الخطبة الثانية
عباد الله ومن الظلم الواقع على المرأة إلى الظلم الملبس على المرأة، فثمة دعوى وشبهات يخيل لبعض النساء أنهن مظلومات فيها وليس الأمر كذلك .. لكنه تشويه وتزوير وتضليل وخداع ومن ذلك:
١ - الدعوى بأن بقاء المرأة في بيتها ظلم لها، وهذه مغالطة تكشفها نصوص الوحيين فمن القرآن: ﴿وقرن في بيوتكن﴾ ومن السنة قال ﵊: «قد أذن الله لكن أن تخرجن لحوائجكن» (١) فدل قوله: «قد أذن الله لكن» على أن الأصل البقاء في البيت، والخروج إنما يكون لحاجة، ويشهد بجدواها الغربيون ويقول أحدهم (جاك ريسلر): مكان المرأة الصحيح هو البيت، ومهمتها الأساسية هي أن تنجب أطفالًا (٢).
٢ - الإدعاء بقصر مسمى عمل المرأة خارج منزلها، وعدم اعتبار عملها في منزلها عملًا يستحق الإشادة والتقدير، وليس الأمر كذلك بل اعتبر الشارع الحكيم عملها في بيتها شرفًا وكرامة، وكم نغفل عن مدونات السنة ومصطلحاتها، وفي صحيح البخاري، في كتاب النفقات باب عمل المرأة في بيت زوجها ثم ساق البخاري نموذجًا عاليًا لهذا وساق الحديث عن علي ﵁ قال: أن فاطمة ﵂ أتت النبي ﷺ تشكو إليه ما تلقى في يدها من الرحى .. الحديث (٥٣٦١)(٣).
وفي الرواية الأخرى (عند أبي داود) عن علي ﵁ قال: كانت عندي فاطمة
стр. 3432
بنت النبي ﷺ فجرت بالرحى حتى أثرت بيدها، واستقت بالقربة حتى أثرت في عنقها، وقمت في البيت حتى اغبرت ثيابها، وخبزت حتى تغير وجهها (١).
فهل تستطيع امرأة أن تقول أنها خير من فاطمة؟ . أو يقول رجل إنه خير من علي؟ وتاج ذلك إقرار النبي ﷺ لهذا العمل البيتي حتى إذ سألاه الخادم أرشدهما إلى ما هو خير من ذلك ملازمة الذكر، لاسيما إذا أوى إلى فراشهما قائلًا: «فهو خير لكما من خادم».
٣ - ومن دعاوى الظلم على المرأة القول بأن التعدد ظلم لها، وكم شوهت وسائل الإعلام بمسلسلاتها الهابطة، وأعمدتها الجانحة، صورة التعدد المشروع، والتعدد فوق أنها شرع رباني ليس لمؤمن ولا مؤمنة أن يكون لهم الخيرة من أمرهم فيه، فهو مضبوط بالعدل ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ .. والتعدد عوض عن الطلاق في حال عقم المرأة أو مرضها، أو عدم قناعة الزوج بها .. فلا خيار في هذه الحالات أو نحوها .. إلا الطلاق أو التعدد؟
على أن أمر التعدد الإسلامي عاد مطلبًا لجمعيات الغرب، وفي أمريكا أكثر من جمعية يجوب أعضاؤها نساء ورجال مختلف الولايات الأمريكية داعين في محاضراتهم للعودة لنظام التعدد (٢).
وعاد نساء الغرب يدعين للتعدد، وتقول أستاذة في الجامعة الألمانية: أن حل مشكلة المرأة في ألمانيا هو في إباحة تعدد الزوجات (٣).
стр. 3433
ويعترف أحد الغربيين الذين هداهم الله للإسلام بأن التعدد في البلاد الإسلامية أقل إثمًا وأخف ضررًا من الخبائث التي ترتكبها الأمم المسيحية تحت ستارة المدنية، فلنخرج الخشبة التي في أعيننا أولًا، ثم نتقدم لإخراج القذى من أعين غيرنا (١). وفي الوقت الذي يؤيد فيه غربي آخر تعدد الزوجات عند المسلمين معتبرًا إياه قانونًا طبيعيًا وسيبقى ما بقي العالم، هو في المقابل ينتقد النظام الغربي ويبين الآثار المترتبة على الإلزام بزوجة واحدة ويقول (إيتين دينيه) إن نظرية التوحيد في الزوجة التي تأخذ بها المسيحية ظاهرًا، تنطوي تحتها سيئات متعددة ظهرت على الأخص في ثلاث نتائج واقعية شديدة الخطر جسيمة البلاء، تلك هي: الدعارة، والعوانس من النساء، والأبناء غير الشرعيين .. ) (٢).
فهل من مدكر، وإذا اعترف بهذا عاقل غربي، فماذا يقول مسلم، يقرأ في القرآن ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ﴾ ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾.
٤ - أيها المسلمون ويدعي الموتوردون والجاهلون حلمًا وعدوانًا إن شهادة المرأة، تعدل نصف شهادة الرجل ظلم على المرأة، والذي خلق الزوجين قال في تعليل ذلك (تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) لاسيما في القضايا المالية الواردة في الآية على أن أهل العلم قرروا قبول شهادة المرأة، أحيانًا لوحدها، وذلك في أمور هي أدرى بها من الرجل، قال ابن قدامة ﵀ (٣): لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في قبول شهادات النساء المفردات في الجملة، قال القاضي: والذي تقبل من شهادتهن منفردات خمسة أشياء: الولادة،
стр. 3434
والاستهلال، والرضاع، والعيوب تحت الثياب كالريق والقرن والبكارة والثيابة والبرص، وانقضاء العدة).
٥ - ويزعمون كذلك أن دية المرأة نصف دية الرجل حين عليها، وينسون أو يتناسون حكمة العليم الخبير، بحاجة الرجل فوق حاجة المرأة للمال للنفقة الواجبة عليه دون المرأة، ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.
ومع ذلك فهذه الدية للمرأة في حال قتل الخطأ .. أما إذا كان العمد فإن الرجل والمرأة سواء ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ الآية، وقد قيل حكمة في ذلك: كذلك لما كانت الدية مواساة لأهل المقتول وتعويضًا لهم، فالخسارة المادية في الأنثى أقل منها عند الرجل، إذ الرجل يعمل ويوفر دخلًا لأسرته أكثر، فخسارته أعظم من المرأة فكانت الدية في حقه أعظم (١).
أيها المسلمون هذه نماذج لدعاوى ظلم المرأة في الإسلام لا يقول بها إلا جاهل أو مغرض وفي قلبه مرض، وإلا فشهادة الأبعدين والأقربين أن ليس ثمة نظام أنصف المرأة كما أنصفها الإسلام، وليس ثمة شعوب أحسنت معاملة المرأة وضمنت حقوقها كما أحبها المسلمون، وأختم بهذه الشهادة. يعلن فيها (مارسيل) القول: أثبتت التعاليم القرآنية وتعاليم محمد ﷺ أنها حامية حقوق المرأة التي لا تكل (٢).
стр. 3435
الحج والعشر بين ذكر الله ومراغمة الشيطان (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره
إخوة الإسلام وتتجدد المناسبات الإسلامية .. ويفيض الله من رحماته على المسلمين ما يستوجب الشكر والثناء على واهب النعم وقد عاد حجاج بيت الله بعد أن أدوا مناسكهم بأمن وأمان وصحة وعافية ينبغي أن تذكر فلا تنس، ويشكر الله عليها وهل أهل الحمد والثناء والشكر وصول لن يضيع الله أجر من قدم خدمة لحجاج بيت الله وهي شغل والمرافق ووفر ما يحتاجه الحجاج خالصة لوجه الله.
أيها المسلمون كثيرة هي المعاني التي ينبغي أن يعود الحجاج مستشعرين لها، ومتلبسين بها في حال حلهم وإحرامهم وسفرهم وإقامتهم ..
ولكنني أكتفي هنا بالوقوف عند أمرين عظيمين، يبعث الذكرى بهما مناسك الحج .. وإلا فالذكرى بهما واقعة بكل حال ولا تكد تخطئ نظر اللبيب في كل لحظة .. ألا وهما ذكر الله وتعظيمه، وعداوة الشيطان ومراغمته .. ومن ذا الذي لا يتذكر عظمة الله وهو يبصر آياته في السماء والأرض، ويشهد وحدانيته في الأنفس والآفاق، وتأسره عظمة الصانع المبدع في كل من الأحياء، بل وتشهد الجمادات الصم بعظمة الخالق وتنفي ظلالها ذات اليمين والشمائل سجدًا لله وهم داخرون.
стр. 3436
إن قولة «لا إله إلا الله» سهلة باللسان لكنها عظيمة في الميزان .. وهي وإن قلت حروفها فهي تحمل أسمى المعاني وترسخ التوحيد - بهذه الكلمة بعث المرسلون وبها يحكم بالإسلام أو الكفر - وعليها التقت جيوش الكفر والإيمان وبها انقسمت الخليقة بين حزب الرحمن وحزب الشيطان ..
ذكر الله شعائر المسلم بكل حال، وبه أنه أتى اختلف الزمان أو تباعد المكان ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾.
وإذا تلبس الحاج بالذكر من حين يحرم ذاكرًا لله مسبحًا بحمده وملبيًا لله وحده لا شريك له .. بل وقيل ذلك من حين خروجه من بيته فابتدأ بدعاء السفر المشتمل على ذكر الله .. ثم بطل الحاج مستصحبًا لذكر الله في الطواف حول الكعبة وبين الصفا والمروة، وفي منى التي ترتج بذكر الله وتكبيره وفي عرفات حيث أفضل الدعاء .. وأفضل ما قال محمد ﷺ والنبيون من قبله: لا إله إلا الله وحده لا شريك له وحين الإفاضة من عرفات يطيب الذكر عند المشعر الحرام ﴿فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ وهكذا يستمر الذكر عند الجمرات وعند نحر الهدي، بل ويأمر الحاج بذكر الله بعد قضاء المناسك وفراغها والحق ﵎ يقول: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ (٢٠٠) وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ٢٠٠ - ٢٠٢].
ولئن اختلف أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ
стр. 3437
فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ فقالت طائفة: المعنى إلهجوا بذكر الله كثيرًا كما يلهج الصبي قائلًا «أبه أمه» فكذلك أنتم فالهجوا بذكر الله بعد قضاء النسك لهج المستغيث المستنصر.
وقالت طائفة أخرى: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم ويحمل الحمالات (من دية أو غرامة) ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم فأنزل الله على محمد ﷺ : ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾.
وثمة معنى ثالث لطيف ما أحوج المسلمين في هذه الأزمان إلى تأمله فقد قالت طائفة إن معنى الآية اذكروا الله وعظموه وذبوا عن حرمه وادفعوا من أراد الشرك في دينه ومشاعره، كما تذكرون آباءكم بالخير إذا غض أحد منهم وتحمون جوانبهم أو تذبون عنهم، وفي هذا المعنى قال أبو الجوزاء لابن عباس: إن الرجل لا يذكر أباه اليوم، فيما معنى الآية؟ قال: ليس كذلك، ولكن أن تغضب لله تعالى إذا عصي أشد من غضبك لوالديك إذا شتما» (١).
وسواء كان هذا أو ذاك فالمقصود من الآية - كما قال المفسرون- الحث على كثرة ذكر الله ، و «أو» هنا لتحقيق المماثلة في الخير، وليست للشك قطعًا، وإنما هي لتحقيق الخير عنه بأنه كذلك أو أزيد منه (٢).
إخوة الإيمان وحيث يرتبط الدعاء بالذكر فتأملوا هذا المعنى الدقيق الذي أشارت إليه الآية بقوله: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ﴾ [البقرة: ٢٠٠].
стр. 3438
قال ابن كثير ﵀: أرشد تعالى إلى دعائه بعد كثرة ذكره، فإنه فطنة الإجابة، وذم من لا يسأله إلا في أمر دنياه وهو معرض عن أخراه فقال: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ﴾.
وهو المقصود التنفير عن التشبه بمن هو كذلك، قال سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف فيقولون: «اللهم اجعله عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن» لا يذكرون من أمر الآخرة شيئًا فأنزل اللهم فيهم هذه الآية وكان يجيء بعدهم آخرون فيقولون: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. فأنزل الله: «أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ» عباد الله تأملوا كيف ترتبط الدنيا بالآخرة في نظر الإسلام وكيف يصحح الإسلام المفاهيم الخاطئة في هذا الدعاء الشامل الذي كثيرًا ما نردده بألسنتنا وقد لا تستحضره قلوبنا «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار».
فإن الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية ودار رحبة وزوجة حسنة ورزق واسع، وعلم نافع وعمل صالح ومركب هنيء وثناء جميل إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين، وأما الحسنة في الآخرة فأعلاها دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرضات وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة، وأما النجاة من النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم والآثام وترك الشبهات والحرام (١).
أيها المسلمون وهكذا ينبغي أن يستذكر الحجاج وغيرهم عظمة الله فيذكروه ويشكروه يذكروه ذكرًا كثيرًا ويسبحوه بكرة وأصيلًا .. يذكروه ذكرًا تطمئن به
стр. 3439
القلوب وتنشرح له الصدور .. يذكروه في حال اجتماعهم بغيرهم ليذكروهم عظمة الله ويذكروه في حال خلوتهم فتفيض أعينهم خوفًا منه ووجلًا ويذكرهم الله في ملأ خير من ملأهم ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: رجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه وذكر الله يستوجب تعظيم حرمات الله، والوقوف عن حدود الله وتعظيم شعائره ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] وينبغي أن يشمل ذكر الله الذب عن دينه والدعوة إلى هداه، فليس الذب عن الأعراض والأنساب بأولى من الذب عن دين الله وحرماته .. ولا ينبغي أن يطعن ذكر الآباء والأجداد والمفاخرة بمآثرهم، على ذكر الله والانتصار لدينه، والذب عن حماه - تلك الحقيقة التي تمثلها العارفون فقال قائلهم:
أبي الإسلام لا أبل لي سواه ... إذا فتحزوا بقيس أو تميم
إن ذكر الله يرفع أقوامًا قعدت بهم أحسابهم ولم ترق إليها أنسابهم وذكر الله يكثر القليل، ويقوي الضعيف .. هو سيما المؤمنين، وهو حرز من الشياطين .. ذكر الله عدة المجاهدين، وملاذ الخائفين، وقرة عيون الموحدين.
ألا وإنه لا يكفي أن تترد كلمات الذكر على الألسن، والقلوب غافلة غارقة في الشهوات .. إن حقيقة الذكر تعظيم من ذكر (١)، وإذا أردت يا أخا الإسلام أن تعلم قدر ذكرك لله فانظر في صدق محبتك لله وزودك عن شريعته .. والتزامك بهدي محمد ﷺ وسنته، ويبقى بعد ذلك ذكرك لله تعظيمًا وتعبدًا واعترافًا بأنه أكبر من كل شيء، ومع ذلك كله فذكر الله لعباده بالثواب والثناء عليهم أكبر من ذكرهم إياه في عبادتهم وصلواتهم،
стр. 3440
كذلك قال ابن مسعود وابن عباس وأبو الدرداء وأبو قرة وسلمان والحسن في معنى قوله تعالى: ﴿ولذكر الله أكبر﴾ [العنكبوت: ٤٥] (١).
اللهم اجعلنا من الذاكرين الشاكرين وتقبل منا أعمالنا يا رب العالمين, أقول ما تسمعون وأستغفر الله ..
стр. 3441
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا طاهرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى .. اللهم لك الحمد كالذي نقول وخيرًا مما نقول .. لك الحمد في الأولى ولك الحمد في الآخرة .. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر المسلمين.
عباد الله .. أما المعنى الثاني الذي تذكرنا به مناسك الحج ولا يكاد يغيب شأنه عن غير الحاج فهو عداوة الشيطان للإنسان .. ولقد سن الخليل ﵇ لنا في الحج رمي الجمار إشعارًا بمراغمة الشيطان وعصيانه وقطعًا لوساوسه حين عرض له في المناسك، وإذا كان الرمي بالحجارة من أكبر مظاهر العداوة للشيطان كما ذكر المحققون (١) فإن الاكتفاء بهذا المظهر من مظاهر عداوته، والاقتصار على المراغمة في هذا الزمان والمكان -أعني زمان الحج .. ومكان الحمرة- تقليل من شأن عداوته، وتجاهل لإغوائه في كل زمان ومكان وهو الذي يجري من ابن آدم مجرى الدم، وهو الذي قعد لابن آدم في أطرقه كلها.
أجل إن مناسك الحج ينبغي أن تكون مذكرة بهذا العدو المتربص بنا قبل خلقنا، أو ليس هو الذي أخرج أبانا آدم ﵇ من الجنة؟ أوليس قد ابتدأ عداوته لنا بنخسنا يوم أن يخرجنا الله من بطون أمهاتنا؟ وذلك بداية صراخ الطفل عاريًا وفي الحديث الصحيح: «ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخًا من نخسة الشيطان، إلا ابن مريم وأمه». الحديث رواه أحمد ومسلم عن أبي هريرة (٢).
стр. 3442
ليس ذلك فحسب بل شاء الله وقدر أن يبقى قرين الجن مع قرين الملائكة مصاحبين لنا ما بقيت حياتنا «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة .. » الحديث.
وفي حديث آخر: «ما منكم من أحد إلا ومعه شيطان، قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم» (الحديثين رواهما مسلم، وأحمد للأول (١).
لقد توعد الشيطان الرجيم بإغوائنا، وتهيأ وجنوده ليقعدوا لنا بأطرق الخير كلها ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٦، ١٧).
وأخبرنا المولى ﷻ وخبره صدق بعداوة الشيطان لنا فقال: ﴿إنه لكم عدو مبين﴾ [البقرة: ١٦٨].
وأرشدنا سبحانه إلى المخرج من عداوته باتخاذه عدوًا ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦].
ليس يكفي أن نعلم عداوته وكفى، وليس يجدي أن نلعنه بألسننا وهو يتلاعب بعقولنا، ولقد كان الفضيل بن عياض ﵀ يقول: يا كذاب يا فقير، اتق الله ولا تسب الشيطان في العلانية وأنت صديقه في السر (٢).
يا أخا الإسلام واحذر غاية الحذر أن تكون من نصيب الشيطان الذين اختصهم فقال: ﴿لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (١١٨) وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ
стр. 3443
الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا (١٢٠) أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ [النساء: ١١٨ - ١٢٠].
وكن يا عبد الله من أولياء الله الذين قال فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢].
قال ابن السماك ﵀: «يا عجبًا لمن عصى المحسن بعد معرفته بإحسانه وأطاع اللعين، بعد معرفته بعداوته» (١).
أيها المسلمون واقتضت حكمة الله أن تبقى المعركة قائمة ومتجددة بينكم وبين الشيطان .. وليس إلا وعليه للشيطان مدخل بل مداخل .. ولكن سلاح المجاهدة والاستعداد للمعركة بكل طاعة يضعف من عداوته وبل وربما بلغت المجاهدة بأقوام إلى حد يفرق منهم الشيطان فإذا سلكوا فجًا سلك الشيطان فجًا آخر.
وربما أفضى المجاهدون الصادقون شياطينهم كما ينفي المسافر دابته بطول السفر وكثرة الأعباء .. عباد الله وإذا كنتم راغمتم الشيطان هذه الأيام فمن حج منكم وشهد المشاهد ووقف المناسك وفيها ذل الشيطان وصغر، ومن لم يحج وتقرب إلى الله بصالح الأعمال في الأيام الفاضلة فصلى وصام وتصدق ووصل ونحر وهلل وكبر .. فهذه وتلك كانت عونًا لكم على مراغمة الشيطان ألا فاتخذوا منها عونًا -بعد الله- على مراغمته فيما تستقبلون من أيامكم وتلك وري من منافع الحج وفقه العبادات فاعقلوها.
أيها المسلمون حبل الحياة قصير، ونعيم الجنة خلود أبدى، فلا تغرنكم
стр. 3444
الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور .. واتخذوا من هذه الدار مزرعة للحياة الباقية، واستعينوا بذكر الله والصلاة على مراغمة الشيطان وعداوته، وغالبوا أنفسكم على طاعة الله، وصبروها عن المجرمات.
وإذا عظمتم الله حق تعظيمه ذكرًا، وخوفًا، وطاعة، ومجاهدة في سبيله ونصرة لدينه .. ثم راغمتم الشيطان وضيقتم مسالكه ولم تستهوكم إغراءاته ووساوسه .. عشتم في هذه الحياة سعداء آمنين .. وانتقلتم بعد الممات إلى درجات النعيم .. وبين هذا وذاك تتنزل عليكم الملائكة حين الممات لتستعجل لكم البشرى ويقول: ﴿أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
ألا فلا تسودوا الصحائف بعد بياضها .. ولا تراكبوا الذنوب بعد غفرانها، ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة بعد أن أعتق الله رقابكم من النار ولا تستبدلوا الأدنى بالذي هو خير .. والسعيد حقًا من استفاد من الفرص والمناسبات واستقام على الخير والهدى في هذه الحياة.
وأختم الحديث بتنبيه تدعوا الحاجة إليه في مثل هذه الأيام حيث تكثر الرحلات البرية، وربما عادت الأسرة بالحزن والأسى بدل الفرحة والسرور .. ذلك حين تسر ف الأسرة في لعب أطفالها، ولاسيما اللعب في الدراجات النارية التي تشهد المستشفيات على ضحاياها فهذا كسير وهذا جريح وثالث في غيبوبة وربما وصل الخطر إلى الوفاة .. فتنزهوا ولا تسرموا وحافظوا على فلذات أكبادكم ولا تعرضوهم للمخاطر.
ومثل ذلك أو أخطر اللعب بالسيارات بحركات هستيرية خطرة فاحذروا ذلك كله ..
стр. 3445
تلكم دفعتان حريتان بالتأمل إثر هذه الأيام الفاضلة وفي أعقاب الحج والعمرة أردت أن أذكر نفسي وإخواني بهما لمزيد العناية بها، والاستمرار عليها، استرشادًا وتحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ اللهم ارزقنا الهداية والاستقامة.
стр. 3446
بين تدمير الحضارات والطعن في آل البيت (١)
الخطبة الأولى
أيها الإخوة المؤمنون ديننا يهتم بالإنسان ﴿من قتل نفسًا فكأنما قتل الناس جميعًا﴾ وشملت بعدلها الذميين والمعاهدين فضلًا عن المسلمين هذا الزمن هل هو زمان حوار الحضارات أم دك الحضارات .. هل هو إقامة الحضارات أم تدميرها؟ مصطلحات جوفاء، وتصرفات رغباء، ولغة واحدة هي التي يريد العالم الآخر أن يسمعنا إياها أنها لغة القوة، ولا شيء غيرها ..
في العراق حوار للحضارات أم تدميرها، وفي الأفغان ومن قبل في فلسطين ومن بعد في الصومال ..
إنها جيوش تدمر وجنود تسرق، وجزارون يذبحون البشر ولا يستثنون النساء والأطفال .. أي حضارة تلك؟ شاهت الوجوه وبئست البضاعة المصدرة إن لم تكن سوى القتل والتهجير والتدمير، والأشلاء والدماء، استعمار واضح ومعاصر في عالم الحريات، وقد تشين الديمقراطيات، وتوسيع دائرة الحرية، وشعارات حرب الإرهاب الخادعة، وهم مصعونه، يصنعون معه الإرهاب ثم يدعون محاربته، يا الله كم يسيء اليهود والنصارى إلى حضارتنا .. بل وإلى حضارتهم وكم يخربون بيوتهم بأيديهم حين يكشفون للعالم كله صادرات قيمهم، وحقيقة حريتهم، وخبث مكرهم، وحجم أطماعهم وكلما أوشكت نار الحرب أن تطفأ أوقدوها، وإذا أحسوا بحجم الخسائر الواقعة عليهم، أقاموا
стр. 3447
غيرهم من عملائهم بالوكالة عنهم، ومن المؤسف أن يجدوا من يقوم بالإنابة عنهم، ومن العراق إلى فلسطين إلى الصومال باتت الحرب تجري بالوكالة واليهود والنصارى يتفرجون على دماء المسلمين تنزف وعلى ديارهم تنهب وتستعمر ..
إن التاريخ المعاصر يذكرنا بالماضي من التاريخ، وهل التاريخ إلا حلقات متصلة، وإذا كان قتل الخليفة عثمان ﵁ في الفتنة التي أضرم نيرانها عبد الله بن سبأ اليهودي مشهورًا فربما يغيب عن الذهن أن استشهاد الخليفة عمر ﵁ كان على أيدي النصارى، فأبو لؤلؤة وإن كان مجوسي المنشأ فهو نصراني الديانة، حتى قال الطبري ﵀، وكان أبو لؤلؤة غلام المغيرة نصرانيًا (١).
وشارك أبا لؤلؤة (جفيتة) وهو نصراني آخر، واستمر اليهود والنصارى عبر التاريخ شوكة في حلوق المسلمين، وكلما أحسوا بضعف الجبهة الإسلامية ارتفع مؤشر العدوان، وكانت الحروب الصليبية، وحركة الاستعمار، وزرع الكيان الصهيوني في بلاد المسلمين وإلى يومنا هذا والدم يراق، والحمى تستباح، والتهم تكال جزافًا ..
وإذا كانت الوصفة الطبية الغربية (محاربة الإرهاب) جاهزة عند كل تدخل فهذا هو جواز الدخول مؤخرًا في الصومال، حين حركت قوات أثيوبية وحماية جنود أمريكية لتعمل الفساد في أرض الصومال، ثم تكشف أمريكا عن القناع وتدخل بشكل سافر للصومال لتقتل وتحاصر وتنتقم بشكل عدواني في بلاد المسلمين؟ ولكم الله يا شعب الصومال المسلم .. وأنتم تقتلون وتهجرون وتستباح أرضكم، ويحرق الأخضر واليابس من مواردكم. وسط دهشة وتفرج
стр. 3448
العالم كله .. على أيدي من قالوا كما قال أسلافهم ﴿من أشد منا قوة﴾ أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة؟ اللهم فأرنا فيهم وأمثالهم عجائب قدرتك.
أيها المسلمون لا يستغرب العداء ممن وصفهم الله بالعداء للمسلمين، ولكن الاستغراب الأكبر حين يخوض في الدماء من ينتسبون للإسلام، ويعدون أنفسهم من المسلمين، فالقتل على الهوية بات ظاهرًا في العراق، وفي فلسطين والطائفية في العراق تجاوزت قتل وتشريد أهل العراق، إلى التعرض لقوافل الحجاج العائدة من بيت الله .. كم هو ذعر يصيب أهل السنة هناك وكم هي التصفيات التي تعرضوا إليها في محافظات العراق وأخرها في بغداد، وتعالت الصيحات ماذا يراد لأهل السنة في العراق؟
ومرة أخرى نعود إلى التاريخ فنجد العداء السافر من الشيعة لأهل السنة عبر التاريخ، ويوصف شيخ الإسلام ابن تيمية دور الرافضية عبر التاريخ ويقول: لما خرج الترك الكفار من جهة المشرق فقاتلوا المسلمين وسفكوا دماءهم ببلاد خراسان والعراق والشام والجزيرة وغيرها كانت الرافضة معاونة لهم على قتال المسلمين، ووزير بغداد المعروف بالعلقمي هو وأمثاله كانوا من أعظم الناس معاونة لهم على المسلمين، وكذلك كانوا بالشام بحلب وغيرها من الرافضة كانوا من أشد الناس معاونة لهم على قتل المسلمين، وكذلك النصارى الذين قاتلهم المسلمون بالشام كانت الرافضة من أعظم أعوانهم .. إلى أن يقول: وكذلك إذا صار اليهود دولة بالعراق وغيره تكون الرافضة من أعظم أعوانهم، فهم دائمًا يوالون الكفار من المشركين واليهود والنصارى، ويعاونوهم على قتال
стр. 3449
المسلمين ومعاداتهم (١).
إخوة الإسلام وهذه العداوة والمؤازرة للكفار على المسلمين عند الرافضة تنطلق من منطلقات عقدية، ألا وهي بغضهم للمؤمنين وليس الحديث هنا عن عقائد الشيعة فذلك له حديث يطول، ولكن دعونا نقف هنا عند عقيدتهم في المسلمين ممن يخالفهم المذهب فهم يبغضونهم ويعادونهم، بل يصل الأمر إلى تكفيرهم، لا يستثنون من ذلك خيار المؤمنين حتى ولو كان أبا بكر وعمر وعثمان، وباقي العشرة، بل والمهاجرين والأنصار إلا ما استثناه النص الشيعي المبني على الهوى والتخرص.
وحتى لا نظلمهم ننقل نصوصًا من كتبهم، بل ومن كتب أئمتهم فهذا ثقتهم الكليني ينقل في كتابه الكافي عن حمدان بن أعين قال قلت لأبي جعفر ﵇: جعلت فداك ما أقلنا لو اجتمعنا على شاة ما أفنيناها؟ فقال: ألا أحدثك بأعجب من ذلك المهاجرون والأنصار ذهبوا إلا .. وأشار بيده -ثلاثة- (٢).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا﴾ ﴿قل هل ننبؤكم بالأخسرين أعمالًا.
فهذا النص يشير إلى تكفير الصحابة، ولا يرى من الصحابة أحدًا بقي على الإسلام إلا ثلاثة -وهذا ما أشار إليه عالم آخر من علماء الشيعة وصرح بردة الصحابة حيث يقول الكشي: عن حنان بن سدير عن أبيه عن أبي جعفر ﵇ قال: كان الناس أهل ردة بعد النبي ﷺ إلا ثلاثة، فقلت: ومن الثلاثة؟ فقال: المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارس، ثم عرف الناس بعد يسير (٣).
стр. 3450
بل يصل الأمر بمعتقد القوم أن يصرحوا بكفر الثلاثة الخلفاء .. ويعقد شيخهم المجلس في كتابه البحار (الذي عده بعض شيوخهم المعاصرين المرجع الوحيد في تحقيق معارف المذهب) .. بابًا بعنوان: باب كفر الثلاثة ونفاقهم وفضائح أعمالهم واستغرق قرابة خمسين صفحة) (١).
وإذا كان هذا معتقد القوم في خيار الأمة وأزكاهم، وأقربهم للنبي ﷺ .. فلا تسأل عن معتقدهم في غيرهم؟
والأغرب من هذا أن الشيعة تصل باللعن والسب والتكفير لآل البيت أنفسهم التي يزعم الشيعة أنهم يوالونهم ويقدسونهم ومن هنا قال من قال أن التشيع ستار لتنفيذ أغراض خبيثة ضد الإسلام وأهله (٢) إنك لتعجب حين تطالع في كتب القوم حكمًا بالردة على الحسن والحسين وآل عقيل وآل جعفر، وآل العباس، وزوجات النبي ﷺ وأمهات المؤمنين. (فمن بقي عندهم لم تلعن أو يتهم؟ ) لقد قالوا عن العباس عم النبي ﷺ أنه نزل من قوله تعالى: ﴿ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلًا﴾ كما في رجال الكشي صـ ٥٣، وقالوا عن ابنه عبد الله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن: ما يتضمن تكفيره وأنه جاهل سخيف العقل، كما ذكر الكليني في أصول الكافي (١/ ٢٤٧) وبالجملة فالحكم بالكفر- عند الشيعة- على كل من لم يعتقد عقيدتهم حتى قال الكليني: أن كل من لم يؤمن بالاثنى عشر فهو كافر وإن كان علويًا فاطميًا (٣).
نعوذ بالله من الضلال والعدوان والجهل والخسران ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ [الكهف: ١٠٣، ١٠٤].
стр. 3451
الخطبة الثانية
إخوة الإسلام .. يحدثنا التاريخ أن الشاة إسماعيل الصفوي بعد احتلاله لفارس احتل العراق من عام ٩١٤ إلى عام عشرين وتسعمائة .. وفي فترة حكمهم لعراق حاول الصفويون طمس معالة الهوية الإسلامية في العراق واستبدالهم بطقوس وعبادات وشعارات وسب وشتم ما أنزل الله بها من سلطان وقد بدأ الصفويون أعمالهم المشينة بقتل المسلمين من أهل السنة حيث تذكر كتب التاريخ أنه في يوم واحد قتل أكثر من مائة وسبعين ألف مسلم سني في العراق، ثم تبع ذلك بنبش قبور المسلمين ومنهم قبر الإمام أبي حنيفة ﵀، وأنه خلال مدة احتلالهم للعراق التي لم تتجاوز ست سنوات .. قتلوا أكثر من مليون مسلم سني (١) ترى هل يعبد التاريخ نفسه، وهل يعود الصفويون اليوم إلى العراق ليجددوا عهود أسلافهم؟
إن ما يتعرض له أهل السنة في العراق اليوم شيء عظيم، قتل وتهجير، وخطف وإبادة، وتعذيب وخيانة واستخفاف بكرامة الإنسان لا يجوز بحال السكوت عليه وإغفاء الطرف عنه، لاسيما وقد وصلت الحال إلى مستوى التخطيط .. فمن ينتصر لأهل السنة في العراق؟ وإذا سكتت المنظمات والهيئات الكبرى العالمية لأن صنعت هذا فهل يسوغ للمسلمين بهيئاتهم ودولهم وأفرادهم السكوت عن مآسي أهل السنة في العراق؟
إن واحدًا من اليهود والنصارى أو الرافضة لو قتل لقامت الدنيا ولم تقعد .. فكيف الحال إذا قتل أهل السنة بالمئات بل بالألوف.
стр. 3452
إن من المخاطر الجديدة والأساليب الماكرة أن الغرب وفي مقدمته أمريكا بات يتخذ أسلوبًا جديدًا في إدارة الصراع في العالم الإسلامي، وذلك من خلال القيام باستنزاف التيارات المختلفة في المنطقة، سنة وشيعة، متحاويون وحماسيون، صوماليون محاكم وصوماليون أصحاب مصالح نفعية .. وهذا ليبقى الغرب مديرًا للصراع ومتفرجًا على المعركة، ومتفرغًا لشئونه الأخرى.
إن على عقلاء الأمة أن يدركوا الخطر، ويحيطوا مخططات الأعداء وإلا تستنزف الأمة في حروب ترتد شهادتها على أبنائها.
والمخطط فيما يظهر أكبر مما يجري الآن، وما لم يوقف عند حد فسيرى سيران النار في الهشيم.
لا بد من تقوى الله أولًا، ولا بد من الوعي بمخططات الأعداء ثانيًا. ولا بد من معرفة العدو من الصديق، والصادق من المنافق، لا بد من اجتماع الكلمة على الحق، ولا بد من النصرة للمظلومين، ولا بد من وضع حد للظالمين ..
إنها مخاطر محدقة، وحمم حارق .. وانتقام وتشفي، وقتل على الهوية لا مخرج منها إلا بالهدى والتقى والتخطيط والوعي ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجًا﴾ اللهم سلمنا من الفتن ما ظهر منها، وما بطن، اللهم نفس كرب المكروبين من المسلمين في كل مكان يا رب العالمين.
стр. 3453
أزمة دارفور .. وضرورة المقاومة الإسلامية (١)
الخطبة الأولى
الحمد لله حكم بالعزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وكتب الصغار على من عاداه ورسوله والمؤمنين .. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له اقتضت حكمته أن الحق يكون الصراع بين الحق والباطل أزليًا ليميز الخبيث من الطيب وأن يمتحن أهل الإيمان بالفتن والمصائب ليعلم الصادقين من الكاذبين .. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
إخوة الإسلام قضية دارفور ليست قضية داخلية للسودان، وإنما هي اليوم قضية عالمية، فجأة تسارعت أخبارها ولأمر يراد صُعدت أحداثها، فلماذا؟ وما الموقف؟ إن مما يلفت نظر العامة- من الناس- فضلًا عن العالمين والساسة- أن الغرب بات يركز على قضايا المسلمين ويستهدف بلادهم، وتستهويه خيراتهم، ويتخوف لمستقبلهم .. وهو في كل مرة يتزرع بحيلة ويحتمي بغطاء موهوم، فهو حينًا يتدخل تحت مظلة محاربة الإرهاب، وأخرى بحجة نزع أسلحة الدمار الشامل وتأمين الحريات للشعوب، فإذا انكشفت سوءته في الأفغان أو تورط في مستنقع العراق، بات يبحث عن مخرج لتغطية هذه السوءات وتخفيف حدة النقد لهذه الورطات ..
فعاد يلوح بشعار النواحي الإنسانية، ويخادع بأزمة الكوارث وانتهاكات حقوق الإنسان، وكأنه المنقذ لها؟
стр. 3454
والعالم كله يشهد أن الغرب وفي مقدمته أمريكا .. يقف وراء الكوارث العالمية، ويحمي أبشع جرائم العصر وانتهاكات حقوق الإنسان في فلسطين المحتلة.
أما سجون (غوانتاناموا) و (أبي غريب) و (باغرام) فهي نماذج لإفرازات حضارة الغرب، وهمجيته، وبؤر مظلمة في التاريخ المعاصر وقد شهد شاهد من أهلها في صحيفة الواشنطن بوست تقول: متعقلوا (غونتناموا) يحرمون من النوم ويستجوبون عراة؟ ونقلت الصحيفة نفسها أنه تمت موافقة البنتاجون ووزارة العدل الأمريكية على لائحة سرية تتضمن عشرين طريقة لاستجواب المعتقلين (١).
وإذا كان العالم كله يشهد هذه الانتهاكات، وهو قلق بل كاره للغرب إزاء هذه السياسات الظالمة ..
فما نسي المسلمون تتأسي الغرب لمآسيهم على أيدي الصرب النصارى في البوسنة والهرسك، وكوسوفا بل حين أحسوا بأن كفة المعركة تتجه لصالح المسلمين سارعوا بالتدخل ودعموا إخوانهم النصارى وضيقوا على المسلمين وفوتوا عليهم النصر ..
إنما مآسي لا تتعلق بجنس، ولا تقف عند حدود أهداف سياسية .. بل وراء ذلك أهداف أخرى حمية دينية، وانتصار للصليب، وتخوف من مستقبل الإسلام وفوق ما في بلاد البلقان من شواهد .. ففي تيمور، ونيجيريا ونحوها شواهد أخرى لتدخل الغرب لصالح إخوانهم النصارى بشكل ظاهر ومكشوف أو بدعم لوجستي وأجندة خفية؟
стр. 3455
أيها المسلمون إن هذا التاريخ العدائي من الغرب للإسلام والمسلمين ليس وليد اليوم والأمس .. بل إنه تاريخ ممتد للصراع، وإذا تجاوزنا القرون الأولى لتاريخ المسلمين، والحروب الصليبية وويلاتها، وجدنا في تاريخ الاستعمار تجديدًا لما اندثر، ووجدنا في أهداف المستعمرين صراحة في الحديث تكشف عن تخوفهم من الإسلام والمسلمين ودونكم هذا النموذج الذي نشرته جريدة الأيام عام ١٩٦٣ م، حيث ألقى أحد كبار المستشرقين محاضرة في مدريد- بعد استقلال الجزائر- وكان عنوانها: لماذا كنا نحاول البقاء في الجزائر؟
ثم أجاب على هذا السؤال بشرح مستفيض ملخصه:
إننا لم نكن نسخر النصف مليون جندي من أجل نبيذ الجزائر أو صحاريها، أو زيتونها .. إننا كنا نعتبر أنفسنا (سور) (أوربا) الذي يقف في وجه زحف إسلامي محتمل يقوم به الجزائريون وإخوانهم من المسلمين عبر المتوسط، ليستعيدوا الأندلس التي فقدوها وليدخلوا معنا في قلب فرنسا بمعركة (بواتيه) جديدة ينتصرون فيها ويكتسحون أوربا الواهنة، ويكملون ما كانوا قد عزموا عليه أثناء حلم الأمويين، بتحويل المتوسط إلى بحيرة إسلامية خالصة .. من أجل ذلك كنا نحارب في الجزائر (انظر: خلال العالم قادة الغرب يقولون: (دمروا الإسلام أيدوا أهله/ ٤٢، ٤٣).
عباد الله .. وإذا كان الغرب متخوفًا من المسلمين بشكل عام، فهو يبدي تخوفه من المسلمين في القارة الإفريقية (السوداء) ويقول أحد مفكريهم: «إن الإسلام يفزعنا عندما نراه ينتشر في القارة الأفريقية» (السابق/ ٤٢).
معاشر المسلمين إننا حين ينصر هجمة الغرب اليوم على بلاد المسلمين، لا بد أن نقرأ التاريخ، ونعلم الأهداف، ونكشف الزيف الذي تنسج خيوطه في دهاليز الساسة وحين نعود إلى (دارفور) ومهما قيل عن أهداف استراتيجية
стр. 3456
ومصالح اقتصادية للغرب في السودان، فلا بد أن نستحضر الأهداف الاستعمارية، والحرب العقدية، وصراع الحضارات الذي بات صوتًا معلنًا وقويًا في الغرب، وهو يركز بالدرجة الأولى على تدمير الحضارة الإسلامية، وإحياء ما ذيل من الحضارة الغربية.
إنها حرب لا تستهدف السودان وحده .. بل يريدونها مدخلًا للقارة الإفريقية - وليست نخوة غربية إنسانية- ولكنها ظل لتستهل دخول المنظمات والهيئات الغربية لتقوم بدورها في التنصير، أو على الأقل خلخلة عقائد المسلمين؟ وأخيرًا فهي ورقة في الانتخابات الأمريكية (١)؟ والسؤال المهم ما دور المسلمين في هذه الأزمة، وما نوع نصرة المسلمين لإخوانهم في السودان؟ وما هو واجب المسلمين في السودان للمساهمة في حل هذه الأزمة؟
إن مما يؤلم أن يسارع الغرب للتدخل في السودان، بل يهدد ويلوح بالتدخل العسكري، ويصدر من مجلس الأمن قرار فهمه السودانيون- ومن ورائهم المسلمون- أنه قرار حرب وأين ما يقابله من المسلمين في دوائرهم السياسية وهيئاتهم ومنظماتهم العالمية؟
ويؤلم كذلك أن تكون المنظمات والهيئات الغربية أول وأكثر الهيئات تواجهًا في (دارفور) ويعود السؤال مرة أخرى وأين الهيئات والمنظمات الإسلامية؟
وحين تتحرك رابطة العالم الإسلامي أو غيرها وتشكل وفدًا يزور السودان ويتواجد في دارفور .. فذلك جهد مشكور، وذلك وعي بالدور المطلوب .. لكنه ماذا عن بقية هيئات ومنظمات ولجان المسلمين؟
إن تدخل المسلمين وهيئاتهم مطلب لقطع الطريق على الآخرين وللإصلاح بين الإخوة المقتتلين، وهو استجابة ربانية حيث يقال للمسلمين ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾.
стр. 3457
وإذا كان الوضع الإنساني المتدهور في (دارفور) لا ينكر، فماذا صنع المسلمون بأثريائهم وعلمائهم وساستهم لإخوانهم المتضررين في السودان؟ وما دور الإعلام الإسلامي في تجلية الحقيقة، والمنافجة عن الحقوق المشروعة؟ وكشف اللعنة؟ إن ثمة تحركات تذكر فتشكر .. لكنها دون المستوى المطلوب فهل تتحرك الأطراف الجامدة .. قبل فوات الأوان، وهل ندرك أن في حماية دارفور حماية للسودان، وحماية السودان فيها حماية للمسلمين في أفريقيا .. بل وللمسلمين في كل مكان، لاسيما وأن من أهداف الغرب إيجاد قواعد له في كل مكان، وهذه القواعد ليست في صالح المسلمين بكل حال.
أما أهل السودان فيقال لهم اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وإياكم أن تتيحوا الفرصة للأجنبي ليتدخل في شئونكم، فهو صاحب سياسة (فرق تسد)، وهو لا يبكي على مآسيكم، ولكنه يتخذ من تناحركم فرصة لضربكم جميعًا وإضعافكم والسيطرة على بلادكم.
أين دور علماء السودان وأين جهود ساسته .. وأين المثقفون الواعون لما يراد لبلادهم أين زعماء القبائل هذا أوان التحرك والإصلاح حتى لا يحل ببلادكم ما حل بغيرها .. ومرة أخرى فلا تنكر الجهود المبذولة .. ولكن الأمر يتطلب أكثر وأكثر وبشكل سريع أما حكومة السودان فرغم ما تبذله من جهود لحل الأزمة، فلا بد من المزيد، ولا بد من إعادة النظر في سياسة العدل وتوزيع الثروة، والتكافئ في الفرص وعدم التهميش .. ولا بد من التنبه للمناطق الأخرى حتى لا تتكرر المأساة في الشرق أو الشمال، كما اشتعلت في الغرب وقبلها الجنوب.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠].
стр. 3458
الخطبة الثانية
أيها المسلمون وما عاد خافيًا على أحد أن الحرب المتعددة الأطراف، والمتنوعة في الجهات إنما توجه للمسلمين ويقصد بها الإسلام .. وهي حرب شرسة بكل المقاييس، تستخدم فيها الآلة العسكرية الضخمة .. وتروج لها عبر وسائل إعلام خبيثة ومطورة وتتشابك الأيدي اليهودية مع النصرانية ويستخدم المنافقون في حلف لا مثيل له، وعبر أهداف مخطط لها، واستراتيجيات تراد بها أن تتحقق .. حتى ولو تغيرت الخريطة الجغرافية، ولو انتهكت الحقوق، ومورست سياسة الإقصاء والتدمير ..
وإذا كانت هذه الحقيقة واضحة للعيان فلا ينبغي أن تقود للاستسلام والضعف والهوان، ففي تاريخ المسلمين كانت الضربات الموجعة والهجمات الشرسة موقظة للمسلمين باعثة للجهاد، منبهة للخطر، حتى تحقق النصر والظفر واندحر الأعداء خاسئين.
وهنا يرد سؤال مهم .. وما هو الدور المطلوب من المسلمين في ظل هذه الهجمات العدائية المتتالية؟ وكيف المخرج؟ ولئن كان السؤال كبيرًا .. والإجابة عليه تحتاج إلى ملتقيات ومؤتمرات إسلامية تحلل وتناقش وتوصي وتعمل .. فحسبي أن أشير إلى عدد من الواجبات ..
١ - وفي مقدمتها مزيد الوعي بما يراد للأمة المسلمة وذلك بكشف حقيقة الحملات الصليبية المعاصرة، ومن يقفون وراءها ومن يعملون في ركابها، حتى تتضح الصورة لمن عنده عيش، إن دعاوى التحرير وإرساء الديمقراطية ما هي إلا نوع من الاحتلال تسام معه الشعوب سوء العذاب .. ولئن شهد القرآن قديمًا بعداوة اليهود والنصارى للمسلمين والله يقول: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾.
стр. 3459
فالواقع اليوم يشهد على شراسة العدوان، ويكشف حضارة الغرب في أسوأ فضائحها.
وفوق ما في العراق من جرائم الحرب، ووحشية التعذيب فاختطاف النساء واغتصابهن أحد مؤشرات الاحتلال في العراق حتى ذكرت التقارير أن أكثر من أربعمائة امرأة اختطفت وإن محصلة ما يختطف من ٥ إلى ١٠ حالات أسبوعيًا (البيان/ ملف المقاومة) بعنوان (الاغتصاب الديمقراطي) (مجلة البيان، ربيع الثاني/ ١٤٢٥ هـ) (ملف المقاومة الإسلامية). وانتشرت هذه الفضائح في الغرب حتى عبر كاتب أمريكي عن ذلك أنها ممارسات وحشية قديمة تتكرر تنبع من جذور الثقافة الغربية، وهي ليست وليدة اليوم .. وأحد الهنود الحمر يصف لنا مثيلًا لها ويقول قبل أكثر من مائتي عام (١٧٨٧ م) أن الأمريكان يفعلون ما يحلو لهم، ويستعبدون كل من ليس من لونهم، يريدون أن يجعلوا منا عبيدًا، وحين لا يتحقق لهم ذلك يقتلوننا، إياك أن تثق بكلماتهم أو وعودهم، إنها أحابيل، صدقني، فأنا أعرف سكاكينهم الطويلة جدًا (١).
إذا تعرية الحضارة الغربية وكشف حقيقة الحملات .. مسئولية وهي مهمة المثقفين ووسائل الإعلام.
٢ - ومع هذه الهجمة الشرسة والانتصارات الموهومة لا بد أن ندرك أن ثمة هزائم يمنى بها الغرب يوميًا، وهو يشعر بالورطة .. ويدفع ثمن التدخل في البلاد الإسلامية نتيجة المقاومة التي قوبل بها، والخسائر المادية والمعنوية التي مني بها ويكفي أن يشار إلى خسائر ثلاث للغرب .. فقد هزموا عسكريًا عندما أخفقت جحافلهم في اقتحام مدينة صغيرة هي الفلوجة، بعد حصار شهر أو
стр. 3460
يزيد، وباستخدام أحدث الأسلحة، حتى انسحبوا وهم صاغرون .. إنها نكسة لهم، وبشارة للمسلمين.
ب- وهزموا حضاريًا عندما انكشف للعالم حقارة قيمهم ومستوى تعاملهم مع الإنسان، حتى نشرت هذه الفضائح في إعلامهم وأصبحت ورقة للمزايدة في انتخابات الأحزاب المنافسة هذا سقوطًا في القيم .. وهزيمة ساحقة للحضارة بل وللثقافة الغربية؟
جـ- وهزموا ثالثًا (إعلاميًا) وعلى المستوى الدولي حينما صرح ساستهم وصرح قادتهم بضرورة كتم أنفاس الإعلام الحر، ووضع حد للجرأة الإعلامية التي تميزت بها بعض القنوات الفضائية فكانت التصفيات للإعلاميين شاهدًا على هذه الخسارة الإعلامية العربية.
إنها هزائم متلاحقة حري بالمسلمين أن يدركوها ويستعيدوا أمتها.
٣ - أما الأمر الثالث والمهم فهو أن يدرك المسلمون سر قوتهم وقدرتهم على التحدي، وأن المستقبل لهم، فهم بقيمهم الخالدة وحضارتهم الزاهرة، وثرواتهم المتعددة، وتاريخهم المجيد، قادرون على تحقيق النصر .. إن صدقوا وصبروا، وها هو الغرب .. يعترف وهو في مستنقع العراق الصامد .. ويقول بلير معترفًا بقوة المقاومة: (إن العراق يصنع التاريخ أو يعيد صياغته) (١).
إن على المسلمين أن يدركوا قوتهم، وأن ينفضوا عنهم ذل الهزيمة، وأن يزيلوا من أذهانهم شبح العدوان على المسلمين ألا يظلوا متفرجين في كل حملة يشنها الغرب على بلاد المسلمين .. فهي سياسة نهش الأطراف للوصول إلى القلب .. فهل ننصر إخواننا وهل ندرك أن في ذلك حماية لأنفسنا؟ لا بد أن
стр. 3461
يتخذ الساسة على موقف العز والكرامة وأن يقودوا شعوبهم إلى مراقي النصر، ولا بد للعلماء البانيين أن يحيوا في الأمة فقه المقاومة وأن يذكروا المسلمين بقيمة الجهاد في سبيل الله بمفهومه الحقيقي المشروعة للعدو ومبادئه المختلفة ولا بد لأثرياء الأمة من دعم المقاومة لصد العدوان .. لا بد أن يتحمل المفكرون والإعلاميون دورهم في البيان .. لا بد أن توظف الطاقات، وتجمع الكلمة ويرتقي بهمم الشباب، ويعزز الاقتصاد، ويعاد بناء الجيوش لهدف حماية البلاد وتحرير المقدسات، والوقوف في وجه الغزاة، وإذا اكتمل البناء تحقق نصر الله.
ووعد الله حق ﴿ولينصرن الله من ينصره﴾ ﴿إن تنصروا الله ينصركم﴾.
стр. 3462
الإمام العالم العباد عبد الله بن عمرو ﵄ (١)
الخطبة الأولى
الحمد لله خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا، وقضى ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رفع شأن العلم، وعظم منزلة العلماء فقال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (٩)﴾ وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام العلماء وقدوة العابدين وسيد المرسلين صلى الله عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين ورضي الله عن الصحابة أجمعين ..
أخوة الإسلام، ما أجمل العلم، وما أزكى العبادة، فكيف إذا اجتمعتا في شخص؟ وما أروع البر والتقدير للآباء ولاسيما إذا كان امتثالًا لهدي النبي ﷺ وطاعة لأمره ..
كم نحتاج إلى أن تصرف همم الشباب فيما ينفعهم في دينهم ودنياهم وكم نحتاج إلى الاعتدال ولزوم السنة في كل شيء، حتى ولو كان زهدًا في متاع الدنيا، وتفرغًا للعبادة ..
هذه المعاني وغيرها نجدها ظاهرة- لمن تأمل- في حياة صحابي جليل، وعاء من أوعية العلم، ونموذج لهمة الشباب العالية، أنه الإمام الحبر العابد صاحب رسول الله ﷺ ، وابن صاحبه، عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄. يقال أنه أسلم قبل أبيه، ويقال أنه لا فرق في السن بينه وبين أبيه إلا بإحدى عشرة أو اثنتي عشرة سنة أو نحوهما (الذهبي/ سير أعلام النبلاء ٣/ ٨٠) كان عبد الله بن
стр. 3463
عمرو نموذجًا لهمة الشباب في صرف طاقتهم للعبادة فقد حدث عن نفسه فقال: جمعت القرآن فقرأته كله في ليلة فقال رسول الله ﷺ : «اقرأه في شهر، قلت: يا رسول الله دعني أستمتع من قوتي وشبابي، قال: اقرأه في عشرين، قلت: دعني أستمتع، قال: أقرأه في سبع ليال، قلت: دعني يا رسول الله أستمتع، قال: فأبى» (١).
ولم تكن همة ابن عمرو في تلاوة القرآن، بل كانت له همة في الصيام والقيام، وما زال رسول الله ﷺ ينازله في تخفيف ذلك كله حتى تمنى في آخر حياته أنه قبل رخصة النبي ﷺ له. فقد روى مسلم في صحيحه من طريق أبي سلمة أن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: حدثنا عبد الله بن محمد الرومي. حدثنا النضر بن محمد. حدثنا عكرمة (وهو ابن عمار) حدثنا يحيى قال: انطلقت أنا وعبد الله بن يزيد حتى نأتي أبا سلمة. فأرسلنا إليه رسولًا. فخرج علينا. وإذا عند باب داره مسجد. قال: فكنا في المسجد حتى خرج إلينا. فقال: إن تشاؤا، أن تدخلوا، وإن تشاؤا، أن تقعدوا هاهنا. قال فقلنا: لا. بل نقعد هاهنا. فحدثنا. قال أبو سلمة: حدثني عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄. قال: كنت أصوم الدهر وأقرأ القرآن كل ليلة. قال: فإما ذكرت للنبي ﷺ ، وإما أرسل إلي فأتيته. فقال لي: «ألم أخبر أنك تصوم الدهر وتقرأ القرآن كل ليلة؟ » فقلت: بلى. يا نبي الله! ولم أرد بذلك إلا الخير. قال: «فإن بحسبك أن تصوم (١) من كل شهر ثلاثة أيام» قلت: يا نبي الله! إني أطيق أفضل من ذلك. قال: «فإن لزوجك عليك حقًا. ولزورك (٢) عليك حقًا. ولجسدك عليك حقًا» قال: «كان
стр. 3464
يصوم يومًا ويفطر يومًا» قال: «وأقرأ القرآن في كل شهر» قال قلت: يا نبي الله! إني أطيق أفضل من ذلك. قال: «فأقرأه في كل عشرين» قال قلت: يا نبي الله! إني أطيق أفضل من ذلك.
قال: «فاقرأه في كل عشر» قال قلت: يا نبي الله! إني أطيق أفضل من ذلك. قال: «فاقرأه في كل سبع، ولا تزد على ذلك. فإن لزوجك عليك حقًا. ولزورك عليك حقًا. ولجسدك عليك حقًا».
قال: فشددت. فشدد علي.
قال: وقال لي النبي ﷺ : «إنك لا تدري لعلك يطول بك عمر».
قال: فصرت إلى الذي قال لي النبي ﷺ ، فلما كبرت وددت أني كنت قبلت رخصة نبي الله ﷺ وفي هذا الحديث عدة فوائد ووقفات:
أولاها: همة هذا الشاب واستزادته من عمل الصالحات، وما زال يحاور النبي ﷺ ويذكر من طاقته حتى أذنه له بما أذن فأين هذه الهمة من شبابنا .. ولكل واحد منهم أن يسأل نفسه ما هو ورده من القرآن في اليوم؟ وما هو نصيبه من الصوم؟ إننا نتألم حين نسمع عن شباب حفظة لكتاب الله .. ومع ذلك فقد يمر الشهر على أحدهم ولم يختم القرآن، ونتألم أكثر حين نسمع عن شباب أو كهول لا يختمون القرآن إلا من رمضان إلى رمضان ولكنهم ومن العدل أن نقول أن ثمة شبابًا وكهولًا يختمون القرآن في بضعة أيام.
ثانيًا: حرص هذا النبي على أمته، فهو بهم رءوف رحيم وما زال بابن عمرو ينازله ويحاوره في تخفيف الصيام والقيام وتلاوة القرآن تخفيفًا يستطيع
стр. 3465
معه أن يداوم على العمل في كل حين فأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل .. ويستطيع معه أن يزاول أعمالًا وطاعات أخرى، فمن توفيق الله للعبد أن يكون له في كل ميدان من ميادين الخير نصيب، وله في كل قربة لله سهم، فالنفس تكل وتمل، وتضعف، والمراوحة بين أعمال الخير المختلفة ينشط النفس ويطرد عنها السآمة والملل والدين يسر، والله لا يمل حتى تملوا ..
ثالثًا: ومن سماحة الإسلام أن جعل للنفس حقًا، وللأهل حقًا، وللزور حقًا وعلى المسلم أن يوازن بين الحقوق، وعلى الشباب خاصة أن يوازنوا بين الأمور كلها، ويحافظوا على الحقوق والواجبات ما أمكنهم ذلك. رواه النسائي.
وكم هو جميل كلام الذهبي ﵀ في تعليقه على قصة ابن عمرو، وتجزأة الواجبات، وتنويع الطاعات حيث قال: وصح أن رسول الله ﷺ نازله إلى ثلاث ليال، ونهاه أن يقرأه في أقل من ثلاث (١) وهذا كان في الذي نزل من القرآن، ثم بعد هذا القول نزل ما بقي من القرآن. فأقل مراتب النهي أن تكره تلاوة القرآن كله في أقل من ثلاث، فما فقه ولا تدبر من تلى في أقل من ذلك. ولو تلا ورتل في أسبوع، ولازم ذلك، لكان عملًا فاضلًا، فالدين يسر، فوالله إن ترتيل سُبع القرآن في تهجد قيام الليل مع المحافظة على النوافل الراتبة، والضحى، وتحية المسجد، مع الأذكار المأثورة الثابتة، والقول عند النوم واليقظة، ودبر المكتوبة والسحر، مع النظر في العلم النافع والاشتغال به مخلصًا لله، مع الأمر بالمعروف، وإرشاد الجاهل وتفهيمه، وزجر الفاسق، ونحو ذلك، مع أداء الفرائض في جماعة بخشوع وطمأنينة وانكسار وإيمان، مع أداء الواجب،
стр. 3466
واجتناب الكبائر، وكثرة الدعاء والاستغفار، والصدقة وصلة الرحم، والتواضع، والإخلاص في جميع ذلك، لشغل عظيم جسيم، ولمقام أصحاب اليمين وأولياء الله المتقين، فإن سائر ذلك مطلوب. فمتى تشاغل العابد بختمة في كل يوم، فقد خالف الحنيفية السمحة، ولم ينهض بأكثر ما ذكرناه ولا تدبر ما يتلوه.
هذا السيد العابد الصاحب كان يقول لما شاخ: ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ . وكذلك قال له ﵇ في الصوم، ومازال يناقصه حتى قال: «صم يومًا وأفطر يومًا، صوم أخي داود ﵇» (١).
أيها المسلمون والزهد في الدنيا وإن كان مطلوبًا فله حدوده الشرعية ومهما زهد الزاهدون فلهم في رسول الله أسوة حسنة، وكان يصوم ويفطر، ويصلي وينام، ويتزوج النساء، وقد ندب الأمة إلى القصد في العبادة، وعلمهم كيف يكون الزهد، وهذا عبد الله بن عمرو يحدثنا عن موقف له في الزهد من متاع الدنيا، وكيف علمه النبي ﷺ والأمة كلها معنى الزهد في الإسلام، يروي لنا الموقف ابن عمرو بنفسه ويقول: زوجني أبي امرأة من قريش، فلما دخلت علي جعلت لا أنحاش لها مما بي من القوة على العبادة، فجاء أبي إلي كنته (وهي زوجة الولد) فقال: كيف وجدت بعلك؟ قالت: خير رجل من رجل لم يفتش لنا كنفًا ولم يقرب لنا فراشًا، قال: فأقبل علي (أبي) وعضني بلسانه ثم قال: أنكحتك امرأة ذات حسب فعضلتها وفعلت، ثم انطلق فشكاني إلى النبي ﷺ فطلبني فأتيته، فقال لي: أتصوم النهار وتقوم الليل؟ قلت: نعم، قال: لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأمس النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني.
الخطبة الثانية
يا أخا الإسلام وإذا عرفت شيئًا من قوة عبد الله بن عمرو ﵄ في العبادة فبقي أن تعرف شيئًا من قوته في العلم وحرصه على طلبه وجمعه فقد كان عبد الله من أوعية العلم، وكان من حفظة السنة والمدونين لها، قرأ الكتاب واستأذن النبي ﷺ في أن يكتب حديثه، فأذن له قال يا رسول الله: أكتب كل ما أسمع منك في الرضا والغضب؟ قال: «نعم، فإني لا أقول إلا حقًا» (١) وكان عبد الله بن عمرو- ﵄ منافسًا لأبي هريرة ﵁ في حفظ السنة النبوية، حتى قال أبو هريرة: ما كان أحد أحفظ لحديث رسول الله ﷺ مني، إلا عبد الله بن عمرو، فإنه كان يعي بقلبه وأعي بقلبي، وكان يكتب وأنا لا أكتب، استأذن رسول الله ﷺ في ذلك فأذن له (٢).
حمل عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ علمًا جمًا، وبلغ ما أسنده من الأحاديث سبعمائة حديث، وروى عن جملة من الصحابة، وروى عنه خَلْقٌ كثير (٣).
وورد أنه حفظ عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ ألف مثل (٤).
أما نظر عبد الله بن عمرو ﵄ في الكتب الأخرى، وقراءته في التوراة إلى جانب القرآن- كما فسر النبي ﷺ رؤياه حين قال رأيت، وكان في أحد أصبعي سمنًا وفي الأخرى عسلًا وأنا ألعقهما، فقال له النبي ﷺ : تقرأ الكتابين التوراة والفرقان (٥).
стр. 3469
فهو حديث ضعيف، والخبر منكر كما قال الذهبي ولا يشرع لأحد بعد نزول القرآن أن يقرأ التوراة ولا أن يحفظها، لكونها مبدلة محرفة منسوخة العمل، قد اختلط فيها الحق بالباطل فلتجتنب، فأما النظر فيها للاعتبار وللرد على اليهود فلا بأس بذلك للرجل العالم قليلًا، والأعراض أولى .. هكذا قرر الإمام الذهبي ﵀ (١).
أيها المسلمون وإذا علمتم قوة ابن عمرو في العبادة، وسعة باعه في العلم، ولا تكاد مدونة من مدونات أهل العلم إلا وفيها ذكر حسن له فمن حقكم جميعًا .. ومن حق الشباب على وجه الخصوص أن يعلموا أن ابن عمرو نموذج لبر الآباء، إلى حد ربما أكره نفسه على العمل يقدم عليه تحقيقًا للبر بأبيه .. أجل لقد كان عبد الله يكره الاقتتال وحمل السلاح بين المسلمين، وقد ورد عنه أنه كان يقول: مالي وصفين مالي ولقتال المسلمين، والله لوددت أني مت قبل هذا بعشر سنين ثم يقول: أما والله ما ضربت فيها بسيف ولا طعنت برمح، ولا رميت بسهم، ولوددت أني لم أحضر شيئًا منها، وأستغفر الله من ذلك وأتوب إليه ..
وذكر ابن عبد البر ﵀ أن عبد الله إنما شهد صفين لعزمة أبيه عليه في ذلك، وأن رسول الله ﷺ قال له: أطع أباك (٢).
وفي مسند أحمد عن حنظلة بن خويلد العنبري قال: بينما أنا عند معاوية، إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس عمار ﵁ فقال كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال عبد الله بن عمرو: ليطب به أحدكما نفسًا لصاحبه، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تقتله الفئة الباغية» فقال معاوية ﵁ يا عمرو: ألا تغني
стр. 3470
عنا مجنونك، فما بالك معنا؟ قال: إن أبي شكاني إلى رسول الله ﷺ فقال: «أطع أباك ما دام حيًا» فأنا معكم ولست أقاتل (١).
عباد الله .. وجملة القول أن في سيرة هذا الإمام العابد العالم الزاهد دروسًا وعبرًا .. فيها دفع للهمم في العبادة، وفيها حض على تعلم العلم وتعليمه، ومنها إرشاد للزهد في الدنيا وتوجيه لحدود الزهد المقبولة كما أن في سيرة ابن عمرو دروسًا في البر والوفاء والصدق والنصح .. رضي الله عنك يا ابن عمرو ورضي عن أبيك وعن سائر الصحابة أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين .. اللهم ألحقنا بهم واحشرنا معهم.