← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

الولايات المتحدة الأمريكية؟ كما تشير الدراسات إلى ذلك (د. محمد السلومي: نقائص الرأسمالية، ودور القطاع الثالث) هذا النظام الرأسمالي العابر للقارات والمسيطر على عدد من الشركات، والمتبجح بسيطرته على أسواق المال من الجانب الاقتصادي، والمهيمن سياسيًا على رقعة واسعة في العالم، لم يكن قادرًا على تحقيق السعادة للبشر، بل ولا مساهمًا في حل المعضلات والمشكلات التي يعاني منها الضعفاء .. حيث تشير لغة الأرقام إلى أن مليارًا من البشر- اليوم- يعيشون بمعدل يقل عن دولار واحد في اليوم، ويفتقر قرابة مليار آخر إلى المياه النظيفة، ويعاني ٨٢٦ مليون من سوء التغذية، ويموت عشرة ملايين إنسان في كل سنة جراء نقص الرعاية الصحية الضرورية. (د. محمد السلومي: نقائص الرأسمالية .. ) فماذا صنع لهم هنا النظام الرأسمالي؟ بل لقد ساهم هذا النظام النكد في حرق الأرض ببناها الفوقية والتحتية، ولم يكن البشر بمعزل عن هذه الحرائق- لاسيما الأطفال والنساء- حيث أبيدوا بصور جماعية وبأشكال موحشة. وأخيرًا فلم يكن هذا النظام الرأسمالي قادرًا على حماية نفسه، أو الحفاظ على مؤسساته وشركاته .. وجاءت انهيارات السابع عشر من سبتمبر ٢٠٠٨ م الضخمة لتشهد على فساد هذا النظام وتورمه وعدم مصداقيته .. وحيث ذكرت الإحصاءات- كنموذج على هذا الانهيار- أن (البورصات) العالمية فقدت أربعة (٤) تريليونات دولار في شهر سبتمبر من عام ٢٠٠٨ م، ولم يسعفها تدخل الحكومة الأمريكية بدعمها بسبعمائة مليار دولار، وشراء المصرف المنهار (أمريكان إنترناشيونال جروب). ونعود إلى لغة الأرقام لتأكيد حجم هذا الانهيار حيث أشارت (النيوزويك

стр. 3292

الأمريكية) أن شركة (بيرسترنز) حينما انهارت كان لديها (ثلاثون دولار) من الديون مقابل كل دولار من رأسمالها، وأن ديون الشركتين العملاقتين للرهون العقارية (فاني ماي) و (فريدي ماك) بلغت (٥.٢) تريليون دولار .. (د. محمد السلومي: نقائض الرأسمالية .. ). على أن الأدهى والأمر أن هذه الانهيارات المروعة للاقتصاد الرأسمالي يعتبرها المحللون الاقتصاديون بداية الكارثة وليست النهاية .. وكان محقًا أحد الباحثين في الاقتصاد حينما وصف واقع الاقتصاد الرأسمالي بأنه سلاح التدمير المالي الشامل (الشيخ صالح الحصين في ورقات كتبها بعنوان (الإصلاح). إخوة الإسلام وهذه الانهيارات والأرقام الفلكية المخيفة إن فاجأت العالم فلم تكن مفاجأة لأهل الإسلام الذين يقرءون في كتاب ربهم: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ ومن هنا التفت العالم كله مسلمه وكافره، مغربه ومشرقه إلى النظام الثالث (النظام الاقتصادي الإسلامي). وعلت الصيحات بتطبيق المصرفية الإسلامية، وتكاثرت الطروحات المنادية بدراسة واعتماد النظام الاقتصادي الإسلامي .. ولئن لم يكن لدى المسلمين- في واقعهم المعاصر- من قوة الإعلام أو قوة الإرادة أو الإدارة ما يستثمرون به هذا الحدث، ويوظفون هذا الطلب أحسن توظيف فمما يسلي أن النظام الاقتصادي الإسلامي بنفسه قادر على المضي والتأثير. إنه نظام رباني محفوظ بحفظ هذا الدين، وهو نظام عادل تستشرفه النفوس الأبية وإن لم تكن مسلمة، وينظر إلهي الغرماء والمعوزون والمنسيون- على قارعة الطريق- من ضحايا الأنظمة

стр. 3293

البشرية الفاسدة على أنه المنقذ لهم والمسدد لحاجاتهم، والمستجيب لاستغاثتهم. لا يلغي النظام الإسلامي الاقتصادي حقوق الفرد، لكنه يمنع تسلط الأفراد واحتكار المجموعات وينهى عن جشع الأغنياء ويجعل في أموالهم حقًا للسائل والمحروم، يحذر هذا النظام الرباني أن يكون المال دولة بين الأغنياء، كما يفرض نسبة من الزكاة تسد حاجات المحتاجين وتصرف على ثمان مصارف- هي في الجملة شاملة للحوائج وللمحتاجين-. كما يرغب الإسلام في بذل صدقات أخرى، يتعاظم أجرها ويبارك الله في أموال المتصدقين بسببها وكما يدعو الإسلام إلى الصدقات المقطوعة .. يحث كذلك على الأوقاف المنجزة في الحياة والوصايا اللاحقة بعد الممات .. ليظل عطاء المسلم متدفقًا في كل حين، وشاملًا للأفراد والمؤسسات، وكما يطعم منها البطون الجائعة .. تشفى فيها القلوب العليلة، ويعلم الجهلة يفرج بها الكربات، ويقضي نوائب الدعوة للخير ويؤسس للبر والإحسان. إن المال- في نظر المسلم- مال الله ﴿وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾ والمال في نظر الإسلام (زينة) ولكن الباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابًا وخير أملًا. إنه (محبوب) للنفوس ﴿وتحبون المال حبًا جمًا﴾ لكنه (فتنة) ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾. المال (حسب) كما قال ﵊: «إن أحساب أهل الدنيا الذين يذهبون إليه هذا المال» (١).

стр. 3294

فقد جاء في حديث آخر «الحسب المال، والكرم التقوى» (١). والمعنى كما قيل في شرح الحديث: الشيء الذي يكون فيه الإنسان عظيم القدر عند الناس هو المال، والذي يكون به عظيمًا عند الله هو التقوى. (الألباني في تعليقه على هذا الحديث في صحيح الجامع) وفي التنزيل «إن أكرمكم عند الله أتقاكم» (٢) وكما ذم القرآن من آتاه الله من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بحملها العصبة من الرجال، فقد أثنى الله ورسوله على أصحاب المال البارين على الفقراء المهاجرين وعلى الذين لا يجدون ما ينفقون بكوا إذ لم يجدوا ما يحملون به أنفسهم للغزو في سبيل الله حيث نصحوا لله ولرسوله ﷺ . وكما يسأل المرء عن ماله من أين اكتسبه، يسأل كذلك: وفيم أنفقه؟ إن الذين يتخوضون في هذا المال فلا يبالون بجمعه من أي مصدر وبأي طريقة قوم جاهلون، وإن الذين يهلكون هذا المال فيما حل أو حرم قوم يسرفون على أنفسهم مؤاخذون على تجاوزاتهم، وليس أمام المسلم خيار في جمعه كيف شاء أو في إنفاقه كيفما أنفق «فلن تزولا قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع ومنها: عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه» (٣). وفيما أحل الله غنية عما حرم، وفي الكسب الحلال راحة بال، وطمأنينة قلب، وخير وبركة وفي الكسب الحرام شقاء ونكد، وهموم وغموم، ولوم وتقريع في الدنيا، ومساءلة وحساب يوم العرصات والقيامة الكبرى.

стр. 3295

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]. نفعني الله وإياكم بهديه وكتابه وسنة نبيه ﷺ أقول ما تسمعون وأستغفر الله ..

стр. 3296

الخطبة الثانية الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ... إخوة الإسلام السعيد من وعظ بغيره، والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ومن الشقاء أن يرى الناس المثلات تحل بغيرهم، ويبصرون ويلتمسون العقوبات تنزل عن يمينهم وشمالهم ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون .. وإذا كان عقلاء العالم يطالبون بإلغاء الربا والتخلص منه إلى غير رجعة لما ذاقوه من مره ونكده .. فمن نوازل العصر ومصائب الزمان في مجتمعنا إعلان هيئة المال إقرار السندات المالية (القائمة على الربا) وما أدراك ما هذه السندات؟ وما حكم الشرع فيها؟ إن مما تجري به معاملات بعض الناس اليوم أخذ الزيادة في المال أي نقدًا بنقد بزيادة يسمونها زورًا وبهتانًا (بالفائدة) يأخذها الدائن من المدين نظير تأجيل الدين من قرض أو ثمن مبيع أو نتيجة تفضيل أحد المبيعين على الآخر مما يجري فيه ربا الفضل كالذهب بالذهب وغيره مما فيه علة الربا، وقد تكون هذه الزيادة مشروطة، وقد تكون متعارفًا عليها كما هو واقع كثير من المعاملات البنكية وغيرها من المعاملات الربوية الشائعة، والربا الذي حرمه الله ورسوله نوعان: ربا فضل (زيادة) وربا نسأ (وهو التأجيل) ومما يجمع بين النوعين من الربا الإقراض بفائدة، وذلك بأن يقوم البنك أو غيره بإقراض عملائه قرضًا بفائدة يتفقون عليها، ويكون التسديد من العميل على دفعة أو دفعات. وقد أجمع العلماء المعتبرون على تحريم هذا النوع من القروض وعدوه صريح الربا. وإن من أدوات توسيع القروض بفائدة إصدار السندات، وهي وسيلة من

стр. 3297

وسائل التمويل الربوي فإذا احتاجت جهة معينة أو شركة من الشركات إلى اقتراض ربوي، فمن طرق ذلك أن تصدر هذه الجهة سندات (دين) بقيمة عشر ريالات مثلًا للسند الواحد، ويكون له فائدة دورية، ويتحول الدين في سوق المال (تداول) إلى سلعة تباع وتشترى، وإصدار السندات بهذه الصفة وتداولها محرم بل محادة وحرب لله ورسوله. وقد أفتت اللجنة الدائمة بأنه (لا يجوز بيع ولا شراء السندات المذكورة لأنها معاملة ربوية محرمة والربا محرم بالنص وإجماع المسلمين) (١). وقد تكدر لسماعها في زمنه سماحة الشيخ ابن باز ﵀ حين قال: اطلعت على إعلان في صحيفة الشرق الأوسط يوم الاثنين ١٢/ ٨/ ١٤٠٩ هـ وفيها إعلان عن إصدار خزينة إحدى الدول العربية سندات اقتراض بربح أحد عشر واثني عشر في المائة لسنوات مبينة في الإعلان، ولقد كدرني ذلك كثيرًا ورأيت أن من واجب النصح لله ولعباده بيان حكم هذا الاقتراض- ثم ذكر أدلة تحريم الربا من الكتاب والسنة- ثم ختم بقوله فنصيحتي للخزينة المذكورة ترك هذه المعاملة، والحذر منها لكونها معاملة ربوية، ونصيحتي لكل مسلم ألا يدخل فيها لكونها معاملة محرمة مخالفة للشرع المطهر (٢). كما أصدر مجمع الفقه الإسلامي قرارًا بتحريم هذه السندات وجاء نص قرارهم: إن السندات التي تمثل التزامًا بدفع مبلغًا مع فائدة منسوبة إليه أو نفع بشروط محرمة شرعًا من حيث الإصدار أو الشراء أو التداول؛ لأنها قروض ربوية سواء أكانت الجهة المصدرة لها خاصة أو عامة ولا أثر لتسميتها شهادات

стр. 3298

أو صكوكًا استثمارية أو ادخارية، أو تسمية الفائدة الربوية الملتزم بها ربحًا أو ريعًا أو عمولة أو عائدًا (١). أيها المسلمون ولم يفق الناس بعد من ضربات الأسهم، والكثير من المتضررين بها عادوا يلومون أنفسهم على ويتشككون في نزاهتها أو بعضها من الربا، مما سبب لهم خسارة ومحقا واعتبروا ذلك موعظة من ربهم فانتهوا وتابوا .. أفيراد لهم أن يدخلوا النفق مرة أخرى وبشكل ليس محتمل بل بصريح الربا .. إن أصحاب الربا مهددون بالنار ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ومن يبارز الله بالحرب؟ وأكلة الربا إذا لم يذروه محاربون لله ولرسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩] وأصحاب الربا ملعونون على لسان رسول الله ﷺ يستوي في ذلك الآكل والمؤكل والكاتب والشهود ففي الحديث الصحيح: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء (٢). الربا يا عباد الله مؤذن بهلاك المجتمعات والأمم وقد صح الخبر «إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله» (٣). ومن يستبشع الزنا فمن باب أولى أن يستبشع الربا، وقد قال ﵊: «درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد عند الله من ستة وثلاثين زنية».

стр. 3299

بل لقد ورد في تشنيع الربا وتعظيم جرمه قوله ﷺ : «الربا سبعون حوبًا أيسرها أن ينكح الرجل أمه» (١). يا أخا الإسلام وما بك حاجة إلى هذه المصائب والآثام، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟ يملأ بطنك القليل، ويشرق فمك بالكثير .. (وحين تتوكل على الله فسيرزقك كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا) (٢). إنها معصية المال بل هما مصيبتان، كما قال يحيى بن معاذ مصيبتان لم يسمع الأولون والآخرون بمثلها للعبد في ماله، قيل وما هما؟ قال أيؤخذ منه كله ويسأل عن كله (٣). يا مسلم احتط لدينك وتنبه لجمع مالك .. وإياك أن تأكل أو تطعم أهلك وذريتك الحرام أترغب أن ترد دعوتك؟ وفي الحديث أطب مطعك تستجب دعوتك. لا يغرنك المفتونون .. ولا تكن ضحية للترويج والدعاية والإعلان .. ولا تنظر إلى الهالك كيف هلك ولكن انظر إلى الناجي كيف نجا .. لا تنطلي عليك الحيل .. ولا تغمض عينيك عن الردى .. ولا تصم سمعك عن داع الهدى .. ومن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها .. جعل الله مطعمك ومشربك حلالًا وكفانا جميعًا المتشابه والحرام ..

стр. 3300

أرض الشام وجرائم النصيرية في سوريا (١) الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ... الشام أرض باركها الله، فيها قبلة الأنبياء، ومسرى محمد- عليهم جميعًا أفضل السلام والسلام- ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١]. أرض الشام- وفيها بيت المقدس- أرض المحشر والمنشر، عن ميمونة بنت سعد -مولاة النبي ﷺ قالت: قلت يا رسول الله «أفتنا في بيت المقدس، قال: أرض المحشر والمنشر، ائتوه فصلوا فيه فإن صلاة فيه كألف صلاة في غيره، قالت: أرأيت إن لم أستطع أن أتحمل إليه؟ قال: فتهدي له زيتًا يسرج فيه فمن فعل ذلك فهو كمن أتاه» الحديث (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «مكة أم الخلق وفيها ابتدأت الرسالة المحمدية وأطبق نورها الأرض .. والإسلام في الزمان الأول ظهوره بالحجاز أعظم، ودلت الدلائل المذكورة على أن تلك النبوة بالشام والحشر إليها، فإلى بيت المقدس وما حوله يعود الخلق والأمر، وهناك يحشر الخلق، والإسلام في آخر الزمان يكون أظهر بالشام .. » (٣).

стр. 3301

أيها المسلمون وقد أثنى الذي لا ينطق عن الهوى على أرض الشام فقال-كما في حديث زيد بن ثابت ﵁: «طوبى للشام، طوبى للشام، قلت: ما بال الشام؟ قال: الملائكة باسطوا أجنحتها على الشام» (١). وفي الصحيحين من حديث معاوية ﵁ ما يؤكد أن الشام مقام الطائفة المنصورة حيث قال رسول الله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس» قال معاذ بن جبل «وهم أهل الشام» (٢). وفي تحديد أكثر لدمشق وما حوله قال ﷺ : «لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أبواب دمشق وما حوله، أو على أبواب بيت المقدس وما حوله، لا يضرهم من خذلهم، ظاهرين على الحق إلى أن تقوم الساعة» (٣). إخوة الإسلام يطول بنا الحديث لو ذهبنا نستقصي فضائل الشام ونصرة أهلها المؤمنين فهي «خيرة الله من أرضه» و «يجتبى إليها خيرته من عباده» «وفسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة إلى جانب مدينة يقال لها دمشق من خير مدائن الشام» (٤). وبرغم أن الشام لم تفتح في زمن النبوة، فقد طرقت جيوش المسلمين أرضها بأمر النبي ﷺ في (سرية مؤتة) ثم اقترب منها النبي ﷺ في «غزوة تبوك» حتى إذا

стр. 3302

جاء عصر الراشدين فتحت الشام، وهزمت الروم وعادت أرض الشام أرضًا إسلامية يذكر فيها اسم الله، بل وتنطلق منها رايات الجهاد، في أعظم ملاحم شهدها التاريخ في زمن الأمويين، حيث انطلق المجاهدون في شرق الأرض ومغربها يفتحون البلاد، ويسلمون العباد، وكانت (دمشق) حاضرة المسلمين ومركز خلافتهم قرابة قرن من الزمان، ثم توالت الدول الإسلامية على أرض الشام، حتى حل الباطنيون (العبيديون) أرض مصر واستولوا عليها وأفسدوا أرضها وأهلها، وطال بلاد الشام فسادهم، وفي أيامهم أخذت النصارى ساحل الشام من المسلمين، وذلك لأن العبيديين كانوا يستوزرون اليهود والنصارى حتى كثرت معابدهم- لاسيما الكنائس- الأمر الذي جرأهم على غزو بلاد المسلمين، وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن حكم هؤلاء العبيديين (نحو مائتي سنة) كان على غير شريعة الإسلام وهم رافضة في الظاهر، ولكنهم في الباطن إسماعيلية ونصيرية وقرامطة باطنية (١). وما زال المسلمون يعظمون بيت المقدس والأرض المباركة بالشام، حتى التقوا بالنصارى في عدة معارك حتى كان فتح بيت المقدس للمرة الثانية على يد صلاح الدين الأيوبي ﵀ ثم توالت الحملات الصليبية على بلاد المسلمين .. وكان التركيز على بلاد الشام حتى تم لهم السيطرة عليه، وشهدت ساحات الأقصى مجزرة رهيبة حتى كانت خيل النصارى تخوض في دماء المسلمين .. وقال قائلهم بعدها قد عدنا يا صلاح الدين .. ولئن كانت عداوة اليهود والنصارى مكشوفة للمسلمين بنص القرآن فالدرس المهم هو أن الذي مهد لهؤلاء النصارى لدخول بلاد الشام هم الباطنية الذين يظهرون الإسلام ويبطنون

стр. 3303

الكفر والبغض لأهل الإسلام، وهؤلاء كانت بدايتهم بالدولة العبيدية التي انطفأ نور الإسلام والإيمان في زمنها في بلاد المسلمين، بل قال بعض العلماء: أنها كانت دار ردة ونفاق كدار مسيلمة الكذاب (١). وتحدث العلماء عن عداوة هؤلاء الباطنية لأهل الإسلام، حتى أعلنوا سب الصحابة في منابرهم، وكان العلماء يخافون من رواية الأحاديث النبوية في زمنهم خوفًا من القتل، حتى قرر شيخ الإسلام أنهم قتلوا من علماء المسلمين ومشايخهم وألا يحصي عدده إلا الله، ومن هنا حكم الشيخ على هؤلاء الباطنية (المسمون تارة بالقرامطة وأخرى بالنصيرية، أو القرامطة) بالكفر والضلال، وقال أنهم أكفر من اليهود والنصارى، بل وأكفر من كثير من المشركين، وقال أن ضررهم على أمة محمد ﷺ أعظم من ضرر الكفار المحاربين كالتتار والفرنج وغيرهم (٢). إخوة الإسلام وحيث قرر شيخ الإسلام وغيره فساد عقائد هؤلاء الباطنية، وبغضهم للإسلام الحق وأهله فقد قرر الشيخ أن جهاد هؤلاء الباطنية وإقامة الحدود عليهم من أعظم الطاعات وأكبر الواجبات .. واعتبر الشيخ جهادهم من جنس جهاد المرتدين الذين قاتلهم الصديق وسائر الصحابة معه (٣). أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.

стр. 3304

الخطبة الثانية الحمد لله القوي العزيز، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. أيها المؤمنون، وأيام الله دول وحيث تقلبت بلاد الشام بين عز المسلمين، وذل الباطنيين فقد شاء الله وقدر أن تقع أرض الشام (دمشق وما حولها) في هذا الزمان في قبضة (النصيرية) فمن هم النصيرية وما جرأهم ضد المسلمين؟ هي فرقة تنسب إلى مؤسسها وهو الشيعي محمد بن نصير المتوفى سنة ٢٦٠ هـ وكان من أتباع الحسن العسكري، وقد ادعى النبوة ويقول بالتناسخ والحلول وتأليه الأئمة (كما ذكر ذلك النوبختي في فرق الشيعة/ ٧٨) وفي عقائدهم (النصيرية) وتأثر بعقائد النصارى، ويعتقدون أن عليًا ﵁ إلهًا- تعالى الله- (١). وقد سئل عن (النصيرية) شيخ الإسلام: ما تقول السادة العلماء في النصيرية القائلين باستحلال الخمر، وتناسخ الأرواح، وقِدم العالم، وإنكار البعث والنشور، والجنة والنار في غير الحياة الدنيا، وبأن الصلوات الخمس عبارة عن خمسة أسماء وهي: علي، وحسن، وحسين، ومحمد، وفاطمة .. إلخ ما ذكر السائل من أوصافهم فأجاب الشيخ: هؤلاء القوم المسمون بـ (النصيرية) هم وسائر أصناف القرامطة الباطنية، أكفر من اليهود والنصارى، بل وأكفر من كثير من المشركين، وضررهم على أمة محمد ﷺ أعظم من ضرر الكفار المحاربين إلى أن قال: ولا ريب أن جهاد هؤلاء وإقامة الحدود عليهم من أعظم الطاعات وأكبر الواجبات، وهم أتباع أبي شعيب محمد بن نصير، وكان من الغلاة الذين يؤلهون عليًا (٢).

стр. 3305

وحيث تبين معتقد النصيرية وعدوانهم على المسلمين في الماضي، فهم مثل أو أشد في زماننا الحاضر (١)، ومنذ أن استولى النصيرية على سوريا، وهم يسومون المسلمين السنة سوء العذاب، وقد عاد الإسلام غريبًا في حكمهم، والمسلمون غربًا فمنهم من قتل ومنهم من طرد أو سجن، هدمت المساجد، واضمحل العلم وغاب العلماء، بل وعادت الأرض المباركة ميدانًا للخيانات والتحالفات مع أعداء الأمة يفعل وتجاوزات هذه الطائفة النصيرية المنحرفة حتى صرح قادة الكتاب الصهيوني بقوله: «إن إسرائيل لن تكون بأمان ولن تكون قوة إقليمية عظمى ما لم تكن محاطة لفيفًا من الدويلات الطائفية والعرقية» واليوم وحيث ينتفض الشعب السوري مطالبًا بالحرية ورفع الظلم، والعودة للهوية المسلمة. يواجه بالحديد والنار، وتتحرك الدبابات والمدفعيات لتقصف المدن الآهلة بالسكان قصفًا عشوائيًا، تتساقط على أثره الجثث، ويكثر الجرحى، في مذابح بشعة، وعلى مرأى العالم ومسمعه، وإذا ثبت مشاركة النظام البعثي النصيري من قبل ميلشيات وعصابات تابعة لحزب الله (المزعوم) والباسيج الإيراني- حيث تقوم بالقتل على الهوية- فإن ذلك يعني حربًا طائفية على المسلمين السنة في سوريا. إنها جرائم حرب ومذابح يندى لها الجبين، ويستصرخ المستضعفون المحاصرون في سوريا إخوانهم فهل من مجيب؟ ويحكم الحصار أكثر على

стр. 3306

(درعا) وساكنيها، وتهدم بيوتها وتحاصر مساجدها، وتفنى أهلها وهمجية تذكر بغزو بلاد المسلمين. وحيث أعلن عن أدوار إيجابية لبعض الدول الأوروبية (كفرنسا) لردع النظام السوري إذا استمر في بطشه على المدنيين العزل وأمريكا تعتبر تصرفات سوريا تحمل شعب تصرفات همجية .. فالمسلمون أولى بالنصرة والمساعدة وأول ما يتجه الخطاب للأحرار من قوات الأمن والجيش في سوريا يكف القتال ورفع السلاح عن إخوانهم الذين يطالبون بحقوقهم ورفع الظلم عنهم، وهو حق كفلته شريعة الإسلام بل والأنظمة العالمية كلها، ثم يسير التذكير للعلماء والعامة في سوريا أن يكونوا صفًا واحدًا مقابل الظلم والعدوان، ويذكر شيوخ العشائر والقبائل في سوريا كذلك بنصرة المظلوم وردع الظالم كما تطالب الدول بمنع النظام السوري من عمليات القمع الوحشية ضد شعبه الأعزل، ويطالب المسلمون عمومًا بالنصرة والمؤازرة لإخوانهم- بما يستطيعون- وبالتضرع إلى الله تعالى بأن يكشف كربتهم ويحقن دماءهم ويحمي أموالهم وأعراضهم، ويثير في هذه المحنة، وأن يخذل عدوهم ويظهر الحق ويبطل الباطل .. ويطالب العلماء والدعاة وأصحاب الفكر بقول كلمة الحق وفضح النظام البعثي النصيري والكلمة منهم في هذه المرحلة ومن يدري فلعل هذه الانتفاضة في بلاد الشام مقدمات لعودة هذه الأرض لسابق عزها، وإيذان برفع الظلم عن المسلمين، واجتماعهم على الحق، وعدًا تنازليًا لهذه الأقلية النصيرية التي ساقت المسلمين وأفسدت بلادهم والتاريخ لا زال يعلمنا أن البطش والانتقام لا يقيم حضارة ولا يحمي دولة فالله هو القوي العزيز، وكم من مغرور بقوته جعله الله عبرة للمعتبرين .. وعلى المسلمين في سوريا أن يبتهلوا إلى الله، ويصبروا ويصابروا ويرابطوا، ويتقوا آيات الله لا يصلح عمل المفسدين ولا

стр. 3307

يهدي كيد الخائنين، وسوف يمكن للمستضعفين ويجعلهم أئمة إن هم صدقوا واتقوا .. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، وسيعود إلى أرض الشام بإذن الله عزها، وللمسلمين مجدهم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون .. اللهم انصر دينك وعبادك الصالحين، واجعل الدائرة على الكافرين والمنافقين، اللهم أصلح أحوال إخواننا المسلمين في سوريا، واحفظ عليهم أمنهم وإيمانهم وثبت أقدامهم واشف أمراضهم، واسخط على عدوهم. وفرق جمعهم، واقذف الرعب في قلوبهم.

стр. 3308

الأوامر الملكية الواقع والمأمول (١) إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره. كانت الجمعة الماضية ١٣/ ٤/ ١٤٣٢ هـ موعدًا للوفاء، وفرصًا للعطاء، ومزيدًا من التلاحم بين الراعي والرعية، وكانت هذه الجمعة- بحق- مضيئة كإضاءة القمر في آخر أيام البيض التي وافقت إعلان هذه الأوامر الملكية والأعطيات السخية، ومهما اختلفت وجهات النظر في تقييمها، أو اختلف الناس في النظر إليها .. فلا يمكن بحال لمنصف أن ينكر جملة من المعاني والمعالم البارزة في هذه الأوامر الملكية ولعل أبرزها ما يلي: ١ - أنها سبقت بكلمة معبرة من خادم الحرمين الشريفين صُفع فيها الباطل بالحق والخيانة بالولاء، وحيثما كان الخطاب موجهًا لعموم شعب المملكة، فقد خصص العلماء بالخطاب أولًا، وهم في نظر الوالي أوفى من وقف، وأحق من يكرم، وأخص من يذكر ويشكر، وكأن في هذه الاستهلالة إشارة إلى آيتين في كتاب الله أولاهما قوله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾، والأخرى قوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. ٢ - والتأكيد على مكانة العلماء في المملكة ليس غريبًا ولا جديدًا، فالدولة السعودية الأولى تأسست على يد رجلين هما: الإمام محمد بن سعود، والإمام محمد بن عبد الوهاب- رحمهما الله- واستمر للعلماء مكانتهم، وتواصوا

стр. 3309

الأمراء بتقديرهم والثناء على مكانتهم حتى جاء خطاب النائب الثاني ووزير الداخلية- قبيل إعلان الأوامر- مؤكدًا على العلماء مثنيًا على جهودهم، مقدرًا لمواقفهم (١). ٣ - ويتجاوز الثناء على العلماء إلى التأكيد على قيمة العلم الشرعي بكافة رجاله ورحابه وبكل مؤسساته العلمية والشرعية والدعوية والاحتسابية .. فأخذ الأوامر الملكية إنشاء مجمع فقهي سعودي لمناقشة القضايا الفقهية .. وآخر بإنشاء فروع للرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء في كل منطقة من مناطق المملكة، وإحداث ثلاثمائة وظيفة لهذا الغرض، واعتماد مائتي مليون لهذه الفروع، وثالث لتخصيص مبلغ ثلاثمائة مليون لدعم مكاتب الدعوة وتوعية الجاليات، ورابع هذه الأوامر: دعم الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف بمائتي مليون لاستكمال بناء مقرات لها في مختلف مناطق المملكة، وخامسها دعم جمعيات تحفيظ القرآن الكريم بمائتي مليون. ٤ - يحق للمتابع لهذه القرارات والأوامر الملكية أن يستنتج رمزيتها، وأن يبصر طعمها ولونها، وأن يتأكد من مكانة هذه القطاعات والمؤسسات الشرعية في بلاد الحرمين، فهي -في نظر الدولة- لا تستحق مجرد البقاء، بل وتستحق الدعم والمساندة ماديًا ومعنويًا، وكشفت هذه الأوامر الخاصة بهذه المؤسسات الشرعية والدعوية عن هوية قوم كانوا يغردون خارج السرب، وربما وصل الحال ببعضهم إلى المطالبة بإلغاء هذه المؤسسات أو ضمها لبعض، أو تقليص

стр. 3310

صلاحيتها .. أو الشغب عليها بشكل أو بآخر .. فجاءت الأوامر صفعة للباطل بالحق، وترسيخًا للخير، وتزكية للخيرين، وتأكيدًا على خصوصية بلاد الحرمين والتي طالما حاول البعض تغيبها أو إنكارها. ٥ - وحيث شملت الأوامر الملكية العناية ببيوت الله بتخصيص خمسمائة مليون لترميمها في كافة أنحاء المملكة، فلا شك أن العناية بالمساجد يعني العناية بدور المسجد ورسالته في المجتمع، والعناية بأئمة المساجد تأهيلًا وتدريبًا، والعناية بالمصلين دعوة وتعليمًا. ٦ - أما كتاب الله فهو المهيمن على الكتب السماوية كلها، وهو النور والشفاء، والذكر والبصائر. ولا غرابة أن تعني الدولة -وفقها الله- به تعلمًا وتعليمًا، وطباعة وحلقًا .. فهو الدستور الأعظم الذي تستمد منه نظامها .. وهو مع سنة المصطفى ﷺ هو الفيصل والحكم في أنظمتها وأحكامها. ٧ - ولم تهمل الأوامر الملكية دنيا الناس ومعاشهم، وتحسين ظروفهم الاقتصادية حيث شملت العاطلين عن العمل، ووفرت السكن، وحمت المستهلك من الجشع، ورفعت الحد الأدنى لرواتب السعوديين لا تقل عن ثلاثة آلاف ريال، ورفعت قرض صندوق التنمية العقارية إلى خمسمائة ألف، ثم أكملت فرحة موظفي الدولة بمنحهم مرتب شهرين، وتجاوزت إلى طلاب وطالبات التعليم العالي الحكومي، وهذه الأعطيات يقدرها الإسلام وتعني بها الحضارة الإسلامية، فديوان العطاء مفرق في تاريخه الإسلامي. ٨ - وجاء الأمر بمحاربة الفساد ومتابعة المفسدين معلمًا بارزًا في هذه الأوامر الملكية لا يستثنى أحد (كائنًا من كان) ولا يسمح بأي لون من الفساد (المالي والإداري) ولا مكان للمحسوبية والرشاوي، أو استغلال النفوذ، أو التستر ولعل من نافلة القول أن يشمل هذا الأمر الملكي الداعي لمحاربة

стр. 3311

الفساد إصلاحًا في السياسة والاقتصاد والتربية والتعليم والعدل، والاجتماع والإعلام .. وسواها من مرافق الدول .. إنها صيحة ينبغي أن تجلجل في بلادنا وثقافة حرية بأن تنتشر بين كافة أفراد مجتمعنا، ومسئولية ينبغي أن نحملها ونتحملها جميعًا. ٩ - كما جاء الأمر بمحاربة الجريمة وملاحقة اللصوص وسراق المال والأمتعة أو سراق العقول والقلوب بالمخدرات والمسكرات ونحوها، ومتابعة من تسول له نفسه العبث بأمن البلد ومقدراته .. وذلك بتعزيز الأمن وضخ ستين ألف وظيفة للأمن العام، نأمل أن تكون إنذارًا للمجرمين وحسمًا لمواقع الفتنة، وفرصًا وظيفية لأبناء الوطن. ١٠ - وحيث شملت الأوامر الملكية العسكريين المرابطين بترقياتهم وبناء وحدات سكنية لهم، فلاشك أن هؤلاء يمثلون خط الدفاع الأول، وهم أهل لحراسة مكتسبات الوطن والزود عن قلعة الإسلام، وقطع الطريق على كل صاحب فكر منحرف يريد نقبًا في السد، والترصد لكل فئة أو طائفة لها ولاءات وارتباطات خارجية (فالله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾. ١١ - ولم تهمل الأوامر الملكية صحة المواطن والمقيم حيث جاء فيها دعم وتوسعة المدن الطبية في المملكة وشمول ذلك للمدنيين والعسكريين .. اللهم فلك الحمد والشكر، والشكر موصول لولاة أمرنا، ولكل من ساهم في تفعيل هذه الأوامر وعجل بمخرجاتها ووسع دائرة الاستفادة منها ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾. إخوة الإسلام .. ومع الشكر والثناء والابتهاج بالواقع والعطاء .. فثمة أمل ومأمول ورجاء وتطلع .. فالحياة بطبيعتها متجددة، وهي فرص متواصلة،

стр. 3312

وتحديات لا بد من فعاليتها .. وبرغم شمول هذه الأوامر بخيرها لشريحة كبرى في بلادنا، فالمأمول أن تمتد المساحة ويشمل بالعطاء من فاته الكرم، وكم هو جميل أن نسمع عن عدد من القطاعات الخاصة شمول منسوبيها بالعطاء تفاعلًا مع هذه الأوامر، ولا نزال نتطلع للمزيد حتى تعم الفرحة المواطن والمقيم والموظف الحكومي وغيره، ولا نزال نتطلع من قادتنا وفقهم الله الالتفات إلى شرائح في المجتمع قد يكون نصيبها من هذه الأعطيات أقل من غيرها، ولا يزال الكرم في الكرام حتى يكون سجية لهم وطبعًا، وخلقًا يتحسسون فيه المحتاج ويبعدون شبح الإحباط. عن كل فئات المجتمع، وحيث شملت الأوامر المرأة العاملة - خارج بيتها- فالمأمول أن تشمل مكارم الدولة المرأة العاملة في بيتها، حيث هو عمل يستحق الإشادة والتشجيع، وربات البيوت هن الحارسات الأول لبيوتنا، والمدارس المخرجة لفلذات أكبادنا .. فالأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبًا طيب الأعراق، والأم أستاذ الأساتذة الأولى شغلت مآثرهن مدى الآفاق. والمأمول كذلك من قادتنا- وفقهم الله- أن يشملوا بكرمهم من هم خلف القضبان يتطلعون إلى الإفراج عنهم ليشاركوا بالفرحة مع غيرهم، ولتكتمل فرحة ذويهم وأهليهم، ويهدأ الطلب بالحديث عنهم، لاسيما من لم يثبت بحقه جرم يستحق العقوبة شرعًا، أو تلبس بأفكار وقناعات تجعله يمثل خطرًا على أمن البلد مستقبلًا أو من أحس بخطأه وصحت توبته، ومن يتطلعون للعفو عنهم كما عُفي عن غيرهم. والمؤمل كذلك أن يستشعر أصحاب الجهات والهيئات والمؤسسات، والجمعيات والقطاعات المدعومة مسئوليتهم في استثمار هذه الأوامر وتفعيلها، والتفكير بعقليات متفتحة، وأفكار ورؤى وآليات تطور وتبدع، وتدرب وتبتكر، وتزيد مساحة الخير، وتكون على مستوى تطلع القادة، وتحديات الواقع، فتوفر المال نعمة، ولكن استثمار هذا المال وتوسيع مخرجاته والعمق في فقه القرارات والأوامر نعمة لا تقل عن سابقتها. أملنا كبير في تفعيل هذه الأوامر الملكية، ووضع الهيئات واللجان الرقابية والمعايير، واستصدار الأنظمة واللوائح المفيدة حاضرًا ومستقبلًا. وأمل أكبر أن يصاحب هذه القرارات شعور جماعي بالمسئولية، وثقافة تنتشر

стр. 3313

في المجتمع لتغيير كثير من المفاهيم الخاطئة، وتعاون على البر والتقوى يحفظ على هذه الأوامر جمالها ويبلغ بها الحد الذي يريك الإسلام أولًا، ويتطلع إليه كل مسئول ومخلص لبلده وأمته ثانيًا. والمأمول كذلك أن نفرح جميعًا بهذه الأوامر .. ولا يسوغ لأحد أن يختزلها أو يختصر شيئًا منها، وكم كانت صدمة حين خرجت بعض صحافتنا بعد الإعلان عن هذه الأوامر، لتهمل عددًا من هذه الأوامر، في عناوينها، أو في تعليقات رؤساء وأصحاب الأعمدة فيها ولئن كان من حق أي إنسان أن يعبر عن وجهة نظره في موقعه الإلكتروني أو في مجالسه الخاصة، أو مع من يشاركونه الثقافة .. فليس يسوغ بحال أن يكون الاجتراء في صحف تمثل الدولة وتنطلق من سياستها الإعلامية، وليست ملكًا لثقافة معينة، أو حكرًا لأشخاص معينين ومجتمعنا - بحمد الله- بلغ به الوعي منزلة لا يليق تغييبه أو تجهيل أفراده وكما حجبت مواقع - كانت تسبح عكس التيار- ينبغي أن تحاسب أو تحجب من يزيف الوعي، أو يعبر عن الدولة بخلاف تعبيرها. وعزاؤنا أن الأكثرية في المجتمع فرحة وشاكرة، وأن ثمة وسائل إعلام أخرى عبروا بها عن فرحتهم وشكرهم لولاته أمرهم. وبعد يا عباد الله فبالشكر تدوم النعم ترى كم منا من شكر الله على هذه النعم فأعطى وتصدق، وأخلص في عمله وشارك في إصلاح مجتمعه وزادته هذه النعم طاعة لله وشكرًا له وحسن عبادة، ولم يتيسر شكر ولاته والدعاء له. هنا وقفة ولفتة ذكر بها خادم الحرمين الشعب بالدعاء له .. والدعاء لولي الأمر حق وهو أقل واجب، وصلاح الراعي أقرب طريق للإصلاح ومحاربة الفساد، اللهم فاهد قلبه وثبت إيمانه وقو عزيمته على الخير، وبارك له في عمره وعمله، وألبسه ثوب الصحة، واجعله نصرة للحق وسيفًا على المبطلين،

стр. 3314

وأصلح له البطانة، وسدده في مسؤلياته ومتابعة قراراته، واشمل بالدعاء نائبه الأول، ونائبه الثاني الذي بشر بهذه الأعطيات قبل صدورها، وأثنى على العلماء والخطباء وقدر مواقفهم .. اللهم انصر من نصر الدين واجعل الدائرة على الكافرين المنافقين.

стр. 3315

الحياء من الإيمان (١) الخطبة الأولى الحمد لله أمر بالبر والتقوى، ونهى عن الفحشاء والمنكر قولًا وفعلًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له من لاذ بحماه نجى، ومن أعرض عن ذكره فإن له معيشة ضنكًا، ويحشر يوم القيامة أعمى وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله دعا إلى مكارم الأخلاق وكان أسبق الناس لها، ونهى عن خوارم المروءة وقبائح الأخلاق فكان أبعد الناس عنها .. اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، هم مصابيح الدجى، والأعلون في الآخرة والأولى، ورضي الله عن الأصحاب النجباء، والمجاهدين الأوفياء، ومن تبعهم بإحسان ما لاح برق أو أضاء نجم في السماء .. أوصي نفسي وإياكم معاشر المسلمين بالإيمان والتقوى ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجًا﴾. أيها المؤمنون: خلق عظيم من أخلاق الإسلام، وميراث من ميراث النبوة الأولى ما أحرانا بالتذكير به، وأخذ أنفسنا به- قولًا وعملًا- يوصف به الله ﷻ ، ووصف به خيرة خلقه ﷺ .. «إن الله حيي ستير يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر» (٢). وفي الحديث الآخر: «إن الله تعالى حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرًا خائبتين» (٣).

стр. 3316

وكما أن الحياء سمة للأنبياء في الدنيا ومحمد ﷺ كان أشد حياء من العذراء في خدرها فهو سيمتهم في الآخرون وقد ورد أن عددًا من الأنبياء- ﵈ حين تطلب منهم الشفاعة يوم الموقف العظيم يتوقفون، وهم يذكرون ذنوبهم فيستحيون من الشفاعة، ويقول آدم: لست ها هنا ويذكر ذنبه فيستحيي، ثم يأتون نوحًا فيستشفعونه فيقول لست ها هنا ويذكر سؤاله ربه ما ليس به علم فيستحيي، ثم يأتون الخليل، ثم موسى ويذكر قتل النفس فيستحيي من ربه، ثم يأتون عيسى فيعتذر حتى يأتون محمدًا ﷺ فيستأذن ربه ويخر ساجدًا، ويدعو ما شاء الله حتى يؤذن له بالشفاعة .. الحديث (١). ألا ما أعظم الحياء حين يكون سمتًا للأنبياء في الآخرة والأولى، ومن قبل صفة لله جل وعلا، وما أقبح البذاء والجفاء ولاسيما حين يقودان إلى هتك الحجب، وتجاوز الحدود المشروعة فيورد صاحبه البوار، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء والجفاء في النار» (٢). يا أيها المتفاصح في المجالس رياءً وسمعة، أو تصدرًا للحديث للشهرة إياك أن تتجاوز الحياء، وتقع في النفاق، وفي الحديث: «الحياء والعي شعبتان من الإيمان، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق» (٣). إن الحياء قرين الإيمان (وكفى بذلك منزلة) وقد صح الخبر «الحياء والإيمان قرنا جميعًا فإذا رفع أحدهما رفع الآخر» (٤).

стр. 3317

أيها المسلمون وثمة مفاهيم خاطئة قد تعد من الحياء المشروع وهي ليست كذلك، كالقعود عن طلب العلم، قال مجاهد: لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر، وقالت أم المؤمنين عائشة ﵂: نِعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين (صحيح البخاري، كتاب العلم، باب الحياء في العلم). ولا ينبغي أن يمنع الحياء من التفقه في الدين وسؤال ما أشكل، فإن استحيا بنفسه عن السؤال وكل غيره، كما فعل علي ﵁ حين كان رجلًا نداءً (هو الذي يحرج من الرجل عند الملاعن (الفتح ١/ ٢٣٠). فقال ﷺ فيه الوضوء (صحيح البخاري) ينبغي الحياء في المطالبة بالحقوق ولا في تعليم الجاهل، ونصرة المظلوم، وردع الظالم. ليس من الحياء التوقف عن قول الحق أو فعل الحق، وفي البخاري عن أم سليم ﵂ قالت: يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة غسل إذا احتلمت؟ قال: إذا رأت الماء (٣). ومن المفاهيم الخاطئة في الحياء التأخر في فعل المأمور الشرعي بسبب الحياء، أو الإقدام على فعل المحذور شرعًا لا حياء ومجاملة للآخرين، فالحياء- الحق- لا يأت إلا بخير- ليس من الحياء المشروع مداراة بعض الأعراف الاجتماعية المنحرفة، وليس من الحياء المشروع الخجل والفزعة بغير الحق- بل عصبية جاهلية.

стр. 3318

عباد الله ليس من الحياء من الله من إذا جن ليل وكان الظلام باشر من الفجور وارتكب من المعاصي والآثام ما لم تخطئه عين الله ولم يغب عن علمه، وإن ستره في الدنيا فالفضيحة يوم القيامة على رءوس الأشهاد وليس من الحياء من يظهر التنسك والعبادة أمام الخلق حتى إذا لاح له مغنم من الدنيا أو غاب عن أنظار الخلق نسي الله ونسي نفسه وتنسكه فلم يبال بالحرام ولم يتورع عن المنكرات .. ليس من الحياء من يعتدي على أعراض الناس أو أموالهم أو دمائهم .. وربما رأى ذلك نوعًا من الشطارة والشجاعة والدهاء. ليس من الحياء من يتكاسل عن الصلاة المكتوبة أو يمنع الزكاة الواجبة .. وليس من الحياء شرب المسكرات وتناول المخدرات .. ليس من الحياء المجاهرة بالمعصية أو رؤية المنكر دون تمعر الوجه وتحرك الإيمان لتغير المنكر وليس من الحياء الكذب في الحديث، والخلف في الموعد، والفجور في المخاصمة. إن من مظاهر التوازن، ومن علامات التكامل في التربية، أن تجد المؤمن القوي الحازم الدءوب حييًا خجولًا أديبًا وقورًا. الحياء الممدوح: (خلق يبعث على ترك القبيح) (١) - كما عرّفه ابن حجر- وقد صنف الحياء إلى شرعي وغير شرعي فقال: (الشرعي الذي يقع على وجه الإجلال والاحترام للأكابر- وهو محمود- وأما ما يقع سببًا لترك أمر شرعي، فهو مذموم وليس هو بحياء شرعي، وإنما هو ضعف ومهانة (٢).

стр. 3319

ومن الحياء والذوق الرفيع أن تأتي للناس مثل ما تحب أن يأتوه إليك .. وثمة أبرار حييون إذا خلوا من الناس خلوا بربهم يعبدونه ويبكون وإذا خالطوا الناس كانوا بالمعروف آمرين وعن المنكر ينهون لا يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله وربما بلغ بهم الإيمان أن فرحوا بكل نعمة تحصل لإخوانهم المسلمين وكأنما حصلت لهم .. أيها المسلمون ومن لم يرزق الحياء بالفطرة، طُولب به بالقصد والاكتساب والتعلم، هو خلق الإسلام خاصة وأنه الخلق المميز لأتباع هذا الدين، كما جاء في الحديث الحسن: «إن لكل دين خلقًا، وخلق الإسلام الحياء» (١). لقد كان أهل الجاهلية- على جاهليتهم- يتحرجون من بعض القبائح بدافع الحياء، ومن ذلك ما جرى مع أبي سفيان عند هرقل، لما سئل عن رسول الله ﷺ ، ويقول في ذلك: «فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذبًا، لكذبت عنه» (٢) اهـ. ترى الرجل الحيي يحتقن وجهه، وتحمر وجنتاه، إذا صدر منه أو من غيره ما ينافي الحياء: «كان رسول الله ﷺ أشد حياء من عذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئًا رئي ذلك في وجهه» (٣)، ومن سمت الحياء: ما يتميز به الحيي من مظاهر الوقار والسكينة، إذ روي عن بُشير بن كعب قوله: (مكتوب في الحكمة: إن من الحياء وقارًا، وإن من الحياء سكينة) (٤) قال القرطبي: «معنى كلام بُشير: أن من الحياء ما يحمل صاحبه على الوقار، بأن يوقر غيره، ويتوقر هو في نفسه، ومنه ما يحمله على أنه يسكن عن كثير مما يتحرك الناس فيه من الأمور التي لا

стр. 3320

تليق بذي المروءة .. ) (١) فالحياء يحجز النفس عن كثير من خوارم المروءة، وقوادح الدين. اللهم ارزقنا حياء نخشاك فيه في السر والعلن، وحياءً من خلقك نؤدي إليهم حقوقهم ونحترم واجباتهم.

стр. 3321

الخطبة الثانية من ثمرات الحياء ومن الحياء إجلال الأكابر، واحترام أهل السابقة والعلم، وفي سلوك ابن عمر ﵄ برهان ذلك. فقد سأل رسول الله ﷺ الصحابة: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وهي مثل المسلم، حدثوني ما هي؟ » (١) فعرف ابن عمر أنها النخلة، واستحيا أن يجيب، ويعلل حياءه- كما في روايات الحديث- بأنه وجد نفسه أصغر الجالسين، وأنه رأى أبا بكر وعمر لا يتكلمان، فكره أن يتكلم (٢). كم يشرح الصدر ذلك المجتمع الذي يستحي فيه الصغير من الكبير، ويتعامل الناس فيه بالاحترام والتوقير. ومن ثمرات الحياء أن الحياء بنفسه وقاية من الوقوع في المعاصي، فقد ورد أن أحد الصحابة كان يعاتب أخاه على حيائه، وكأنما يقول له: قد أضر بك الحياء. فقال رسول الله ﷺ : «دعه. فإن الحياء من الإيمان» (٣) قال أبو عبيد الهروي: (معناه أن المستحي ينقطع بحيائه عن المعاصي .. فصار كالإيمان القاطع بينه وبين المعاصي) (٤) ولذلك عمم الرسول ﷺ في سبيل للخير وزينة للسلوك بيان ثمرات الحياء، فقال: «الحياء لا يأتي إلا بخير» (٥) وهو سبيلٌ للخير وزينة للسلوك، فقال: «ما كان الفحش في شيء قط إلا شانه، ولا كان الحياء في شيء قط إلا زانه» (٦).

стр. 3322

وكما يورث الحياء الأدب مع الخلق فهو أعظم حين يورث الأدب والخشية من الخالق، وكما أن الحياء أدب مع الخلق فهو أعظم، بل أسمى صوره حين يكون حياءً من الخالق، ولذا جاء الأمر به «استحيوا من الله حق الحياء». ومن أمارات الاستحياء من الله: أن تحفظ الرأس وما وعى (أي تحفظ سمعك وبصرك ولسانك وأنفك وفكك عن الحرام) وأن تحفظ البطن وما حول (فلا تأكل أو تشرب الحرام) وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا) فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء (١). ولإحساس المؤمن في الدنيا بأن الله يراه على جميع أحواله؛ فإنه يستحيي من ربه، حتى في حال خلوته، ولذلك ورد في التستر عند الاغتسال في الخلوة، قوله ﷺ : «الله أحق أن يستحيا منه من الناس» (٢) والذي يستحيي من ربه، إن كشف عورته في خلوته، حري به أن يمنعه الحياء من الإقدام على معصية .. يجاهر بها. أخي المسلم حيث تشعر بالحرج، وتخشى التأثم، فتوقف، وحيث يطمئن القلب، ولا تشعر بالحرج، فاصنع ما شئت. فاقد الحياء فليصنع ما يشاء، ولينظر بعدئذ ماذا يفعل الله به. وليس عجيبًا ما نراه من منكرات الأخلاق، إذا علمنا أن رادع الحياء قد مات عند بعض الناس، فالذي لا يستحي- عادة- يصنع ما يشاء، بلا حرج من أحد (٣).

стр. 3323

أفلا يكون كل منا عونًا لأخيه في مجاهدة النفس، وتجنب ما لا يليق، والتزام حدود الأدب مع الخلق والخالق، في الخلوة والجلوة، وفي الغيبة والشهادة، فقد جاء في الحديث: «إن الله حليم، حيي، ستير، يحب الحياء والستر .. » (١) وربما كان لاقتران الحياء والستر فيما يحب الله، إشارة إلى أنه حيث وجد الحياء، وجد الستر والعفاف، وحيث تحل الجرأة على القبائح، يحل معها التكشف والفضائح، إن عيوب النفس مستورة بجلباب الحياء، فإذا ما نزع الستر، تكشفت أمراض النفوس، وتجرأ الصغير على الكبير، وانطلق الناس من كل قيد، وتحرروا من كل وازع، وغرقوا في أوحال الرذيلة ... وستبقى الفطرة ميالة إلى الحياء والستر. فلنحافظ على الحياء ولنجعله لنا شعارًا ودثارًا وخلقًا وسلوكًا ولنتذكر جميعًا أنه حيث وجدك عليه زاد مؤشر الأحياء .. وحيث ضعف الإيمان حل الجفاء والبذاء، وصنع المرء ما شاء، وعند ربك الملتقى.

стр. 3324

مشاهد الرعب والموت في عبارة السلام (١) الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره .. عباد الله المسافة بين الموت والحياة قصيرة جدًا، والخيط رفيع بين الأحياء والأموات .. ومع اكتمال الصحة وتوفر القوة فقد يسترخي المرء للموت رغم أنفه .. وقد ينهك المرض أو الهرم جسد الإنسان ويعمر ما شاء الله له أن يعمر من السنين .. إنه الموت غائب حاضر، بعيد قريب، أجل محتوم وأنفاس معدودة ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾. ويحك يا ابن آدم تفجر وتفسق وتطغى وتتجبر .. وقد يكون الموت منك قاب قوسين أو أدنى، وما من الموت مفر ولا مهرب .. تعجز الأموال أن تدفع الموت .. ويقف الملك والسلطان ضعفاء أمام قدر الله وقوته وأجاله وسلطانه .. وقد يكون الموت راحة من عناء .. وفرجًا من شدة .. ونقلة من حال إلى حال كما يكون الموت شهادة ورفعة، فليس الشأن بالموت- رغم ما فيه من أهوال ومصائب- ولكن الشأن الأعظم فيما بعد الموت، فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ. أيها المسلمون آلمني وآلم غيري من المسلمين حادث غرق السفينة المسماة بالسلام ٩٨.

стр. 3325

ألف أو يزيدون من المسلمين يموتون حتفهم في لج البحر .. وقبل الموت يحاصرهم الرعب وتحيط بهم المخاوف من كل جانب .. فمن تحتهم حريق تتصاعد أدخنته حتى تكتم الأنفاس وتخلع القلوب، وللنار رهبة لا تخفى، وعن أيمانهم وشمائلهم لج البحر بعمقه وأمواجه المتلاطمة .. فكيف إذا كانت الرياح عاتية .. والجو باردًا؟ وكيف الحال إذا كان على ظهر العبارة قرابة ألف وخمسمائة من البشر وفيهم النساء والأطفال والشيوخ والعجزة، والمرضى والضعفاء؟ إنها حالة من الرعب تبلغ نهايتها حين تتعالى الأصوات بالبكاء وتوزع ستر النجاة .. ولا مفر من الحريق إلا الغرق .. وأخيرًا تنطفئ أنوار المركبة .. والحدث في جنح الظلال، والزمان في أول الشهر فلا بدر من الظلام .. يا الله لك أن تتصور هذه الساعات الحرجة التي عاشها المسافرون على ظهر عبارة الموت؟ ظلمة السفينة وظلمة البحر، واشتعال النار، وأصوات العويل والبكاء .. واستصراخ يقطع أنياط القلوب .. ويحدث شهود العيان الذين نجوا من هذه الكارثة ويقولون تعجز كلماتنا أن تصف المشهد .. ويصعب على الخيال أن يتصور المأساة .. ونحن لم ننج بقوتنا ولا بحيلنا، ولا بمهاراتنا .. إنها العناية الإلهية ليس إلا .. أنقذنا الله ونحن نحسب أنفسنا في عداد الموتى .. كيف لا ونحن نشاهد في كل لحظة أطفالًا يغرقون .. وربما ازرقت أجسادهم من الكرب حتى ماتوا .. ونشاهد نساء ورجالًا يطفون على سطح البحر .. العناية الإلهية أنقذت الطفل الذي قال إن آخر العهد بأبي حين وضعني في قارب نجاة وطلب مني الانتظار .. وبعد أكثر من عشرين ساعة بين أمواج البحر

стр. 3326

يعثر رجال إنقاذ على الطفل ليكون في عداد الأحياء تاركًا أباه وأمه وأخاه وأخته في عداد المفقودين .. ويؤكد ناج آخر أنه أمضى خمسين ساعة في البحر في صراع بين الموت والحياة حتى كتب الله له النجاة .. ويروي قصته والثلاثة الذين معه الذي أمسكوا جميعًا بطوق نجاة وكانت الرياح والأمواج تقلبهم ذات اليمين وذات الشمال حتى سقط منهم اثنان في البحر لشدة الأعياء .. ونجا اثنان منهم .. كان هو أحدهم. ويحدث ناج فقد أخاه ويقول حين وقعت في البحر لم أجد إلا برميلًا تعلقت به أنا وعشرة آخرون معي ولمدة خمسة عشر ساعة، وأصعب مشهد واجهته في عرض البحر أن سمك (القرش) التهم أحد الأشخاص من بيننا .. مما جعلنا في حالة ارتباك وذعر متواصلة .. وقال إن هذا المشهد لن ينساه أبدًا. ويروي أحد الناجين بكل ثقة وإيمان إنه لم يفقد عقله منذ بدأ الحدث حتى أنجاه الله، ولم يفتر عن الذكر والدعاء .. يستحضر فضل يوم الجمعة وساعة الإجابة فيه وهو في عمق البحر فيذكر الله ويدعوا .. ويحضر وقت صلاة على أثر صلاة أخرى فلا يتأخر عن الأذان والصلاة وقد لا يستطيع الصلاة إلا قائمًا أو بالإيماء فيفعل، وقد يجمع الصلاتين- وقد يصلي الفجر بوضوء العشاء أو الوتر- إنها حالات تكشف عن الثبات والإيمان .. واليقين ويحدث شباب نجوا عن جهودهم في الإنقاذ، رغم الهول والشدة، وكم تبرز في هذه الحالات مروءات الناس ونجدتُّهم وإن كانوا هم أحوج ما يكونون للنجدة والإنقاذ. فريق من الذين نجوا يحدثون عن الساعات الأخيرة التي ودعوا فيها آباءهم وأمهاتهم وأبناءهم وإخوانهم وأخواتهم .. وقد فصل البحر بينهم، أو التهم الحريق عددًا منهم .. ولك أن تتصور أن العبارة حين غرقت واستقرت في عمق

стр. 3327

البحر كانت تغوص لعمق سبعمائة وخمسين مترًا، وكان يرقد فيها مئات من الركاب الذين ابتلعهم البحر ولم يستطيعوا أن يتجاوزوها كغيرهم .. ممن تجاوزها فنجا .. أو تجاوزها وكان مصيره كمصير هؤلاء .. رعب الموت جعل الركاب يتزاحمون على القوارب القليلة للنجاة وربما حمل القارب سبعين وهو لا يتحمل أكثر من ثلاثين، ولذا غرقت القوارب ليغرق معها نفر من الناجين لأول وهلة وليعود من السبعين بعضهم ليعاود الحياة من جديد .. ساعات حرجة .. ومصاب جلل .. كم أنات نفذت .. وكم من عبرات سكبت .. كم من استعانة واستغاثة ولا غوث إلا الله هناك في أعماق البحر الأحمر دفنت آمال، وانقطعت أنفاس، وأصطفى الله شهداء .. تيتم أطفال .. وترملت نساء، وأزهقت أرواح، وذهبت أموال .. فمن المسئول؟ وماذا بعد الحدث، وكيف تكون الاحتياطات في المستقبل؟ أيليق أن يؤذن لعبارة قديمة متهالكة بالإبحار وعلى ظهرها جموع كثيرة من البشر، هذا فضلًا عن البضائع والأموال أثر فض العبارة في بلاد الغرب .. ويسمح لها في بلاد المسلمين؟ كيف يهيم الركاب الناجون من الحريق في لج البحر لخمسين ساعة أو تزيد دون أن تصلهم فرق الإنقاذ .. في بحر لا كالمحيطات الكبرى .. ؟ ! إن الموت لا مفر منه، والأجل لا مهرب عنه .. ولكن الأسباب مأمور بها شرعًا .. فهل تكفي الأسباب والاحتياطات التي عملت لعبارة الموت وركابها .. سواء منهم من نجا أو احترق أو غرق؟ وهل يكفي أن يكون الحدث جعجعة إعلامية ثم ينتهي كل شيء لا يكفي أن نسمع من الناجين حكايات الموت وعبارات المحنة، ومشاعر الذهول ثم ينتهي الأمر ويطوى ملف العبارة. إن الناس قد تنسى الحدث كما تنسى غيره حين تتلاحق الأحداث، ولكن الله

стр. 3328

لا ينسى إهمال المسئولين، وتفريط اللامبالاة بأرواح البشر .. ومن حق الناس أن يكون هذا الحدث درسًا لغيره .. تتخذ كافة الاحتياطات ويعتني بالمراكب، ووسائل النجاة، ويكون التواصل لعبارة تحمل مثل هذا العدد مستمرًا من حين تتحرك من مرساها إلى أن تصل إلى غايتها .. أما أن يظل البشر يطفون على سطح البحر ليوم أو يومين أو أزيد دون علم أو طريقة سريعة للإنقاذ .. فذلك لا يسوغ في زمن العلم وعصر التقنية وتوفر وسائل السلامة، هنا لا مكان للشفاعة والواسطة والمحسوبية على حساب أرواح البشر. عباد الله .. وإذا قيل هذا وغيره عن من وراء الحدث والمسئولية عن شركات النقل البحرية .. فيقال لعموم الناجين بل ولعموم المسافرين .. ما هو زادنا للسفر؟ وما هي نوايانا حين السفر؟ إن من الناس من يتزود للسفر بكل شيء ولكن زاده من الإيمان والتقى ضعيف وخير الزاد التقوى فهو أمان من الكروب .. ومطمئن حين الشدائد ومن عرف الله في حال الرخاء عرفه في حال الشدة .. وكم تختلف نوايا المسافرين .. فكن أيها المسافر المسلم مستحضرًا لعظمة الله في جمال سفرك وإقامتك .. وإياك والأماني الباطلة والأهداف المريبة فقد تسافر ولا تعود .. وقد تختم لك بسوء عملك في سفرة لم تتحرز فيها من الخفاء والفجور، تظن بزعمك أنك بعيد عن الأنظار والله يراك حين تقوم وتقعد وتحط وترحل. فالله الله في المراقبة .. والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك .. وإذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب .. إنه ميلاد جديد لمن نجوا من عبارة السلام .. ويناف أن يكون موعظة وذكرى لغيرهم من المسلمين .. يراجعوا أنفسهم ويفتشوا في أرصدتهم، ويروا بماذا

стр. 3329

يلقون ربهم .. وأحداث الزمان تتكرر .. ومن لم يمت بالسيف مات بغرق تنوعت الأسباب والموت واحد .. والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني. غفر الله لمن لقوا حتفهم وتقبلهم الله شهداء وأجر أهلهم وذويهم ورزقهم الصبر والاحتساب، وشفا الله من مرض وكتب الأجر لمن عانى وسلم، وإنا لله وإنا إليه راجعون ولا نقول إلا ما يرضي ربنا.

стр. 3330

الخطبة الثانية أيها المسلمون ومشهد مأسوي آخر رآه الناس هذه الأيام تلغى فيه آدمية البشر .. وتنس إنسانيته .. وتقصر حقوقه عن حقوق الحيوان فضلًا عن الإنسان .. المشاهد التي تتكرر على أيدي جنود الاحتلال في العراق وهم يمارسون أبشع ألوان الظلم والحقد والكراهية .. أجل إننا ما نسينا ولا نسي الزمان أحداث سجن أبي غريب .. ومآسي جوانتناموا، والسجون الطائرة، والمبحرة، والمغيبة في دول مختلفة .. وهذه الأيام يكشف النقاب عن لون من الهمجية يمارسه الجنود البريطانيون مع الصبية العراقيين .. تعجز العيون عن متابعة المشاهد كلها .. وتعتصر القلوب أسى لحجم الظلم والاعتداء على صبية عزل أي لون من الهمجية هذا .. وأي ضرب من ضروب الحضارة يمارس في أرض الرافدين .. أي كرامة للإنسان .. وأي ذنب اقترفه المسلمون .. غير المقاومة عن بلادهم المحتلة وحقوقهم المشروعة؟ أهذه الحرية المزعومة والتي طالما خدع بها الغرب المغفلين أهذه هذه الديمقراطية التي أراد الغرب أن يزرعها في بلاد المسلمين إن قضايا التعذيب والإهانة والحقد الذي مارسه الغرب في بلاد الرافدين وغيرها أضافت إلى سجل أمريكا وبريطانيا- على الخصوص- مشاهد لا تنسى، وحقدًا حفر في القلوب .. إنهم يزرعون الحقد وينبتون الكراهية لهم في شعوب العالم كله المسلمين .. وتلك إيجابية للمسلمين رغم سلبياتها .. إنها تكشف عن الوجه الصالح للحضارة الغربية المتهاوية .. وإن هذه
следующие страницы →