← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

بين يدي الخطيب إن مما يسر المسلم ويعين الخطيب في أداء مهمته توفر مجموعة من الخطب - لعدد من الخطباء- مطبوعة متداولة. وثمة ظاهرة طيبة جديرة بالعناية والتقدير، ألا وهي تصدير بعض الخطباء كتبهم (الخاصة بالخطب) بمجموعة من الفوائد والتنبيهات التي يحتاجها الخطباء. ومع ذلك فلا تزال الحاجة قائمة لعدد من التنبيهات والقضايا التي يحتاج إليها الخطباء، ولعل شخصية الخطيب والعوامل المساعدة له على الارتقاء بمستوى خطبته، ودواعي القبول وأسباب الضعف، واختيار موضوع الخطبة، وعناصر التأثير والتشويق فيها، ونحو ذلك من أمور لا تزال بحاجة لمزيد من التحرير والتنوير. وكم هو مفيد أن يتفضل عدد من الخطباء الموهوبين بالكتابة في هذا الميدان الرحيب، وحسبهم أن يسجلوا خواطرهم ومرئياتها، وأن ينقلوا ويدونوا من رصيد تجاربهم ما ينفع الله به غيرهم. ووزارة الشؤون الإسلامية- وهي صاحبة الاختصاص والسبق- تشكر كذلك حين تسهم بشكل أكبر في هذا الميدان، أو غيره من ميادين ينفع الله بها المتحدث والسامع. وحتى لا أتهم بالسلبية أدون رؤى ونقاطًا متواضعة، مساهمةً مني في هذا الموضوع الحيوي، وعسى أن يكون فتحًا لمبادرات ورؤى أخرى أعمق وأوسع:

стр. 352

[١] أهمية خطبة الجمعة: وليس يخفى أفضلية يوم الجمعة، واختصاص هذه الأمة به، وانتظار الناس- في هذا اليوم- للخطيب، والتطلع للخطبة، ومع ذلك تبدو أهمية الخطبة لعدة أمور منها: أ- إلزام الناس شرعًا بالسكوت والاستماع للخطيب «ومن مس الحصى فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له». ب- يجتمع للخطباء قطاع عريض من الناس، فيهم الغني والفقير، والمتعلم والجاهل، والصغير والكبير، والصالح والطالح .. ومخاطبة هؤلاء كلهم فرصة لا يتوفر سماعهم وإنصاتهم في غيرها. ت- خطبة الجمعة أسبوعية، ولذا ينبغي أن يتوفر لها من الصدق والتأثير ما يقتات الناس عليه حتى مجيء الخطبة التي تليها. ث- وفوق ذلك ينازع خطبة الجمعة في التأثير على الناس منابر، ووسائل أخرى بلغت ذروتها في القنوات الفضائية ذات التأثير السيء على القيم والأخلاق والمعتقدات، وذلك يضاعف من أهمية الخطبة، ويدعو لمزيد العناية بها. ج- وعماد الخطبة: قال الله، قال رسول الله ﷺ ، فالخطبة توقيع عن الله، والخطيب متحدث باسم رسول الله ﷺ ، وذلك تعاظم من مسؤولية الخطيب، ويعطي للخطيب مكانة وأهمية، فلابد من اللهم لما ينقل، والتثبت لما يقال، والدقة في التعبير، حتى لا تزل الفيوم وتزل معها الأقدام! [٢] هم الخطبة وقلق الخطيب: لا شك أن الخطبة هم عند من يحتسبون إفادة الناس، وتوجيههم للخير،

стр. 353

وتحذيرهم من الشرور والفتن، وهو بهذا الاعتبار هم محمود، ولا شك أن عددًا من الخطباء يحل بساحتهم نوع من القلق في نهاية الأسبوع بواعثه: أ- الرغبة في اختيار الموضوع للخطبة من جانب. ب- تحديد وانتقاء عناصر الموضوع المختار من جانب آخر. ت- واستكمال ذلك بالرجوع لعدد من المصادر المهمة، أو المراجع ذات العلاقة بالموضوع. ث- ثم هم الصياغة واختيار العبارات المناسبة. ج- وأخيرًا هم الإلقاء بطريقة تؤثر في جمهور المستمعين للخطبة. فتلك هموم خمسة يعيشها كثير من الخطباء، ولكن ثمة أمورًا خمسة تخفف منها، وتحيلها راحة وطمأنينة ومثوبة للخطيب وهي: أ- الإخلاص في قصد الخطيب، والرغبة في الإفادة دون طلب الثناء أو التطلع للشهرة. ب- المثوبة العاجلة التي يراها الخطيب في استجابة الناس للخير الذي دعاهم له، والبعد أو الإقلاع عن الشر الذي حذرهم منه: «ولئن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم». ت- وما ينتظر المثوبة الآجلة أعظم وأكبر حين تتطاير الصحف، وكل نفس بما كسبت رهينة، ويجازى معلمو الناس الخير على القطمير والنقير، وخير الناس أنفعهم للناس. ث- والتفكير المسبق بالخطبة يريح الخطيب، ويعين على إخراج الخطبة إخراجًا جيدًا، وتأخير ذلك إلى نهاية الأسبوع، فوق ما فيه من هدم وقلق، فهو

стр. 354

عرضة للانشغال والارتباط المفاجئ وكل ذلك يؤثر سلبيًا على الخطبة (موضوعًا، وعناصر، وإخراجًا). ج- واختيار عدة عناوين وموضوعات للخطب- سلفًا- وتحديد مظان عناصرها، ومواردها يسهم في إخراج خطب جيدة يستفاد منها مستقبلاً، ويوفر للخطيب احتياطًا مهمًا عند الحاجة، ويساعد على تنوع موضوعات خطبة في العقائد، والأحكام، والأخلاق والسير، والقضايا المعاصرة، والترغيب والترهيب ... وغير ذلك مما يجنب الخطيب التركيز على أمور أو موضوعات معينة، وإهمال أخرى قد لا تقل عنها أهمية. [٣] عوامل تأثير الخطبة في السامعين: لا شك أن توفيق الخطيب ونجاحه في خطبته فضل من الله يؤتيه من يشاء، وهو أعلم وأحكم، ولكن يمكن تلمس ذلك في الأسباب الآتية: أ- الصدق في القول والإخلاص في العمل. ب- اختيار الموضوع المناسب زمانًا ومكانًا، وتوافقه مع حاجة المخاطبين. ت- شمولية العرض له واستيفاء عناصره المهمة دون إطالة مملة. ث- أسلوب الإلقاء واختيار العبارات المؤثرة، وأساليب شد الانتباه. ج- سعة ثقافة الخطيب واطلاعه المستمر على كل جديد. ح- تنوع موضوعات الخطبة (في العقائد، والأخلاق، والآداب، والسير، والأحكام، والفرائض والسنن، وأحوال المسلمين وواقع الأمم ... ). خ- استثمار النصوص والخطاب بلغة العصر، واستشعار واقع الناس ومخاطبتهم بما يعرفون.

стр. 355

د- الاستفادة من عرض النماذج العالية والقصص الصحيحة أحيانًا فهي مواد للتشويق والإثارة. ذ- عدم تيئيس الناس وتقنيطهم، ومعالجة الأخطاء برفق وحكمة، وفتح المجال للتوبة والإنابة للمسرفين، ومن هدي النبوة: بشروا ولا تنفروا، ويسيروا ولا تعسروا. ر- تفاعل الخطيب مع مادة الخطبة، ورفع صوته أحيانًا وخفضه أحيانًا أخرى. كل ذلك يشد انتباه الحاضرين للخطبة، ويدعو لتفاعلهم مع الخطيب، وقد قيل: (لا يؤثر إلا المتأثر). [٤] لغة الخطيب وبلاغته: وهذه يمكن أن تكون ضمن عوامل التأثير في الخطبة، ولكني أفردتها هنا لأهميتها، وفي لغة الخطيب يمكن القول: إن أعظم وعاء تحمل به الخطبة لغة القرآن الكريم، ولا يعني ذلك مجال التقعر في الكلام، ولا اختيار الغريب من العبارات والألفاظ، قدر ما يعني سهولة العبارة وشمولها وصحتها، وصون الخطبة من العجمة واللحن، ففي المستمعين للخطبة نماذج يقطع متابعتهم للخطيب لحنه الجلي، وربما فروا عن الخطيب إذا تكاثر خطؤه وتكرر لحنه، واللغة العربية السهلة كفيلة بوصول المعاني وتأثيرها في المنصتين للخطبة، وهي مما يزين الخطيب ويرفع من شأن الخطبة. ولا ضير من تشكيل الخطيب ما يشكل عليه، ولا ضمير من سؤال أهل الاختصاص والاستفادة منهم في هذا المجال. وفي الحديث عن لغة الخطيب

стр. 356

وبلاغته لابد من اعتبار أن «للأذن إحساس يجب إرضاؤه، ونعومة يحذر من خدشها» (١). وللشعر أهميته وأثره- وإن لم يكثر منه الخطيب- فالكلام إذا حوّل نظمًا فرح به الحزين، وحرك الرزين، وقرب من الأمل البعيد (٢). وإن من الشعر لحكمة» كما قال المصطفى ﷺ (٣). وبالجملة فكم يجتمع للخطباء نصوص واحدة أو متشابهة، ويختلف تأثرهم وتأثيرهم بها باختلاف قدراتهم في استثمارها وحسن صياغتها، وتلك مؤشرات للغة الخطيب وبلاغته، وإذا كان العلم بالتعلم فبإمكان الخطيب أن يزيد من ثقافته اللغوية، بمطالعة كتب اللغة عمومًا، وكتب الأدب والبلاغة على الخصوص. [٥] الخطيب وضعف الأداء وقلة المردود: يملك الخطيب والداعية والواعظ هداية البيان والإرشاد للناس دون هداية التوفيق والقبول، فهذه لله وحده، وإذا أحس الخطيب أو حسس بضعف أدائه، وقلة مردوده، وانصراف الناس عنه، فعليه أن يفتش عن أسباب ذلك، ولعله أن يجدها كامنة وراء عدة أسباب ومنها: أ- غياب الإخلاص أو ضعفه، والتعلق بالشهرة والبحث عن الصيت. قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه».

стр. 357

ب- عدم تقدير ظروف الزمان، واعتبار مستوى المخاطبين، والحديث في واد والناس في واد غيره. ت- وطول الخطبة يُمل ويدعو للغفلة، وقصرها المخل يفوت الفائدة على الراغبين، وربما أوقع في لبس وحيرة، أما إذا كان قصر الخطبة غير مخل فإن من مئنة فقه الرجل قصر خطبته وطول صلاته». ث- ويشين المسلم على العموم والخطيب الداعية على الخصوص، أن يخالف قوله فعله، وأن يدعو الناس إلى خير يتكاسل عنه مع استطاعته له، أو ينهاهم عن شر هو واقع فيه، أو ينهى عن الإسبال وسماع الغناء، وحلق اللحى وهو متلبس بها! أو يحث على كريم الأخلاق مَن هو سيئُها، أو يدعو غيره للصدق والإحسان وهو كذوب بخيل شحيح؟ وهكذا .. ج- والشدة في القول والحدة في النقد- دون مبرر- سبب للنفور، ومن دواعي عدم القبول، وقد قيل: «القلوب كالقدور في الصدور تغلي بما فيها، ومغارفها ألسنتها فانتظر الرجل حتى يتكلم، فإن لسانه يغترف من قلبه، ومن بين حلو وحامض وأجاج، ينبئك عن طعم قلبه اغتراف لسانها» (١). فان قلت: فما أحسن شيء حين الحديث؟ أجبت بما أورده الخطيب: «أحسن شيء كلام رفيق، يستخرج من بحر عميق، على لسان رجل رقيق» (٢) وإذا كان الغلو في المديح غير مقبول شرعًا وعقلاً، فالمغالاة في القدح والذم- فوق ما يلزم- غير مقبول كذلك، والعدل في القول هدي القرآن وسنة محمد ﷺ ، وليس هذا موطن بسط النصوص.

стр. 358

ح- عدم الاكتراث بموضوع الخطبة إعدادًا وموضوعًا. خ- عدم المتابعة للأحداث الجارية، وما يهم الناس ويشغل تفكيرهم. د- وإذا أصيب الخطيب بأزمة ثقة بربه أو بنفسه فكيف يوصلها للآخرين؟ وفاقد الشيء لا يعطيه.

стр. 359

حقيقة الإيمان (١) إن الحمد لله نحمده ونستعينه .... أيها المسلمون، والإيمان هو الحقيقة الكبرى في هذا الوجود، من أجلها خلق الحلق وبعث الأنبياء، وأنزلت الكتب: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٢). والإيمان هو ميدان الصراع بين الحق والباطل، أُوذِي وفُتِن من أجله المؤمنون، ولم يسلم من التهديد والمطاردة في سبيله المرسلون: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (٣) وقال تعالى ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ (٤) وقال: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ (٥). والإيمان لأهميته تواصى به الأنبياء ﵈: كما قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (٦).

стр. 360

وما زال محل تذكير الآباء للأبناء حتى حضور الموت: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (١). أيها المسلمون، والإيمان الحق هو: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر والقدر خيره وشره ... الإيمان الحق هو التصديق الجازم بعالمي الغيب والشهادة .... وإذا تساوى الناس في الإيمان بعالم الشهادة وهو ما يشاهدونه حاضرًا بأم أعينهم تفاوتوا في الإيمان بالغيب الذي غيبه الله عن أنظارهم وحواسهم في هذه الحياة، وأخبرهم عنه خبر صدق في كتبه المنزلة وبواسطة أصدق خلقه، من أخبار الأمم الماضية، وأهوال يوم القيامة، وأشراط الساعة ونحوها ... هنا يتفاوت الناس حسب إيمانهم، فمنهم من يؤمن بها كأنه يراها رأى العين، ومنهم من يجحد وينكر، وما يجحد بآيات الله إلا الظالمون، ومنهم من يبقى شاكًا مترددًا، فإن لم يرد الله به خيرًا ويهديه للإيمان عاش معذبًا في هذه الحياة، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ... نسأل الله السلامة والعصمة .. عباد الله ... والإيمان منزلة عليَّةٌ تَشْرئِبُّ لها الأعناق، والإيمان بالله ملاذٌ آمِنٌ عند الشدائد والكروب ... ولذا فليس كل من ادعى الإيمان مؤمنًا: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (٢). بل لقد ادعاه فرعون حين أحسَّ الهلاك ففضحه الله وجعله عبرة للمعتبرين: ﴿ ... حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ

стр. 361

الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ (١). وإذا كان الأمر كذلك فما هي حقيقة الإيمان، وما نوع الأعمال التي تبلغ بصاحبها إلى هذه المنزلة الرفيعة؟ يعرف علماء السنة والجماعة الإيمان بأنه: قولٌ باللسان، واعتقادًا بالقلب، وعملٌ بالجوارح، يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان. ويعنون بقول اللسان: النطق بالشهادتين والإقرار بلوازمهما. أما اعتقاد القلب فهو: النية والإخلاص والمحبة والانقياد، والإقبال على الله، والتوكل عليه ولوازم ذلك وتوابعه. أما عمل الجوارح فهو: عمل الصالحات القولية والفعلية الواجبة والمسنونة، مما يتدرج تحت شعب الإيمان التي قال النبي ﷺ بشأنها: «الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق». وبهذا المفهوم الواضح الشامل للإيمان يرد على الطوائف الضالة، التي اعتقد بعضها أن الإيمان مجرد التصديق وأنه لا يضر مع الإيمان ذنب، كالمرجئة، ومن سايرهم، ويرد كذلك على الذين يكفرون بالذنب يرتكبه المسلم كالخوارج ومن شايعهم، أو يغالون في الدين وينسبون إليه ما ليس منه كالروافض والباطنية على اختلاف نحلهم (٢). إخوة الإسلام .... الإيمان الحق اعتقاد للمبدأ الحق، وثبات عليه دون تردد أو ارتياب: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ (٣).

стр. 362

وهو جهاد بالمال والنفس وتضحية بالغالي والنفيس قي سبيل الله: ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (١). الإيمان الحق خوف من الجليل، يقود لفعل الجميل، وتوكل على العزيز الرحيم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٢). ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (٣). عن عائشة ﵂ أنها قالت: يا رسول الله الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلةٌ هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله ؟ قال: «لا يا ابنة الصديق، ولكنهم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون ويخافون ألا يتقبل منهم .... » (٤). قال سفيان بن عيينة: كان العلماء فيما مضى يكتب بعضهم إلى بعض بهؤلاء الكلمات: (من أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه) (٥). خوف المؤمنين- يا عباد الله- ليس خوفًا سلبيًا يقعد بهم عن عمل الصالحات لكنه تخوف من عدم القبول لكونهم قصروا في شروط القبول، يدفعهم إلى تحسين العمل وإتقانه، وهو خوف على أن يسلب منهم هذا الإيمان ويدفعهم إلى مزيد العناية به، واستشعار حلاوته، قال أبو الدردار ﵁: مالي لا أرى حلاوة

стр. 363

الإيمان تظهر عليكم، والذي نفسي بيده لو أن دبَّ الغابة وجد طعم الإيمان لظهر عليه حلاوته، وما خاف عبد على إيمانه إلا منحه، وما أمن عبد على إيمانه إلا سلبه (١). خوف المؤمنين صيانة للنفس عن النفاق الذي تبدو صورته الظاهرة حسنةً للعيان، والله أعلم بما تكن الصدور وتنطوي عليه القلوب من الكفر والعصيان، ولذا أخرج البخاري في صحيحه- تعليقًا- ووصله غيره عن أبي مليكة قال: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه (٢). وقال الحسن البصري ﵀: والله ما أصبح على وجه الأرض ولا أمسى على وجه الأرض مؤمن إلا وهو يخاف النفاق على نفسه، وما أمن النفاق إلا منافق (٣). أيها المسلمون، والإيمان الحق الذي نحتاجه جمعيًا هو: عدل في القول ووفاء بالعهد، ونطق بالحق، وسكوت عن الباطل: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا .... ﴾ (٤). «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت». وهو خلق رفيع وحسنُ أدبٍ مع الخالق والمخلوق: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء» (٥).

стр. 364

وهو لحسن خلقه وكرمه لا يتفطن للشر، وقد جاء في الحديث الحسن: «المؤمن غرٌّ كريم، والفاجِر خبٌّ لئيم» (١). والمعنى كما قال صاحب النهاية: إن المؤمن المحمود من طبعه الحرارة وقلة فطنته للشر، وترك البحث عنه وليس ذلك منه جهلاً ولكن كرمٌ وحسنُ خلقٍ (٢). والمؤمن الحق يتجاوز دائرة ذاته، ويهتم ويألم لأحوال إخوانه، قال ﵊: «المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، يألم المؤمن لأهل الإيمان كما يألم الجسد لما في الرأس» (٣) .. وهو بين الناس طلق المحيا، كريم الندى، لطيف المعشر، يألف ويؤلف، (ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، وخير الناس أنفعهم للناس) (٤). وهو مع ذلك كله آمر بالمعروف ناه عن المنكر، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (٥). يخالط الناس ويقدم الخير لهم ويصحبر على أذاهم (والذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير ممن لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم). وبالجملة فأهل الإيمان هم المحافظون على جلائل الأعمال القولية والفعلية من مثل قوله تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ

стр. 365

غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (١). جعلني الله وإياكم من أهل الإيمان، ونفعني وإياكم بهدي القرآن.

стр. 366

الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين أنعم على عباده المؤمنين إذ هداهم للإيمان، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، شرح صدور المسلمين للإيمان فهم على نور من ربهم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أكمل المؤمنين إيمانًا، وأحسنهم خُلُقًا ... اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. أيها المسلمون، والإيمان ضمان للثبات في مواقف الامتحان، وهو مركب للنجاة في طوفان الفتن والمحن، به يميز الله الخبيث من الطيب، والصادق من الكاذب، ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (١). يُفرِّق المؤمنون بين عذاب الله وفتنة الناس، يصبرون على البلوى ويشكرون على السراء «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن إن أصابته ضراء صبر فكان خير له» وفي حديث آخر: «المؤمن بخير على كل حال، تُنزعُ نفسه من بين جنبه وهو بحمد الله» (٢). والإيمان معلم هاد في بيداء الصحاري المهلكة إذا تاه الدليل أو خيَّمَ الظلام، أو كان حبيس الغم، أو ضاقت على المرء الضوائق، فيؤنسه الإيمان بخالقه، ويتسع له المكان مهما كان ضيقه وعزلته: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣).

стр. 367

﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقاً﴾ (١). الإيمان الحق سبب للأمان إذا انتشر الرعب، وساد القلق، وتخطف الناس، ولم يأمنوا على أنفسهم وأهليهم وأموالهم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (٢). والمؤمنون هم الذين تزيدهم الشدائد ثباتًا، ورؤيتهم لتكالب الأعداء إيمانًا وتسليمًا: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ (٣). أما غير المؤمنين فتطير قلوبهم لكل نازلة: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ (٤). المؤمنون رحماء بينهم هينون لينون، كافون عن الأذى، باذلون للمروءة والندى، وليس من الإيمان إيذاء المؤمنين قولاً وفعلاً: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ (٥). المؤمنون يتحاكمون إلى شرع الله، ويرضون بالإسلام حكمًا، ولا يجدون في أنفسهم حرجًا بل يرضون ويسلمون تسليمًا، ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٦).

стр. 368

أما غير المؤمنين فيأنفون من حكم الله ويتحاكمون إلى الطاغوت: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ (٤٨) وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١). المؤمنون حقًا يتحرون الحلال في مطعمهم ومشربهم وملبسهم، وهم حريصون على الحلال جمعًا، وإنفاقًا، لا يشربون الخمر، ولا يأكلون السحت، ولا يتعاملون بالربا أو ضروب المعاملات المحرمة الأخرى في البيع والشراء، نفقتهم عدلاً وسطًا بين التقتير والإسراف، أمرهم ربهم بالحلال فامتثلوا، ونهاهم عن الحرام فانتهوا، قال لهم في الأولى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٢)، وقال لهم في الأخرى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣)، وقال كذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَأما مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٤). أما غير المؤمنين فلا يتورعون عن الحرام، ولا يحتاطون في الحلال، أمرهم فُرطًا، وربما ملكوا القناطير المقنطرة، وقد يخيل لمن لا يعرفهم أنهم من شدة اللهاث جوعى، وربما انقلبت موازينهم فجأة، فأصبح الغني فقيرًا، والدائن مدينًا، فلا الإيمان أسعفهم بالنزاهة والشكر على المال جمعًا، وليس غير الإيمان يسليهم على فقده صبرًا ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾ (٥).

стр. 369

عباد الله هذه دعوة لنا جميعًا فلنعلم حقيقة الإيمان، ونتخلق بأخلاق الإسلام، وليست حصرًا لحقائق الإيمان، ولا إحصاءً لصفات المؤمنين، لكنها الإشارة بالبعض إلى الكل، أما النتيجة التي يجب أن نخلص إليها فهي أن الإيمان ليس بضاعة مزجاة تباع وتشترى بأبخس الأثمان، أو مجرد دعوى وألقاب تجوز على كل لسان ... وليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ... ولكن الإيمان نهج متكامل، فهو عبادة لله خاشعة، ومعاملة لخلقه كريمة، وأخلاق رفيعة، هو كسب نظيف وإنفاق مشروع. الإيمان الحق اعتقاد سليم، وعمل صحيح، جهاد وتضحية، أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، ولاء وبراء، مظهر ومخبر، بذل للندى وكف عن الأذى، وخروج عن الأنانية المقيتة، ونصرة للنفوس المسلمة المظلومة. وبهذا يتبين خطأ نظرتين للإيمان، إحداهما جافية والأخرى غالية. أما الجافية فترى أن مجرد الإيمان بالله كافٍ حتى وإن ضُيَّعت الصلاة وقُصِّر في أداء الزكاة، واختلطت المعاملات حلُّها والحرام، بل يُكثر هذا الصنف الجافي من القول لا داعي للتركيز على المظاهر فالمخابر هي الأساس، وهؤلاء يهدمون الإسلام لبنة لبنة حتى إذا لم يبق إلا شبح البناء تهاوى وبكى من على الأطلال. أما الصنف الغالي فهم يعظمون الصغير، ويكفرون على الذنب الكبير، وربما فتحوا معارك في خطأٍ علاجه بالحسنى أجدى وأولى، وربما ظنوا احتقار الناس دينًا، والتنقص من أمرهم دينًا وشرعًا، والله يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (١).

стр. 370

إد دين الله وسط بين الغالي والجافي ... والحكم عند التنازع لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ نظرة واسعة وفهم عميق. اللهم سددنا في أقوالنا وأفعالنا ... وهب لنا إيمانًا تصلح به سرائرنا وعلانيتنا ....

стр. 371

(١) نواقض الإسلام (١) الحمد لله رب العالمين، أمر عباده المؤمنين بالإيمان، وغيرهم من باب أولى، فقال جل من قائل عليمًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً﴾ (٢). وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له حذر من النكوص على الأعقاب، وأنكر نقض الإيمان لأي سبب من الأسباب، حتى ولو كان موت محمدٍ ﵊: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (٣). وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله استعاذ بالله من «الحور بعد الكور» وأرشد أمته إلى ذلك كما في دعاء السفر، (والحور بعد الكور: تغير حال الإنسان من الإيمان إلى الكفر، أو من التقوى والصلاح إلى الفجور والسوء، كما قرر العلماء) (٤). اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى سائر صحابة رسول الله أجمعين، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. فأما بعد، فأوصي نفسي وإياكم بتقوى الله، والاستمساك بالعروة الوثقى،

стр. 372

والعزة بالإسلام ظاهرًا وباطنًا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (١). أيها المسلمون، ويدرك العقلاء أن الإيمان هو رأس مال العبد ما هذه الحياة، وهو التجارة التي يفد بها على الله بعد الممات، وخسارة الإيمان لا تعدلها خسارة، ولا تقبل فيها الفدية ولو كانت ملء الأرض ذهبًا ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣). وما أتعسها من حالةٍ حين يهيم الإنسان على وجهه في هذه الحياة حيران قلقًا بعيدًا عن نور الإيمان، وتتردى حالته بعد فلا ينقضي النكد، ولا يُخفف العذاب ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ (٤). أيها المؤمنون، إذا علمتم قدر الإيمان وحقيقته، وكان الاعتقاد سليمًا والعملُ صائبًا، كما جرى بيان ذلك في الخطبة الماضية فأنتم محتاجون لتكميل ذلك إلى معرفة نواقض الإيمان، وهادمات الإسلام. ولقد اعتنى العلماء قديمًا وحديثًا بنواقض الإيمان وأوسعوها بحثًا وتفصيلاً، دعوةً للحق ونصحًا للخلْق.

стр. 373

وما أحرى المسلم أن يتنبه لهذه النواقض فيعلمها ويحذرها، ومن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها. وأحصى الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، يرحمه الله، أصولاً عشرة اعتبرها نواقض للإسلام، حذر الأمة منها ودعا إلى العلم بها فقال يرحمه الله (١): اعلم أن نواقض الإسلام عشرة نواقض: الأول: الشرك في عبادة الله، قال الله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ (٢)، ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ (٣). ومنه الذبح لغير الله، كمن ذبح للجن أو للقبر. الثاني: (من جعل بينه وبين الله وسائط، يدعوهم، ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم، كفر إجماعًا). وهذا الناقض من أكثر النواقض وقوعًا وأعظمها خطرًا، وذلك لأن كثيرًا من المنتسبين للإسلام- وهم لا يعرفونه حقيقة- جعلوا بينهم وبين الرب وسائط، يدعونهم لكشف الملمات، وإغاثة اللهفات، وتفريج الكربات، وهذا كفر، وإن زعم أصحابه أنهم لا يسألون الله مباشرة تعظيمًا منهم لله- بزعمهم - بل يحتاجون إلى وسائط، والله تعالى ينكر عليهم صنيعهم ويقول: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً﴾ (٤).

стр. 374

ويقول تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ﴾ (١). أخلص العبادة لله وحده، وادعه وحده، واعلم أن غيره، كائنًا من كان، لا يملك جلب النفع ولا دفع الضر، واستمسك موقنًا بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٢). أجل لقد قال المشركون قديمًا ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٣). وما زال المشركون حديثًا يستغيثون بالأولياء ويستصرخون الموتى، ويطوفون حول الأضرحة، ويطلبون المدد والشفاعة ممن لا يملكها، والله يقول: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٤). ٣ - الناقض الثالث: (من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر إجماعًا). إن الإله الحق واحد، لا إله إلا هو، ولا رب سواه، وإن الدين الحق واحد وهو ناسخٌ لجميع الأديان قبله ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ﴾ (٥)، ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٦).

стр. 375

فمن عبد مع الله غيره، أو ابتغى غير الإسلام دينًا، فهو كافرٌ لابد من تكفيره والبراءة منه ومعاداته، قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (١). تلك الحنيفية التي أُمِرْنا بالاقتداء بها، ومن رغب عنها فقد سفه نفسه، أما الاستمساك بالعروة الوثقى فشرطها الكفر بالطاغوت والإيمان بالله ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾ (٢). قال الإمام محمد بن عبد الوهاب، يرحمه الله، (وصفة الكفر بالطاغوت أن تعتقد بطلان عبادة غير الله، وتتركها، وتبغضها، وتُكفِّر أهلها، وتعاديهم) (٣). أيها المسلمون، وحين تغيب هذه الحقائق المهمة في المعتقد، فيضعف الإحساس بالولاء للمؤمنين والبراءة من الكافرين، وتندثر في دنيا العلاقات المحبة في الله والبغض في الله، ويغيب التميز في الثقافات، وتُنسى أصالة الفكر واختلاف المعتقدات، هنا يقع الخلل، ويرتعُ الهملُ، وتشيع بين الناس دعوات باطلةٌ، وأفكار مضللةٌ، ظاهرها التسامحُ والحرية، وباطنها الكفرُ وفرضُ التبعية، وتُقامُ المؤتمراتُ العالمية، وتكثر الملتقيات والحوارات من أجل تقرير وحدة الأديان، ومقارنة الأديان، وإزالة الخلاف العقدي، وإسقاط الفوارق الأساسية بين الأديان، والثشبثُ بأمور بسيطة يخدعون بها الدهماء من الناس، ويجعلونها أساسًا للوحدة المزعومة، وربما سمعت مصطلح «الديانة الإبراهيمية» أو «الديانة العالمية»، وإبراهيم ﵇ بريء من أي لون من ألوان

стр. 376

الشرك والوثنية، وقد برأه الله من اليهودية والنصرانية المحرفة، وألبسه لبوس الحنيفية المسلمة ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١). وجعل أولى الناس به الذين اتبعوه ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢). تلك حاسمة الخلاف ومبتغى الحق لمن رامه، وكفى بالله شهيدًا وبالقرآن حكمًا، أما المخدوعون بالسراب فربما راقت لهم فكرة «زمالة الأديان» وإمكانيةُ التّعايشِ والتعاون بين أصحاب الديانات المختلفة في سبيل محاربة الإلحاد والعلمنة، ولا يخفى على أولي الألباب أن هذه الدعوات المحمومة نشأت في أحضان التنصير والصهيونية العالمية لتحطيم الإسلام، وتذويب الشخصية المسلمة، لأنهم يرون في الإسلام وأهله أكبر قوة تهددهم. ويأتي النظام الدولي الجديد، عاملاً رئيسًا في إحياء تلك الشجرة الخبيثة، إذ تعقد الاجتماعات، ويستمر الملأ لهذا الغرض الخبيث (٣). وينبغي أن يعلم الناس أن هذه الدعوات المشبوهة ليست وليدة اليوم، بل لجلجت في غابر القرون، ودعا إليها قومٌ آخرون. وهذا شيخ الإسلام ابن تنمية، يرحمه الله، ينقل عن ملاحدة الصوفية كابن سبعين، وابن هود، والتلمساني أنهم وغيرهم كانوا يسوغون للرجل أن يتمسك باليهودية والنصرانية كما يتمسك بالإسلام ويجعلون هذه طرقًا إلى الله بمنزلة مذاهب المسلمين ...

стр. 377

بل ذكر الشيخ أن هؤلاء المُخَرِّفين يميلون إلى دين النصارى أكثر من دين المسلمين لما فيه من إباحة المحظورات (كالخمر مثلاً) ولأنهم أقرب إلى الاتحاد والحلول، بل ربما استحيا الواحد منهم أن ينتسب للإسلام بحضرة هؤلاء الكفار (١). نعوذ بالله من الخذلان والردة بعد الإسلام. كما أن التتار نادوا بمساواة الأديان، وقال الأكابر من وزرائهم: إن دين الإسلام كدين اليهود والنصارى ... وأن هذه بمنزلة المذاهب الأربعة عند المسلمين. قال ابن تيميه معلقًا: (ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين، وباتفاق جميع المسلمين أن من سوغ اتباع غير دين الإسلام، أو اتباع شريعة غير شريعة محمد ﷺ ، فهو كافر، وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً (١٥٠) أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً (٢)﴾ (٣). نفعني الله وإياكم بهدى القرآن وهدانا لاتباع شرع محمد ﵊. أقول ما تسمعون وأستغفر الله.

стр. 378

الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين أكمل الدين وأتم النعمة على المسلمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ختم الله به الأنبياء، وجعل رسالته للناس كافة، ونسخت شريعته الشرائع السماوية السابقة كلها .. اللهم صل عليه وعلى سائر الأنبياء. أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ (١). أما الناقض الرابع من نواقض الإيمان فهو: من اعتقد أن غير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسنُ من حكمه فهو كافر (٢). أيها المسلمون، لقد أجمع العلماء الذين يُعتد بإجماعهم على أن السنة هي الأصل الثاني من أصول التشريع الإسلامي، وهي كالقرآن في التحليل والتحريم (٣). وثمة دعوات مغرضةٌ للتقليل من شأن السنة النبوية، أو التشكيك في صحة ما ورد فيها، وتلك طريق لهدم أحكام الإسلام، لأن السنة مستقلةٌ بتشريع الأحكام ... وربما سمعت قولاً خبيثًا مفاده: دعونا نتحاكم إلى القرآن لأنه كلام الله، أما السنة فهي كلام محمد، ومحمد ﷺ بشر؟ ! ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً﴾ (٤)، وهل جاء محمد ﷺ بشيء من أمور الشرع

стр. 379

من تلقاء نفسه؟ والله يقول عنه: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١). ويعصمه الله من الزلل والأقاويل الباطلة ويقول: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ (٤٤) لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ (٢). ولقد أخبر النبي ﷺ عن هذا الصنف من الناس فقال فيهم: «لا أعرفن الرجل منكم يأتيه الأمر من أمري، إمَّا أمرت به أو نهيت عنه، وهو متكئئٌ على أريكته فيقول: ما ندري ما هذا؟ عندنا كتاب الله، وليس هذا فيه، وما لرسوله الله يقول ما يخالف القرآن، وبالقرآن هداه الله» (٣). بل لقد جاء الأمر بلزوم سنته صريحًا في القرآن ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (٤). فهل ينتهي المنافقون ويستيقظ الغافلون لما أراد بهم؟ . على أن رفض هدي محمد ﷺ يتخذ شكلاً آخر، يتجاوز القول إلى العمل، وذلك برفض التحاكم إلى شريعته في كل شيء، والعدول عنها إلى قوانين وضعية- سمّاها الشيخ «حكم الطاغوت» - زعموا أنها أصلح للحياة المعاصرة، وتلك وربي ردةٌ جديدة بُليَ بها شعوب العالم الإسلامي في القرون الأخيرة، ولقد عاش المجتمع الإسلامي قرونًا طوالاً يستظلُّ بشرع الله، وتهيمن الشريعة على حياة أفراده حُكامًا ومحكومين، مع وجود بعض المعاصي سواء كانت كبائر أم صغائر، ولكن النظام السائد هو شرع الله وحكمه، كما كان جهادُ الكُفَّار مُستمرًا، ونشر الإسلام متواصلاً.

стр. 380

أما أن تُرمى الشريعة المطهرةُ بالقصور، أو يُتهمَ المطالبون بتحكيمها بالرجعية فذلك لم يحدث إلا حين أنهيت الخلافةُ الإسلاميةُ، وتغربَ بعضُ أبناء المسلمين، ومُكنَ لهم في القيادة، وكانوا أداةً طيعةً في أيدي المستعمرين، وكانوا أبعدَ الناس عن نصوص الكتاب المحكم والسنة المطهرة، وإلا ففي القرآن زواجر رادعةٌ، وفي السنة أحكامٌ وتنظيمات شاملةٌ، أينَ هؤلاء من مثل قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (١). وأين هم من قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) .. ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٣) ... ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٤) ... وأما من يدعون الإسلام وهم يحاصرون شريعة الإسلام في أمور خاصة لا تتجاوز الأحوال الشخصية، أما السياسات العامة والقضايا الكبرى المهمة فتلك يُحَكمون فيها أهواءهم، ويقلدون بها غيرهم، والله تعالى يقول: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (٥). ولقد أحسن أحد العلماء في وصف من طُمِسَتْ بَصيرته فاستبدل بالشريعة القانون حيث قال: (إن مثل هذا مثل الجعل يتأذى من رائحة المسك والورد الفوّاح، ويحيا بالعذرة والغائط في المستراح) (٦).

стр. 381

لقد اعتبر العلماء قديمًا وحديثًا الحكمَ بغير ما أنزل الله كُفرًا مُخرجًا عن الملة، نقل الإجماع على ذلك ابن كثير (١). وألف مفتي الديار السعودية فضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم، يرحمه الله، رسالة في «تحكيم القوانين» وضح فيها الحالات التي إن فعلها الحاكم دخلت في الكفر المخرج من الملة، ولولا خشية الإطالة، لنقلتها لكم فليراجعها من يشاء. أيها المسلمون، هذا حديث عن بعض نواقض الإيمان، وسأستكملُ الحديث عن بقيتها في خطبة لاحقة بإذن الله ... ولكنني قبل ذلك أسارع القول مُحذرًا من مسلكٍ خطير واستعمالٍ محذور، ألا وهو محاولة تطبيق الأحكام الشرعية النظرية على الواقع من قبل أُناسٍ لا يملكون أدوات التطبيق، وليس لهم من فهمِ قواعد الشريعة وكُلياتها ما يستطيعون به تنزيل النصوص منازلها الحقة، فلا ينبغي أن تدرج قضية التكفير على كل لسان، ومصيبةٌ أن يتجرأ فيها سفهاء الأحلام بغير علم ولا برهان، وأهل السنة- قديمًا وحديثًا- يحتاطون لذلك كثيرًا، ولذا فرقوا بين تكفير المطلق وتكفير المعين، ووضعوا شروطًا للتكفير وموانعَ يعذرُ بها الجاهل والمتأول .. إلى غير ذلك من ضوابط يعيها الراسخون في العلم، وإليكم شيئًا من احتياطهم وحذرهم من تكفير المعين. يقول ابن تنمية، يرحمه الله، : (وليس لأحدٍ أن يكفر أحدًا من المسلمين وإن أخطا وغلط حتى تُقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يُزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة) (٢). ويسوق ابن تيمية في موضع آخر- من الفتاوى- بعضًا من الأعذار الواردة على تكفير المعين فيقول- وما أجمل ما قال- (الأقوال التي يكفر قائلها، قد

стр. 382

يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون قد عرضت له شبهات يعذره الله بها، فمن كان من المؤمنين مجتهدًا في طلب الحق وأخطأ فإن الله يغفر له خطاياه كائنًا ما كان، سواء في المسائل النظرية أو العملية، هذا الذي عليه أصحاب النبي ﷺ وجماهير أئمة الإسلام) (١). ولقد كان الإمام أحمد- كما نقل الشيخ- يكفر الجهمية المنكرين لأسماء الله وصفاته، ولكن ما كان يكفر أعيانهم ... وكذلك نقل ابن تيمية عن الإمام الشافعي، ﵀ (٢). ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب (ومسالة تكفير العين مسالة معروفة، إذا قال قولاً يكون القول به كفرًا، فيقال: من قال بهذا القول فهو كافر، ولكن الشخص المعين إذا قال ذلك لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها) (٣). إخوة الإيمان، وحين أحذر من هذا المسلك الخطر فإنني أفكر بل أخوف بالقرآن، وبحديث المصطفى ﵊، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٤). ويقول المصطفى ﵊: «لا يرمي رجلٌ رجلاً بالفسوق، ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك» (٥).

стр. 383

وعن عبد الله ابن عمر، ﵄، أن رسول الله صلى الله وسلم قال: «أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما» (١). اللهم اعصمنا من الزلل، ووفقنا لسلوك الطريق الأقوم، وأصلح سرائرنا وعلانيتنا.

стр. 384

(٢) نواقض الإسلام (١) إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى آل بيته المؤمنين الطاهرين، وارض اللهم عن صحابته السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان .... والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المعاد. فأما بعد فأوصي نفسي وإياكم بتقوى الله والاستمساك بشرعه، ولزوم سنة نبيه ﷺ ، ففي ذلك تحقيق السعادة في الدنيا والآخرة. أيها المسلمون، وحيث سبق الحديث عن أربعة من نواقض الإسلام هي: أولاً: الشرك في عبادة الله وحده لا شريك له. ثانيًا: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة. ئالثأ: من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم. رابعًا: من اعتقد أن غير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذين يفضلون حكم الطاغوت على حكمه، فهو كافر. أما الناقض الخامس فهو: من أبغض شيئًا مما جاء به الرسول ﷺ ، ولو عمل به كفر إجماعًا، والدليل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (٢).

стр. 385

إن مفهوم الشهادتين تستلزمان المحبة والاستسلام، والطاعة والانقياد، وانشراح الصدر، وسرور القلب بأحكام الإسلام، أما الذين تضيق صدورهم بشيء من تكاليف الإسلام، أو يجدون كرهًا لبعض ما جاء به الرسول ﵊، فما أولئك بمؤمنين، إنها أنفسن شريرة، وقلوبٌ مريضةٌ، وأمزجةٌ فاسدة، تلك التي ترغب عن الهدى، وتقع في شرك الردى .. تكره هدى الله، وإن لم تعلنه صراحةً، وتبغض أو تستثقل هدي النبي ﷺ ، وإن لم تجزؤ على التصريح به .. إنها نماذج تتكرر في كل زمان ومكان، تحس منها بالنفرة والكراهية لهذا الدين، وما يتصل به، حتى إنها لتفزع من مجرد ذكره .. بل وتتجنب أن يجيء ذكره أو الإشارة إليه فيما تسمع حولها من حديث (١). وصدق الله ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (٢). أما من فتح الله بصائرهم للهدى فيدركون أن هدى الله هو الهدى، كما يدرك الذين استقامت فطرهم أن في تشريعات الإسلام كلها تحقيق الخير للفرد والمجتمع. وإذا أثار الموتورون غبارًا مشينًا عن قسوة بعض أحكام الإسلام في العقوبات والقصاص بزعمهم- كقتل القاتل، ورجم الزاني المحصن، وقطع يد السارق، وجَلد الشارب .. أو نحوها- جاء رد القرآن جاء مختصرًا شافيًا ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٣). وأكد الواقع الذي تنفذ فيه حدود الله نموذج الأمن والاستقرار.

стр. 386

أما الذين تلوك ألسنتهم الكذب، ويزعمون أن الإسلام ظلم المرأة ويكرهون أن تكون دية المرأة نصف دية الرجل، وشهادة المرأتين بشهادة رجلٍ واحد، أو يحاربون تعدد الزوجات بشتى الوسائل أو يعتبرون تشريعات الإسلام، تلك أو مثيلاتها تقاليد عفا عليها الزمن، ولا تناسب المدنية المعاصرة فأولئك يكفرون بما أنزل على محمد ﷺ ، وإن عملوا به، وهم في عداد المنافقين، وإن صلوا وصاموا مع المسلمين ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (١). إنه مسلك خفي خطير، لابد أن يعالج المرء نفسه عن الوقوع في شراكه، فلا يكفي أن يعمل المسلم بشرائع الإسلام وهو يجد من نفسه كرهًا لشيءٍ فيها ... بل لابد من الرضا والتسليم، وانتفاء الحرج ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (٢). أيها المسلمون، وثمة استدراكٌ لطيف في عدم الاستعجال بالحكم على الناس ببغض ما جاء به الرسول ﷺ نتيجة خطأٍ واقع يجليه أحد العلماء العارفين ويقول: ومما ينبغي التنبيه عليه أن كثيرًا من الناس قد تبين له منكرًا ما، فيرفض القبول، ولا يقبل ما تقول، خصوصًا عند ارتكابه، فهذا لا يطلق عليه أنه مبغض لما جاء به الرسول دون تفصيل، لأنه قد لا يقبل الحق الذي جئته به، لا لأنه حق، ولكن لسوء تصرُّفك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلو جاءه غيرك وبين له نفس المنكر لقبل وانقاد، أو أنه لا يقبل منك لما بينك وبينه من شيءٍ ما، فهذا لا يسمى مبغضًا لما جاء به الرسول ﷺ ... إلى أن يقول: وهناك من

стр. 387

يلزم صاحبه المعصية بما لا يلزم، فيلزم حالق اللحية، ومسبل الإزار، وشارب الخمر مثلاً، وغيرهم ببغض ما جاء به الرسول ﷺ من الأمر بإعفاء اللحية، وعدم الإسبال، والنهي عن شرب الخمر، فيقول لهم: لولا أنكم تبغضون ما جاء به محمد ﷺ لما فعلتم هذه المنكرات. وهذا إلزامٌ باطل، فهناك من الصحابة من حصلت منه بعض المخالفات كشرب الخمر مثلاً، ولم يلزمه أحد من الصحابة بذلك الإلزام، بل كما أُتي بشارب الخمر إلى النبي ﷺ ، ولعنه بعض الصحابة، وقال: ما أكثر ما يؤتى به! نهاه النبي ﷺ عن لعنه وقال: «إنه يحب الله ورسوله» (١). إنه العدل في القول، والرفق في النصح، وعدم الاستعجال في إصدار الأحكام على الآخرين، دون تذويب لشرائع الإسلام، أو مداهنة في النصح تتكاثر بسببها الفواحش والآثام. ألا وإن في دائرة الإسلام متسعًا لمن زلت بهم القدم، أو غلبت عليهم الشهوة، أو استحوذ عليهم الشيطان فترة ثم تابوا وأنابوا إلى ربهم شريطة أن يبقوا محبين لله ورسوله، غير مبغضين لشيءٍ من شريعة الله، وكيف نؤسس من لم يقنطه الله من رحمته. ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ﴾ (٢) ... ولكن يقال لكل من خالف أمر الله:

стр. 388

احذر سوء العاقبة الواردة في قوله تعالى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١). الناقض السادس: من نواقض الإسلام: من استهزأ بشيء من دين الرسول ﷺ ، أو ثوابه، أو عقابه، كفر والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ (٦٥) لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٢). ويوضح معنى الآية سبب نزولها، فقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهم عن عبد الله بن عمر، ﵄، قال: (قال رجل في غزوة تبوك في مجلس يومًا: ما رأينا مثل فرائنا هؤلاء، أرغبُ بطونًا، ولا أكذبُ ألسُنًا، ولا أجبنُ عند اللقاء، فقال رجلٌ في المجلس: كذبت، ولكنك منافقٌ لأخبرن رسول الله ﷺ ، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، ونزل القرآن، قال عبد الله: فأنا رأيته متعلقًا بحقب ناقة رسول الله ﷺ ، والحجارة تنكبه وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، والنبي ﷺ يقول: أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟ ) (٣). والاستهزاء سخريةٌ واستخفاف، وإنما كان الاستهزاء بالدين كفرًا لأنه يدلُ على الاستخفاف، والعمدة الكبرى في الإيمان تعظيم الله بأقصى الإمكان، والجمع بين الأمرين محال (٤). يقول ابن قدامة، يرحمه الله: ومن استهزأ بالله تعالى أو بآياته أو برسله أو كتبه كفر .. ثم أورد الآية، ثم قال: وينبغي أن لا يُكتفى من الهازئ بذلك بمجرد الإسلام حتى يؤذن أدبًا يزجره عن ذلك (٥).

стр. 389

أيها المسلمون، والاستهزاء مؤشر لعدم تصديق القلب، ولذا قال ابن تيمية- ﵀: (إن التصديق بالقلب يمنع إرادة التكلم، وإرادة فعلٍ فيه استهانة واستخفاف، كما أنه يوجب المحبة والتعظيم) (١). والاستهزاء خصلةٌ من خصال المنافقين الذين تضيق صدورهم بهذا الدين وأهله، ولا يجرؤون على التصريح فيعمدون إلى التلميح، وربما ضعفوا عن إعلان ذلك في مجتمع الخيِّرين، فتداولوا ذلك في مجتمعات البطالين. والاستهزاء كفرٌ، وإن اعتذر أصحابه، أو ظنوا بأنفسهم أنهم لم يأتوا كفرًا، كما تفيد الآية وكما قرر أهل العلم (٢). ألا ما أعظم الاستهزاء سواء كان تصريحًا أو تلميحًا، ويتعاظم خطره في زمن باتت الكلمة فيه تسري بالآفاق، وتتناقلها وسائل الإعلام المختلفة في المشارق والمغارب. ألا وإن واجب المسلم أن ينتصر لدين الله حين ينال بشيء من الاستهزاء، وأن يعتزل مجالس المستهزئين حتى يخوضوا في حديث غيره، وكذلك أمرنا خالفنا، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾ (٣).

стр. 390

الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، يقصُّ الحقَّ وهو خير الفاصلين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، فصلوات ربي وسلامه عليه، وعلى سائر إخوانه من الأنبياء .. إخوة الإسلام، أما الناقض السابع من نواقض الإسلام فهو السحر- ومنه الصرف والعطف- وسأرجى الحديث عنه لأخصه بخطبة منفردة. الناقض الثامن: مظاهرة المشركين، ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (١) والمظاهرة هي المناصرة، والأصل أن تكون للمسلمين «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا ... » الحديث .. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ (٢). وإنما تكون المناصرة للمشركين ومعاونتهم على المسلمين في فترات ضعف الإيمان من جانب، وضعف السلطان من جانب آخر. ولا شك أن مظاهرة المشركين تمكينٌ لهم، وفي التمكين لهم غلبة لدينهم، ولا يخفى على عاقل فضلاً عن مسلم ما في ذلك من ضير على الإسلام وأهله، وما ينجم عنه من فتن ورزايا يراها الناس رأي العين، تراق لها الدماء، وتستباح الحمى، وتغتصب النساء، وتهدم العوامرُ من بيوت الله ... فضلاً عن المنشآت
следующие страницы →