بالآذان، وتوقظون النائم مع انشقاق الفجر، ثم تمكثون في المسجد .. تصلون من النوافل ما كتب الله لكم، وتقرأون من كتاب الله أو تذكرون الله وتسبحونه بما لا يتوفر لغيركم- إلا لمن شارككم التبكير للمسجد وفضل الله يؤتيه من يشاء ..
وهنا لفتةٌ فكم تشكو المساجد من قلة التبكير إليها، وقد مرت أزمان كان المؤذن يسبق إلى المسجد .. فأين المرابطون في المسجد قبل أو مع الآذان .. وأين الباقون في المساجد بعد الصلاة يتلون كتاب الله أو يصلون أو يسبحون ويهللون ويحمدون؟ أولئك رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة يخافون يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار ..
لقد ضعف وردنا اليومي للقرآن، ولو عودنا أنفسنا التبكير للمسجد، أو المكوث فيه بعد الصلاة، لسهل علينا وردنا من القرآن ولعمرت المساجد أكثر، وإذا كانت هذه الظاهرة تستحق العناية والتذكير، فمن التحدث بنعمة الله أن نذكر أن هناك مساجد عامرة بالمرابطين فيها قبل وبعد الصلاة، وهناك مصلون أخذوا على أنفسهم أن يجلسوا في المسجد أدبار الصلات ليتفرغوا لتلاوة القرآن- أولئك مجاهدون ومرابطون-، ولهم من المشاغل والارتباطات ما لغيرهم، لكنهم محتسبون، وواثقون بأن كل نفس لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها ..
فهل يا ترى يتشجع جماعة كل مسجد ويؤنس بعضهم بعضًا في الجلوس في المسجد ولو لوقت قليل، ولو بعض الأوقات .. ولو بعض الأيام .. و ﴿من عمل صالحًا فلنفسه﴾ وبذكر الله تطمئن القلوب، ومنقبة للرجل أن يعرف ملزوم المسجد، وأن يكون من سواريه.
معاشر المسلمين عامة ومعاشر المؤذنين خاصة .. وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 3362
أبا محذورة، صفة للأذان رواها (مسلم) في صحيحه (٣٧٩) وعن أبي محذورة أن رسول الله ﷺ علمه الآذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة .. فذكرها (١).
أيها المؤمنون نداء الآذان شعار للمسلمين في سلمهم وحربهم وفي سفرهم وحضرهم، وحري بهذا النداء أن يقدر، وأن يجاب المنادي للصلاة .. بل وحري بالمسلم أن يسمع الآذان ويردد بعده ما ورد وأن يقول بعد الآذان هذا الدعاء «اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمود الذي وعدته» فمن قال ذلك حلت له شفاعة محمد ﷺ يوم القيامة (٢).
كم نستهين أو نتغافل عن هذا الدعاء وهذا فضله، وكم نزهد في الآذان وتلك مرتبة المؤذنين وفضلهم.
اللهم لا تحرمنا فضلك .. واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
стр. 3363
كيف نستثمر الأجازة ؟ (١)
الخطبة الأولى
الحمد لله القائل ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ وأشهد أن لا إله إلا الله جعل المال والبنين زينة الحياة الدنيا، والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابًا وخير أملًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أوصانا بتقوى الله وذكرنا برعاية الأمانات والمسئوليات فقال «كلكم راع ومسئول عن رعيته» وقال «لن تزول قدم عبد حتى يسأل عن أربع فذكر منها «وعن عمره فيما أفناه» اللهم صل وسلم عليه ..
إخوة الإسلام نحن اليوم على موعد للحديث عن وسائل وطرائق لاستثمار الأجازة الصيفية بما ينفع ..
ولكن دعوني اذكر نفسي وإياكم بجملة من الأمور لا بد أن نتذكرها ونعيها جيدًا قبل الحديث عن الوسائل النافعة وهنا لا بد أن نتذكر عدة أمور ومن ذلك: هدف الوجود ومفهوم العبارة .. فخلقنا لغاية نبيلة ألا وهي تحقيق العبودية لله ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ والعبادة مفهوم شامل لكل من يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال .. فلنستحضر هذا الهدف دائمًا ولنحقق العبودية في مناكب الأرض أينما كنا.
وأمر آخر ألا وهو استشعار قيمة الوقت ومخاطر الفراغ فالوقت هو الحياة وهو أغلى ما نملك، وإذا أردت أن تتبين أقدار الناس وتفاوتهم في الدرجات فانظر إلى قيمة الوقت عندهم وكيف تستثمر ..
стр. 3364
وإذا كان الفراغ مصيبة على مستوى الأمة والمجتمع فهو كارثة في حق الفتيان والفتيات إذا ما استغل في تدمير الذات أو تدمير الآخرين .. إنه طاقة لا بد من صرفها فيما ينفع، وإلا تحول إلى مشكلة تتجذر أبعادها، ويتحمل المجتمع مخاطرها ونتائجها والأمر الثالث سؤال يوجه للأولياء وللشباب، فهل يشعر الأولياء بمسئوليتهم كاملة تجاه أبنائهم .. هل يقدرون ظروفهم ويتحسبون لمشاكلهم، هل يفكرون جيدًا في استثمار أوقاتهم، هل يقدرون المشكلة حق قدرها وهل يكونون على مستوى المسئولية إن فئة من الأولياء لا تزال غائبة عن الرعاية والتوجيه، مشغولة بجمع الحطام، تاركة الحبل للغارب، وهذه النوعية مهما كانت قليلة فلها أثرها في جنوح الشباب وبلوى المجتمع بهم.
أما الشباب فيقال لهم هل تكرمون أنفسكم أم تذلونها وهل تكونون بناة مجد لبلادكم وأمتكم أم ترضون أن تكونوا مشكلة مبحث لها عن حلول أرقامًا هامشية لا وزن لها ولا قيمة بل عبئًا على أهليكم ومجتمعكم؟ أين تطلعكم للمستقبل الواعد صلاحًا وهدى، وعلمًا وعملًا، منطقية في التفكير، وتقدير للمسئولية، واستثمار للفرص، واغتنام لزهرة الشباب، إن الآباء والأمهات يتطلعون إلى بركم، والمجتمع ينتظر فاعليتكم وإيجابيتكم وأنتم أهل للثقة.
عباد الله وإذا استقرت هذه المعاني في نفوسنا جميعًا .. كانت مهيئة لقبول البرامج النافعة، سواء كان ذلك في الأجازة أو غيرها، وإنما كان التركيز على الأجازة لكثرة الفراغ وتنوع البرامج الرسمية والأهلية والقائلية، وحسبي هنا أن أذكر بشيء من هذه الوسائل ومنها:
١ - الأسرة القدوة وذلك عبر برامج متنوعة تستطيع الأسرة من خلالها أن تضرب النموذج الأمثل للأسر من حولها رعاية للأولاد واستثمارًا للأوقات
стр. 3365
والطاقات .. فإن لم تسطع ذلك فلتخير أسرة ناجحة لتنظر في مسارها ولتستفيد من تجاربها، والمهم أن نذكر بالقدوة في أسرنا.
٢ - الزيارات الهادفة كالزيارة للأقارب والأصدقاء، وزيارات المرضى لإيناسهم والدعاء لهم، وللمقابر لترقيق القلوب والدعاء للموتى، والزيارة للأماكن الفاضلة، والصلاة بها كالحرمين الشريفين، وللمنتزهات الجميلة الراقية.
٣ - بناء الذات واكتساب المهارات .. يحتاج أبناؤنا وبناتنا إلى مهارات تبني ذواتهم وتعينهم في تحمل مسئولياتهم كفن الطبخ والغسيل والتنظيف والترتيب وتربية الصغار ورعايتهم ونحو ذلك من أمور تحتاجها الفتيات كما يحتاج الأبناء إلى تدريبهم على فن التعامل مع الآخرين وحسن استقبالهم، وأصول القيادة، وطرائق البيع والشراء ونحو ذلك مما يحتاجه الفتيان.
٤ - اللقاءات الأسرية تتطلع الأسر إلى لقاءات مع أسر مماثلة، لتأنس بها وتستمع منها وتسمعها، ومن الجميل أن تكون هذه اللقاءات هادفة وأن تكون مصحوبة ببرامج ولو كانت خفيفة فالأسر ينشط بعضها بعضًا، وللمنافسة دور في صقل المواهب، وكم هو جميل أن تلتقي عدد من الأسر في استراحات يتوفر فيها مكان للرياضة والترفيه وتتوفر فيها أجواء للاستفادة والبرامج النافعة ..
٥ - القراءة .. ومن الجميل أن ندرب أبناءنا وبناتنا على القراءة ونحبب إليهم الثقافة ونوجه إلى النافع من العلم والمعرفة، فعالم اليوم معرفي ولا مكان للأمية، ومشكلة أن يسبقنا الآخرون بالعلوم والمعارف ونحن الذين بدأ تاريخنا بـ ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ وانفتقت حضارتنا عن علوم ومعارف وإبداعات أنارت للآخرين عصور الظلام لتجنب القراءة النافعة لنا شئنا، فمرة نصطحبهم للمكتبات المنزلية وأخرى لمكتبات الأصدقاء، وثالثة للمكتبات
стр. 3366
العامة للمطالعة، ورابعة للمكتبات التجارية .. وهكذا ينشأون محبين للكتاب والمكتبة والعلم والمعرفة.
٦ - والمسموعات والمرئيات أساليب للتربية وطرائق للتسلية وقضاء الوقت بما ينفع، خاصة إذا أحسنا الاختيار لما يسمعون وما يشاهدون، وبحمد الله تملأ المكتبات الصوتية الإسلامية المدن والقرى، والرواج الأكبر للشريط الإسلامي بأشرطة الكاسيت والفيديو وأقراص الحاسوب، وفيه ما حمل الترخيص ومسح غنية عما سواه.
وثمة شباب وفتيات محترفون في الكمبيوتر .. يخططون ويستثمرون ويبتكرون وأولئك يمكن استثمار قدراتهم في الدعوة للخير، وتصميم مواقع ينفع الله بها .. وآخرون متمرسون في الدخول على مواقع الشبكة العنكبوتية، يدعون ويوجهون ويواجهون الغزو الساقط، ويحذرون من انخدع بهذه المواقع، ويحاورون من التبس عليه الحق أو زين له الباطل .. وهؤلاء وأولئك على خير إن شاء الله.
٧ - مكاتب الدعوة ودعاة المستقبل، ومكاتب الدعوة في بلادنا منارات للدعوة ومستودع لكثير من الخيرات والتجارب الدعوية، وزيارة هذه المكاتب بصحبة الأبناء والبنات لأقسام النساء، يكسب أولادنا خبرة، ويدفعهم للدعوة، ويعرفهم بالوسائل الدعوية، وكل ذلك يصنع منهم دعاة للمستقبل مستفيدين من تجارب من سبقهم هذا فضلًا عن دعم هذه المكاتب الدعوية وتشجيع القائمين عليها، وتسجيل الشكر للجهات المشرفة عليها.
٨ - وللسفر فوائد ومخاطر، وعلى المسافرين أن يحتاطوا لوسائل السلامة في السفر، فدعاء السفر خير ما بدأت به الرحلة، وصيانة المركوب والالتزام بأنظمة
стр. 3367
المرور ضرورة عقلية ومطلب شرعي، وأذكار الصباح والمساء تخفف من كوارث ووعثاء السفر، والحذر من السفر إلى بلاد يبتز فيها المسافرون أو يتعرضون فيها لسرقة أموالهم أو أخلاقهم حصافة في الرأي ومتانة في الدين، وتذكر أيها المسافر أنك لا تدري بأي أرض تموت، ولا يغب عن بالك- عزيزي المسافر- أن السفر اختبار للأخلاق، وامتحان للإرادة المراقبة إنه ميدان للدعوة ومظنة لقبول الدعاء، فرصة للتفكر، وباعث على الذكر والشكر، هو قطعة من العذاب ولكن فيه سلوه، فيه علم وآداب ولكنه مظنة للعطب وإن قدر لك السفر للخارج فإياك أن تفتنك المراقص والملاهي وارتفع بهمتك إلى مواقع الخير ومنارات الدعوة ودعم بمالك أو شجع بزيارتك، اهد كلمة طيبة إن لم تجد وإلا تهديه .. فمراكز الدعوة وهيئاتها ورجالاتها في الخارج أحوج ما يكونون إلى الدعم والمساندة في زمن المضايقة والمحاصرة والتهم الباطلة والإرجاف.
حين تكون الرفقة سيئة .. فاختر رفيقك في السفر، كما تختار صاحبك في الحضر.
٩ - المراكز والدورات والدور النسائية .. ثمة فرص متاحة وثمة جهات تعني بفتح المراكز، والدور وأخرى تقيم الدورات، وهذه الجهود حرية بالورود لتنهل من علم العلماء، وتستفيد من تجارب الخبراء، وتكسب من تربية أهل التربية، وإذا كانت هذه المراكز الصيفية والدورات العلمية والدور النسائية محطات يتزود منها الفتيان والفتيات، بل وكبار الرجال والنساء، فالأمل أن يزيد عددها لتستوعب الأعداد الفقيرة وثمة تساؤل ملح يقول، وهل يصح منع الجامعيين من المراكز ولماذا وأين يذهبون؟
وتتساءل النساء وأين البرامج الدعوية والثقافية من الجهات الرسمية المعنية بالدعوة، والمكافئة لكثرتهن وفراغهن؟ ثمة مطالبات لخروج المرأة وقيادتها ..
стр. 3368
فهذه المجالات من أنفع ما تخرج له المرأة .. إن كنا ناصحين لها.
١٠ - الحكايات والقصص المنزلية .. ذلك أسلوب لغرس المفاهيم الطبية، لاسيما للأطفال الذين يتلذذون بسماع الحكايات ومنصتون لرواية القصص، فهل يعمد الآباء والأمهات إلى هذا الأسلوب التربوي، بدلًا من كثرة التوجيه المباشر أن الأب أو الأم .. مهما كانت ثقافتهم .. قادرون على صياغة حكاية أو قصة حقيقية كانت أم خيالية تسير في اتجاه غرس القيم الفاضلة وتحذر من الرذيلة، بأسلوب مبسط يفهمهم الصغار والكبار فإن عجز الأبوان أو شغل الإخوان والأخوات عن ذلك ففي المكتبات تتوفر قصص مفيدة للأطفال مكتوبة، أو مسجلة ويمكن شراؤها وتوفيرها لهم. وفيها ما يعلم القرآن والسنة والآداب، وفيها ما يكسب الخبرة ويفيق الأذهان ومنع ما فيها من الفوائد ففيها تسلية وتخفيف لمشاجرة الأطفال والصبيان.
١١ - وثمة أفكار جميلة للأطفال كفكرة الطفل البار، وفكرة الطفل المنظم ونحوها من أفكار تقوم على تعويد الطفل على مساعدة أهله في أعمال المنزل ولو كان يسيرًا مع التشجيع والهدية، وتدريبهم على النظام والنظافة مع وضع مكافأة تشجيعية في البداية .. وهكذا فكرة الصغير المتصدق، والأمين .. ونحو ذلك من قيم عالية يدرب عليها الصغار.
١٢ - المسابقات المتنوعة، فثمة مسابقات ثقافية، وأخرى رياضية، مسابقات في الحفظ، ومبالغة في الألغاز، ومسابقات للتعريف بالأماكن، ومسابقات تعرف بالشخصيات ومسابقات للبحوث الصغيرة، ومسابقات في تنمية المهارات والقدرات بشكل عام، كل ذلك محفز على الخير، داع لاستثمار الوقت بما ينفع .. ويزين هذه المسابقات ويشجع عليها دعمها بجوائز ومحفزات مادية
стр. 3369
ومعنوية، ومناسبة المسابقة بعقول وقدرات وميول المتسابقين.
إننا بحاجة لشحذ همم أبنائنا وبناتنا وتنويع البرامج وشد الانتباه حتى إذا تمكن الإيمان في قلوبهم، وانبعث ثمار المعرفة في عقولهم هناك نطمئن لمجاوزتهم القنطرة، ونفرح بكونهم عناصر بناء في مجتمعهم، ونتخفف من مسئوليتنا تجاههم، ويكونون قرة عين وزينة الحياة «ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إمامًا».
стр. 3370
الخطبة الثانية
الحمد لله خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا وهو العزيز الغفور نحمده ونعمه علينا ظاهرة، ونشكره وقد وعد بالزيادة لمن شكر ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته ..
عباد الله قال العالمون: المطلب الأعلى موقوف حصوله على همة عالية ونية صحيحة، فمن فقدهما تعذر عليه الوصول إليه، فالنية تفرد له الطريق، والهمة تفرد له المطلوب (١).
يا مغرور بالأماني لعن إبليس وأهبط من منزل العز بترك سجدة واحدة أمر بها، وأخرج آدم من الجنة بلقمة تناولها، وحجب القاتل عنها بملء كف من دم .. فلا تغتر بالأماني، ولا تستهين بالمعاصي ..
١٣ - إخوة الإسلام كونوا قدوة لأسركم في المسارعة للخيرات واجتناب المحرمات واحملوهم على الطاعة وابدءوهم بالواجبات ثم حببوا إليهم السنن، وكم هو جميل أيها الولي أن تصلي النوافل في بيتك وتتلوا القرآن بين أهلك وأولادك ونحو ذلك من سنن وفضائل وآداب لتكون إمامًا في الخير ودليلًا للرشد.
١٤ - أيها الآباء وأيها الدعاة المربون والمخيمات الدعوية مما تستثمر به الأوقات ويساهم في الدعوة من خلالها، وحين تعمد بعض الأسر لإقامة مخيمات عائلية خاصة بها فذلك كذلك فرصة للصلة والمرح والدعوة واستصلاح شباب الأسرة.
стр. 3371
١٥ - والرحلة للقرى والهجر النائية فيه وقوف على المعالم وتعرف على الناس وسياحة في الأرض وتقديم المساعدة للمحتاجين وتعليم من يحتاج للتعليم، وهي فرصة من فرص الدعوة للدعاة والمحتسبين.
١٦ - أيها الأولياء عودوا أولادكم على جلسة الأسرة ولو مرة في الأسبوع فيها كلمة طيبة، وتوجيه نافع، وقراءة في كتاب، وتعويد على المشورة وبناء الثقة، وفيها تجسيد لتلاحم الأسرة.
١٧ - وربوهم على صلة ذوي القربى، والعطف على المساكين، وتقدير ذوي المكانة واحترام الأكابر، وعلموهم كيف يتعاملون مع الأقران وكيف يختارون الأصحاب، وحذروهم من خفافيش الليل وسراق القيم والأخلاق.
صلوهم بالمجتمع والأمة واجعلوهم قريبين من حركة التاريخ وعلموهم أسباب العزة والتمكين وعوامل الانحطاط والهزيمة.
١٨ - أيها الحافظون لكتاب الله هنيئًا لكم واشكروا الله على ما حباكم وفي الأجازة فرصة لمراجعة وتثبيت حفظكم، أيها الراغبون في حفظه أعانكم الله وسدد خطاكم وفي الأجازة فرصة ليرى التحقيق حكم.
أيها المقصرون في تلاوة كتاب ربكم هل تكون الأجازة معينًا لكم على تدارك التقصير واللحوق بركب أهل القرآن؟
يا إماء الله تفتح الدور النسائية أبوابها لتعليم وتحفيظ كتاب الله فهل تبادرن بالالتحاق أم تعاقين بعوائق وهمية حتى يفوت الركب ويفوز بالغنيمة والأجر نساء أخريات.
إخوة الإيمان هذه خطوات وطرائق وأساليب ومقترحات لاستثمار أجازة الصيف، وقد يرى أو يمارس بعضكم غيرها وأجمل منها والمهم أن نستفيد من الزمن ونستثمر الأوقات، فكلنا وارد على ربه لا ينفعه مال ولا بنون إلا ما قدم
стр. 3372
من صالحات، وكلهم آتين يوم القيامة تذكروا يوم يصدر الناس أشتاتًا أي يرجعون عن موقف الحساب اقرءوا أنواعًا وأصنافًا ما بين شقي وسعيد، ومأمور به إلى الجنة، ومأمور به إلى النار فاحذروا المعاصي والفواحش ما ظهر منها وما بطن.
قال ﵊ لعائشة ﵂ «إياك ومحقرات الذنوب فإن لها من الله طالبًا» رواه النسائي وابن ماجه.
اشكروه على النعم، واستغفروه من الذنوب، وسبحوه بكرة وأصيلًا، واذكروه ذكرًا كثيرًا.
واعلموا أنكم ستسألون عما أنتم فيه من نعيم، لقد قال الصحابة رضوان الله عليهم حين نزلت هذه الآية ﴿ثم لتسألن عن النعيم﴾ يا رسول الله وأي نعيم نحن فيه وإنما نأكل في أنصاف بطوننا خبز الشعير فأوحى الله إلى نبيه ﷺ قل لهم أليس تحتذون النعال وتشربون الماء البارد؟ فهذا من النعيم (١).
آه ... كم لله علينا من نعمة وفضل .. وقليل منا الشكور، نصبح ونمسي في نعم من الله، والله يعلم ويشهد أننا نمارس المعاصي صباح مساء .. أهكذا يكون الشكر؟ ألا نخشى العقوبة ألا نبصر من حولنا النذر؟ هل صمت آذاننا أم وضعت الأقفال على قلوبنا؟ إن السعيد من وعظ بغيره، والشقي من صار موعظة لغيره. كم تحيط بنا الفتن .. وكم نسمع كل يوم بل في كل ساعة عن أعداد من القتلى والجرحى وآخرين مشردين غرق وفقر فتن تموج وظلم وظلمات تملأ الوجود .. ولا مخرج إلا بالإيمان وعمل الصالحات ﴿وكذلك ننج المؤمنين﴾ ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ ولن يبالي الله بقوم عصوا مرة وضيعوا حدوده،
стр. 3373
ومحو شريعته .. لن يبال الله بأي واد هلكوا وإذا عصي الله من يعرفه سلط الله عليه من لا يعرفه، وصدق الله ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٥، ٤٧].
اللهم احفظ علينا أمننا وإيماننا، واجعلنا لك شاكرين لك ذاكرين، وارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين.
стр. 3374
بين الراسخين والزائغين (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره
إخوة الإسلام فرق كبيرٌ بين أهل الإيمان واليقين، وبين أهل الزيغ والبدع والفساد، والفرق كبير ممن يتبعون أهواءهم ومن يتعبدون لخالقهم، والبون شاسع بين أصحاب الإيمان ومرضى القلوب .. ولكن فضل الله يؤتيه من يشاء ومن يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا وحين يكثر الخبث، وترفع أصوات أهل الأهواء، ويلبس الحق بالباطل .. فلا بد من بيان الحق، وكشف المبطلين حتى يحيا من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة، وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
إن مسيرة أهل الأهواء والزيغ قديمة في تاريخنا، وما زال العلماء الراسخون يواجهون بدعهم ويكشفون عن أهوائهم وتلبيسهم حتى خنسوا .. ولكن هذا الفكر كامن في نفوس أصحابه، يعلو ويتجدد كلما ضعف الراسخون في الإنكار، أو كلما أتيحت فرص لظهور أهل الأهواء، دون محاسبة توقف أو جزاء يردع.
ويرحم الله الفاروق عمر فقد أطفأ في زمنه، فتنة مبكرة كادت أن تسري على أثر حديث (صبيغ بن عسل التميمي) وتساؤلاته في أمور لا حاجة للمسلمين بها، بل ربما كانت سببًا للتشكيك والمنازعة والاختلاف -ودونكم الحادثة وفقه عمر-.
стр. 3375
عن نافع- مولى ابن عمر- أن صبغيًا العراقي جعل يسأل عن أشياء من القرآن في أجناد المسمين حتى قدم مصر، فبعث به عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب، فلما آتاه الرسول بالكتاب فقرأه، فقال: أين الرجل؟ فقال في الرحل، فقال عمر: أبصر أن يكون ذهب فتصيبك مني به العقوبة الموجعة، فأتاه به فقال عمر: تسأل محدثة فأرسل عمر إلى رطائب من جريد فضربه بها حتى ترك ظهره وبرة، ثم تركه حتى برأ، ثم عاد له، ثم تركه حتى برأ، فدعا به ليعود له، فقال صبيغ: إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلًا جميلًا، وإن كنت تريد أن تداويني فقد والله برئت، فأذن له إلى أرضه، وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن لا يجالسه أحد من المسلمين، فاشتد ذلك على الرجل، فكتب أبو موسى إلى عمر أن قد حسنت توبته فكتب عمر أن يأذن للناس بمجالسته (١)، عن ناصر العقل صبيغ نفعه الله بأدب عمر، ولذا لما خرجت الخوارج قيل هذا يومك، فقال: نفعني الله بأدب الرجل الصالح (٢).
أما المسلمون فالتزموا بتوجيه عمر وهجر صبيغ حتى كان الواحد منهم يفر من مجالس صبيغ ويقولون هذه عزمة أمير المؤمنين .. وكذلك سعى أن يهجر المجتمع أصحاب البدع.
هكذا أبطل الفاروق فتنة الشبهات وإثارة الجدل في أمور لا يحتاجها المسلمون إنما هي من منهج أهل الأهواء والبدع، وكذلك كان المسلمون بمجملهم يحذرون من الأهواء، ويلزمون الناس بالسنة والأثر.
قال عمر بن عبد العزيز: السنة إنما سنها من علم ما جاء في خلافها من
стр. 3376
الزلل، ولهم كانوا على المنازعة والجدل أقدر منكم» (١).
وهو القائل من جعل دينه غرضًا للخصومات أكثر التنقل ..
أي التنقل من رأي إلى رأي ومن بدعة إلى أخرى (٢).
وقال الشعبي: (إنما الرأي بمنزلة الميتة إذ احتجت إليها أكلتها) (٣).
وعن إبراهيم النخعي قال: كانوا- يعني السلف- يكرهون التلون في الدين (٤).
هكذا كان العلماء يحرصون على جمع الناس على السنة، ويحذرونهم من البدع، والأهواء، والخصومات والمناقشات الكلامية.
وكذلك كانوا يثنون على الراسخين في العلم الثابتين على الحق.
أيها المسلمون فرق بين الراسخين والزائغين، فالراسخون لا يتعلقون بالشبهات، بل يردون المشتبهات إلى المحكمات، ويؤمنون بما جاء عن الله وصح عن رسوله ﷺ ، والراسخون هم قوم برت إيمانهم وصدقت ألسنتم، واستقامت قلوبهم، وأعفوا بطونهم وفروجهم - كما جاء في بعض الآثار (٥).
أما الزائغون فهم يتعلقون بالشبه ويثيرون اليقين وهم المتقلبون المتلونون قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الألْبَابِ﴾ [آل عمران: ٦، ٧].
روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة ﵂ قالت: تلا رسول الله ﷺ هذه
стр. 3377
الآية ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الألْبَابِ﴾ قالت: قال رسول الله ﷺ : «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذرهم» (١).
قال الحافظ بن كثير- في تفسيره الآية-: أول بدعة وقعت في الإسلام فتنة الخوارج .. ثم نبعت القدرية، ثم المعتزلة، ثم الجهمية، وغير ذلك من البدع التي أخبر عنها الصادق المصدوق في قوله: «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: من كان على ما أنا عليه وأصحابي» والحديث رواه أهل السنن وصححه جمع من الأئمة المعتبرين.
وقال ابن المبارك: أصول الفرق أربعة: المرجئة والقدرية والشيعة والخوارج.
عباد الله ويظن بعض الناس أن هذه الفرقة أصبحت تاريخًا يذكر ولا وجود لها في عالم اليوم، وهذا خلل في الرأي وخطأ في الرؤية بل يبصر المتأمل في واقعنا المعاصر انبعاثًا لهذه الفرقة المنحرفة ووجودًا لهذه الضلالات المنكرة فالفكر الخارجي يظل برأسه ويسمع بين الفينة والأخرى من يكفر من لا يستحق الكفر، أو تقتل المسلم أو يستهين بالدماء المعصومة لما كان يصنع الخوارج، بل ربما أفزعك خبر تسمعه- في ساحات الجهاد- من تقصد بعض فضائل الجهاد لقتل من يخالفهم في الرأي ولو كان مسلمًا .. بل ولو كان مجاهدًا .. تلك فتنة وبلية لا تحسب على الإسلام وليست من أخلاق المسلمين في شيء.
-نسأل الله العافية والسلامة- ولا بد أن تنكر حين لا تقع الفتنة بين المسلمين ويظل العدو يتفرج على مآسي وخلافات المسلمين.
стр. 3378
حين نسمع عن شيء من هذه الأخبار لا بد أن نتثبت حتى لا نصيب قومًا بجهالة، -ولا بد أن نعدل- ولا يجرمنا شنآن قوم عن العدل .. فإذا ثبت شيء من ذلك فلا بد أن ننكره وننصح لأصحابه ولا تأخذنا في الله لومة لائم، فنحن متعبدون لدين الله لا للرجال .. وبالحق يعرف الرجال، وليس بالرجال يعرف الحق.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾.
стр. 3379
الخطبة الثانية
إخوة الإسلام ولم ينته الفكر الاعتزالي بموت أساطينه الأول، ولم تنته العقلية الاعتزالية المعظمة للعقل حتى جعلته ندًا أو معارضًا للنقل الصحيح .. وكما ظل أهل الاعتزال الأول وجاروا لأنهم تاهوا في تخبطات عقولهم، بل عبر بعض من رجع منهم أن أرواحهم في وحشة من أجسادهم وقال نادمًا متحسرًا تائبًا:
نهاية أقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وغاية أمرنا أذى ووبال
إلى أن قال:
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا قيل وقالوا
كما يظل هؤلاء اليوم أصحاب مدرسة الاعتزال الجديدة .. حين يحملون العقل ما لا يحتمل وحين يقحمون العقل في مجالات لا مكان له فيها، ولذا تظل الحيرة والتشكك تلاحق هؤلاء، ويظل الإنكار للمعلوم من الدين بالضرورة سمة لهؤلاء، كما أن من سماتهم التنقل والتلون، فمرة تراهم في أقصى اليمين، وحينًا تراهم في أقصى الشمال، يصاحبون الأخيار فترة، ويكونون أخلاء للأشرار فترة أخرى وهكذا وآخرون منهم مغموسون في حياتهم كلها .. شغلهم الشاغل طرح الشبهات وديدنهم الطعن على أحكام الشريعة وتجريح علماء الأمة- إنهم قوم مفتونون سلم الأعداء من سهامهم، وأذوا المسلمين بطروحاتهم وتشكيكاتهم.
إن الحقيقة تقول: ليس هناك تعارض بين العقل الصحيح، والنفل الصريح، وما من دين احتفى بالعقل كما احتفى به الإسلام ولقد ألف شيخ الإسلام
стр. 3380
ابن تيمية ﵀ سفرًا عظيمًا رد فيها على أصحاب المدرسة العقلية المتشنجة وأسماه (درء تعارض العقل والنقل) وانتهى في كتابه إلى تعظيم النص الشرعي وعدم تعارضه مع العقل الصحيح.
ومما قاله الشيخ في كتابه بهذا الصدد «إن النصوص الثابتة عن الرسول ﷺ لم يعارضها قط صريح معقول فضلًا عن أن يكون مقدمًا عليها، وإنما الذي يعارضها شبه وخيالات مبناها على معان متشابهة وألفاظ مجملة، فمتى وقع الاستفسار والبيان ظهر أن ما عارضها شبه سفسطائية لا براهين عقلية» (١/ ١٥٥، ١٥٦).
ويقول: «إن كل ما عار من الشرع من العقليات فالعقل يعلم فساده» (١).
ويقول: والمقصود هنا التنبيه على أن ما جاء به الرسول ﷺ هو الحق الموافق لصريح المعقول (٢).
وكما انحرف الخوارج والمعتزلة وأصحاب المدارس العقلية، انحرف أهل الإرجاء الذين يقولون إن مجرد الإيمان كاف، ولا تضر مع الإيمان معصية، وتنازل المرجئة المعاصرون عن كثير من أمور الدين، وسهلوا على العوام اقتحام الموبقات فهلكوا وأهلكوا.
أيها المسلمون .. لا بد للعلماء وأهل الفكر السليم من التسليط وأشعة النقد على كل فكر ملوث وكشف تناقضاته الفجة، لاتفاق مفعول شحنته السلبية .. حتى لا تعاق المسيرة، ولا تتاح فرص للمعوقين والمرجفين في الأمة، في زمن باتت الأخطار تحدق بالأمة من كل جانب وأصبحت قصعة المسلمين محط أنظار الخصوم وأعداء الأمة من كل جانب، وما بالأمة حاجة أن تلتفت للوراء أو تشغل عن خصومها ببعض أبنائها.
стр. 3381
إن ثمة حقيقة تقول إن الإسلام بمدن بات يحيف الأعداء، والمسلمون لصحوتهم أصبحوا شغلًا شاغلًا لهم وما عاد جافيًا على دوائرهم الرسمية تغلغل الإسلام في كل مكان وانتشار المسلمين في كل موقع .. حتى زوايا الغرب ومواقعه تلك حقيقة ملقلقة حتى أطلق قادتهم السياسيون والعسكريون هل قتل (المسلمين) واعتقالهم، أسرع من تكاثرهم وتأثيرهم؟ وأجاب قادة مفكريهم وصحفيهم (جون ليهمان) عن السؤال بـ لا.
واقرؤوا إن شئتم مقالًا رائعًا في مجلة البيان بعنوان: منطقة الخليج بن خطرين تدركوا شيئًا من المخاطر والمخططات التي تحاك لنا ولبلادنا حمانا الله والمسلمين الشرور والفتن، وكان الأعداء في نحورهم اللهم انصر الحق وأهله، وأبطل الباطل وامكر بأهله يا سميع الدعاء ولا بد مع هذا كله أن يقال إن في الأمة خيرًا كثيرًا، وهناك إقبال من العامة على الإسلام، وهناك خاصة من علماء وطلبة علماء منحهم الله علمًا ورسوخًا وثباتًا على الحق، زادهم الله من فضله، ورد من انحرف إلى صراط مستقيم.
стр. 3382
بين الاستضعاف والتمكين (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ..
في لحظة من لحظات الضعف قد يخيل للإنسان أنه ليس بالإمكان أحسن مما كان، وفي مرحلة من مراحل الإحباط قد يتصور المحبطون أن هذا الوضع البئيس لا يمكن أن يتحسن.
وحين نغفل عن السنن الكونية نرى من المستحيل تغير الأشياء عن مواضعها، فالقوي يستمر على قوته، والضعيف يلازمه الضعف وهكذا .. ولكن صفحة الواقع المشهود في الماضي والحاضر تؤكد أنه لا ثبات على حال، فالأيام دول، والضعيف يقوى والقوي يضعف، والعزة تتحول إلى ذل، والكثرة إلى قلة وهكذا ..
أجل لقد قيل للمؤمنين ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠ - ١٤١].
واليوم نحن أحوج ما نكون إلى فقه هذه الآيات ودلالاتها قال المفسرون في تأويل هذه الآيات: من الحكم أن هذه الدار يعطي الله منها المؤمن والكافر والبرَّ والفاجر، فيداول الله الأيام بين الناس، يومٌ لهذه الطائفة ويومٌ للطائفة الأخرى .. إن هذه الدنيا مصيرها الفناء لا البقاء .. أما الآخرة فإنها خالصة للذين آمنوا ..
стр. 3383
ومن حكم الابتلاء تمييز المؤمن من المنافق، لأنه لو استمر النصر للمؤمنين في جميع الوقائع لدخل في الإسلام من لا يريده فإذا حصل في بعض الوقائع والمراحل بعض أنواع الابتلاء تبين المؤمن الحقيقي الذي يرغب في الإسلام في السراء والضراء واليسر والعسر والنصر والهزيمة، ممن ليس كذلك.
ومن الحكم في الأدلة على المؤمنين وهزيمتهم أن يتخذ الله من المؤمنين شهداء، إذ الشهادة عند الله من أرفع المنازل ولا سبيل لنيلها إلا بما يحصل من وجود أسبابها، فالله تعالى بعلمه وحكمته يهيء للمسلمين ما تكرهه نفوسهم ظاهرًا لكنه خير لهم عند ربهم ..
ومن حكم إزالة الكافرين على المؤمنين أن يمحص الله ذنوب المؤمنين بما ينالهم من هم وأذى قد يصل إلى القتل لتتحقق لهم الشهادة ويمحق الله الكافرين. فهذا النصر لهم ظاهرًا يخفى وراءه محقًا وهلاكًا لهم، فإنهم إذا انتصروا بغوا وتجبروا وزادوا طغيانًا وإفسادًا في الأرض، وهذا يعجل عقوبتهم، وانتهاء أمرهم.
أن على المؤمنين ألا يهنوا ولا يحزنوا ولا يحبطوا ما داموا على الحق ثابتين حتى وإن قهرهم وغلبهم عدوهم، وألا ينظروا إلى الهزيمة على أنها حظهم ما داموا أحياء، بل عليهم أن يصبروا ويصابروا ويرابطوا ويفعلوا من الأسباب ما يعذرون به أنفسهم أما النصر فمن عند الله هو أعلم به وهو الذي يوقعه بحكمته متى شاء. ﴿وما النصر إلا من عند الله﴾.
وعليهم أن يتيقنوا بأن الحق منصور، وأن العاقبة للتقوى ..
لقد أوذي وفتن المؤمنون وفيهم الأنبياء، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا ولا استكانوا حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصر الله.
стр. 3384
ودونكم هذا المشهد لما بلغه خاتم المرسلين من الأذى حتى تذمر منه من ليس على دينه، وكره أن يشهد فصوله من لم يكن حينها من أصحابه .. ومع ذلك كان الأذى يحمل في طياته الفرج، والشدة تتمحص عن نصر مبين يقول جبير بن مطعم- قبل أن يسلم-: كنت أكره أذى قريش لرسول الله ﷺ فلما ظننا أنهم سيقتلونه لحقت بدير من الديارات، فذهب أهل الدير إلى رأسهم فأخبروه، فاجتمعت به، فقصصت عليه أمري، فقال: تخاف أن يقتلوه؟ قلت: نعم، قال: وتعرف شبهه لو رأيته مصورًا؟ قلت: نعم، قال: فأراه صورة مغطاة كأنها هو، وقال: والله لا يقتلوه ولنقتلن من يريد قتله، وإنه لنبي، فمكثت عندهم حينًا، وعدت إلى مكة وقد ذهب رسول الله ﷺ إلى المدينة، فتنكر لي أهل مكة، وقالوا: هلم أموال الصبية التي عندك استودعها أبوك، فقلت ما كنت لأفعل حتى تفرقوا بين رأسي وجسدي، ولكن دعوني أذهب فأدفعها إليهم، فقالوا: إن عليك عهد الله وميثاق أن لا تأكل من طعامه، فقدمت المدينة، وقد بلغ رسول الله الخبر، فدخلت عليه فقال لي فيما يقول: إني لأراك جائعًا هلموا طعامًا، فقلت لا آكل خبزك، فإن رأيت أن آكل أكلت، وحدثته، قال: فأوف بعهدك (١).
فإن قيل إن هذه الرواية فيها ضعف لضعف راويها ابن لهيعة فإن الروايات الصحيحة في إيذاء المشركين للنبي والمؤمنين أكثر من أن تحصر. وأصح من ذلك وأبلغ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠].
وفي النهاية انتصر الحق ومُكن للمستضعفين، وتهاوت عروش الظلم وانتصر المسلمون ودخل الناس في دين الله أفواجًا.
стр. 3385
واليوم ورغم الظلم والظلمات وعلى أنقاض المآسي ومن أشلاء المظلومين .. تتبدى في الأفق صورة أخرى تكاد تحول الموازين، وتلمح إلى دوْلِ الأيام .. ففي الكيان الصهيوني المحتل اختلال وفرقة تحل بالرئيس المغطرس شارون جلطة يدخل على إثرها للمستشفى ويحدث خبر الجلطة لغطًا في الكنيست الإسرئيلي.
ومن جانب آخر تناقلت الصحف اليهودية في فلسطين نبأ إسلام أحد اليهود وأحدث جدلًا كبيرًا .. وصف هذا المسلم كالعادة بالتطرف والإرهاب .. ووراء الخبر تحليلات حول سبب إسلامه وأثره على الهواء ..
وإذا كانت هذه المفاجآت النوازل والمتغيرات على مستوى اليهود، فتشهد بلاد النصارى كوارث طبيعية واختناقات واختلافات يظهر لنا بغضها وربما خفى عنا أضعافها ورغم التضييق على الإسلام والمسلمين إلا أن الإسلام ورغم التصبير والحماس لهدم الإسلام إلا أن السحر يتقلب على الساحر .. ويعود المنصِّر مسلمًا داعيًا للإسلام ولئن كانت أخبار الداخلين في الإسلام من الكثرة بحيث لا يمكن حصرهم، ومن أراد البيان فليتصل بمكاتب توعية الجاليات، ليعلم كم يسلم يوميًا .. إلا أنني هنا أقف مذكرًا بقصة القس النصراني الذي أسلم، وتحدث الناس عن قصته وتناولت وسائل الإعلام خبره، وكيف كان وكيف انتهى به المسار فقالت وقال: تخرجت من الفاتيكان (معقل التنصير في العالم) وبدأت أنتقل من بلد إلى بلد لتنصير المسلمين، وكانت أكثر زياراتنا لمصر فإنها مصدر من مصادر قوة المسلمين، ثم جلست يومًا مع مجموعة من القساوسة والمنصرين، فقلت لهم: لقد طفنا أكثر بلاد الأرض، ولم يبق إلا جزيرة محمد ﷺ لم تصل إليها دعوة المسيح- بزعمهم- ولا بد من اقتحامها، فهي معقل الإسلام العنيد، فخططت ودبرت للوصول فنجحت في
стр. 3386
ذلك، فلما وصلت بدأت أبحث عمن يعطيني نسخة مترجمة للقرآن لأكتشف أسرار الإسلام وأتعرف على أخطاء القرآن فتكون هي طريقي لتنصير المسلمين ومحادثتهم .. حتى حصلت على النسخة المطلوبة بصعوبة، فأخذتها، وأغلقت الأبواب وجلست ولا أحد يراني إلا الله، بدأت أقرأ وفي نيتي تتبع واستخراج الأخطاء، فإذا بسورة الفاتحة تحيرني وتأخذني إلى عالم آخر ثم أول مقطع من سورة البقرة يتحداني ويخبرني أن هذا الكتاب خال من الأخطاء، مما زاد في حرصي على القراءة والتدبر، وبدأت أقفال الكفر تنحل وتتفتح وبدأ ظلام الشرك ينجلي ..
وبدأ القرآن يجاوبني عن كل الأسئلة والاستفسارات، وبدأت أقول لنفسي من هذا الذي يتحداني؟ ومن هذا الذي عنده كل هذه القدرة وكل هذه الصلاحيات حتى يتكلم في ملكوت الأرض والسموات، فجاءني الجواب من أعماق قلبي: أنه الله ﷻ الذي قال في القرآن: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (١).
стр. 3387
الخطبة الثانية
الحمد لله أهل الحمد والثناء والمجد ..
إخوة الإسلام دين الله منتصر طال الزمان أم قصر وكلمته ظاهرة ولو كره المشركون، والبقاء للحق، والعاقبة للتقوى، وجند الله هم الغالبون، ذلكم وعد غير مكذوب ..
ولكن للنصر أسباب، وللتمكين شروط .. فمتى أقام المسلمون الصلاة وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ومكن لهم، ومتى ما غيروا ما بأنفسهم غير الله ما بهم.
إن مراحل الضعف مرت بالأمة من قبل ومن بعد ولكن الضعف إذا كان محفزًا للنهوض كان هذا الضعف وباءً عارضًا تسترد الأمة منه عافيتها بعد حين.
ومرت الأمة بظروف من الفرقة والتناحر .. ولكن الفرقة إذا كانت درسًا بليغًا وهاديًا إلى الاجتماع والتآلف كانت هذه الفرقة نزغة من نزغات الشيطان لا تلبث أن تكون صفاء ومودة، واجتماعًا وتوحدًا على الحق ..
وهكذا تستفيد الأمة من دروس الضعف ومن أيام البلاء كما تستفيد من دروس القوة وتتعامل مع السراء.
إذًا الأمة الراشدة تبتلى لتتعافى، وتحاصر لتتفجر طاقاتها عن مبادرات نافعة، وتمتحن وتصهر ليتميز الخبيث فيها من الطيب ألا وإن من علائم ذل الأمة وهو إنها أن تتزين ظاهرًا وباطنها خراب وتلمس جلود الضأن وهي تتحرك نفسية الذئاب .. أولئك قوم مقتهم الله، وأولئك قوم يفتنون ..
جاء في كتاب الزهد للسجستاني وبالإسناد عن ابن المبارك عن بكار عن ابن منبه قال: قال الله ﵎ فيما عير به الأحبار- أحبار بني إسرائيل-
стр. 3388
تفقهون لغير العبادة، وتعلمون لغير العمل، وتلتمسون الدنيا بعمل الآخرة وتنقون القذاة من شرابكم وتبتلعون أمثال الجبال من الحرام، وتثقلون الدين على الناس أمثال الجبال ولا تعينونهم برفع الخناصر، وتلبسون جلود الضأن وتخفون أنفس الذئاب، وتبيضون ثيابكم فتنقصون بذلك مال اليتيم والأرملة، قال تعالى «فبعزتي حلفت لأخبرنكم بفتنة يضل فيها عقل ذي العقل وحكمة الحكيم» (١).
هنا ... وفي ظل هذه الظروف والفساد المستشري والضعف والفساد الظاهر والباطن يتذكر أهل القرآن قوله تعالى: ﴿أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٦].
إن الأمة الراشدة هي التي تستفيد من دروس الهزيمة كما تستفيد من دروس النصر، وستظل الأمة تعاني ويلات الذل والهزيمة، حتى تفكر في المخارج الصحيحة للطوارئ .. وكلما اعتمدت الأمة على البشر الضعيف وكلها الله إلى ما توكلت عليه، وكلما توكلت على الله والتجأت إليه أجارها وعافاها وغير ما بها .. لا ينظر الله إلى الصور والأجساد ولكن ينظر إلى القلوب والضمائر ولا ينفع بياض الثوب إن كان القلب أسودًا .. كان أبو عبيدة ﵁ يسير في الجيش ويقول: «ألا رب فبيض لثيابه قد دنس لدينه ألا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين، ألا بادروا السيئات القديمات بالحسنات الحديثات، فلو أن أحدكم أساء ما بين السماء والأرض ثم عمل حسنة لعلت سيئاته حتى تقهرهن» (٢).
لقد اختلت الموازين الحقة في دنيا الناس، وأصبحت النظرة في غالبها نظرة
стр. 3389
مادية، وبات تقييم الناس على حسب ما عندهم من الدرهم والدينار لا على حسب ما لديهم من الإيمان والتقى ..
وتلك موازين تطيش لكنها لا تلبث أن تنتهي .. يروى أن ملكًا من بني إسرائيل ركب يومًا في موكب له فتشرف الناس فنظروا إليه حتى مر برجل يعمل شيئًا مكبًا عليه، فلم يرفع رأسه إليه، فوقف عليه فقال: كل الناس تشرف علي ونظر إلي، من أنت؟ قال الرجل إني رأيت ملكًا قبلك كان على هذه القرية، مات هو ومسكين، فدفن الرجل إلى جنبه فلم أزل أتعاهدهما كل يوم أنظر إليهما حتى تفرقت أوصالهما، وكشفت الريح عن قبورهما ثم اختلط رأس هذا ورأس هذا، وعظام هذا وعظام هذا، فلم أعرف رأس من رأس الناس، فلذلك لم أنظر إليك (١).
وإذا كانت الآخرة خيرًا وأبقى فأهلها هم من قال الله عنهم ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣].
أما الطغاة والمفسدون في الأرض فأولئك قال الله عنهم: ﴿لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلاَدِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٩٦، ١٩٧].
стр. 3390
الهيئة ورجالاتها محن أم منح ؟ (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله أمر بالعدل والإحسان ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
إخوة الإسلام .. صمام الأمان ما هو؟ وعلامة خيرية الأمة ما هي؟ إنها (الحسبة) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ترى مكمن الخطر أن يكون؟ في القيام بهذه الشعيرة وتشجيع القائمين عليها .. أم بأعمالها والطعن في رجالاتها؟
داع القرآن يقول: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
وسيد الخلق ونبي الرحمة ﷺ يقول: «لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليضربن الله قلوب بعضك ببعض».
وأخيار وصالحون يقولون المعروف ويأمرون به، وينتهون عن المنكر وينهون عنه .. هذا نداء الفطرة وتوجيه الكتاب والسنة وثمة نداءات مشبوهة وأصحاب ريب ونفاق يقولون المنكر ويأتونه ويدعون الناس له، ويمسكون عن المعروف وربما ضاقت نفوسهم به، وأعظم من ذلك وأسوأ أن ينفروا الناس منه ويشوهون صورته رجالاته أولئك نسخ تتكرر وأجيال تتلاحق الذين قال الله عنهم: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧].
أولئك أصحاب شهوات غرضهم أن يميل الناس عن الحق وينحرفوا عن
стр. 3391
السنة ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾.
بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تحيا الفضائل، وتمات البدع وتحصر الرذائل، وتحمى الأعراض، وتصان الحرمات وبالنهي عن المنكر يحاصر المبطلون، ويكشف المجرمون، ويضيق الخناق على الجريمة، ويأمن الناس على أموالهم ودمائهم وأعراضهم حين يعز سوق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحيا من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة، ويصبح ممارسة الجريمة خفية وعلى استحياء، وفعل المعروف علانية وبكل عزة.
رجالات الحسبة يسهرون حين ينام الناس، ويقومون نيابة عنا في متابعة أهل الفساد والفجور .. إنهم يستشعرون المسئولية في تحقيق الأمن، ويرحمون الخلق حين يهدونهم للحق، ويحسنون للمخطئ حين يبصرونه بالخطأ، أو يقصرونه عن منكر أعظم إنهم ذراع الوالي لأطر الزائغين على الحق أطرًا، وهم عين العالم الذي يعرف الحق من الباطل، وهم ورجالات الأمن يكملون أدوات بعض في حماية المجتمع من أعاصير الفتن وموجات الفساد.
ورجالات الأمر بالمعروف بشر كغيرهم من البشر غير معصومين من الخطأ .. لكن من الحيف أن تعظم أخطاؤهم وتنسى جهودهم، ومن الظلم أن تلصق بهم كل تهمة وأن ينسب لهم كل خطأ ..
وحين تقرع الطبول ويتنادى الموتورون لإسقاطهم فتلك البلية التي لا يجوز السكون عليها أو إسقاط جهازهم (الهيئات) .. وحين تطرح هذه الأيام قضايا الهيئات بعبارات فجة، وأساليب غير منصفة، فذاك التشهير الذي يريد منه أولئك ما بعده .. ولا يرضى به المجتمع فضلًا عن المسئولين، وبالأمس عنوان كبير في الجزيرة يقول (استياء الهيئة من الصحف) وفي اليوم نفسه وفي جريدة الرياض تصرح لوكيل الرئيس العام لهيئات أبدى فيه الصحف تحفظه على بعض ما ينشر
стр. 3392
في الصحف ومجانبته للحقيقة ولكن ثقتنا بدولتنا التي قامت على أساس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. وتصريحات مسئولي الدولة في عدد من المناسبات عن أهمية هذا القطاع وجهود رجاله كل ذلك يطمئننا أن هذا التهويش الذي يثار بين الفينة والأخرى لن يحقق أهداف أولئك الموتورين ولن يضعف من دور الحسبة ومراكز الهيئات عن ممارسة واجبها يا رجالات الهيئة وحين لا تعطون الفرصة للشانئين والمتربصين بأي تصرف غير محسوب .. فثقوا أن الله معكم يأجركم ويدافع عنكم وحين تلتزمون باللوائح والنظم لإداراتكم فثقوا أن الدولة من ورائكم، وأن المجتمع يقدر جهدكم ويشارككم مسئوليتكم عجبًا لأقوام يضيقون بالمعروف ويروجون للمنكر، ويضيق عطنهم عن الآمرين بالمعروف والناهين للمنكر، بل ويسعون في الوقيعة بهم .. أين العدل إن ضعف الدين، وأين المروءة والشهامة إن غابت العقول أو ضعفت الغيرة؟
ألسنا نتفق على أهمية نظافة المجتمع بفكره وأخلاقه وتعاملاته؟ فما جزاء من يحتسب على الخمور ويكافح المخدرات .. ومن يحمي الأعراض ويمنع من اختلاط الأنساب، من يسهم في إصلاح البيوت، ويسدي النصح والتوعية والإرشاد للمراهقين والمراهقات؟
أيستحق أولئك الجنود الأخفياء أن نشهر بهم في المنابر الإعلامية، أو يكونوا مادة للسخرية في المسلسلات والقنوات؟ سبحانك هذا بهتان عظيم ..
إن من يريد أن ينصح ويوجه يقول للمحسن أحسنت .. ولكن عليك كتب وكتب ورحم الله من أهدى لأخيه عيوبه وفرق بين هذا المسلك ومسلك محاولات الإسقاط، وتشويه المسار، وملء قلوب الناس بالكره والازدراء .. وأعظم من ذلك حين يطرح بكل صفاقة أو يقصد من وراء الإثارة المستمرة إسقاط جهاز
стр. 3393
مهم من أجهزة الدولة .. أو إضعاف رجاله بتقليص صلاحياتهم.
وهل يريد هؤلاء أن يكون بدل رجالات الدولة وجنودها المعروفين رجال نكرات وجنود مجهولون يعملون في الخفاء وقد يضرون أكثر مما يتعلمون.
ومجتمعنا .. بحمد الله مجتمع محافظ خير، أفيريد أولئك الذين يشغبون على رجالات الهيئة أن يستبدل رجال رسميون يعملون وفق لوائح وأنظمة للدولة .. بآخرين محسوبين ولا تضبطهم لوائح وأنظمة وقد تسيرهم العاطفة ويستجيبون للغيرة .. فلا يرضون بصاحب المنكر يمارس جريمته فيقع الاختلاف والفتنة؟
إن بلادنا بحمد الله وعلى تعاقب المسئولين ولاة الأمر فيها يؤكدون على قطاع الحسبة ويشكرون رجالات الهيئة، ولا يمنعهم ذلك من التوجيه والإرشاد للمخطئ كغيرهم من رجالات الدولة.
ولكن نفرًا من بني جلدتنا يرومون الصعب وربما غابت عنهم المآلات، وودوا لو غيبت الهيئات! ! أو فرغت من محتواها؟ إن من حق الدولة- وفقها الله- أن تحاسب الهيئات كما تحاسب بقية القطاعات لكن ليس من حق كل شخص أن يتخوض فيما لا يعلم .. وإذا قدر لجهة من الجهات أن تقع في خطأ ما فثمة لجان مختصة تُعنى بالدراسة وفق معطيات ومعلومات ووقائع .. وليس من المصلحة أن تفتح الباب واسعًا في الصحافة أو غيرها لطرح الموضوع على عامة الناس فتكون البلبلة والإثارة، ويتراشق الناس بالتهم.
ولذا فإن العقلاء يتطلعون إلى وقفة حاسمة من الدولة وفقها الله توقف فيه هذه المهارشات والتهويشات التي كل عام، والتي تقصد بها الهيئات هذه الأيام .. وإن كان الناس بعامة لدينهم من الحصافة بحيث لا يتأثرون بمثل هذه الطروحات .. لكنها المصلحة العامة وتسكين الفتنة، وإنصاف الجهات الكاملة.
إن من رسالة الصحافة المصداقية والأمانة في العرض والطرح وذكر
стр. 3394
المحاسن وتقويم الأخطاء ومعالجتها بحكمة وعدل، وانطلاقًا من هذه القيم للمسئولية الإعلامية، فأين وسائل الإعلام- وعلى رأسها الصحافة- عن رجالات الهيئة حين اعتدى عليهم أصحاب الشهوات، وأرباب الجرائم .. حتى دخل بعضهم المستشفيات فأين دفاع الصحافة عنهم، وأين مطالبتها بتتبع متقصديهم بالسوء، وهل تناولوا قضيتهم تلك بمثل ما يتناولون اليوم قضايا موت لأشخاص .. صرح المسئولون عن الهيئة عن ملابساتها وظروفها ..
أين الصحافة وكُتَّاب الأعمدة عن عرض منجزات الهيئة، وتفاني رجالاتها في خدمة المجتمع والمساهمة في تحقيق الأمن .. هل تنكر إنجازاتهم في قبض المروجين وفي حماية الأعراض .. أو غيرها من القضايا .. أليس الله يقول: ﴿وإذا قلتم فاعدلوا﴾ فأين العدل في عرض ما للهيئات وما عليها؟ ألا يستشعر أولئك أن القيام بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سر من أسرار البقاء وأمان من العذاب، والله يقول وهو أصدق القائلين ﴿فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٦، ١١٧]
ألسنا ندرك جميعًا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للتمكين في الأرض ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾.
ومن يتحمل اللعن .. وهو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وذلك جزاء من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾
стр. 3395
الخطبة الثانية
إننا نتألم بشكل عام حين يقع أحد من المسلمين في عرض أخيه المسلم بغير حق فالله يقول: ﴿وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾.
ويتألم أكثر حين تكون الوقيعة في أهل العلم والدعوة، وأرباب التربية وأهل الحسبة، وهنا يكون الأمر أعظم، والوعيد أشد، وهنا أقبس كلامًا نفيسًا لشيخنا محمد بن عثيمين ﵀ حين سأل عن الاتهامات الموجهة للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، فقال: - فيما قال- الوقيعة في أهل الخير أشد من الوقيعة في عامة الناس .. والوقيعة في الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر توهن جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويخشى أن يكون الدافع فيهم بكراهة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي كراهة ذلك خطر على دين العبد لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (١).
إنها بلية حين ينقسم المجتمع إلى آمرين ومثبطين، وإلى رجالات هيئة مكلفين وإعلاميين يتهمون ولا ينصفون .. ولذا توجه الدعوة لهؤلاء أن يتقوا الله فيما يكتبون وإلى رجالات الهيئة أن يحتاطوا لما يفعلون .. ولنا جميعًا ألا نروج بيننا الشائعات ولا أن نقبل التهم دون دليل، ولا التجريح دون تفسير، ولا التعجل في إصدار الأحكام قبل نتائج التحقيقات .. نحن أمة العدل وديننا دين الفضيلة وبلادنا مهبط الوحي وفيها قبلة المسلمين، ولا خيار لنا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو قدرنا وأكرم به من قدر، وهو حظنا ونعم الحظ، ولئن
стр. 3396
ضاقت به نفوس قليلة فعامة مجتمعنا بحمد لله تؤيد الأمر بالمعروف وتساند رجالاته وتنهى عن المنكر وتساهم في محاصرة أصحابه .. وقومه ذلك فولاتنا- بحمد الله- يؤكدون على ذلك في كل مناسبة ويؤكدون على أهمية هذا القطاع ودعم رجالاته ولولا فضل الله ورحمته ثم دعم للدولة لهذا القطاع لما أصبح له هذا الشأن الذي شرق به من شرق.
وبعد أيها المسلمون فخلاصة القول أن قطاع الهيئات أحد قطاعات الدولة، وحقه الثقة والمساندة من المواطنين والمقيمين، ورجالات الهيئة إخواننا والساهرون مع غيرهم من رجالات الأمن من أجل قيمنا وحرماتنا ومن حقهم علينا المدافعة عن أعراضهم والمساندة والتعاون معهم في مهمتهم، وهي مهمتنا جميعًا «فمن رأى منكم منكر فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه» الحديث .. وتستطيعون معاشر المسلمين إبطال هذه الهجمة ضدهم حين تأمرون أهليكم وأولادكم بالمعروف وتنهونهم عن المنكر، فتلك مساهمة جليلة منكم في الأمر والنهي وبها تخففون على رجالات الهيئة المسئولين وحين تتعاون أيها المسلم مع جيرانك وزملائك على البر والتقوى وتنهون عن الإثم والعدوان فتلك مساهمة أخرى مع رجالات الهيئة، وحين تقدمون نصحًا أو مساعدة أو مقترحًا نافعًا لرجالات الهيئة أو يكتب القادرون مقالًا، ويؤلفون كتابًا أو محاضرة فتلك مساهمة جليلة وهكذا وبهذا وغيره تتحول المحن إلى منح، والتجريح والتهم إلى تزكيات ومساندات.
وأخيرًا بقيت همسة تقال لرجالات الهيئة- بل همسات- وفي مقدمتها الإخلاص لله في أعمالكم، والصبر والاحتساب على ما تلقون من إخوانكم .. فأنتم تتعاملون مع فئة معينة في المجتمع، كما تحتاج إلى صبركم تحتاج إلى رفقكم ونصحكم، وظنكم تفرحون بتوبة المخطئ أكثر مما تفرحون بالقبض على
стр. 3397
المجرم وهو متلبس بجريمته، عليكم بالرفق فما كان الرفق في شيء إلا زانه، وعليكم باستحضار فقه تغيير المنكر حتى لا يترتب عليه منكر أعظم منه، كونوا رفيقين في مهمتكم منضبطين باللوائح والأنظمة الموجهة لكم من مسئوليكم حتى لا تعطوا الشائنين فرصة لتوجيه النقد لكم، طوروا أنفسكم بالدورات، وتثبتوا في المعلومات، ونشطوا غدارات التوعية فالوقاية خير من العلاج، واستفيدوا من أخطاء غيركم حتى لا تتكرر معكم، وحين تتقون وتصبرون لا يضركم كيدهم شيئًا، وقد قيل لمن هو خير منكم ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ وقيل لنبيكم ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾.
أيها المسلمون وغدًا أيام الامتحانات للطلاب والطالبات .. وقد سبق لنا في مناسبات مماثلة التذكير بقيمة العناية بفلذات الأكباد دائمًا وفي مناسبات الامتحان على وجه الخصوص، فنجاحهم وتفوقهم نجاح وتفوق لكم، واستفادتهم من المناهج والمقررات رافد مهم من روافد التربية لكم ..
حذار- معاشر الأولياء- من الغفلة عن تربيتهم ورعايتهم في كل حين، وحذار على الخصوص من ضعف المتابعة لهم أيام الامتحانات .. إنها أيام لقاءات واختلاطات وأيام يصطاد فيها العابثون والمجرمون .. ويغررون ويمنون .. في أيام الامتحانات فرصة كبرى للمجرمين لترويج المخدرات .. وربما بدأت بأقراص تمنع النوم وتساعد على الدراسة والسهر، ثم انتهت ببلية المخدرات والمسكرات فاحذروا أولئك المتصيدين والمروجين وحذروا أبناءكم وبناتكم منهم وأيام الامتحانات أيام يصطاد فيها الشاذون جنسيًا وربما رغبوا أو رهبوا الشبات أيام الامتحانات حتى أغروهم بالفاحشة فكانت سبة عار عليهم وعليكم، وربما صورت الجريمة عبر كاميرات الجوال فكانت ورقة يتلاعب بها ويضغط أولئك المجرمون على أبنائكم على الدوام ..
стр. 3398
وثمة متصيدون ومعاكسون على أبواب مدارس البنات، فهذا يرمي كلمة، وآخر يلقي برقم، وثالث يغري بموعد .. وهكذا تكون البدايات التعسة والنكسات وثلم الأعراض، والانتقاص من الشرف .. فكونوا على حذر .. وارعوا واهتموا بأبنائكم وبناتكم من حين خروجهم للامتحان إلى عودتهم، وقبل ذلك في أوقات دراستهم، وتشكر إدارات التربية والتعليم للبنين والنبات حين تجعل الامتحان فترة واحدة لا فاصل بينها، أو تجعل الطلاب في الداخل المدرسة- إن كان ثمة حاجة للفترة الثانية- حتى لا يعطى الفرصة للباحثين عن فرص فراغ الشباب كما تشكر القطاعات الأمنية حين تكثف من جهود رجالاتها أيام الامتحانات، لتأخذ على أيدي المستهترين، وتحمي المجتمع من ألاعيب العابثين، وتحية للمعلمين والمعلمات حتى يستمر عطاؤهم وتوجيههم إلى آخر لحظة.
حمى الله بلادنا ومجتمعنا من كل سوء ومكروه.
стр. 3399
حصار الفلوجة، وحرمة الدماء المعصومة (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ..
أيها المسلمون في هذه الأيام الأرض تموج بالهرج والمرج والفتن تتلاطم أمواجها وتطل برأسها هنا وهناك.
وكلما شغل الناس بحدث ما جاءهم حدث آخر وهكذا.
ظلم وعدوان، وقتل واختراب، وانتهاك للحرمات، واستهانة بشأن الدماء، مع أن أول ما يقضي فيه الدماء ..
كيف حل الرعب والخوف مكان الأمن والطمأنينة؟ من وراء التصعيد؟ ومن المستفيد عن هدر الأرواح والممتلكات وكيف المخرج من هذه الأزمات؟
تلك أسئلة تدور وتثور .. كلما اصطبغت الأرض بالدماء وتناثرت الجثث على الأرض .. وأعجب كل ذي رأي برأيه وأصبحت البندقية لغة الحوار، أساسًا للتفاهم.
إننا نشهد على المسرح الخارجي ترديًا في الأوضاع الأمنية في العراق تحاصر المدن بالدبابات .. وتقذف بالأسلحة الفتاكة والمحرمة بالطائرات والفلوجة كما هي رمزًا لمقاومة المستعمر المحتل .. هي كذلك نموذج للمأساة الإنسانية حيث شمل القصف المستوحش النساء والأطفال .. وبعض التقارير تشير في الأيام الماضية إلى سقوط ثلاثين طفلًا دون الخمس سنوات، ومن بين الضحايا تسعون طفلًا آخرون فوق الخامسة ومائة وتسعون امرأة .. (جريدة
стр. 3400
الحياة، الأربعاء ٢٤/ ٢/ ١٤٢٥ هـ) ولا تسأل عن الضحايا الآخرين .. فمن المسئول عن هؤلاء وأولئك؟
وأكذوبة الدفاع عن النفس هي العذر الجاهز لتسويغ قتل العشرات بل المئات من المحتجين على الاحتلال ..
وقبل بضعة أشخاص- ومهما كان ادعاء الخطَّاء في قتلهم- لا يسوغ بحال استحلال حرمة بلد بكامله .. واستعراض العضلات لمجاهدته وتطويقه ..
إنها حماقة الغرب- وفي مقدمتهم أمريكا- تصنع المقاومة ضدهم وتزرع البغض لهم لدى كل نفس أبيه، وتوسع دائرة العدوان عليهم، بل وتعجل بنهايتهم .. فثمة تقارير من دوائرهم .. وفي صحفهم تقول: بداية النهاية لأمريكا في العراق، وكلما زادت محاولاتنا كلما ازداد الوضع سوء هكذا كتب (روبرت) في صحيفة (لوس أنجلوس تايمز) .. ويمض الكاتب يقول: مهما كان حجم التفاؤل لدى إدارة الرئيس (بوش) إلا أن ذلك لن يكون كافيًا لإخفاء الحقيقة.
وينهي الكاتب الغربي مقاله بالقول: كان عظيمًا لو انتهى الأمر بالعراق في طابور المجتمعات الديمقراطية، إلا أن الأحداث المأسوية التي شهدتها الأيام القليلة الماضية ذكرتنا مرة أخرى بأن هذه النتيجة أصبحت حلمًا بعيد المنال بحلول كل يوم جديد افترضنا فيه بأننا نعرف ما هو مناسب لبقية العالم، ونعمد إلى فرض هذه الآراء بقوتنا العسكرية المرعبة» (١).
إخوة الإسلام وثمة معالم ووقفات تبرزها الأحداث الأخيرة في العراق ومنها.
١ - تساقطت تباعًا وسراعًا دعاوى تأمين الحرية والديمقراطية الغربية