بعضهم تألم مرة منه وكذلك فليكن الملك، وإن كان غيره من الصحابة خيرًا منه وأفضل وأصلح، فهذا الرجل ساد، وساس العالم بكمال عقله، وفرط حلمه وسعة نفسه وقوة دهائه ورأيه، وله هنات وأمور، والله الموعد (١).
بل قرر شيخ الإسلام ابن تيمية: أنه أفضل ملوك هذه الأمة وقال: اتفق العلماء على أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة، فإن الأربعة قبله كانوا خلفاء نبوة، وهو أول الملوك، كان ملكه ملكًا ورحمة- كما جاء الحديث: «يكون الملك نبوة ورحمة، ثم تكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملك ورحمة .. » وكان في ملكه من الرحمة والحلم ونفع المسلمين ما يعلم أنه كان خيرًا من ملك غيره (٢).
وأثنى الحافظ بن كثير على معاوية بقوله: انعقدت الكلمة على معاوية، وأجمعت الرعايا على بيعته في سنة إحدى وأربعين، فلم يزل بالأمر مستقلًا إلى سنة وفاته، والجهاد في بلاد العدو قائم، وكلمة الله عالية، والغنائم ترد إليه من أطراف الأرض، والمسلمون معه في راحة وعدل وصفح وعفو (٣).
على أن معاوية ﵁ كان محل ثناء ورضى عند جمهور الصحابة:
أ- فابن عباس ﵄ كما في صحيح البخاري- يشهد له بفضل الصحبة ويقول لمولاه «دعه فإنه صحب رسول الله ﷺ » (ح ٣٧٦٤) ثم يشهد له بالفقه في الدين فقد قيل لابن عباس: هل لك في أمير المؤمنين معاوية فإنه ما أوتر إلا بواحدة قال: إنه فقيه (٤).
стр. 3257
ب- وأبو الدرداء ﵁ يقول: ما رأيت أشبه صلاة برسول الله ﷺ من أميركم هذا يعني معاوية (١) (رجاله ثقات: السير ٣/ ١٣٥).
جـ- وشهادات أخرى من جماعة من التابعين فقد سئل المعافي بن عمران: أين عمر بن عبد العزيز من معاوية؟ فغضب من ذلك غضبًا شديدًا وقال: لا يقاس بأصحاب رسول الله ﷺ أحدًا، أما معاوية صاحبه وصهره وكاتبه وأمينه على وحي الله (٢).
د- وعن جبير بن نفير: إن رسول الله ﷺ كان يسير ومعه جماعة، فذكروا الشام، فقال رجل: كيف نستطيع الشام وفيه الروم؟ قال: ومعاوية في القوم وبيده عصا، فضرب بها كتف معاوية، وقال: يكفيكم الله بهذا (٣).
وإذا كان قيل هذا الأثر مؤشرًا إلى ولاية أو خلافة معاوية .. فثمة ما هو أصرح من ذلك، فقد روى أحمد في المسند بسنده أن معاوية أخذ الإداوة وتبع بها رسول الله ﷺ فرفع رأسه إليه وقال: يا معاوية: إن وليت أمرًا فاتق الله وأعدل، فما زلت أظن أني مبتلى بعمل لقول ﵁ ﷺ حتى ابتليت) (٤).
قال الذهبي: ولهذا طرق مقاربة ثم ساق حديثًا آخر عن معاوية أنه قال: والله ما حملني على الخلافة إلا قول النبي ﷺ يا معاوية: إن ملكت فأحسن (قال الذهبي: ابن مهاجر ضعيف، والخبر مرسل (٥).
стр. 3258
وقد حسن الترمذي حديثًا قال فيه النبي ﷺ عن معاوية: «اللهم اجعله هاديًا مهديًا، واهد به» (١).
وبالجملة فقد أدركت خلافة معاوية جمعًا من صحابة رسول الله فأثنوا وما اعترضوا، حتى قال الأوزاعي ﵀: أدركت خلافة معاوية عدة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم: سعد بن أبي وقاص، وأسامة بن زيد، وجابر بن عبد الله وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وسلمة بن خالد، وأبو سعيد الخدري، ورافع بن جدع، وأبو أمامة، وأنس بن مالك، ورجال أكثر مما سميت بأضعاف مضاعفة .. كانوا مصابيح الهدى، وأوعية العلم .. ومن التابعين كالمسور (١)، وعروة .. لم ينزعوا يده عن مجامعة في أمة محمد ﷺ (٣).
أحاديث في ذم معاوية باطلة:
أما ما جاء من أخبار في ذم معاوية والتنقص منه: كحديث: «إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاقتلوه» وحديث: «معاوية في تابوت من نار في أسفل درك منها» وحديث: «كيف بك يا معاوية إذا وليت حقبًا تتخذ السيئة حسنة والقبيح حسنًا يربوا فيها الصغير ويهرم فيها الكبير، أجلك يسير، وظلمك عظيم ونحوها .. فهي أخبار مكذوبة، وقرر العلماء عنها أمثال ابن تيمية، والخلال إلى كذبها واعتبروها من وضع الروافض وأهل الريب كما أشار إلى أنها موضوعة (٤).
الخطبة الثانية
الحمد لله يستحق الحمد والثناء والصلاة والسلام على النبي المجتبى ورضي الله عن صحابته النجباء. . .
سؤال مهم ووقفة متأنية
لماذا الطعن بمعاوية أكثر من غيره؟ لأن ذلك مدخل إلى غيره من الصحابة
قال الربيع بن نافع: معاوية بن أبي سفيان ستر أصحاب النبي ﷺ فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه (١).
يعني: من المهاجرين والأنصار، وساقه ذلك إلى جحد الكتاب وتكذيب السنة والطعن في رسول الله ﷺ (٢).
وقد كان أئمة السلف ﵏ يقولون: معاوية (من فقه السلف) ﵁ بمنزلة حلقة الباب، من حركه اتهمناه على من فوقه (٣).
ومما يشهد لذلك ويؤكده: ما نقله الخطيب البغدادي (٤) من طريق الزبير بن أبي بكر، حدثني عمي مصعب بن عبد الله قال: حدثني أبي عبد الله بن مصعب قال: قال لي أمير المؤمنين (المهدي) يا أبا بكر: ما نقول فيمن ينتقص أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قال: قلت زنادقة، قال: ما سمعت أحدًا قال هذا قبلك، قال قلت: هم أرادوا رسول الله ﷺ . بنقص، فلم يجدوا أحدًا من الأئمة يتابعهم على ذلك فتنقصوا هؤلاء عند أبناء هؤلاء، وهؤلاء عند أبناء هؤلاء، فكأنهم
стр. 3261
قالوا: رسول الله ﷺ يصحبه صحابة السوء، وما أقبح بالرجل أن يصحبه صحابة السوء، فقال: ما أراه إلا كما قلت.
بشرية معاوية وإنصافه
ومع ذلك يبقى معاوية ﵁ كغيره من الصحابة وإن اختلفت مراتبهم وتفاوت فضلهم بشرًا، يصيب ويخطئ، وما أجمل ما قاله شيخ الإسلام وهو يدفع عن معاوية التهم الباطلة ويقول: «نحن لا ننزه معاوية ولا من هو أفضل منه عن الذنوب، فضلًا عن تنزيهه عن الخطأ في الاجتهاد (١).
(حوار المسور مع معاوية وانتصار معاوية)
بل وأجمل من ذلك اعتراف معاوية بذنوبه، وسؤاله ربه المغفرة، وعمله من الحسنات ما يكفر بها السيئات حتى خصم المسور بن مخرمة ﵁ وهو من خيار صغار الصحابة (ذكره ابن حجر والذهبي ولادته بعد الهجرة بسنتين، توفي سنة ٦٤ هـ (٢) كما قال ابن تيمية (٣).
وقد نقل ابن تيمية، والذهبي وقبلهم ابن عساكر هذا الحوار العقول ومما جاء فيه: عن عروة أن المسور أخبره أنه قدم على معاوية فقال: (معاوية) يا مسور: ما فعل طعنك على الأئمة؟ قال: دعنا من هذا وأحسن فيما جئنا له، قال: لتكلمني بذات نفسك بما تعيب علي؟ قال (المسور) فلم أترك شيئًا إلا بينته، فقال (معاوية) لا أبرأ من الذنب، فهل تعد لنا مما نلي من الإصلاح في أمر العامة، أم تعد الذنوب وتترك الحسنات؟ قلت: نعم، قال (معاوية) فإنا نعترف لله بكل ذنب، فهل لك ذنوب في خاصتك تخشاها؟ قال: نعم، قال: فما يجعلك الله برجاء المغفرة أحق مني، فوالله ما ألي من الإصلاح والجهاد، وإقامة الحدود أكثر مما يلي، ولا أخير بين الله وبين غيره إلا اخترت الله على
стр. 3262
سواه، وإني لعلى دين يقبل فيه العمل ويجزى فيه بالحسنات ويتجاوز عن السيئات .. قال المسور: فعرفت أنه قد خصمني، قال عروة: فلم أسمع المسور ذكر معاوية إلا صلى عليه (دعا) (١).
أجل إن الطعن في الصحابة قديم منذ نشأت الفرق الباطلة، والنحل المنحرفة وطالما سودت الكتب بسبهم بل وبلعنهم- وهم أهل السابقة والفضل- واليوم يتكالب الموتورون وأهل الانحراف على إعادة الطعن والسب يختلف الطاعنون في انتمائهم الطائفي والمذهبي ونور جهاتهم الفكرية ولكنهم يلتقون عند هدف السب والطعن والإثارة، والإساءة لخير القرون .. لماذا يكون ذلك وما هدف الطاعنين؟ وإلى أي حد ينتهون؟
إنه تطاول على الشرع المنزل وإن ظهر بشكل التطاول على الأشخاص، إذ أن هؤلاء المطعون فيهم- بغير حق- هم حملة الدين والمبلغون عن الرسول، وهم خيار الأمة .. وإذا انتقص الناقل كان ذلك سلمًا للطعن في المنقول ويأبى الله ذلك والمؤمنون وهو تطاول على مقام النبوة وشخصية الرسول لكن من وراء وراء .. فإذا كان مثيرًا لسواد الناس التطاول على مقام الرسول- من قبل المنتسبين للإسلام- فليكن الخدش في أصحابه والتقليل من شأن رجاله .. سلمًا للطعن والخدش فيمن فوقهم.
وثمة هدف من وراء هؤلاء الطعون ألا وهو كسر الحواجز عن سياج الفضيلة وحراسها فإذا اعتدى على الكبار من زبان السفينة وحراس الفضيلة كان الطعن فيمن دونهم من باب أولى.
والقوم المغروضون الطاعنون يستهدفون تذويب إسقاط القدوات التي تحتل
стр. 3263
مكانًا عظيمًا في نفوس المؤمنين .. فإذا أزيحت هذه القدوات أو شكك في مصداقيتها .. كانت الفرصة مهيأة أمام هؤلاء المنحرفين لوضع قدوات من مشاربهم - وتعظيم رجال أو نساء لا يرجون لله وقارًا ولا يملكون مقومات العظمة .. لكنه الظلال والانحراف وتزين سوء الأعمال ومن يضلل الله فما له من هاد.
وبعد فسيظل الصحابة الأخيار جبالًا شاهقة تنكسر النصال على النصال دون أن تحط من قدرهم وستظل أعمالهم وإنجازاتهم شموعًا مضيئة تكشف عن صدقهم، وتحرق أنوارها من أرادهم بسوء أو تطاول عليهم بغير حق، وحين نتقرب إلى الله بالدفاع عن أعراضهم، فإننا نشهد الله على محبتهم، ونسأل الله أن يحشرنا معهم (والرجل مع من أحب) فليكن حب الصحابة عقيدة نحيا ونموت عليها، ولنغرسها في قلوب أبنائنا وبناتنا، ولتزين بها مناهجنا، وليفخر بذكر مفاخرهم أعلامنا ..
أقل واجبات هذا الجيل الفريد علينا .. وذلك مقتضى الأمانة وتحقيق مناط الرسالة، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
стр. 3264
من هدي المرسلين (١)
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين خلق فسوى وقدر فهدى، وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا .. وهو وحده الذي يخرج المرعى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده .. كما يحيي الأرض بوابل السماء يحيي قلوب العباد يهدي المرسلين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أنار الله به- وبإخوانه المرسلين- قلوبًا عميًا، وفتح به آذانًا صمًا .. اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين .. ورضي الله عن الصحابة أجمعين ..
أيها الإخوة المؤمنين من أصول الإيمان التصديق الجازم بالرسل والرسالات التي أنزلها الله، ومن معتقد أهل السنة والجماعة الإيمان بالأنبياء والمرسلين الذين بعثهم الله يعلمون الناس الخير ويدعونهم للتوحيد ويحذرونهم من الشرك والفساد ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ .. ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
فضل الله الرسل بعضهم على بعض، وأثنى عليهم جميعًا حيث بلغوا الرسالة وخافوا الله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩].
واختارهم الله للنبوة والرسالة ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ وهو أعلم حيث يجعل رسالته .. فإن هلاك الأمم بسبب تكذيب هؤلاء المرسلين فهذا صالح- ﵇ يقول الله عنه ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ
стр. 3265
لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٧٩].
وعن شعيب ﵇ يقول الله: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٩٣].
ومن أنكر شيئًا مما أنزل الله على رسله فهو كافر: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦].
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠].
إخوة الإسلام- إذا كان هذا معتقد أهل السنة والجماعة- في الأنبياء والمرسلين، فثمة اعتقاد منحرف حين قرر غلاة الروافض تفضيل أئمتهم على الأنبياء، وقد غدا هذا المذهب أصلًا من أصول (الاثنى عشرية) قرروه في كتبه وتناقلته أئمتهم- جيلًا بعد جيل- فقد عقد المجلس (في بحار الأنوار) بابًا بعنوان: باب تفضيل الأئمة- ﵈ على الأنبياء وعلى جميع الخلق، وأخذ ميثاقهم عنهم وعن الملائكة وعن سائر الخلق .. ) (١).
ويقرر شيخ الرافضة ابن بابويه في اعتقاداته التي تسمى (دين الشيعة الإمامية) هذا المبدأ عندهم حيث يقول: يجب أن يعتقد أن الله لم يخلق خلقًا أفضل من محمد ﷺ والأئمة- وأنهم أحب الخلق إلى الله وأكرمهم وأولهم إقرارًا به لما أخذ الله ميثاق النبيين في الذر .. ) ثم عقب المجلس على هذا النص بقوله: واعلم أن ما ذكره ابن بابويه ﵀ من فضل نبينا وأئمتنا على جميع المخلوقات، وكون أئمتنا أفضل من سائر الأنبياء هو الذي لا يرتاب فيه من تتبع أخبارهم على وجه الإذعان واليقين .. والأخبار في ذلك أكثر من أن
стр. 3266
تحصى، وعليه عمدة الإمامية ولا يأبى ذلك إلا جاهل بالأخبار (١).
ومن هؤلاء المتقدمين إلى بعض متأخري الرافضة حيث يتكرر الإيمان بعقيدة تفضيل أئمتهم على الأنبياء حيث يقول الخميني في كتابه (الحكومة الإسلامية/ ٥٢): «إن من ضرورات مذهبنا أن لأئمتنا مقامًا لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل إلى قوله: وقد ورد عنهم (يعني أئمتهم) أن لنا مع الله حالات لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل».
ويغالي الرافضة في هذا المعتقد المنحرف حيث يقول أئمتهم (ما استوجب آدم أن يخلقه الله بيده وينفخ فيه من روحه إلا بولاية علي ﵇، وما كلم الله موسى تكليمًا إلا بولاية علي ﵇، ولا أقام الله عيسى بن مريم آية للعالمين إلا بالخضوع لعلي ﵇، ثم قال: أجمل الأمر ما استأهل خلق من الله النظر إليه إلا بالعبودية لنا» (٢).
أيها المسلمون -وليس المقصود تتبع عقائد الرافضية- ولكن هذا بيان لمعتقدهم في الأنبياء والأولياء .. وهي من الأصول والقضايا الكبرى التي يختلف معهم فيها أهل السنة والجماعة. كما يختلفون معهم في عدد من القضايا والمتطلبات في الأصول الكبرى وليست في فروع الدين ومسائل الخلاف فحسب وليس هذا موطنها وحيثما زعم أحد من الشيعة المعاصرين اليوم إنكاره لمثل هذه المعتقدات الباطلة المنحرفة فليعلن ذلك على الملأ، وليتبرأ مما في كتب أسلافهم واللاحقين من هذه الطامات الكبرى ..
стр. 3267
على أن الحديث عن الأنبياء والمرسلين يستلزم الحديث عن هداهم وطرائق دعوتهم فبهداهم يقتدي، وببصرة دعوتهم يستبين ويتبع إلا وأن من أعظم هديهم وأصول دعوتهم تحقيق التوحيد والدعوة إليه ونبذ الشرك وصرف الناس عنه.
بل إن لب دعوات الرسل عليهم الصلاة والسلام- وجوهر رسالات السماء هو الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وقد عرض القرآن الكريم لدعوات الرسل مبرزًا هذه القضية العقدية بوضوح، فنوح يقول لقومه: ﴿يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ [الأعراف: ٥٩].
وإبراهيم قال لقومه: ﴿اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ [العنكبوت: ١٦].
وهود وصالح قالا لقومهما: ﴿اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ [الأعراف: ٦٥، ٧٣].
والرسل جميعًا أرسلوا لهذه المهمة بنص القرآن: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].
وهذه الغاية في العبودية والوحدانية لله هي وصية الرسل والأنبياء لمن بعدهم: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [البقرة: ١٣٣].
إن توحيد الربوبية والاعتراف بأن الله هو الخالق هو فطرة الكائنات من بني الإنسان والحيوان والجمادات، ولا مجال لإنكار هذه القدرة الربانية فهي كفلق الصبح، وكل ما في الكون من مواد وعناصر يشهد بأن له خالقًا ومدبرًا ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾.
ومؤرخوا الأديان مجمعون على أنه لم تكن هناك أمة أو جماعة إنسانية ظهرت وعاشت ثم بادت دون أن تفكر في مبدأ الإنسان ومصيره، وتفكر في
стр. 3268
تعليل ظواهر الكون وأحداثه .. ودون أن تأخذ لنفسها رأيًا في ذلك لتفهم به القوة التي يخضع لها الكون ويعود إليها كل شيء (١).
أيها المؤمنون وفي سبيل تقرير التوحيد وتأكيد الربوبية لله رب العالمين أفصح الأنبياء والمرسلون عن بشريتهم ومحدودية علمهم - فيما لا يعلمه ولا يقدر عليه إلا الله فأولهم (نوح) يقول لقومه: ﴿وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ٣١].
وخاتمهم (محمد) يقول لقومه: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٠].
ومن ادعى في الأنبياء أو الأولياء أو الأئمة أنهم يعلمون الغيب، أو يكشفون الغم، أو يفرجون الكربات أو يغيثون المضطر .. فقد أشرك مع الله غيرهم ونسب للخلق ما يتبرأ منه الأنبياء، وغيرهم من باب أولى .. صفاء المعتقد، وتوحيد الخالق، وبشرية المخلوقين حتى وإن كانوا أئمة مرسلين هو وحي القرآن، ومنهج المرسلين، ومن ابتغى الهدى من غيرهما أضله الله ..
﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠) وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠، ٩١].
اللهم انفعنا بهدي القرآن ووفقنا لاقتفاء هدي المرسلين ..
стр. 3269
الخطبة الثانية
الحمد لله له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وإلهيته وأسمائه وصفاته، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين.
إخوة الإسلام في دعوة المرسلين ملامح أخرى - غير التوحيد- فدعوتهم على هدى وبصيرة ويقين وبرهان- وليست تخبطًا أو جهلًا أو هوى أو تشكيكًا وكذلك ينبغي أن يدعو أتباعهم ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨].
وهي دعوة وتحمل في كل الأحوال والظروف، قام بها المرسلون في أحوال الضراء كما قاموا بها في حال السراء، وأدوها وهم مستضعفون يطاردون، كما التزموا بها وهم أقوياء آمنون لم تمنعهم غياهب السجون من الدعوة إلى ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩].
ولم يفت في عقيدتهم أن يدعو إلى الله وهم يحاصرون في الشعاب والأودية، ويمنعون أو تشوه دعوتهم لدى الوفود القادمة إلى مكة.
لم تسلم دعوتهم من الأذى والتكذيب، لكنهم عالجوا ذلك بالصبر واليقين ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤].
وسخر بهم وبدعوتهم ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود: ٣٨]. وكما سخروا بمن سخر بهم، فقد سخر الله بمن لمزهم ولهم عذاب أليم.
ولم يكن اليأس سبيل إلى قلوبهم - وإن قل العدد أو عدم النصير ﴿وَأُوحِيَ إِلَى
стр. 3270
نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [هود: ٣٦].
وجاء النصر بعد الصبر والثبات والتمحيص ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف: ١١٠].
ورغم العناد والاستكبار والسخرية والأذى فقد كان الرفق في الدعوة والحرص على هداية المدعوين معلمًا بارزًا في هدي المرسلين ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٣، ٤٤] ومع الرفق واللين قوة في الحق ورد على المبطلين ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢].
إخوة الإسلام ولقد كان من مهام المرسلين ومن أساليب دعوتهم معالجة التبعية البلهاء، ومقاومة الاتباع للآباء والأجداد الضالين، وتجاوز الأعراف والتقاليد الجاهلية التي لم ينزل الله بها من سلطان ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ (٢٣) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣، ٢٤].
ولم يغفل الأنبياء والمرسلون عن إصلاح أمور الناس الدنيوية -فضلًا عن عنايتهم في الأمور الأخروية- فقد ساهموا في بناء الاقتصاد وتحسين مستوى المعيشة للناس ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ﴾ [يوسف: ٤٧].
واعتنوا بأمور الناس الاجتماعية والأخلاقية وحذروا من الفساد بكل صوره وأشكاله ﴿وَلاَ تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ .. ﴾ [هود: ٨٤]، ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠] كما حذروا أقوامهم من مصائر الغابرين المهلكين ودعوهم إلى التوبة والاستغفار ﴿وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ
стр. 3271
شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ (٨٩) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: ٨٩، ٩٠].
تلكم ملامح من هدي المرسلين، وطرائق وأساليب دعوتهم ومن رام المزيد فلتقرأ كتاب الله، وتصفح سير المرسلين ونحن مأمورون بالاقتداء بهم «فبهداهم اقتده» ومطالبون بالتأسي بهم ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
اللهم ارزقنا البصيرة في ديننا، والاقتداء بسنن المرسلين، اللهم احشرنا معهم وأنلنا شفاعتهم، وأوردنا حوض نبينا، ولا تجعلنا ممن يزادون عنه بسوء أعمالنا.
стр. 3272
أم المؤمنين عائشة ﵂ وما وراء الحملة ؟ (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره
صحابة رسول الله ﷺ نجوم الأرض كما الكواكب نجوم في السماء، ﵃ وأرضاهم وليس فوق تزكية الله لهم تزكية وليس فوق الجنة منزلة وقد أعدت لهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
فما انقطع الوحي من السماء حتى تاب الله عليهم وأكرمهم وخلد ذكرهم وشاع الثناء عليهم في الخافقين وليس لأحد أن يغمزهم أو يتقصدهم لسوء والله يقول: ﴿لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧].
وأكد الحبيب الذي لا ينطق عن الهوى خيريتهم وفضلهم على القرون فقال: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم .. » الحديث متفق على صحته، ونهى عن سبهم وأذيتهم فقال: «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (٢).
أيها المسلمون عقيدة أهل السنة والجماعة في محبة الصحابة وتقديرهم
стр. 3273
والدفاع عنهم رسم معالمها القرآن الكريم، وأعظم شاهد عليها محمد ﵊، ومن حاد عن كلام الله وكلام رسوله ﷺ فسحقًا له وتبًا، ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون.
كما أن عدالة الصحابة رضوان الله عليهم -عند أهل السنة والجماعة- من مسائل العقيدة، القطعية ومما هو معلوم من الدين بالضرورة، وليس يطعن فيهم إلا من في قلبه غل، أو في معتقده خلل.
وأمهات المؤمنين هنَّ الطاهرات المطهرات، اختارهن الله ليكن أزواج النبي ﷺ في الدنيا والآخرة، وحكم وهو أصدق الحاكمين ﴿الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم﴾ [النور: ٢٦]. وبنص القرآن واذهب الله عن أهل البيت الرجز وطهرهم تطهيرًا، وتليت في بيوت نساء النبي آيات الله والحكمة .. فهل بعد هذا الثناء والتزكية مدخل أو طريق للفتنة؟
وأم المؤمنين عائشة ﵂ في طليعة النساء وأفضل وأحب نسائه إليه ﵊.
ففي صحيح البخاري وغيره قال ﷺ : «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» (١).
الصديقة بنت الصديق بعث لها السلام من السماء، وبلغها رسول الله ﷺ سلام شديد القوى (جبريل ﵇ ففي صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ قال لها يومًا: يا عائش هذا جبريل يقرئك السلام، فقالت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، ترى ما لا أرى، تريد رسول الله ﷺ » [ح ٣٧٦٩].
стр. 3274
أجل لقد تأثر رسول الله ﷺ حين طلبت أمهات المؤمنين ومتحدثتهن أم سلمة أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيث كان ولا يتحروا بهداياهم يوم عائشة، فأعرض رسول الله ﷺ عن الطلب، حتى إذا أكثرت عليه أم سلمة قال لها يا أم سلمة: «لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها» (١).
قال ابن حجر: وفي هذا الحديث منقبة عظيمة لعائشة (٢).
وإذا اعتبر رسول الله ﷺ هذا الطلب البسيط أذى فكيف بمن يؤذي عائشة ومن ورائها رسول الله ﷺ بما هو أعظم من هذا؟ وإذا تابت أم سلمة - كما في الرواية الأخرى- أنها قالت: أتوب إلى الله تعالى (البخاري/ الهبة، الفتح ٧/ ١٠٨) أفلا يتوب إلى الله كل من ذل لسانه أو خط قلمه إثمًا وبهتانًا على عائشة (٣).
إن الأذية لأحد من أزواجه ﷺ أو أهل بيته المؤمنين أو صحابته أجمعين أذية لرسول الله ﷺ ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: ٥٣).
ترجم الإمام الذهبي ﵀ لعائشة ﵂ في أعلام النبلاء وأطال وأثنى، معتمدًا على أحاديث المصطفى وتزكيات العلماء، ومما ساق حديث البخاري ومسلم في سؤال عمرو بن العاص ﵁ للنبي ﷺ حيث قال: أي الناس أحب إليك
стр. 3275
يا رسول الله؟ قال: عائشة، قال فمن الرجال؟ قال: أبوها (١).
ثم علق الذهبي: هذا خبر ثابت على رغم أنوف الروافض وما كان ﵇ ليحب إلا طيبًا .. فأحب أفضل رجل من أمته وأفضل امرأة من أمته، فمن أبغض حبيبي رسول الله ﷺ فهو حري أن يكون بغيضًا إلى الله ورسوله (٢).
وأم المؤمنين عائشة ﵂ لا عزو أن تكون محل الثناء والحب والتقدير من لدن الأكابر من صحابة رسول الله ﷺ ، وهذا عمر بن الخطاب ﵁ يزيد في عطاء عائشة عن أمهات المؤمنين حيث فرض لهن عشرة آلاف، وزاد عائشة ألفين وقال: إنها حبيبة رسول الله ﷺ (٣).
وأبو موسى ﵁ يقول: ما أشكل علينا أمر فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها علمًا (٤).
وبرغم أنوف الروافض فعلي ﵁ ومع ما وقع بينهما يثني على عائشة ويقول: إنها خليلة رسول الله ﷺ (٥).
ويستمر ثناء الصحابة- وهم خير الشهود- على عائشة حتى فارقت الدنيا، وهذا ابن عباس يستأذن عليها في مرض وفاتها، فتقول: لا حاجة لي به ولا بتزكيته فيقال لها إنه من صالح بنيك يودعك ويسلم فلما أذنت له وقعد قال: أبشري، فوالله ما بينك وبين أن تفارقي كل نصب، وتلقي محمدًا والأحبة إلا أن تفارق روحك جسدك، قالت: إيهًا يا ابن عباس! قال: كنت أحب نسائه إليه، ولم يكن يحب إلا طيبًا، سقطت قلادتك ليلة الأبواء وأصبح رسول الله ﷺ
стр. 3276
ليلقطها، فأصبح الناس ليس معهم ماء فأنزل الله ﴿فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ فكان ذلك من سببك وما أنزل الله بهذه الأمة من الرخصة، ثم أنزل الله تعالى براءتك من فوق سبع سموات فأصبح ليس مسجد من مساجد يذكر فيها الله إلا براءتك تتلى فيه آناء الليل والنهار، قالت: دعني عنك يا ابن عباس، فوالله لوددت أني كنت نسيًا منسيًا (١).
وكذلك سار قطار التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى تقدير أم المؤمنين عائشة والثناء عليها وهذا (مسروق) ﵀ كان إذا حدث عن عائشة ﵂ قال: حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله، المبرأة من فوق سبع سموات (٢).
فاقت أم المؤمنين عائشة ﵂ غيرها في علم الدين والدنيا، وهذا عروة بن الزبير- ﵀ كان يقول لعائشة: يا أمتاه، لا أعجب من فقهك، أقول: زوجة نبي الله وابنة أبي بكر، ولا أعجب من علمك بالشعر وأمام الناس أقول: ابنة أبي بكر وكان أعلم الناس، ولكن أعجب من علمك بالطب كيف هو ومن أين هو، وما هو؟ قال فضربت على منكبه وقالت: أي عرية أن رسول الله ﷺ كان يسقم عندي آخر عمره وكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه فتنعت له الأنعات، وكنت أعالجها له، فمن ثم (٣).
وبلغ إعجاب الذهبي بعلم عائشة حدًا قال معه: ولا أعلم في أمة محمد ﷺ ، بل ولا في النساء مطلقًا امرأة أعلم منها (٤).
أم المؤمنين عائشة ﵂ جمعت خلالًا أخرى واختصت بمزايا قالت عنها:
стр. 3277
توفي رسول الله ﷺ في بيتي، وفي يومي وليلتي، وبين سحري ونحري، ودخل عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه سواك رطب، فنظر إليه حتى ظننت أنه يريده فأخذته فمضغته ونفضته وطيبته ثم دفعته إليه فاستن به كأحسن ما رأيته مستنًا قط، ثم ذهب ليرفعه إلي فسقطت يده فأخذت أدعو له بدعاء كان يدعو به له جبريل .. حتى رفع بصره إلى السماء وقال: الرفيق الأعلى، وفاضت نفسه، فالحمد لله الذي جمع بين ريقي وريقه في آخر يوم من الدنيا (١).
ما أحب عائشة إلا مؤمن وما أبغضها إلا منافق، ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور: ٢٦]. اللهم أنا نشهدك على محبة عائشة ومحبة حبيبها محمد ﷺ وأبيها أبي بكر .. اللهم فاحشرنا معهم، وافضح من نالهم بسوء ..
стр. 3278
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للتقوى وللمتقين ولا عدوان إلا على الظلم والظالمين.
أما بعد:
فأمَّ المؤمنين عائشة ﵂ شمسٌ لا يمكن حجب نورها .. إنها في كل بيت وعلى كل لسان، وفي كل عصر ومصر لا يكاد يخلوا منها كتاب، ولا يكاد تخطئ فضائلها عين أو تغيب مناقبها عن السمع، هي ملئ السمع والبصر، وحمقى أولئك الذين يشغبون عليها، أو يظنون أنهم يحتجبون شيئًا من أنوارها.
وبعد - إخوة الإسلام - ففي سورة النور نور وفرقان وبلاء وبهتان، صال المنافقون وأرجفوا واتهموا بيت النبوة - وراموا النيل من الإسلام وأهله - حتى إذا زلزل أهل الإيمان كشف الله الغمة، وفضح أهل النفاق والظغينة، ومع عظم البلاء نزلت البراءة من السماء فكانت بيانًا وتزكية للصديقة عائشة إلى يوم الدين ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُو بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
ولقد وقف المفسرون عند آيات الإفك وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، فقال ابن كثير: هذا وعيد من الله تعالى للذين يرمون المحصنات الغافلات، خرج مخرج الغالب المؤمنات، فأمهات المؤمنين أولى بالدخول في هذا من كل محصنة، ولا سيما التي كانت سبب النزول، وهي عائشة بنت الصديق ﵄، وقد أجمع العلماء ﵏ قاطبة على أن من سبها بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية فإنه كافر لأنه معاند للقرآن (١).
стр. 3279
وقبله قال القرطبي عند قوله تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (النور: ١٧). (فكل من سبها بما برأه الله منه مكذب لله، ومن كذب الله فهو كافر) (١).
كما نقل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الصارم المسلول على شاتم الرسول- عن القاضي أبي يعلى رحمهما الله قوله: من قذف عائشة بما برأها الله منه كفر بلا خلاف (صـ ٥٧١) عن ما يجب أن يعرفه المسلم عن عقيدة الروافض (٢).
إخوة الإيمان لن يضير أم المؤمنين إرجاف المرجفين وقد تولى الله بنفسه الدفاع عنها وتبرئتها بل كلما زاد الإرجاف والبلبلة والتهم الباطلة زاد معه الحب لعائشة، وعلم الناس من فضائلها ومقامها ما جهلوا .. ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يفقهون، إنها لا تحتاج إلى دفاع أحد بعد دفاع الله عنها، ولن يضرها شماتة المرجفين وبغض الحاقدين وقد أحبها خيرة خلق الله أجمعين.
ولكن السؤال المهم: ماذا وراء الإرجاف والبلبلة في صديقة الأمة؟ ولئن استهدفت عائشة ﵂ ظاهرًا فوراء الأكمة ما وراءها، والمشروع المتآمر بتجاوز عائشة إلى استهداف رموز الإسلام وحملة القرآن والسنة (والخيران) أبو بكر وعمر ﵄ وغيرهم ليسوا بمعزل عن تهم من الأخلاق لهم، وإنه لمن العيب والعار أن تنسب مصنفات لأهل الإسلام جاء فيها كما يقول المجلس: «ومما عد من ضروريات دين الإمامية استحلال المتعة، وحج التمتع، والبراءة من
стр. 3280
أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية» (١).
بل يتجاوز الطعن إلى شخص الرسول ﷺ حيث اتهم بيته ورميت بالفاحشة حبيبته، بل يتجاوز الطعن من شخصه إلى سنته حيث روت عائشة ﵂ طائفة كبرى من سننه، وقد بلغ ما أسندته ألفين ومائتين وعشرة أحاديث (٢) بل يروم المغرضون والطاعنون في أم المؤمنين التشكيك في أحكام الدين، وقد قيل إن ربع أحكام الشريعة منقول عن عائشة ﵂ (٣) ويرومون التشكيك في القرآن وتكذيب آياته، ويبلغ التطاول مداه حين يكون على رب العالمين حيث يعترض على تبرئته لها من فوق سبع سموات .. فماذا بقي؟ وأي إسلام هذا؟
إن القضية التي يدور رحى فتنتها هذه الأيام، ليست وليدة اليوم، وليست مجرد نزوة فردية .. بل هي عقيدة راسخة، وتراث تتجدد طبعاته وهو يفيض بالطعن والسب لا لعائشة بل لجمهور الصحابة .. وخليق بأصحاب هذا المذهب أن يعلنوا براءتهم منه أن كانوا رافضين لسب أم المؤمنين عائشة .. إننا نقبل من الشيعة أن يستنكروا الطعن في أم المؤمنين عائشة، لكنا لا نقبل أن تظل مصنفاتهم ومصنفات مشايخهم لها فحةً بالسب والتهم لخيار الصحابة، ولا أن تظل مواقعهم وقنواتهم مليئة بالسخرية والسب لخيار الأمة ولسنا أغبياء بدرجة كافية. إنها ثقافة متجددة، ودول تخدم المذهب وتسيس الدين وتصدر الثورة وتشعل الفتنة، وعلى المسلمين كافة أن يتنبهوا للخطر وحجم المنكر، ولا يجوز بحال وفي زمان اصطفاف المسلمين في مواجهة التحريف والتشويه
стр. 3281
والسخرية بالإسلام ونبيه، والتهديد بإحراق القرآن واتهام أهله- أن تزيد طوائف تنسب إلى الإسلام وأهله الطين بلة، وتوسع دائرة التهم والسخرية والبلبلة والفتنة، وعلى كل من سعى بالفتنة وفرق الصف من الله من يستحق، والمكر السيء لا يحيق إلا بأهله، وما تعرض أحد لأهل الإسلام الكبار بسوء إلا خذله الله في قديم الزمان وحديثه أما أم المؤمنين فستظل منارة يقتبس منها أهل الإسلام، وستظل شهابًا محرقة لأهل الزيغ والزندقة والفساد والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..
ولم يكن الشعر والشعراء بمعزل عن مشهد عائشة والثناء عليها والدفاع عنها، ولاسيما ممن أيده الله بروح القدس، فحسان بن ثابت ﵁ يقول في عائشة -كما رواه ابن إسحاق-:
رأيتك -وليغفر لك الله- حرة ... من المحصنات غير ذات غوائل
حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثي (١) من لحوم الغوافل
عقيلة حي من لؤي بن غالب ... كرام المساعي مجدهم غير زائل
مهذبة قد طيب الله خيمها (٢) ... وطهرها الله من كل سوء وباطل
فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتوا ... فلا رفعت سوطي إلي أناملي
وكيف وودي ما حببت ونصرتي ... لآل رسول الله زين المحافل
فإن الذي قد قيل ليس بلائط (٣) ... ولكنه قول امرئ متماحل (٤)
стр. 3282
وحينما قيل لعائشة أن حسانًا شارك في حديث الإفك اعتذرت عنه وقالت أليس هو الذي يقول:
فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وفاء (١)
ومما ينبغي أن يعلم أن الحملة المرجفة وتهم عائشة بالفاحشة ليست الأولى من نوعها، فقد سبقها بالتهمة طاهرون وطاهرات، فيوسف ﵇ قيل عنه ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ومريم قال لها قومها: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾.
قال القرطبي: قال بعض أهل التحقيق: إن يوسف ﵇ لما رمي بالفاحشة برأه الله على لسان صبي في المهد، وأن مريم لما رميت بالفاحشة برأها الله على لسان ابنها عيسى صلوات الله عليه، وإن عائشة لما رميت بالفاحشة برأها الله تعالى بالقرآن، فما رضي لها ببراءة صبي ولا نبي برأها الله بكلامه من القذف والبهتان (٢).
стр. 3283
أقسام الناس مع المنكرات .. والأندية النسائية (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره
إخوة الإسلام والمتأمل في سنن الله في الكون، وفي أحوال البلاد والعباد ينتهي نظره إلى وجود الأخيار والأشرار قديمًا وحديثًا، وثمة أبرار وفجار، وسابقون إلى الخيرات بإذن ربهم، وظالمون لأنفسهم بتقحم المعاصي والسيئات، وحيثما وجد الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر فثمة من يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، ومع الصالحين مفسدون في الأرض، وكذلك يوجد الخبيث والطيب.
ومن سنن الله في القديم والحديث وجود الهدى والضلال، والصلاح والفساد، والحق والباطل، والاستقامة والانحراف .. ولكن ومهما اختلت الموازين في تقييم الأشياء والأشخاص فيبقى ميزان الحق تعالى عدلًا، وحكم الله صدقًا فلا يستوي الخبيث والطيب- ولو أعجبك كثرة الخبيث- ولا يستوي المؤمنون والفساق ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ﴾ كما لا يستوي المتقين والفجار ﴿أم نجعل المتقين كالفجار﴾ و ﴿لا يستوي أصحاب الجنة وأصحاب السعير﴾ وإذا كانوا لا يتساوون في الآخرة فهم كذلك في الدنيا ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١] وكما أنه لا يجتنى من الشوك العنب كذلك لا ينال الفجار منازل الأبرار (٢).
стр. 3284
ومن سنن الله في خلقه- قديمًا وحديثًا- تدافع الحق والباطل ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض﴾ وتمييز الخبيث من الطيب، ونجاه المصلحين وهلاك الظالمين ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٥].
وعلى مدى تاريخ الأمم وأحوال القرون رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون وبهم وبسببهم يحل العذاب ويكون الهلاك، وآخرون ينهون عن الفساد في الأرض وبسببهم تكون النجاة والفلاح ﴿فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود ١١٦، ١١٧].
أيها الإخوة المؤمنون .. حين يشيع المنكر ويكثر المبطلون، ويحاول أهل الريب والفساد خرق السفينة، فالناس ينقسمون أقسامًا تجاه المنكر والمروحين له.
فمنهم بارد المشاعر، فتبلد الإحساس، لا يعنيه الأمر من قريب أو بعيد- جهلًا أو تجاهلًا- لا يتمعر وجهه للمنكر وأنى له أن يحرك ساكنًا لتغييره، ولا يشعر بخطر المروجين للمنكرات وأنى له أن يبغضهم أو يناصحهم .. أولئك مرضى القلوب، وأموات الأحياء .. وأولئك الذين عناهم ابن القيم بقوله: وقد غر إبليس أكثر الخلق بأن حسن لهم القيام بنوع من الذكر والقراءة والصلاة والصيام والزهد في الدنيا، والانقطاع، وعطلوا هذه العبوديات فلم يحدثوا قلوبهم بالقيام بها (يعني نشر السنن والأمر بالمعروف، وإقامة الحق، والنهي عن المنكر على القادرين عليه) وهؤلاء عند ورثة الأنبياء من أقل الناس دينًا، فإن الدين هو القيام لله بما أمر به، فتارك حقوق الله التي تجب عليه أسوأ حالًا عند
стр. 3285
الله ورسوله من مرتكب المعاصي، فإن ترك الأمر أعظم من ارتكاب النهي .. ومن له خبرة بما بعث الله به رسوله ﷺ وبما كان عليه هو وأصحابه رأى أن أكثر من يشار إليهم بالدين هم أقل الناس دينًا والله المستعان، وأي دين وأي خير في من يرى محارم الله تنتهك، وحدوده تضاع، ودينه يترك وسنة رسوله ﷺ يرغب عنها وهو بارد القلب، ساكت اللسان؟ شيطان أخرس، كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق، وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا أسلمت لهم مآكلهم ورئاستهم فلا مبالاة بما جرى على الدين؟ وخيارهم المتحزن المتملظ، ولو نوزع في بعض ما فيه غضاضة عليه في جاهه أو ماله بذل وتبذل وجد واجتهد، واستعمل مراتب الأفكار .. وهؤلاء مع سقوطهم من عين الله ومقت الله لهم قد بلوا في الدنيا بأعظم بلية تكون وهم لا يشعرون، وهو موت القلوب، فإن القلب كلما كانت حياته أتم كان غضبه لله ولرسوله أقوى، وانتصاره للدين أكمل (١).
القسم الثاني: قوم تتفطر أكبادهم للمنكرات تقع، ويتحسرون على الدين حين تنتهك حرماته .. لكنهم يقفون عند هذه الحدود من المشاعر المستنكرة والعواطف الملتهبة، وعسى الله أن يجزي هؤلاء على غيرتهم وكرههم للمنكر وأهله إن كانوا لا يستطيعون غير ذلك ومن أنكر بقلبه فهو منكر وإن كانوا قادرين على أكثر من هذا فعسى الله أن يهديهم ويسددهم لتغيير المنكر وإشاعة المعروف بأيديهم أو ألسنتهم.
القسم الثالث .. قوم لا يكتفون بالمشاعر المستنكرة ولا يقفون عند حدود العواطف، بل يفكرون ويقدرون ثم يسارعون لمقاومة المنكر، ولا يكتفون بإنكار المنكر بل ويريدون بالأمر بالمعروف وإشاعة الخير، والدعوة للهدى عبر
стр. 3286
عدد من الوسائل والآليات وبالحكمة والموعظة الحسنة، ويجاهدون في سبيل ذلك ويصبرون ويصابرون ويرابطون ويتقون- وأولئك هم المفلحون- وأولئك أشد على الشيطان وحزبه من غيرهم وإن لم يكونوا أكثر من غيرهم صلاة وصيامًا وذكرًا.
إخوة الإيمان إننا محتاجون للاستيثار بنصر الدين في كل حين، ولكن حاجنا إلى ذلك في زمن الإحباط واليأس أشد، ومحتاجون للفأل في كل حال ولكن حاجتنا إليه في زمن التشاؤم أعظم .. إن اسبشر المسلم بنصر الله استبشار رغم ما يبصره من منغصات ورغم ما يشاهده من منكرات .. فهو يستبشر بنصر الله وفي الوقت نفسه يجاهد لإعلاء كلمة الله .. إن أمله ليس فارغًا لكنه مصحوب بالعمل، وحزنه على المنكر يتجاوز التلاوة على التعاون، والتحسر والقعود إلى فعل الأسباب والمدافعة المشروعة إن نفرًا من أهل الغيرة ربما بالغوا في التشاؤم فأحبطوا غيرهم- وهذا حين يوجد انتصار للمنكر وأهله- ولو أن كل المسلمين فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم وأشد تثبيتًا ..
إن مواجهة الانحراف لا يجدي فيها سلاح النقد والتهويش فحسب، ولا يظن المسلم القادر أنه يكفيه أن يعلن رفضه للمنكر وبغض للمفسدين، بل الأمر يتطلب جدًا ومجاهدة وتفكيرًا في أساليب دفع المنكر وأساليب أخرى للإصلاح وإقامة المعروف .. ولا تتوقف الدعوة حين ثبط المخزلون أو لا يستجيب المبطلون فالبلاغ مهمة الرسل وهي مسئولية أتباعهم من بعدهم وينبغي أن يكون شعار الدعاة والمحتسبين ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ ومعه شعار آخر ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.
إن من المؤسف أن يكون أهل الباطل أصحاب نفس طويل لإقرار المنكر
стр. 3287
وإشاعة الفساد، وأصحاب خطط واستراتيجيات واجتماعات ومشاورات، وصبر على طول الطريق وإقرار ما يصادم الفطرة وتنكره العقول السليمة .. في حين يكون نفر من أصحاب الخير والدعوة والحسبة أقصر نفسًا أو أقل تخطيطًا .. أو أزهد في اللقاءات والمشاورات ورسم الخطط واقتراح البرامج (وعلى المدى القريب والبعيد).
ومن قرأ في سير الأنبياء والمصلحين سره ما يطالعه في سيراهم من صبر ومصابرة، ومجاهدة للمنكر وتأسيس للمعروف، وأساليب متنوعة للدعوة .. قد تستغرق عشرات السنين وربما بلغت المائتين من السنين (ومن أول المرسلين إلى خاتمهم) عبرة في الأمر والنهي والدعوة والبلاغ والصبر والجهاد .. وأولئك بهداهم نقتدي وبسيرهم يطيب المسير .. ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ نفعني الله وإياكم.
стр. 3288
الخطبة الثانية
أيها المؤمنون ودعونا نأخذ مثالًا صارخًا في المنكر يتصل بالمرأة ويتعلق بالحجاب والسفور والاختلاط والتبرج، ومحاربة الفضيلة والدعوة للرذيلة، والأخطر حين يراد تعميم المنكر وإقراره عبر وسائل الإعلام وبرامج التعليم، ويراد فرضه بالقوة ومن قبل خفية قليلة في المجتمع لا تمثل المجتمع بشكل عام ولا تعبر عن المرأة ورؤيتها وحشمتها وحياءها في بلادنا (١).
وهنا يشكر المنكرون للمنكر، والمدافعون عن قيم الحياء والحشمة والعفة من الرجال والنساء ولكن الأمر فوق هذا يستدعي من استبصارًا في الرؤية وعمقًا في الإستراتيجية، فلا يكتفي بردود الأفعال بل لا بد من أعمال بنائية للمرأة تتجه للموجود منها بالدعم والتطوير وسواء في ذلك ما تتبناه الجهات الرسمية في الدعوة لتوعية المرأة وطرح المشاريع والمبادرات الخيرة بما ينفعها ويحفظ مجتمعها من الانحلال والفساد .. أو الجهات الخيرية لإقامة الدور والمدارس النسائية لتحفيظ القرآن الكريم، أو المناشط الأسرية التي تعني بها البيوت لإصلاح بناتهم وحمايتهن من المخاطر، أو البرامج الإعلامية التي تتجه إلى بناء الشخصية السوية للمرأة .. أو نحوها من مراكز ومؤسسات تعني بشئون المرأة وإصلاحها، وتبصر بالمخاطر التي تراد لها، والمخططات العالمية والمحلية تجاهها.
وفوق الموجود ينبغي أن يفكر الخيرون بمبادرات وبرامج نافعة للمرأة .. تسير باتجاه تعبيدها لله، وتتفق مع نصوص الشرع تجاه إكرام المرأة وتذكيرها بواجباتها ومسئولياتها.
стр. 3289
ولئن كانت المرأة تعذر -فيما مضى- عن المشاركة في اقتراح هذه البرامج وصياغتها، فهي اليوم أكثر وعيًا وأعمق فكرًا .. في مجتمعنا عدد من الأكاديميات المتميزات، ولدينا عدد من الكاتبات القديرات، وفي بلادنا بحمد الله عدد من المربيات الفاضلات، والداعيات والمحتسبات ولذا يتحتم اليوم على المرأة المشاركة الفاعلة ليس فقط في ضد الحملات التغريبية، بل وفي ثيابها في غير بيت زوجها فقد هتكت سترها فيما بينها وبين الله (١).
وفي حديث آخر عن سبيعة الأسلمية قالت: دخل على عائشة نسوة من أهل الشام فقالت عائشة ممن أنتن؟ فقلن من أهل حمص، فقالت: صواحب الحمامات؟ فقلن نعم، ثم قالت عائشة ﵂: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الحمام حرام على نساء أمتي .. » (٢).
وأيًا ما كان سياق عائشة للنبي ﷺ إن في سياق الجهاد حيث أخرجه أبو داود بات في السبق على الرحل، أو في عشرة النساء كما أخرجه النسائي .. فهو شيء وما يراد من رياضة النساء في هذه الأيام شيء آخر.
كما أن الاستدلال بركون عائشة للجمل شيء والدعوة لقيادة المرأة للسيارة شيء آخر في الهيئة والهدف .. والله المستعان.
وفوق هذا وذاك فلا ينبغي إشغال المرأة بهذه القضايا الهامشية للمرأة .. وهل انتهت قضايا المرأة وهمومها، وحقوقها وواجباتها فلم يبق إلا حديثًا عن الرياضة والقيادة؟ إن في ذلك ابتذالًا لوظيفة المرأة وتهشيمًا لدورها في المجتمع وإشغالًا للأمة عن قضايا مصيرية تراد لها ..
стр. 3290
المال وغوائل الربا و (السندات المالية) (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ... يقال أن المال عصب الحياة، ومن المؤكد أنه سبب لليسر والتقوى، وسبيل للبخل والعسرى، ومن الاقتصاد ما هو سبيل للبر والنماء، ومنه ما هو متخبط في الإثم والربا.
وحين نطل إطلالة تذكر واعتبار على النظم الاقتصادية المعاصرة في الحاضر أو في عقود قريبة مضت نرى أنها تكاد تنحصر في ثلاثة نظم: ١) النظام الشيوعي البائد، وهو قائم على سحق الفرد وإسقاط الملكية وإعلان الاشتراكية- وهو وإن زعم العدل والمساواة- فقد أفلس في تحقيقها واغتصب الحقوق وسلب الحريات، وانتهى بإعلان زعمائه الفشل أمام العالم، وسقطت الشيوعية برمتها وسقط معها النظام الاقتصادي الاشتراكي غير مأسوف عليه.
وفي مقابل هذا النظام ٢) نظام رأسمالي إقطاعي احتكاري، تسحق فيه المجموعات على حساب تورم الأفراد، ويفتقر الملايين من البشر على حساب ثراء أفراد معينين إنه يخلق مجتمعات التفاوت الاقتصادي ويقل فيه الإنصاف الاجتماعي، كما اعترف بذلك أحد الغربيين. وكلما طغت الرأسمالية في بلد كلما ارتفع معدل الفقر في شعبها، وهل تعلم أن اليابان -مثلًا- تحتل المرتبة الثانية بعد معدلات الفقر في
стр. 3291
الولايات المتحدة الأمريكية؟ كما تشير الدراسات إلى ذلك (د. محمد السلومي: نقائص الرأسمالية، ودور القطاع الثالث) هذا النظام الرأسمالي العابر للقارات والمسيطر على عدد من الشركات، والمتبجح بسيطرته على أسواق المال من الجانب الاقتصادي، والمهيمن سياسيًا على رقعة واسعة في العالم، لم يكن قادرًا على تحقيق السعادة للبشر، بل ولا مساهمًا في حل المعضلات والمشكلات التي يعاني منها الضعفاء .. حيث تشير لغة الأرقام إلى أن مليارًا من البشر- اليوم- يعيشون بمعدل يقل عن دولار واحد في اليوم، ويفتقر قرابة مليار آخر إلى المياه النظيفة، ويعاني ٨٢٦ مليون من سوء التغذية، ويموت عشرة ملايين إنسان في كل سنة جراء نقص الرعاية الصحية الضرورية. (د. محمد السلومي: نقائص الرأسمالية .. ) فماذا صنع لهم هنا النظام الرأسمالي؟
بل لقد ساهم هذا النظام النكد في حرق الأرض ببناها الفوقية والتحتية، ولم يكن البشر بمعزل عن هذه الحرائق- لاسيما الأطفال والنساء- حيث أبيدوا بصور جماعية وبأشكال موحشة.
وأخيرًا فلم يكن هذا النظام الرأسمالي قادرًا على حماية نفسه، أو الحفاظ على مؤسساته وشركاته .. وجاءت انهيارات السابع عشر من سبتمبر ٢٠٠٨ م الضخمة لتشهد على فساد هذا النظام وتورمه وعدم مصداقيته .. وحيث ذكرت الإحصاءات- كنموذج على هذا الانهيار- أن (البورصات) العالمية فقدت أربعة (٤) تريليونات دولار في شهر سبتمبر من عام ٢٠٠٨ م، ولم يسعفها تدخل الحكومة الأمريكية بدعمها بسبعمائة مليار دولار، وشراء المصرف المنهار (أمريكان إنترناشيونال جروب).
ونعود إلى لغة الأرقام لتأكيد حجم هذا الانهيار حيث أشارت (النيوزويك
стр. 3292
الأمريكية) أن شركة (بيرسترنز) حينما انهارت كان لديها (ثلاثون دولار) من الديون مقابل كل دولار من رأسمالها، وأن ديون الشركتين العملاقتين للرهون العقارية (فاني ماي) و (فريدي ماك) بلغت (٥.٢) تريليون دولار .. (د. محمد السلومي: نقائض الرأسمالية .. ).
على أن الأدهى والأمر أن هذه الانهيارات المروعة للاقتصاد الرأسمالي يعتبرها المحللون الاقتصاديون بداية الكارثة وليست النهاية ..
وكان محقًا أحد الباحثين في الاقتصاد حينما وصف واقع الاقتصاد الرأسمالي بأنه سلاح التدمير المالي الشامل (الشيخ صالح الحصين في ورقات كتبها بعنوان (الإصلاح).
إخوة الإسلام وهذه الانهيارات والأرقام الفلكية المخيفة إن فاجأت العالم فلم تكن مفاجأة لأهل الإسلام الذين يقرءون في كتاب ربهم: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾
ومن هنا التفت العالم كله مسلمه وكافره، مغربه ومشرقه إلى النظام الثالث (النظام الاقتصادي الإسلامي).
وعلت الصيحات بتطبيق المصرفية الإسلامية، وتكاثرت الطروحات المنادية بدراسة واعتماد النظام الاقتصادي الإسلامي .. ولئن لم يكن لدى المسلمين- في واقعهم المعاصر- من قوة الإعلام أو قوة الإرادة أو الإدارة ما يستثمرون به هذا الحدث، ويوظفون هذا الطلب أحسن توظيف فمما يسلي أن النظام الاقتصادي الإسلامي بنفسه قادر على المضي والتأثير. إنه نظام رباني محفوظ بحفظ هذا الدين، وهو نظام عادل تستشرفه النفوس الأبية وإن لم تكن مسلمة، وينظر إلهي الغرماء والمعوزون والمنسيون- على قارعة الطريق- من ضحايا الأنظمة
стр. 3293
البشرية الفاسدة على أنه المنقذ لهم والمسدد لحاجاتهم، والمستجيب لاستغاثتهم.
لا يلغي النظام الإسلامي الاقتصادي حقوق الفرد، لكنه يمنع تسلط الأفراد واحتكار المجموعات وينهى عن جشع الأغنياء ويجعل في أموالهم حقًا للسائل والمحروم، يحذر هذا النظام الرباني أن يكون المال دولة بين الأغنياء، كما يفرض نسبة من الزكاة تسد حاجات المحتاجين وتصرف على ثمان مصارف- هي في الجملة شاملة للحوائج وللمحتاجين-.
كما يرغب الإسلام في بذل صدقات أخرى، يتعاظم أجرها ويبارك الله في أموال المتصدقين بسببها وكما يدعو الإسلام إلى الصدقات المقطوعة .. يحث كذلك على الأوقاف المنجزة في الحياة والوصايا اللاحقة بعد الممات .. ليظل عطاء المسلم متدفقًا في كل حين، وشاملًا للأفراد والمؤسسات، وكما يطعم منها البطون الجائعة .. تشفى فيها القلوب العليلة، ويعلم الجهلة يفرج بها الكربات، ويقضي نوائب الدعوة للخير ويؤسس للبر والإحسان.
إن المال- في نظر المسلم- مال الله ﴿وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾ والمال في نظر الإسلام (زينة) ولكن الباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابًا وخير أملًا.
إنه (محبوب) للنفوس ﴿وتحبون المال حبًا جمًا﴾ لكنه (فتنة) ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾.
المال (حسب) كما قال ﵊: «إن أحساب أهل الدنيا الذين يذهبون إليه هذا المال» (١).
стр. 3294
فقد جاء في حديث آخر «الحسب المال، والكرم التقوى» (١).
والمعنى كما قيل في شرح الحديث: الشيء الذي يكون فيه الإنسان عظيم القدر عند الناس هو المال، والذي يكون به عظيمًا عند الله هو التقوى. (الألباني في تعليقه على هذا الحديث في صحيح الجامع) وفي التنزيل «إن أكرمكم عند الله أتقاكم» (٢) وكما ذم القرآن من آتاه الله من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بحملها العصبة من الرجال، فقد أثنى الله ورسوله على أصحاب المال البارين على الفقراء المهاجرين وعلى الذين لا يجدون ما ينفقون بكوا إذ لم يجدوا ما يحملون به أنفسهم للغزو في سبيل الله حيث نصحوا لله ولرسوله ﷺ .
وكما يسأل المرء عن ماله من أين اكتسبه، يسأل كذلك: وفيم أنفقه؟ إن الذين يتخوضون في هذا المال فلا يبالون بجمعه من أي مصدر وبأي طريقة قوم جاهلون، وإن الذين يهلكون هذا المال فيما حل أو حرم قوم يسرفون على أنفسهم مؤاخذون على تجاوزاتهم، وليس أمام المسلم خيار في جمعه كيف شاء أو في إنفاقه كيفما أنفق «فلن تزولا قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع ومنها: عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه» (٣).
وفيما أحل الله غنية عما حرم، وفي الكسب الحلال راحة بال، وطمأنينة قلب، وخير وبركة وفي الكسب الحرام شقاء ونكد، وهموم وغموم، ولوم وتقريع في الدنيا، ومساءلة وحساب يوم العرصات والقيامة الكبرى.