← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

يعثر رجال إنقاذ على الطفل ليكون في عداد الأحياء تاركًا أباه وأمه وأخاه وأخته في عداد المفقودين .. ويؤكد ناج آخر أنه أمضى خمسين ساعة في البحر في صراع بين الموت والحياة حتى كتب الله له النجاة .. ويروي قصته والثلاثة الذين معه الذي أمسكوا جميعًا بطوق نجاة وكانت الرياح والأمواج تقلبهم ذات اليمين وذات الشمال حتى سقط منهم اثنان في البحر لشدة الأعياء .. ونجا اثنان منهم .. كان هو أحدهم. ويحدث ناج فقد أخاه ويقول حين وقعت في البحر لم أجد إلا برميلًا تعلقت به أنا وعشرة آخرون معي ولمدة خمسة عشر ساعة، وأصعب مشهد واجهته في عرض البحر أن سمك (القرش) التهم أحد الأشخاص من بيننا .. مما جعلنا في حالة ارتباك وذعر متواصلة .. وقال إن هذا المشهد لن ينساه أبدًا. ويروي أحد الناجين بكل ثقة وإيمان إنه لم يفقد عقله منذ بدأ الحدث حتى أنجاه الله، ولم يفتر عن الذكر والدعاء .. يستحضر فضل يوم الجمعة وساعة الإجابة فيه وهو في عمق البحر فيذكر الله ويدعوا .. ويحضر وقت صلاة على أثر صلاة أخرى فلا يتأخر عن الأذان والصلاة وقد لا يستطيع الصلاة إلا قائمًا أو بالإيماء فيفعل، وقد يجمع الصلاتين- وقد يصلي الفجر بوضوء العشاء أو الوتر- إنها حالات تكشف عن الثبات والإيمان .. واليقين ويحدث شباب نجوا عن جهودهم في الإنقاذ، رغم الهول والشدة، وكم تبرز في هذه الحالات مروءات الناس ونجدتُّهم وإن كانوا هم أحوج ما يكونون للنجدة والإنقاذ. فريق من الذين نجوا يحدثون عن الساعات الأخيرة التي ودعوا فيها آباءهم وأمهاتهم وأبناءهم وإخوانهم وأخواتهم .. وقد فصل البحر بينهم، أو التهم الحريق عددًا منهم .. ولك أن تتصور أن العبارة حين غرقت واستقرت في عمق

стр. 3327

البحر كانت تغوص لعمق سبعمائة وخمسين مترًا، وكان يرقد فيها مئات من الركاب الذين ابتلعهم البحر ولم يستطيعوا أن يتجاوزوها كغيرهم .. ممن تجاوزها فنجا .. أو تجاوزها وكان مصيره كمصير هؤلاء .. رعب الموت جعل الركاب يتزاحمون على القوارب القليلة للنجاة وربما حمل القارب سبعين وهو لا يتحمل أكثر من ثلاثين، ولذا غرقت القوارب ليغرق معها نفر من الناجين لأول وهلة وليعود من السبعين بعضهم ليعاود الحياة من جديد .. ساعات حرجة .. ومصاب جلل .. كم أنات نفذت .. وكم من عبرات سكبت .. كم من استعانة واستغاثة ولا غوث إلا الله هناك في أعماق البحر الأحمر دفنت آمال، وانقطعت أنفاس، وأصطفى الله شهداء .. تيتم أطفال .. وترملت نساء، وأزهقت أرواح، وذهبت أموال .. فمن المسئول؟ وماذا بعد الحدث، وكيف تكون الاحتياطات في المستقبل؟ أيليق أن يؤذن لعبارة قديمة متهالكة بالإبحار وعلى ظهرها جموع كثيرة من البشر، هذا فضلًا عن البضائع والأموال أثر فض العبارة في بلاد الغرب .. ويسمح لها في بلاد المسلمين؟ كيف يهيم الركاب الناجون من الحريق في لج البحر لخمسين ساعة أو تزيد دون أن تصلهم فرق الإنقاذ .. في بحر لا كالمحيطات الكبرى .. ؟ ! إن الموت لا مفر منه، والأجل لا مهرب عنه .. ولكن الأسباب مأمور بها شرعًا .. فهل تكفي الأسباب والاحتياطات التي عملت لعبارة الموت وركابها .. سواء منهم من نجا أو احترق أو غرق؟ وهل يكفي أن يكون الحدث جعجعة إعلامية ثم ينتهي كل شيء لا يكفي أن نسمع من الناجين حكايات الموت وعبارات المحنة، ومشاعر الذهول ثم ينتهي الأمر ويطوى ملف العبارة. إن الناس قد تنسى الحدث كما تنسى غيره حين تتلاحق الأحداث، ولكن الله

стр. 3328

لا ينسى إهمال المسئولين، وتفريط اللامبالاة بأرواح البشر .. ومن حق الناس أن يكون هذا الحدث درسًا لغيره .. تتخذ كافة الاحتياطات ويعتني بالمراكب، ووسائل النجاة، ويكون التواصل لعبارة تحمل مثل هذا العدد مستمرًا من حين تتحرك من مرساها إلى أن تصل إلى غايتها .. أما أن يظل البشر يطفون على سطح البحر ليوم أو يومين أو أزيد دون علم أو طريقة سريعة للإنقاذ .. فذلك لا يسوغ في زمن العلم وعصر التقنية وتوفر وسائل السلامة، هنا لا مكان للشفاعة والواسطة والمحسوبية على حساب أرواح البشر. عباد الله .. وإذا قيل هذا وغيره عن من وراء الحدث والمسئولية عن شركات النقل البحرية .. فيقال لعموم الناجين بل ولعموم المسافرين .. ما هو زادنا للسفر؟ وما هي نوايانا حين السفر؟ إن من الناس من يتزود للسفر بكل شيء ولكن زاده من الإيمان والتقى ضعيف وخير الزاد التقوى فهو أمان من الكروب .. ومطمئن حين الشدائد ومن عرف الله في حال الرخاء عرفه في حال الشدة .. وكم تختلف نوايا المسافرين .. فكن أيها المسافر المسلم مستحضرًا لعظمة الله في جمال سفرك وإقامتك .. وإياك والأماني الباطلة والأهداف المريبة فقد تسافر ولا تعود .. وقد تختم لك بسوء عملك في سفرة لم تتحرز فيها من الخفاء والفجور، تظن بزعمك أنك بعيد عن الأنظار والله يراك حين تقوم وتقعد وتحط وترحل. فالله الله في المراقبة .. والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك .. وإذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب .. إنه ميلاد جديد لمن نجوا من عبارة السلام .. ويناف أن يكون موعظة وذكرى لغيرهم من المسلمين .. يراجعوا أنفسهم ويفتشوا في أرصدتهم، ويروا بماذا

стр. 3329

يلقون ربهم .. وأحداث الزمان تتكرر .. ومن لم يمت بالسيف مات بغرق تنوعت الأسباب والموت واحد .. والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني. غفر الله لمن لقوا حتفهم وتقبلهم الله شهداء وأجر أهلهم وذويهم ورزقهم الصبر والاحتساب، وشفا الله من مرض وكتب الأجر لمن عانى وسلم، وإنا لله وإنا إليه راجعون ولا نقول إلا ما يرضي ربنا.

стр. 3330

الخطبة الثانية أيها المسلمون ومشهد مأسوي آخر رآه الناس هذه الأيام تلغى فيه آدمية البشر .. وتنس إنسانيته .. وتقصر حقوقه عن حقوق الحيوان فضلًا عن الإنسان .. المشاهد التي تتكرر على أيدي جنود الاحتلال في العراق وهم يمارسون أبشع ألوان الظلم والحقد والكراهية .. أجل إننا ما نسينا ولا نسي الزمان أحداث سجن أبي غريب .. ومآسي جوانتناموا، والسجون الطائرة، والمبحرة، والمغيبة في دول مختلفة .. وهذه الأيام يكشف النقاب عن لون من الهمجية يمارسه الجنود البريطانيون مع الصبية العراقيين .. تعجز العيون عن متابعة المشاهد كلها .. وتعتصر القلوب أسى لحجم الظلم والاعتداء على صبية عزل أي لون من الهمجية هذا .. وأي ضرب من ضروب الحضارة يمارس في أرض الرافدين .. أي كرامة للإنسان .. وأي ذنب اقترفه المسلمون .. غير المقاومة عن بلادهم المحتلة وحقوقهم المشروعة؟ أهذه الحرية المزعومة والتي طالما خدع بها الغرب المغفلين أهذه هذه الديمقراطية التي أراد الغرب أن يزرعها في بلاد المسلمين إن قضايا التعذيب والإهانة والحقد الذي مارسه الغرب في بلاد الرافدين وغيرها أضافت إلى سجل أمريكا وبريطانيا- على الخصوص- مشاهد لا تنسى، وحقدًا حفر في القلوب .. إنهم يزرعون الحقد وينبتون الكراهية لهم في شعوب العالم كله المسلمين .. وتلك إيجابية للمسلمين رغم سلبياتها .. إنها تكشف عن الوجه الصالح للحضارة الغربية المتهاوية .. وإن هذه

стр. 3331

المشاهد لتبعث في المسلمين روح الحياة والمقاومة ولكن القوم لا يعقلون .. ولربما عجزت خطب رنانة عن تصوير بغض الغرب للإسلام والمسلمين .. وقامت هذه المشاهد بدور البعث وإلهاب المشاعر .. والقوم بأنفسهم يوقعون ولربما تقاصرت الكلمات مهما كانت بلاغتها عن تصوير همجية الغرب .. فجاءت هذه الأحداث المأسوية والصور الناطقة لتعبر بجلاء .. وتضع الغرب أمام مشاهد الكاميرا التي تسوء ولا تستر وتفضح ولا ترحم. أجل طالما تحدث أهل العقيدة والفكر السليم عن عقيدة الولاء والبراء .. الولاء للمؤمنين والبراءة والبغض للكافرين ولكن أحداث القتل والتدمير والتعذيب والكراهية والعدوان باتت وسيلة ناجحة لتحقيق هذا المفهوم العقدي الذي يملأ آيات القرآن وأحاديث المصطفى ﷺ . إن العالم الإسلامي اليوم يتململ ويتفجر .. فهو لا يفتأ أن ينتقل من كارثة إلى أخرى ومن حرب إلى ثانية .. وكلها توجه إلى صدور المسلمين .. وقيمهم وإسلامهم .. حتى وصل الأمر إلى قرآنهم ونبيهم .. فكانت قشة قصمت ظهر البعير .. لقد أزعجت هذه الحوادث والتصرفات الرغباء عقلاء القوم وإن لم يكونوا مسلمين .. واعتبروا الأحداث الأخيرة بمثابة قطرة زيت أشعلت الغضب الكامن لدى المسلمين .. إن هذه الأحداث رغم مرارتها تثبت الإيمان في القلوب، وتستدعي الغيرة على الإسلام حتى من نفر من المسلمين أقل من غيرهم في الالتزام ولئن كانت رصيدًا للمسلمين في تحرك المشاعر، وصدق الانتماء للإسلام ومحبة الرسول ﷺ ، وجمع الكلمة، والشعور بالتحدي الباعث على الدعوة للدين الحق

стр. 3332

وتصحيح الأخطاء، والاستعداد للخطر القادم، ودعم المقاومة المشروعة، والانتصار للمظلومين .. فهي في المقابل طعنة في قيم الغرب .. وإفلاس في حضارتهم وتعميق للعداوة .. ووضوح في الرؤية تجاه مبادئهم وصادراتهم إنها عد تنازلي لمكاسبهم .. وفروق كبيرة في سفنهم المبحرة، وبداية للخلاف بينهم .. والفأل يدعونا أن نقول إنها بدايات النهاية لهم .. وربك لا يصلح عمل المفسدين .. ولا يرضى لعباده الكفر، ويمحق الكافرين والسؤال المهم هل يستفيد المسلمون من هذه الأحداث بالقدر المطلوب وهل يستثمرونها لصالح دينهم وقضاياهم .. دون أن يكون للغرب أو الشرق مدخل عليهم. هل تكون بداية لانطلاق العملاق .. هل تنهي هذه الممارسات الظالمة الهمجية فترة من الذل والهوان والفرقة والشتات والاستضعاف هل تكون مجالًا للتنسيق والمشورة وتبادل الآراء والخروج من المآزق بسلام .. إن القادة والمفكرين والعلماء والدعاة والأغنياء والوجهاء والرجال والنساء مدعوون جميعًا لاستثمار هذه النوازل وتوجيهها حتى لا تخرج عن مسارها الصحيح .. وحتى تثمر أمنًا وإيمانًا ونصرًا وعزة وكرامة للمسلمين أولًا .. ولغيرهم ممن كرم الله من بني آدم ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم. إن هذه الأحداث الدامية فرصة لإصلاح الذات والعودة على الأخطاء بالتصحيح .. إنها امتحان للإيمان .. وكاشفة للغيرة، ورهان على المحبة الصادقة للإسلام ولنبي الإسلام. والأحداث كذلك تدعوا إلى الالتفات للساخرين من أبناء جلدتنا .. والدين طالما حملوا على الإسلام أو سخروا بالنبي من وراء وراء .. أولئك الذي يجدون في الغرب ضالتهم يحسبون على المسلمين وقلوبهم مع غير المسلمين ..

стр. 3333

أولئك حانت الفرصة لكشفهم ونصحهم ووعظهم .. ومن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها .. ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله .. وحين يكون فسطاط الإيمان وفسطاط الكفر .. يبقى فسطاط النفاق جائرًا منزوًا .. ويبقى المنافقون أخطر من غيرهم .. بل هم العدو .. وكفى بعبارة القرآن ..

стр. 3334

آفتا التعصب والتعالم (١) الخطبة الأولى إخوة الإسلام .. آفتان عظيمتان يجدر بنا أن نتوقف عندهما وأن ننبه إلى مخاطرهما على الفرد والمجتمع، بليت بهما الأمة قديمًا .. والداء يتكرر .. والآفة بهما تتجدد .. فما هما؟ إنهما آفتا التعصب والتعالم. والتعصب شيمة من شيم الضعف، وخلة من خلل الجهل يبتلى بها الإنسان فتعمي بصره، وتغش عقله، فلا يرى حسنًا إلا ما حسن في رأيه، ولا صوابًا إلا ما ذهب إليه أو من يتعصب له .. فالقوي لا يهاب ولا يحذر ولا يتوارى بالتعصب عن قول الحق .. ولذا كان المتعصب ضعيفًا لا قويًا. والعالم المدقق لا يزال يبحث عن الصواب، وقد يتبين له حق كان يقول بخلافه، وقد يرجع عن رأي أو فكرة، أو معتقد كان يعتقده؛ لأن الحق تبين له بخلاف ما كان يعتقده. ومن هنا كان المتعصب جاهلًا لا عالمًا. فالكمال لله، والعصمة لرسوله ﷺ ، ولذا قيل «لا يزال المرء عالمًا حتى إذا ظن أنه علم فقد جهل» (٢). أيها المسلمون .. قد يظن المتعصب- أحيانًا- أن التعصب مظهر قوة ..

стр. 3335

وليس الأمر على إطلاقه .. وقد يخلط بين التعصب والثبات على الحق .. وبينهما فروق لا تخفى أن مِن سيما العلماء الراسخين .. وأهل العقل والحكمة الرجوع إلى الحق إذا تبين لهم .. فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها .. بل إن التعصب ظاهرة تؤدي في النهاية إلى التفرقة والاختلاف ورقص الحق، وهو من خصال أهل الكتاب كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ﴾ (البقرة: ٩١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فوصف اليهود: أنهم كانوا يعرفون الحق قبل ظهور الناطق به والداعي إليه، فلما جاءهم الناطق به من غير طائفة يهودونها لم ينقادوا له - إلى أن قال وهذا يبتلى به كثير من المنتسبين إلى طائفة معينة في العلم أو الدين من المتفقهة أو المتصوفة أو غيرهم، أو إلى رئيس معظم عندهم في الدين- غير النبي ﷺ فإنهم لا يقبلون من الدين رأيًا ورواية إلا ما جاءت به طائفتهم .. مع أن دين الإسلام يوجب اتباع الحق رواية ورأيًا من غير تعيين شخص أو طائفة - غير الرسول ﷺ (١). إخوة الإسلام إن المسلم الحق هو الذي يقبل الحق ممن جاء به، ويرفض الباطل أيًا كان مصدره فالحق - كما يقول شيخ الإسلام- يستحيل أن يكون اجتهادي. ومن الظلم والتعسف أن تلزم الناس برأي اجتهادي انتهيت إليه وقد يكون هناك ما يخالفه بل ما هو أقوى منه. ولهذا عرف الشوكاني التعصب وحذر منه بقوله: «أن تجعل ما يصدر عن

стр. 3336

(الأيام المتبع) من الرأي ويروى له من الاجتهاد حجة عليك وعلى سائر العباد، فإنك إن فعلت ذلك كنت قد جعلته شارعًا لا متشرعًا، ومُكَلِّفًا لا مكلفًا» (١). عباد الله ومن صور التعصب التعصب لاتباع مذهب من المذاهب الأربعة - وفي مسألة يسوغ فيها الخلاف- وقد يكون رأي الإمام الآخر أقوى من رأي الإمام الذي اتبعته .. ويرحم الله هؤلاء الأئمة فقد حذروا من التعصب لهم وذموا من أخذ أقوالهم بغير حجة، وكان يروى عنهم: إذا صح الحديث عن النبي ﷺ فهو مذهبي .. أما التعصب لمذهب أو نحلة من النحل الباطلة فذلك أشد وأنكى وبعض هؤلاء المتعصبة لا حجة لهم إلا أنهم ورثوا هذا الرأي أو المعتقد عن آبائهم وأجدادهم، وتلك حجة داحضة عاتب الله القائلين بها، وعاب القرآن أصحابها الذين قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ (الزخرف: ٢٢، ٢٣). ومن صور التعصب أن يظل الأتباع المقلدون على رأي شيخهم وإن تُخلى عنه وتبين له الحق في خلافه بحجة أن هؤلاء الأتباع ثابتون على الحق وإن تغير عنه من تغير، ولو ذهبت تناقش هؤلاء الأتباع لم تجد عندهم من قوة الدليل ما يناقشون به أو يدعم ثباتهم. إن الثبات على الحق المدعوم بالدليل شيء، والتعصب لما ألفه الإنسان وسار عليه فترة من حياته شيء آخر.

стр. 3337

ومن صور التعصب المذموم التمسك والقول بتبديع أو تفسيق من لا يستحق التبديع والتفسيق .. وأعظم من ذلك أن يطلق الكفر على مسلم لا يجوز إطلاق الكفر عليه .. وهذا عظيم عند الله .. وأولى بالإنسان أن يحفظ لسانه عن القول بلا علم، والإيجار عليه قوله. أيها المسلمون .. وكما يعاب على المرء التعصب في أمور الدين يعاب عليه التعصب في أمور الدنيا- وإن كان الأول أعظم- فبعض الناس يصر على إنفاذ رأيه وإن كان مخطئًا وآخرون من الناس ينتقد تصرفات الآخرين وإن كانت حقًا .. إن المرونة المتزنة مطلوبة .. وأن تقدير وجهات نظر الآخرين دليل على رجاحة العقل، وسعة الصدر والأفق. وإن الاستماع إلى الرأي الآخر مؤشر للتعقل والحكمة وإن التخلق بالحوار المثمر دليل على الوعي، ولو تعصب كل إنسان لرأيه لفسدت الحياة وتفارق الأحياء .. أعوذ بالله.

стр. 3338

الخطبة الثانية عباد الله والتعالم آفة أخرى يصاب بها بعض الناس فيعتقد أنه عالم بكل شيء .. وقد يكون يجهل معظم الأشياء وقد يسوغ المتعالم لنفسه أن يتحدث في كل شيء وهو لا يجيد الحديث إلا في بعض الأشياء .. وقد ينصب من نفسه مفتيًا في كل شيء .. ويرى أن من العيب أن يقول أحيانًا لا أدري .. مع أنها نصف العلم يقول ابن حزم ﵀: لا آفة على العلوم وأهلها أضر من الدخلاء فيها، وهم من غير أهلها، فإنهم يجهلون ويظنون أنهم يعلمون ويفسدون ويقدرون أنهم يصلحون» إنك ترى من الناس من يكتب متخوضًا في كل شيء، وقد يأتي بالعجائب، بل وفي الطوام فيما يكتب أحيانًا .. ويفهم النصوص على غير ما وضعت له، وربما اتهم أشخاصًا عالمين بما ليسوا أهلًا للإتهام به. وقد ترى أو تسمع من شاب صغيرًا حديثًا أو فتوى في أمر عظيم .. لو عرضت على أمثال عمر لجمع لها أهل بدر .. -وربما سمعت إلى فتوى تعجب منها النساء فضلًا عن الرجال لغرابتها .. ولا ضير على من سأل عن ما لا يعرف أن يجيب بلا أدري .. ومن روائع ما يروى عن العلماء الربانيين في هذا، قال الزهري عن خالد بن أسلم: خرجنا مع ابن عمر فمشى فلحقنا أعرابي فقال: أنت عبد الله بن عمر؟ قال: نعم، قال: سألت عنك فدللت عليك، فأخبرني: أترث العمة؟ قال (ابن عمر) لا أدري، قال: (الأعرابي) أنت لا تدري؟ قال: نعم، اذهب إلى العلماء بالمدينة فسألهم فلما أدبر قبَّل يديه وقال: نعمًا قال أبو عبد الرحمن سئل عما لا يدري فقال: لا يدري (١).

стр. 3339

ونقل ابن القيم: وصح عن ابن مسعود وابن عباس ﵄: من أفتى الناس في كل ما يسألونه عنه فهو مجنون وقال ابن مسعود: من كان عنده علم فليقل به، ومن لم يكن عنده علم فليقل: الله أعلم فإن الله قال لنبيه: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾. وقال مالك: من فقه العلم أن يقول لا أعلم، فإنه عسى أن يتهيأ له الخير، وقال الشعبي: (لا أدري) نصف العلم» (١).

стр. 3340

الدَّيْن (١) الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره .. أيها المسلمون ثمة حقوق يتساهل بها بعض الناس مع أن أمرها عظيم عند الله، وثمة قضية يستهين بها نفر من المسلمين وهي ليست كذلك في شريعة الإسلام .. إنها حقوق الخلق، ومنها الدَّيْن أخذًا أو عطاءً، قضاءً واقتضاءً كتابة للعقد، وإشهادًا على الدَّيْن .. وحرص على الوفاء .. وعدم مماطلة في الأداء .. إن أطول آية في كتاب الله هي آية الدَّيْن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَّيْن إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ .. ﴾. روى الإمام ابن جرير وعنه ابن كثير عن سعيد بن المسيب- ﵀ أنه بلغه أن أحدث القرآن بالعرش آية الدَّيْن (٢) وفي الآية أحكام وآداب وتنبيهات على كل مسلم أن يعقلها ويعمل بها .. وإنما يقع الخلل وتكثر المشاكل والمظالم حين يكون التهاون بشيء من هذه الأحكام والآداب. وإذا كان الله يقول ﴿وَلاَ تَسْأَمُوْا أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا﴾. فما بال نفر من المسلمين يتساهلون في هذه المعاملات، ويعتمدون بزعمهم على الثقة .. وينسون أن هذه الكتابة لا تخرم مروءة ولا تلقى ثقة، إنما هو الضبط والاحتياط وحفظ الحقوق واستنطاق الشهود.

стр. 3341

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَّيْن إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ .. ﴾ قال ابن كثير: هذا إرشاد منه تعالى لعباده المؤمنين إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها، ليكون ذلك أحفظ لمقدارها، وميقاتها، وأضبط للشاهد فيها (١). إخوة الإسلام ليس عيبًا أن يكون الإنسان فقيرًا، ولا حرج إن احتاج إلى سلفة أو دَّيْن من الآخرين، وليس فخرًا، أو دليلًا على الرضى أن يكون الإنسان غنيًا .. فالفقير مبتلى بالفقر وقد يكون خيرًا له، والغني مبتلى بالمال وقد يكون فتنة له ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ وإذا مدح الفقير الصابر، فيمدح الغني الشاكر. ولكن العيب أن يستدَّيْن المرء أو يستقرض ما يعلم من نفسه العجز عن الوفاء به وعيب آخر وأعظم أن يأخذ المرء أموال الناس وهو ينوي التلاعب بها وعدم سدادها، ومماطلة أصحابها. وإذا كانت النوايا يعلمها علام الغيوب فهو تعالى يعين من أخذ حقًا يريد أداءه ويتلف من أخذ شيئًا وهو عازم على جحده أو المماطلة فيه. أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله» (٢). أيها الناس وبقدر ما يعين الله من أحسن ظنه بالله، وصدق مع خلقه في أداء الحقوق وتيسير القضاء .. فكذلك يتلف الله من أضمر نية المماطلة وساء ظنه بربه، وأساء في تعامله مع الخلق. وبقدر ما يكون الله مع الدائن (الصادق) حتى يقضي دَّيْنه .. يتخلى الله عن

стр. 3342

المماطل المتلاعب .. والوعيد هنا شديد، وعبارة (أتلفه الله) وقف عندها العلماء وقال ابن حجر ﵀: ظاهر أن الإتلاف يقع له في الدنيا، وذلك في معاشه أو في نفسه وهو علم من أعلام النبوة، لما نراه بالمشاهدة ممن يتعاطى شيئًا من الأمرين، وقيل المراد بالإتلاف عذاب الآخرة (١) وأيًا ما كان الأمر فهو تلف وهلاك! -أيها الأغنياء المماطلون- ويا أيها الواجدون المتلاعبون بحقوق الخلق اتقوا الله واتقوا الظلم فإنه ظلمات يوم القيامة .. وهل تعلمون أن هذه المماطلة مع القدرة على الوفاء تحل أعراضكم وعقوبتكم؟ قال ﵊: «مطل الغني ظلم» (٢). وقال ﵊: «لي الواجد يحل عقوبته وعرضه» (٣). والواجد هو القادر المتلاعب بالوفاء .. وهذا تحل عقوبته حتى السجن، وتحل عرضه بالشكاية والشكوى والتحسب ورفع الصوت، فإن لصاحب الحق مقالًا .. وقد صح الخبر أن النبي ﷺ «أتاه رجل يتقاضان فأغلظ له، فهم به أصحابه فقال: دعوه فإن لصاحب الحق مقالًا» (٤). بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما أطيبك حيًا وميتًا، وما أحسنك وأكرمك وأعدلك قاضيًا أو متقاضيًا .. تعلم الناس حسن القضاء وأدب الاقتضاء. ورغمت أنوف تتطاول على الناس بأخذ حقوقهم .. ثم هي تتلاعب وتماطل فإذا كانت الشكوى كانوا قومًا خصمين، وللحق منكرين، ولربما لشهادة الزور طالبين .. ألا شاهت وجوه تلك تعاملاتها وأتلف الله من أخذ أموال الناس يريد

стр. 3343

إتلافها، وأدى الله عن أناس ينوون القضاء ويحسنون الأداء، وفضل الله يؤتيه من يشاء. عباد الله على أن أمر الدَّيْن من الخطورة بحيث ترك النبي ﷺ الصلاة- في أول أمره- على أصحاب الدَّيْن، فقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدَّيْن، فيسأل: هل تركه لدَّيْنه قضاء؟ فإن حدث أنه ترك وفاء صلى، وإلا قال للمسلمين صلوا على صاحبكم، قال: فلما فتح الله على رسوله كان يصلي ولا يسأل عن الدَّيْن، وكان يقول: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفى من المؤمنين فترك دَّيْنا أو كلًا أو ضياعًا فعلي وإلي، ومن ترك مالًا فلورثته (١). إنه أمر عظيم أن يدع النبي ﷺ الصلاة- في أول أمره- على من مات وعليه دَّيْن وأمر عظيم كذلك أن يصلي ويتحمل الدَّيْن والعيال والضياع بعد أن فتح الله عليه ... أما الحكمة من ترك الصلاة على أهل الدَّيْن، فقد قال العلماء: كأن الذي فعله ﷺ من ترك الصلاة على من عليه دَّيْن ليحرض الناس على قضاء الديون في حياتهم، والتوصل إلى البراءة منها لئلا تفوتهم صلاة النبي ﷺ (٢). أيها المؤمنون والدَّيْن من الخطورة والتشديد كذلك بحيث أنه قد يكون سببًا في حجب صاحبه عن الجنة- وإن كان مستحقًا لها حتى يقضى عنه الدَّيْن- فقد أخرج النسائي بسند حسن عن محمد بن جحش ﵁ قال: كنا جلوسًا عند النبي ﷺ فرفع رأسه إلى السماء ثم وضع يده على جبهته ثم قال: سبحان الله! ماذا نزل من التشديد؟ فسكتنا وفزعنا، فلما كان من الغد سألته: يا رسول الله ما

стр. 3344

هذا التشديد الذي نزل؟ فقال: والذي نفسي بيده لو أن رجلًا قتل في سبيل الله ثم أحي ثم قتل ثم أحي ثم قتل وعليه دَّيْن ما دخل الجنة حتى يقضى عنه دَّيْنه (١). عباد الله إنها حقوق الخلق لا بد من الخلاص منها، وهناك في يوم القيامة تنقطع المقاضاة المالية، ويبقى القضاء بالحسنات أخذًا أو بالسيئات تحميلًا وثقلًا .. وليس يخفى أن في عداد المفلسين يوم القيامة من أتى وقد سفك دم هذا .. وأكل مال هذا .. فيؤخذ لهذا من حسناته .. ولهذا من حسناته فإن فنيت حسناته- قبل أن يقضى ما عليه- أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار. عباد الله وإذا أفلس المدَّيْن وكثر غرماؤه حجر عليه، ومن حق الحاكم أن يقسم ما بقي من ماله على غرمائه، فعن كعب بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ حجر على معاذ بن جبل ﵁ ماله، وباعه في دَّيْن كان عليه (٢). ثم بعثه النبي ﷺ (معاذ) إلى اليمن ليجيره بذلك. وإياكم والدَّيْن فإن أوله هم وآخره حصد للمال .. كما قال عمرو ﵁ وفي زمن عمر حجر على رجل من جهينة كما حجر النبي ﷺ على معاذ .. فقد روى الدارقطني في غرائب مالك بسند متصل: أن رجلًا من جهينة كان يشتري الرواحل فيغالي فيها فيسرع المسير فيسبق الحاج فأفلس فرفع أمره إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: أيها الناس إنه لا الأسيفع أسيفع جهينه قد رضي من دينه وأمانته أن يقال سبق الحاج، فأصبح وقد دَّيْن به- أي أحاط به الدَّيْن- فمن كان له عليه دَّيْن فليأتنا بالغداة فيقسم ماله بين غرمائه، وإياكم والدَّيْن فإن

стр. 3345

أوله هم وآخره حرب (أخذ المال كله) (١). إياكم عباد الله وإفلاس الدين أو الدنيا، وإياكم ومراكمة الديون، وسوء القضاء فالعافية لا يعدلها شيء، ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، وكلوا مما رزقكم الله حلالًا طيبًا. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ٢٩، ٣٠].

стр. 3346

الخطبة الثانية أيها المسلمون .. وإذا قيل الكثير عن التحذير من الديون .. فيقال الكثير عن الأمر بحسن الوفاء وحسن القضاء، وإنظار المعسر، والتفريج عن المكروب، كيف لا وفي الهدي النبوي: «من أنظر معسرًا أو وضع له أظله الله يوم القيامة تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله» (١). وحوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء، إلا أنه كان يخالط الناس وكان موسرًا، فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر، قال: قال الله : «نحن أحق بذلك منه تجاوزوا عنه» (٢). وطلب أبو قتادة غريمًا له فتوارى عنه، ثم وجده، فقال: إني معسر فقال: آلله؟ قال: آلله، قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه» (٣). يا عباد الله خيار المسلمين أحسنهم قضاء، ومحمد ﷺ قدوة هؤلاء الخيار المحسنين في القضاء .. ولكم في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، وقد جاءه رجل يتقاضاه في سن من الإبل، فقال أعطوه، فطلبوا سنه فلم يجدوا إلا سنًا فوقها، فقال أعطوه، فقال (الرجل) أوفيتني وفاك الله، فقال النبي ﷺ : «إن خيركم أحسنكم قضاء» .. يخطئ من يظن أنها شطارة ومهارة أن يتحايل على الناس بأكل حقوقهم أو تأخيرها .. ومسكين من لا يفارق المحاكم مدافعًا بنفسه بالباطل أو مقيمًا له

стр. 3347

محاميًا يلحن في حجته وليس له عند الله برهان .. إنه واقع يدمي القلب .. أن ترى الرجل يعتاد المساجد .. ويطيل الركوع والسجود، وربما بكى لسماع القرآن .. لكنك إذا تقصيت أمره وجدته ماكرًا محتالًا، كذابًا .. أكولًا لأموال الناس بالباطل .. أي دين هذا؟ وأي أمانة أو خشية تلك، وأين نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر .. ويدمي القلب أكثر حين تسمع عن مداينات تتكئ على الربا، وتتجاوز ما أحل الله إلى ما حرم الله، و ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ ومن فعل ولم ينته- من الربا - فليأذن بحرب من الله ورسوله، ومن تاب فله رأس ماله لا يَظلم ولا يُظلم، ويتوب الله على من تاب .. ألا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم .. لقد أبصر الناس بأم أعينهم كيف تصرمت أموال تصرم النار الهشيم، وكانت عبرة لمن اعتبر حين أمسى أناس وهم في عداد الأثرياء فأصبحوا وهم في عداد الفقراء البؤساء .. أليست هذه نذر أو ليس فيها محق للربا؟ ولا تزال آثار النازلة المالية موجعة لعدد من الأغنياء .. وغيرهم من باب أولى .. فاعتبروا يا أولي الألباب! أيها المسلم من علائم تقواك أن تكتفي بما أحل الله لك في البيع والشراء ومن علائم رشدك وكمال عقلك أن تكتب مالك وما عليك من الديون فلا تصنع شيئًا من حقوقك، ولا يوقع الورثة في إشكال مع مدَّيْنيك .. أيها الأبناء ومن أسرع البر بآبائكم وأمهاتكم أن تقضوا ديونهم فور وفاتهم، فذممهم مرهونة بالدَّيْن حتى يقضى عنهم .. ألا وأكثر الله من وسطاء الخير الذين يتحملون ما يستطيعون عن المدَّيْنين عمومًا، وعن الموتى على وجه الخصوص .. وهنا يذكر نموذج (أبي قتادة ﵁)

стр. 3348

فقد امتنع رسول الله ﷺ يومًا عن الصلاة على مدَّيْن بثلاثة دنانير، حتى قال أبو قتادة: صل عليه يا رسول الله وعلي دَّيْنه، فصلى عليه (١). أيها المسلمون تعوذوا من الدَّيْن حتى تسلموا من غوائله، وادعوا ربكم أن يغنيكم عنه وفي البخاري (باب من استعاذ من الدَّيْن) وبه ساق الحديث عن عائشة ﵂ قالت: أن رسول الله ﷺ كان يدعو في الصلاة، ويقول: «اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم، فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ يا رسول الله من المغرم؟ قال: إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف» (٢). اللهم إنا نستعيذك مما استعاذك منه نبيك محمد ﷺ ، ونعوذ بك من المأثم والمغرم، ونعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل، ومن غلبة الدَّيْن وقهر الرجال ..

стр. 3349

أصحاب السبت (١) الخطبة الأولى إخوة الإسلام .. قصة تكرر عرضها في القرآن .. وقوم مسخوا قردة خاسئين .. فعلة شنيعة .. ومنكر ظهر، وتحايل مكشوف كانت الوقعة .. واختلفت المواقف .. وصار القوم فرقًا ثلاثة .. فاعلون للمنكر .. وساكتون عن الإنكار متهاونون بالنصيحة، وثالثة منكرون معتزلون للمنكر .. وفي النهاية .. أنجى الله الذين ينهون عن السوء .. وأخذ الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون. إنها قصة وفي ثناياها عبرة .. ليس فقط للذين عاشوا أحداثها بل ولمن جاء بعدهم، ويقرأ مواقفهم ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾. كم يتكرر مثل هذا الموقف، وكم يختلف الناس حيال إنكار المنكر والقرآن وهو يعرض للقص ينبه الغافلين .. ويذكر بمصير الظالمين كم نحتاج إلى تدبر القرآن .. وكم نحتاج إلى تأمل قصص القرآن .. و ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .. تعالوا إلى هذه القصة نعرض لها باختصار ونقف عند أبرز دروسها وعبرها. حين يكون الحديث عن انحرافات اليهود وحيلهم وتمردهم على شرع الله وأوامره وعصيانهم للأنبياء والمرسلين، فتلك مساحة كبرى، يكفي في شناعتها ما قصة القرآن من مواقف مشينة لهؤلاء القوم، فمن عبادة العجل إلى قصة البقرة

стр. 3350

إلى إيذاء موسى، بل وقتل عدد من الأنبياء، فضلًا عن التكذيب والأذى وليس الحديث عن انحرافات يهود واستجماعًا لموقف اليهود ولكن يكف أن نقف على مشهد من هذه المشاهد المخزية في تاريخ اليهود في قصة واحدة تكرر عرض القرآن عنها .. لبيان الحقيقة من جانب، ولأخذ العبرة والموعظة من جانب آخر. إنها قصة أصحاب السبت وما أدراك ما أصحاب السبت؟ هم الذين قال الله عنهم في سورة البقرة ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. وفصَّل القول عنهم في سورة الأعراف فقال تعالى: ﴿واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. لقد طلب أولئك القوم أن يكون لهم يوم راحة مقدس، فجعل لهم الله يوم السبت مقدسًا لا يعملون فيه للمعاش. وقد حرم الله عليهم أن يعملوا في السبت شيئًا، فابتلاهم الله بالحوت يخرج ويتكاثر يوم السبت .. وكان ابتلاءً لم تصمد له يهود .. وهل تتركه اليهود وفاءً بعهدٍ أو استمساكًا بميثاق؟ إن هذا ليس من طبع يهود وقد قال الله عنهم: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقًّ﴾. لقد اعتدى اليهود في السبت .. وبطريقة ملتوية، وظنوا أنهم يخدعون الله وهو خادعهم، فراحوا يحوطون على الحيتان في يوم السبت ويقطعونها عن البحر بحاجز ولا يصيدونها .. لقد وضعوا لها الحبائل والشخوص والبرك قبل يوم السبت، فلما جاء السبت وكثرت الحيتان نشبت في هذه المصائد ..

стр. 3351

فيتركوها حتى انقضى ذلك اليوم تحيلًا ومخادعة .. فأخذوها .. وقالوا إنما نهينا عن السبت فلم نأخذها حتى ذهب ذلك اليوم .. وحيث أن الجرم كبير .. والمخادعة مع الله .. كانت العقوبة مسخًا حولهم إلى عالم الحيوان والبهيمة حيث لا إرادة له، ولا عهد يرعاه .. ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. قال قتادة: صار القوم قردة تتعاوى لها أذناب بعد ما كانوا رجالًا ونساءً. قال ابن كثير: والصحيح أن مسخهم قردة معنوي وصوري، ولم يكن معنويًا لا صوريًا كما نقل عن مجاهد (١). ومن دروس قصة أصحاب السبت: ١ - أن الاستسلام لأمر الله في أوامره ونواهيه سبب للبقاء، وطريق لسعادة الدنيا والآخرة ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾. ٢ - وفي المقابل فإن الإعراض والصدود والعصيان والتمرد سبب للهلاك والعقوبة ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. ٣ - استحلال المحارم والاعتماد على الحيل نهج خاطئ مارسه اليهود في القديم واستخدموه في زمن النبوة، ولا زالوا يتوارثون حتى يومنا هذا .. ٤ - حين ينزل العقاب للمجرمين يشملهم والساكنين المداهنين وينجي الله الذين اتقوا ونهوا عن السوء .. ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (٢) فلا بد

стр. 3352

من إنكار المنكر إبراءً للذمة ونصحًا للأمة ونجاة من العقوبة الإلهية. ٥ - في قصص الهالكين عبرة وموعظة ليحذروا صنيعهم، ولا يقعوا في أخطائهم ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾. ٦ - يحذر النبي ﷺ أمته من صنيع هذه الأمة المغضوب عليها، وينهاهم عن استحلال محارم الله بأدنى الحيل، ويقول: «لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل» (١). وكم يعمد ضعاف الإيمان من هذه الأمة إلى أنواع من الحيل، ولاسيما في تعاملاتهم، وتحيلهم على الحرام، وظنهم الخاطئ أن ذلك يجعل من الحرام حلالًا، أو من المتشابه إلى الواضح النقي ألا فاحذروا الحيل يا من تتعاملون مع من يعلم السر وأخفى، ودعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يوقع فيه. ٧ - وهذه الأمة اليهودية كتب الله عليها البؤس والشقاء، وحكم عليهم ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسوءهم سوء العذاب، عن موسى ﵇ حيث ضرب عليهم الخراج سبع سنين أو ثلاث عشرة سنة لما تعلم إلى قهر الملوك اليونانيين والكسانيين، والكلدانيين، ثم صاروا في قهر النصارى وإذلالهم .. حتى جاء الإسلام وقاتلهم النبي وأخرجهم المسلمون .. وإلى زمننا هذا وهم محل كره العالم وسخطه وصدق الله ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾. ٨ - وأخيرًا فقد خاب وخسر من باع دينه بدنياه، وتغش الفواحش مخادعة وحيلًا، وحبل الخداع قصير، وطريق المكر موصد، وعاقبة الفساد في الأرض

стр. 3353

مشينة .. وهل تعلمون أن بعض المصادر الرسمية الصهيونية تشير إلى أن أكثر من ١٢٤ صهيونيًا أقدموا على الانتحار منذ بداية العام الحالي وإن أكثر من ألف ومائة شخص منهم وصلوا إلى مراحل نهائية في التفكير بالانتحار؟ إنها عقوبة معملة، وشعور بالقلق لم يمنعه حيازة الأسلحة النووية، ولم يعطله الشعور بالغلبة .. أنهم يعانون في داخلهم ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾.

стр. 3354

الخطبة الثانية إخوة الإسلام ثمة أمور شركية أو بدعية تقع في هذا الشهر صفر، منها ما كان من أمر الجاهلية القديمة، ومنها ما كان من أمر الجاهلية المعاصرة أما ما كان يمارسه أهل الجاهلية الأولى في شهر صفر، فهو التشاؤم بهذا الشهر، وكانوا يقولون أنه شهر مشئوم، فأبطل الإسلام ذلك وقال ﵊: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر» (١). قال العلماء: والتشاؤم بصفر هو من جنس الطيرة المنهي عنها، وكذلك التشاؤم بيوم من الإيمان كيوم الأربعاء، ومثله تشاؤم أهل الجاهلية بشوال في النكاح فيه خاصة. وكل ذلك من عوائد الجاهلية التي أبطلها الإسلام .. فالشهور والأيام ليست محلًا للتشاؤم والتطير .. وكل شيء بقدر الله، فهو وحده مانح الخير ودافع الضر .. كما كان أهل الجاهلية يحلون المحرم، ويحرمون صفر مكانه وكل ذلك .. وينسئون ويتلاعبون بالأشهر الحرام ولذا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ .. ﴾ الآية. أما بدع الجاهلية المعاصرة .. فمن أبرزها في هذا الشهر ما يسمى بعيد الحسنات، وهو من أعياد النصارى المحدثة في دينهم .. وهذا العيد أحدثه النصارى وليس في دينهم، وإنما قلدوا فيه عبدة الأوثان .. ولقد أنكر أئمة

стр. 3355

النصارى أصل عيد الحب في وقتهم لما سببه من فساد لشعوبهم .. هذا وهم ضالون، وليس بعد الكفر ذنب .. ولذا فإن الواجب على المسلمين إنكار مثل هذه الأعياد المحدثة، وعدم التشبه به أو تقليد أهل الضلال في انحرافاتهم .. لاسيما في زمن باتت هذه الأعياد تعرض في القنوات العالمية ويشاع فيها من الفجور والدجل ما قد ينخدع به البسطاء فعلى المسلمين أن يعتزوا بإسلام، ويستمسكوا بهدي بينهم، ولا يدعوا فرصًا للشيطان بدعوى .. مشاركة الآخرين في مناسباتهم .. أو بدعوى تقريب الأديان .. أو زمالة بني الإنسان أو نحو ذلك من علل تنقض عرى التوحيد .. وتؤدي إلى التشبه بالآخرين ومن تشبه بقوم فهو منهم، ومحبة الله ومحبة ما يحبه الله لا تجتمع مع محبة الكفر وأهله .. فاحذروا معاشر المسلمين من هذه البدع المحدثة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار ..

стр. 3356

أبو محذورة ﵁ بين الاستهزاء والاستقامة (١) الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره .. عباد الله: قصة طريفة لكنها تحمل معان عظيمة، وموقف ساخر في البداية، لكنه يتحول إلى هداية واستقامة. أجل .. بالتربية والتوجيه وحسن الأدب ولطيف العبارة تحول شاب من ساخر بالآذان إلى مؤذن ندي الصوت يتوارث الآذان من بعده ولده، وولد ولده في المسجد الحرام .. لست أدري أأحدثكم في هذه القصة عن الآذان وفضله وطول أعناق المؤذنين يوم القيامة .. أم أحدثكم عن الشباب ومراهقته أم يكون الحديث عن آثار التربية ولطف المعاملة وحاجتنا إليها أم أكتفي بسياق القصة ليستفاد منها هذه المعالم وغيرها؟ لكني أبادر بالقول أن قصة اليوم أنها قصة من عهد النبوة .. ومحمد ﷺ هو المشرف والموجه فيها .. أما صاحب القصة فهو أحد صحابة رسول الله ﷺ ، مؤذن المسجد الحرام أوس بن مِعْير بن لوذان بن ربيعة بن سعد بن جمح .. ولئن اختلف في اسمه فهو مشهور بكنيته (أبي محذورة الجمحي) ﵁ وأرضاه. والقصة وردت بسياقين بينهما بعض الاختلاف، ولعل بعضهما يكمل بعضًا. -السياق الأول: أورده ابن عبد البر ﵀ في الاستيعاب- بسنده إلى أبي محذورة قال: خرجت في نفرٍ عشرة، فكنا في بعض الطريق حين قفل

стр. 3357

رسول الله ﷺ من (حنين) فأذن مؤذن رسول الله ﷺ بالصلاة عنده، فسمعنا صوت المؤذن ونحن متنكبون، فصرخنا نحكيه (ونستهزئ به) فسمع رسول الله ﷺ الصوت، فأرسل إلينا، إلى أن وقفنا بين يديه فقال: أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع؟ فأشار القوم كلهم إلي - وصدقوا - فأرسلهم وحبسني، ثم قال قم فأذن بالصلاة، فقمت ولا شيء أكره إلي من رسول الله ﷺ ولا مما يأمرني به، فقمت بين يديه فألقى علي رسول الله ﷺ التأذين هو بنفسه فقال: قل: الله أكبر الله أكبر .. فذكر الآذان ثم دعاني حين قضيت التأذين فأعطاني صرة فيها شيء من فضة ثم وضع يده على ناصيتي ثم من بين ثديي، ثم على كبدي، حتى بلغت يد رسول الله ﷺ سرتي، ثم قال رسول الله ﷺ «بارك الله فيك وبارك عليك» فقلت يا رسول الله: مرني بالتأذين بمكة؟ قال: أمرتك به، وذهب كل شيء كان في نفسي لرسول الله ﷺ من (كراهة) وعاد ذلك كله (محبة) لرسول الله ﷺ ، فقد مت على عتاب بن أسيد (عامل رسول الله ﷺ بمكة) فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله ﷺ (١). أيها المسلمون أما السياق الثاني للقصة فقد أورده الذهبي في سيره .. وبسند صحيح أيضًا - عن أبي محذورة قال: لما رجع النبي ﷺ من (حنين) خرجت عاشر عشرة من (مكة) نطلبهم، فسمعتهم يؤذنون للصلاة، فقمنا نؤذن (نستهزئ) فقال النبي ﷺ : لقد سمعت في هؤلاء تأذين إنسان حسن الصوت، فأرسل إلينا، فأذنا رجلًا رجلًا فكنت آخرهم، فقال حين أذنت، تعال، فأجلسني بين يديه فمسح على ناصيتي وبارك علي ثلاث مرات، ثم قال اذهب فأذن عند البيت الحرام، قلت كيف يا رسول الله؟ فعلمني الأولى كما يؤذنون بها، وفي الصبح (الصلاة خير من

стр. 3358

النوم) وعلمني الإقامة مرتين مرتين (١). أيها المسلمون ماذا نستفيد من هذه القصة .. وما هي معالم التربية في سيرة النبي المعلم ﷺ ؟ وكيف نتعامل من الخطأ والمخطئ؟ إن القصة لمن تأمل لا تبدأ بالعنف والتوبيخ، وإن كان الخطأ واضحًا، والسخرية يعترف بها أصحابها .. ولكن النبي ﷺ يبدأ بالتثبت لمن وقع منه الفعل، فلا يؤخذ المتهم بجريرة المخطئ وإذا علم المخطئ كان التعامل مع الخطأ بطريقة تربوية حكيمة يعود المخطئ من كره النبي إلى محبته، ومن كره الآذان والاستهزاء به إلى محبة له تتعمق فيه وفي نسله من بعده. إن الشباب له نزواته ولكن سهل قريب للخير إذا وجد من يأخذ بيده ويشجعه .. وكذلك صنع الرسول ﷺ بأبي محذورة، فهو يأمره بالآذان ويعلمه كيف يؤذن، ثم لا يبخل عليه بهدية تفتح نفسه وتحببه لمن أهدى إليه، بل يزيد النبي ﷺ فيمسح بيده الشريفة من ناصيته حتى بلغت يده سرة أبي محذورة .. ثم يتبع رسول الله ﷺ ذلك بالدعاء والتبريك لأبي محذورة .. ثم يختم الموقف النبوي بإعطاء الثقة واستثمار الموهبة لهذا الشاب ليكون مؤذن المسجد الحرام؟ ما أروعها من أساليب في التربية، وما أحوجنا إلى هذه القيم الرفيعة في المعاملة والدعوة، وكم هي كنوز التربية في السيرة النبوية. إخوة الإسلام إنها معالم في التربية ما أحوج الآباء والمربين والدعاة والمتحدثين إلى فهمها وممارستها .. وإذا تحدث المتخصصون في التربية كان لهم في رحاب السيرة النبوية متسع

стр. 3359

في الحديث، وكان لهم في رسول الله أسوة حسنة. أيها المسلمون إنما أنتم مبشرون لا منفرون، ولن تسعوا الناس بأرزاقكم ولكن تسعوهم بأخلاقكم .. ولكم في رسول الله قدوة في تحويل الأخطاء إلى سلوكيات منضبطة .. وفي تحويل المستهزئين الطائشين إلى أحلاس مساجد تتجاوب جبال مكة مع تكبيرهم وندائهم بالآذان، ويشهد الناس لأبي محذورة بنداوة الصوت وحسن النغمات حتى قال الشاعر: أما ورب الكعبة المستورة ... وما تلا محمد من سورة والنغمات من أبي محذورة ... لأفعلن فعلة منكورة (١) زار عمر ﵁ مكة، وأبو محذورة مؤذن المسجد الحرام، فأذن أبو محذورة ثم جاء يسلم على عمر فقال له عمر: ما أندى صوتك .. قال علمت أنك قدمت فأحببت أن أسمعك صوتي. وبقي أبو محذورة على العهد والإيمان وقضى عمرة مؤذنًا للمسجد الحرام، وكان اللقاء الأول الذي كرهه مع رسول الله ﷺ البداية لسعادته-، إلا ما أروعك يا نبي الله في حربك وسلمك، وفي تعاملك مع أصحابك وأعدائك ولا غرابة فقد أدبك ربك فأحسن أدبك وشهد لك بحسن الخلق والرأفة والرحمة ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].

стр. 3360

الخطبة الثانية إخوة الإسلام من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين ويهديه للإسلام وقد أراد الله لأبي محذورة خيرًا، أما أخوه (أنيس) فقد قتل ببدر كافرًا (١). أما أبو محذورة فهو صاحب النبي ﷺ ، ومؤذن المسجد الحرام أسلم في قصة طلب النبي ﷺ له حين كان يحاكي الآذان استهزاء، فأسلم يومئذ، كما قال ابن عبد البر (٢) أما ابن سعد فقال: أسلم أبو محذورة يوم فتح مكة، وأقام بمكة ولم يهاجر (٣). وقال الواقدي: كان أبو محذورة يؤذن بمكة إلى أن توفي سنة تسع وخمسين، فبقي الآذان في ولده وولد ولده إلى اليوم بمكة (٤). وهذا يعني أن أبا محذورة بقي مؤذنًا قرابة نصف قرن .. وبقي الآذان في ولده قرابة قرنين من الزمان إلى زمن الرشيد العباسي (٥) كم في الآذان من فضائل .. وكم للمؤذنين من فضل، فهم أطول الناس أعناقًا يوم القيامة، والشجر والحجر والإنس والجن، والرطب واليابس يشهد لهم يوم القيامة (٦). وبشراكم معاشر المؤذنين بهذا الحديث: «من أذن ثنتي عشرة سنة وجبت له الجنة، وكتب له بتأذينه في كل يوم ستون حسنة، وبإقامته ثلاثون حسنة (٧). وهنيئًا لكم- معاشر المؤذنين- وأنتم أول داخل للمسجد، تذكرون الغافل

стр. 3361

بالآذان، وتوقظون النائم مع انشقاق الفجر، ثم تمكثون في المسجد .. تصلون من النوافل ما كتب الله لكم، وتقرأون من كتاب الله أو تذكرون الله وتسبحونه بما لا يتوفر لغيركم- إلا لمن شارككم التبكير للمسجد وفضل الله يؤتيه من يشاء .. وهنا لفتةٌ فكم تشكو المساجد من قلة التبكير إليها، وقد مرت أزمان كان المؤذن يسبق إلى المسجد .. فأين المرابطون في المسجد قبل أو مع الآذان .. وأين الباقون في المساجد بعد الصلاة يتلون كتاب الله أو يصلون أو يسبحون ويهللون ويحمدون؟ أولئك رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة يخافون يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار .. لقد ضعف وردنا اليومي للقرآن، ولو عودنا أنفسنا التبكير للمسجد، أو المكوث فيه بعد الصلاة، لسهل علينا وردنا من القرآن ولعمرت المساجد أكثر، وإذا كانت هذه الظاهرة تستحق العناية والتذكير، فمن التحدث بنعمة الله أن نذكر أن هناك مساجد عامرة بالمرابطين فيها قبل وبعد الصلاة، وهناك مصلون أخذوا على أنفسهم أن يجلسوا في المسجد أدبار الصلات ليتفرغوا لتلاوة القرآن- أولئك مجاهدون ومرابطون-، ولهم من المشاغل والارتباطات ما لغيرهم، لكنهم محتسبون، وواثقون بأن كل نفس لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها .. فهل يا ترى يتشجع جماعة كل مسجد ويؤنس بعضهم بعضًا في الجلوس في المسجد ولو لوقت قليل، ولو بعض الأوقات .. ولو بعض الأيام .. و ﴿من عمل صالحًا فلنفسه﴾ وبذكر الله تطمئن القلوب، ومنقبة للرجل أن يعرف ملزوم المسجد، وأن يكون من سواريه. معاشر المسلمين عامة ومعاشر المؤذنين خاصة .. وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 3362

أبا محذورة، صفة للأذان رواها (مسلم) في صحيحه (٣٧٩) وعن أبي محذورة أن رسول الله ﷺ علمه الآذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة .. فذكرها (١). أيها المؤمنون نداء الآذان شعار للمسلمين في سلمهم وحربهم وفي سفرهم وحضرهم، وحري بهذا النداء أن يقدر، وأن يجاب المنادي للصلاة .. بل وحري بالمسلم أن يسمع الآذان ويردد بعده ما ورد وأن يقول بعد الآذان هذا الدعاء «اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمود الذي وعدته» فمن قال ذلك حلت له شفاعة محمد ﷺ يوم القيامة (٢). كم نستهين أو نتغافل عن هذا الدعاء وهذا فضله، وكم نزهد في الآذان وتلك مرتبة المؤذنين وفضلهم. اللهم لا تحرمنا فضلك .. واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

стр. 3363

كيف نستثمر الأجازة ؟ (١) الخطبة الأولى الحمد لله القائل ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ وأشهد أن لا إله إلا الله جعل المال والبنين زينة الحياة الدنيا، والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابًا وخير أملًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أوصانا بتقوى الله وذكرنا برعاية الأمانات والمسئوليات فقال «كلكم راع ومسئول عن رعيته» وقال «لن تزول قدم عبد حتى يسأل عن أربع فذكر منها «وعن عمره فيما أفناه» اللهم صل وسلم عليه .. إخوة الإسلام نحن اليوم على موعد للحديث عن وسائل وطرائق لاستثمار الأجازة الصيفية بما ينفع .. ولكن دعوني اذكر نفسي وإياكم بجملة من الأمور لا بد أن نتذكرها ونعيها جيدًا قبل الحديث عن الوسائل النافعة وهنا لا بد أن نتذكر عدة أمور ومن ذلك: هدف الوجود ومفهوم العبارة .. فخلقنا لغاية نبيلة ألا وهي تحقيق العبودية لله ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ والعبادة مفهوم شامل لكل من يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال .. فلنستحضر هذا الهدف دائمًا ولنحقق العبودية في مناكب الأرض أينما كنا. وأمر آخر ألا وهو استشعار قيمة الوقت ومخاطر الفراغ فالوقت هو الحياة وهو أغلى ما نملك، وإذا أردت أن تتبين أقدار الناس وتفاوتهم في الدرجات فانظر إلى قيمة الوقت عندهم وكيف تستثمر ..

стр. 3364

وإذا كان الفراغ مصيبة على مستوى الأمة والمجتمع فهو كارثة في حق الفتيان والفتيات إذا ما استغل في تدمير الذات أو تدمير الآخرين .. إنه طاقة لا بد من صرفها فيما ينفع، وإلا تحول إلى مشكلة تتجذر أبعادها، ويتحمل المجتمع مخاطرها ونتائجها والأمر الثالث سؤال يوجه للأولياء وللشباب، فهل يشعر الأولياء بمسئوليتهم كاملة تجاه أبنائهم .. هل يقدرون ظروفهم ويتحسبون لمشاكلهم، هل يفكرون جيدًا في استثمار أوقاتهم، هل يقدرون المشكلة حق قدرها وهل يكونون على مستوى المسئولية إن فئة من الأولياء لا تزال غائبة عن الرعاية والتوجيه، مشغولة بجمع الحطام، تاركة الحبل للغارب، وهذه النوعية مهما كانت قليلة فلها أثرها في جنوح الشباب وبلوى المجتمع بهم. أما الشباب فيقال لهم هل تكرمون أنفسكم أم تذلونها وهل تكونون بناة مجد لبلادكم وأمتكم أم ترضون أن تكونوا مشكلة مبحث لها عن حلول أرقامًا هامشية لا وزن لها ولا قيمة بل عبئًا على أهليكم ومجتمعكم؟ أين تطلعكم للمستقبل الواعد صلاحًا وهدى، وعلمًا وعملًا، منطقية في التفكير، وتقدير للمسئولية، واستثمار للفرص، واغتنام لزهرة الشباب، إن الآباء والأمهات يتطلعون إلى بركم، والمجتمع ينتظر فاعليتكم وإيجابيتكم وأنتم أهل للثقة. عباد الله وإذا استقرت هذه المعاني في نفوسنا جميعًا .. كانت مهيئة لقبول البرامج النافعة، سواء كان ذلك في الأجازة أو غيرها، وإنما كان التركيز على الأجازة لكثرة الفراغ وتنوع البرامج الرسمية والأهلية والقائلية، وحسبي هنا أن أذكر بشيء من هذه الوسائل ومنها: ١ - الأسرة القدوة وذلك عبر برامج متنوعة تستطيع الأسرة من خلالها أن تضرب النموذج الأمثل للأسر من حولها رعاية للأولاد واستثمارًا للأوقات

стр. 3365

والطاقات .. فإن لم تسطع ذلك فلتخير أسرة ناجحة لتنظر في مسارها ولتستفيد من تجاربها، والمهم أن نذكر بالقدوة في أسرنا. ٢ - الزيارات الهادفة كالزيارة للأقارب والأصدقاء، وزيارات المرضى لإيناسهم والدعاء لهم، وللمقابر لترقيق القلوب والدعاء للموتى، والزيارة للأماكن الفاضلة، والصلاة بها كالحرمين الشريفين، وللمنتزهات الجميلة الراقية. ٣ - بناء الذات واكتساب المهارات .. يحتاج أبناؤنا وبناتنا إلى مهارات تبني ذواتهم وتعينهم في تحمل مسئولياتهم كفن الطبخ والغسيل والتنظيف والترتيب وتربية الصغار ورعايتهم ونحو ذلك من أمور تحتاجها الفتيات كما يحتاج الأبناء إلى تدريبهم على فن التعامل مع الآخرين وحسن استقبالهم، وأصول القيادة، وطرائق البيع والشراء ونحو ذلك مما يحتاجه الفتيان. ٤ - اللقاءات الأسرية تتطلع الأسر إلى لقاءات مع أسر مماثلة، لتأنس بها وتستمع منها وتسمعها، ومن الجميل أن تكون هذه اللقاءات هادفة وأن تكون مصحوبة ببرامج ولو كانت خفيفة فالأسر ينشط بعضها بعضًا، وللمنافسة دور في صقل المواهب، وكم هو جميل أن تلتقي عدد من الأسر في استراحات يتوفر فيها مكان للرياضة والترفيه وتتوفر فيها أجواء للاستفادة والبرامج النافعة .. ٥ - القراءة .. ومن الجميل أن ندرب أبناءنا وبناتنا على القراءة ونحبب إليهم الثقافة ونوجه إلى النافع من العلم والمعرفة، فعالم اليوم معرفي ولا مكان للأمية، ومشكلة أن يسبقنا الآخرون بالعلوم والمعارف ونحن الذين بدأ تاريخنا بـ ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ وانفتقت حضارتنا عن علوم ومعارف وإبداعات أنارت للآخرين عصور الظلام لتجنب القراءة النافعة لنا شئنا، فمرة نصطحبهم للمكتبات المنزلية وأخرى لمكتبات الأصدقاء، وثالثة للمكتبات
следующие страницы →