ضاقت به نفوس قليلة فعامة مجتمعنا بحمد لله تؤيد الأمر بالمعروف وتساند رجالاته وتنهى عن المنكر وتساهم في محاصرة أصحابه .. وقومه ذلك فولاتنا- بحمد الله- يؤكدون على ذلك في كل مناسبة ويؤكدون على أهمية هذا القطاع ودعم رجالاته ولولا فضل الله ورحمته ثم دعم للدولة لهذا القطاع لما أصبح له هذا الشأن الذي شرق به من شرق.
وبعد أيها المسلمون فخلاصة القول أن قطاع الهيئات أحد قطاعات الدولة، وحقه الثقة والمساندة من المواطنين والمقيمين، ورجالات الهيئة إخواننا والساهرون مع غيرهم من رجالات الأمن من أجل قيمنا وحرماتنا ومن حقهم علينا المدافعة عن أعراضهم والمساندة والتعاون معهم في مهمتهم، وهي مهمتنا جميعًا «فمن رأى منكم منكر فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه» الحديث .. وتستطيعون معاشر المسلمين إبطال هذه الهجمة ضدهم حين تأمرون أهليكم وأولادكم بالمعروف وتنهونهم عن المنكر، فتلك مساهمة جليلة منكم في الأمر والنهي وبها تخففون على رجالات الهيئة المسئولين وحين تتعاون أيها المسلم مع جيرانك وزملائك على البر والتقوى وتنهون عن الإثم والعدوان فتلك مساهمة أخرى مع رجالات الهيئة، وحين تقدمون نصحًا أو مساعدة أو مقترحًا نافعًا لرجالات الهيئة أو يكتب القادرون مقالًا، ويؤلفون كتابًا أو محاضرة فتلك مساهمة جليلة وهكذا وبهذا وغيره تتحول المحن إلى منح، والتجريح والتهم إلى تزكيات ومساندات.
وأخيرًا بقيت همسة تقال لرجالات الهيئة- بل همسات- وفي مقدمتها الإخلاص لله في أعمالكم، والصبر والاحتساب على ما تلقون من إخوانكم .. فأنتم تتعاملون مع فئة معينة في المجتمع، كما تحتاج إلى صبركم تحتاج إلى رفقكم ونصحكم، وظنكم تفرحون بتوبة المخطئ أكثر مما تفرحون بالقبض على
стр. 3397
المجرم وهو متلبس بجريمته، عليكم بالرفق فما كان الرفق في شيء إلا زانه، وعليكم باستحضار فقه تغيير المنكر حتى لا يترتب عليه منكر أعظم منه، كونوا رفيقين في مهمتكم منضبطين باللوائح والأنظمة الموجهة لكم من مسئوليكم حتى لا تعطوا الشائنين فرصة لتوجيه النقد لكم، طوروا أنفسكم بالدورات، وتثبتوا في المعلومات، ونشطوا غدارات التوعية فالوقاية خير من العلاج، واستفيدوا من أخطاء غيركم حتى لا تتكرر معكم، وحين تتقون وتصبرون لا يضركم كيدهم شيئًا، وقد قيل لمن هو خير منكم ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ وقيل لنبيكم ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾.
أيها المسلمون وغدًا أيام الامتحانات للطلاب والطالبات .. وقد سبق لنا في مناسبات مماثلة التذكير بقيمة العناية بفلذات الأكباد دائمًا وفي مناسبات الامتحان على وجه الخصوص، فنجاحهم وتفوقهم نجاح وتفوق لكم، واستفادتهم من المناهج والمقررات رافد مهم من روافد التربية لكم ..
حذار- معاشر الأولياء- من الغفلة عن تربيتهم ورعايتهم في كل حين، وحذار على الخصوص من ضعف المتابعة لهم أيام الامتحانات .. إنها أيام لقاءات واختلاطات وأيام يصطاد فيها العابثون والمجرمون .. ويغررون ويمنون .. في أيام الامتحانات فرصة كبرى للمجرمين لترويج المخدرات .. وربما بدأت بأقراص تمنع النوم وتساعد على الدراسة والسهر، ثم انتهت ببلية المخدرات والمسكرات فاحذروا أولئك المتصيدين والمروجين وحذروا أبناءكم وبناتكم منهم وأيام الامتحانات أيام يصطاد فيها الشاذون جنسيًا وربما رغبوا أو رهبوا الشبات أيام الامتحانات حتى أغروهم بالفاحشة فكانت سبة عار عليهم وعليكم، وربما صورت الجريمة عبر كاميرات الجوال فكانت ورقة يتلاعب بها ويضغط أولئك المجرمون على أبنائكم على الدوام ..
стр. 3398
وثمة متصيدون ومعاكسون على أبواب مدارس البنات، فهذا يرمي كلمة، وآخر يلقي برقم، وثالث يغري بموعد .. وهكذا تكون البدايات التعسة والنكسات وثلم الأعراض، والانتقاص من الشرف .. فكونوا على حذر .. وارعوا واهتموا بأبنائكم وبناتكم من حين خروجهم للامتحان إلى عودتهم، وقبل ذلك في أوقات دراستهم، وتشكر إدارات التربية والتعليم للبنين والنبات حين تجعل الامتحان فترة واحدة لا فاصل بينها، أو تجعل الطلاب في الداخل المدرسة- إن كان ثمة حاجة للفترة الثانية- حتى لا يعطى الفرصة للباحثين عن فرص فراغ الشباب كما تشكر القطاعات الأمنية حين تكثف من جهود رجالاتها أيام الامتحانات، لتأخذ على أيدي المستهترين، وتحمي المجتمع من ألاعيب العابثين، وتحية للمعلمين والمعلمات حتى يستمر عطاؤهم وتوجيههم إلى آخر لحظة.
حمى الله بلادنا ومجتمعنا من كل سوء ومكروه.
стр. 3399
حصار الفلوجة، وحرمة الدماء المعصومة (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ..
أيها المسلمون في هذه الأيام الأرض تموج بالهرج والمرج والفتن تتلاطم أمواجها وتطل برأسها هنا وهناك.
وكلما شغل الناس بحدث ما جاءهم حدث آخر وهكذا.
ظلم وعدوان، وقتل واختراب، وانتهاك للحرمات، واستهانة بشأن الدماء، مع أن أول ما يقضي فيه الدماء ..
كيف حل الرعب والخوف مكان الأمن والطمأنينة؟ من وراء التصعيد؟ ومن المستفيد عن هدر الأرواح والممتلكات وكيف المخرج من هذه الأزمات؟
تلك أسئلة تدور وتثور .. كلما اصطبغت الأرض بالدماء وتناثرت الجثث على الأرض .. وأعجب كل ذي رأي برأيه وأصبحت البندقية لغة الحوار، أساسًا للتفاهم.
إننا نشهد على المسرح الخارجي ترديًا في الأوضاع الأمنية في العراق تحاصر المدن بالدبابات .. وتقذف بالأسلحة الفتاكة والمحرمة بالطائرات والفلوجة كما هي رمزًا لمقاومة المستعمر المحتل .. هي كذلك نموذج للمأساة الإنسانية حيث شمل القصف المستوحش النساء والأطفال .. وبعض التقارير تشير في الأيام الماضية إلى سقوط ثلاثين طفلًا دون الخمس سنوات، ومن بين الضحايا تسعون طفلًا آخرون فوق الخامسة ومائة وتسعون امرأة .. (جريدة
стр. 3400
الحياة، الأربعاء ٢٤/ ٢/ ١٤٢٥ هـ) ولا تسأل عن الضحايا الآخرين .. فمن المسئول عن هؤلاء وأولئك؟
وأكذوبة الدفاع عن النفس هي العذر الجاهز لتسويغ قتل العشرات بل المئات من المحتجين على الاحتلال ..
وقبل بضعة أشخاص- ومهما كان ادعاء الخطَّاء في قتلهم- لا يسوغ بحال استحلال حرمة بلد بكامله .. واستعراض العضلات لمجاهدته وتطويقه ..
إنها حماقة الغرب- وفي مقدمتهم أمريكا- تصنع المقاومة ضدهم وتزرع البغض لهم لدى كل نفس أبيه، وتوسع دائرة العدوان عليهم، بل وتعجل بنهايتهم .. فثمة تقارير من دوائرهم .. وفي صحفهم تقول: بداية النهاية لأمريكا في العراق، وكلما زادت محاولاتنا كلما ازداد الوضع سوء هكذا كتب (روبرت) في صحيفة (لوس أنجلوس تايمز) .. ويمض الكاتب يقول: مهما كان حجم التفاؤل لدى إدارة الرئيس (بوش) إلا أن ذلك لن يكون كافيًا لإخفاء الحقيقة.
وينهي الكاتب الغربي مقاله بالقول: كان عظيمًا لو انتهى الأمر بالعراق في طابور المجتمعات الديمقراطية، إلا أن الأحداث المأسوية التي شهدتها الأيام القليلة الماضية ذكرتنا مرة أخرى بأن هذه النتيجة أصبحت حلمًا بعيد المنال بحلول كل يوم جديد افترضنا فيه بأننا نعرف ما هو مناسب لبقية العالم، ونعمد إلى فرض هذه الآراء بقوتنا العسكرية المرعبة» (١).
إخوة الإسلام وثمة معالم ووقفات تبرزها الأحداث الأخيرة في العراق ومنها.
١ - تساقطت تباعًا وسراعًا دعاوى تأمين الحرية والديمقراطية الغربية
стр. 3401
للعراقيين، وكشف المستعمر عن وجهه الكالح لانتهاب الخيرات وكتم الحريات حتى ولو كان ثمن ذلك جثثًا متناثرة من الرجال والنساء والأطفال الأبرياء!
٢ - وبات من المؤكد أن أمريكا استطاعت كسب الحرب ضد نظام البعث المستبد الظالم في العراق .. ولكنها لم ولن تكسب الحرب ضد الإسلام والمسلمين تحت أي ستار أو شعار موهوم.
٣ - وبات من المؤكد كذلك أننا- معاشر العرب والمسلمين- ساهمنا في صنع هالة موهومة لقوات الغرب .. فنحن قد فتنا وضعف هممنا استسلمنا لهم في كل شيء حتى لم يرضهم شيء إلا أن يسلخونا من ديننا ويجردونا عن هويتنا، ويفرضوا على بلادنا وشعوبنا دساتيرهم .. ويعلنوها صريحة برفض الإسلام مصدرًا أساسًا للتشريع في بلد يدين أهلها بالإسلام ..
وأحداث الفلوجة تثبت أن المقاومة ممكنة .. وأن إلحاق الأضرار بالعدو ممكن .. مهما كان فارق القوة .. ومهما كانت نتائج المعركة وجمود الفلوجة هذه الأيام- تجد ذاته- تعبير عن قوة الضعيف وضعف القوي- وماذا لو هبت العراق كلها- وماذا لو تحرك العالم العربي والإسلامي؟
٤ - وفي كل يوم وعبر الأحداث الدموية المتلاحقة يكتشف الناس مسلمهم وكافرهم خلف أمريكا في تعاملها مع الشعوب العربية والإسلامية، فلم يعد الاستعمار كافيًا، بل ومع الاستعمار خرق للقوانين وانتهاك للمواثيق الدولية، وذلك عبر استخدام أسلحة محظورة، فقد كشف مصدر طبي في مستشفى الصليب الأحمر الإيطالية في بغداد عن استخدام القوات الأمريكية قنابل حابسة للأوكسجين في قصفها للمدينة المحاصرة (الفلوجة)، كما لم يستبعد أطباء آخرون استخدام أمريكا للقنابل العنقودية والنابالم الحارقة .. وهي أسلحة محظورة دوليًا (الحياة ٢٤/ ٢/ ١٤٢٥ هـ).
стр. 3402
وهذه الخوارق الإنتهاكية الأمريكية توسع دائرة العداء لأمريكا، وتقلل من قيمة حضارتها، وتسقط دعاوى حملتها ضد الإرهاب فهذا هو الإرهاب .. وهي صانعته ومصدرته.
٥ - ومما يضاعف المأساة ويدمي المشاعر هذا الصمت أو شبهه من المسلمين تجاه إخوانهم المحاصرين، وحتى لو وجد استنكار لا يتجاوز إلى مواقف إيجابية فهو في عداد الصمت المذل .. إن من حق إخواننا المسلمين في العراق أو غيره النصرة، فالمؤمنون إخوة، ومن وصايا الرسول ﷺ : «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا» ويستغرب المتابع للأحداث أن يجد استنكارًا بل ومناصرة لمقاتلي العراق من رئيس فنزويلا، فقد ألقى باللائمة على الرئيس الأمريكي في العنف المحتدم في العراق، وبعث برسالة تأييد ومناصرة للعراقيين (١). في حين لا يتوفر مثل ذلك من زعماء مسلمين؟ .
٦ - والمأساة أكبر حين يضجُّ العالم الآخر وينتقذ هذا الحصار اللامتكافئ .. ويصدر كاتب معروف في الشرق الأوسط مقالًا له بعنوان (ثوار الفلوجة) ثم لا يفهم من مناصرة المظلومين هناك إلا تصدير الإرهابيين ويقول في بداية مقاله (إلى الفلوجة انصروا إخوانكم الذين يواجهون العدوان) هذه واحدة من صيحات الاستنهاض التي تنتشر في المواقع الأصولية .. وهي في الحقيقة صيحات لتأسيس معسكرات تجنيد وتدريب ثم تصدير إرهابيين إلى بيوتنا وشوارعنا (٢).
стр. 3403
وكنت أتوقع أنه الكاتب سيطرح البديل حاجة العراقيين المحاصرين على إلى إغاثة ودعم مادي لمقاومة المحتل فإذا به (وكعادته) يكرس الاحتلال ويمتدح خطوات الأمريكان، وأنها في النهاية تصب في مصلحة المنطقة والدول المجاورة.
لست أدري إلى متى ستبقى هذه النوعية من الكتاب مروجة للغرب والاحتلال ومتكئة على هاجس الإرهاب في جانب، ومتناسية الجانب الأكبر في الإرهاب؟ ومشكلة ألا يبقى في ذهن هذا الكاتب من مناصرة المظلومين إلا تصدير الإرهابيين وأن يسقط آراءه في هذه الأحداث المؤلمة على من أسماهم بالأصوليين، وإذا ظن أنه بهذه الطريقة الفجة في المعالجة يحارب الإرهاب، فهو- من حيث يشعر أو لا يشعر- ممن يزرعون الإرهاب، وإن كنا نحذر من الاستجابة لأي نوع من الاستفزاز، ونشجب الإرهاب بكل ألوانه وأشكاله.
إن مشهد النساء وهن يغادرن المدن العراقية المحاصرة، حاملات على رؤوسهن أو على الدواب ما استطعن من متاع، أو أطفال هائمات على وجوههن وسط أجواء رملية عاصفة .. وهروبًا من آثار القصف والدمار .. لهو مشهد يثير من كان عنده أدنى قدر من إنسانية فضلًا عن الإسلام .. ولكن ما لجرح يميت إيلام؟
وإذا عصفت بغداد بالنازحين، وكانت المساجد مأوى لمن ضاقت عنهم بيوت إخوانهم، فهل بعد هذا من إرهاب.
٧ - وأخيرًا فنحن بحاجة إلى أن نفهم أكثر حقيقة اللعبة وهدف أمريكا من وجودها في العراق، وماذا وراء تسليم السلطة للعراقيين وقد كشفت إحدى صحافتنا المحلية النقاب عن ذلك في افتتاحيتها حيث قالت: فالحكومة العراقية القادمة حتى لو جاءت منتخبة من الشعب العراقي فهي مقيدة بأوامر
стр. 3404
ونواهي المحتل، أي: حكومة ظل .. إلخ (١).
فلا بد أن يكون لدينا ثقة أن المحتل سيخرج راغبًا أم صاغرًا يومًا من الأيام .. ولكن ما البديل .. وكيف سيكون مستقبل العراق، هذا سؤال يهم العراقيين بالدرجة الأولى، ولا يعفي غيرهم من المسئولية، وينجح العدو المستعمر أن خرج وقد أشعل فتنة واقتتالًا داخليًا. قد لا ينتهي، تارة عند حدود العراق، ويبقى دور العلماء والمفكرين والساسة مهمًا في توجيه واقع العراق ومستقبله، بل وتوجيه مستقبل المنطقة كلها بعيدًا عن هيمنة المستعمر .. وتنازع واحتراب الأشقاء وأبناء العم .. والله غالب على أمره ..
стр. 3405
الخطبة الثانية
أخوة الإسلام ونشهد على المسرح الداخلي بوادر فتن وفي بلادنا تطالعنا الأخبار بين الفتنة والأخرى عن قتل للأنفس المعصومة وتدمير للمنشآت والممتلكات العامة، وإخافة وترويع للآمنين وتطويق ومحاصرة وتبادل لإطلاق النار .. ولا بد أن يذكر كل مسلم يخاف الله ويرجو اليوم الآخر .. أن أمر الدماء عظيم وأنها أول ما يُقضى فيه بين الناس يوم القيامة، ولا يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا ..
وفي أواخر وصايا النبي ﷺ لأمته في حجة الوداع: «ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا .. » وطلب النبي ﷺ أن يبلغ الشاهد الغائب ..
وكم نحن بحاجة إلى هدي المصطفى ﷺ في كل شيء وفي كل حين ولاسيما في هذا الحدين وفي عصمة دماء المسلمين ورعاية حقوقهم وهو الذي نهى عن مجرد الإشارة بالسلاح فقال «ألا يشر أحدكم إلى أخيه بالسلاح فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار» (١).
فكيف إذا تعدى الإشارة إلى الفعل .. ألا إن الأمر عظيم، فعظموا حرمات الله يا مسلمون ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠].
واسمعوا إلى هذا التوجيه النبوي الآخر حين يحذر ﵊ من مجرد احتمال وقوع الأذى على المسلم والتحوط عن ذلك. ويقول: «من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا ومعه نبل (السهم) فليمسك أو ليقبض على نصالها
стр. 3406
بكفه أن يصيب أحدًا من المسلمين منها بشيء» (١).
وفي القرآن زواجر تقرع القلوب وتخيف المعتدين ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢].
﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢].
﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨].
لا بد من معالجة الأمور بالحسنى، والرفق ما كان في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه، ولا بد من التفكير جيدًا في عواقب الأمور ومآلاتها، ودفع الفتن والشرور قدر المستطاع، فالأمن مسئوليتنا جميعًا ومكتسبات البر لنا جميعًا.
لا بد من فقه في إنكار المنكر .. فقد يؤل الإنكار إلى ما هو أعظم من حيث يشعر أو لا يشعر .. وهنا كلام جميل وتحذير صريح من شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ وهو يرصد الفتن الواقعة بين المسلمين ويشخص أسبابها في ثلاثة أشياء أو ثلاثة فاعلين وجود الذنب والمنكر، وفي السكوت عن الإنكار، أو في الإنكار المنهي عنه، ويقول: وإذا كان الكفر والفسوق والعصيان سبب الشر والعدوان، فقد يذنب الرجل أو الطائفة، ويسكت آخرون عن الأمر والنهي، فيكون ذلك من ذنوبهم، وينكر عليهم آخرون إنكارًا منهيًا عنه فيكون ذلك من ذنوبهم، فيحصل التفرق والاختلاف والشر، وهذا من أعظم الفتن والشرور قديمًا وحديثًا، إذ الإنسان ظلوم جهول، والظلم والجهل أنواع، فيكون ظلم الأول وجهله من نوع
стр. 3407
(يعني ارتكاب الذنب) وظلم كل من الثاني والثالث (يعني السكوت أو الإنكار المنهي عنه) وجهلها من نوع آخر وآخر.
ثم يقول: ومن تدبر الفتن الواقعة رأى سببها ذلك، ورأى أن ما وقع بين أمراء الأمة وعلمائها ومن ذلك في ذلك من ملوكها ومشايخها ومن تبعهم من العامة من الفتن هذا أصلها (١).
وبالتالي فعلينا معشر المسلمين أن نجتنب المنكر في ذواتنا وألا نسكت عن نهي الآخرين الواقعين فيه بالحسنى وألا ننكر بطريقة منكرة تضر أكثر مما تنفع وتفسد أكثر مما تصلح، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾ هكذا قيل للمرسلين، وغيرهم من باب أولى. ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾.
عباد الله .. إخوة الإسلام لها حقوق وواجبات .. بل وكرامة الآدمي لها اعتبار في الشرع وحقوق وواجبات .. والإسلام الذي يعتز به وينتمي إليه بيَّن وأكد هذه الحقوق والواجبات ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليأت للناس الذي يحب أن يؤتوه إليه ..
فإطعام الطعام وإفشاء السلام، وعيادة المريض، وتشييع الجنائز، والنصح والمعونة، والسماحة والبشر، وإعطاء الحقوق كاملة .. كل ذلك وغيره جاءت به شريعة السماء.
وكف الشر والأذى، حق لكل مسلم- بل ولغير المسلمين المسالمين-
لا يجوز لعن المسلم وسبابه فسوق، وقتاله كفر (متفق عليه) ..
أتدرون ما أكبر الكبائر؟
стр. 3408
جاء في الصحيحين عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أكبر الكبائر الإشراك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقول الزور، أو قال وشهادة الزور» (١).
ما بال أقوام فينا باتوا يستهينون بهذه الحرمات .. بل وهذه الورطات كما قال ابن عمر ﵄: «إن من ورطات الأمور (الهلاك) التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله» (٢).
وفي صحيح البخاري كذلك عن ابن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «أول ما يقضى بين الناس في الدماء» (٣).
قال ابن حجر معلقًا: وفيه عظم أمر القتل لأن الابتداء إنما يقع بالأهم (٤).
وأخرج الترمذي وحسنه من حديث ابن عمر: «زوال الدنيا كلها أهون على الله من قتل رجل مسلم» قال ابن العربي: «ثبت النهي عن قتل البهيمة بغير حق، والوعيد في ذلك، فكيف يقتل الآدمي، فكيف بالمسلم، فكيف بالتقي الصالح» (٥).
أخي المسلم لك فسحة في دينك بقبول الأعمال الصالحة ومغفرة الذنوب .. ما لم تصب دمًا حرامًا .. هكذا فسر بعض العلماء قوله ﷺ : «لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا» (٦).
قال ابن العربي: الفسحة في الدين سعة الأعمال الصالحة حتى إذا جاء القتل ضاقت لأنها لا تفي بوزره، والفسحة في الذنب قبوله الغفران بالتوبة حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول (٧).
стр. 3409
احذروا معاشر المسلمين أن تلتقوا بالسلاح فقد صح عن النبي ﷺ قوله: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قال الصحابي: (راوي الحديث) يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه» (١). قال الخطابي: هذا الوعيد لمن قاتل على عداوة دنيوية أو طلب ملك مثلًا، فأما من قاتل أهل البغي أو دفع الصائل فقتل فلا يدخل في هذا الوعيد لأنه مأذون له بالقتال شرعًا (٢).
стр. 3410
بلادنا بين تهم الأباعد وتجريح الأقارب (١)
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ...
هناك فرق بين إرادة التطوير والرغبة في التجديد المثمر وبين جلد الذات والنقد لذات النقد، والتصيد في الماء العكر.
وهناك فرق بين أن ينتقدنا الآخرون بعدل، ويبدوا ملاحظاتهم على مسيرتنا التنموية، ومؤسساتنا المختلفة بإنصاف وبين تصدير التهم جزافًا ومحاولات الإسقاط لقيمنا ومحاضرة مؤسساتنا.
إن بلادنا، ومؤسساتنا بشكل عام، - وعلى الخصوص مؤسساتنا التربوية والاجتماعية- واقعة تحت (مطرقة) التهم الجائرة من (الخارج) و (سندان) التجريح والانتقائية الممقوتة من (الداخل)، إنها تهم الأباعد، وتجريح الأقارب.
أجل لقد راجت فترة من الزمن (دعاوى الإرهاب) لهذه البلاد المباركة، ولم يسلم أحد من التهمة، وأصدرت (قوائم) وصنفت (مؤسسات) في قائمة الإرهاب المزعوم؟
ولحقت الدعوى (الكاذبة) بأخص الخصوصيات، وأطلقت صيحات مطالبة بالتغيير، ألم يتهم ولا يزال يتهم (أشخاص) بالإرهاب، وهم أبعد ما يكونون عن التهمة؟
ألم تصنف مؤسسات وهيئات خيرية بالإرهاب، وهي التي كانت ولا تزال تدفع الإرهاب .. بل تخلف الإرهاب المسيء لتعفي أثره، تكفكف دموع اليتامى، وتداوي جراح الأيامى، وتغيث المنكوبين؟
стр. 3411
لقد كانت حربًا ظالمة، وثمة ضحايا بريئة للإرهاب، فج المجتمع الغربي المصدر لها من ويلاتها .. وتنادي العقلاء (منهم) بإيقاف نزيفها، حتى قال عضو الكونجرس الأمريكي الأسبق، السيناتور (بول فندلي): «إن أنظمة مكافحة الإرهاب أصبحت تمثل تهديدًا لمصالح مجتمعنا أكثر من الإرهاب نفسه .. وإن جميع الأمريكيين وبالذات المسلمون منهم أصبحوا ضحية لهذه القضية» (١).
لقد كان العالم وما يزال يواجه أزمات خانقة، وكان بإمكان الغرب وفي مقدمته (أمريكا) أن يساهم في حلها، بدل أن يتجه إلى تأزيمها، ويضيف (قضية الإرهاب) المفتعلة، إلى جانب هذه القضايا الحقيقية، فتنعقد الأمور، ويزيد النزيف.
لقد اعترف وزير الخارجية الأسبق لأمريكا (كولن باول) في أوائل عام ٢٠٠٥ م أن «نصف سكان هذا الكوكب حوالي ٣ مليارات يعيشون في فقر مدقع، وملياران يفتقرون للطاقة الكهربائية والصرف الصحي، وأكثر من مليار شخص يفتقرون إلى مياه الشر النظيفة» (٢).
ويزيد من هذه المأساة ويضاعف هذه الكوارث ذلك الإقصاء المتعمد الذي تمارسه الولايات المتحدة ضد عدد من المؤسسات الإغاثية الإسلامية.
ويضيف رئيس البنك الدول (جيمس وولفينسون) إلى حجم هذه المأساة أرقامًا جديدة إذ يقول:
إن العالم ليس عالمين اثنين موسر ومعدم، وآمن وغير آمن لقد انهار ذلك
стр. 3412
الحائط وأصبح العالم مرتبطًا بطرق عديدة بالاقتصاد والتجارة والهجرة والبيئة والمرض والعقاقير، والنزاعات وأكد على الأخطار المستقبلية- بلغة الأرقام- قائلًا: في عالمنا الذي يضم ستة مليارات شخص، يستحوز (مليار) منهم على ٨٠% من إجمالي الناتج المحلي العالمي، بينما الخمسة مليارات الآخرون يملكون ٢٠%، ويعيش نصف سكان هذا العالم تقريبًا على أقل من دولارين يوميًا، ولا تتوفر (لمليار) شخص إمكانية الحصول على الماء النظيف، ولا يحصل ١٠٠ مليون على فرصة الذهاب إلى المدرسة، وأكثر من ٤٠ مليون إنسان في الدول النامية مصابون بالإيدز مع أمل قليل في تلقي العلاج» (١).
والسؤال المهم .. وأمام هذا الوضع الكارثي للعالم، ماذا قدم دهاقنة الحرية، والزاعمون لرعاية حقوق الإنسان، والمدعون تصدير العدل والرفاهية والتنمية للعالم؟
وهل غزو (العراق) ومن قبل (أفغانستان) وقوائم الانتظار الأخرى وتكريس الاحتلال الصهيوني في فلسطين هي في نظر الغرب الحل الأنسب لتصدير الحرية والرفاهية وتقليل الكوارث .. ؟ أهذه مخرجات حضارتهم؟
أم أن هذه وتلك أضافت أرقامًا موحشة وجديدة للفقر واختلال الأمن، وانتشار الأمراض .. فضلًا عن قوافل الموتى والمشردين والناقمين .. والذين باتوا يشكلون قنابل موقوتة يمكن أن تنفجر في أي لحظة، ساخطة على الظلم وهكذا بات المصدرون للإرهاب يجنون ثمارًا مرة لما زرعوا.
إن واقع العصر يشهد على أن دعاة محاربة الإرهاب هم الذين يصنعون الإرهاب .. وأدعياء الحرية والعدل هم الذين يؤسسون للظلم ويزرعون الحقد،
стр. 3413
ويشعلون الحرائق، ويمنعون الإطفاء.
على أن الحق مهما طال الزمن يحق .. والباطل مهما زيف يزهق وما هي إلا برهة يسيرة في عمر الزمن حتى بدأت الدعاوى تكشف والتهم تعرى من الدليل، والحق يبين ويعلن، ويشهد شاهد من أهلها لا على سقوط الدعوى بالإرهاب فقط، بل يثبت أنه لا يوجد دليل أصلًا على التهمة .. والتي لم تكن مجرد تهمة، بل استتبعها (سيل) من الإجراءات المتعسفة أجل نطق الشهود وهم (أجانب) وحكمت المحكمة (وهي خارج الأسوار) فماذا قالوا؟ وبم حكموا؟
قال أحدهم المحامي الدكتور ويندل (معترفًا بالجور) أن السياسات الحالية لمكتب مراقبة الممتلكات الأجنبية OFAC تشتمل على القليل جدًا من العدالة، ولا رحمة فيها ولا تواضع».
كما قال آخر (ديفد أتاوي) حتى الآن لم تنجح وزارة الخزانة الأمريكية في إدانة أي من المؤسسات الخيرية الثلاث التي تم تجميد ممتلكاتها أثناء التحقيقات بأي عمل إرهابي، وهي مؤسسة: الإغاثة العالمية وهيئة الأعمال الخيرية العالمية، ومؤسسة الحرمين الإسلامية».
بل يتساءل هؤلاء ويقولون: هل الأمر يستحق تدمير هذه المؤسسات؟ هل أدى ذلك إلى تحسين أمن الولايات المتحدة أم أنه كان مجرد تصرف عقيم انتهك حقوقًا مدنية دون أن يحقق إنجازًا ملموسًا للأمن .. » (١).
هذا جانب مشرق في عدالة قضايانا ونموذج لظلم الآخرين لنا .. ولكن الجانب الأكثر إيلامًا .. حين تنبعث التهم من داخلنا، وحين تكون المجاراة للآخرين من أبناء جلدتنا، وأيًا ما كانت بواعثه (أبواق مقلدة، توجهات تتصيد،
стр. 3414
فرص للانتقام، انتقائية متعمدة) وحينها يكون تحطيم الحصون من داخلها، ويستنيب الخصم عنه من يقوم بالمهمة، فلا يبقى هذا الخصم ولا يذر ومن مقولاتهم: المؤسسات الخيرية مصدرة للإرهاب، ومحاض التربية بؤر للإرهاب، المناهج سبب المشكلة، والمرأة المحتشمة والقوانين المنظمة لعملها وتعليمها والمراعية لأنوثتها سبب في تخلفنا ..
والمراكز الصيفية ينبغي أن تغلق، حتى وإن ساب الشباب في الشوارع وخلفوا مشكلات أمنية وأخلاقية .. ومراكز الدعوة والاحتساب وحلق القرآن والتسهيلات الإسلامية ودروس المساجد في قفص الاتهام وإن كانت ضمن سياسة الدولة وتجربة التعليم في بلادنا- وإن كانت رائدة- أصبحت محل شك وهجوم وتهم؟ أهذه الشبهات الظالمة تحل المشكلة .. أم تلك الطروحات المتطرفة تعالج أزمة الإرهاب؟ وهل تجب هذه المطارحات الصفيقة الأمن وتوفر المحبة؟
أين دعاوى الإنصاف للآخر؟ وأين التأسيس للمنهجية في النقد أين أمانة الكلمة ومسئولية الكتابة .. وأخلاقيات العمل الإعلامي.
إننا نسمع ونقرأ بين الفينة والأخرى ما يفرق الكلمة ويوغر الصدور .. في حين يدعا للحوار وأدب الاختلاف، ومنطقية الأحكام أين نحن من هذه المعاني الكبرى، وهي قبل أن تكون صيحات العالم هي هدي إسلامنا وقيم قرآننا ﴿وإذا قلتم فاعدلوا﴾ ﴿وكونوا مع الصادقين﴾.
هناك مشكلة .. وثمة علاج .. وإيجابيات تحتاج إلى مبادرات:
١ - لا بد- في النهاية- أن نصدق في نقدنا، ونعدل في أقوالنا ونتوازن في رؤانا، وألا نؤصل التهم للآخرين فيطمع فينا الطامعون ويشنأنا الشائنون، لاسيما في وقت بدأت لغة التراجع عن التهم تطل، وسجائب التهم تتقشع، والمطلوب منا أن
стр. 3415
نساهم في إطفاء الحرائق لا أن نبحث عن سبب لإشعالها.
٢ - هناك فرق بين النقد والإسقاط، وفرق بين طلب إعادة النظر في التجربة وتقويم الأخطاء المصاحبة، وبين الهجوم الكاسح ومحاولات اجتثاث البناء من جذوره، والتطرف في الطرح أو الممارسة مرفوض، ومجارات الآخرين في النقد تبعية وضعف في الانتماء.
٣ - لا بد أن نتواصل مع العالم نوضح له الصورة وندفع التهمة، ونعين الراغبين في الوصول إلى الحقيقة للوقوف عليها، ولا نستحي بإسلامنا ولا نشعر بشيء من الدونية في مؤسساتنا وبرامجنا، فالإعلام مؤثر ومن لم يغزو غزي.
٤ - وكم هو خليق بنا أن نطرح نتائج تجربتنا أمام العالم حتى لا نتيح الفرصة للآخرين ليتقولوا علينا، أو يستمسكوا بالشائعات ضدنا إننا نعيش في عالم يموج بالتجارب وتتقاطع فيه الطروحات، فليكن صوتنا ظاهرًا. وعلى سبيل المثال لأهمية الإعلام أقول إن مسيرة التعليم في بلادنا- بشكل عام- وسيرته تعليم المرأة على وجه الخصوص تجربة تستحق الإشادة والإعلام، وذلك بعقد مؤتمر عالمي، يتنادى له الناس، ويجتمع المثقفون والإعلاميون، وتعقد له الندوات المحلية، والمطارحات الفكرية .. يعتمد لغة الأرقام ويركز على المخرجات، ويعني بالأهداف والسياسات، ويخلص إلى الاستفادة من تجارب الآخرين النافعة، ويثمن المسيرة ونتائجها ويطبع ذلك في كتب تترجم بعدد من اللغات لتكون كتابًا مفتوحًا ودليلًا صادقًا على هذه التجربة الناجحة.
٥ - والمحاضن التربوية خليقة بالدعم، حرية بالتطوير، جديرة بالتجديد والإبداع النافع، لاسيما تلك التي تنظم مجموعة من الفتيان والفتيات في عطلة الصيف- حيث الفراغ والشباب والدعة- كالمراكز الصيفية، والدور النسائية، والدورات التربوية، والبرامج الترفيهية.
стр. 3416
إن الشغب عليها ليس حلًا ناصحًا .. والطرق على إغلاقها عجز عن استيعابها وربما كان سبيلًا لتفلت المستفيدين منها ووقوعهم في إدواء تكلف مستقبلًا ثمنًا باهظًا لعلاجها .. وإن التحجر على برامج عفى عليها الزمن لا يسهم في فاعليتها .. إذًا يمكن أن تطور وأن تضبط مسيرتها، وأن تكلف لجان مخلصة للإشراف على أعمالها كل ذلك ممكن وهو أسلوب لإعادة تفعيلها وضبط مخرجاتها بما يخدم المصلحة العامة.
٦ - يمكن أن تساهم مراكز البحوث والرسائل الجامعية في دراسة عدد من الظواهر وتقويم التجارب في بلادنا، فمؤسساتنا الخيرية ومناهجنا التعليمية، وتجربتنا في التربية، وتحولاتنا في الاقتصاد كل ذلك ونحوه يمكن أن يسجل في رسائل علمية عالية، ويستكتب لها عدد من أساتذة الجامعات المختصين .. لتكون نتائج هذه الدراسات ملفات علمية ودليلًا موثقًا يقرأه المنصفون ويستفيد منه الآخرون.
٧ - وإذا وقعت بلادنا وغيرها، ومؤسساتنا ومثيلاتها ضحايا بريئة لحملات الحرب على الإرهاب .. فنحن الآن نمر بمرحلة تعاف بوارق الأزمة فيه تخف، والتراجع يعلن ولا يسربه، ومن الحصافة والكياسة أن نستثمر هذه الظروف، وأن نحقق مزيدًا من المكاسب لديننا وحضارتنا وبلادنا.
٨ - نحن حين ندعو ندعو إلى حوار الحضارات لا إلى زمالة الأديان وتقاربها وندعو إلى كلمة سواء بيننا وبين غيرنا ألا يعبد إلا الله ولا يشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله .. ونعيب على الذين ينادون بصدام الحضارات مستعلين بقوة المادة مستكبرين بسلطان العلم والتقنية فهذا الصراع الأحمق ربما تفوق فيه الأقوى وإن كان الأسوأ أما أجواء الحوار الصادقة فتكون القوة لسلطان الحجة، والفيصل لشواهد الحق والعدل، والبقاء لمن يملكون
стр. 3417
إسعاد البشرية في الدنيا ويهدونها إلى طرق الخلاص والفوز في الآخرة.
٩ - لا بد أن ندعم القضايا العادلة ونؤكد حقوق الشعوب في تحررها وسلطانها على بلادها، ونستنكر العدوان والظلم والاحتلال والاستعمار فتلك مورثات الكراهية، باعثات الأحقاد، مهددات للأمن والسلام وإذا كانت قضية فلسطين أم القضايا فلا بد أن نوليها من العناية ما تستحق دون أن يكون ذلك على حساب غيرها من قضايا الأمة المسلمة في كل مكان.
١٠ - وعلينا أمة الإسلام واجب البيان والبلاغ لشعوب العالم وحكوماته ولا بد أن ننهض بمهمتنا ونمثل إسلامنا، ونحمل النور الذي نزل به الأنبياء من السماء وختم بمحمد ﷺ .. إلى أمم الأرض نأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، نقرر الوسطية ونشهد على الناس. تلك مسؤليتنا وذلك قدرنا، وهو مؤشر لخيريتنا ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾.
стр. 3418
انتصاراتنا في رمضان (١)
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره
وهل تعلم أن شهر رمضان شهر الانتصارات وفرصة لتجديد العزائم وعلو الهمم؟
معشار المسلمين: وقفة وتنبيه، واستدراك وتخويف، ها هنا ورقة التقويم تعن انسلاخ النصف الأول من رمضان، وما أسرع ما ينفرط النصف الباقي، فهل من مدكر .. إنها الأيام تمضي سراعًا والشهور تتصرم، والعمر معها ينقص ويذهب، وآيات الله تخون بها فالقمر يذهب ضوءه ويخسف، والشمس يذهب نورها وتكسف .. والفتن هنا وهناك تموج وتضطرب .. والناس أشبه بمن ركب شبح البحر في وقت هيجان الريح وشدة الموج وهم لا يدرون أين ترسي السفينة ومن يسلم من الغرق؟
انتصف الشهر وفاز المشمرون ولا نامت أعين الكسالى والمفرطين وبقي في الشهر بقية لعزائم أهل العزائم، واستدراك المقصرين أخي الصائم وبينك وبين الله حاول أن تقلب صفحات النصف الأول، ماذا صنعت؟ ماذا قدمت؟ كم فرصة ضيعت، وكم أضفت للرصيد الباقي.
فإن قلت ذاك ذاك أمر مضى، وتلك أيام خلت لا أستطيع لها ردًا ولا أضيف لها عملًا .. فدونك النصف الباقي .. وقلب صفحاته من الآن واكتب على كل يوم عملًا، وإياك أن تفجأ بانصرامه كما فجئت بانصرام ما قبله.
إن رمضان وإن مضى نصفه- والنصف كثير- فقد بقي نصفه الآخر، وليس ما
стр. 3419
مضى بأهم مما بقي، فهل تعقد العزم وتضمر الجد .. أم هي مجرد حسرات على الماضي وتسويف في المستقبل .. والنتيجة هم وغم، وحرمان وتفريط؟ لا أخًا لك أخي الصائم ترضى بهذا .. بل من أعظم مكاسبك في هذا الشهر انتصار الإرادة وعلو الهمة ..
أيها الصائم ماذا تعرف من انتصاراتنا في رمضان؟ وما نوع هذه الانتصارات وماذا بقي لنا من عبرة، وما هي الانتصارات المتجددة في رمضان؟
إخوة الإسلام وإذا كان رمضان شهر التقوى والصيام، وشهر الصبر وتلاوة القرآن، وشهر النفقة والإحسان، إلى غير ذلك من مزايا وفضائل شهر الصيام، فرمضان كذلك شهر الانتصار، وانتصاراتنا في رمضان في أكثر من مجال، لا تجد زمان ولا يخص بها أجيال دون أجيال .. وليست قصرًا على الانتصارات العسكرية بل ثمة انتصارات اقتصادية ففي شهر رمضان ينتصر الصائم على دواعي الشهوة- وإن كنت مباحة- إذ تصوم البطون عن الأكل والشراب، وإن كانت حلالًا وتصوم الفروج عن الشهوة وإن كانت غير ملومة مع الأزواج أو ما ملكت الأيمان، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
* وينتصر الصائم على الشهوة المحرمة كشرب الدخان أو ما يدخل في بابه- بل وأعظم- كالمخدرات والمسكرات ونحوها .. فثمة نفر من المسلمين بلوا بهذه الأدواء المهلكة .. لكنهم في شهر الصيام- يهجرونها ولو على الأقل في نهار رمضان- وهم خليقون بهجرها على الدوام، وعسى الله أن يجعل من شهر رمضان فرصة لهم على التوبة النصوح والانتصار على دواعي الشهوة التي تورث الذلة والمهانة.
* أيها الصائمون والصائم الموفق والحافظ لصيامه ينتصر على شهوة النظر المحرمة، وشهوة السمع الآثمة، هذا في السمع والبصر، وفي اللسان ينتصر
стр. 3420
الصائم الحافظ لصيامه على آفات اللسان من الغيبة والنميمة، واللغو، وقول الزور، والفحش والآثام ورديء الكلام.
* عباد الله وينتصر الصائمون الموفقون على دواعي الشهوة الخفية من حب الرياء والسمعة، والصيام تدرب على الإخلاص وبالصيام يقوى جانب المراقبة لله، إذ لا رقيب على الصائم إلا الله في صيامه وحفظ أمانته، ومن هنا قال ﷺ : «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه».
* إخوة الإيمان وينتصر جماهير من المسلمين- في رمضان- على مكر الشيطان وتوهينه وإغوائه في التكاسل عن الصلاة جماعة مع المسلمين وفي شهود صلاة الفجر التي طالما أضاعوها أو أخروها عن وقتها .. وفي رمضان تكتظ المساجد بالمصلين وعسى الله أن يجعل من رمضان فرصة ليراجع المفرطون أنفسهم ويتوبوا إلى بارئهم ويشكروه على نعمة الصحة والأمن والفراغ، ويخرجوا من دائرة الخلوف الذين قال الله فيهم: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٥٩، ٦٠].
وهل هو باب التوبة يفتح على مصراعيه يا أخا الإسلام فلا يضيق بك الباب وإن كان واسعًا؟
* كما ينتصر الصائمون على الشح والإثرة والبخل والأنانية، ففي رمضان تكثر الصدقات والإحسان للفقراء والمحتاجين، ويحس المسلمون- في رمضان- أكثر من غيره بحوائج إخوانهم المسلمين هنا وهناك فيصلونهم ويحسنون إليهم، والمؤمل والمرتجى أن يمتد هذا الإحسان والإنفاق- بعد رمضان-.
أيها المسلمون وحين نعد انتصاراتنا- المعنوية- في رمضان، فإن كل طاعة
стр. 3421
يتقرب بها إلى الله في رمضان هي انتصار للحق وانتصار لأصحاب الحق، وإن كان تائب يعود إلى رشده في رمضان ويلتزم صراط الله المستقيم هو انتصار للحق، وهو معدود في انتصاراتنا في رمضان وإن كل كسب يتحقق للإسلام ودعوة مثمرة لغير المسلمين للدخول في الإسلام تنشط في رمضان هي انتصار للحق وهي في دائرة انتصاراتنا في رمضان .. وفوق هذا وذاك فنحن قادرون على تحقيق مزيد من الانتصارات في رمضان حين نتحرك ونجتهد ونخلص ولا نكل ولا نمل.
أيها المسلمون- وإذا كانت هذه وأمثالها- من انتصاراتنا السلمية في شهر رمضان، فلنا انتصارات عسكرية في رمضان هلل الكون لها واستبشر بها جند الله، وكبر وأرغمت أنوف الكافرين، وحطت شوكة الباطل والمبطلين .. وسأكتفي اليوم بوقفة يسيرة عند نموذج واحد من هذه الانتصارات.
وكانت وقعة بدر ملحمة عظمى انتصر فيها الحق على الباطل رغم فارق العدد والعدة، وشاء الله أن تقع المعركة على غير ميعاد، بل والمسلمون لها كارهون، ويورون أن غير ذات الشوكة تكون لهم - ولكن الله كان يريد المعركة، ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين، ليحقق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون.
وتعلم المسلمون- من معركة بدر- أن القوة المادية ليست وحدها ميزان المعركة، كيف لا والمؤمنون يقرؤون في كتاب ربهم أنهم إذا صدقوا وأخلصوا، وأعدوا ما استطاعوا من قوة نصرهم الله على عدوهم وعذب الله الكافرين بأيديهم وتأملوا دقة التعبير في قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٤].
لقد كانت معركة (بدر) الرمضانية فرقانًا- كما سماها الله- بين الحق والباطل
стр. 3422
وبين التوحيد والشرك، وبين عهد الضعيف والأمر بالصبر والانتظار وكف الأيدي، وبين عهد القوة والجهاد في سبيل الله، والذي استمر في الفتوح على أيدي المسلمين حتى وإن انتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى.
وكانت (بدر) فرقانًا في موازين عوامل النصر والهزيمة، فقد خرجت قريش تجر أثواب الكبر والخيلاء بطرًا ورآء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط .. وما هي إلا لحظات حتى تطافئت الكبرياء وأرغمت أنوف الملأ من قريش ما بين قتيل وأسير وحين نتجاوز ما حصل لأبي جهل ومن لقي مثل مصيره من صناديد قريش من أصحاب القليب .. ونلتفت إلى الأسرى- وفيهم كبراء وملأ من قريش- نقف كذلك على نوع من دروس بدر في نصرة الحق- ولو بعد حين- وفي قصة سهيل بن عمرو بن عبد شمس- ما يؤكد ذلك، فقد وقع سهيل- ممثل قريش في صلح الحديبية- في الأسر في معركة بدر، وقد كان أحد أشراف مكة، وخطيب قريش المشهور، وكان لخطبه أثر كبير في محاربة المسلمين، وحين تقرر إطلاق سراحه من الأسر بعد دفع الفداء عنه، تقدم الفاروق عمر ﵁ إلى رسول الله ﷺ قائلًا: إنزع ثنتي سهيل حتى يدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيبًا في موضع أبدًا، فأبى رسول الله ﷺ ذلك وقال لعمر: «دعه فعسى أن يقوم مقامًا تحمده» (١).
ومضت الأيام سراعًا، وأسلم فيما بعد سهيل، وصدقت رؤية رسول الله ﷺ ، فحين ارتد من ارتد من العرب بعد موت النبي ﷺ كان لسهيل موقف يحمد عليه، فقد بلغه أن بعض أهل مكة هم بالردة، وكان سهيل سيدًا مطاعًا فيهم- فوقف خطيبًا وقال: «يا أهل مكة لا تكونوا آخر الناس إسلامًا، وأولهم ارتدادًا
стр. 3423
والله من رأينا من أمره شيء ضربنا عنقه كائنًا من كان».
قال ابن حجر: وخطبهم بنحو ما خطب الصديق أهل المدينة (١).
أيها المسلمون ليس الحديث عن معركة بدر بالتفصيل- وإلا لطال الكلام- وفي المعركة دروس وعبر تستحق الوقفة والنظر، ولكنني في هذا المقام اكتفي بعرض موقف آخر في صف المسلمين، بعد أن عرضت لموقف في صف المشركين وهو مؤشر على صدق المسلمين في الجهاد، وتنافسهم على الشهادة في سبيل الله وهذا سعد بن خيثمة بن الحارث، وأبو خيثمة- ﵄ اختلفا أيهما يخرج مع الرسول ﷺ للمعركة، وأيهما يبقى مع النساء! إذ لا بد لأحدهما أن يقيم، فقال الأب- وهو شيخ كبير- لابنه مستخدمًا حق الأبوة «آثرني بالخروج وأقم أنت مع النساء، فأبى الولد سعد- لا عصيانًا ولا عقوقًا- ولكن رغبة فيما عند الله وقال: «لو كان ذلك غير الجنة آثرتك به، وإني لأرجو الشهادة في وجهي هذا» واشتد الخلاف بينهما كل يريد الخروج (لبدر)، فلم يجدا حلًا إلا أن يستهما، فخرج السهم لسعد- الابن- فخرج فاستشهد يوم بدر (٢).
تأملوا في هذه الصورة وقارنوا بينها وبين واحد من زعامات قريش وهو أبو لهب الذي خاف من الخروج لبدر رغم عداوته للرسول ﷺ والمسلمين، ولم يحضر المعركة، وأناب عنه رجلًا بثلاثة آلاف دينار .. ولكن الله قتله بآثار المعركة، فمن سمع نتيجة المعركة وهزيمة المشركين كان الخبر قاسيًا عليه، فأصابته الحمى ويقال إنه مات كمدًا وغيظًا.
стр. 3424
وعمومًا ففي معركة بدر عدة معالم ومن أهمها:
١ - إن الظلم له نهاية والمكر السيء محيق بأهله وبين مقولة زعماء قريش لا بد أن نرد بدرًا ونشرب الخمور وتعزف علينا القنان ويعلم العرب أنا نحن الناس بين هذه الكبرياء .. وصرعاهم في القليب عبرة لمن اعتبر.
٢ - إن النصر مع الصبر وحين يصدق المسلمون يمدهم الله بجنود من عنده ومن تأمل عوامل النصر الإلهية في بدر أدرك ذلك:
١ - النعاس ٢ - الملائكة ٣ - نزول المطر ٤ - تقليل المشركين في أعين المسلمين والعكس.
٣ - أن الفارق الزمني بين العظمة والاستكبار والسقوط والاندثار قصير .. وبين معركة بدر وفتح مكة ست سنوات .. وهي قليل بالنسبة لاختلاف الوضع لكل من الفريقين.
стр. 3425
من يظلم المرأة (١)
الخطبة الأولى
إخوة الإسلام، حرم الله الظلم على نفسه وجعله بين العباد محرمًا، والله لا يحب الظالمين، ولا تحسبن الله غافلًا عما يعمل الظالمون، وكم في هذا الكون من ظلم وظلمات، ودعونا نقف اليوم على جانب من الظلم يقع على فئة كبيرة في المجتمع .. وهذا الظلم قديم يتجدد، لكن بصور وأنماط مختلف في شكلها وربما اتفقت في مضمونها .. إنه ظلم المرأة .. فقد ظلمتها الجاهليات القديمة، وتظلمها الجاهليات المعاصرة .. تظلم المرأة من قبل الآباء، والأزواج وتظلم من قبل الصويحبات والحاسدات، بل وتظلم المرأة من قبل نفسها أحيانًا .. تظلمها الثقافات الوافدة، والعادات والتقاليد البالية، تظلم المرأة حين تمنع حقوقها المشروعة لها، وتظلم حين تعطى من الحقوق ما ليس لها .. إنها أنواع وأشكال من الظلم لا بد أن نكشف شيئًا منها، وتخلص إلى عظمة الإسلام في التعامل معها وضمان حقوقها والاعتدال في النظرة إليها ..
أجل إن ظلم المرأة قديم في الأديان القديمة والشعوب والأمم المختلفة، فهي عند الإغريق سلعة تباع وتشترى في الأسواق، وهي عند الرومان ليست ذات روح، فهم يعذبونها بسكب الزيت الحار على بدنها، وربطها بالأعمدة، بل كانوا يربطون البريئات بذيول الخيل ويسرعون بها حتى تموت، والمرأة عند القدماء من الصينيين من السوء بحيث يحق لزوجها أن يدفنها وهي حية ولم تكن المرأة -عند الهنود- ببعيد عن ذلك، إذ يرون أن الزوجة يجب أن تموت
стр. 3426
يوم موت زوجها، وأن تحرق معه وهي حية، على موقد واحد، وكذا الفرس فللرجل حق التصرف فيها بأن يحكم عليها بالموت أو ينعم عليها بالحياة .. ولم تكن حال المرأة بأسعد من ذلك عند اليهودية المحرفة وكذا النصرانية، فهي عند اليهود لعنة لأنها أغوت آدم، وإذا أصابها الحيض فلا تجالس ولا تؤاكل، ولا تلمس وعاء حتى لا يتنجس! ، كما أعلن النصارى أن المرأة باب الشيطان وأن العلاقة معها رجس في ذاتها (١).
ومن جاهليات العجم إلى جاهلية العرب، حيث كانوا يتشائمون بمولدها، حتى يتوارى أحدهم من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب، بل شهد القرآن على وأدهن وهن أحياء ﴿وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت﴾ كانت تظلم وتعضل في ميراثها وحقوقها، وكانت ضمن المتاع الرخيص للأب أو الزوج حق التصرف فيها ..
ومن الجاهليات القديمة إلى الجاهليات المعاصرة حيث ظلمت المرأة باسم تحريرها، سلبت العبودية لخالقها واستعبدها البشر، واعتدوا على كرامتها، وفتنوها وأخرجوها من حضنها الدافئ، وحرموها لذة الأمومة، وعاطفة الأبوة، فهامت على وجهها تتوسل للذئاب المفترسة، وربما كدحت وأنفقت حتى تظل مع عشيقها .. وربما سارع للخلاص منها لينظم إلى معشوقة وخادنة أخرى.
أيها المسلمون .. جاء الإسلام لينصف المرأة ويصلها بخالقها، ويرشدها إلى هدف الوجود وقيمة الحياة، وليصف لها حياة السعادة في الدنيا والآخرة ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ونزل القرآن ليعلمن ضمان حقوق المرأة
стр. 3427
﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ (١).
وقام المسلمون بأرقى تعامل عرفته البشرية مع المرأة .. بل أشرقت حضارتهم على الأمم، وتعلمت منهم الشعوب الأخرى كرامة المرأة، ويعترف أحد الغربيين (كوستاف لوبون) بذلك حين يقول: «إن الأوروبيين أخذوا عن العرب مبادئ الفروسية وما اقتضته من احترام المرأة، فالإسلام إذن، لا النصرانية هو الذي رفع المرأة من الدرك الأسفل الذي كانت فيه، وذلك خلافًا للاعتقاد الشائع، وإذا نظرت إلى نصارى الدور الأول من القرون الوسطى رأيتهم لم يحملوا شيئًا من الحرمة للنساء .. وعلمت أن رجال عصر الإقطاع كانوا غلاظًا نحو النساء قبل أن يتعلم النصارى من العرب أمر معاملتهن بالحسنى» (٢).
أيها الناس، وإذا تشدق المبهورون اليوم بحضارة الغرب وقيمه، وحطوا من قيم حضارتهم جاءت شهادة المنصفين من الغرب تكذب هذا الادعاء وتثبت أن إصلاح المرأة في الغرب إنما تم بعد احتكاك المسلمين في أسبابنا (الأندلس) بالغرب .. وفي هذا يقول (مارسيل بوازار) «إن الشعراء المسلمين هم الذين علموا مسيحي أوربا- عبر أسبانيا- احترام المرأة» (٣).
عباد الله إننا في فترات المراهقة الثقافية ننسى أصولنا، وننبهر بما عند غيرنا، ولكن اعترافات القوم تعيد إلى بعضنا التوازن، نعم لقد ظلم ديننا، من بعض
стр. 3428
أبناء جلدتنا، وزهد البعض في ثقافتنا وقيمنا، وشوه وضع المرأة عندنا من قبل أعدائنا .. وشاء الله أن يقام الشهود المنصفون من القوم على أنفسهم ومن سار في ركبهم، فهذه امرأة غربية تكشف الحقيقة بممارسة سلوكية واقعية حين تقول زوجة السفير الإنجليزي في تركيا: «يزعمون أن المرأة المسلمة في استعباد وحجر معيب، وهو ما أود تكذيبه، فإن مؤلفي الروايات في أوربا لا يحاولون الحقيقة ولا يسعون للبحث عنها، ولولا أنني في تركيا واجتمعت إلى النساء المسلمات ما كان لي إلى ذلك سبيل .. فما رأيته يكذب كل التكذيب أخبارهم عنها .. إلى أن تقول ولعل المرأة المسلمة هي الوحيدة التي لا تعني بغير حياتها البيتية، ثم إنهن يعشن في مقصورات جميلات» (١).
إخوة الإسلام هكذا وتظل المرأة المسلمة معززة مكرمة موفرة لها الحقوق ما بقي الإسلام عزيزًا ويظل المسلمون أوفياء للمرأة ما داموا مستمسكين بالإسلام .. وكلما تغرب الإسلام، أو انحرف المسلمون .. عاد الظلم للمرأة بصورة أو بأخرى .. لا فرق بين هضم حقوقها .. أو تلمس حقوقًا ليست لها لتشغلها عن حقوقها ووظائفها النسوية الأساسية.
وهذه صور من ظلم المرأة للوعي بها واجتنابها، فهي تظلم حين تستخدم سلعة رخيصة للدعاية والإعلان، وتظلم المرأة حين تزج في عمل لا يتلائم وأنوثتها .. أو يزج بها في مجتمع الرجال تظلم المرأة حين تضرب بغير حق، أو تعضل لأدنى سبب، أو يتحرش بها جنسيًا، أو تغتصب، أو تستغل في التجارة الجسدية، أو بحرمانها من الحياة الزوجية السعيدة، تظلم المرأة حين يسلب حياؤها ويعتدى على قيمها، ويستهان بروحها وأشرافها .. وتخدع بزينة عابرة،
стр. 3429
وأشكال وأصباغ زائلة وتظلم المرأة حين يقصر الولي أو المجتمع في تربيتها تظلم المرأة حين تعرض للأمراض المختلفة كالزهري والسيلان، والإيدز .. ونحوها. تظلم المرأة حين يتأخر في زواجها فتعنس، أو تمنع من الحمل والولد فتفلس أو تزوج بغير إذنها وبمن لا ترغب، تظلم المرأة حين تسخط منها وحين تولد، أو تلعن وتسب حين تكبر، تظلم المرأة حين يغالى في مهرها فيتجاوزها الخطاب إلى غيرها أو تلزم بزوج لا ترغبه، وقد تجبر على زوج فاسد، تظلم المطلقة في ولدها، وقد تظلم المرأة من أقرب الناس لها، تظلم المرأة بضرتها، وتظلم المرأة بإفشاء سرها لاسيما في أمر الفراش «وإن من شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها» (١).
تظلم المرأة حين يعتدى على مالها بغير حق أو يعتدى على حجابها وحيائها باسم التحضر.
وثمة صور أخرى لظلم المرأة نفسها حين تقصر في طاعة الله، وترتكب المحرمات .. وتضيع الأوقات وتسفل في همتها .. وتكون الأزياء والموضة غاية مرادها .. تظلم المرأة حين تختزل حقوقها في قيادة .. أو يزج بها في خلطة بائسة، أو تجد نفسها في كومة من الفضائيات الساقطة .. أو تجر لمواقع عنكبوتية مشبوهة .. تظلم المرأة حين تهمش رسالتها الخالدة وتصرف عبوديتها عن الخالق الحق إلى عبادة الأهواء والشهوات، وكم هو وأد للمرأة حين يوحي لها أن نماذج القدوة ساقطات الفكر، عاشقات الشهوة والشهرة إن من أعظم ظلم المرأة أن يلبس عليها الحق بالباطل، وتستبدل الحسن بالقبيح، ويصور لها الحياء والعفة بالرجعية والتطرف على حين يصور لها السفور والاختلاط بالمدنية
стр. 3430
والانفتاح والتحضر؟
وكم تظلم المرأة حين يقال لها أن من العيب أن يكفلها أبوها، أو ينفق عليها زوجها، ويلقى في روعها أن القوامة القرآنية ضعف وتبعية، وأن عليها أن تكد وتكدح لتتخلص من نفقة الآخرين وقوامتهم .. نعم لقد أصبح العامل الاقتصادي كل شيء في ذهن أدعياء تحرير المرأة ولذا تراهم يطالبون لها بأي عمل ويقحمونها في كل ميدان فتظل المسكينة تلهث متناسية أعباءها الأخرى وواجباتها الأسرية المقدسة فلا هي أم حانية ولا مربية ناجحة .. حتى إذا ذبلت الزهرة والتقت الكادحة في العمل بلا حدود إلى المحصلة النهائية وجدت نفسها في العراء فلا هي أفلحت في التربية وبناء الأسرة ولا هي خلفت جاهًا يذكر أو حشمة تشكر، وعادت تندب حظها كما ندبت نساء الغرب والشرق قبلها، وإذا أمكن قبول ظروف الغارقات في الوحل فلا يمكن بحال قبول ظروف امرأة مسلمة قال لها خالقها ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ اللهم أذهب عن النساء المسلمات الرجس، وطهرهن تطهيرًا ..
стр. 3431
الخطبة الثانية
عباد الله ومن الظلم الواقع على المرأة إلى الظلم الملبس على المرأة، فثمة دعوى وشبهات يخيل لبعض النساء أنهن مظلومات فيها وليس الأمر كذلك .. لكنه تشويه وتزوير وتضليل وخداع ومن ذلك:
١ - الدعوى بأن بقاء المرأة في بيتها ظلم لها، وهذه مغالطة تكشفها نصوص الوحيين فمن القرآن: ﴿وقرن في بيوتكن﴾ ومن السنة قال ﵊: «قد أذن الله لكن أن تخرجن لحوائجكن» (١) فدل قوله: «قد أذن الله لكن» على أن الأصل البقاء في البيت، والخروج إنما يكون لحاجة، ويشهد بجدواها الغربيون ويقول أحدهم (جاك ريسلر): مكان المرأة الصحيح هو البيت، ومهمتها الأساسية هي أن تنجب أطفالًا (٢).
٢ - الإدعاء بقصر مسمى عمل المرأة خارج منزلها، وعدم اعتبار عملها في منزلها عملًا يستحق الإشادة والتقدير، وليس الأمر كذلك بل اعتبر الشارع الحكيم عملها في بيتها شرفًا وكرامة، وكم نغفل عن مدونات السنة ومصطلحاتها، وفي صحيح البخاري، في كتاب النفقات باب عمل المرأة في بيت زوجها ثم ساق البخاري نموذجًا عاليًا لهذا وساق الحديث عن علي ﵁ قال: أن فاطمة ﵂ أتت النبي ﷺ تشكو إليه ما تلقى في يدها من الرحى .. الحديث (٥٣٦١)(٣).
وفي الرواية الأخرى (عند أبي داود) عن علي ﵁ قال: كانت عندي فاطمة
стр. 3432
بنت النبي ﷺ فجرت بالرحى حتى أثرت بيدها، واستقت بالقربة حتى أثرت في عنقها، وقمت في البيت حتى اغبرت ثيابها، وخبزت حتى تغير وجهها (١).
فهل تستطيع امرأة أن تقول أنها خير من فاطمة؟ . أو يقول رجل إنه خير من علي؟ وتاج ذلك إقرار النبي ﷺ لهذا العمل البيتي حتى إذ سألاه الخادم أرشدهما إلى ما هو خير من ذلك ملازمة الذكر، لاسيما إذا أوى إلى فراشهما قائلًا: «فهو خير لكما من خادم».
٣ - ومن دعاوى الظلم على المرأة القول بأن التعدد ظلم لها، وكم شوهت وسائل الإعلام بمسلسلاتها الهابطة، وأعمدتها الجانحة، صورة التعدد المشروع، والتعدد فوق أنها شرع رباني ليس لمؤمن ولا مؤمنة أن يكون لهم الخيرة من أمرهم فيه، فهو مضبوط بالعدل ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ .. والتعدد عوض عن الطلاق في حال عقم المرأة أو مرضها، أو عدم قناعة الزوج بها .. فلا خيار في هذه الحالات أو نحوها .. إلا الطلاق أو التعدد؟
على أن أمر التعدد الإسلامي عاد مطلبًا لجمعيات الغرب، وفي أمريكا أكثر من جمعية يجوب أعضاؤها نساء ورجال مختلف الولايات الأمريكية داعين في محاضراتهم للعودة لنظام التعدد (٢).
وعاد نساء الغرب يدعين للتعدد، وتقول أستاذة في الجامعة الألمانية: أن حل مشكلة المرأة في ألمانيا هو في إباحة تعدد الزوجات (٣).
стр. 3433
ويعترف أحد الغربيين الذين هداهم الله للإسلام بأن التعدد في البلاد الإسلامية أقل إثمًا وأخف ضررًا من الخبائث التي ترتكبها الأمم المسيحية تحت ستارة المدنية، فلنخرج الخشبة التي في أعيننا أولًا، ثم نتقدم لإخراج القذى من أعين غيرنا (١). وفي الوقت الذي يؤيد فيه غربي آخر تعدد الزوجات عند المسلمين معتبرًا إياه قانونًا طبيعيًا وسيبقى ما بقي العالم، هو في المقابل ينتقد النظام الغربي ويبين الآثار المترتبة على الإلزام بزوجة واحدة ويقول (إيتين دينيه) إن نظرية التوحيد في الزوجة التي تأخذ بها المسيحية ظاهرًا، تنطوي تحتها سيئات متعددة ظهرت على الأخص في ثلاث نتائج واقعية شديدة الخطر جسيمة البلاء، تلك هي: الدعارة، والعوانس من النساء، والأبناء غير الشرعيين .. ) (٢).
فهل من مدكر، وإذا اعترف بهذا عاقل غربي، فماذا يقول مسلم، يقرأ في القرآن ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ﴾ ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾.
٤ - أيها المسلمون ويدعي الموتوردون والجاهلون حلمًا وعدوانًا إن شهادة المرأة، تعدل نصف شهادة الرجل ظلم على المرأة، والذي خلق الزوجين قال في تعليل ذلك (تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) لاسيما في القضايا المالية الواردة في الآية على أن أهل العلم قرروا قبول شهادة المرأة، أحيانًا لوحدها، وذلك في أمور هي أدرى بها من الرجل، قال ابن قدامة ﵀ (٣): لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في قبول شهادات النساء المفردات في الجملة، قال القاضي: والذي تقبل من شهادتهن منفردات خمسة أشياء: الولادة،
стр. 3434
والاستهلال، والرضاع، والعيوب تحت الثياب كالريق والقرن والبكارة والثيابة والبرص، وانقضاء العدة).
٥ - ويزعمون كذلك أن دية المرأة نصف دية الرجل حين عليها، وينسون أو يتناسون حكمة العليم الخبير، بحاجة الرجل فوق حاجة المرأة للمال للنفقة الواجبة عليه دون المرأة، ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.
ومع ذلك فهذه الدية للمرأة في حال قتل الخطأ .. أما إذا كان العمد فإن الرجل والمرأة سواء ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ الآية، وقد قيل حكمة في ذلك: كذلك لما كانت الدية مواساة لأهل المقتول وتعويضًا لهم، فالخسارة المادية في الأنثى أقل منها عند الرجل، إذ الرجل يعمل ويوفر دخلًا لأسرته أكثر، فخسارته أعظم من المرأة فكانت الدية في حقه أعظم (١).
أيها المسلمون هذه نماذج لدعاوى ظلم المرأة في الإسلام لا يقول بها إلا جاهل أو مغرض وفي قلبه مرض، وإلا فشهادة الأبعدين والأقربين أن ليس ثمة نظام أنصف المرأة كما أنصفها الإسلام، وليس ثمة شعوب أحسنت معاملة المرأة وضمنت حقوقها كما أحبها المسلمون، وأختم بهذه الشهادة. يعلن فيها (مارسيل) القول: أثبتت التعاليم القرآنية وتعاليم محمد ﷺ أنها حامية حقوق المرأة التي لا تكل (٢).
стр. 3435
الحج والعشر بين ذكر الله ومراغمة الشيطان (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره
إخوة الإسلام وتتجدد المناسبات الإسلامية .. ويفيض الله من رحماته على المسلمين ما يستوجب الشكر والثناء على واهب النعم وقد عاد حجاج بيت الله بعد أن أدوا مناسكهم بأمن وأمان وصحة وعافية ينبغي أن تذكر فلا تنس، ويشكر الله عليها وهل أهل الحمد والثناء والشكر وصول لن يضيع الله أجر من قدم خدمة لحجاج بيت الله وهي شغل والمرافق ووفر ما يحتاجه الحجاج خالصة لوجه الله.
أيها المسلمون كثيرة هي المعاني التي ينبغي أن يعود الحجاج مستشعرين لها، ومتلبسين بها في حال حلهم وإحرامهم وسفرهم وإقامتهم ..
ولكنني أكتفي هنا بالوقوف عند أمرين عظيمين، يبعث الذكرى بهما مناسك الحج .. وإلا فالذكرى بهما واقعة بكل حال ولا تكد تخطئ نظر اللبيب في كل لحظة .. ألا وهما ذكر الله وتعظيمه، وعداوة الشيطان ومراغمته .. ومن ذا الذي لا يتذكر عظمة الله وهو يبصر آياته في السماء والأرض، ويشهد وحدانيته في الأنفس والآفاق، وتأسره عظمة الصانع المبدع في كل من الأحياء، بل وتشهد الجمادات الصم بعظمة الخالق وتنفي ظلالها ذات اليمين والشمائل سجدًا لله وهم داخرون.