الصحفيين في نادي الصحفيين في واشنطن يقولون لوزيرة خارجيتنا (ليفني) أنت إرهابية ودولتكم إرهابية، وجيشكم إرهابي .. ؟ !
وتعترف صحيفة (يديعوت أحرنوت) اليهودية أن هذه الحرب مكنت للمقاومة الإسلامية التي تقودها (حماس) شعبيًا وعسكريًا وسياسيًا، وأحرجت العرب الذين يميلون إلى المفاوضات مع دولة إسرائيل وأحرقت أوراق الذين يشتركون مع إسرائيل في الرؤية السياسية من رجال السلطة الفلسطينية وتلفت الصحيفة نفسها النظر إلى الخسائر المادية التي لحقت إسرائيل فبسبب صواريخ المقاومة التي أطلقت على قواعد إسرائيلية عسكرية، هناك ما يقرب من ألف وسبعمائة مصنع يعمل فيها أكثر من تسعة وثلاثين ألف عامل إسرائيلي قد توقفت تمامًا طيلة أيام الحرب، وهذا - كما تقول الصحيفة - شكل ضغطًا داخليًا على دولة إسرائيل لم يكن يعلم عنه كثير من الناس ..
ولكم أن تعجبوا - إخوة الإسلام- كيف استخدمت الجوالات في إسرائيل للهزيمة النفسية على اليهود .. بعكس استخدامها عند المسلمين، وهذا الجندي الاحتياطي اليهودي الذي رفض الأمر بالمشاركة في الحرب على غزة واسمه (شيمري تشميرت) يقول: لقد نجحت في إرسال أكثر من عشرين ألف رسالة إلى الناس في إسرائيل لبيان موقفي من حرب ظالمة تقتل الأطفال والأبرياء .. أليست هذه من رسائل الهزيمة النفسية؟ وأخيرًا يعترف مستشار رئيس الوزراء السابق (شارون) ويقول: أعترف بعدم قدرة جيشنا على هزيمة (حماس) إطلاقًا، ولقد أعطت حربنا على غزة (حماس) وجميع فصائل المقاومة في غزة شرعية عالمية لم يكونوا يحلمون بها (١).
стр. 3187
هذه بعض من اعترافات القوم وما خفي أعظم، وستكشف الأيام القادمة مزيدًا من الاعترافات لاسيما في حملة الانتخابات .. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .. لكن تبقى أسئلة مهمة من مثل كيف تحقق النصر؟ وما هي مكتسباتنا في النصر؟ وكيف نحافظ على هذه المكتسبات ومن دعم ومن أرجف؟ تلك وأمثالها أسئلة مهمة .. أسأل الله الإعانة على الإجابة عليها في خطب لاحقة بمشيئة الله.
اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين.
اللهم انج المسلمين المستضعفين في غزة واجعل لهم من لدنك وليًا ونصيرًا.
اللهم اشف مرضاهم وتقبل موتاهم، واخلف عليهم أهليهم وأموالهم، اللهم حقق لهم من النصر فوق ما يأملون، وجنبهم من الشرور والفتن فوق ما يحذرون - اللهم اجمع كلمتهم على الحق وأبق رايتهم على الحق، ولا تجعل للكافرين والمنافقين عليهم سبيلاً.
اللهم منزل الكتاب مجري السحاب هازم الأحزاب .. عليك باليهود المفسدين .. اللهم شتت شملهم واقذف الرعب في قلوبهم، اللهم لا تقم لهم راية ولا تحقق لهم غاية، واجعلهم في ذل ومهانة .. وللمسلمين غنيمة باردة.
اللهم أعظم المثوبة والأجر لمن بنى هذا المسجد، وابن له بيتًا في الجنة، وأصلح له أهله وولده، واغفر له ولوالديه، واخلف عليه بخير، واجعله مسارعًا للخير، واختم لنا وله بالحسنى.
اللهم سدد القول فيه ووفق من تحدث فيه، وانفع من استمع به، واجعله يا ربنا نبراسًا للعلم مناديًا للإيمان، سبيلاً للدعوة إلى دينك ..
стр. 3188
من مكاسبنا في حصار غزة (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ..
أيها المسلمون الجمعة الماضية كان موعدًا مشهودًا للمسلمين في غزة لتكون صلاتهم الجمعة في العراء وعلى أنقاض المساجد المهدمة بأيدي الصهاينة فبماذا يوحي كان المشهد كافيًا للتعبير عن مكانة الصلاة في نفوس المسلمين وإن هدمت مساجدهم، وكان المنظر شاهدًا على الإيمان في أرض الإسراء والمعراج، والصلاة إيمان ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾، وكان عنوانًا على الصمود والتحدي والعزة بالإسلام، والمحافظة على الشعائر - مهما تدنت الأحوال - كان المشهد فاصلًا وفيصلا بين من يعمرون المساجد بالإيمان والطاعة، والله يقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾، وبين أهل الظلم والبغي والعدوان الذين لم يقصر سلاحهم النكد عن بيوت الله وأماكن العبادة، وتذكر الناس معنًى من معاني الظلم والإفساد في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا .. ﴾.
ومشهد عشرات المساجد المهدمة هناك بات عنوانًا لحضارة لا تكتفي بقتل الإنسان ولو كان طفلًا أو امرأة أو شيخًا كبيرًا .. بل وتدك المساجد لتحيلها إلى أطلال تشهد على مستوى حجم الجريمة، ولا توقف المسلم عن عبادة ربه (وقد
стр. 3189
جعلت له الأرض مسجدًا وطهورًا)، ألا فاعتبروا يا أولي الأبصار.
ويوم السبت كان موعدًا آخر لأطفال غزة وهم يدرسون على أنقاض مدارسهم، يتجمعون في العراء ويكتبون على التراب .. وهم يسجلون تحديًا آخر لليهود .. بل ويحفرون في قلوبهم الكره والمقاومة .. فقوم هدموا مساجدهم ومدارسهم لا يستحقون إلا الجهاد والعدوان.
أما بعد ..
فرق اليهود للتهدئة - فما ندري كيف حال إخواننا في هذه الجمعة، واليهود قوم بهت، وجبن لم يفوا بالعهود في زمن النبوة فأنى لهم أن يفوا بها في أزمان غيرهم.
آه كم يشهد التاريخ - في الماضي والحاضر - على وحشية الإنسان، وهمجية الحضارات التي لا تتصل بالسماء، ومن همجية التتر - في قرون خلت - إلى همجية المفسدين الجدد (قتلة الأنبياء) أي حضارة تلك التي تعتدي على أماكن العبادة ودور العلم، ومشافي المرضى لتحيلها إلى أشباح؟ وأي قوم جبارين أولئك الذين يتجاوزون المآذن، ويصلون على الأنقاض، ويتعلمون في العراء ويسكنون المخيمات .. فأي الفريقين أحق بالأمن؟ وأي الحضارتين أولى بالبقاء؟
إنها جرائم بحق العلم والإيمان بل وبحق الإنسان، فإحدى وعشرون ألف منزل هدمت جريمة لا تغتفر .. لكنها جزء من تاريخ اليهود، ومعبرة عن حضارتهم .. ومن خلف الستار مجرمون، آخرون تعرف منهم وتنكر - ولكن الله يعلمهم وسيجازيهم ويمكر بهم.
إخوة الإسلام - ويمكن أن تحول الخسائر إلى مكاسب، كما تتحول المحن - بإذن الله - إلى منح، والآلام إلى آمال .. لكن بصدق العزائم والثبات على
стр. 3190
المبدأ الحق والصبر على البلاء، واليقين والتوكل على الله، والاستغاثة والدعاء، والمقاومة والجهاد، والمجاهدة، وحسن الظن بالله - واليقين بالنصر، واستنزاله من الله وحده، وبالتعبئة وأخذ العدة، واليقظة والمرابطة .. وهذه وأمثالها من قيم لا تتوفر إلا لأهل الإسلام، نحسب أن إخواننا في غزة حققوا ما حققوا من النصر بفضل من الله واستشعار هذه المعاني والقيم ولا يجرمنكم كثرة العدد والعدة ﴿كَمْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]. ورب شخص عدل بألف شخص «لصوت أبي طلحة في الجيش خير من ألف رجل» (١).
وبعد التخفيف والعلم بالضعف ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦].
ولكم أن تقارنوا بين فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة، فالأولى تسعف المرضى وتحمل الموتى والسماء تمطر بالقاذفات، وتصلي لله على أي حال استطاعت الصلاة، أما الأخرى فتصاب بالرعب - وإن لم تصبها الصواريخ المقاومة وتمتلئ المستشفيات والمصحات النفسية بالمرعوبين وأصحاب الصدمات النفسية .. وتخلى المستوطنات تحسبًا لضربات لم تقع، وأنى لهؤلاء أن يعبدوا الله في أوقات الشدائد، وقد كفروا به في أزمنة الرخاء والمسرات؟ وأنى لهم أن يكفها عن قتل الناس وقد تجرءوا على قتل خير الناس (الأنبياء)؟ ! وأنى لهم أن يكفوا عن قتل الناس.
إن من مكاسب المسلمين في هذه النوازل أن تصحح الإيمان؛ فالإيمان ليس بالتمني ولا بالتحلي: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا
стр. 3191
بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ١٥]. ويبحثوا عن مصادر القوة والعزة: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨].
من مكاسبنا أن تعود نماذج الإيمان، وأن ترحل عن قلوبنا وبلادنا معوقات الوهن والوهم، وأن تتطلب حياة السعداء، وأن تكون الشهادة أحد أمانينا، وللشهداء مساحة في أحاديثنا وكتاباتنا، لقد ضل بعض أبناء جلدتنا حين زعموا أن الحديث عن كيفية تغسيل الميت وتكفينه، والحديث عن القبر ونعيمه وأهواله .. كل ذلك سموه (بثقافة الموت)، أما الجهاد والاستشهاد في سبيل الله فلا تسأل عما نالها من سخرية وتشويه، ونسي هؤلاء أو تناسوا أن ثمة أعدادًا من البشر في عداد الموتى وإن كانوا أحياء، وآخرين أحياء عند ربهم يرزقون .. وإن كانوا في عداد الموتى .. مفاهيم ناصعة اعتدى عليها المرجفون، وحاولوا تحريف الكلم عن مواضعه، وتشويه المصطلح وأهله .. ويأبى الله إلا أن يتم نوره ويظهر الحقيقة، حيث تأتي هذه الأحداث لتعلي شأن الجهاد والاستشهاد، وتكشف عن حقيقة الولاء والبراء، وتمايز بين صفوف أهل الإيمان والنفاق، وكل هذه مكتسبات حري بنا أن نحافظ عليها ونحفظها في نفوسنا، كما حفظتها نصوص شريعتنا الغراء.
وكان من مكتسباتنا تعميق الوعي بقضيتنا الكبرى (فلسطين)؛ فقد حيت في نفوس الكبار والصغار، والرجال والنساء، والعرب والعجم، والعامة والنخب .. وربك يخلق ما يشاء ويختار .. وكلما حاول الأعداء إبعاد فلسطين عن المشهد، أو تحجيمها في فئة محدودة هيأ الله سببًا يعمق الوعي بقضية فلسطين، ويجدد المطالبة بتحرير المقدسات من المحتلين، وتجاوز الوعي القضية الكبرى إلى قضايا أخرى انكشفت على إثرها هيئات وأشخاص وتميز الخبيث من الطيب.
стр. 3192
وتجذر في قلوب المسلمين - وعلى صعيد الواقع - أن اليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض، ويكمل بعضهم نقص بعض، وإن خيل لنا أنها دول صديقة أو محايدة، أما الزعم بأن الصراع بيننا وبين دولة إسرائيل ليس صراعًا دينيًّا، فهو جهل وتضليل، وإن قال به بعض أبناء جلدتنا.
كما كان من مكاسبنا تحقيق النصرة والولاء للمؤمنين؛ فلم يكن الدعاء سلاحنا الأوحد للنصرة، بل تساهم أهل الدثور بأموالهم، ومنح أهل العلم لفلسطين وأهلها من علمهم وبياناتهم وفتواهم، بل ورحلاتهم ولقاءاتهم بالقادة والزعماء لشرح القضية ونصرة المظلوم، ومن لم يساهم بهذا وذاك تصدق بدموعه وانكسار قلبه ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٦]. أما أصحاب المليارات من النفقات فذلك جهد يذكر ويشكر للمملكة حين دعمت غزة بمليار دولار .. ولئن كان هذا المبلغ -كما قال خادم الحرمين- قليلًا على أهلنا في غزة، ولا يساوي قطرة دم تهرق هناك، فهو رقم مهم، ونأمل أن يصل إلى مستحقيه، وإن كثر طالبوه من خارجها.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩ - ١٤١].
стр. 3193
الخطبة الثانية
الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلًا أولي أجنحة، وأشهد أن لا إله إلا الله، ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده.
ومن مكاسبنا (الفأل وحسن الظن بالله)؛ فهو مبدأ شرعي علمنا الإسلام كيف نستحضره في أحوالنا كلها، وجسده لنا الرسول ﷺ بسنته وسيرته حين يتجاوز المحنة النازلة إلى آفاق من الفأل وحسن الظن بالله، وما أشبه الليلة بالبارحة وحين حوصر المسلمون في غزوة الخندق وأحاطت بهم الأحزاب من كل جانب، وزلزل المسلمون زلزالًا شديدًا، كان النبي ﷺ حينها يبشر بالفتح، ويعد بنصر يتجاوز الأحزاب (داخل المدينة) إلى انتصارات في أرض الشام واليمن وفارس، فلا يفتت الصخرة فحسب، بل ويفتت معها أي مشاعر للإحباط والهزيمة، وأي مظاهر للقنوط والاستسلام .. ثم تجدد الفأل في نهاية المعركة -وقد كفى الله المؤمنين القتال- ويعد الصحابة ألا يطأ أرض المدينة بعد مشرك، ويقول قولته النبوية المتفائلة: «الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم». وتأملوا كيف انقلب ميزان القوى، فمحاصرة قريش للمسلمين في المدينة ولت إلى غير رجعة، والجيش الإسلامي يتحرك بعد باتجاه مكة .. وكان صلح الحديبية فتحًا مبينًا، ثم كان المسير إلى اليهود في خيبر وكسر شوكتهم، ثم ختم ذلك بالتحرك إلى مكة، وكان فتح مكة إيذانًا بدخول الناس في دين الله أفواجًا .. ثم شخص المسلمون بأبصارهم إلى أرض الروم، فكانت مؤتة بداية
стр. 3194
لتحطيم سمعة القوة الأسطورية (الروم)، ثم سقطت وسقطت معها دولة الفرس في فترة وجيزة من الزمن، وكذا ينتصر الحق ويقوى الضعفاء ويضعف الأقوياء ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾.
كما علَّمنا الفأل قادةٌ صادقون خاضوا أغمار الحرب مع المحتلين لفلسطين، ولم يشأ الله لهم أن يفتحوا -رغم جهودهم وجهادهم- لكنهم علموا غيرهم كيف يكون الفأل وحسن الظن بالله، والقائد (نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي) نموذج نحسبه من المجاهدين الصادقين وأثنى عليه من ترجم له كابن الأثير والذهبي وغيرهم، والذي يعنينا هنا أنه صنع منبرًا لبيت المقدس -وإن لم يفتحه- حتى إذا فتح على يد صلاح الدين، وأراد أن يصنع له منبرًا قيل له إن نور الدين محمود سبق له أن صنع هذا المنبر، فطلبه صلاح الدين، فأتي به ووضع في بيت المقدس بعد عشرين عامًا من صنعه، قال ابن الأثير معلقًا: فحمل المنبر من حلب ونصب بالقدس، وكان بين عمله وحمله ما يزيد على عشرين سنة ﵀ (١). وهذا من كرامات نور الدين وحسن مقاصده.
ومن الفأل أن تكون أحداث غزة تأسيسًا لمرحلة جديدة في الأمة، ومعلمًا وتأريخًا للنصر ورفع الذل.
ولعل من الفأل أن تتزامن أول خطبة في هذا الجامع المبارك - إن شاء الله - مع انتصار غزة وتراجع الصهاينة، ونسأل الله أن يحقق للأمة النصر والتمكين.
وعلى كل مسلم أن يستثمر هذه الأحداث لصالح الإسلام والمسلمين، وحسب جهده وطاقته ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩].
стр. 3195
ومن مكاسبنا في هذه الأزمة السعي لتحقيق وحدة الأمة الذي مزقته الأهواء، وشقته الانتماءات الفارغة، وعصفت به رياح الفرقة .. كل هذه الأدواء باتت تنحصر دوائرها، وتتسع في المقابل دوائر الوحدة والاجتماع، لقد باتت قضية فلسطين تشغل هم الجميع، وبات الانتصار للمظلومين قاسمًا مشتركًا .. وعلا صوت النداء لوحدة الأمة في مقابل تكالب الأعداء عليهم، ووحدة الشعوب مقدمة لوحدة القيادات والكيانات.
إن الحديث عن الوحدة لا يُصنع عبر محاضرات، أو خطب تلقى، أو كتب تؤلف، بل تساهم المصائب والرزايا المحيطة بالأمة في صنعه وتقريبه، فلنساهم جميعًا في هذه الوحدة فهي خطوة مهمة في سبيل صعود الأمة وانتصاراتها.
أما مكسب ترسيخ العداوة لليهود ومن حالفهم، فلم يعد شأن المسلمين الذين يجدون في كتاب ربهم: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٥]. بل على مستوى العالم الذي لم تغب عنهم الشاشة جرائم الحرب، ولم تخف عنهم الأخبار مساعدات الحلفاء .. وفي ظلال هذه المشاهد، وفي ظروف هذه المواسم كساد لمشاريع السلام الهزيلة، والتطبيع الموبوءة، فاليهود أول من كفل هذه المشاريع، ومن واجب المسلمين أن يرفضوها، ولا يخدعوا ببريقها الكاذب.
ومن مكاسبنا - في هذه الأزمة - تمايز الصفوف، وكشف الرايات، فثمة عناصر ومؤسسات تتحدث بألسنتنا وتتسمى بأسمائنا، لكنها تفكر بغير تفكيرنا، وتتجه في عواطفها ولحن قولها غير وجهتنا، إنهم من ابتليت بهم الأمة في سالف الزمن، ديدنهم الإرجاف والتعويق، وأساليبهم سخرية وتخذيل، يشككون بوعد الله، ويشرقون بالنصر لأهل الإسلام، هم من قال الله عنهم: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا ولأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ [التوبة: ٤٨].
стр. 3196
وهم الذين قال أسلافهم للمؤمنين المقاتلين: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨]. وأعلنوها صريحة كاذبة: ﴿مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا﴾. وهم من كشف القرآن: ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾. هذه الفئة المرجفة تنكشف أكثر في زمن الشدائد، ولا بد من الحذر منهم فـ (هم العدو) وكشف خططهم، حتى لا ينخدع الناس بهم.
إخوة الإسلام وثمة مكاسب وقيم تربوية من هذه النازلة نالت الصغار والكبار والنساء والرجال، وأثرت في البيوت استقامة وعودة إلى الله، بما أعيت الآباء والأمهات لبضع سنين .. كيف لا وهم يسمعون المقاتلين يكبرون ويهللون، ويشاهدون الموتى وهم يتشهدون، يرقبون المرأة الفلسطينية تصبر وتصابر، والطفل يحمل الحجارة ويقاتل، والناس جميعًا يصلون في المساجد وهي تقصف، والشهداء يحملون بكل عزة وإباء.
إنها تربية بالمشاهد الحية .. تلك إطلالة عجلى على شيء من مكاسبنا، وأخرى لا تخفى على اللبيب، والمهم أن نحافظ على هذه المكتسبات والمفاهيم والقيم والأخلاق والسلوكيات، وأن نتجاوز مرحلة الضعف والتشرذم، إلى مرحلة القوة والاجتماع.
стр. 3197
حين يغيب الإيمان عن العلم
نموذج لتدهور الغرب القيمي (١)
الخطبة الأولى
إخوة الإسلام .. أمران مهمان لبناء الحياة الدنيا وسعادة الآخرة: العلم والإيمان؛ فبالعلم تبنى الحضارات ويتقدم الإنسان، ويتجاوز عقابيل التخلف ويخرج من دائرة الجهل، وبالإيمان تبنى القيم، ويتصل الإنسان بالخالق، ويتوازن في نظرته للحياة، ولا تنتهي آماله في الدنيا، بل يتطلع لحياة أخرى أرجت وأسعد .. الإيمان يعصمه من الفجور، ويمنعه من الطغيان، يرشد مسيرته، ويضبط حركاته وسكناته.
إن أي أمة تفقد واحدًا من هذين العنصرين تضل وتشقى، وتتخبط في مسيرتها وتتأخر- وإن تقدمت ظاهرًا- تتفكك أوصالها، وتنقطع أواصر روابطها، ثم مآلها السقوط والزوال.
أيها المؤمنون .. وتعالوا بنا ننظر في واقع الحال، ونستشهد بحضارات فقدت إحدى عناصر البقاء، فكيف كانت حالها؟ وإلى أين تتجه في مسيرتها؟
الحضارة المادية المعاصرة نموذج لفقد الإيمان، فرغم ما بلغته من علم وتقنية وتقدم في مجال الحياة المادية، فهي عرجاء المسيرة، عوراء النظرة ..
ويعترف أحد أبناء الحضارة الغربية المعاصرة بفقدهم لعنصر الإيمان، وكيف أثر على مسيرتهم، ويقول (ول ديورانت) كاتب أمريكي عن حضارة بني قومه:
стр. 3198
إن ثقافتنا اليوم سطحية، ومعرفتنا خطرة؛ لأننا أغنياء في الآلات، فقراء في الأغراض، وقد ذهب اتزان العقل الذي نشأ ذات يوم من حرارة الإيمان الديني، وانتزع العلم منا الأسس المتعالية لأخلاقياتنا، إننا نبدد تراثنا الاجتماعي بهذا الفساد الماجن (١).
أيها المسلمون .. وحتى نقف على الداء، ونحذر من الوقوع في مثله، لا بد أن نشير إلى عناصر ثلاثة صرفت المجتمعات الغربية، وجعلت حياتهم على شفا جرف هار، مهدد بالأفول في أي لحظة.
والعناصر الثلاثة هي:
١ - الجنس وشذوذه وحريته المزعومة.
٢ - والخمور والمخدرات وآفاتها الخطرة.
٣ - والخنزير وخبثه وما يخلفه على صحتهم من آفات وأمراض.
أما الجنس هنا فهي بيهيمية في صورة إنسانية؛ إذ ليس ثمة محظور أو حياء، بل شذوذ جنسي وبغاء، قال عنه أحد المسئولين في البرلمان الفرنسي: إن حرفة البغاء لم تعد الآن عملًا شخصيًّا، بل لقد أصبحت تجارة واسعة وحرفة منظمة، بفضل ما تجلبه وكالاتها من أرباح خيالية.
ولكي ندرك مدى انتشار الزنا في المجتمعات الغربية -أكرمكم الله والمكان- يكفي أن يشار إلى شيء من نسبه، ليس في عامة الناس بل في خواصهم (الرهبان ورجال الكنيسة)، ففي تحقيقات بارعة نشرتها (الديلي ميل) عام ١٩٧٠ م ذكرت الإحصائية أن ما يقرب من ٨٠% من الرهبان والراهبات ورجال الكنيسة
стр. 3199
يمارسون الزنا، وإن ما يقرب من ٤٠% منهم يمارسون الشذوذ الجنسي؟
فإذا كانت هذه إحصائية السبعينيات .. فكم هي إحصائية ما بعدها إلى يومنا هذا؟ ! وإذا كانت هذه النسب المرتفعة في الرهبان ورجالات الكنيسة، فكم تكون في بقية الشعوب الغربية؟ !
وتعجبون حين تعلمون أن كثيرًا من الكنائس الغربية قد أباحت الزنا .. بل أباح بعضها اللواط، بل يعقد قران الرجل على الرجل في بعض كنائس أمريكا على يد القسيس، فهل بعد ذلك من بهيمية؟ ! وهل فوق هذا الشذوذ من شذوذ؟ ! (١)
بل بلغ التردي أن دور العلم والمؤسسات الجامعية تشارك بل وتنشر هذه الثقافة العفنة، فأول مسابقة للتعري السريع تتبناه جامعة (يورو) ويعلن للناس، ويمنح الفائزون والفائزات -بزعمهم- جوائز وشهادات وأوسمة شرف!
هكذا تنحط القيم، وتستباح الفضيلة، ويؤسس للبهيمية، ولا تسأل هناك عن الأمراض والأوبئة، وأعداد اللقطاء، والمشاكل الأمنية .. وغيرها من مخرجات هذه البيئات الساقطة! .
عباد الله .. وهنا سر لبداية الانحراف لا بد أن يعيه العقلاء، ويدركه أهل الإسلام بجلاء، فهذه الأمراض الجنسية والإباحية المتردية كان وراءها انفلات في القيم، وحرية المرأة المزعومة، والتبرج المطلق، والاختلاط المحموم؛ ولذا فحين ينادي مناد لهذه الصيحات، أو تطرح مجموعة من الطروحات، أو تبدأ شيء من مقدمات هذه الممارسات في بلاد أهل الإسلام، فهي البداية النكدة، وهي المقدمة لهذه الأمراض والبلايا .. فلنحذر.
стр. 3200
أيها المسلمون .. أما الخمور والمسكرات والمخدرات، فحدث ولا حرج عن ويلاتها ومآثمها، وأما الخبائث حرية بكل بلاء، داعية لكل فجور، وهناك في تلك البلاد ينتشر الكأس، وتروج تجارة المخدرات، وتغدو هذه البلايا جزء من ثقافة القوم ومكوناتهم الاجتماعية، لا فرق بين الصغير والكبير، ولا بين الذكر والأنثى .. وإذا كانت لغة الأرقام مخيفة في تعاطي الأطفال في بلاد الغرب للخمر، فلا تسأل عن غيرهم .. وإذا قارنهم من يسمون برجال الدين، فكيف الحال بغيرهم، وهل تعلم أن بعض هؤلاء يشربونها في الكنيسة، ويحتجون على شربها بنصوص من أناجيلهم المحرفة، وربما اعتقدوا أن الخمر هي دم المسيح، فمن شربها فقد سرى في عروقه دم المسيح؟ !
إنها الانتكاسة والرجس، وتلاعب الشيطان، وفرق بين هؤلاء وبين من يقال لهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
إنه داء آخر .. (الخمور والمخدرات) إذا فشت في مجتمع أفسدته، وإذا ابتلي بها قوم أهلكتهم، فلنحذر هذا الداء، ولنساهم مع الجهات المعنية في دفع ويلات الخمور والمخدرات عن مجتمعاتنا وبلادنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، والله يقول عن كل ما خامر العقل وغطاه: ﴿رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
стр. 3201
الخطبة الثانية
الحمد لله يستحق الحمد والثناء ..
عباد الله .. وإذا تدنست الفروج واختلطت الأنساب، وتزايدت أرقام اللقطاء والأبناء والبنات (غير الشرعيين)، وإذا خمر العقل وغطي وحجب عن التفكير الحق والعبودية لله، واستهين بأعظم نعمة، وغيب العقل عن الوجود فترة من الزمن، فتلك مصائب عظيمة، فكيف إذا انضاف إلى هذا وذاك لحوم نبتت على السحت، وغذيت بالحرام والخبيث من الطعام!
إنها آية ومعجزة ربانية حين صنف لحم الخنزير من المحرمات، ومن رحمة الله بأمة الإسلام أن أوحى إلى نبيهم ﷺ : ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالْدَّمَ وَلَحْمَ الْخَنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [النحل: ١١٥]. والآيات في مثل هذا كثيرة.
وفي صحيح السنة قال ﷺ عام الفتح: «إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام» رواه البخاري ومسلم.
بل لقد حرمت التوراة في عهدها القديم أكل لحم الخنزير، وجاء في الإنجيل في العهد الجديد أن الشيطان يوجد في الخنزير.
ولكن اليهود والنصارى بعيدون عن كتبهم - وإن كانت محرمة - متمردون على شرائع السماء وإن كانت هاوية، إنهم يزيدون على أكله بالمتاجرة في بيعه وشرائه وتربيته والعناية به، وأول دولة تعنى بإنتاجه بعد الصين هي البرازيل، ثم تليها أمريكا، وفوق أكله والمتاجرة به، فقد أدخلوا لحمه وشحمه وجلده في كثير من صناعاتهم الغذائية والاستهلاكية التي يعتمدون عليها - وهذا عذاب فوق العذاب وتزيين من الشيطان للقبيح - وهو يسير في اتجاه انتكاس الفطرة، وتلوث البيئة
стр. 3202
هناك، لقد قيل: ليس من الدواب يعمل عمل قوم لوط إلا الخنزير والحمار (١).
ولا عجب أن يصاب آكلوها بفقد الغيرة على المحارم والخيانات الزوجية، وهذا يحكيه الواقع في تلك البلاد التي تأكل الخنزير، فلا تسأل عن الدياثة والعلاقات غير الشرعية، وفقدان الغيرة وتفكك الأسرة.
إننا لسنا بصدد حديث عن الأضرار الطبية للحم الخنزير، والتي وافق فيها الطبُّ الحديثُ نصوصَ الوحيين؛ فهناك العديد من الجراثيم والطفيليات والبكتريا تعيش في جسم الخنزير، وهي بدورها تنتقل إلى أجسام آكليها، وهذا عذاب في الدنيا قبل عذاب الآخرة، ولكني أردت الإشارة إلى اجتماع الأدواء العقلية والجسدية والجنسية عند قوم تركوا شريعة الله وراءهم ظهريًّا، وفي الوقت نفسه أحذر قومي وإخواني في العقيدة من طريق المغضوب عليهم والضالين.
وأريد كذلك أن أنصح أولئك القوم المفتونين بحضارة الغرب، والغافلين عن عناصر البؤس والشقاء فيها ..
صحيح أننا نتمنى أن نصل إلى ما وصلوا إليه من تقدم مادي وريادة في التكنولوجيا، لكن هذا لا ينبغي أن ينسينا حضيض القيم ومستنقع الآثام التي تردوا فيها، وبالتالي فنحن مسئولون عن دعوتهم لدين الإسلام، وترشيد حضارتهم بما يخدم الكون والبشر، وإذا أتيحت لنا فرص الاستفادة من تجربتهم المادية، فينبغي أن نستشعر عزتنا بالإسلام، وأن نبعد عن أنفسنا ومجتمعاتنا سلبيات ثقافتهم، وموروثات القيم المدنسة عندهم، ونكمل الشق المفقود عندهم ألا وهو عنصر الإيمان بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًّا.
стр. 3203
إنهما جناحان لا بد من الطيران بهما: (العلم والإيمان)، لمن أراد أن يحقق تقدمًا في الدنيا وسعادة في الآخرة، وإلا فهو الضيق والضنك الذي أخبرنا عنه القرآن: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾.
لقد تنادى العقلاء هناك لإنقاذ حضارتهم، لكن صوت الحمقى يغلب صوت العقلاء، وأمة الإسلام حين تعود إلى صدارتها وقوتها فهي مؤهلة لترشيد المسيرة ودعوة المنحرف وتوازن المختل، لكن قبل ذلك لا بد من إرادة التغيير في الأنفس استجابة لقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]. ثم لا بد من دعوة الآخرين ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾.
وباختصار لا بد من علم وإيمان .. فهل نحن فاعلون؟ !
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، اللهم هب لنا إيمانا صادقا يورث فينا خشيتك.
стр. 3204
الغزو الفكري
(وسائل ومظاهر ومخارج) (١)
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، أكمل لنا ديننا، وأتم علينا نعمته، وجعل الإسلام لنا دينًا، وأشهد أن لا إله إلا هو، لا معبود بحق سواه، ومن أعرض عن ذكره فإن له معيشة ضنكًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، والمبلغ عن ربه، فهدى الله به وزكى، وعلم الكتابة والحكمة، وكان فضل الله عليه عظيمًا .. اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين، ورضي الله عن الأصحاب والتابعين، ومن تبعهم إلى يوم الدين.
إخوة الإسلام .. أنعم الله على العالم بتقارب أطرافه، ويسر الله الحركة والاتصال بين بلدانه وأبنائه، قرب البعيد، وتحقق شبه المستحيل، توفرت الخدمات، وخف عناء السفريات، بل أصبح اللقاء ممكنًا -عبر الشاشات- مهما تباعدت الديار.
وكان لوسائل الإعلام المختلفة وتقنيات الاتصالات الحديثة أثر في ترابط الأمم وتشابك الحضارات، ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
لكن ثمة ما يخيف إلى جانب ما يفرح، وثمة آثار سلبية في مقابل الإيجابيات لهذا التقارب والاختراق، فالحضارة والفكر، والثقافة والقيم كلها بحجرها وبحرها، وبخيرها وشرها، وصحيحها وفاسدها، باتت في متناول الصغار والكبار، والرجال والنساء، والمثقفين والأميين، ومن هنا يكمن الخطر؛
стр. 3205
فالغالب - غالبًا - يفرض فكره ويصدر قيمه، والمغلوب يستقبل ويستبدل، وربما استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ومن لم تكن لديه من المناعة ما يكفي، ناله من أعراض المرض، ومن لم يكن عنده تمييز بين الغث والسمين، شرب وشرِق، وأكل وأتخم، ثم عادت الأمراض تسري في جسده، وربما وصلت إلى القلب .. فكانت المصيبة أعظم.
أيها المسلمون .. حين يكون الحديث عن الغزو الفكري، ووسائله وأثره وكيف نتقيه، فلا بد من العلم أولًا أن دين الإسلام الذي ارتضاه الله للناس، وأنعم به على البشر، قادر على التأثير والإصلاح؛ فعقيدته نقية، وفكره كامل، ونظمه شاملة للحياة، وعزته عالية، دين قادر على التحدي والصمود، وعلى المحاورة والإقناع، ومنذ نزل -وإلى يومنا هذا- وهو يتعرض للبلاء والحرب على كافة الأصعدة، ومن كافة الجهات والجبهات، ومع ذلك يتجدد، ويتمدد، وينافح عنه قوم، ويخلفهم آخرون، وستظل رايته مرفوعة، والعلامة ظاهرة، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ذلك وعد الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾.
ولا بد من العلم ثانيًا أن من أبرز علامات ضعف الأمم أخذها بكل ما يساق إليها، من غير تمييز بين الضار والنافع، والخبيث والطيب، وأن يكون ميلها إلى التافه والحقير من الشهوات والشبهات، مثل أو أعظم من توجهها إلى معالي الأمور ومحكمات الدين.
ولا بد من العلم ثالثًا أن لدى الأعداء بضاعتين: بضاعة يزجونها إلى الضعاف، وبضاعة يمنعونها عنهم، أما التي يزجون فكل ما يسلب الأخلاق، ويدمر القيم، ويذل الأمم، ويكرس العبودية والتبعية، وأما التي يمنعون فسر
стр. 3206
التفوق، وإكسير القوة، وأسباب التقدم (١).
أيها المسلمون .. أراد الأعداء للمسلمين قديمًا - ويريدون لهم حديثًا- أن يكونوا تابعين لمللهم، منحازين إلى فكرهم: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾. وحيث نجح المسلمون وتفوقوا على أعدائهم فيما مضى، فلماذا تأخر ركبهم فيما بعد؟
ليس مكمن الخطر أن يتفوق الأعداء في الميدان العسكري، فالأيام دول بين الناس، والضعيف يقوى، ولكن الهزيمة المنكرة هي التراجع في القيم، والخسارة في الأخلاق، والهزيمة في الفكر، والشك في المبادئ، والتذبذب في الهوية، والغزو الفكري، والهزيمة النفسية أخطر وأبلغ أثرًا من الغزو العسكري.
وإذا كان ثمة حديث عن وسائل هذا الغزو الفكري؛ فالإعلام آلته الكبيرة، ووسائله المتعددة وسيلة كبرى من وسائل التغريب والاعتداء على الهوية، وما فتئ الأعداء يستخدمون الإعلام في نشر الرذيلة، وتسويق الأفكار المنحرفة، ونقل وافد الثقافات، كما باتت الشاشات المصنوعة بعناية - والمملوءة بالبرامج الساقطة- تغزو العقول، ويستعاض بها عن الجيوش؛ ففي جهاز الغرفة تقصف الأهداف، وعبر الشاشة تدمر القيم، وتنحر الفضيلة، ومن خلال البرامج الحوارية أو المسلسلات تصدر الأفكار، وتروج الشبهات.
ومن خلا الكتب الرديئة والمقالات في الصحف والمجلات المنحرفة، تجيّر العقول، وتحدد الاتجاهات وعبر (عولمة) الاقتصاد أو بنوك الربا، يفرض الربا، ويشاع الاحتكار، ويختلط الحق بالباطل في المعاملات، وتكون الخسائر والنكبات المالية.
стр. 3207
وفي مؤتمرات (الحوار) التي يتبناها (غير المسلمين)، ويروح لها (المنافقون)، يظلم الإسلام ويتهم المسلمون، ويصد عن سبيل الله، وتثار الشكوك والشبهات، وكم كان (التعليم) في بلاد المسلمين وسيلة لتجهيل أبناء المسلمين بدينهم وتاريخهم، أسلوبًا لاغترابهم في فكرهم وسلوكياتهم، حين تصاغ (المناهج) على غير شرع الله، ويتولى سدة التعليم مغتربون في بلاد المسلمين فيسيئون إلى التعليم والمتعلمين.
أما (المرأة) فهي جسر عبر من خلاله (الغزاة)، واستخدمت المرأة من - حديث تشعر أو لا تشعر - أداة لتغريب الأمة وفتنة أبنائها، وكان طرح (الحجاب) مع تنقصه، و (الاختلاط) مع الإشادة به، و (الفضيلة) مع وصفها بالجمود والتقليد، و (السفور) باعتباره عنوان (التحضر والرقي) .. كل ذلك وأمثاله من قضايا تغريب المرأة .. سار في قطار الغزو الفكري، حتى بت تسير في عدد من بلاد المسلمين، ولا تكاد تفرق بين المرأة المسلمة والمرأة الغربية، إلا في لغتها إن تحدثت، أو باسمها إن كتبت؟ وأريد للمرأة أن تكون أهم ناقل للعدوى وأقصر بريد للفساد - ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.
إن الحديث عن آليات ووسائل الغزو الفكري لا يقف عند هذه الوسائل، بل يتجاوزها مما تعلمون ومما تنكرون .. ولكن الأهم ماذا خلف، وكيف يقاوم؟
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.
стр. 3208
الخطبة الثانية
إن من أبرز مظاهر هذا الغزو: غربة الدين عند نفر من المسلمين، وتجاوزوا جزيرة العرب - مع ما فيها من آثار للغزو- لتروا كيف باتت أجيال من المسلمين لا تعرف من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه.
ومن مظاهر الغزو: الجرأة على الدين، ومجاهرة المبطلين، والقول على الله بغير علم، والحديث فيما لا يحسنه المتحدث، حتى صار كل شيء قابلًا للنقاش، وكل حكم فيه قولان.
ومن مظاهر الغزو: التردد في قول الحق، والضعف في إنكار المنكر، وبهذا وذاك ضعفت السلوكيات، ومال بعض الناس إلى الرخص، وتركوا العزائم، وثقلت عليهم السنن، وبدأ الفتور عن الواجبات - إلا من رحم ربك.
ومن المظاهر: التقلب في الأفكار، والتغير عن المبادئ، وضعف الإيمان واليقين، واهتزاز القناعات، وكثرة الشكوك والشبهات.
ومن مظاهر الغزو وآثاره: انزواء بعض الأخيار وتصدر الأشرار، وتخوين الأمين، وتسويد الخونة، وسكوت العالم، وحديث الرويبضة، وضعف الشعور بالمسئولية.
ومن مظاهر الغزو وآثاره: فشو الربا، وكثرة الزنا، وممارسة اللواط، وانتشار الفواحش، وكثرة الفساد، وتنوع المعاصي وأمن العصاة، وكثرة المفسدين.
من آثار الغزو الفكري: أن باتت طوائف من المسلمين إن قاموا للصلاة قاموا كسالى، وآخرون لا يذكرون الله إلا قليلًا، وقوم اتخذوا هذا القرآن مهجورًا، وآخرون بلوا بالمخدرات، وتهانوا في سماع الغناء، والافتتان بالساقطات.
ومن أعظم مظاهر الغزو: انحراف في الفكر والسلوك، وردة عن الأصالة،
стр. 3209
وسخرية بالإسلام، ورفض التحاكم إلى القرآن، وعبث بنصوص السنة، وتطاول على أعلام الأمة.
عباد الله .. ومهما عددنا من مظاهر الهزيمة الفكرية، فلا يأس ولا قنوط، ولا تشاؤم ولا إحباط.
وللحق فإن كافة الانحرافات التي يتصدى لها الفكر الإسلامي اليوم، ويطارد فلولها في الفكر، والأدب، والقيم، والفنون، والمعارف، والمناهج، والمذاهب السياسية والاقتصادية وغيرها، إنما هي نتائج طبيعية للخلل الأساسي الذي وقع -حيث نبتت العلمانية والفكر القومي والاشتراكية في بلاد المسلمين- لحظة الالتقاء الأولى والمبكرة مع الحضارة الغربية (١).
والأمة الآن تمر بمنعطف تبصر به طرق الردى، وتتلمس طريق النجاة، وتسمع للناصحين.
ومن أولويات طرق العلاج والخروج من النفق: أن نشعر بقيمة هذه الصحوة، وأن نثمن مكاسبتها، وأن نتفاءل بمستقبلها، وأن نجعل من أنفسنا وأبنائنا وبناتنا جنودًا صادقين للإسلام، وأن نعتز بالهوية الإسلامية؛ فهذا زمن الهويات، ولا مكان للقطاء.
ومن طرق العلاج أن نستفيد من تقنية الاتصالات ووسائل الإعلام، ونطوعها لخدمة الدين، وتعبيد الناس لرب العالمين، وأن تشتمل مناهجنا التعليمية على تأصيل القيم وبناء الشخصية المسلمة، وبيان مخاطر الغزو الفكري، وأن نقابل (العولمة) الغازية بـ (العالمية) العظيمة للإسلام، متجردين عن الحزبية والعنصرية
стр. 3210
والإقليمية (الضيقة)، فالله قال لنا: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢].
وأن تنشط مؤسساتنا الدعوية والإعلامية في الداخل والخارج للدعوة والبلاغ المبين، وأن يتحمل كل مسلم ومسلمة مسئوليتهم على قدر الطاقة، وحسب المواقع.
وفي الوقت الذي نحذر من وافد الفكر العفن والثقافة المتردية، لا بد من التعامل بإيجابية مع الفكر الرائد، والإبداع المنضبط -وإن نبت في غير أرضنا- وأن نستفيد من (الحكمة) وإن سبق إليها غيرنا .. وحين تكون تجارب البشر كتابًا مفتوحًا فينبغي أن نقرأ منه ما يرشد مسيرتنا، ولا يتعارض مع إسلامنا؛ فنحن أمة لا ننغلق ولا ننهزم، نمارس التطور والتحديث، ونحافظ على الأصول والثوابت ويسعفنا في الخروج من النفق المظلم إرادة قوية، ومراجعة مستديمة، وتوبة نصوح.
ولا بد قبل هذا وذاك من قناعة ويقين جازم بأن شريعة الإسلام هي دين الأمة ودستورها في الصغير والكبير، وأن المستقبل للإسلام والبقاء للمسلمين، فثمة طائفة على الحق منصورين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله .. لا بد من اليقين أن الزبد يذهب جفاءً، وإن الكلمة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وأن جندنا لهم الغالبون، وأن العاقبة للتقوى وللمتقين .. ذلك وعد غير مكذوب.
стр. 3211
الإيجابية في زمن التحولات والانتخابات (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ..
إخوة الإسلام من محسوسات العقل أن الزمان يتغير، ومن مدركات الواقع أن الحياة لا تدوم على حال .. ومن موحيات الشرع أن الناس يبتلون بالسراء والضراء، ويمتحنون بالشر والخير، وإن الهداية على قدر المجاهدة، وإذا كنتم تبصرون في واقع حياتكم تغيرًا في كل -يوم بل وفي كل لحظة- فثمة سرور وأحزان، وغنى وفقر، وصحة وسقم، وخير وشر، ونصر وهزيمة، وأموات وأحياء.
ومحال في هذه الحياة أن تستقيم للإنسان الظروف، وأن يخلد في نعيم، وأن يتلبس بصحة إلى الأبد، محال ذلك والله يقول: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤]. إذا كان هذا شأن واقع الحياة .. فاسمعوا إلى نصوص الشرع في توصيف طبيعة الحياة حين يقول ربنا: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾، ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾. ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ [النور: ٤٤]. ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤].
إن الناس قد يتساوون في إدراك هذه الحقيقة المتغيرة للحياة والأحياء، ولكنهم يتفاوتون في أسلوب التعامل معها، واستخلاص الخير منها وجلب المنافع، ودفع الشرور ورفض المآثم، والاجتهاد في حسن العمل.
стр. 3212
تلكم هي قيمة الحياة، والهدف من الوجود ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾. والعبادة حين تكون الهدف من وجودنا ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾. فهذه العبادة أنماط وأشكال يمارسها العبد حين يصلي، وحين يبيع ويشتري، وحين يعمل أو يتعامل، وحين يتحدث أو يكتب، وحين يجاهد أو يتصدق، يمارس المسلم العبادة في المسجد والمنزل، وفي الوظيفة والسوق، في السفر والحضر، وفي حال الخلوة والاجتماع، والشهود حاضرون، والإحصاء دقيق، وكتاب ربي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، والعبد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد.
عباد الله .. وثمة سؤال مهم يقول: كيف يتعامل المسلم مع متغيرات الحياة؟ أتكون لغة الرفض هي الحل؟ أم يكون القبول المطلق والتسليم؟ أم هناك موقف وسط راشد؟ وإيجابية تأخذ الصالح وتنميه وتدعمه، وترفض الطالح وتجاهد في مدافعته؟
إنها الإيجابية والمجاهدة والسعي للإصلاح والوقوف في وجه الفساد .. تلك هي المرتبة العلية التي ربما تقاصرت عنها همم الكثيرين .. ما بين مستسلم سلبي مفتون، وما بين رافض قاعد عن العمل، يحسب أن رفضه كاف لأداء الواجب.
لقد علق سبحانه الهداية بالجهاد في قوله تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وعلق عليها ابن القيم فقال: فأكمل الناس هداية أعظمهم جهادًا، وأفرض الجهاد جهاد النفس، وجهاد الهوى، وجهاد الشيطان، وجهاد الدنيا، فمن جاهد هذه الأربعة في الله، هداه الله سبل رضاه الموصلة إلى جنته، ومن ترك الجهاد فإنه بعيد من الهدى بحسب ما عطل من الجهاد (١).
стр. 3213
وإذا تجاوزنا فئة المفتونين المستقلين لكل سوء .. ولعلهم في مجتمعنا قليل، فالأكثرية هم من يرفضون الشر والفساد، ولكنهم يتفاوتون بين رفض سلبي لا يملك إلا الرفض، وبين رفض إيجابي يفكر أصحابه في المخارج، ويبحث عن الحلول، ويتلمس سبل الخلاص لينجي نفسه ومجتمعه من كل فتنة وافدة .. ذاك هو المعول، وهذا الصنف هم الأقلون ولكنهم المباركون .. فأين نحن منهم؟
إن نفرًا من الناس يشغلون أنفسهم بالتهم للأشخاص، والإسقاط لكل فكرة واردة، والشغب على كل جديد لم يألفوه، والرفض لكل مستحدث -وإن كان فيه نفع وخير- وهذه المواقف المزحية للفراغ، والمفرغة للطاقة دون جدوى لا ينبغي أن تكون شعارًا للأخيار، ولا دثارًا للمصلحين، إنها سهلة التناول، بسيطة التكاليف، ولكنها ضعيفة الأثر، محدودة النتائج.
أما الإيجابية الدافعة إلى خوض غمار المعركة بسلاح العلم والإيمان واليقين، والمشتملة على برامج ومشاريع نافعة، فتلك التي دونها خرق القتاد.
أيها الناس: مجتمعنا - كغيره من المجتمعات - ينفتح، ولكن كيف تكون الإيجابية في ترشيد الانفتاح، ومجتمعنا -كغيره- يمر بتحولات سريعة، فكيف نساهم في ضبط زمام هذه التحولات؟ ومجتمعنا -كأي مجتمع- تتزاحم فيه الفرص، فمن يبادر إليها ويسبق إلى استثمارها؟
عباد الله .. حديث الناس في هذه الأيام - الانتخابات البلدية - وتساؤلاتهم هل يسجلون؟ ومن يرشحون وينتخبون؟
وهذه التجربة التي تمر بها بلادنا ينبغي أن تستثمر لصالح البلاد والعباد، وأن يتطلع الناس إلى الهدف الأسمى منها، ولا ينشغلوا بشكليات ومظاهر بسيطة.
стр. 3214
الانتخابات البلدية بصورتها المعاصرة تجربة وافدة يمكن الاستفادة منها بعد تهذيبها وتخليتها مما علق بها من بيئتها ومحض تجربتها؛ فلا غش ولا تزوير، ولا كذب ولا مخادعة، ولا تعد على حقوق الآخرين، أو محاولة لإسقاط الأكفاء المنافسين.
الانتخابات البلدية ليست استعراضًا عشائريًّا، أو تسابقًا قبليًّا، ولكنها اختيار للأمثل وإن كان الأبعد.
الانتخابات البلدية شعور بالمسئولية المستقبلية، وسعي صادق لتحقيق أعلى قدر ممكن من احتياجات المواطن، ورعاية مصالحه وتأمين حقوقه، وليست مجرد ظهور إعلامي، أو منصب استشرافي، أو إثبات للذات ليس إلا.
قبل أن نسجل سل نفسك: لماذا تسجل؟ ومن سترشح؟
ما مقدار تمثلك الأمانة، والتزامك بالصدق، إنها نوع من التزكية فمن تزكي، وهي نوع من الشهادة، فعلى ما تشهد؟
لقد كان للمسلمين سبق في الشورى، مارسوه في عصورهم الزاهية؛ فضربوا أروع الأمثلة في تحقيقه، ورسول الهدى ﷺ وقائد الأمة ربما تنازل عن رأيه نزولًا عند رأي الأكثرية من المسلمين، ما لم يكن في ذلك نصًّا أو مأثمًا.
ومارس المسلمون بعده ﷺ المشورة واختيار الأمثل للمسلمين في ولاياتهم الكبرى والصغرى، فضربوا في ذلك أروع الأمثلة في الصدق والتحري واخيتار الأكفأ، وكان مرشحوهم عند حسن الظن صدقًا وعملًا وإخلاصًا، ومارس المسلمون (الاقتراع)، فكانوا مثالًا في الإيثار والبذل، وشهد القرآن أنهم يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، لم يكن هذا في سلمهم فحسب، بل
стр. 3215
وفي حربهم كانوا نماذج للإيثار، فشربة الماء للجريح النازف ربما دارت على أكثر من مجاهد قعدت به الجراح عن مواصلة الجهاد، فظل هؤلاء الجرحى يتدافعون هذه الشربة ويؤثرون بها غيرهم، حتى استشهدوا جميعًا ولم يشربها أحد منهم.
إنه البعد عن الشح والانعتاق من الأنانية تتجلى في أسمى معانيها .. فتتعانق مرتبة الجهاد في سبيل الله، مع خلق الإيثار النبيل ولو كان بأصحابه خصاصة.
ترى كم يدرك المسلمون ما في دينهم من سمو الأخلاق وكريم السجايا، وكم يبحثون في تاريخهم ليروا نماذج من البشر كانت أجسادهم جسورًا عبر عليها الإسلام إلى أمم الأرض، وكان في موتهم حياة للآخرين، وكان جهادهم عدلًا وحرية للمظلومين! ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب: ٢٣].
стр. 3216
الخطبة الثانية
أيها المسلمون .. مؤهلات الترشيح لأي مسئولية كثيرة ومتكاملة، وعلى قدر كبر هذه المسئولية تزيد هذه المؤهلات، وإذا كانت المصداقية والتقوى والصلاح والنزاهة مؤشرات مهمة للترشيح، فلا بد أن يضاف إليها الخبرة والقوة والسياسة والحكمة، والمعرفة والعلم بمتطلبات هذه المسئولية، ويرشدنا كتاب ربنا إلى شيء من هذا، فيوسف -وهو نبي الله- حين تقدم لولاية خزائن الأرض قدم بالقول: ﴿إني حفيظ عليم﴾. ومارس فيما بعد سياسة الاقتصاد بنجاح واقتدار، ومن مشورته: ﴿فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ﴾. وثمة توجيه قرآني إلى أهم عناصر التولية والاستئجار: ﴿إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾.
وفي مخزون السنة (السيرة) النبوية توجيه وإرشاد وتقدير للمواهب والقدرات، ووضع للرجل المناسب في المكان المناسب، فأبو ذر ﵁ نصحه النبي ﷺ ألا يتولى المسئولية حين قال يا رسول الله، ألا تستعملني؟ فضرت رسول الله ﷺ على منكب أبي ذر وقال: «يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها» (١).
وفي التوجيه الآخر قال ﵊ لأبي ذر: «يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي؛ لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم» (٢).
فهذا أبو ذر لا يضيره ألا يوليه الرسول ﷺ المسئولية وإن كان أصدق الناس
стр. 3217
لهجة، وأعظمهم زهدًا، فما هو ضعف أبي ذر؟
قال الذهبي في تفسير ضعف أبي ذر: (فهذا محمول على ضعف الرأي، فإنه لو ولي مال يتيم لأنفقه كله في سبيل الخير، ولترك اليتيم فقيرًا، والذي يتأمر على الناس يريد أن يكون فيه حلم ومداراة، وأبو ذر ﵁ كانت فيه حدة، فنصحه النبي ﷺ ألا يتولى أمر الناس) (١).
وإذا كان هذا توجيه النبي ﷺ لواحد من أصحابه النجباء والسابقين إلى الإسلام، فقد وجه أحد أصحابه - وهو بعد حديث عهد بالإسلام - إلى أن يقود سرية فيها من أمثال أبي بكر وعمر وأبي عبيدة وأمثالهم ﵃ .. أجل لقد أمر رسول الله ﷺ عمرو بن العاص ﵁ على سرية ذات السلاسل في السنة الثامنة للهجرة .. ولم يجد الرسول ولا صحابته في أنفسهم شيئًا ..
إنها القدرات والمواهب تستثمر، والرجل المناسب يوضع في المكان المناسب، ولا يعني ذلك بحال الأفضلية المطلقة للأمير ولمن ولي، ولا التقليل من شان المأمور ومن ولي عليه فلنفقة هذه المعالم النبوية في الولاية والتعامل مع القدرات.
إن صلاح الذات ليس مؤهلًا وحده لتولي أمور الناس، كما أن صاحب المطامع الشخصية، وضعيف الأمانة، ورقيق الديانة لا يولى ولو كان خبيرًا بالسياسة، قادرًا على القيادة، ومن هنا نعود إلى القرآن لنجد فيه شرطين مهمين لمن يولى ويستأجر: ﴿إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾.
فالقوة والأمانة جناحان يطير بهما من رشح لولاية في الإسلام إلى بر الأمان، ومراق العزة، والكرامة، وتحقيق العدل والسعادة، الأحياء، وفي مجتمعنا الأصل فيه
стр. 3218
الخير، والغالبية هم الأخيار، لدينا فسحة في اختيار الأمثل من الأخيار.
يا أيها المرشح لنفسك أعقل هذه الوصايا، وقدر هذه الأمانة، واعلم أنك مسئول ومستأمن، ولا يغب عن بالك أن ثقة الناس بك لا تكون بنصب الخيام الفارهة، ولا باستئجار القصور الفخمة، ولا بتوفير الموائد المتنوعة .. كلا إن الواثق من نفسه لا يحتاج لمثل هذا، قدر ما يحتاج إلى تفكير مستديم في شغل هذه المسئولية بما ينفع البلاد والعباد.
ولا يطلب من المرشح وعود هلامية، وبرامج مثالية تتطاير كالهباء عند أول وهلة من محطات الطريق.
إن الواقعية مطلب، والمصداقية شرط للمرشح، ولا بد أن يكون المرشح عند حسن الظن من مرشحوه؛ ينفذ ما وعد به، ويعتذر عما قصرت صلاحياته عن الوفاء به، حتى يعلم الناس ما أنجز وحدود صلاحياته، وما لم ينجز وهي من صلاحيات غيره.
أيها السادة المرشحون .. تجاوزوا في ترشيحاتكم حدود العشيرة ودائرة القبلية، والأهواء الشخصية، وضعوا الأمانة في موقعها، واختاروا الأكفاء الناصحين الأقوياء الأمناء، ألا وإن الترشيحات لوحة كاشفة لتوجهات المجتمع، ومؤشر لوعيهم، ومحددة لنوع ثقافتهم، فليكن المرشحون من خيار الناس عدلًا، وحكمة، ودراية.
إن وضع الرجل المناسب في المكان المناسب هو عين الحكمة، ومن الظلم أن نضع الرجل في غير موضعه، والله كما قسم أرزاق الناس وأخلاقهم، قسم كذلك قدراتهم ومواهبهم.
عباد الله .. ومرة أخرى بلادنا تمر بمرحلة انتقالية فلنكن إيجابيين وفاعلين،
стр. 3219
ولتكن قدرتنا على استثمار هذه التجربة الانتخابية لوحة كاشفة لعظمة إسلامنا، وموقع بلادنا، وما يتطلع إليه المسئولون منا، وما يتطلع إليه أبناء مجتمعنا.
وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وسدد الخطى، وبارك الله في جهود المخلصين، وأعان ووفق من أضمر الخير للإسلام والمسلمين.
стр. 3220
الزواج وقفات ومحاذير (١)
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين خلق فسوى وقدر فهدى، وخلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى، وأن عليه النشأة الأخرى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يقول في كتابه العزيز: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١]. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، جاءت شريعته حاثة على كل خير، مستجيبة لنداء الفطرة، وأقامت المجتمع على أواصر المحبة والبر، والإحسان والتقى .. اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن آل بيته المؤمنين وصحابته الخيرين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا ..
أما بعد:
فأوصي نفسي وإياكم معاشر المسلمين بتقوى الله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣٣].
أيها المسلمون .. يعنى الإسلام عناية عظمى ببناء الأسرة وصونها من أي سهام توجه إليها، ذلكم أن الأسرة قاعدة المجتمع ومدرسة الأجيال، وسبيل العفة، وصون الشهوة، والطريق المشروع لإيجاد الأولاد والأحفاد، وانتشار الأنساب والأصهار، فبالزواج وحده تنشأ الأسرة الكريمة، وتنشأ معها المودة
стр. 3221
والرحمة، ويتوفر السكن واللباس، إنها آية من آيات الله يذكرنا بها القرآن، ويدعونا للتفكير في آياتها وما ينشأ عنها: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١].
فالأسرة لوحة مضيئة تعكس سمو تعاليم القرآن، وشاهد ملموس على علو شأن الإسلام، تعجز الأنظمة البشرية - مهما بلغت - أن تبلغ مبلغه، بل وأفلست الأديان القديمة المحرفة والحضارات المعاصرة أن تصل مستواه، والواقع يشهد بتفكك الأسر، وضياع المجتمعات في المشرق والمغرب، والتي ضلت عن توجهات القرآن.
عباد الله .. والحديث عن الزواج تدعو إليه الحاجة عمومًا، وفي هذه الأيام على الخصوص، وفيه تنبيهات تحسن الإشارة إليها، وفي الحديث عنه مشاركة لهموم قطاع كبير من الشباب والفتيات فضلًا عن الكبار والعانسات.
فيا ترى ماذا يدور في مخيلة الشباب حين يفكر بالزواج؟ لماذا يتزوج؟ وبمن يتزوج؟ هل الغرض واحد أم الأغراض؟ ما الذي يخفيه الزواج؟ وما الشبح الذي يطارده ويثنيه عنه؟
وهكذا الفتيات .. لماذا الزواج؟ وما الزوج المفضل؟ ولماذا ترفض؟ وما هي المؤثرات عليها في تأخير الزواج؟
كلها تساؤلات بدا لي أن المجتمع أخذ في تفهمها، وعانا من جريرتها، وخطا خطوات في الإجابة عنها، وما هذه الأسراب المتقاطرة والرقاع الموزعة إلا أنموذجًا يحكي تجاوب المجتمع مع تلك النداءات؛ لذا تركت الإجابة للمجتمع عمليًّا، ولأهل الوعي خاصة، عندما أدركوا مخاطر العوائق
стр. 3222
المتلاحقة، ليكون حديثي اليوم عما يلي:
عباد الله: ألستم معي في تصفح أم العريس وأخوات العروس وجه كل صبيحة الزواج، لماذا؟ لأنهم يتخوفون الصدود المبكر، والنفرة، وعدم القبول، والأبصار تسارق الطرفين من كل جانب عسى أن تمضي الأيام الأولى بلا أحداث، ولا لوم ولا عتاب، وهنا ألفت النظر إلى الأسباب الجالبة للتعاسة؛ فإن العبد يحرم الرزق بالذنب يصيبه، والله تعالى يقول: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٦٠].
أيها المسلمون .. أليس من الظلم والذنب والمعصية أن تحاط وتحاصر بعض القصور والزواجات بأمواج من المنكرات؛ مثل التصوير، أو جلب المغنين، وأشرطة الغناء، والرقص المحرم، وتصدح أصواتها بمكبراتها بكل عبارات الحب والغزل الماجن؟
أليست بوادر الاختلاط تطل برأسها؛ فكم من مشئوم بدأ زواجه بالدخول على معقل النساء وهو يمسك يد العروس، ألم يتأخر بعض الأزواج حتى قبيل صلاة الفجر ثم ينامون عن الصلاة، ألم تظهر صور الإسراف في الملابس، ويضم إلى ذلك خياطها بشكل عار يكشف ويشف؟
ثم بعد ذلك الظلم المتراكم نتساءل: لماذا لم يوفق بين العروسين؟
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليبس
﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾.
بارك الله لي ولكم في القرآن، ونفعنا بما فيه من الذكر والبيان، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم ..
стр. 3223
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، جعل الزواج عبادة يتقرب بها العبد إلى مولاه، ومنَّ على عباده بنعمة الزواج والولد، فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [النحل: ٧٢].
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، أخبر وهو الصادق المصدوق بقوله: «من رزقه الله امرأة صالحة، فقد أعانه على شطر دينه، فليتق الله في الشرط الباقي» (١).
ورضي الله عن ابن مسعود حين يقول: «لو لم يبق لي إلا عشرة أيام وأعلم أني أموت في آخرها ولي طول النكاح فيهن، لتزوجت مخافة الفتنة»
عباد الله .. ويشكل المجتمع عاملًا مساعدًا على الزواج أو عائقًا دونه كما أشرت، وهو الآن يسير متوجهًا إلى الحقيقة، ومكاشفة النفس، فلا وقت لمماطلة بالحقوق، فقد قرعت نذر الخطر وبوادر الفتن أبواب المجتمع.
فإلى الوقفة الثانية: ماذا عن الزواج عند الطرفين؟ وما الذي يعرفه الزوجان من أحكام وآداب ومحاذير؟
فكم هي كتلوجات الملابس، وبروفات التسريح والمكياج، ونماذج وبطاقات الدعوة أسلوبًا وشكلًا، وكلها تصب في غير القناة الزوجية، وإنما هي لليلة واحدة فقط، أما مشوار الحياة الزوجية وما يتطلبه من وقفات توجيهية، فهو أمانة في عنق الجهات العلمية والاجتماعية؛ فإنه لا يُكتفى بالمحاضرات
стр. 3224
والمواعظ بالقدر الذي نحتاج معه إلى دورات عن بداية الحياة الزوجية يشارك فيها الراغبون والراغبات وكل متقدم للزواج، وخبرة المجربين ونصائح المختصين، فهل تسمع أو ترى ذاك النداء لمزيد الفقه والوعي الزوجي؟
ومن الوقفات: ننصح أهل الطرفين بعدم التدخل السريع في أولويات الزواج، وإتاحة الفرصة لعامل الزمن، وتجنب انتزاع التصريح من أي منهما، البناء الشامخ يقام على مهل، وأصحاب النتائج السريعة غالبًا ما يخطفون الفشل.
الوقفة الرابعة: هل من وقفة تساءل: لماذا يكون المهر المدفوع للأيام الأولى من الزواج، فيستنزف جميعه أو يزيد عليه ولي الزوجة، ويتخلص منه سريعًا في ملابس العروس، والعطور والتحف والملاحق والهدايا، والقصور والولائم التي تعقب الزواج؟ فهل نعي صعوبة الحياة وندخر شيئًا من هذا المهر الذي استخرجه الزوج بكل أسلوب؛ إذ بعضه سلفة، وآخر دين، والبعض إعانات؟ هل نبقي مبلغًا يتصرف فيه الزوجان معًا حين ينفردا بالقرار ويصدر منهما الاختيار، ويكون التشاور على مهل وانسجام بعد الوئام، بدلًا من أن يدخل بيته الجديد وقد نفذ كل ما في الجيب؟
وماذا تغني عنا ملابس خاماتها بأغلى الأثمان، وخياطها تزيد على قيمتها، وقد يصاحب إعدادها شيء من الاستعجال؟
الوقفة الخامسة: يحتفل في قصور الأفراح والاستراحات أفواج من الجنسين وعلى مختلف الأعمار .. ويمكث هؤلاء ساعات بلا برنامج، ولك أن تتصور الأحاديث الفردية المملة، والتململ رغبة في الخروج، وتسيب الأطفال وعبث المراهقين، بما فتح أبوابًا من الفراغ مشرعة، وأنواع من المغايرة والمجارات، وتبادل العروض والاستعراض، وفي الوقت ذاته خلت معظم المجامع من الذكر
стр. 3225
والموعظة، ويقوم الغافلون عن مثل جيفة؛ لما فيها من لغط القول ومنكر الأفعال، فهل ينتدب الصالحون في الأسر أنفسهم لإعداد برنامج يشمل الذكر والأنثى، وأخرى للصغار والشباب، وتستوعب بطرحها تطلعات الحضور، فمن القصص الهادف، والتجربة المنيرة من كبار السن والأحاديث المرشدة عن الحالات الاجتماعية؛ مثل فوائد الزواج، وآليات الصلح، وثمار التسامح والإشادة بأمثلة ونماذج لمن ضرب المثل الرائع في حسن العشرة والمعاملة بالمعروف، وأخرى للترفيه البريء الذي يحوط الأحداث من التفلت والانحراف عبر قنوات شيقة، ومختصين من شباب الصحوة المهتمين لهذا الشأن.
بل وهل يكون ذلك همًّا تشكل إخراجه الجهات المسئولة من الدعوة والإرشاد وجمعيات تحفيظ القرآن، ومن لهم عناية بهذا الشأن.
أما الوقفة الأخيرة: رؤية المخطوبة، لكل واحد من الزوجين حق رؤية الآخر، وكما يبحث الرجل عمن تعجبه، فهي كذلك صاحبة ذوق واختيار وميول، والذي؟ ؟ ؟ ؟ ؟ على هذه الشريعة المحفوظة استنابة الزوج أو الخاطب غيره؛ أمًّا كانت أو أختًا بالنظر عنه، وهنا تقع المخالفة، فقد قال رسول الله ﷺ : «انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما».
وللرجال نظرة في النساء تختلف عن نظرة المرأة إلى المرأة، ويزيد الطين بلة إذا تكاثرت مصادر التقويم، ومن هي التي سوف تحظى بالإجماع، وصاحب الشأن منحى عن قضيته.
هذا وصلوا وسلموا على نبي الهدى والرحمة، امتثالًا لأمر ربكم، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين .. اللهم أبرم لهذه الأمة أمرًا رشيدًا يعز فيه أهل الطاعة، ويذل فيه أهل المعصية.