← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

والرحمة، ويتوفر السكن واللباس، إنها آية من آيات الله يذكرنا بها القرآن، ويدعونا للتفكير في آياتها وما ينشأ عنها: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١]. فالأسرة لوحة مضيئة تعكس سمو تعاليم القرآن، وشاهد ملموس على علو شأن الإسلام، تعجز الأنظمة البشرية - مهما بلغت - أن تبلغ مبلغه، بل وأفلست الأديان القديمة المحرفة والحضارات المعاصرة أن تصل مستواه، والواقع يشهد بتفكك الأسر، وضياع المجتمعات في المشرق والمغرب، والتي ضلت عن توجهات القرآن. عباد الله .. والحديث عن الزواج تدعو إليه الحاجة عمومًا، وفي هذه الأيام على الخصوص، وفيه تنبيهات تحسن الإشارة إليها، وفي الحديث عنه مشاركة لهموم قطاع كبير من الشباب والفتيات فضلًا عن الكبار والعانسات. فيا ترى ماذا يدور في مخيلة الشباب حين يفكر بالزواج؟ لماذا يتزوج؟ وبمن يتزوج؟ هل الغرض واحد أم الأغراض؟ ما الذي يخفيه الزواج؟ وما الشبح الذي يطارده ويثنيه عنه؟ وهكذا الفتيات .. لماذا الزواج؟ وما الزوج المفضل؟ ولماذا ترفض؟ وما هي المؤثرات عليها في تأخير الزواج؟ كلها تساؤلات بدا لي أن المجتمع أخذ في تفهمها، وعانا من جريرتها، وخطا خطوات في الإجابة عنها، وما هذه الأسراب المتقاطرة والرقاع الموزعة إلا أنموذجًا يحكي تجاوب المجتمع مع تلك النداءات؛ لذا تركت الإجابة للمجتمع عمليًّا، ولأهل الوعي خاصة، عندما أدركوا مخاطر العوائق

стр. 3222

المتلاحقة، ليكون حديثي اليوم عما يلي: عباد الله: ألستم معي في تصفح أم العريس وأخوات العروس وجه كل صبيحة الزواج، لماذا؟ لأنهم يتخوفون الصدود المبكر، والنفرة، وعدم القبول، والأبصار تسارق الطرفين من كل جانب عسى أن تمضي الأيام الأولى بلا أحداث، ولا لوم ولا عتاب، وهنا ألفت النظر إلى الأسباب الجالبة للتعاسة؛ فإن العبد يحرم الرزق بالذنب يصيبه، والله تعالى يقول: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٦٠]. أيها المسلمون .. أليس من الظلم والذنب والمعصية أن تحاط وتحاصر بعض القصور والزواجات بأمواج من المنكرات؛ مثل التصوير، أو جلب المغنين، وأشرطة الغناء، والرقص المحرم، وتصدح أصواتها بمكبراتها بكل عبارات الحب والغزل الماجن؟ أليست بوادر الاختلاط تطل برأسها؛ فكم من مشئوم بدأ زواجه بالدخول على معقل النساء وهو يمسك يد العروس، ألم يتأخر بعض الأزواج حتى قبيل صلاة الفجر ثم ينامون عن الصلاة، ألم تظهر صور الإسراف في الملابس، ويضم إلى ذلك خياطها بشكل عار يكشف ويشف؟ ثم بعد ذلك الظلم المتراكم نتساءل: لماذا لم يوفق بين العروسين؟ ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليبس ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾. بارك الله لي ولكم في القرآن، ونفعنا بما فيه من الذكر والبيان، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم ..

стр. 3223

الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، جعل الزواج عبادة يتقرب بها العبد إلى مولاه، ومنَّ على عباده بنعمة الزواج والولد، فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [النحل: ٧٢]. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، أخبر وهو الصادق المصدوق بقوله: «من رزقه الله امرأة صالحة، فقد أعانه على شطر دينه، فليتق الله في الشرط الباقي» (١). ورضي الله عن ابن مسعود حين يقول: «لو لم يبق لي إلا عشرة أيام وأعلم أني أموت في آخرها ولي طول النكاح فيهن، لتزوجت مخافة الفتنة» عباد الله .. ويشكل المجتمع عاملًا مساعدًا على الزواج أو عائقًا دونه كما أشرت، وهو الآن يسير متوجهًا إلى الحقيقة، ومكاشفة النفس، فلا وقت لمماطلة بالحقوق، فقد قرعت نذر الخطر وبوادر الفتن أبواب المجتمع. فإلى الوقفة الثانية: ماذا عن الزواج عند الطرفين؟ وما الذي يعرفه الزوجان من أحكام وآداب ومحاذير؟ فكم هي كتلوجات الملابس، وبروفات التسريح والمكياج، ونماذج وبطاقات الدعوة أسلوبًا وشكلًا، وكلها تصب في غير القناة الزوجية، وإنما هي لليلة واحدة فقط، أما مشوار الحياة الزوجية وما يتطلبه من وقفات توجيهية، فهو أمانة في عنق الجهات العلمية والاجتماعية؛ فإنه لا يُكتفى بالمحاضرات

стр. 3224

والمواعظ بالقدر الذي نحتاج معه إلى دورات عن بداية الحياة الزوجية يشارك فيها الراغبون والراغبات وكل متقدم للزواج، وخبرة المجربين ونصائح المختصين، فهل تسمع أو ترى ذاك النداء لمزيد الفقه والوعي الزوجي؟ ومن الوقفات: ننصح أهل الطرفين بعدم التدخل السريع في أولويات الزواج، وإتاحة الفرصة لعامل الزمن، وتجنب انتزاع التصريح من أي منهما، البناء الشامخ يقام على مهل، وأصحاب النتائج السريعة غالبًا ما يخطفون الفشل. الوقفة الرابعة: هل من وقفة تساءل: لماذا يكون المهر المدفوع للأيام الأولى من الزواج، فيستنزف جميعه أو يزيد عليه ولي الزوجة، ويتخلص منه سريعًا في ملابس العروس، والعطور والتحف والملاحق والهدايا، والقصور والولائم التي تعقب الزواج؟ فهل نعي صعوبة الحياة وندخر شيئًا من هذا المهر الذي استخرجه الزوج بكل أسلوب؛ إذ بعضه سلفة، وآخر دين، والبعض إعانات؟ هل نبقي مبلغًا يتصرف فيه الزوجان معًا حين ينفردا بالقرار ويصدر منهما الاختيار، ويكون التشاور على مهل وانسجام بعد الوئام، بدلًا من أن يدخل بيته الجديد وقد نفذ كل ما في الجيب؟ وماذا تغني عنا ملابس خاماتها بأغلى الأثمان، وخياطها تزيد على قيمتها، وقد يصاحب إعدادها شيء من الاستعجال؟ الوقفة الخامسة: يحتفل في قصور الأفراح والاستراحات أفواج من الجنسين وعلى مختلف الأعمار .. ويمكث هؤلاء ساعات بلا برنامج، ولك أن تتصور الأحاديث الفردية المملة، والتململ رغبة في الخروج، وتسيب الأطفال وعبث المراهقين، بما فتح أبوابًا من الفراغ مشرعة، وأنواع من المغايرة والمجارات، وتبادل العروض والاستعراض، وفي الوقت ذاته خلت معظم المجامع من الذكر

стр. 3225

والموعظة، ويقوم الغافلون عن مثل جيفة؛ لما فيها من لغط القول ومنكر الأفعال، فهل ينتدب الصالحون في الأسر أنفسهم لإعداد برنامج يشمل الذكر والأنثى، وأخرى للصغار والشباب، وتستوعب بطرحها تطلعات الحضور، فمن القصص الهادف، والتجربة المنيرة من كبار السن والأحاديث المرشدة عن الحالات الاجتماعية؛ مثل فوائد الزواج، وآليات الصلح، وثمار التسامح والإشادة بأمثلة ونماذج لمن ضرب المثل الرائع في حسن العشرة والمعاملة بالمعروف، وأخرى للترفيه البريء الذي يحوط الأحداث من التفلت والانحراف عبر قنوات شيقة، ومختصين من شباب الصحوة المهتمين لهذا الشأن. بل وهل يكون ذلك همًّا تشكل إخراجه الجهات المسئولة من الدعوة والإرشاد وجمعيات تحفيظ القرآن، ومن لهم عناية بهذا الشأن. أما الوقفة الأخيرة: رؤية المخطوبة، لكل واحد من الزوجين حق رؤية الآخر، وكما يبحث الرجل عمن تعجبه، فهي كذلك صاحبة ذوق واختيار وميول، والذي؟ ؟ ؟ ؟ ؟ على هذه الشريعة المحفوظة استنابة الزوج أو الخاطب غيره؛ أمًّا كانت أو أختًا بالنظر عنه، وهنا تقع المخالفة، فقد قال رسول الله ﷺ : «انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما». وللرجال نظرة في النساء تختلف عن نظرة المرأة إلى المرأة، ويزيد الطين بلة إذا تكاثرت مصادر التقويم، ومن هي التي سوف تحظى بالإجماع، وصاحب الشأن منحى عن قضيته. هذا وصلوا وسلموا على نبي الهدى والرحمة، امتثالًا لأمر ربكم، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين .. اللهم أبرم لهذه الأمة أمرًا رشيدًا يعز فيه أهل الطاعة، ويذل فيه أهل المعصية.

стр. 3226

ثقافة التسامح والتيسير (١) الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره حين يكون الحديث عن ثقافة التسامح والعفو والتيسير هناك مفهومان وثقافتان لهذا المعنى، وثالثة (وسطى) بينهما هناك فهم لا ينتهي بالتسامح عند حد، وهناك آخر يغلقه عما فيه حل ويسر، هناك ثقافة ترى التسامح تخلصًا من تبعات الدين وتمييعًا لأحكام الإسلام، وانهزامية أمام الآخرين، وتبعية مذلة للأعداء. وهناك ثقافة أخرى تنظر إلى التسامح والتيسير على أنه جبن وخور، وتنازل عن المسلمات، واعتداء على الحرمات، وزيادة هوان للأمة، حتى وإن كان تأليفًا للقلوب، وربما غاب عن هؤلاء فقه السياسة الشرعية، وتغليب المصالح أو درء المفاسد. إنهما ثقافتان غالية وجافية، والثقافة المتسامحة الميسرة التي نريد هي وسط بين الإفراط والتفريط، إنها تنطلق من أصول شرعية، وممارسات إسلامية خط طريقها محمد ﷺ وحسبك به معلمًا وهاديًا وأسوة، وجاءت مفرداتها في الكتاب والسنة أجل لقد أدبه ربه، وكان من أدبه له ﴿فاصفح الصفح الجميل﴾ [الحجر: ٨٥]. وقاله له: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون/ ٩٦]، وأوصى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ وأراد الله له ولأمته اليسر ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ

стр. 3227

بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] إنها نصوص وتوجيهات تملأ سور القرآن، وهو كتاب أحكمت آياته وفصلت لقوم يعلمون، وهي نصوص صحيحة في السنة وممارسات عملية في السيرة، نقتبس منها قوله ﷺ : «بعثت بالحنيفية السمحة» (١) (أخرجه أحمد ٢١٧٨٨) «إن خير دينكم أيسره» (ثلاثًا) ولفظ «إنكم أمة أريد بكم اليسر» (٢)، «إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف» (٣). (القصد القصد تبلغوا) (٤). وفي المقابل قال ﵊: «إياكم والغلو» (٥). «هلك المتنطعون» قالها ثلاثًا (٦) «إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق». ومن السنة إلى السيرة العملية فقد دخل اليهود على رسول الله ﷺ بكل صفاقة وحقد «السام عليك» يعني الموت، فقالت: عائشة ﵂: وعليكم السام واللعنة. فوجهها رسول الله ﷺ قائلاً: «يا عائشة ما هذا؟ إن الله يكره الفحش والتفاحش، وقد رددت عليهم ما قالوا، فقلت: وعليكم» متفق عليه. إنها أخلاق الأنبياء لا يقابلون المنكر بمثله، ولا يردون الفحش بمفرداته،

стр. 3228

وعائشة ﵂ وإن كانت حملتها الغيرة، وردت على القوم بما يستحقون البدء به، فقد كان النبي ﷺ يرى أن الموقف يكفي فيه «وعليكم» فليس فيها فحش ولا استغباء. إخوة الإسلام تعلمنا شرائع الإسلام وتدعونا قصص القرآن أن نؤسس لثقافة المحبة والتسامح وتحذرنا من سلوكيات العدوانية والظلم والسطو والانتقام .. وليس بخفي أن العفو والتسامح في الإسلام لا تعني بحال هتك الحرمات ولا السطو على المحرمات، لكنه تسامح الحنيفية السمحة، وأخلاق الرحمة المهداة ﵊، الذي ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا وكان خلقه ﵊ البر والوفاء، والحفاظ على حقوق الناس، وصيانة كرامتهم أيًا كانت هوياتهم ومواقعهم ما داموا مسالمين ملتزمين بالعهود .. أجل إن الناظر - يعمق - في السيرة النبوية يرى كيف كان ﷺ يؤلف ولا يفرق، ويدعو ولا ينفر، ويبذل المال في سبل إسلام أقوام أو تثبيت آخرين، كما يبذل من حسن المعشر وطلاقة الوجه، والبشر، ولو كان الداخل عليه بئس أخو العشيرة هو إنها المداراة المشروعة في ديننا طلاقة وجه وحسن معشر، ودعوة للخير، وتأليف للقلوب .. ولذا دخلت فئام من أهل الكتاب والمشركين في الإسلام نتيجة حسن الخلق وطيب المعاملة .. فأين نحن من هذا الهدي النبوي، وفي رسول الله لنا أسوة حسنة. لقد قالها زيد بن سعنة .. فما بقي من علائم نبوته ﷺ إلا أن أعرف أن شدة الجهل عليه لا تزيده إلا حلمًا .. وقد رأيتها .. فأسلم زيد ومثله من أهل الكتاب كثير. كما كان للمشركين نصيب من تأليفه ﵊، حتى وإن كان هذا المشرك قد آذى رسول الله ﷺ وهجاه، وفي قصة كعب بن زهير (الشاعر

стр. 3229

وابن الشاعر) حين قدم عليه تأئبًا مسلمًا درس وعبرة، ومعلم في العفو والصفح والتأليف والدعوة. وقد ذكرت كتب السيرة أن كعب بن زهير قدم على رسول الله ﷺ المدينة، وكان ﷺ لا يعرفه فقال (كعب) يا رسول الله إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمنك تائبًا مسلمًا فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به؟ قال رسول الله ﷺ : «نعم»، فقال كعب: أنا يا رسول الله كعب بن زهير، فوثب عليه رجل من الأنصار، فقال يا رسول الله دعني وعدو الله أضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ : «دعه عنك، فقد جاء تائبًا نازعًا عما كان عليه» وحينها قال كعب قصيدته المشهورة والتي منها قوله: إن الرسول لنور يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول (١) يا أخا الإسلام وإن تعجب من هذه المعاملة النبوية فعجبك لا ينتهي حتى تقف على هديه في تعامله مع نصارى نجران، حينما قدموا عليه المدينة، ودخلوا عليه مسجده بعد صلاة العصر، حتى إذا حانت صلاتهم قاموا يصلون في مسجده، فأراد الناس منعهم، فقال رسول الله ﷺ : «دعوهم» فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم. قال ابن القيم - معلقًا على هذه الحادثة- ومن فقه هذه القصة: ١ - جواز دخول أهل الكتاب مساجد المسلمين. ٢ - تمكين أهل الكتاب من صلاتهم بحضرة المسلمين، وفي مساجدهم أيضًا إذا كان ذلك عارضًا، ولا يمكنون من اعتياد ذلك. ٣ - جواز مجادلة أهل الكتاب ومناظرتهم، بل استحباب ذلك، بل وجوبه إذا

стр. 3230

ظهرت مصلحة من إسلام من يرجى إسلامه منهم، وإقامة الحجة عليهم، ولا يهرب من مجادلتهم إلا عاجز عن إقامة الحجة، فليول ذلك إلى أهله، وليخل بين المطي وحاديها والقوس وباريها .. ثم ذكر الشيخ مناظرة له مع أحد علمائهم (١). أيها الإخوة المؤمنون .. ومن أهل الكتاب والمشركين إلى تعامله ﷺ مع المنافقين فهو كذلك تأليف ودعوة، وبعد عن القتل والتشهير والتنفير .. علمًا بأن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، وفضحهم الله في أكثر من سورة في القرآن .. ومع ذلك كله لم يؤثر أن محمدًا قتل أحدًا من زعامات هؤلاء المنافقين فضلاً عن عوامهم، بل لما عرض عليه قتل بعضهم قال قولته المشهورة: «لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه .. وتأتى بهم وترفق حتى صلح حال بعضهم فيما بعد. وقد استوقف ابن القيم موقف المنافقين في غزوة تبوك .. حين قال: ومن فقه هذه الغزوة: تركه قتل المنافقين، وقد بلغه عنهم الكفر الصريح .. قال: والجواب الصحيح أنه ترك قتلهم في حياته لوجود مصلحة تتضمن تأليف القلوب على رسول الله ﷺ وجمع كلمة الناس عليه، وكان في قتلهم تنفير، والإسلام بعد في غربة، والرسول ﷺ أحرص شيء على تأليف الناس، وأترك شيء لما ينفرهم عن الدخول في طاعته - وهذا أمر كان يختص بحال حياته ﷺ (٢). وقال أيضًا: ومن فقه الغزوة أن رسول الله ﷺ كان يقبل علانية من أظهر الإسلام من المنافقين، ويكل سريرته إلى الله، ويجري عليه حكم الظاهر، ولا يعاقبه بما لم يعلم من سره (٣).

стр. 3231

وفوق ذلك فدونك موقفه ﷺ مع زعيم المنافقين عبد الله بن أبي حين توفي فقد أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عمر ﵄: أن عبد الله بن أبي لما توفي جاء ابنه إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله أعطني قميصك أكفنه فيه، وصل عليه، واستغفر له، فأعطاه النبي ﷺ قميصه فقال: آذني أصلي عليه، فآذنه، فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر ﵁، فقال: أليس الله قد نهاك أن تصلي على المنافقين؟ فقال: أنا بين خيرتين قال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ فصلى عليه، فنزلت: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً﴾ (١). وفي الحديث الآخر عن جابر ﵁ قال: «أتى النبي ﷺ عبد الله بن أبي بعد ما دفن، فأخرجه فنفث فيه من ريقه وألبسه قميصه» (٢). قال أهل العلم: ألبسه النبي ﷺ قميصه استصلاحًا للقلوب المؤلفة (٣) وفصل ابن حجر وغيره من أهل العلم في تعليل موفقه ﷺ من (ابن أبي) عند موته. قال الحافظ: وإنما لم يأخذ النبي ﷺ برأي عمر وصلى عليه إجراءً له على ظاهر حكم الإسلام واستصحابًا لظاهر الحكم، ولما فيه من إكرام ولده الذي تحققت صلاحيته، ومصلحة الاستئلاف لقومه ودفع المفسدة (٤). وقال الخطابي: إنما فعل النبي ﷺ مع عبد الله بن أبي ما فعل لكمال شفقته على من تعلق بطرف من الدين، ولتطبيب قلب ولديه عبد الله الرجل الصالح،

стр. 3232

ولتآلف قومه من الخزرج لرياسته فيهم، فلو لم يجب سؤال ابنه وترك الصلاة عليه - قبل ورود النهي الصريح - لكان سبة على ابنه وعارًا على قومه، فاستعمل ﷺ أحسن الأمرين في السياسة إلى أن نهي فانتهى. وأخرج الطبري عن قتادة في هذه القصة قال: فأنزل الله ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً .. ﴾ قال فذكر لنا أن نبي الله ﷺ قال: وما يغني عنه قميصي من الله، وإني لأرجو أن يسلم بذلك ألف من قومه (١). إنه التأليف والدعوة والسياسة الشرعية وتغليب المصالح، ودرء المفاسد، فقه التأليف والتسامح أنه فقه قد يغيب ولا بد من إعادته للأذهان، وحين نؤسس لثقافة التسامح والتأليف والعفو، فنحن لا نميع الدين، ولا ننقض عرى الإسلام، نل نستن يهدي خير المرسلين، ونتلمس توجيه السماء ﴿وقولوا للناس حسنًا﴾ ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾ ﴿ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ ﴿فقولا له قولاً لينًا لعله يتذكر أو يخشى﴾. اللهم ارزقنا الفقه في الدين، والبصيرة بسنن المرسلين، واهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

стр. 3233

الخطبة الثانية وحين نتجه إلى هدي النبي ﷺ وتعامله مع قومه ومن حولهم من المشركين، يتجلى لنا خلق التسامح والعفو والبر والوفاء بكل معانيها، رغم أساليب العنف والكراهية والإيذاء التي صدرت من هؤلاء المشركين، ويكفي أن النبي ﷺ والمؤمنين معه أخرجوا من ديارهم وأموالهم بغير حق - إلا أن يقولوا ربنا الله، ومع ذلك وحين ظفر النبي ﷺ بسيد بني حنيفة (ثمامة بن أثال) وكان قد أصاب دمًا في المسلمين، عامله بالحسنى وصفح عنه .. حتى أسلم (ثمامة) متأثرًا بهذه الأخلاق العالية، بل بقي هذا الموقف العظيم من النبي العظيم ماثلاً بين عيني ثمامة بعد وفاة النبي ﷺ فقد ثبت على إسلامه حين ارتد أهل اليمامة، وكان يردد إنعام النبي ﷺ ويقول: أهم بترك القول ثم يردني ... إلى القول إنعام النبي محمد شكرت له فكي من الغل بعدما ... رأيت خيالاً من حسام مهند (١) ولا تنتهي قصة العفو والإحسان والبر والتسامح - في قصة ثمامة - عند هذا الحد، بل إن خلق التسامح يتجدد مع قريش ذاتها، فقد هددهم ثمامة بمنع الطعام الذي كان يبعثه لهم من اليمامة قائلاً: «ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي ﷺ » (٢). وحانت الفرصة لمحمد ﷺ أن يحاصرهم اقتصاديًا وأن يخنقهم معاشيًا وهم مستحقون لذلك وكتبت قريش إلى محمد ﷺ يتوسلون إليه، ويذكرونه بصلة الرحم - وإن قطعوها هم - فما كان من النبي المصطفى ﷺ إلا أن كتب إلى ثمامة

стр. 3234

أن يخلي بينهم وبين حمل الحنطة إليهم (١). إنها أخلاق الأنبياء، وسماحة والإسلام، ويتكرر المشهد مع قريش مرة أخرى، فقد فتحت مكة عنوة ودخلها رسول الله ﷺ وعلى رأسه المغفر، وتحطمت كبرياء قريش، وتحول العزيز إلى ذليل، والمطارد إلى محصور ينتظر ما يفعل به، ولا يزال التاريخ يحفظ تلك المشاهد والكلمات التي أطل بها رسول الله ﷺ على قريش وهو يقول: «ما ترون أني فاعل بكم» قالوا: خيرًا أخ كريم وابن أخ كريم، ثم قال وهو في مكان المقتدر وهو سيد الموقف: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» (٢). كم يردد الزمان ويحفظ هذا الوفاء والصفح، وكم تعجز الحضارات - مهما علا شأنها- عن هذا البر والتسامح، إنه الإحسان يزيل البغض وينبت الحب، ولقد سار قطار الإسلام قديمًا وحديثًا يفتح مغاليق القلوب بإذن الله عبر أخلاق المسلمين وإحسانهم وعدلهم وتسامحهم، ومحمد ﷺ مثلهم وقائدهم، وصدق الشاعر: يا صاحب الخلق الأسمى وهل حملت ... روح الرسالات إلا روح مختار أعلى السجايا التي صاغت لصاحبها ... من الهدى والمعالي نصبت تذكار

стр. 3235

شعاع من المحراب الجزء الثاني عشر إعداد د. سليمان بن حمد العودة

стр. 3236

السلفية المفترى عليه (١) الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ... لقد قام الأنبياء والمرسلون- عليهم الصلاة والسلام- بواجب البلاغ والدعوة لأقوامهم، وكان تصحيح المعتقد مرتكزًا أساسيًا، وهدفًا جوهريًا في دعوتهم وتعبيدهم لربِّ العالمين ﴿أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾، وكانت هذه الغاية النبيلة في تصحيح المعتقد وتوحيدِ الله والإخلاص في عبوديته هما مشتركًا بين المرسلين ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [الأنبياء: ٢٥]. ولقد واجه المرسلون- في سبيل تحقيقها- المصاعب والمتاعب والصدود والإنكار والسخرية والأذى، وهاتان أمتان قديمتان- بعد نوح- قالت أولاهما (كنموذج للإعراض والأذى) ﴿قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين﴾ [الأعراف: ٧٠]، ﴿قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين﴾ [الأعراف: ٦٦]، وإذا كان هذا منطق عادٍ مع هود ﵇، فكذلك كان منطق ثمود مع صالح ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا

стр. 3237

بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٧٨) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٧٥ - ٧٩]. واستمر منطق الإنكار والجحود حتى كان العهد بآخرِ المرسلين محمدٍ ﷺ ، وأعاد قومُه منطق وجحود وإنكار السابقين ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ﴾ [ص: ٥ - ٧]. ولئن مات المرسلون وهم يجاهدون في سبيل تحقيق هذه الغاية الكريمة، وقد أنقذ الله بهم أممًا، وأحيا بدعوتهم قلوبًا غلفًا- إلى جانب الذين كفروا وجحدوا وأنكروا وسخروا- فقد انتقلت المسؤولية من بعدهم إلى العلماء - إذ هم ورثة الأنبياء في العلم والدعوة- وقام العلماء بمسؤوليتهم عبر القرون يجددون للناس ما اندرس من معالم النبوة وأركان الملة، وكان الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀ واحدًا من هؤلاء الأعلام المجددين، وقد دهى الجزيرة في زمنه أمرٌ خطير في جوانب المعتقد والسلوك والدعوة والعلم، حيث فشى الشرك وعُبدت الأشجارُ والأحجار من دون الله، وشُيِّدت القبور وطاف الناس بها، وقُدمت النذور لغير الله، وانتشرت الخرافاتُ والبدع، وانحرف سبيل الدعوة، وأصاب طائفة محسوبة من العلماء ما أصاب غيرهم من الانحراف والترويج للباطل. وكان لا بد من كلمة حق، وداعية حق، وصرخة محق في دياجير الظلم، فكان الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكانت دعوته الإصلاحية نصرة للحق، لم يأت بدين جديد كما يزعم المغرضون، ولم ينتحل مذهبًا غريبًا كما زعم الخصوم، لكن جدّد ما اندثر، ووصل الأمةَ بالكتاب والسنة، واسترشد بمؤلفات العلماء الرّبانيين كالأئمة الأربعة وابن تيمية وابن القيم وغيرهم من

стр. 3238

علماء الأمة في القديم والحديث، فأرشدته إلى السلفية الحق، وكتُبه المطبوعة ورسائلُه المنتشرة تشهد على صحة معتقده، وكما حُورب الأئمة من قبلهم في زمنهم من قبل أهل الأهواء والبدع، فقد حُورب الإمام محمد بن عبد الوهاب واتهم وطُرد، وانتقل من بلدٍ إلى بلد، حتى هيّأ الله له الإمام محمد بن سعود فناصره وآزره، والتقى سلطان القرآن والسيفِ معدًا، فكان لهما أبلغ الأثر، فلم يتركا زيفًا ولم يتركا خرفًا كما قال الشاعر: هما السيفُ والقرآن قد حكما معًا ... فلم يتركا زيفًا ولم يتركا خرفًا إن ما نشهده اليوم من هجوم على الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب إنما هو هجومُ جاهل، بل هو مناكفة وهجومٌ على الدعوة السلفية برمتها، والتي تعتمد في أصولِها وفروعها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وتحارب البدع والخرافات، وتنعى على أئمة الخرافة والدروشة، ولكن هذه الدعوة بصفائها وصدق دعاتِها بلغت الآفاق، وأصبحت كالشمسِ لا يمكن حجب نورها، وإذ شاء الله أن تخترق الدعوة السلفية حدودَ الجزيرة العربية، والشيخ محمد بن عبد الوهاب لا يزال حيًا، لتصل إلى الهند والسند وأفريقيا، فقد امتدت الدعوة السلفية بعدُ لتعبر القارات، وتصبح منهجًا للمعتقد الصحيح في رقعةٍ فسيحة من أرض الله، وغدت السلفية بفضل الله منهجًا للتعلّم والتعليم، والدعوة والإصلاح، والتربية .. لها ينتصر العلماء، وتؤلف الكتب، وتعقد الندوات والمؤتمرات، بل وتقام الجامعات والمعاهد والمدارس. وفي ظل هذا الانتشار السلفي لا يسوغ تجهيلُ الناس بهذه العقيدة، ولا الشغبُ على رجالاتها والمجددين فيها، ولا يسوغ الافتراء والتهم والتعيير في زمنٍ يملك الحقيقة كلُّ الناس عير نوافذ الكتب المؤلفة، ووسائل الإعلام، وأساليب التقنية التي تنشر الحقيقة، وتحتفظ بمؤلفات علماء الدعوة السلفية، المُقتدون بالسلف ليسوا أصحابَ فتنة، وليسوا عملاء للشرق والغرب كما يزعم

стр. 3239

المغرضون. أو الجاهلون من أهل الأهواء ومن يتجرأ ليقول أن محمد بن عبد الوهاب عميل للإنجليز؟ وكم هي مفارقة عجيبة أن نجد من علماء الغرب من يتصف محمد بن عبد الوهاب ويثني على دعوته وهم غير مسلمين، بينما نجد من يتهم ويفتري عليه الكذب من المسلمين؟ ودونهم هذا النموذج العربي المنصف يقول لوثروب: وبينما العالم الإسلامي مستغرق في هجعته، ومنزنح في ظلمته إذا بصوت يدوي في قلب الصحراء في شبه الجزيرة العربية، مهد الإسلام فيوقظ المؤمنين ويدعوهم إلى الإصلاح والرجوع إلى سواء السبيل والصراط المستقيم، فكان الصارخ بهذا الصوت إنما هو المصلح المشهور محمد بن عبد الوهاب (حاضر العالم الإسلامي) ج ١ ويقول جولد زيهر: يجب على من نصب نفسه ليحكم على الحوادث الإسلامية أن يعتبر الوهابيين أنصارًا للرئاسة الإسلامية على الصورة التي وضعها النبي والصحابة (١). إن تطاول على السلفية الحقة جاهل فتلك مصيبة، والمصيبة أعظم حين يتطاول عليها عالم مطلع يملك أدوات البحث ويفرق بين الحق والباطل، وإن تطاول على السلفية أصحاب مذاهب منحرفة وطوائف مختلفة الفكر والمعتقد فالمصيبة أعظم إن جاء الهجوم على السلفية (الحقة) من أهل السنة والجماعة، ولئن جاء الهجومُ على السلفية من قبل الرعاع والجهلة فالمصيبة أعظم حين يدخل على الخط في الهجوم على السلفية منابرُ علمية، ومؤسسات دينية لها في العلم والمعرفة تاريخ، ولها في العالم الإسلامي مكانة وأثر. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.

стр. 3240

الخطبة الثانية السلفية الصحيحة وسط في المعتقد بين الجفاة والغلاة، وبين أهل التعطيل لأسماء الله وصفاته- حيث ينكرون ما ثبت- وبين أهل التمثيل الذين يشبهون الله بخلقه في الصفات- تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرا-. السلفية وسط في الاستدلال والموازنة بين النقل والعقل، فهم لا ينكرون دورَ العقل في الفهم والاستنباط، ولكنهم يعظَّمون النصَّ الشرعي، وإن عجزت عقولهم أحيانًا عن إدراكه، ويرون ألا تعارض بين العقل الصريح والنقل الصحيح. السلفيون المقتدون وسط في نظرتهم وتعاملهم لأهل الانحراف بين الفكر الخارجي المكفر بالكبيرة، وبين الفكر الإرجائي المتساهل لدرجة المداهنة وغياب الولاء والبراء، وعدم الإنكار على المخالف بالحكمة والموعظة الحسنة. السلفية باختصار مدرسة تعتمد الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة منهجًا لها في العمل وطريقة في التفكير. وأفرادُ السلفية بشرٌ غير معصومين من الخطأ، ولئن أخطأ منتسب للسلفية فينبغي أن يرد خطؤه ولا تُرمى السلفيةُ بالخطأ. ولئن تسمى بالسلفية من حمل فكرًا منحرفًا، أو سلوكًا خاطئًا فتلك أخطاء المنتَسبين وليست انحرافًا في المنهج السلفي. ومهما وقع النزاع بين أهل السلفية وبين الأشاعرة فلا ينبغي أن يتجاوز الخلاف الفقهي إلى الاختلافِ في المعتقد، فكلهم ينتمي إلى أهل السنة والجماعة فأصولُ الأئمة الأربعة في المعتقد متفقة، وينبغي ألا يغيب أن ثمة

стр. 3241

دعوات طائفية مغرضة اليوم تدعوا إلى فصل السلفية عن بقية أهل السنة والجماعة وتتبنى الهجوم عليها حتى يسهل اختراق الأمة، وزرعُ البغضاء بين أبناء الملة الواحدة والسلفيةُ لا تتخذ من مناكفة الحكام غرضًا وهدفًا، بل ترى الطاعة للوالي بالمعروف، لكنها في الوقت نفسه ليست مرتقىً سهلًا يمتطيه الساسةُ في أوقات الحاجة لترويج مشاريعهم المنحرفة، وتخويف الساسة الغربيين بهم مستقبلًا، إن حلّت بهم كارثة أو ثارت عليهم شعوبهم. وحين يشغبُ على السلفية مسلمون، ويرميهم بالطعون موحدون يبقى الغربُ- ومع كل أسف- أبصر من هؤلاء بحقيقة السلفية ودورها وأثرها، ولذا تراهم يتخوفون منها لعلمهم بأصالة منهجها وثبات معتقدها، وقدرتها على التغيير والتأثير. لا غرابة أن يُهاجم الغربُ السلفية، وأن يشوِّهوا صورة السلفيين، فهم السلفيون أكثر من غيرهم معرفة بالغرب وأهدافه، وهم أكثرُ الناس بغضًا للغرب لعداوتهم القديمة المتجددة على المسلمين، والغربُ يدرك أن المنهج السلفي أكثرُ ثباتًا وتوازنًا من غيره، وإذا طوّع الغربُ المناهج والمذاهب الأخرى لسياسته وأهدافِه بقي المنهج السلفيُ عصيًا على الذوبان، مستمرًا في حراسة الحصون، لهذه الأسباب وغيرها يكره الغربُ الإسلام عمومًا، والمنهج السلفي خصوصًا. أيها المسلمون في زمن محاربة الفساد ينبغي أن يحتل محاربة الفساد العقدي موقعًا مهمًا من المصلحين فهو لا يقل أثرًا عن الفساد المالي والإداري. وفي زمن الفتن والابتلاء والفرقة والضَعف لا ينبغي أن نزيد في ضعفنا، ونفرق صفّنا، ويشتغل بعضُنا ببعض، والكاسبُ هو العدوُ المتربصُ، إن كان ظاهرًا أو منافقًا. وعلى السلفيين أن يحملوا المنهج السلفي بكل وسطية واعتدال للآخرين،

стр. 3242

وأن يفخروا ولا يتكبروا، وأن ينفتحوا ولا ينغلقوا، وأن يُبشروا ولا ينفروا، وألا يحتكروا المنهج بل ينشروه، وألا يتيحوا فرصةً للعدو يتسلل منها، لضعفِ سلفيتِهم، أو لقصورٍ في التبشير بمعتقدهم، وينبغي أن يكونوا على يقين أن البقاء للمنهج الحق، وأن جمعَ الكلمة على الحق والخير شعارٌ في هذه المرحلة، وعلى المسلمين عمومًا أن يصبروا ويصابروا ويرابطوا ويتقوا الله، ويصلحوا ذات بينهم، فالنصر قريب، وجند الله هم الغالبون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلبٍ ينقلبون.

стр. 3243

الصفويون (١) -تاريخ وعقائد وأهداف؟ (٢) الخطبة الأولى أيها المسلمون في هذه الأيام ترتفع لغة الصفويين تارة بالاستنكار لما أسرفت عنه الأحداث في الخليج (وخاصة البحرين) وتارة بالتهديد والإرجاف في المنطق وفي هذه الأيام كذلك يتضاعف النشاط الرافضي في تصدير الثورة المزعومة وأحداث بلبلة هنا ومشكلة هناك .. ومن أرض الرافدين إلى لبنان- والبحرين واليمن وأفريقيا، وأندونيسيا- والجمهوريات الإسلامية وغيرها يمتد النشاط الرافضي ويتحرك الصفويون .. ومن هنا لا بد من كشف الحقائق، وإظهار الحق حتى لا تلتبس الأمور وهناك قضايا ثلاث من المهم إيضاحها. الأولى: من هم الصفويون، وما تاريخهم، وما هي آثارهم في إيران؟ الثانية: عن حقيقة الثورة الخمينية وعلاقتها بالغرب عمومًا وبأمريكا خصوصًا؟ الثالثة: ما هي أطماع الرافضة في المنطقة وكيف يواجهون؟ أما الصفويون فهم سلالة من سلالات ملوك فارس بعد الفتح الإسلامي، أسس دولتهم في أذربيجان إسماعيل الصفوي عام ٩٠٠ هـ ١٥٠٠ م ثم بسط نفوذه على شروان والعراق وفارس، واتخذ من (تبريز) عاصمة لدولته، أعلن إسماعيل الصفوي أنه سليل الإمام السابع (موسى الكاظم) وإن التشيع هو دين الدولة، وحارب أهل السنة الذين كانوا الأكثرية في البلاد التي سيطر عليها، وبلغت دولة

стр. 3244

الصفوين أوج تفوقها في عصر الشاه (عباس الصفوي) (١٥٨٨ - ١٦٢٩) والذي استعان بالإنجليز وجعل منهم مستشاريه، وحارب الدولة العثمانية مستغلًا ضعفها وانشغالها، وعمل الصفويون على تحويل الحجاج الإيرانيين من مكة إلى (مشهد)، وقد حج الشاه عباس نفسه سيرًا على الأقدام من (أصفهان) إلى (مشهد) زيادة في تقديسه لضريح الإمام (علي الرضا) المزعوم ومنذ ذلك الحين أصبحت (مشهد) مدينة مقدسة عند الشيعة الإيرانيين .. وباختصار أقام الصفويون دولة فارسية باطنية حاربت المسلمين السنة في إيران، وتعاونوا مع أعداء الله، وبنت الكنائس وقلصت المساجد في إيران حتى قضى عليهم العثمانيون والأفغان عام ١٧٢٢ هـ بعد أن حكمهم أكثر من قرنين من الزمان، حافلة بالفساد، وخلفهم شيعة آخرون في أسرتي (الأفشار) و (القاجار) حتى انتهى الحكم في إيران إلى أسرة (بهلوى) والذين كان منهم شاه إيران الأخير، والذي أسقطت حكمه ثورة الخميني .. وما أدراك ما ثورة الخميني؟ تلك التي خدع بها بعض الناس في بداية عهدها، وخطابات وتهديدات خمينيها .. ثم تكشفت الأحوال .. عن عمالة أصحاب العمائم للغرب .. وكشفت الوثائق والمقابلات والزيارات السرية أن الغرب وأمريكا على الخصوص .. هو مهندس هذه الثورة. فالخميني يقيم قبل ثورته في (فرنسا) وأمريكا (جيمي كارتر) هي التي مهدت له الوصول إلى حكم إيران، بل ومنعت أمريكا وعن طريق سفيرها في إيران من ثورة جنرالات الجيش الإيراني التي كانت ستسحق حركة الخميني .. وكانت حركة احتلال السفارة الأمريكية في طهران واحتجاز العاملين فيها مسرحية مكشوفة تشبه إلى حد كبير

стр. 3245

(الخلاف الوهمي بين إيران وأمريكا على التسليح النووي اليوم) فكلها استهلاك إعلامي وخداع ظاهر، أكثر من واقع. ولئن كان العجب كبيرًا من دعم الغرب باطنًا لإيران في ثورة الخميني وهو الذي ملأ الدنيا بالتهم على الإمبرالية والشيطان الأكبر في الظاهر .. فالعجب أكبر حين تكشف مجريات الأحداث والعلاقات عن علاقة حميمة سيئة ومشبوهة بين دولة الملالي .. والنظام الشيوعي في إيران ممثلًا في حزب (ثورة) الشيوعي ومن خلفه في الاتحاد السوفيتي .. وهنا تثور الأسئلة كيف لنظام يدعي الشرعية وولاية الفقيه ومحبة آل البيت .. ثم هو يتعاون مع الغرب النصراني العلماني، وتحسن علاقته مع النظام الشيوعي الملحد؟ والجواب باختصار أنها دولة الملالي .. القائمة على معتقد التقية، والطعن في الصحابة وتنقص الكتاب والسنة، والبغض لأئمة أهل السنة وعامتهم .. لا يستعرب من صنيعها وتناقضاتها إلا جاهل بعقائد القوم .. غافل عن مخططات الصفويين، وأهدافهم والتاريخ سجل حافل وشاهد على مثل هذه التحالفات الباطنية في القديم والحديث بين أصحاب الرفض وأعداء المسلمين .. وهذه نماذج منها. فقد استخدم التتار (الرافضة) في أبشع مجزرة شهدها التاريخ وسقطت الخلافة الإسلامية (العباسية) بمؤامرة (نصير الكفر الطوسي الرافضي) مع هولاكو التتري في إبادة المسلمين في بغداد كما استخدمهم النصارى في الحروب الصليبية المشهورة، وتطوع النصيريون (لسياطنيون) تقاتلوا المسلمين في بلاد الشام .. وعملت دولة العبيديين الأفاعيل في مصر والشام وثبتت أقدام النصارى، واستوزرت اليهود، في الوقت الذي كانت تعلن سب الصحابة على المنابر واستخدمهم البرتغاليون والإنجليز ضد الدولة العثمانية، ولعب الصفويون

стр. 3246

دورًا خبيثًا في تمكين المستعمرين في ثغور المسلمين .. واليوم تكشف الوثائق واللقاءات السرية عن علاقات خبيثة وسرية بين الرافضة الصفويين في إيران وبين العدو الصهيوني في فلسطين، كما كشفت عن علاقات وتحالفات غادرة مع الغرب، وكتاب (التحالف الغادر) (١) يكشف هذه التحالفات الخفية وإنما فسدت المعتقدات، وانحرفت الأصول فلا يستغرب معها- أي خيانة- أو فساد في الأرض، وصدق الله ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ﴾.

стр. 3247

الخطبة الثانية الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى. أيها المسلمون سبق القول أن خلافنا مع الرافضة خلاف في الأصول وليس في الفروع، فعقيدتهم في القرآن والسنة والصحابة وأعلام الملة، تختلف بأصولها عن عقائد أهل السنة والجماعة، وتعاملاتهم بالتقية وتذرعهم بالنفاق والخداع .. كل ذلك مما تفيض به كتبهم ويشهد الواقع على صدقه، ومن عاشرهم أو اقترب منهم عرف ما يبطنون من غل وحقد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وأما الرافضي فلا يعاشر أحدًا إلا استعمل معه النفاق، فإن دينه الذي في قلبه دين فاسد يحمله على الكذب والخيانة وغش الناس، وإرادة السوء بهم، فهو لا يألوهم خبالًا ولا يترك شرًا يقدر عليه إلا فعله بهم .. الخ (١). وهذا الشوكاني عاشرهم باليمن وتحدث عن تجربته معهم ثم قال: «ولقد جربنا هذا تجريبًا كثيرًا فلم نجد رافضيًا يخلص المودة لغير رافضي وإن آثره بجميع ما يملكه .. ولم نجد في مذهب من المذاهب المبتدعة وغيرها ما نجد عند هؤلاء من العداوة لمن خالفهم، ولم نجد عند أحد من التحري على شتم الأعراض المحترمة، فإنه يلعن أقبح اللعن ويسب أفظع السب .. ولعل سبب هذا والله أعلم أنهم لما تجرأوا على سب السلف الصالح هان عليهم سب من عداهم، ولا جرم فكل شديد ذنب يهون ما دونه (٢). عباد الله- قوم تلك بعض معتقداتهم- وأساليب تعاملاتهم لا يؤمنون .. فكيف إذا كان لهم أطماع وأهداف وأذرعة ووسائل يصدرون بهم ثورتهم،

стр. 3248

ويحاولون من خلالها نشر مذهبهم وأفكارهم إن من الأمور التي بات يعرفها العامة فضلًا عن الخاصة أن للرافضة أطماعًا في الخليج ابتدأ من إصرارهم على تسمية بالخليج الفارسي، ومرورًا بأحداثهم الشغب في عدد من دول الخليج، ورفعهم مطالبات تثبت وجودهم وتدعم تمكنهم .. وقد تبين من الأحداث أن الدول التي سارعت في التنازلات لمطالبهم تحملت تبعات ذلك في قوة شوكتهم وفي البحرين واليمن ولبنان نماذج واضحة لتحمل هذه التبعات. أما مواقعهم الإلكترونية وقنواتهم الفضائية فهي لا تخفى على المطلعين في نشر مذهبهم والطعن في غيرهم وللرافضة أذرعة سياسية تتخذ من القوة والتسليح المنظم أسلوبًا لنشر الرفض وخدمة الصفويين في إيران- وحزب اللات- والحوثيون، وفي العراق وأفريقيا، وباكستان، والأفغان وأندونسيا نشاط ومندوبون للرافضة، وهذا كله يحذر ولا يخوف مع بذل الجهد في المقابل واستشعار ضعف كيد الشيطان، ومعية الله للمؤمنين. إن مطامع القوم وأهدافهم تختلط فيها الدعوة للمذهب، إلى إثارة القلق والشغب، إلى امتلاك السلاح والتدريب، وتزعم الثورات، وإعلان المظاهرات، ورفع سقف المطالب حتى يتسنى لهم ما دونها .. وهكذا .. يدوم القوم أن يتحول الهلال الرافضي إلى بدر، ويمكرون ويمكر الله .. ولقد طالبوا من قبل ومن بعد بضم جزر في الخليج ذات مواقع استراتيجية، وقد احتلوا الجزر الثلاثة (طنب الكبرى، والصغرى، وأبي موسى) بل تجرأوا أكثر وأعلنت إيران عام ١٩٥٧ م إلحاق البحرين بالتقسيمات الإدارية لإيران معتبرة إياها المحافظة الرابعة عشرة، ثم خصصت عام ١٩٥٨ م مقعدين في برلمانها للبحرين ومنعت إيران البحرين من الاشتراك في منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) أما قصة الصفويين مع الأحواز، وتهجيرهم للعرب، واعتداؤهم على

стр. 3249

العربية وفرض الفارسية، وظلم أهل الأحواز بشكل عام. فهو من السود بمكان .. لا سيما إذا علم أن الأحواز أقرب للعراق منها لإيران، فهي اقرب لسهول العراق، وقد سكنها العرب منذ أقدم العصور، وفتحها المسلمون عام (١٧ هـ) أيام عمر ﵁ وألحقت إداريًا بالبصرة وكانت تسمى (أهواز العراق) والفرس هم الذين غيروا اسمها إلى الأحواز لعجمتهم في نطق الحاء هاء، ثم أطلقوا عليها اسمًا فارسيًا (خوزستان)، ولا يزال أهل الأهواز يعيشون حالة الظلم والتهجير .. بل يعيش أهل السنة بشكل عام في إيران في ظروف صعبة .. فرج الله همهم وعجل بفرجهم. إخوة الإسلام يصعب في عجالة الإحاطة بمطامع الصفويين ولكن الوقوف على مخططهم في الأفكار والخطط المكتوبة (كالخطة الخمسينية لإيران) أو الاستبصار بتحركاتهم ونشاطهم يدرك خطر هذه المطامع ولذا يحتاج الأمر إلى موقف بل مواقف، تبدأ بمعرفة عقائد الرافضة وما يبطنون لأهل السنة ثم كشف زيف هذه المعتقدات- ليس فقط لأهل السنة- بل ولأبناء الرافضة الذي يغررهم وتوغر صدورهم ضد خيار الأمة، ومصادر التلقي الحقيقية، ثم يتبع ذلك دعوة لأبناء الرافضة للرجوع للحق وسلوك سبيل الجماعة ونبذ الفرقة، ومع ذلك لا بد من الحذر والاستعداد لأي تحركات مشبوهة .. إن الخطر الصفوي اليوم لا تكفي نحن الجهود الفردية، بل لا بد من جهود جماعية وعلى مستوى الأفراد والدول وحيث كان مشروع درع الجزيرة خطوة رائدة لإنقاذ البحرين بل والخليج من الامتداد الصفوي، فالمأمول أن تبعية خطوات في ذات الاتجاه، كتشكيل القوى العسكرية المستديمة لوقف الزحف الصفوي، وإنشاء مراكز البحوث والدراسات لكشف الفكر الصفوي الرافضي، واعتماد سياسات وبرامج من شأنها أن تحمي المنطقة وأبناءها من فتن الروافض

стр. 3250

الحاضرة والمستقبلة .. وبكل حال فالمسئولية فردية وجماعية والخطر قديم يتجدد، ومن قراء كتاب (وجاء دور المجوس) وهو كتاب صدر قبل ثلاثة عقود، عرف مكمن الخطر وأدرك أن السياسات الرافضية الفارسية الصفوية تترجم إلى عمل، فكيف لو قدر لمؤلف الكتاب أن يكتب عن دورهم بعد هذا الزمن .. وأخيرًا- أيها المسلمون- فالتقوى فرقان، واجتماع الكلمة قوة، والوعي خطوة مهمة لدفع البلايا والشرور، والقوة في نشر الحق سبيل للكشف الباطل، والعاقبة للتقوى وللمتقين، وإن جندنا لهم الغالبون ذلك وعد صادق غير مكذوب .. اللهم انصر دينك وعبادك الصالحين ..

стр. 3251

معاوية رضي الله ستر أصحاب النبي ﷺ وحلقة الباب ؟ (١) إن الحمد لله نحمده ونستعينه .. إخوة الإيمان .. صحابة رسول الله ﷺ ليسوا بحاجة إلى تزكية من أحد بعد تزكية الله لهم في أكثر من موضع من كتاب الله، وهذه التزكية شاملة لمن سبق منهم بالهجرة والإيمان أو من تبعهم بإحسان- وإن تفاوتوا في الأفضلية فقد رضي الله عنهم ورضوا عنه ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. كما جاء الثناء على كل من كانوا مع النبي ﷺ والوعد بالمغفرة والأجر العظيم ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ .. إلى قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [محمد: ٢٩]. وليس لأحد أن يتطاول على أحد منهم وقد أحبهم الرسول ﷺ وأحبوه، وصحبهم وصحبوه، وجاهدوا معه وعزروه ووقروه ونصروه وأثنى عليهم وشهد بخيريتهم ونهى عن القدح في أحد منهم وأكد الصحابة ذلك وبينوه، حتى قال ابن عمر-بسند صحيح- «لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره» (٢).

стр. 3252

ألا وإن من أكبر الظلم وأسوأ الجهل احتراف تنقيص الصحابة والطعن فيهم، وتشكيك الناس في إيمانهم وجهادهم .. وحين يعلن المنكر، ويجهر بالسوء في المنابر الإعلامية والفضائيات والمواقع الالكترونية، يصبح لزامًا على أهل السنة الدفاع عن أعراض الصحابة، وبيان مناقبهم، حتى لا يشيع المنكر، ويضلل العوام، ويعتدى على العظماء. إخوة الإسلام تعالوا بنا لنسلط الضوء على واحد من هؤلاء الصحابة ربما يكون ناله من الطعن والسب- أكثر من غيره ولندرك كيف يراد أن يكون الطعن فيه وسيلة إلى غيره، ولئن كنا لا ننزه أحدًا من البشر من الخطأ .. فثمة حسنات ماحيات، وثمة مقامات ورتب لا بد أن نقدرها ونضعها في الموضع الصحيح. معاوية بن أبي سفيان ﵄ مؤسس الدولة الأموية معاوية واحد من صحابة رسول الله ﷺ وقد أثنى القرآن على الصحابة عمومًا، وشملهم بالخيرية والفضل من آمن وأنفق قبل الفتح أو بعده - وإن تفاضلوا وتقدم بعضهم على بعض في الفضيلة والأجر- فقد كان ذلك مع الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. ومن المقرر في عقائد أهل السنة والجماعة حب الصحابة جميعًا والترضي عنهم والكف عن سبهم «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ قد أحدهم أو نصيفه» (متفق على صحته) وقد عد أهل العلم سبهم أو تنقصهم زندقة وانحرافًا فقد جاء في كتاب (الإمامة) للإمام أبي نعيم الأصبهاني: «لا يبسط لسانه فيهم إلا من ساءت طويته في النبي ﷺ وصحابته والإسلام والمسلمين (١).

стр. 3253

وقد أنكر إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ﵀ على من جمع الأخبار التي فيها طعن على بعض أصحاب رسول الله ﷺ وغضب لذلك غضبًا شديدًا وقال: «لو كان هذا في أفناء الناس لأنكرته فكيف في أصحاب رسول الله ﷺ » .. فقال له المروذي: يا أبا عبد الله فمن عرفته يكتب هذه الأحاديث الرديئة ويجمعها، أيهجر؟ قال: نعم، يستأهل صاحب هذه الأحاديث الرديئة الرجم (١). وقد كشف الإمام أبو زرعة عن هوية وأهداف القادحين في الصحابة فقال: إذا رأيت الرجل ينتقض أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق وذلك أن الرسول ﷺ عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنة أصحاب رسول الله ﷺ وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة (٢). وقد اتفقت الأمة وأهل العلم في مقدمتهم على خيرية الصحابة، بل شهد لهم الرسول بذلك حين قال «خير الناس قرني» متفق عليه (ومعاوية) معدود في أولئك القرن، بل معاوية شهد مع النبي ﷺ (حنين) فدخل في جملة المؤمنين الذين وصفوا بالإيمان، وشهد القرآن بإنزال السكينة في قلوبهم ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَنَزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ .. فمعاوية داخل في هذه الأوصاف لشهوده الواقعة ومن وصفه بالنفاق أو الفسوق بعد شهادة القرآن له ولأمثاله بالإيمان فقد افترى إثمًا عظيمًا واحتمل بهتانًا وإثمًا مبينًا. بل لقد استنبط العلماء معنى دقيقًا، وفضلًا واسعًا للصحابة من قوله تعالى:

стр. 3254

﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. وقالوا: إن المراد بالذين يتبعوهم بإحسان: هم الذين تأخر إسلامهم من الصحابة، ومما قاله الحافظ العلائي في كتاب (تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة/ ٦٣) [إن الآية تدل على أن المراد بالذين اتبعوهم بإحسان هم بقية الصحابة الذين تأخر إسلامهم، فشملت الآية جميع الصحابة]. والحديث في ذلك يطول (أعني في فضل الصحابة ومنزلتهم ومعنى الصحبة .. فثمة كتب وفصول في كتب السنن والعقائد والتراجم تحدثت عنه) لكن ثمة فضائل ومناقب لمعاوية ﵁ تخصه بالفضل وتثبت له عظيم القدر فإلى شيء من ذلك. ١ - في تاريخ إسلامه .. لئن كان المشهور أنه أسلم عام الفتح فالذي يظهر أنه أظهر إسلامه يوم الفتح- وإلا فقد وقع الإسلام في قلبه قبل ذلك، ولندع معاوية يحدثنا عن إسلامه كما روى ابن جعد حين يقول: لما كان عام الحديبية، وصدوا رسول الله ﷺ عن البيت، وكتبوا بينهم القضية وقع الإسلام في قلبي، فذكرت ذلك لأمي فقالت: إياك أن تخالف أباك فأخفيت إسلامي، فوالله لقد رحل رسول الله ﷺ من الحديبية وإني مصدق به، ودخل مكة عام عمرة القضية وأنا مسلم، وعلم أبو سفيان بإسلامي فقال لي يومًا: لكن أخوك (يزيد) كما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية ٨/ ١٢٧) خير منك وهو على ديني، فقلت: لم آل نفسي خيرًا وأظهرت إسلامي يوم الفتح، فرحب بي النبي ﷺ وكتبت له (١).

стр. 3255

ولهذا قال الذهبي في ترجمته (قيل إنه أسلم قبل أبيه وقت عمرة القضاء، وبقي يخاف من اللحاق بالنبي ﷺ من أبيه، ولكن ما أظهر إسلامه إلا يوم الفتح) وانتقد الذهبي رواية الواقدي التي يشير إلى أن معاوية شهد مع النبي ﷺ حنينًا، فأعطاه من الغنائم مائة من الإبل وأربعين أوقية، وقال: الواقدي لا يعي ما يقول، فإن كان معاوية كما نقل قديم الإسلام، فلماذا يتألفه النبي ﷺ ولو كان أعطاه، لما قال عندما خطب فاطمة بنت قيس «أما معاوية فصعلوك لا مال له» (١). ويقرر الحافظ ابن حجر إسلامه قبل الفتح ويقول: أسلم قبل الفتح، وأسلم أبواه بعده، وصحب النبي ﷺ وكتب له (٢). ٢ - ولمعاوية ﵁ مكانة عند رسول الله ﷺ بعد إسلامه، فقد ثبت كما في صحيح مسلم أنه جعله كاتب وحيه - ضمن من كانوا يكتبون الوحي لهذه المهمة العظيمة، وأكرم بهذه المهمة .. ولم يزل في هذه المهمة الشريفة والمنقبة العلية حتى فارق النبي ﷺ الدنيا (٣). ٣ - ومكانه عند كبار الصحابة، فقد استعمله عمر على دمشق، بل قال خليفة بن خيار -وهو من قدماء المؤرخين الثقات- إن عمر جمع الشام كلها لمعاوية، وأقره عثمان، وإن قيل إن عثمان هو الذي ولاه الشام كلها. ٤ - ولمعاوية ﵁ مكانة عند علماء الملة ولنسمع إلى هذا الثناء على معاوية من الذهبي حيث يقول: وحسبك بمن يؤمره عمر ثم عثمان على إقليم- وهو ثغر- فيضبطه، ويقوم به أتم قيام، ويرضي الناس بسخائه وحمله، وإن كان

стр. 3256

بعضهم تألم مرة منه وكذلك فليكن الملك، وإن كان غيره من الصحابة خيرًا منه وأفضل وأصلح، فهذا الرجل ساد، وساس العالم بكمال عقله، وفرط حلمه وسعة نفسه وقوة دهائه ورأيه، وله هنات وأمور، والله الموعد (١). بل قرر شيخ الإسلام ابن تيمية: أنه أفضل ملوك هذه الأمة وقال: اتفق العلماء على أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة، فإن الأربعة قبله كانوا خلفاء نبوة، وهو أول الملوك، كان ملكه ملكًا ورحمة- كما جاء الحديث: «يكون الملك نبوة ورحمة، ثم تكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملك ورحمة .. » وكان في ملكه من الرحمة والحلم ونفع المسلمين ما يعلم أنه كان خيرًا من ملك غيره (٢). وأثنى الحافظ بن كثير على معاوية بقوله: انعقدت الكلمة على معاوية، وأجمعت الرعايا على بيعته في سنة إحدى وأربعين، فلم يزل بالأمر مستقلًا إلى سنة وفاته، والجهاد في بلاد العدو قائم، وكلمة الله عالية، والغنائم ترد إليه من أطراف الأرض، والمسلمون معه في راحة وعدل وصفح وعفو (٣). على أن معاوية ﵁ كان محل ثناء ورضى عند جمهور الصحابة: أ- فابن عباس ﵄ كما في صحيح البخاري- يشهد له بفضل الصحبة ويقول لمولاه «دعه فإنه صحب رسول الله ﷺ » (ح ٣٧٦٤) ثم يشهد له بالفقه في الدين فقد قيل لابن عباس: هل لك في أمير المؤمنين معاوية فإنه ما أوتر إلا بواحدة قال: إنه فقيه (٤).

стр. 3257

ب- وأبو الدرداء ﵁ يقول: ما رأيت أشبه صلاة برسول الله ﷺ من أميركم هذا يعني معاوية (١) (رجاله ثقات: السير ٣/ ١٣٥). جـ- وشهادات أخرى من جماعة من التابعين فقد سئل المعافي بن عمران: أين عمر بن عبد العزيز من معاوية؟ فغضب من ذلك غضبًا شديدًا وقال: لا يقاس بأصحاب رسول الله ﷺ أحدًا، أما معاوية صاحبه وصهره وكاتبه وأمينه على وحي الله (٢). د- وعن جبير بن نفير: إن رسول الله ﷺ كان يسير ومعه جماعة، فذكروا الشام، فقال رجل: كيف نستطيع الشام وفيه الروم؟ قال: ومعاوية في القوم وبيده عصا، فضرب بها كتف معاوية، وقال: يكفيكم الله بهذا (٣). وإذا كان قيل هذا الأثر مؤشرًا إلى ولاية أو خلافة معاوية .. فثمة ما هو أصرح من ذلك، فقد روى أحمد في المسند بسنده أن معاوية أخذ الإداوة وتبع بها رسول الله ﷺ فرفع رأسه إليه وقال: يا معاوية: إن وليت أمرًا فاتق الله وأعدل، فما زلت أظن أني مبتلى بعمل لقول ﵁ ﷺ حتى ابتليت) (٤). قال الذهبي: ولهذا طرق مقاربة ثم ساق حديثًا آخر عن معاوية أنه قال: والله ما حملني على الخلافة إلا قول النبي ﷺ يا معاوية: إن ملكت فأحسن (قال الذهبي: ابن مهاجر ضعيف، والخبر مرسل (٥).

стр. 3258

وقد حسن الترمذي حديثًا قال فيه النبي ﷺ عن معاوية: «اللهم اجعله هاديًا مهديًا، واهد به» (١). وبالجملة فقد أدركت خلافة معاوية جمعًا من صحابة رسول الله فأثنوا وما اعترضوا، حتى قال الأوزاعي ﵀: أدركت خلافة معاوية عدة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم: سعد بن أبي وقاص، وأسامة بن زيد، وجابر بن عبد الله وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وسلمة بن خالد، وأبو سعيد الخدري، ورافع بن جدع، وأبو أمامة، وأنس بن مالك، ورجال أكثر مما سميت بأضعاف مضاعفة .. كانوا مصابيح الهدى، وأوعية العلم .. ومن التابعين كالمسور (١)، وعروة .. لم ينزعوا يده عن مجامعة في أمة محمد ﷺ (٣). أحاديث في ذم معاوية باطلة: أما ما جاء من أخبار في ذم معاوية والتنقص منه: كحديث: «إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاقتلوه» وحديث: «معاوية في تابوت من نار في أسفل درك منها» وحديث: «كيف بك يا معاوية إذا وليت حقبًا تتخذ السيئة حسنة والقبيح حسنًا يربوا فيها الصغير ويهرم فيها الكبير، أجلك يسير، وظلمك عظيم ونحوها .. فهي أخبار مكذوبة، وقرر العلماء عنها أمثال ابن تيمية، والخلال إلى كذبها واعتبروها من وضع الروافض وأهل الريب كما أشار إلى أنها موضوعة (٤).

стр. 3259

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].

стр. 3260

الخطبة الثانية الحمد لله يستحق الحمد والثناء والصلاة والسلام على النبي المجتبى ورضي الله عن صحابته النجباء. . . سؤال مهم ووقفة متأنية لماذا الطعن بمعاوية أكثر من غيره؟ لأن ذلك مدخل إلى غيره من الصحابة قال الربيع بن نافع: معاوية بن أبي سفيان ستر أصحاب النبي ﷺ فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه (١). يعني: من المهاجرين والأنصار، وساقه ذلك إلى جحد الكتاب وتكذيب السنة والطعن في رسول الله ﷺ (٢). وقد كان أئمة السلف ﵏ يقولون: معاوية (من فقه السلف) ﵁ بمنزلة حلقة الباب، من حركه اتهمناه على من فوقه (٣). ومما يشهد لذلك ويؤكده: ما نقله الخطيب البغدادي (٤) من طريق الزبير بن أبي بكر، حدثني عمي مصعب بن عبد الله قال: حدثني أبي عبد الله بن مصعب قال: قال لي أمير المؤمنين (المهدي) يا أبا بكر: ما نقول فيمن ينتقص أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قال: قلت زنادقة، قال: ما سمعت أحدًا قال هذا قبلك، قال قلت: هم أرادوا رسول الله ﷺ . بنقص، فلم يجدوا أحدًا من الأئمة يتابعهم على ذلك فتنقصوا هؤلاء عند أبناء هؤلاء، وهؤلاء عند أبناء هؤلاء، فكأنهم
следующие страницы →