابن المبارك: «مات سيد العلماء» (٤).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩].
стр. 3167
الخطبة الثانية
إخوة الإسلام ليس الحديث حصرًا لخلال ابن المبارك أو تعدادًا لمناقبه، فهذا يطول كيف وقد قال أحد الشعراء المعاصرين له. إذا ذكر الأخيار في كل بلدة فهم أنجم فيها وأنت هلالها.
وقد اجتمع جماعة - من أهل الفضل في زمانه فقالوا: تعالوا نعد خصال ابن المبارك من أبواب الخير، فقالوا: العلم، والفقه، والأدب والنحو، واللغة والزهد، والفصاحة، والشعر، وقيام الليل، والعبادة، والحج، والغزو والشجاعة، والفروسية والقوة، وترك الكلام فيما لا يعنيه، والإنصاف، وقلة الخلاف على أصحابه (١).
ومع هذه الخلال كان لابن المبارك عناية بالأصحاب والإخوان يخدمهم في سفرهم، ويتحمل النفقة عنهم، بل ويهديهم، وهنا ويصلح بيوتهم.
وهنا قصة طريفة ومعبرة ذكرها الخطيب البغدادي وعنه الذهبي في ترجمة ابن المبارك وقال: كان ابن المبارك إذا كان وقت الحج اجتمع إليه إخوانه من أهل (مرو) فيقولون: نصحبك، فيقول: هاتوا نفقاتكم فيأخذها فيجعلها في صندوق ويقفل عليها، ثم يكتري لهم ويخرجهم من مرو إلى بغداد فلا يزال ينفق عليهم ويطعمهم أطيب الطعام وأطيب الحلوى، ثم يخرجهم من بغداد بأحسن زي وأكمل مروءة، حتى يصلوا إلى مدينة الرسول ﷺ فيقول لكل واحد: ما أمرك عيالك أن تشتري لهم من المدينة من طرفها، فيقول كذا وكذا، ثم يخرجهم إلى مكة فإذا قضوا حجهم قال لكل واحد منهم: ما أمرك عيالك أن
стр. 3168
تشتري لهم من متاع مكة فيقول كذا وكذا فيشتري لهم، ثم يخرجهم من مكة فلا يزال ينفق عليهم إلى أن يصيروا إلى مرو فيجصص بيوتهم وأبوابهم فإذا كان بعد ثلاثة أيام عمل لهم وليمة وكساهم، فإذا أكلوا وسروا دعا بالصندوق ففتحه ودفع إلى كل رجل منهم صرته عليها اسمه .. وكان ابن المبارك ﵀ يقول للفضيل: لولاك وأصحابك ما اتجرت، وكان ينفق على الفقراء في كل سنة مائة ألف درهم (١).
إنها أخبار وقصص، ومجالات للعظمة وأنواع من القربات يطول شرحها ويصعب حصرها ولكن العبرة من سياقها التأسي وشحذ الهمم والتأكيد على أن وصول المعالي ليس مستحيلاً، وهذه القدوات البشرية سبيل لتطويع القدرات لمحاكاتها هذا جزء من الموقف من سير العظماء، وموقف أو عبرة أخرى تكمن في التأكيد على أن ديننا منبع لكل خير، قادر على التجدد في كل حين، والأمر الثالث المهم - من دراسة هذه السير - هو أن من عرف أن له ماضيًا عظيمًا ورجالاً عظماء فإنه يرجى له أن يعود إلى المجد والسيادة من جديد (٢).
إنها نماذج تثبت العزة في النفوس، وتضرب المثل الأمثل للأجيال وتدعو إلى إحسان العمل، والعبد على طريق الكرامة والمجد، وتذلل على مكامن العظمة في هذا الدين، وهذه النماذج تطرد اليأس وتنفي الكسل، وتسلي في سلوك الطريق، إنها لا تدعوا للانبهار المؤدي إلى الإحباط والإسقاط لكنه انبهار يدعوا للعمل والاقتداء دون مبالغة وغلوا وتعظيم للبشر بما لا يحله الشرع، أو بما يخرج هؤلاء عن بشريتهم.
стр. 3169
وفرق بين هذا الموقف المعتدل وموقف المتطرفين بالغلو في هذه الشخصيات دون عمل .. أو الجفاة الذين دأبوا على محاولة تحطيم هذه القدوات الكبار والشغب عليهم وتقليل جهدهم واستمرار النقد لحياتهم ومناهجهم، لا بغرض الإصلاح بل للشهرة حينًا، أو للتعالم حينًا، أو لهز ثقة الناس بهؤلاء الأعلام العظماء أو لحسد داخلي لهؤلاء، أو للنيل من أخلاق الإسلام ومثله عن طريق النيل من هؤلاء الرجال الأكابر .. أو غير ذلك من أغراض (الله يعلمها) ولكن النتيجة المرة، لهذا الجفاء والنقد المستمر لهؤلاء الأعلام اهتزاز ثقة الناس - ولاسيما الناشئة- بهؤلاء العظماء، وبالتالي هز ثقتهم بالإسلام وتعاليمه، والبحث عن قدوات آخرين قد لا يبلغون معشار هؤلاء، والتشكيك في تراث الأمة عبر القرون ..
وهنا تنبيه مهم وهم أن هذا المنهج في النقد والإسقاط لعلماء الأمة وعظمائها أو لتراثهم المجيد ديدن للعقلانيين - أو هكذا يسمون- قديمًا وحديثًا، ومن قبل قال الأستاذ محمود شاكر ناقدًا لمحمد عبده على هذا الصنيع: آه لقد مضى على الأمة الإسلامية نحو من ثلاثة عشر قرنًا لم نسمع في خلالها دعوة تحرض طلبة العلم على إسقاط كتب برمتها من حسابهم، ولذلك قلت: إن الذي جرى على لسان الشيخ محمد عبده في حركته مع شيوخ الأزهر طلبًا لإصلاح التعليم في الأزهر - كان أول صدع في تراث الأمة العربية الإسلامية (١).
أيها المسلمون وسيبقى علماء الأمة ورجالاتها محل التقدير والثناء ولو كره الكافرون أو غص بذلك المنافقون، وهؤلاء الشاغبون بغير حق على هؤلاء سيبطلون كما قال الشعر: كناطح صخرة يومًا ليوهنها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل ..
стр. 3170
وأخيرًا ليعلم أن عظيم اليوم (ابن المبارك) أحد الموالي، وهذا مؤشر إلى أن العظمة في إسلامنا لا ترتبط بالنسب ولا بالحسب ولكنها فضل من الله أساسها التقوى واليقين والصدق والإخلاص والصبر ومجاهدة النفوس ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ ﴿ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه﴾.
اللهم ارحم علماء الأمة ومجاهديها وألحقنا بهم وهيئ لأمتنا من يعيد لها عزها ومجدها.
стр. 3171
لحوم العلماء مسمومة، ولجنة رعاية السجناء (١)
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين رفع أهل العلم درجات ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ وأشهد أن لا إله إلا هو قرن شهادة العلماء بشهادته وملائكته فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله سأل ربه العلم ولو كان أشرف منه لسأله ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ وأوحى الله إليه فيما أوحى خشية العلماء ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ وأخبر وهو الصادق الذي لا ينطق عن الهوى أن من سلك طريقًا يلتمس به علمًا سهل الله به طريقًا إلى الجنة. ألا فليهنأ العلماء بهذه المنزلة العلية وليخلصوا في طلبه، ويتقوا الله في أداء حق العلم، اللهم صل وسلم ..
أيها الناس ثمة ظاهرة تسري في هذه الأيام، وهي قديمة في الزمان، هي من السوء بحيث تستحق لفت النظر والاهتمام، وهي من قلة الأدب بحيث يحتاج الكبار إلى انتصار لهم وتقدير لمكانتهم.
إنها ظاهرة التطاول على العلماء، والحط من قدرهم، والنيل من أعراضهم واتهامهم، والتطاول على العلماء الربانيين تطاول على العلم بل تجاسر على هتك أستار الشريعة، فالعلماء هم المبينون عن الله وعن رسوله طرق الحلال وهم المفتون في الحرام، وإليهم المرجع والاحتكام ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾.
стр. 3172
العلماء الذي نعني هم «فقهاء الإسلام، ومن دارت الفتيا على أقوالهم بين الأنام، الذين اختصوا باستنباط الأحكام، وعُنوا بضبط قواعد الحلال من الحرام» كما قال ابن القيم ﵀ (١).
بل هم كما قال الطبري ﵀: هم الذين جعل الله عماد الناس عليهم في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا (٢).
هؤلاء العلماء لا يخلو زمان منهم، قائمون بأمر الله، يهدون الخلق إلى الله، هم الذين لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس.
إنهم سرج تضيء، مصابيح الدجى، نافذون إلى القلوب بإذن الله، يبصرون عن العمى، ويهدون من الضلالة، ويمسكون بحجز الناس عن السقوط في النار، كل ذلك بصدقهم ونصحهم وتوفيق الله لهم، هم أطناب الأرض، وهم المراجع حين الفتن وزلة القدم، وحين تخلوا الأرض منهم أو يهون من شأنهم تسود الفوضى ويفتي الجهلة، ويتصدر السفهاء.
هذه النوعية من العلماء يذكرون أحياء وأمواتًا، وتبقى آثارهم وإن غابت شخوصهم كما قال علي ﵁: العلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وآثارهم في القلوب موجودة (٣).
ويأبى الله إلا أن يذكر العالم الصادق وينتشر خبره في الأنام كما قال شيخ
стр. 3173
الإسلام ابن تيمية «ومن له في الأمة لسان صدق عام بحيث يثنى عليه ويحمد في جماهير أجناس الأمة، فهؤلاء أئمة الهدى ومصابيح الدجى» (١).
هؤلاء العلماء إنما بلغوا هذه المنزلة بجدهم وجهادهم وصبرهم على تحصيل العلم وصدقهم في أداء تكاليفه.
ولا تحسبن العلم شهوة تحصل كهل متطلب، ولا ينبغي أن يتصدر للعلم والفتيا إلا من هو أهل ومؤهل لها، ولقد كان العلماء يتحوطون في ذلك ولا يقدمون على الفتيا أو حلقات العلم إلا بعد المشورة - وهذا الإمام مالك ﵀ يحدث عن نفسه ويقول: «لا ينبغي لرجل يرى نفسه أهلاً لشيء حتى يسأل من كان أعلم منه، وما أفتيت حتى سألت ربيعة ويحيى بن سعيد فأمراني بذلك، ولو نهياني لانتهيت». ويقول: وما جلست في المسجد للتحديث حتى يشهد لي سبعون شيخًا من أهل العلم أني أهل لذلك (٢).
أيها المسلمون كم يتصدر أناس للفتيا اليوم وهم ليسوا بذاك وليس لرجل أو لرجلين أو لجماعة مسجد أو حتى حي، بل على مستوى العالم، وعبر وسائل الإعلام المختلفة؟
وكم يتربع على زوايا صحفٍ سيارة أو برامج مرئية أو مسموعة .. من يهرف بما يعرف وما لا يعرف ويجد صعوبة أن يقول عن سؤال ما .. لا أدري .. الله أعلم بل يجيب وربما أضل الناس بإجابته، وفتن المسلمين بحديثه ..
إن ذلك لا يعني بحال قصر العلم والفتيا على أناس معينين، ولا حجر لناس على رأي عالم بعينه، بل كل من كان أهلاً للعلم بشهادة من يعتد بشهادتهم وكل
стр. 3174
من كان أمينًا على الفتوى معتبرًا عند أهل الصنعة والعارفين بالحلال والحرام، فهو أهل للفتيا، والعلماء لا يحددون ولا يختارون عن طريق الانتخاب، ولا عن طريق التعيين الوظيفي، فكأي من عالم في تاريخ الأمة تصدر وعلا ذكره وأصبح إمامًا للأمة وهو لم يعرف المناصب، ولم تعرفه المناصب، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: المنصب والولاية لا يجعل من ليس عالمًا مجتهدًا عالمًا مجتهدًا .. إلخ (١).
عباد الله وثمة داءان في التسرع غير المنضبط يلحقان العالم والمتعلم، أحدهما حين يتسرع العلماء في العلم، والآخر - وربما كان أسوأ - حين يسارع المتعالم في نقد العالم ..
أما المسارعة في العلم فقد يكون طريقًا للاختلاف والمنازعة والفرقة، كما قال ابن عباس وفهم حين قدم على عمر ﵁ رجل، فجعل عمر يسأله عن الناس، فقال (الرجل) يا أمير المؤمنين قد قرأ القرآن منهم كذا وكذا، فقلت (ابن عباس) والله ما أحب أن يسارعوا يومهم هذا في القرآن هذه المسارعة، قال: فزبرني عمر ثم قال: مه، فانطلقت إلى منزلي مكتئبًا حزينًا، فقلت: قد كنت نزلت من هذا بمنزلة، ولا أراني إلا قد سقطت من نفسه، فاضطجعت على فراشي حتى عادني نسوة أهلي وما بي وجع، فبينا أنا على ذلك قيل لي: أجب أمير المؤمنين، فخرجت، فإذا هو قائم على الباب ينتظرني، فأخذ بيدي، ثم خلا بي، فقال: ما الذي كرهت مما قال الرجل آنفًا قلت يا أمير المؤمنين إن كنت أسأت فإني أستغفر الله وأتوب إليه، وأنزل حيث أحببت قال: لتخبرني، قلت: متى ما يسارعوا هذه المسارعة يَحْتَقُّوا، ومتى ما يَحْتَقُّوا يختصموا، ومتى
стр. 3175
ما يختصموا يختلفوا، ومتى ما يختلفوا يقتتلوا، قال (عمر) لله أبوك، لقد كنت أكتمها الناس حتى جئت بها (١).
إنها مسارعة في القراءة دون فهم أوفقه، لا تكاد تجاوز الحناجر، ولذا ظل الخوارج حين كانوا يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، وحذر النبي ﷺ من زمان يكثر قراؤه ويقل فقهاؤه فقال: «يأتي على الناس زمان يكثر فيه القراء ويقل فيه الفقهاء، ويقبض العلم ويكثر الهرج» (٢).
أما الداء الآخر فهو التعجل في نقد العالم الفلاني، والمسارعة في التطاول على العالم الآخر، والحط من قدر ثالث، واتهام رابع بالتغفل وهكذا .. إنها أحن وشحناء وشنشنة ورغاء أقزام تتطاول على عمالقة، وجهلة تحاور عالمين، ومغمورون يتهمون المشاهير .. إنها تطاولات مذمومة، ومحاورات آثمة .. ليس حظ القارئ منها إلا البلبلة والتشويش وليس نصيب المجتمع فيها إلا الدغل والوحشة والفرقة والخلاف والشحناء والبغضاء أما إذا انضاف إلى ذلك محاولة التسلل إلى ثوابت الدين، أو التنقض من معلوم من الدين بالضرورة، أو اللمز على قواعد الشريعة فذاك الداء العضال، وتلك الفتنة التي لا بد من التصدي لها وإيقاف أصحابها والمتسللين من خلالها.
لماذا يكتب أهل الأهواء، وكيف يحصل الاضطراب عندهم، ومن يتقصدون؟ هذا سؤال يجيب عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ معريًا لهذه الفئة ويقول: أكثر أصحاب المقالات صار لهم في ذلك هوى، أن ينتصر جاههم أو
стр. 3176
رياستهم وما نسب إليهم لا يقصدون أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، بل يغضبون على من خالفهم وإن كان مجتهدًا لا يغضب الله عليه، ويرضون عمن يوافقهم وإن كان جاهلاً سيء القصد، ليس له علم ولا حسن قصد، فيفضي هذا إلى أن يحمدوا من لم يحمده الله ورسوله، ويذموا من لم يذمه الله ورسوله، وتصير موالاتهم ومعاداتهم على أهواء أنفسهم لا على دين الله ورسوله (١).
لقد غاب ورع اللسان عند البعض، وغاب معه ورع الأيدي فيما تكتب، ومن عجب كما يقول ابن القيم ﵀ أن يهون على المرء التحفظ والتحرز من أكل الحرام، والزنا والسرقة وشرب الخمر .. ونحوها، ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه (أو ما يسطره بنانه) (٢).
وغابت كذلك شروط العلماء فيمن هو أهل للحديث عن الرجال (مادحًا أو قادحًا) حيث قال الذهبي ﵀: الكلام في الرجال لا يجوز إلا لتام المعرفة تام الورع (٣).
وأين تمام المعرفة .. بل وأين ميزان الورع في كثير مما يكتب وينشر والله المستعان؟
أيها المسلمون وحين تكون الوقيعة في العلماء فتلك الكارثة والمصاب الجلل، فلحومهم مسمومة وعادة الله في هتك متنقصيهم معلومة، ومن وقع فيهم بالثلب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب .. هكذا قرر العالمون (٤).
стр. 3177
وإذا ابتدأ القدح في العالم الحامل لعلم الشريعة تطور الأمر إلى القدح فيما يحمله من علم شرعي، وما يمثله من سمت وهيئة .. وهنا يفتح الباب على مصرعيه وربما كسر حتى لا يبقى شيء فوق النقد - كما يقول السفهاء - حتى ولو كانت محكمات الدين وثوابت العقيدة، وهنا تحل الفتن، ويختلط الحق بالباطل، ويفتي الجهلة، وتتحدث الرويبضة في أمر العامة، فتهتز معالم الدين، وهذه غاية ما يريده المبطلون، لا حقق الله لهم بغيتهم، ألا وإن من حق العالم علينا أن ندافع عن عرضه وأن نكشف زيف من اتهمه انتصارًا للحق.
стр. 3178
الخطبة الثانية
إخوة الإيمان فئة من المجتمع يحسن التذكير بها بين الفينة والأخرى، ولجنة وطنية شكت لرعاية هذه الفئة من حقها أن نعرف بها ونذكر شيئًا من مناشطها.
هذه الفئة هم المساجين .. وهذه اللجنة هي اللجنة الوطنية لرعاية السجناء والمفرج عنهم وأسرهم وقد سبق لي حديث عن هذه الفئة وعن هذه اللجنة (١)، وهي الآن تمر بعامها وأسبوعها الثالث .. ومن برامج اللجنة: تقديم المساعدات العينية والمالية لأسر السجناء إطلاق سراح عدد من الغارمين، وتسديد أجور مساكن أسر السجناء، وتوظيف أبناء السجناء والاهتمام بهم، وتوزيع أعداد كبيرة من المواد الغذائية لأسر السجناء، والفرش الشتوية كما تقوم اللجنة - وحسب ما ذكر من برامجها - بدعم البرامج التأهيلية والترفيهية داخل السجن بالتعاون مع إدارة السجون، وتنسق اللجنة مع الجمعيات والمؤسسات الخيرية، كما تقيم ندوات علمية عن دور المجتمع تجاه السجناء، وتقيم ورش عمل بالتعاون مع الإدارة العامة للتربية والتعليم .. إلى غير ذلك مما جاء في أهداف وبرامج ..
أما نشاطها هذا العام فهو مركز على (أطفال السجناء لا ذنب لهم) ولئن كان الأطفال والشباب محل رعاية ويستحقون الاهتمام في المجتمع بشكل عام، فإن للأطفال الذين غاب عنهم عائلوهم وفقدوا آباءهم لهذه النوعية من الأطفال اعتبارًا خاص .. وينبغي ألا يغيب عن اهتمام المؤسسات الاجتماعية والتربوية - وأن يكون هؤلاء الأطفال محل رعاية ونفقة أصحاب الأموال ومحل عناية
стр. 3179
ومتابعة التربويين والجيران ..
إن جنوح الطفل - لا قدر الله - لا تعود آثاره السيئة على أسرته فحسب، بل ويعم المجتمع شره وبلواه، ولذا ينبغي أن نلتفت لهذه النوعية من الأطفال .. وعلى إدارات السجون وإدارات التعليم أن تعنى بأطفال المساجين أكثر من غيرهم .. فهؤلاء لا ذنب لهم، وقدرهم أن سجن آباؤهم .. فلنكن معهم ولنساهم من اللجنة وإدارة السجون في الاهتمام بهم.
عباد الله على أن المسجونين - بشكل عام - لهم حق علينا في متابعة أمورهم، وتحسس احتياجاتهم واحتياج أسرهم، وقد يكونون محتاجين إلى شفاعة حسنة تنقلهم من وضع إلى وضع آخر، وقد يكونون محتاجين إلى زيارة تسري عنهم وتنفس شيئًا من كربهم، وربما كانت هذه الزيارة سببًا في الخير والعلاج لهم ..
إن ظروف الحياة قد تشغلنا عنهم .. وقد يمر الوقت بنا سريعًا دون أن نحس بطول الوقت عندهم، فمن هو داخل أسوار السجن يحس بطول الوقت إلا من وفقه الله فاستثمر وقته في القراءة النافعة وأنواع العبادة وأقل واجب للمساجين علينا أن ندعو لهم بالفرج العاجل وصلاح الحال، والثبات على الحق عجل الله فرج كل مهموم من المسلمين، وجعل ما أصابهم رفعة وتكفيرًا لذنوبهم، وردهم إلى أهلهم وذويهم سالمين غانمين وحفظهم في أنفسهم وأهليهم وذراريهم ..
стр. 3180
ملحمة الإيمان وانتصار غزة (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ..
أيها الإخوة المسلمون ولا نزال في شهر الله المحرم، وهو شهر الإيمان والصدق واليقين والتوكل، إنه شهر الملحمة والنصر، والعسر واليسر، والنجاة والهلاك محرم شهر الصبر والشكر، والمدافعة والبلاء، لقد ابتلي المؤمنون من قوم موسى ﵊ حين اتبعهم فرعون وجنوده بغيًا وعدوًا واضطرهم المسير ليلاً إلى الانتهاء إلى ساحل البحر، وأحسوا أنهم مدركون وهالكون فالعدو الظالم من خلفهم، والبحر الهائج أمامهم .. وأين المفر؟ إلا إلى الله الغالب المقتدر .. وكانت اللحظة حاسمة، وكان يقين المؤمن المرسل موسى ﵊، وهو يتصور عظمة الله وقدرته وهدايته ونصره للمؤمنين ويقول بكل ثقة وتوكل ﴿كلا إن معي ربي سيهدين﴾ وانفلق البحر فكان ﴿كل فلق كالطود العظيم، وأزلفنا ثم الآخرين، وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين إن في ذلك لأية﴾.
وكما استحالت النار من قبل - بردًا وسلامًا على إبراهيم ﵊ بأمر الله، فقد استحال البحر العميق المضطرب يبسًا في زمن موسى حتى لا يخاف هو والمؤمنون معه دركًا ولا يخشى.
جلت قدرة ربنا إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون، ومن ينصره فلا غالب له، وكذلك يتعلق المؤمنون بمعاقد الإيمان في كل حين، ويزيد تعلقهم في أزمان
стр. 3181
الكروب والشدائد والإرجاف والتهديد.
إنها رحمة الله لا تعز على طالب يتقي ويصبر ويؤمن به ويتوكل عليه، وكما وجدها إبراهيم وموسى عليهما الصلاة والسلام، فقد وجدها يونس ﵇ وهو في قاع البحر في ظلمات ثلاث، ووجدها يوسف ﵇ وهو في قاع الجب وغياهب السجن .. وجدها فتية آمنوا بربهم واستحال كهفهم رحمة نشرها الله وهيأ لهم من أمرهم مرفقًا ..
إنها أبواب السماء تفتح لأهل الإيمان حين تغلق أبواب الأرض، ومخارج للأزمات يهيؤها الله لأصحاب التقوى من حيث لم يحتسبوا، ورحمة الخالق جل وعز تعوض ما فقد من رحمة الخلق، ومهما كاد البشر ومكر الماكرون فالله من ورائهم محيط، وهو خير الماكرين.
إخوة الإسلام .. وقافلة الإيمان تسير ما بقي على الأرض مؤمن، وما حطت قوافلها أو توقف مسيرها - لاسيما في تاريخ خير أمة أخرجت للناس، فكانت لها المغازي والسرايا، وقوافل الفتح الإسلامي .. حتى إذا أصاب الأمة ما أصابها من الوهن والفرقة واستيأست من النصر على أعدائها هيأ لها من الأسباب ما تعيد به الماضي المجيد، ولا يزال الله يبعث لدينه ناصرًا ..
ومن أرض الإسراء ومن أكناف بيت المقدس كانت ملحمة غزو العزة، بعد سنوات عجاف من الحصار والأذى - وأعاد التاريخ نفسه شرذمة قليلة يتهمون ثم ينتصرون، وقتل للأطفال والنساء للضغط والإهانة، والمحاصرة ثم ينقلب السحر على الساحر ويزايد الفراعنة المعاصرون بهدم البيوت والمساجد، وضرب المدارس والمشافي، وإحراق الحرث والنسل .. يا لها من كوارث تشيب لها النواصي ويسجلها التاريخ عارًا وشنارًا على إخوان القردة والخنازير .. ويسجلها عزًا وصبرًا وثباتًا ومكرمة لأهل غزة الصامدين.
стр. 3182
شاء الله أن يتجرد أهل غزة وحدهم في المعركة .. وأن يتحملوا وحدهم آثار الحصار من البر والبحر والسماء وعلى صدور أطفالهم وشيوخهم ونسائهم تجرب الأسلحة المسموحة والممنوعة وتشتعل الحرائق هنا وهناك أشلاء ودماء، وآهات وعبرات، ظلام دامس لا يضيؤه إلا نيران القنابل الفسفورية المضيئة ومصير مجهول لأكثر من مليون ونصف مليون يقولون ربنا الله شتاء قارس، وقلة في الأطعمة وندرة في المياة، وبين الأنقاض تسمع الأنين وعلى مرأى العالم كله نسجل الصورة ما تعجز عنه الكلمة ثم تتلاحق اللعنات على اليهود من المسلمين وغيرهم ومن عجب أن تسمع في ظروف المحنة أصوات التكبير للمقاتلين .. وترى وتسمع أصوات الشهادة للمحتضرين .. يا الله أتعود بنا الذاكرة لبدر والأحزاب .. واليرموك وحطين؟ وتذكرنا الفئة القليلة المؤمنة الصابرة المنازلة للعدو بقوله تعالى: ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين﴾، وبقوله ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾.
شاء الله وقدر أن تبقى هذه الفئة المؤمنة المستضعفة وحدها في الميدان، ليعلم الناس أن النصر من عند الله، وأن الله لا يهدي كيد الخائنين، وأن الذين خرجوا من ديارهم بطرًا ورآء الناس ويصدون عن سبيل الله، الله من ورائهم وبما يعملون محيط، ووقع الوعد الحق ﴿فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
ومع فارق العدد والعدة ومع الحصار وقلة المعين لاحت بوارق النصر للمجاهدين في غزة. وكان النصر بهيجًا لأن القضية الكبرى (فلسطين) تهم المسلمين، ولأن المنهزم أشد عداوة للمؤمنين، ولهذا فلم تكن الفرحة لتضيء صدور وسماء فلسطين فحسب، بل كان بها متسع لإضاءة صدر وأرض كل مسلم
стр. 3183
تعنيه فلسطين، ويهمه أمر المسلمين ﴿ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء﴾ وسار الأمل في الأمة بعد طول يأس وإحباط، وثمة منح ربانية من أكوام المحن والرزايا ﴿وعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا﴾، نعم ثمة انتصار في زمن الهزائم، وعزة في مواسم الذل، وصدق في أسواق الكذب، وتقدم في زمن التراجع، خشوع طالما غاب فعاد حيث بكت العيون، وارتعشت الجوارح لهول المصائب في فلسطين، واستغاث المسلمون ربهم بالدعاء فاستجاب لهم.
إخوة الإسلام وتجسد على أرض الواقع جسد الأمة الواحدة، فلئن اشتكت أعضاء في غزة فقد تحركت وتداعت لها أجساد في طول الأرض وعرضها ولئن ماتت أنفس- نحسبها في عداد الشهداء - فقد أحيا الله بها ملايين الأنفس من المسلمين وربما من غير المسلمين - ولئن قتل في هذه المعركة الظالمة عدد من الأطفال الفلسطينيين فقد ولد أضعافهم في فلسطين، ووعى أطفال آخرون بقضية لم تكن في ذاكرة اهتمامهم من قبل .. إنها المقاومة تحاصر في فلسطين لتدخل كل بيت .. والبغض لليهود يتجاوز الأرض المباركة ليشمل الكرة الأرضية كلها ﴿ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله﴾.
يا أيها المسلم من حقك أن تفرح لكن ليكن فرحك تصحيحًا للإيمان، وتوبة من الذنوب، وشكرًا للخالق، ومجاهدة للنفس، ودعوة للإسلام هنا تتسع دائرة النصر .. وتتضاعف أعداد المنتصرين، ويعود للمسلمين مجدهم الأثيل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾.
نفعنا الله وإياكم بهدي كتابه ..
стр. 3184
الخطبة الثانية
الحمد لله القوي العزيز وأشهد أن لا إله إلا الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، يعز من يشاء ويذل من يشاء، ومن يهن الله فما له من مكرم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أفضل من صبر وجاهد حتى أتاه اليقين، اللهم صل وسلم عليه وارض اللهم عن أصحابه والتابعين من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أيها الإخوة المؤمنون حرب الأحزاب على غزة حرب ظالمة فاجرة ظهرت فيها أحقاد اليهود، وصليبية النصارى وإرجاف المنافقين، وأتي أهل غزة من فوقهم ومن أسفل منهم، زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، وتجرد الإيمان ونطق المؤمنون ﴿هذا ما وعد الله ورسوله﴾، أعادت غزة لنا صوت الكفاح، ورفرفت راية الجهاد، وما كان ربك نسيًا دافع الله عنهم ﴿إن الله يدافع عن الذين آمنوا﴾، وأصاب عدوهم بالرعب ﴿وقذف في قلوبهم الرعب﴾ كيف لا؟ والقادة الميدانيون من اليهود يقولون إن معركتنا مع أهل غزة معركة أشباح جنود لا ندري من أين يخرجون، لقد أخافونا، ودب الذعر في جنودنا، يا الله لقد بطل عمل القاذفات على أصواب التكبير، وربما انضاف إلى المعركة جنودًا آخرون وما يعلم جنود ربك إلا هو، وربنا يدافع عن الذين آمنوا ولا يحب كل خوان كفور.
أجل لقد خلفت الحرب الظالمة أزيد من ألف وثلاثمائة شهيد، وأكثر من خمسة آلاف جريح .. إنها أرقام مهولة بكل المقاييس كيف لا وقد كتب على بني إسرائيل أن من قتل نفسًا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعًا، وكتب عليهم أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص، فمن يا ترى يقاص يهود؟ ومن سيطالب بمحاكمة مجرمي الحرب في دولة يهود؟ ومع عظيم الخسائر وبكاء الشجر والحجر - فضلاً عن
стр. 3185
الإنسان - فالمآذن تبكي وهي جامدة، والمحاريب تشكو وهي عيدان .. فقد كانت ثمنًا للنصر ومهرًا للعزة والمقاومة والاستشهاد، ورفع الظلم ودفع الأذى ..
وهل يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم.
لقد كانت معركة غزة بكل فصولها ومآسيها عنوانًا للعزة والكرامة، وإيذانًا بمرحلة جديدة لا على مستوى المقاومة بل وعلى مستوى الأمة لقد هزمت القوة الرابعة في العالم، وسقط الوهم، وعلم الناس كل الناس أن الإسلام إذا دخل معركة لا يهزم، وردد الناس ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً﴾ علم المنهزمون أن الذين كانوا بالأمس يستضعفون ويحاصرون يمكنون اليوم، أما المؤمنون فهم مستيقنون بقوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾.
إخوة الإسلام هل كانت هزيمة اليهود في غزة مجرد عواطف رددها المسلمون - كما يزعم المرجفون الذين ماتوا بغيظهم؟ لندع الحقائق تتحدث، ولنسمع إلى اعتراف الأعداء بهزيمتهم، ففي صحيفة (هارتس) اليهودية الصادرة في الأرض المحتلة يقول أحد كتابها السياسيين اليهود: هناك مظاهر كثيرة تدل على فشل الحرب التي شنها جيشنا على غزة، ومن أبرزها: استمرار إطلاق الصواريخ وعدم قدرة عملية صب الرصاص على إخماد شيء منها، ومن تلك المظاهر: استمرار تهديد المقاومة الفلسطينية في غزة بتوسيع رقعة الزيت بقذف الصواريخ إلى أكثر من خمسين كيلو مترًا، ومن أهم مظاهر هزيمتنا في غزة عدد من قتل من الأطفال والنساء والمدنيين، وما هدم من البيوت.
والمساجد والمستشفيات، مما جعل الشعوب في العالم كله تتظاهر ضد دولتنا، ومما جعل عددًا من
стр. 3186
الصحفيين في نادي الصحفيين في واشنطن يقولون لوزيرة خارجيتنا (ليفني) أنت إرهابية ودولتكم إرهابية، وجيشكم إرهابي .. ؟ !
وتعترف صحيفة (يديعوت أحرنوت) اليهودية أن هذه الحرب مكنت للمقاومة الإسلامية التي تقودها (حماس) شعبيًا وعسكريًا وسياسيًا، وأحرجت العرب الذين يميلون إلى المفاوضات مع دولة إسرائيل وأحرقت أوراق الذين يشتركون مع إسرائيل في الرؤية السياسية من رجال السلطة الفلسطينية وتلفت الصحيفة نفسها النظر إلى الخسائر المادية التي لحقت إسرائيل فبسبب صواريخ المقاومة التي أطلقت على قواعد إسرائيلية عسكرية، هناك ما يقرب من ألف وسبعمائة مصنع يعمل فيها أكثر من تسعة وثلاثين ألف عامل إسرائيلي قد توقفت تمامًا طيلة أيام الحرب، وهذا - كما تقول الصحيفة - شكل ضغطًا داخليًا على دولة إسرائيل لم يكن يعلم عنه كثير من الناس ..
ولكم أن تعجبوا - إخوة الإسلام- كيف استخدمت الجوالات في إسرائيل للهزيمة النفسية على اليهود .. بعكس استخدامها عند المسلمين، وهذا الجندي الاحتياطي اليهودي الذي رفض الأمر بالمشاركة في الحرب على غزة واسمه (شيمري تشميرت) يقول: لقد نجحت في إرسال أكثر من عشرين ألف رسالة إلى الناس في إسرائيل لبيان موقفي من حرب ظالمة تقتل الأطفال والأبرياء .. أليست هذه من رسائل الهزيمة النفسية؟ وأخيرًا يعترف مستشار رئيس الوزراء السابق (شارون) ويقول: أعترف بعدم قدرة جيشنا على هزيمة (حماس) إطلاقًا، ولقد أعطت حربنا على غزة (حماس) وجميع فصائل المقاومة في غزة شرعية عالمية لم يكونوا يحلمون بها (١).
стр. 3187
هذه بعض من اعترافات القوم وما خفي أعظم، وستكشف الأيام القادمة مزيدًا من الاعترافات لاسيما في حملة الانتخابات .. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .. لكن تبقى أسئلة مهمة من مثل كيف تحقق النصر؟ وما هي مكتسباتنا في النصر؟ وكيف نحافظ على هذه المكتسبات ومن دعم ومن أرجف؟ تلك وأمثالها أسئلة مهمة .. أسأل الله الإعانة على الإجابة عليها في خطب لاحقة بمشيئة الله.
اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين.
اللهم انج المسلمين المستضعفين في غزة واجعل لهم من لدنك وليًا ونصيرًا.
اللهم اشف مرضاهم وتقبل موتاهم، واخلف عليهم أهليهم وأموالهم، اللهم حقق لهم من النصر فوق ما يأملون، وجنبهم من الشرور والفتن فوق ما يحذرون - اللهم اجمع كلمتهم على الحق وأبق رايتهم على الحق، ولا تجعل للكافرين والمنافقين عليهم سبيلاً.
اللهم منزل الكتاب مجري السحاب هازم الأحزاب .. عليك باليهود المفسدين .. اللهم شتت شملهم واقذف الرعب في قلوبهم، اللهم لا تقم لهم راية ولا تحقق لهم غاية، واجعلهم في ذل ومهانة .. وللمسلمين غنيمة باردة.
اللهم أعظم المثوبة والأجر لمن بنى هذا المسجد، وابن له بيتًا في الجنة، وأصلح له أهله وولده، واغفر له ولوالديه، واخلف عليه بخير، واجعله مسارعًا للخير، واختم لنا وله بالحسنى.
اللهم سدد القول فيه ووفق من تحدث فيه، وانفع من استمع به، واجعله يا ربنا نبراسًا للعلم مناديًا للإيمان، سبيلاً للدعوة إلى دينك ..
стр. 3188
من مكاسبنا في حصار غزة (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ..
أيها المسلمون الجمعة الماضية كان موعدًا مشهودًا للمسلمين في غزة لتكون صلاتهم الجمعة في العراء وعلى أنقاض المساجد المهدمة بأيدي الصهاينة فبماذا يوحي كان المشهد كافيًا للتعبير عن مكانة الصلاة في نفوس المسلمين وإن هدمت مساجدهم، وكان المنظر شاهدًا على الإيمان في أرض الإسراء والمعراج، والصلاة إيمان ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾، وكان عنوانًا على الصمود والتحدي والعزة بالإسلام، والمحافظة على الشعائر - مهما تدنت الأحوال - كان المشهد فاصلًا وفيصلا بين من يعمرون المساجد بالإيمان والطاعة، والله يقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾، وبين أهل الظلم والبغي والعدوان الذين لم يقصر سلاحهم النكد عن بيوت الله وأماكن العبادة، وتذكر الناس معنًى من معاني الظلم والإفساد في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا .. ﴾.
ومشهد عشرات المساجد المهدمة هناك بات عنوانًا لحضارة لا تكتفي بقتل الإنسان ولو كان طفلًا أو امرأة أو شيخًا كبيرًا .. بل وتدك المساجد لتحيلها إلى أطلال تشهد على مستوى حجم الجريمة، ولا توقف المسلم عن عبادة ربه (وقد
стр. 3189
جعلت له الأرض مسجدًا وطهورًا)، ألا فاعتبروا يا أولي الأبصار.
ويوم السبت كان موعدًا آخر لأطفال غزة وهم يدرسون على أنقاض مدارسهم، يتجمعون في العراء ويكتبون على التراب .. وهم يسجلون تحديًا آخر لليهود .. بل ويحفرون في قلوبهم الكره والمقاومة .. فقوم هدموا مساجدهم ومدارسهم لا يستحقون إلا الجهاد والعدوان.
أما بعد ..
فرق اليهود للتهدئة - فما ندري كيف حال إخواننا في هذه الجمعة، واليهود قوم بهت، وجبن لم يفوا بالعهود في زمن النبوة فأنى لهم أن يفوا بها في أزمان غيرهم.
آه كم يشهد التاريخ - في الماضي والحاضر - على وحشية الإنسان، وهمجية الحضارات التي لا تتصل بالسماء، ومن همجية التتر - في قرون خلت - إلى همجية المفسدين الجدد (قتلة الأنبياء) أي حضارة تلك التي تعتدي على أماكن العبادة ودور العلم، ومشافي المرضى لتحيلها إلى أشباح؟ وأي قوم جبارين أولئك الذين يتجاوزون المآذن، ويصلون على الأنقاض، ويتعلمون في العراء ويسكنون المخيمات .. فأي الفريقين أحق بالأمن؟ وأي الحضارتين أولى بالبقاء؟
إنها جرائم بحق العلم والإيمان بل وبحق الإنسان، فإحدى وعشرون ألف منزل هدمت جريمة لا تغتفر .. لكنها جزء من تاريخ اليهود، ومعبرة عن حضارتهم .. ومن خلف الستار مجرمون، آخرون تعرف منهم وتنكر - ولكن الله يعلمهم وسيجازيهم ويمكر بهم.
إخوة الإسلام - ويمكن أن تحول الخسائر إلى مكاسب، كما تتحول المحن - بإذن الله - إلى منح، والآلام إلى آمال .. لكن بصدق العزائم والثبات على
стр. 3190
المبدأ الحق والصبر على البلاء، واليقين والتوكل على الله، والاستغاثة والدعاء، والمقاومة والجهاد، والمجاهدة، وحسن الظن بالله - واليقين بالنصر، واستنزاله من الله وحده، وبالتعبئة وأخذ العدة، واليقظة والمرابطة .. وهذه وأمثالها من قيم لا تتوفر إلا لأهل الإسلام، نحسب أن إخواننا في غزة حققوا ما حققوا من النصر بفضل من الله واستشعار هذه المعاني والقيم ولا يجرمنكم كثرة العدد والعدة ﴿كَمْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]. ورب شخص عدل بألف شخص «لصوت أبي طلحة في الجيش خير من ألف رجل» (١).
وبعد التخفيف والعلم بالضعف ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦].
ولكم أن تقارنوا بين فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة، فالأولى تسعف المرضى وتحمل الموتى والسماء تمطر بالقاذفات، وتصلي لله على أي حال استطاعت الصلاة، أما الأخرى فتصاب بالرعب - وإن لم تصبها الصواريخ المقاومة وتمتلئ المستشفيات والمصحات النفسية بالمرعوبين وأصحاب الصدمات النفسية .. وتخلى المستوطنات تحسبًا لضربات لم تقع، وأنى لهؤلاء أن يعبدوا الله في أوقات الشدائد، وقد كفروا به في أزمنة الرخاء والمسرات؟ وأنى لهم أن يكفها عن قتل الناس وقد تجرءوا على قتل خير الناس (الأنبياء)؟ ! وأنى لهم أن يكفوا عن قتل الناس.
إن من مكاسب المسلمين في هذه النوازل أن تصحح الإيمان؛ فالإيمان ليس بالتمني ولا بالتحلي: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا