← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

واجتناب الكبائر، وكثرة الدعاء والاستغفار، والصدقة وصلة الرحم، والتواضع، والإخلاص في جميع ذلك، لشغل عظيم جسيم، ولمقام أصحاب اليمين وأولياء الله المتقين، فإن سائر ذلك مطلوب. فمتى تشاغل العابد بختمة في كل يوم، فقد خالف الحنيفية السمحة، ولم ينهض بأكثر ما ذكرناه ولا تدبر ما يتلوه. هذا السيد العابد الصاحب كان يقول لما شاخ: ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ . وكذلك قال له ﵇ في الصوم، ومازال يناقصه حتى قال: «صم يومًا وأفطر يومًا، صوم أخي داود ﵇» (١). أيها المسلمون والزهد في الدنيا وإن كان مطلوبًا فله حدوده الشرعية ومهما زهد الزاهدون فلهم في رسول الله أسوة حسنة، وكان يصوم ويفطر، ويصلي وينام، ويتزوج النساء، وقد ندب الأمة إلى القصد في العبادة، وعلمهم كيف يكون الزهد، وهذا عبد الله بن عمرو يحدثنا عن موقف له في الزهد من متاع الدنيا، وكيف علمه النبي ﷺ والأمة كلها معنى الزهد في الإسلام، يروي لنا الموقف ابن عمرو بنفسه ويقول: زوجني أبي امرأة من قريش، فلما دخلت علي جعلت لا أنحاش لها مما بي من القوة على العبادة، فجاء أبي إلي كنته (وهي زوجة الولد) فقال: كيف وجدت بعلك؟ قالت: خير رجل من رجل لم يفتش لنا كنفًا ولم يقرب لنا فراشًا، قال: فأقبل علي (أبي) وعضني بلسانه ثم قال: أنكحتك امرأة ذات حسب فعضلتها وفعلت، ثم انطلق فشكاني إلى النبي ﷺ فطلبني فأتيته، فقال لي: أتصوم النهار وتقوم الليل؟ قلت: نعم، قال: لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأمس النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني.

стр. 3467

رواه أحمد بسند رجاله ثقات، وأخرجه البخاري بأخصر من هذا (١). أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨].

стр. 3468

الخطبة الثانية يا أخا الإسلام وإذا عرفت شيئًا من قوة عبد الله بن عمرو ﵄ في العبادة فبقي أن تعرف شيئًا من قوته في العلم وحرصه على طلبه وجمعه فقد كان عبد الله من أوعية العلم، وكان من حفظة السنة والمدونين لها، قرأ الكتاب واستأذن النبي ﷺ في أن يكتب حديثه، فأذن له قال يا رسول الله: أكتب كل ما أسمع منك في الرضا والغضب؟ قال: «نعم، فإني لا أقول إلا حقًا» (١) وكان عبد الله بن عمرو- ﵄ منافسًا لأبي هريرة ﵁ في حفظ السنة النبوية، حتى قال أبو هريرة: ما كان أحد أحفظ لحديث رسول الله ﷺ مني، إلا عبد الله بن عمرو، فإنه كان يعي بقلبه وأعي بقلبي، وكان يكتب وأنا لا أكتب، استأذن رسول الله ﷺ في ذلك فأذن له (٢). حمل عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ علمًا جمًا، وبلغ ما أسنده من الأحاديث سبعمائة حديث، وروى عن جملة من الصحابة، وروى عنه خَلْقٌ كثير (٣). وورد أنه حفظ عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ ألف مثل (٤). أما نظر عبد الله بن عمرو ﵄ في الكتب الأخرى، وقراءته في التوراة إلى جانب القرآن- كما فسر النبي ﷺ رؤياه حين قال رأيت، وكان في أحد أصبعي سمنًا وفي الأخرى عسلًا وأنا ألعقهما، فقال له النبي ﷺ : تقرأ الكتابين التوراة والفرقان (٥).

стр. 3469

فهو حديث ضعيف، والخبر منكر كما قال الذهبي ولا يشرع لأحد بعد نزول القرآن أن يقرأ التوراة ولا أن يحفظها، لكونها مبدلة محرفة منسوخة العمل، قد اختلط فيها الحق بالباطل فلتجتنب، فأما النظر فيها للاعتبار وللرد على اليهود فلا بأس بذلك للرجل العالم قليلًا، والأعراض أولى .. هكذا قرر الإمام الذهبي ﵀ (١). أيها المسلمون وإذا علمتم قوة ابن عمرو في العبادة، وسعة باعه في العلم، ولا تكاد مدونة من مدونات أهل العلم إلا وفيها ذكر حسن له فمن حقكم جميعًا .. ومن حق الشباب على وجه الخصوص أن يعلموا أن ابن عمرو نموذج لبر الآباء، إلى حد ربما أكره نفسه على العمل يقدم عليه تحقيقًا للبر بأبيه .. أجل لقد كان عبد الله يكره الاقتتال وحمل السلاح بين المسلمين، وقد ورد عنه أنه كان يقول: مالي وصفين مالي ولقتال المسلمين، والله لوددت أني مت قبل هذا بعشر سنين ثم يقول: أما والله ما ضربت فيها بسيف ولا طعنت برمح، ولا رميت بسهم، ولوددت أني لم أحضر شيئًا منها، وأستغفر الله من ذلك وأتوب إليه .. وذكر ابن عبد البر ﵀ أن عبد الله إنما شهد صفين لعزمة أبيه عليه في ذلك، وأن رسول الله ﷺ قال له: أطع أباك (٢). وفي مسند أحمد عن حنظلة بن خويلد العنبري قال: بينما أنا عند معاوية، إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس عمار ﵁ فقال كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال عبد الله بن عمرو: ليطب به أحدكما نفسًا لصاحبه، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تقتله الفئة الباغية» فقال معاوية ﵁ يا عمرو: ألا تغني

стр. 3470

عنا مجنونك، فما بالك معنا؟ قال: إن أبي شكاني إلى رسول الله ﷺ فقال: «أطع أباك ما دام حيًا» فأنا معكم ولست أقاتل (١). عباد الله .. وجملة القول أن في سيرة هذا الإمام العابد العالم الزاهد دروسًا وعبرًا .. فيها دفع للهمم في العبادة، وفيها حض على تعلم العلم وتعليمه، ومنها إرشاد للزهد في الدنيا وتوجيه لحدود الزهد المقبولة كما أن في سيرة ابن عمرو دروسًا في البر والوفاء والصدق والنصح .. رضي الله عنك يا ابن عمرو ورضي عن أبيك وعن سائر الصحابة أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين .. اللهم ألحقنا بهم واحشرنا معهم.

стр. 3471

الرحلات البرية، إيجايبات وسلبيات وقفات وتنبيهات (١) الحمد لله جعل لنا في ديننا فسحة، وما جعل عليكم في الدين من حرج .. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله بعث ليضع عن الأمة إصرها والأغلال التي كانت عليها .. اللهم صل وسلم عليه .. إخوة الإسلام .. ونعم ربي علينا تتوالى .. صحة وأمن، وأموال وأولاد .. وثمرات تجبى إلينا، وأخرى تخرج من أرضنا، اعتدال في الجو، وأمطار تنهمر فتملأ السهل والجبل وتكسب الأرض خضرة وبهاء .. وتطالع روس المرتفعات من الرمال وهي ندية بالأمطار - ولا تسأل عن الأودية والقيعان، وحق للناس أن يفرحوا بفضل الله، وحري بهم أن يشكروه وأن يتذكروا ويتفكروا في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٤٨ - ٥٠]. ومن حق الناس أن يتنزهوا ويبصروا أنعم الله- دون أشر أو بطر- ومن الذي يقول إن الاستقامة على دين الله مانعة من الأنس والمرح والتنزه والفرح؟ ولكن من حق الله عليهم أن يشكروه ولا يكفرونه وأن يطيعوه ولا يعصونه.

стр. 3472

ذكر في ترجمة ابن مجاهد شيخ قراء بغداد أنه خرج إلى البستان مع بعض كبار علماء بغداد، وصاروا يلعبون بإداوة ودولاب هناك، فنظر إليهم بعض الناس مستغربًا، فقال له ابن مجاهد: التعاقل في البستان كاللعب في المسجد. ولكن الذي ينبغي أن يكون المرح والتنزه في حياة المسلم ترويحًا عن النفس بعد الجد والعمل، والإنتاج والبذل والعطاء .. حتى يكون للنزهة محلها من الإعراب .. وإلا احتاج الترفيه إلى ترفيه، والراحة إلى راحة أخرى .. وهكذا .. وعمر الإنسان أغلى من أن يفرط بساعاته هكذا ودون فائدة. أيها المسلمون هناك مظاهر إيجابية في حياة الناس في البر حرية بأن تذكر وتشكر، ومظاهر سلبية حرية بأن ينبه لها وتحذر .. ومن المظاهر الإيجابية ارتفاع الأذان عاليًا في البراري والغفار حتى يشهد الحجر والشجر ومن سمع لمن رفع ذكر الله .. واصطفاف المتنزهين كالبنيان المرصوص لأداء الصلاة هو الآخر مشهد يفرح ويؤنس، ويؤكد حرص المسلمين على صلاة الجماعة أينما حكوا أو ارتحلوا. وهناك عائلة بل عوائل تقترب من شط الماء وجلال الحشمة ومظاهر الحياء بادية على النساء قبل الرجال فلا سفور ولا اختلاط بل نساء كالغربان كاسيات حافظات لما حفظ الله. ومن المظاهر الإيجابية لقاء الأسرة في جو من الأنس والاستمتاع بجمال الطبيعة بما حباها الله .. وكم هو جميل حين يستثمر الولي هذه الأجواء في توجيه هادف أو قصة تربوية ذات معنى، أو يلفت أنظار الصغار إلى عظمة الله من خلال مخلوقاته وفسيح كونه. وثمة مظهرًا إيجابي حين يقع فرد أو أسرة في موقف محرج متسابق الأكف تساعد وتدفع، وربما غامر الشباب بحياتهم فأنقذوا أسرة كاد الفرق أن يلف

стр. 3473

أفرادها .. والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن المعروف أن تعين الرجل في دابته فتحمله عليه أو تحمل معه متاعه .. أو تصلح له سيارته أو تسدد ما نقص من متاعه وأغراضه .. وتشكر رجالات الهيئة حين يتواجدون في أماكن تجمع المتنزهين يوجهون ويدعون بالحسنى ويذكرون والذكرى تنفع المؤمنين. إخوة الإسلام ولا تقتصر الإيجابية على رجال الهيئة في الأمر والنهي والدعوة، فثمة محتسبون متجولون يذكرون من غفل وينهون من أخطاء ويمارسون الدعوة بلطف، وربما كانت سلوكياتهم الحسنة ومعاونتهم لمن به حاجة للمعونة أسلوبًا صامتًا في الدعوة، وليست الدعوة مجرد خطبة أو محاضرة تلقى، بل ربما كان الموقف الجميل، والمعروف المهدي وإشراقة الوجه بالبشرى (١). عباد الله وثمة مظاهر إيجابية أخرى جماعها مراقبة الله في كل حال، وذكره وشكره على كل نعمه، والتزام آداب الإسلام، في النظر والسماع واعتبار حقوق الرفقة أو من آواك المسير إليهم. أيها المسلمون .. أما المظاهر السلبية في هذه الرحلات البرية فمنها: اختيار الطرق الصعبة أو المجازفة بالعائلة في مسالك برية خطرة .. فيها من المغامرة ما قد يوقع الأسرة في مهاوي الردى .. وكم يتهاون الناس في سكنى الأودية المنهي عنها .. أو اختراق الوادي حين تملأ جوانبه الأمطار، فيقع المحظور ويعود الإنس حزنًا والفرح مأثمًا. وثمة إهمال للأطفال وهو معدود في سلبيات الرحلات، فيهيم الطفل على وجهه وربما جن الليل فاختفى عن الأنظار، فكان القلق بسبب الإهمال

стр. 3474

والتفريط، وربما كان الطفل ضحية للهوام أو نحوها إن لم يتداركه الله برحمه أما النساء فيخطئ في حقهن من يتركهن فترة من الزمن وحيدات في البراري .. بحجة ذهاب الولي لإكمال غرض ناقص للرحلة وربما استغرق غيابه عنهن وقتًا طويلًا .. فلازم النساء القلق وربما تعرض لإساءة من جاهل .. أو اعتداء من سفهاء والنساء أمانة في أعناق الرجال، ولا بوركت رحلة يخدش فيها الحياء، وتخاف فيها النساء. على إنك تلحظ أحيانًا توسعًا عند بعض النساء في عدم إرخاء الحجاب أو توسعًا في استخدام النقاب .. أو في ممارسة نوع من الرياضة قبالة الرجال من قبل ركوب الدراجات النارية، أو في المسير بعيدًا عن رجالهن، وفي هذا تعريض بهن لمخاطر السفهاء ومخادعة اللئام؟ عباد الله وثمة من يتساهلون بأداء الصلاة حتى يخرج وقتها وربما جمعوا من غير حاجة أو قصروا دون مسافة القصير المشروعة والأدهى والأمر حين يلجأ إلى التيمم من هو على شفير الماء؟ والله يحب أن تؤتى رخصه .. لكن يكره أن تؤتى محارمه، أو يستهين مستهين بحدوده وأحكام دينه. معاشر المسلمين وثمة ظاهرة سلبية تسمع أحيانًا في البراري كما تسمع عند إشارات المرور- أحيانًا- ألا وهي رفع الصوت بالأغاني وعدم تقدير مشاعر الآخرين وأولئك يخيل إليهم أنهم يمارسون حريتهم لكنهم نسوا أنها على حساب حريات الآخرين .. وظنوا أنهم يطربون أنفسهم ونسوا أنهم يضايقون الآخرين .. ألا وأن الحياء من شيم الكرام، وتقدير أذواق الآخرين من كرائم المروءات وذلك كله فالخوف من الله والحياء منه ضمان لوئد ما سفل من الأخلاق وما حرم من المنكرات. وكل أمة محمد ﷺ معافون إلا المجاهرين.

стр. 3475

أيها المسلمون وظاهرة التصوير عمت وطمت، ولم يقتصر الأمر على أجهزة التصوير المعروفة، بل عادت كمرات الجوال تمثل خطرًا داهمًا لاسيما في فضح النساء وإخراج صورهن لإحراجهن أو إحراج أهلهن ومحارمهن وقد تلتقط الصورة للمرأة دون علمها، ويضاف إلى هذا البلاء بلاءً آخر عبر أجهزة (البلوتوث) حيث تسمح شرائحه بنقل الصور من جهاز لآخر بطريقة تلقائية فتعم الفتنة بنقل الصور، وتشيع الفاحشة في الذين آمنوا فاحفظوا أنفسكم وعوائلكم من هذا الداء الخطير، ألا وإنا غزينا بأجهزة الباندا .. ودمر شبابنا وفتياتنا بجهاز (المدمر) وأمثاله وإن كان قليلًا .. وثمة داء بيينا نسمع به في الرحلات، وذلك حين تخرج النساء بصحبة سائق ويستأجرن مكانًا يجتمعن فيه، ويتصلن بأحد المطاعم لتأمين الغذاء أو العشاء .. وكل ذلك بعيدًا عن أوليائهن فأين الغيرة على المحارم؟ وهل استنوقت الجمال، وترجلت النساء .. ألا وإن النار من مستصغر الشرر؟ ! والثقة المفرطة لها مخاطرها .. بل هناك فرق بين الثقة والإهمال وينبغي أن تسمى الأمور بمسمياتها ومن حق النساء أن نخدمهن وأن نحفظ عليهن كرامتهن، وألا ندعهن تحت رحمة الأجانب عنهن من خدم وسائقين وطاهين ومسوقين فالخطر كبير، والفتنة عظيمة، ورحم الله امرئ كف الغيبة عن نفسه وحفظ أهله عن مواقع الريب، ومصائد البطالين .. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥) أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الملك: ١٥ - ١٨]. نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وسنة نبيه ﷺ .

стр. 3476

الخطبة الثانية الحمد لله قدر فهدى وأخرج المرعى فجعله غثاء أحوى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شرع فأحكم، وحكم فعدل وهو خير الحاكمين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، دل الأمة على الخير وأمرهم به ونهاه عن الشر ونهاهم عنه، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين. أيها الإخوة المؤمنون الدنيا متاع وفيء زائل، والآخرة هي دار القرار، وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا، وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا. أيها المتنزهون تتاح لكم في البراري عبادة عظيمة قل في الناس عاملها، وجاء في القرآن الحث عليها .. إنها عبادة التفكر ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات: ٢٠] ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠، ١٩١]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٤]. يا أيها المتنزه هل بلغت بنظرك عظمة الله فيما خلق وأنت ترى أنواع الأزهار وصنوف الأشجار تسقى بماء واحد ويختلف في الطعوم والأشكال .. وتبصر أنواعًا من الدواب والزواحف والهوام ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾. تبصر الجبل والسهل والقيعان والرمال، فهل تكبر حين ترقى مرتفعًا وتسبح

стр. 3477

حين تنحدر منخفضًا؟ . وهل تتذكر- وأنت تجول في أرض الله الواسعة- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٧، ٢٨]. كم في البراري من معان ودروس لو تأملناها، ثم لفتنا نظر أبنائنا وبناتنا لها .. إنها دروس عملية في الإيمان .. ودورات تطبيقية في التربية .. يتسع لها كون الله الفسيح، وتحدث في القلوب خشية وتعظيمًا لله فهل نمارس هذه العبادة وتلك التربية في رحلاتنا وتنزهاتنا؟ وهل نتذكر البعث والنشور ونحن نرى بعث الله للحياة في الأرض الموات ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧]. أيها المسلمون ما أجمل الرحلة يعود القلب بعدها مسرورًا منشرحًا فهو يتخفف من أعباء الحياة ويجدد حياته ونشاطه من جانب وهو من جانب آخر يجدد إيمانه ويتذكر عظمة ربه .. إنها دعوة لنفسه .. ويمكن أن تكون دعوة لأهله ورفقته .. ويمكن أن يشمل بالخير غيره فيذكر بلطف من مر به .. أو يلفت نظر من بطر وأشر واستخدم أنعم الله فيما حرم الله .. وجازى الإحسان بالنكران .. إننا أمة الخير ومن خيرية أمتنا أننا نتآمر بالمعروف ونتناهى عن المنكر .. وإذا لم يستحي أصحاب المنكرات بإظهار منكراتهم .. أتستحي يا صاحب الحق والخير بإظهاره؟ إن خارق السفينة لا يحرق في نصيبه فحسب، بل هو ساع إلى إغراق الجميع .. وإذا لم يأخذ العقلاء على أيدي السفهاء، أوشك العذاب أن يعم ما

стр. 3478

أجمل المروءة في كل حين ولكنها تزداد زينًا حين الحاجة إليها، كمن بعد عن أهله أو تعطلت به راحلته .. أو تاه عن طريق الأوان وإن إناسًا يحتسبون أوقاتهم في البراري لخدمة هؤلاء وأولئك المأجورون .. يا أيها المتنزهون المطولون في النزهة أحرصوا ألا تطول غيبتكم عن أهلكم وزويكم فلهم حاجات وظروف وفي عوادي الدهر مفاجئات وطوارق، فكونوا على صلة بهم بالهواتف النقالة تعلمون أخبارهم وتتابعون أمورهم فهم أمانة في أعناقكم وستسألون عنهم .. وحذاري من أن تعودوا من الرحلة وقد تغيرت أحوال بعضهم برفقة سيئة .. أو بمشاهدات هابطة .. أو نحو ذلك من عوامل الانحراف واجعلوا لهم من هذه الرحلات نصيبًا يشعرهم بالقرب منكم، وتمارسون التربية معهم في كل حين ولشتى الوسائل .. أيها المتنزهون والمكان الذي تتنزهون فيه حق لكم ولغيركم فاحرصوا على نظافته ليبقى نظيفًا لكم ولغيركم، ودينكم دين الجمال والنظافة، وإياكم والإسراف في المطعم والمشرب .. وتصدقوا بما فضل .. واحمدوه على الأكلة والشربة يغفر لكم واذكروا ربكم في أي مكان حللتم .. فستشهد الأرض لكم حين تحدث أخبارها ولا تنسوا دعاء المنزل فهو حافظ لكم بإذن الله .. حفظكم الله في حلكم وترحالكم ورزقنا شكره وذكره، وعافانا من البلاء والمحن ..

стр. 3479

القرآن في غوانتناموا .. تدنيس أم تكريس ؟ (١) الخطبة الأولى الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أوحى إليه ربه بشأن القرآن وأنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون. أيها الإخوة المؤمنون نزل الوحي من السماء معظمًا، وكان الوحي عماد شريعة الأنبياء، كانت صحف إبراهيم وموسى، وكان التوراة والإنجيل، والزبور، ثم كان القرآن فرقانًا ومهيمنًا ومصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]. واندرست الكتب السماوية وبقي القرآن الكريم محفوظًا عليًا ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. أجل إن حفظ القرآن معجزة لمحمد ﷺ ، ودليل على أن الإسلام رسالة الله الأخيرة للبشر .. بالقرآن حفظت أخبار الأنبياء ودعوتهم وأخبارهم مع أقوامهم، وبالقرآن

стр. 3480

كانت الإشارة إلى شرائع السماء بالقرآن قص أحسن القصص، وبالقرآن أحكمت الشريعة فلا نسخ ولا تبديل إلا ما أتى الله بخير منها أو مثلها وفي حياة محمد ﷺ فقط وبعد موته انقطع الوحي من السماء، وتوارثت أمة الإسلام هذا القرآن تحفظه في الصدور، وتجده مكتوبًا في الألواح والمصاحف، ومهما أصاب الأمة من نكبات وخطوب، ومهما اجتاح العدو أرضها أو دمر ما دمر من حضارتها فقد بقي القرآن شاهدًا على التحدي، برهانًا على الحفظ والإعجاز .. لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. وكلما ضعف المسلمون عن القرآن هبت صيحات تنادي بالعودة إلى كتاب الله، فينبعث للقرآن جيل جديد، وتنبعث همم لحفظه وتدريسه والعناية به وبعلومه، وتنشأ مؤسسات ودروس ومعاهد وجامعات للقرآن. وعلى مر العصور وللقرآن رجال ونساء يحييون الليل بالقرآن قراءة وتدبرًا وبكاء وخشوعًا. وعلى اختلاف الدول كان للقرآن سلطان، به يساس الناس، وبأحكامه يؤخذون، وبهديه يهتدون. وعلى اختلاف الأحوال حضرًا وسفرًا وحجة ومرضًا كان القرآن للمسلم رفيقًا ومؤنسًا يتلوه المسلم قائمًا وقاعدًا وعلى جنب وبقي القرآن خير جليس ومؤنس في حال الغربة والوحشة فالقرآن يتلى في غياهيب السجون .. ويترنم السجناء بآياته وهم في قبضة الأعداء يسامون سوء العذاب، ويعاملون بوحشية مفرطة ويعزلون عن أهليهم ومجتمعاتهم في جزر بعيدة الأعماق نائية عن الأمن والإيمان هناك في «غوانتناموا» يسمع دوي للقرآن، وينفس المكروبون عن أنفسهم بترتيل القرآن، ويناجون ربهم بالقرآن. ولكن الظلم يتجاوز الحدود، وكرامة الإنسان تهان إلى الأذقان، بل وشرائع

стр. 3481

السماء ووحي الله تنتهك إلى حد لا تكاد تصدقه العقول. أجل لقد نشرت وسائل الإعلام العالمية - وفي مقدمتها وسائل إعلام الغرب - عن انتهاك الجنود الأمريكان للقرآن في سجن غوانتناموا .. مزق القرآن وأهين في المراحيض .. وذلك كأسلوب من أساليب الأذى والتعذيب للسجناء المسلمين هناك .. ولكن الحادث أبعد مدى وأوسع انتهاكًا، فهو تحد سافر للمسلمين، وهو استفزاز أرعن لمشاعر أكثر من مليار مسلم .. وعلى أثرها احتجت دول، وتظاهرت شعوب وصدرت بيانات واستنكارات من هيئات ومجمعات ولجان ومنظمات إسلامية. ولقد عبرت الأمانة العامة لمجمع الفقه الإسلامي بجدة، والمنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي باسم شعوب الأمة الإسلامية وعلمائها وفقهائها عن سخطهم الشديد واستنكارهم الكبير لما نقلته وكالات الأنباء العالمية استنادًا إلى مجلة (نيوزيك) الأمريكية الصادرة في ٩ مايو ٢٠٠٥ م من أخبار مزعجة حول قيام بعض جنود الجيش الأمريكي في قاعدة «غوانتناموا» الأمريكية بكوبا بتدنيس المصحف الشريف وإلقائه في المراحيض، قصد إيذاء السجناء المسلمين ومن وراءهم من عامة المسلمين وأهل الديانات الإلهية المعترفين بأن الكتاب المنزل على الرسول ﷺ هو كمثله من الكتب المقدسة- التوراة والإنجيل- واجب احترامها وتقديسها. وأشار البيان إلى أن هذا الانتهاك من أشد الموبقات جرمًا، ولا يمكن للمسلمين التسامح فيه (١).

стр. 3482

أيها المسلمون: ومع أهمية هذه البيانات المستنكرة فينبغي للمسلمين حكومات وشعوبًا ألا يقفوا عند حدود التنديد، بل يواصلوا استنكارهم حتى توقع العقوبة الرادعة على المجرمين ومن وراءهم، وحتى يعلم العالم أن الإسلام عزيز في نفوس أتباعه، وأن القرآن عظيم في قلوب أهله، وأن للمستضعفين من يناصرهم ويدافع عن حقوقهم وكرامتهم. فالسجناء المسلمون هناك أوذوا وعذبوا وانتهكت حقوقهم وقد آن الأوان لنصرهم والدفاع عن حقوقهم. وينبغي أن تعري أنظمة العرب المدعية لحرية الأديان، والزاعمة لتأمين الديمقراطية للشعوب، وها هي اليوم تمارس العنصرية والاستبداد والانتهاك بأبشع صورها، وترسم مشهدًا موحشًا للغرب وجنوده، يتجاوز الإساءة للبشر إلى الإساءة وقلة الأدب مع الله وكلامه ووحيه، ويطال ذلك شرائع السماء كلها. اللهم إنا نبرأ إليك مما صنعه المجرمون ونسألك أن تسلط عليهم من ينتقم منهم إنك قوي شديد المحال. وبالمناسبة نذكر المسلمين ولا سيما من أهل الكتاب أن القرآن خطعت لعظمته الأفئدة وخر للأذقان سجدًا أهل العلم من أهل الكتاب حين تلي عليهم وسجل الموقف الرهيب في القرآن وتحدى الله من أعرض عن القرآن ولم يؤمن به فقال تعالى مادحًا لأهل العلم من أهل الكتاب، وقادحًا على من كذب به وأعرض عنه من أهل الأوثان ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩]. قال السعدي ﵀: وهؤلاء كالذين من الله عليهم من مؤمني أهل الكتاب

стр. 3483

كعبد الله بن سلام وغيره، ممن أسلم في وقت النبي ﷺ ، بعد ذلك (١) والمشهد هنا يفوق الوصف ولا تكفي الألفاظ لتصوير الموقف فتنسكب الدموع معبرة عما يجيش في الصدور .. أمن هؤلاء المدنسون للقرآن والمحرفون لما أنزل على الرسول ممن سبقهم من نصارى قال الله عنهم ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾. اللهم اجعلنا من أهل القرآن.

стр. 3484

الخطبة الثانية إخوة الإسلام القرآن في غوانتناموا تدنيس أم تكريس؟ هل ما نسب إلى الجنود الأمريكان هناك تدنيس للمصحف الشريف أم تكريس للعدوان على المسلمين بشكل عام؟ أهو تدنيس للمصحف كما صنعوا أم هو تكريس للاهتمام به من قبل المسلمين كما ينبغي، فالمسلمون يدركون أن القرآن هاد لا يضل وناصح لا يغش، ومحدث لا يكذب، فيه زيادة من هدى ونقص من عمى، وشفاء من عي شافع مشفع وقائل مصدق. المسلمين لا ينبغي أن ينطلقوا في عنايتهم بالقرآن من ردود الأفعال ولكن مثل هذه الحوادث المؤسفة تذكرهم بواجبهم تجاه القرآن تعلمًا، وتعليمًا، وعناية ودعمًا، ودعوة ونشرًا للقرآن. إن حادثة تدنيس القرآن هناك تذكر المسلمين بموقف أعدائهم من القرآن والإسلام، وتنبههم إلى تعظيم الله بتعظيم كتابه، وإغاظة الأعداء بالعودة للإسلام وحمل القرآن. ولقد فهم السابقون أن القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبرونه بالليل ويتفقدونه بالنهار- وكذلك ينبغي أن يفهم اللاحقون من المسلمين- (كما أثر عن الحسن بن علي ﵄ (١). أيها المسلمون وقفة ومصارحة ماذا وراء احتجاجنا وغضبنا لما يصنعه الأعداء بالقرآن.

стр. 3485

وشكرًا لك أيها المسلم وأنت مثاب حين تغضب لله وتدافع عن القرآن ولكن قل لي بصراحة ما وردك اليومي من القرآن حين تغضب للقرآن؟ كيف تعظيمك لأحكام القرآن حين تدافع عن القرآن؟ وما مدى عنايتك بتعليم وتحفيظ أبنائك للقرآن؟ «وخيركم من تعلم القرآن وعلمه». يا أيها الموسرون والمقتدرون وهل يدعوكم هجوم الأعداء على القرآن على البذل من أجل القرآن شجيعًا للحفظة، ودعمًا لحلق القرآن وجمعيات تحفيظه وتوزيعًا للمصحف لمن به حاجة إليه، وحين تشكر وزارة الشئون الإسلامية ممثلة في مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ورابطة العالم الإسلامي ممثلة بلجنة الإعجاز للقرآن، وسواهما من الهيئات والمنظمات الإسلامية العالمية المعنية فهل يزاد من طباعة المصحف وتوزيعه إذ لا تزال الحاجة قائمة بالقرآن ولا يزال في المسلمين من يتعاقبون على المصحف الواحد؟ وهل يا ترى تزداد العناية بترجمة معاني القرآن بعدد من اللغات ليصل القرآن لكل راغب في البحث عن الحقيقة والوقوف على الجوهرة الثمينة؟ وهل من مشاريع أخرى لخدمة كتاب الله؟ وإذ نسمع بين الفتنة والأخرى عن مسابقات محلية أو عالمية في القرآن، وتحيي هذه البوادر الطيبة، فكم نتمنى أن ترحل هذه المسابقات للمسلمين في بلادهم ليتيسر لأكبر عدد من أبناء المسلمين الاستفادة من هذه المسابقات وكم هو طموح لو زيد في مدارس ومعاهد وكليات القرآن في مشرق العالم ومغربه، ليبلغ القرآن ما بلغ الليل والنهار. أيها المسلمون مشاريع كثيرة يمكن أن يفكر بها المسلمون ويدعموها في سبيل تعليم القرآن، وحينها ينتشر الهدى، ويكون الشفاء بالقرآن، ويعم النور وتنور البصائر، وتعم البشائر، وتعلو الفضيلة، وتنساح الحكمة، ويرتبط الناس

стр. 3486

بحبل الله، ويفرح المؤمنون بفضل الله وبرحمته وذلك خير مما يجمعون .. وحينها ينقلب السحر على الساحر، وينقلب المكروه إلى محبوب، ويعلم الأعداء إن للقرآن وزنًا عند المسلمين .. وأن التحدي والاستفزاز يدعوا المسلمين إلى مزيد الاستمساك بالقرآن وتعظيمه ونشره. أيها المؤمنون على أن حادثة تمزيق المصحف في غوانتناموا تلفت نظر المسلمين إلى ما يلقاه إخوانهم المسلمون المعتقلون هناك من إهانة وتعذيب آن الأوان لأن تنتهي وينصر المسلمون إخوانهم المستضعفين هناك، فثمة تأوهات تذهب أوراح الرياح .. وثمة أنين وحنين لا يسمع في لج البحار .. وثمة ظلم تعفيه الأمواج كالجبال، ولكن الله يسمعه من فوق سبع سماوات .. أما آن للظلم أن يرفع وللمظلومين أن ينصروا. لقد أفرج عن عدد من المعتقلين لاحتجاج هيئات، أو مدافعة محامين .. وبقي أعداد من المسلمين ينتظرون فرج السماء وشفاعة الأقرباء .. اللهم فارج الكربات نفس عن من سجن ظلمًا وعدوانًا .. اللهم آنس وحشتهم، وثبت قلوبهم على الحق، وأنزل عليهم السكينة والرحمة وأخرجهم من الظلم والظلمات سالمين غانمين .. اللهم اجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك، وانصر أهل القرآن على من دنسوه، اللهم من أرادنا أو أراد إسلامنا بسوء فاشغله بنفسه واجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميرًا عليه. اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين .. ودمر أعداءك أعداء الدين واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين.

стр. 3487

المبادرة (١) الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره .. إخوة الإسلام (المبادرة) لفظ جميل، ومعنى عظيم توحي بالجدية، وتشعر بالعزيمة، وتنبئ عن علو الهمة والمتأمل في كتاب الله وفي السنة النبوية يجد (المبادرة) أو ما يماثلها ويقاربها من الألفاظ (كالمسارعة والمسابقة) كثيرة، ولكن (المسارعة) في القرآن أكثر، و (المبادرة) في الحديث أكثر، أما (المسابقة) فقد وردت فيها على السواء (١). وأهل اللغة يقولون: المسارعة إلى الشيء المبادرة إليه (٢). وقد تجتمع لفظة (المسارعة) و (المسابقة) في آية واحدة ويوصف بذلك أصحاب الإيمان والخشية كما في قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] فما الفرق هنا بين المسارعة والمسابقة؟ كما قال المفسرون: يسارعون أي يسابقون من سابقهم إليها، ومعنى: (سابقون) السبق إلى أوقاتها، وكل من تقدم في شيء فهو سابق إليه (٤). أيها المسلمون المبادرة والمسارعة إلى الخيرات أمر دعى إليه القرآن، وحث عليه الإسلام قال تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ [البقرة: ١٤٨]، ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾ [آل عمران] وفي ذلك حث واستعجال على جميع الطاعات (٥).

стр. 3488

وقال ﵊: «بادروا بالأعمال» «والتؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة» صححه الحاكم ووافقه الذهبي) (١). فكيف حالنا مع المبادرة؟ وكيف كان حال أسلافنا؟ لماذا يعترينا الضعف أحيانًا في المبادرة؟ وما هي الأمور المعينة على المبادرة؟ لقد شهد تاريخنا المجيد ألوانًا من المبادرات الخيرة ودلل أسلافنا على أنهم أهل مبادرات ومسارعة إلى الخيرات. وهذا محمد ﷺ صاحب المبادرات وإمام المسارعين للخيرات .. ومن يقرأ سيرته يقف على الكثير من المبادرات لم يتوقف عنها في العهد المكي مع شدة وطأة الكفار وألوان المطاردة والحصار .. وها هو يدعو الخلق إلى الإسلام وهو محصور في الشعب .. ويفتح الفرص لأصحابه للدعوة حتى ولو كان خارج إطار مكة .. والهجرتان إلى الحبشة نماذج عالية للمبادرة والدعوة أما ودعوته العرب ﷺ في المواسم .. ثم ذهابه إلى الطائف لدعوة ثقيف فكل ذلك أدلة واضحة على قيمة المبادرة في السيرة. ثم كانت الهجرة للمدينة وما استتبعها من جهاد ودعوة مرحلة متميزة في المبادرات النبوية. أجل لقد بادر وحيد اليهود معاهدات شرقوا بها حتى نقضوها .. وبادر إلى بعث البعوث التعليمية والدعوية في المدينة وما جاورها، ومهما نزل بالمسلمين من مصائب وابتلاءات لهذه البعوث والمعارك فقد أدت هذه المبادرات دورها وسار صيت الإسلام في أرض العرب كلها .. بل تجاوزت مبادرات الرسول ﷺ أرض العرب لتصل إلى أرض الروم وفارس يوم أن بعث ﷺ الرسل وكتب

стр. 3489

الكتب لملوك الأرض يدعوهم إلى الله ويشرح لهم الإسلام ولم ينس قريشًا إذ بادرها بالحديبية، وفتح مكة، ودخل الناس في دين الله أفواجًا. وفي فترة وجيزة من الزمن تغيرت الحياة في الجزيرة .. وبدأ العد التنازلي للأمم المسيطرة حينها .. ولم يمت رسول الله ﷺ حتى أرسل سرية (مؤتة) إلى أرض الروم .. وبلغت دعوته كسرى وقيصر والنجاشي والمقوقس وهرقل .. ومن يدين بدينهم أو نتبع لسلطانهم مهم كان صحابته رضوان الله عليهم من بعده (مسارعين ومبادرين) وكانت حركة الفتح الإسلامي وأعداد الداخلين في الإسلام شاهدًا حيًا على هذه المبادرة. وهكذا استمر المسلمون بعدهم يدعون ويعلمون ويسيرون الجيوش حتى بلغ الإسلام شأنًا بعيدًا، ودخل العرب والعجم في دين الله أفواجًا. إن المتأمل في مبادرات المسلمين يرى أنها لم تكن قصرًا على القادة بل شملت القاعدة، ولم تكن خاصة بالكبار بل شارك فيها الشباب، ولم يتخل الضعفاء المعزورون بل شاركوا الأقوياء .. وكان للمرأة نصيبها من المبادرة ولم تكن قصرًا على الرجال، وإن مجتمعًا يشارك جميع أفراده بالمبادرات الخيرة لمجتمع خليق بالتقدير والبقاء .. ودونكم هذه النماذج للمبادرات. أ- فأبو بكر (صديق الأمة) وصاحب المبادرات في كل ميدان في الصدقة والجهاد، والصوم والصلاة، وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دعي من أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام، وباب الريان، فقال أبو بكر: ما على هذا الذي يدعى من تلك

стр. 3490

الأبواب من ضرورة، وقال: هل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر (١). إنها مبادرة وطموح، وهمة عالية تدعو أبا بكر للتفكير في الإسهام في مجالات الخير كلها، وإنما تجتمع أعمال البر وأنواع المبادرات في عظائم الرجال كأبي بكر الصديق ﵁. ٢ - وفي صحيح البخاري (كذلك) قال النبي ﷺ : من يحفر بئر رومة فله الجنة فحفرها عثمان، وقال: من جهز جيش العسرة فله الجنة فجهزه عثمان (٢) أجل لقد ورد أن عثمان اشترى بئر رومة بخمسة وثلاثين ألف درهم فجعلها للمسلمين، وأن عثمان جهز المسلمين بثلاثمائة بعير وفي رواية أنه جاء بألف دينار في ثوبه فصبها في حجر النبي ﷺ حين جهز جيش العسرة حتى قال النبي ﷺ : «ما على عثمان من عمل بعد اليوم. أو «ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم» (٣). لله درك يا عثمان وكذلك فلتكن المبادرات في خدمة الإسلام والمسلمين. ٣ - على أن المبادرات لا ترتبط بالغنى والجاه، وليست قصرًا على الأكابر والمشهورين، بل يصنعها الشباب وإن كانت شهرتهم أقل من غيرهم .. ودونكم هذه المبادرة الطموحة .. فقد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: إني لواقف يوم بدر في الصف، فنظرت عن يميني وشمالي فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما فتمنيت أن أكون بين أضلع منهما (أقوى) فغمزني أحدهما فقال يا عم أتعرف أبا جهل؟ فقلت: نعم، وما حاجتك

стр. 3491

إليه؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله ﷺ ، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر فقال لي أيضًا مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل وهو يجول في الناس، فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكم الذي تسألان عنه، فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه .. الحديث (١). تأملوا في همة هذين الشابين وطموحهما ونجاحهما في مبادرتهما، وإذا كانت تلك همة شباب هذا الجيل وغلمانهم فلا تسأل عن من فوقهم؟ ! ٤ - ويكفيك أن تعلم من همم أصحاب الأعذار وأولي الضرر ما يكشف عن مبادرات القوم .. وهذا عمرو بن الجموح يصر إلى أن يطأ بعرجته الجنة فيستأذن الرسول ﷺ في الجهاد في (أحد) فيأذن له فيقاتل ثم يكون في عداد الشهداء وابن أم مكتوم الأعمى يصر على أن يحمل راية المسلمين غازيًا معهم ويقول: ادفعوا لي اللواء فإني أعمى لا أستطيع أن أفر وأقيموني بين الصفين (٢). ٥ - وبقي أن تعلم من همم النساء ومبادراتهن أن منهن من أسلمت في ظروف المحنة والشدة بمكة، وثبتت على إسلامها، بل هاجرت إلى المدينة ولم يستطع أهلها أن يردوها كما صنعت أم كلثوم بنت عقبة بن معيط ﵂ وفيها وأمثالها نزل قوله تعالى: ﴿فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار .. ﴾ (٣). ومنهن من تطلعت إلى الجهاد على ثبج البحر فاستشهدت حيث طلبت كأم حرام حين غزت مع زوجها عبادة بن الصامت ﵄ فصرعتها دابتها فدقت عنقها وذلك في غزوة قبرس زمن عثمان ﵁ (٤) وكانت من قبل قالت

стр. 3492

لرسول الله ﷺ .. وهو يحدثها عن قوم يركبون البحر غزاة في سبيل الله - ادع الله أن يجعلني منهم، قال: «أنت من الأولين» فكانت منهم. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾.

стр. 3493

الخطبة الثانية إخوة الإيمان لا حصر لمبادرات المسلمين على امتداد تاريخهم حتى أصبحت هذه المبادرات سمة لهم ولأجيالهم وما عادت المبادرات في زمن أسلافنا مبادرات فردية بل كانت صفة لازمة للمجتمع والأمة، ولذا برز العلماء في شتى الفنون واشتهر عدد من قادة الجهاد ولمعت أسماء لا تحصى في الفتوح والثغور، وكثر العباد والزهاد، وانتشر المحتسبون والوعاظ، وكان المنفقون والمحسنون، ورحل الدعاة إلى كل صقع يحتاج إلى الدعوة والبيان، وكان عز الإسلام همًا للصغير والكبير، والذكر والأنثى والأثير والمأثور. إلى زماننا هذا ولا يزال في الأمة خير كثير، ورغم الحصار والتضييق فلا تزال المبادرات تترى، وكلما خيل للأعداء أنهم ضيقوا الخناق على الإسلام والمسلمين وإذا يخالقهم يجعل لهم من الضيق مخرجًا ومن المحن منحًا إلا أن ثمة نفرًا من المسلمين خيل لهم أن فرص الخير قلت وأن مساحة المبادرات قلت وخوفهم الشيطان من مكر الأعداء، وأوهمهم أن الجولة لغيرهم، والله يقول: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. وآخرون من المسلمين ظنوا أنهم يكفيهم أن يعيشوا على مبادرات سلفت لغيرهم، ونسي هؤلاء أن الزمان يتجدد، وأن الجديد يعتق، وأن الدعوة تحتاج على الدوام إلى متابعة وتجديد، وأن المبادرات إلى الخيرات لم تتوقف في التاريخ ولا ينبغي أن تتوقف. إن قيم الإسلام الأساسية، وأصوله الثابتة، لا مجالًا للمزايدة والتطوير .. ولكن الوسائل التي تبلغ بها هذه الثوابت قابلة للتجديد- حسب ما تقتضيه ظروف الزمان والمكان- وما لم يمس أصل من أصول الإسلام فالتحدي قائم

стр. 3494

في تطوير الأداء .. وتجديد ما أعتق من الوسائل، وإذا كنا نرفض منهج الذين يزعمون الإصلاح ويرون أن كل شيء قابل للتجديد- حتى وإن خالف نصوص الوحيين- فنحن كذلك نرفض منهج الجمود على القديم حتى وإن كان تحديثًا في الوسائل وتطويرًا في الأداء، ومسايرة للواقع بما لا يعارض ثابتًا في الدين أو نصًا من نصوص الشريعة. إن الجمود وعدم فقه الواقع معوق عن المبادرات التي تحتاجها الأمة وأن معرفة الواقع وفقهه سبيل معين على المبادرات الخيرة وأن الجهل بتاريخ الأمم وتجاربهم معوق عن التجديد والمبادرة. ومعرفة هذه التجارب وتقويمها والإفادة من الصالح منها سبيل ومعين على المبادرات النافعة .. إن من يستقرأ تاريخ المسلمين- في عصور العزة والتمكين- يرى أن هؤلاء تمكنوا من الإفادة من تجارب من سبقهم، لكنهم احتفظوا بأصالتهم وعزتهم، فاستفادوا من النظم، ولم يخضعوا أو بذلوا أو يضعفوا أمام أصحاب هذه النظم إلا حينما ضعفت الأمة ووقع الخلل في رجالها. واليوم يعيش المسلمون مأزقًا صعبًا، حيث يريد لهم أعداؤهم أن يصلحوا أوضاعهم لكن على منهج لا يستقيم مع إسلامهم .. ويراد لهم أن يتحضروا ولكن الثمن فقد هويتهم، ويراد لهم أن يغيروا نمط حياتهم ولكن البديل نمط وسلوكيات أعدائهم .. أنه تحدٍ لا بد أن ندرك مخاطرة وهو يسير باتجاه العولمة الغازية .. ويهيء السبيل لاستعمار العقول والأفكار بعد استعمار البلاد ونهب الثروات .. ليس يهم أن يفرض الإصلاح من الخارج أو من الداخل، ولكن المهم هو مدى قرب هذا الإصلاح أو بعده من شريعة الإسلام وليس يعنينا أن يتم التغيير

стр. 3495

في حياتنا على يد (جورج) أو بإسم (عبد الله ومحمد) ولكن الذي يعنينا ألا تستهدف القيم بالتغيير .. وألا يتعرض للثوابت بالنقض والإبرام وأن يصير المنكر معروفًا، والباطل حقًا .. فذلك فهم منكوس للإصلاح .. إن رياحًا عاتية تهب على منطقتنا .. بل وعلى عالمنا الإسلامي ولم يعد خافيًا أن ثمة مخططات تطبخ في دهاليز الغرب ويراد لها أن تطبق على دولنا ومجتمعاتنا .. بل عادت قضايانا مجالًا لمزايدة الناخبين في الغرب، ولم يخف الساسة هناك تعاطفهم مع الصهاينة اليهود لأن هذا التعاطف مؤثر على أصوات الناخبين، وسواء كان المرشح يهوديًا صرفًا أو متهودًا. وبإزاء هذه الأوضاع المتردية والتحالفات المريبة، والمخططات الظاهرة والخفية على المسلمين أن يدركوا حجم الخطر وأن يستعدوا لهذه النوازل، وأن يتعاونوا على البر والتقوى وأن يتشاوروا في أمرهم، وألا تكون الشقة بين الحاكم والمحكوم والعالم والعاصي، وأن يحذروا من يعيشون بين أظهرهم وهواهم مع أسيادهم، وإذا كان الهجوم على المسلمين كاسحًا .. فنصيب أهل السنة منه كبيرًا .. وقد أحاطت بهم المخاطر من كل صوب، وهم مستهدفون من أكثر من عدو .. وعليهم أن يستعينوا بالله وحده فهو فارج الكربات .. وعليهم أن يراجعوا أنفسهم، فما أصابهم من مصيبة فبما كسبت أيديهم .. وعليهم أن يركنوا إلى الله فهو ركن شديد وأن يبادروا بالأعمال الصالحة، وأن يفكروا على الدوام بالمبادرات النافعة فالماء يئس إذا ركد، والقافلة تسير، وعالم اليوم يقدر الأقوياء ويسحق الضعفاء، وإذا كان الإسلام قويًا في نظمه وتشريعاته فعلى المسلمين أن يكون على مستوى إسلامهم، وألا يهنوا ويحزنوا وهم الأعلون إن كانوا مؤمنين. نعم نحن أمة لا ترفض الاستفادة من تجارب وحضارة الأمم الأخرى،

стр. 3496

ولكنها تأبى على الذوبان والتأثر، وكلما كانت الأمة قوية كلما كانت كذلك، وأمامنا في التاريخ تجربتان حريتان بالتأمل والدراسة، كانت الأولى في زمن النبوة والخلافة الراشدة، حيث حفر الخندق، ودونت الدواوين، وبقيت الأمة محافظة على سمتها متميزة في منهجها، مستفيدة من تجارب غيرها. ثم كانت التجربة الثانية في زمن المأمون العباسي حيث حركة الترجمة ونقل علوم الآخرين .. وحين لم تكن الأمة على مستوى التحدي ولكن التجربة هذه المرة أصابت الأمة بلوثات فكرية وانحرافات سلوكية حيث بزغ فجر الكلام، ونجم التشيع والاعتزال، واتسع نطاق أهل الأهواء، ونشأ للناس-كما يقول الذهبي- علم جديد فرد مهلك لا يلائم علم النبوة ولا يوافق توحيد المؤمنين، وكانت الأمة في عافية منه .. وامتحن الناس على دينهم (١).

стр. 3497

عالمية الإسلام وواقع المسلمين ومستقبلهم (١) الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره .. إخوة الإسلام: الإسلام الذي تدينون الله به وتتشرفون بالانتساب إليه، دين عالمي، رضيه الله للناس كافة، وختم به رسالات السماء، ولا يقبل الله من أحد دينًا سواه ﴿رضيت لكم الإسلام دينًا﴾ ﴿ومن يبتغي غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه﴾. ابتدأت عالمية الإسلام مبكرة في زمن نبوة محمد ﷺ فقد أنزل الله عليه قوله: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرًا ونذيرًا ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ [سبأ: ٢٨] وهو محاصر مطارد في شعاب مكة، لم يستطع حينها من إقناع قومه (القرشيين) بالإسلام فضلًا أن يطلب من غيرهم الإيمان والإسلام. لكنها رسالة الإسلام هكذا ينبغي أن تكون، وكذلك ينبغي أن يستشعرها ويحملها المسلمون، فإن قصروا أو ضعفوا عن البلاغ والمجاهدة في وقت فلا ينبغي أن ينسوا طبيعة هذا الدين، وضرورة إبلاغه للعالمين، أينما مكنتهم الظروف. أجل لقد فهم محمد رسول الله والذين آمنوا معه طبيعة هذا النداء الرباني العالمي وشعروا بواجبهم تجاه العالم الآخر ولئن كابروا وتجاهل قومهم قيمة هذا الدين وحاربوا المؤمنين وآذوهم، فينبغي أن يحمل الدين إلى أرض أخرى وإلى قوم آخرين قد يكونون أكثر عدلًا وأحسن استجابة لنداء الفطرة الإلهية،

стр. 3498

وكانت الهجرة للحبشة- في زمن النبوة- نموذجًا للعالمية في دين الإسلام. وإلا ففرق بين الوطن الحبيب مكة، وأرض النعضاء البعداء- الحبشة- كما تصفها إحدى المهاجرات. وفرقة بين العرب والأحباش ثم كانت الهجرة للمدينة وكان الأوس والخزرج- وهم من أصول يمانية- أقرب للمسلمين المهاجرين من إخوانهم وعشيرتهم القرشيين وتشكل في المدينة رباط إيماني تجاوز العشيرة والقبيلة والأرض والوطن إلى أجواء العقيدة الحقة وقضاء الإخوة الإسلامية والأرض والوطن إلى أجواء العقيدة الحقة وفضاء الإخوة الإسلامية، وجاء الثناء عليه من فوق سبع سماوات ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ﴾ (١) ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وكانت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار حدثًا جديدًا لم يشهد له التاريخ مثيلًا في زمن الحروب الطاحنة والنعرات القبيلة والخصومات الجاهلية السائدة، وضيق العطن في التقوقع ضمن دائرة ضيق غاوية يعبر عنها الشاعر حينها بالقول. وهل أن إلا من غرية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد وفي المدينة تشكل مجتمع جديد تقوم علاقاته وتتوطد أواصره على الإيمان بالله وتنحصر محددات الكرامة فيه على (التقوى) ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾

стр. 3499

مع بقاء «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا». واختلط العربي بالفارسي والرومي بالحبشي وتعايش الأسود مع الأبيض واختلط الغني بالفقير، وقدموا للإنسانية جمعاء نموذجًا تعجز كبرى الحضارات السالفة واللاحقة عن تحقيقه، وتقف أكبر القوى البوليسية والنازية والقمعية عن تطويق؟ وصنعه الإسلام العظيم، وأشاد به القرآن الكريم وإنما المؤمنون أخوة، والمتتبع لأحداث السيرة النبوية يرى هذه العالمية في نقل رسالة الإسلام هدفًا للنبي المختار ﵊، وهاجًا لأتباعه المؤمنين من بعده .. أما النبي ﷺ فقد حرص على هداية قومه ودعوتهم حتى آخر لحظة، وكتب الله لبعضهم الهداية والرشد، ومات على الضلالة والكفر من أراد الله الشقوة والنكد، وربك أعلم وأحكم ولا يظلم أحدًا. وحين حيد رسول الله ﷺ قريشًا وحلفاءها بمعاهدة (الحديبية) وأدب اليهود المناوئين في (خيبر) وكسر شوكتهم، توجه بعد ذلك بخطة راشدة وتخطيط سليم للدعوة العالمية مخاطبًا الرؤساء والملوك والأمراء، وبعث رسله، وكتب رسائله يبشر بالإسلام ويدعو للدين الحق، ويقول للسادة والكبراء (أسلموا تسلموا) ومهما كان نوع استجابة هؤلاء المدعوين، فقد حصل البلاغ، وأوحي لهؤلاء المدعوين بأن قوة في الأفق تلوح، وأن دينًا في الكون جديد يبشر بالخير، ويدعوا للحق، وأن جيلًا صالحًا ينشر العدل ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر قد ظهر. ولم يمت محمد ﷺ إلا وقد دانت العرب بالإسلام واستجابت أطراف الجزيرة لنداء الإسلام، ووصلت خيل المسلمين إلى مملكة الروم ثم أتم الصحابة الأخيار ما بدأه حبيبهم وقدوتهم، فكانت حركة الفتح الإسلامي إيذانًا

стр. 3500

بانتشار الإسلام وتحطيم دول قامت على الكفر والظلم والاستبداد. وكانت العولمة أو العالمية (كما جاءت في المصطلح الإسلامي) هاجسًا ثم واقعًا مارسه مسلمون واثقون بدينهم، ملتزمون بقيمه حتى نجحوا في اختراق آفاق آسيا، وأفريقيا، والإمبراطورية الرومانية، والفارسية حتى يموت المجاهدون على أسوار القسطنطينية، أو يغرق في بحار الفرس، أو يستشهد في ما وراء النهر .. أو يقف على عتيات البحر ليقول: «والله لو أعلم وراء هذا البحر قومًا نبلغهم الدعوة للإسلام لامتطيت خيلي مجاهدًا إليهم. الله أكبر كم في هذه المجاهدة الراشدة من همم تموت لها أنفس الضعفاء .. ولا تنام لعزها أعين الجبناء؟ واليوم ما زاد هي المسلمون وكيف حال العالم الإسلامي؟ تقهقر وتبعية وذل وهوان، تغري أرضهم وتستعمر بلادهم وتنهب ثرواتهم، والهدف الأكبر سحق هويتهم، واستئصال إسلامهم، إنها عولمة منكوسة، وعالمية مرفوضة تلك التي تمارسها القوى الكبرى المعاصرة، وتريد بها غزو المسلمين، وفرض القيم والمبادئ الغربية المنحرفة، فهل يصح أن يستسلم المسلمون لهذا الغزو، وأن يكونوا مائدة لهذه العولمة الظالمة؟ فهل تليق أن يتخوف المسلمون من العولمة أم يمارسونها ويحققون عالمية الإسلام من خلالها؟ إن نزعة الهروب للداخل نزعة الجهلاء والجبناء، وهل يستطيع الهروب من تحاصره رياح العولمة العاتية أينما كان؟ إن ثمن الهروب أكبر من ثمن المواجهة .. والمواجهة ليست بالضرورة أن تكون بقوة السلاح، فقوة المبادئ والثقة بالنفس، والشعور بإفلاس الحضارات المادية في القيم والمبادئ، والتخلص من عقدة النقص والتجاوز لداء الإحباط، والدثر بالفأل المصحوب

стр. 3501

بالعمل والإنتاج كل ذلك سلاح مهم في المعركة المحتدمة اليوم. على المسلمين اليوم أن ينازلوا عدوهم بما يستطيعون من عدة، وألا يستسلموا للصيحات المخزلة والمرجفة .. فالعدو يشعر بقوة الإسلام، ويتخوف من اجتماع المسلمين بل بات الذين خططوا للعولمة وبشروا بها يتخوفون من آثارها عليهم، وبات الذين يسيرون حركة التاريخ ونهضة الشعوب يتخوفون من استثمار العولمة للمسلمين للتبشير بدينهم وترحيل ثقافتهم للآخرين .. وهؤلاء الغرب يدركون أن الثقافة الإسلامية قابلة للانتشار والقبول، وأن الحضارة الإسلامية مؤهلة للقيادة والريادة. ومن هنا بدأت أصوات في الغرب تنادي بتخفيف الحماس للعولمة، بل وبعضها يصرح بـ (خيبات العولمة) وثمة محاولات جادة يقوم بها اليوم بعض أنصار العولمة لكبح جماحها وإغلاق الطريق على من يحاولون الاستفادة منها لقد باتوا يصرحون أن من الأسلم لنا أن نغلق الأبواب على هذا العالم ليبقى العالم الإسلامي في محيطه الضيق، بدل أن يتعمق في أرضنا ويهزم حضارتنا، ويسرق أضواء العولمة لصالحه؟ إنها أصوات لها ما يبررها، في دنيا الواقع .. فهل يقدر المسلمون حجتهم، وهل يدركون ما أدركه الآخرون من فاعلية حضارتهم وتأثير دينهم والقبول بمبادئهم. ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢].

стр. 3502

الخطبة الثانية إخوة الإيمان كيف نشعر بالعالمية ونستثمر العولمة وبعضنا لا يتجاوز في تفكيره ومشاعره حدود نفسه أو عشيرته .. بينما تمر أمتنا بالكرم ويمارس بحق إخواننا المسلمين الجرائم والموبقات العظام؟ إن النصرة للمظلوم حق مشروع في ديننا، وهو في لغة السياسة أسلوب من أساليب الدفاع عنا، وعدونا إذا نجح في احتلال أرض إخواننا وجيراننا فلن يتوقف مده الظالم عنا. إن أي أمة تنطوي على نفسها وتخاف أعداءها، وتنكمش على نفسها، يأكلها خصومها، ويعتبرونها مادة خامًا وطعمًا رخيصًا وذلك ما حذر عنه المصطفى ﷺ بتداعي الأمم على أمة الإسلام كما تداعى الأكلة على قصعتها. إن أي أمة مهما كانت حضارتها لا ترضى أن تكون (المائدة الرخيصة) للآخرين .. وأمة الإسلام بقيمها وحضارتها أشرف وأكرم وأعز وأقوى أن تكون (قصعة) يتنافسون الطامعون في أكلها .. وكأنها ثروة من ثرواتهم المستخرجة من أرضهم .. أو نصيبًا لأيتام يتنادى لسرقتها اللئام؟ وكيف نتطلع إلى عولمة أو عالمية نفتح بها قلوب وبلاد قوم آخرين- وفينا- معاشر المسلمين- من تقف سلوكياته المنحرفة وأخلاقه الرديئة سدًا في اقتناع غير المسلمين بالإسلام. كيف نتطلع إلى نقل العالمية في الدعوة للآخرين وفنيا معاشر المسلمين من قصر في دعوة أهله وعشيرته الأقربين؟ أو أبنائه وطلابه الدارسين؟ كيف نتطلع للعالمية في دعوة الآخرين وفينا معاشر المسلمين سماعون للقوم الكافرين؟ كيف وفينا من لو خرج معنا ما زادنا خروجه إلا خبالًا وأورثونا فتنة وبلاء؟

стр. 3503

كيف نمسح غبار الهزيمة ونتخلص من عار التبعية وفينا من يتكلمون بألسنتنا ويعيشون بيننا وقلوبهم مع غيرنا؟ كيف نحمي بلادنا ونمنع العدوان يحوس أوطاننا .. وفينا من يدلهم على العورات ويرشدهم إلى المعابر وأقرب الطرقات؟ إنها أدواء وأمرض لا نبد أن نتعافى منها، ونعالج من مرض أو ابتلي بشيء منها. أيها المسلمون ولم يعد سرًا من الأسرار أن الذين حاصروا المسلمين وغزو بلادهم وحاولوا بالقوة فرض وجودهم .. هم اليوم يعيشون في مآزق، وتلاحقهم التهم، وتزعجهم الاستنكارات الرافضة لسياستهم .. ويودون لو خرجوا من الأزمة بسلام يحمي سوآتهم ويعيد الثقة بهم .. كيف لا وهم في كل يوم يواجهون مشكلة .. ويسمعون أو يرون لافتات تندد بسيادتهم ومؤشرًا لاقتصاد بدأ يتحول للأسوأ نتيجة الإنفاق الكبير للحرب المدمرة والكتاب الغربيون يفصحون عن وضع متدن في الاقتصاد، ويكتب أحدهم مقالًا بعنوان (لا أمل ولا عمل) في جريدة نيويورك تايمز) ويقول إن أمريكا تمر بأطول زمن تراجع اقتصادي (١). وتشير لغة الأرقام أن تكلفة الجندي الأمريكي خارج أمريكا تكلف ربع مليون دولار في العام تقريبًا (٢). وثمة مبشرات للعالم الإسلامي توحي ببغضه ووعيه وتمهله من غطرسة المستعمرين، وتلك سيكون لها شأنها في المستقبل إن شاء الله فالحصار المادي لا يعني حصار القيم، والهزيمة العسكرية لفترة من الفترات لا تعني دوام النصر للمعتدين.

стр. 3504

فالمسلمون الذين أصيبوا في (أحد) وجدوا أنفسهم محاصرين وراء خندق ضيق ولكن الحصار المكاني لم يحاصر الفكرة، ولم يمت روح المقاومة، وفي غضون سنة قلب الحصار وانتقل المسلمون (بقيادة محمد ﷺ من الدفاع إلى الهجوم وعاد خصومهم الظالمون في دائرة الحصار وبين خيارات أحلاها فرٌّ، فإما أن يسمحوا للمسلمين بدخول مكة .. وإما أن يعقدوا معهم معاهدة يعترفون بقوتهم ويوقعون على عدم الهجوم عليهم. أيها المسلمون وفي مسلسل المبشرات للمسلمين أن لغة الإحصاءات تشير إلى زيادة في عدد المسلمين وانقراض في نسب أعدائهم .. واليوم يتحدث أحد أساتذة (اكسفورد) عن الوجود المتزايد للمسلمين في أوربا، وعن المسلمين المغاربة في أسبانيا، والجزائريين في فرنسا، والأتراك في ألمانيا والباكستانيين في بريطانيا ويقول: يكفي أنني اشتريت جريدة من بائع مسلم وملابس من مغسلة لمسلم، وأحضرت علاجي من صيدلية مسلم. كل هذا في شمال أوكسفورد (١). ومن هنا فلا يستغرب أن شرق قادة الغرب بالمسلمين .. وهاجموا وأغلقوا مراكزهم وأماكن عيادتهم .. ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره. إن على المسلمين أن يتقوا بربهم في النصرة والتمكين .. وعليهم قبل ذلك أن يصلحوا حالهم ويغيروا ما بأنفسهم، ويجمعوا كلمتهم وبالمعتقد الصحيح، وبالعلم الراشد والعمل الرشيد يتحقق للمسلمين ما وعدوا به. ومن الضعف أن يتعلقوا بمبتدعات لا أصل لها في الدين، ويقيموا احتفالات لم يأذن بها الشرع .. كمن يقيمون الاحتفالات في السابع والعشرين من شهر

стр. 3505

رجب ظنًا منهم أن ذلك زمن الإسراء والمعراج .. ولم يثبت من ذلك شيء .. والأمة اليوم أحوج ما تكون إلى تصحيح المسار .. والتجاوز عن أمور شكلية إلى أمور جوهرية في الدين .. يبدأ العولمة بإصلاح نفسه- وفق تعاليم الإسلام الحقة- ثم يدعوا غيره للهدى والرشاد .. ولن يمكن المسلمون في الأرض حتى يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر .. ولله عاقبة الأمور .. اللهم أصلح أحوال المسلمين ..
следующие страницы →