أما الذين تلوك ألسنتهم الكذب، ويزعمون أن الإسلام ظلم المرأة ويكرهون أن تكون دية المرأة نصف دية الرجل، وشهادة المرأتين بشهادة رجلٍ واحد، أو يحاربون تعدد الزوجات بشتى الوسائل أو يعتبرون تشريعات الإسلام، تلك أو مثيلاتها تقاليد عفا عليها الزمن، ولا تناسب المدنية المعاصرة فأولئك يكفرون بما أنزل على محمد ﷺ ، وإن عملوا به، وهم في عداد المنافقين، وإن صلوا وصاموا مع المسلمين ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (١).
إنه مسلك خفي خطير، لابد أن يعالج المرء نفسه عن الوقوع في شراكه، فلا يكفي أن يعمل المسلم بشرائع الإسلام وهو يجد من نفسه كرهًا لشيءٍ فيها ... بل لابد من الرضا والتسليم، وانتفاء الحرج ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (٢).
أيها المسلمون، وثمة استدراكٌ لطيف في عدم الاستعجال بالحكم على الناس ببغض ما جاء به الرسول ﷺ نتيجة خطأٍ واقع يجليه أحد العلماء العارفين ويقول: ومما ينبغي التنبيه عليه أن كثيرًا من الناس قد تبين له منكرًا ما، فيرفض القبول، ولا يقبل ما تقول، خصوصًا عند ارتكابه، فهذا لا يطلق عليه أنه مبغض لما جاء به الرسول دون تفصيل، لأنه قد لا يقبل الحق الذي جئته به، لا لأنه حق، ولكن لسوء تصرُّفك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلو جاءه غيرك وبين له نفس المنكر لقبل وانقاد، أو أنه لا يقبل منك لما بينك وبينه من شيءٍ ما، فهذا لا يسمى مبغضًا لما جاء به الرسول ﷺ ... إلى أن يقول: وهناك من
стр. 387
يلزم صاحبه المعصية بما لا يلزم، فيلزم حالق اللحية، ومسبل الإزار، وشارب الخمر مثلاً، وغيرهم ببغض ما جاء به الرسول ﷺ من الأمر بإعفاء اللحية، وعدم الإسبال، والنهي عن شرب الخمر، فيقول لهم: لولا أنكم تبغضون ما جاء به محمد ﷺ لما فعلتم هذه المنكرات. وهذا إلزامٌ باطل، فهناك من الصحابة من حصلت منه بعض المخالفات كشرب الخمر مثلاً، ولم يلزمه أحد من الصحابة بذلك الإلزام، بل كما أُتي بشارب الخمر إلى النبي ﷺ ، ولعنه بعض الصحابة، وقال: ما أكثر ما يؤتى به! نهاه النبي ﷺ عن لعنه وقال: «إنه يحب الله ورسوله» (١).
إنه العدل في القول، والرفق في النصح، وعدم الاستعجال في إصدار الأحكام على الآخرين، دون تذويب لشرائع الإسلام، أو مداهنة في النصح تتكاثر بسببها الفواحش والآثام.
ألا وإن في دائرة الإسلام متسعًا لمن زلت بهم القدم، أو غلبت عليهم الشهوة، أو استحوذ عليهم الشيطان فترة ثم تابوا وأنابوا إلى ربهم شريطة أن يبقوا محبين لله ورسوله، غير مبغضين لشيءٍ من شريعة الله، وكيف نؤسس من لم يقنطه الله من رحمته.
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ﴾ (٢) ... ولكن يقال لكل من خالف أمر الله:
стр. 388
احذر سوء العاقبة الواردة في قوله تعالى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١).
الناقض السادس: من نواقض الإسلام: من استهزأ بشيء من دين الرسول ﷺ ، أو ثوابه، أو عقابه، كفر والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ (٦٥) لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٢).
ويوضح معنى الآية سبب نزولها، فقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهم عن عبد الله بن عمر، ﵄، قال: (قال رجل في غزوة تبوك في مجلس يومًا: ما رأينا مثل فرائنا هؤلاء، أرغبُ بطونًا، ولا أكذبُ ألسُنًا، ولا أجبنُ عند اللقاء، فقال رجلٌ في المجلس: كذبت، ولكنك منافقٌ لأخبرن رسول الله ﷺ ، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، ونزل القرآن، قال عبد الله: فأنا رأيته متعلقًا بحقب ناقة رسول الله ﷺ ، والحجارة تنكبه وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، والنبي ﷺ يقول: أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟ ) (٣).
والاستهزاء سخريةٌ واستخفاف، وإنما كان الاستهزاء بالدين كفرًا لأنه يدلُ على الاستخفاف، والعمدة الكبرى في الإيمان تعظيم الله بأقصى الإمكان، والجمع بين الأمرين محال (٤).
يقول ابن قدامة، يرحمه الله: ومن استهزأ بالله تعالى أو بآياته أو برسله أو كتبه كفر .. ثم أورد الآية، ثم قال: وينبغي أن لا يُكتفى من الهازئ بذلك بمجرد الإسلام حتى يؤذن أدبًا يزجره عن ذلك (٥).
стр. 389
أيها المسلمون، والاستهزاء مؤشر لعدم تصديق القلب، ولذا قال ابن تيمية- ﵀: (إن التصديق بالقلب يمنع إرادة التكلم، وإرادة فعلٍ فيه استهانة واستخفاف، كما أنه يوجب المحبة والتعظيم) (١).
والاستهزاء خصلةٌ من خصال المنافقين الذين تضيق صدورهم بهذا الدين وأهله، ولا يجرؤون على التصريح فيعمدون إلى التلميح، وربما ضعفوا عن إعلان ذلك في مجتمع الخيِّرين، فتداولوا ذلك في مجتمعات البطالين. والاستهزاء كفرٌ، وإن اعتذر أصحابه، أو ظنوا بأنفسهم أنهم لم يأتوا كفرًا، كما تفيد الآية وكما قرر أهل العلم (٢).
ألا ما أعظم الاستهزاء سواء كان تصريحًا أو تلميحًا، ويتعاظم خطره في زمن باتت الكلمة فيه تسري بالآفاق، وتتناقلها وسائل الإعلام المختلفة في المشارق والمغارب.
ألا وإن واجب المسلم أن ينتصر لدين الله حين ينال بشيء من الاستهزاء، وأن يعتزل مجالس المستهزئين حتى يخوضوا في حديث غيره، وكذلك أمرنا خالفنا، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾ (٣).
стр. 390
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، يقصُّ الحقَّ وهو خير الفاصلين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، فصلوات ربي وسلامه عليه، وعلى سائر إخوانه من الأنبياء ..
إخوة الإسلام، أما الناقض السابع من نواقض الإسلام فهو السحر- ومنه الصرف والعطف- وسأرجى الحديث عنه لأخصه بخطبة منفردة.
الناقض الثامن: مظاهرة المشركين، ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (١) والمظاهرة هي المناصرة، والأصل أن تكون للمسلمين «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا ... » الحديث .. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ (٢).
وإنما تكون المناصرة للمشركين ومعاونتهم على المسلمين في فترات ضعف الإيمان من جانب، وضعف السلطان من جانب آخر.
ولا شك أن مظاهرة المشركين تمكينٌ لهم، وفي التمكين لهم غلبة لدينهم، ولا يخفى على عاقل فضلاً عن مسلم ما في ذلك من ضير على الإسلام وأهله، وما ينجم عنه من فتن ورزايا يراها الناس رأي العين، تراق لها الدماء، وتستباح الحمى، وتغتصب النساء، وتهدم العوامرُ من بيوت الله ... فضلاً عن المنشآت
стр. 391
الحيوية الأخرى .. وكل ذلك يقع لأن المسلمين تفرقوا شيعًا، وظاهروا إن من لم يرقُب فيهم أو في إخوانهم إلاً ولا ذمة.
ولو أن المسلمين اعتصموا بحبل الله جميعًا ولم يتفرقوا، وساد حكم الشريعة التي ينتمون لها أنظمتهم كلها، وأقاموا الدين منزلته التي أنزله الله إياها.
لو وقع هذا لتغير الحال، ولامتدت روافد الإسلام إلى أصقاع المعمورة بدل أن يكون شغل المسلمين الشاغل الدفاع عن حقوقهم المشروعة، والتشبث بهويتهم الأصلية. وصدق الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١).
الناقض التاسع من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد ﷺ ، كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى ﵇ فهو كافر، ذلكم لأن شريعة محمد ﷺ ناسخة للشرائع السماوية قبلها، والقرآن مهيمنٌ على الكتب قبله، وقد حكم الله أنه لا يقبل دينًا غير دين الإسلام، وأخبر ﵊ (أنه لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة، يهوديٌّ ولا نصراني، ثم يموت ولا يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلا كان من أصحاب النار) (٢).
فإذا كان هذا شأن اليهود والنصارى فلا تسأل عن غيرهم، بل لقد أبصر النبي ﷺ في يد عمر بن الخطاب، ﵁، ورقةً من التوراة فقال: «أمتهوكون يا بن الخطاب؟ ! لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولو كان موسى حيًا واتبعتموه وتركتموني لضللتم» وفي رواية «لو كان موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي، قال عمر: رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا (٣).
стр. 392
فإذا كان النبي في شأن التوراة هكذا، والأمر بالاتباع لمحمد ﷺ حتى ولو كان من قتل موسى .. فلا شك أنه لا مسوغ لأحد كائنًا ما كان أن يتبع غير شريعة الإسلام، أو يهتدي بغير هدي القرآن، ويتم لا يكون ذلك كذلك وقد أكمل الله الدين بشريعة محمد ﷺ ، وأنزل عليه القرآن فيه بيان كل شيء ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ (١).
والذين يرغبون عن صراط الله المستقيم تتفرق بهم السبل، وتستحوذ عليهم الشياطين، والله يقول: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ (٢).
أما الذين يجنحون إلى أفكار ضالة ومبادئ منحرفة، ونحلٍ فاسدة، أو يتشبثون بالإلحاد أو بالعلمنة، أو الحداثة فأولئك ضلوا السبيل، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، ومن يضلل الله فما له من هاد.
الناقض العاشر من نواقض الإسلام: الإعراض عن دين الله تعالى، لا يتعلمه ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ (٣).
والمراد بالإعراض هنا، الإعراض عن تعلم أصل الدين الذي به يكون المرء مسلمًا، ولو كان جاهلاً بتفاصيل الدين الأخرى، إذ العبادة هدف الخلق ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (٤).
стр. 393
ولابد من عبادة الله بما شرع الله، ولا يتوصل إلى ذلك إلا بالمعرفة التي يطبقها عادة الناس، وليست بالمعرفة الخاصة بالعلماء، وكذلك العمل فالمقصود به العمل بأصول الإسلام التي بها يحكم بالإسلام. قال الشيخ ابن سحمان يرحمه الله: ( ... إن الإنسان لا يكفر إلا بالإعراض عن تعلم الأصل الذي يدخل به الإنسان في الإسلام، لا بترك الواجبات والمستحبات) (١).
ويجلي الإمام ابن القيم ﵀ الإعراض بقوله: (وأما كفر الإعراض فإنه يعرض بسمعه وقلبه عن الرسول ﷺ ، لا يصدقه ولا يكذبه، ولا يواليه، ولا يعاديه، ولا يصغي إلى ما جاء به البتة) (٢).
نعوذ بالله من الصدود والإعراض، وما أعظم زواجر القرآن لمن عقل، والله يقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ (٣).
ألا وإن الجزاء من جنس العمل، ومن يزرع الشوك لا يحصد العنب! إخوة الإسلام، ثم يختم الشيخ محمد بن عبد الوهاب يرحمه الله هذه النواقض بتنبيه مهم يقول فيه: (ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف، إلا الكره، وكلها من أعظم ما يكون خطرًا، ومن أكثر ما يكون وقوعًا فينبغي للمسلم أن يحذرها، ويخاف على نفسه فيها) (٤).
اللهم احفظ علينا ديننا، وحبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين.
стр. 394
نقد الذات لماذا ؟ (١)
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا فضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر أنبياء الله ورسله، وارض اللهم عن آله المؤمنين، وصحابته الطاهرين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فاتقوا الله معاشر المسلمين، وراقبوه، واعلموا لأنه يعلم السر وأخفى، وما يخفى على الله من شيءٍ في الأرض ولا في السماء ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾ (٢).
إخوة الإيمان، وهناك مرض يسري فينا وقد لا نأبه كثيرًا بعلاجه، إنه العجب بالذات وعدهم الشعور أو الاكتراث بالأخطاء الذاتية.
وثمة عيب يحيط بنا وتكاد أبصارنا تتجاوزه إلى أخطاء الآخرين وكأنما الشاعر يخاطبنا بقوله:
نعيب زماننا والعيب فينا ... وما لزماننا عيب سوانا
ولهذا وذاك تتراكم الأخطاء في حياتنا، ونُهملُ ذواتنا، ونستغرق في نقد الآخرين، فما من نازلة تنزلُ بنا إلا وننسبها لغيرنا، وما من مصيبة تصيبنا إلا ونحملها أعداءنا ...
أما أن نلتفت إلى أنفسِنا، ونفتش في عيوبنا فذلك أمرٌ يصعب علينا التعامل معه بجدٍّ وإخلاص.
стр. 395
إن نقد الذات من سمات العقلاء، والتأمل في النفس جاءت به شريعة السماء، أما إحالة الأخطاء كلها على الآخرين فذلك أسلوب العاجزين، وهو أقصر الطرق للهروب من المشكلات وتعليل الكائنات، وتزكية النفس جاءت نصوص الشرع ناهية عنه كما في محكم التنزيل: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (١) بل هو أحيانًا ضربٌ من الكذب وكفى به إثمًا مبينًا كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٤٩) انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُّبِيناً﴾ (٢).
إخوة الإسلام، ويذكرنا القرآن بهذا الداء، ويرشدنا الحق ﵎ إلى الدواء ويقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (٣).
ويقول تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٤).
أجل، لقد قيل لصحابة رسوله الله ﷺ :
﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٥).
لقد استغربوا ما حصل من المصيبة يوم أحد، وقالوا: من أين أصابنا هذا الانهزام والقتل، ونحن نقاتل في سبيل الله، ونحن مسلمون، وفينا النبي والوحي، وهدم مشركون (٦)؟ فجاء الرد الإلهي درسًا بليغًا ومعلمًا لهم ولغيرهم
стр. 396
من المسلمين ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ فالإخلال بطاعة الرسول ﷺ ، والميل ولو قليلاً إلى الدنيا، يستحق العقوبة في الدنيا، ولو كان المخطئون من خيار خلق الله وفيهم الرسول ﷺ !
ولم يكن درسُ أُحد الأول والأخير من نوعه، فحينما أعجبَ المسلمين كثرتهم في حنين، وساد شعور عند بعضهم أنهم لن يُغلبوا من قلة، وقع لهم ما وقع من الضيق والهزيمة وولوا على إثرها مدبرين، ومع أن الله أنزل السكينة على رسوله والمؤمنين، وتبدلت الهزيمة نصرًا، فقد أنزل الله من آيات القرآن ما يكفي للعظة والاعتبار عبر القرون ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ (١).
أيها المسلمون، إن ضعف نقد الذات أو تناسي أثر الخطيئة، أو التقليل من شأن عيوب النفس مدخلٌ واسعٌ من مداخل الشيطان، وهو قيدٌ دون بلوغ المعالي، وسببٌ مهمٌ من أسباب تأخر النصر. ويتساءل البعض أذلك أمر واقع؟ ماذا كان فما هي مظاهر ضعف نقد الذات؟ وما هي الآثار السيئة التي تخلفها على الفرد والمجتمع؟ وكيف الطريق لنقد ذواتنا وإصلاح أنفسنا؟ وهل من نماذج تُضيء طريقنا؟ .
إن الواقع خير شاهدٍ على ضعف الاهتمام بهذا الجانب المهم، ولكن من الناس من يمارس هذا الداء وهو به عالم، وإنما يمارسه استخفافًا بعقول الآخرين، أو مخادعة ونفاقًا للمسلمين. وهؤلاء غير معنيين بحديث اليوم فلهم حديثٌ آخر أخصُّ وأشملُ. أما الصنف الآخر فهم الذين يجهلون الداء وإن كانوا واقعين فيه، ويستغربون الأمر وإن كانوا من أهله ..
стр. 397
حديث اليوم يتجه أكثر للخيرين، ويخاطب أولاً الطيبين الذين ربما تصوروا أنهم خارج الدائرة، وأن غيرهم من أهل الفجور والعصيان، هم السبب الأول والأخير في كل نازلة تنزل بالمسلمين، وبكل محنةٍ يمتحن بها المؤمنون.
إن من أبرز مظاهر هذا الداء أن هذا الصنف في الناس يسهلُ عليه تحميلُ الأخطاء على الآخرين، وكلما حصلَ ضيقٌ أو فتنةٌ كان التبرير خارج إطار النفس جاهزًا، أما أن يتجه بالنقد للذات .. ، أما أن تتهم النفوس، وتُبلى السرائر، فذلك آخر خاطر يرد على النفس.
ومظهر آخر يتمثل في التهاون بأثر المعصية، وترانا لا نقيم وزنًا للخطيئة نقترفها، ولا نظن بقاء أثر لها في حياتنا، وما أحوجنا أن نتذكر مقولة أنس، ﵁، (إنكم لتعلمون أعمالاً هي أدقُّ في أعينكم من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات) (١).
وفي كتاب الزهد لأحمد عن محمد بن سيرين أنه لما ركبه الدين اغتم لذلك فقال: إني لأعرف هذا الغنم بذنب أصبته منذ أربعين سنة (ابن القيم: الداء والدواء/ ١٠٢).
يقول ابن القيم ﵀: وهاهنا نكتةٌ دقيقة يغلط فيها الناس في أمر الذنب، وهي أنهم لا يرون تأثيره في الحال، وقد يتأخر تأثيره فيُنسى، وسبحان الله كم أهلكت هذه النكتة من الخلق؟ وكم زالت من نعمة وكم جلبت من نقمة؟ وما أكثر المغترين بها من العلماء والفضلاء فضلاً عن الجهال (٢) وثالث هذه المظاهر عجبنا بالطاعة نؤديها، وعدم تخوفنا من عدم قبولها، وما أروع حال النفس بين
стр. 398
الخوف والرجاء، تقدم الخير راجية عفو الله، وتزري بنفسها خشية عدم القبول، ومن مأثور ما يستملح في هذا ما روي عن عبد الله بن الإمام الحجة بكر بن عبد الله المزني (رحمهما الله) قال: سمعت إنسانًا يتحدث عن أبي أنه كان واقفًا بعرفة، فقال: (لولا أني فيهم لقلت قد غفر لهم) (١).
أما المظهر الرابع من مظاهر ضعف نقد الذات فهو الانشغال عن عيوب النفس بتعداد عيوب الآخرين، وإضاعة الأوقات بتقييم أعمال العاملين، وكان الإنسان ينصب نفسه حكمًا فيصوب هذا ويخطئ ذاك، وينسى نفسه في زحمة المحاكمات والموازنات.
ومن عيون الشعر قول القائل:
يا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليمُ
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهتْ عنه فأنت حكيمُ
ويل الخلي من الشجي فإنه ... نصب الفؤاد لشجوه مغمومُ
وترى الخير قرير عين لاهيًا ... وعلى الشجر كآبة وهموم
وينتج عن هذا مظهر خامسٌ يتمثل في تقصير الإنسان بحقوق خالقه أو خلقه، كالتهاون في العبادات البدنية، أو استثقال العبادات المالية، أو التفريط في الواجبات، أو التساهل في أمر المحرمات ... أو ما شابه ذلك من حقوق الله. أما حقوق الخلق فبمنع حقوقهم، أو الاعتداء على أعراضهم، أو التقصير في شيء من واجباتهم .. ويترتب على ذلك انحراف في الطبع، وشرهٌ في النفس، واستصحاب الأدواء المهلكة كالكبر والعجب والحسد ونحوها.
стр. 399
عباد الله، وثمة مظهرٌ من مظاهر ضعف نقد الذات يتمثل في كرهنا لنقد ذواتنا والتطلع إلى الثناء يُهدي إلينا .. ويطيب لنا الحديث عن الحسنات والإيجابيات، ونضيق حين ذكر السيئات والسلبيات، بل نحب حديث المجامل وإن أدركنا خطأه في الفهم، وتعلونا الكآبةُ حين يتحدثُ الناصح بشيء من عيوبنا وإن كان واقعًا؟ .
ومن المظاهر كذلك أن نحتجز طاقةً نمتلكها، ونبخل بجهد يسهلُ علينا تقديمه خدمة لدين الله .. وفرق بين من يحتجز طاقة يملكها ويبخل بالخير يقدمه لنفسه وللمسلمين، وبين من يبلغ به الإيمان والتجرد من حظوظ النفس إلى درجةٍ يبذل ما هو معذورٌ ببذله، ودونكم هذا المثال فتأملوه: قال أنس بن مالك، ﵁، رأيت يوم القادسية عبد الله بن أم مكتوم، ﵁، وعليه درع يجر أطرافها، وبيده رايةٌ سوداء فقيل له: أليس قد أنزل الله عذرك؟ قال: بلى، ولكني أكثر سواد المسلمين بنفسي (١).
لله درك يا ابن أم مكتوم وأنت تفهم هذا الفهم، رجل أعمى، وشيخ كبيرٌ قد عذرك الله، ولكنك تصر على الجهاد في سبيل الله، لا لتنكأ بالعدل فأنت لا تستطيع ذلك - فإذ لم تستطع فيكفيك أن تكثر سواد المسلمين- فهل رأيتم مثل هذه الإيجابية والفدائية وما أرخصها في سبيل الله؟ .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (٩٥) دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ (٢).
стр. 400
الخطبة الثانية
الحمد لله أمر بالصدق ورتب الجزاء للصادقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله تعوذ من العجز والكسل، وأمر بالجهاد والعمل، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر المرسلين الذين جاهدوا في الله حق جهاده فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين.
أيها المسلمون، ومما يسهم في إصلاح أنفسنا ويؤكد ويعين على نقد ذواتنا أن نستشعر المسؤولية الفردية في عمل الدنيا وجزاء الآخرة، وربنا ﵎ يقول:
﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً (١٣) اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (١٤) مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (١).
ويقول جل ثناؤه: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ (٢).
ويقول: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ (٣).
فاستشعار المسلم لهذه الحقيقة كفيلٌ بإصلاح ذاته وإقامتها على منهج الله واستصلاح من استرعاه الله إياه من أهل وولد، استجابةً لقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (٤) الآية: :
стр. 401
ومن عجبٍ أن ترى بعض الناس إذا جاء الحديث عن ضعف المسلمين في التمسك بدينهم له القدح المعلى في النقد والتعليق، وقد يكون هو جزءًا من هذا الواقع المشين ولو أنه عوض الكلام بالعمل، وأسهم بحل المشكلة بفعله لا بقوله وأصلح نفسه ومن حوله لصلح أمر الإسلام وعز المسلمون، وهل المجتمع الإسلامي إلا مجموعة من الأفراد والأسر والمجتمعات، يؤثر في مجتمع المسلمين صلاح أو فساد أي منها؟ .
ذلك مظهر إيجابي من مظاهر نقد الذات، ولا يقف الأمر عن هذا الحد فثمة مظهر آخر يتمثل في حماية سفينة المجتمع كله من الغرق، وأي مسلمٍ لا يهمه أمر المسلمين؟ وأي إسلام يقعد بصاحبه عن الإنكار على المستهترين بحرمات الدين؟ . وهل يصح أن ترى المنكر وأنت قادرٌ على إنكاره، ثم يُخَّيل إليك أن غيرك مسؤول عنه؟ والرسول ﷺ يحملك المسؤولية ويقول: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع قبقلبه وليس وراء ذللا من الإيمان حبة خردل».
فأنت مدعو للمشاركة في حماية حرمات المسلمين وأعراضهم وأموالهم وكراماتهم، وما أروع حياة السلف وهم يفهمون النصح دينًا واستصلاحًا، والإنكار منهجًا للتغيير والإصلاح لا تشهيرًا، فلا يتردد الآمر، ولا يتبرم المأمور، ويبقى الود والصفاء وحسن الظن وإن اختلفت وجهات النظر، وفي قصة الفاروق مع سيف الله المسلول، ﵄، نموذجٌ رفيع لأدب المعاملة بين الآمر والمأمور، فعمر، ﵁، لمصلحة رآها، يعزل خالدًا عن قيادة الجيش في الشام ويولي مكانه أبا عبيدة بن الجراح، ﵁، فيسمع ويطيع، بل ويجعل وصيته في النهاية إلى عمر، وعمرُ، ﵁، حين بلغه موت خالد، ﵁، ينصفه ويثني عليه
стр. 402
ويترحم ويقول: كان والله سدّادًا لنحر العدو، ميمون النقية (١) ... وحين جاءت تركة خالد فلم يوجد بها إلا فرسه وسلاحه وغلامه، لم يتمالك عمر أن يقول:
(رحم الله أبا سليمان كان على ما ظنناه به) (٢) فهل رأيتم كهذا العدل في القول والفعل؟ .
وهذا سليمان بن عبد الملك يجتاز المدينة في طريقه إلى مكة، ويرسل إلى أبي حازمٍ شيخ المدينة فيسأله: يا أبا حازم، ما لنا نكره الموت؟ فأجابه بكل صدق وصراحة: لأنكم خربتم آخرتكم وعمّرتم دنياكم، فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب، قال سليمان: كيف القدوم على الله يا أبا حازم؟ قال: يا أمير المؤمنين أما المحسن فكالغائب يقدُم على أهله، وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه ... وتمضي هذه الكلمات الصادقة لتلامس قلب الخليفة فلا يسعه إلا أن يبكي ويقول: ليت شعري فما لي عند الله؟ .
قال أبو حازم: اعرض نفسك على كتاب الله تعالى حيث يقول: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ (٣)، إلى آخر القصة التي آخرها أشدُ من أولها، لكنها الكلمات الصادقة ينفع الله بها، ويقدّرها حق قدرها العارفون (٤).
يا أخا الإسلام، ومن الإيجابية في نقد الذات واستصلاح النفس ألا ترى سبيلاً للدعوة لدين الله ونشر الخير وأنت قادرٌ عليه إلا سلكته، وقد أودع الله في كل إنسان من الطاقة ما يستطيع بها، بعون الله، أن يسخرها في الخير الذي هو مستطيع له، ومن السلبية أن نظن أن أمر الدعوة خاص بفئة معينة، ومن علائم
стр. 403
فقدان نقد الذات أن تشغل نفسك بتقويم عمل فلان، وتخطئة علان من الناس، وأنت بعيد عن الساحة، سلبي في المشاركة .. كيف لا وأنت مدعو للمشاركة في التجارة الرابحة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١).
ومم يعين على نقد الذات واستصلاح النفس اختيار أفضل طرق العقلاء فيما يحققون به السعادة لأنفسهم، قال بعض العلماء: (فكرتُ فيما يسعى فيه العقلاء، فرأيت سعيهم كله في مطلوبٍ واحد، وإن اختلفت طرقهم في تحصيله، رأيتهم جميعًا إنما يسعون في دفع الهم والغم عن نفوسهم، فهذا بالأكل والشرب، وهذا بالتجارة والكسب، وهذا بالنكاح، وهذا بسماع الغناء والأصوات المطربة، وهذا باللهو واللعب، فقلت: هذا المطلوب مطلوب العقلاء، ولكنّ الطرق كلها غير موصلةٍ إليه، بل لعلّ أكثرها إنما يوصلُ إلى ضده، ولم أر في جميع هذه الطرق كلها طريقًا موصلة إليه إلا الإقبال على الله ومعاملته وحده، وإيثار مرضاته على كل شيء) وعلق ابن القيم على ذلك موافقًا ومؤكدًا (٢).
يا أخا الإيمان، وثمة طرقٌ أُخري لاستصلاح النفس ونقد الذات، إن فكرت فيها وجدتها، وليس هذا حصرًا لها، والمهم أن تستشعر دائمًا عظمة نعمة الله عليك وتقصيرك في شكرها، وأن تتصور أن كل مصيبة نازلة بالمسلمين فلك سهمٌ في وجودها وفي رفعها بإذن الله، وأن يلاحقك هم المسلمين وواقع المسلمين في كل مكان، فلا ترى ثغرةً ينفذ منها العدو إلا سألت نفسك: هل بإمكاني حراستها؟ وهل كنت سببًا في دخول العدو منها؟ .
стр. 404
بهذه النظرة الإيجابية نحقق نقد ذواتنا، ونقدم الخير لأمتنا، ونستجمع طاقاتنا بدل أن تبدد في القيل والقال .. والتهويش والتجريح والاتهام ... والله من وراء القصد.
стр. 405
نقد الآخرين (ضوابطه وآدابه) (١)
الحمد لله رب العالمين أمر بالعدل والإحسان، ونهى عن الظلم والفجور والعصيان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يحب الرفق في الأمور كلها، وقد أنزل على عبده ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله كان من آخر وصاياه في حجة الوداع:
«المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله» (٣).
اللهم صلى وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى آله المؤمنين وارض اللهم عن صحابته أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (٤).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٥).
أيها المسلمون، وسبق الحديث عن نقد الذات وحاجتنا إليه، وإذا علمنا ذلك ووعيناه في واقعنا، فلا يعني ذلك أن ننكفئ على أنفسنا ونعتزل الآخرين، فهذا
стр. 406
خطأ، ويقابله خطأ آخر، وهو أن ننشغل بنقد الآخرين، والوسطية في ذلك أن نبدأ بنقد ذواتنا، وإصلاح أنفسنا، فإذا رُمنا نقد الآخرين، وإصلاح أخطاء المخطئين، فلابد من أصول وضوابط، ولابد من طرائق وأساليب، العلم بها شرط لازمٌ، وسريان النقد بموجبها ينفع الله بها الناقد، ويستصلح المنقود. وكم أحدث غياب هذه الأصول والضوابط الشرعية، والآداب الإسلامية، من فتن وخصومات، وضياع ذمم، وهدر أوقات، وفتح ثغرات مقفلة، والغفلة عن ثغرات مفتوحة، فتسلل العدد الخارجي إلى أرضنا، ونحن في شغل ومهاترات داخليةٍ بيننا، وحق لنا جميعًا أن نتذكر قول حبيبنا ﷺ «إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم» (١).
مصيبة أيها المسلمون أن تقطع أوصال الأمة، وتغيب هويتها، ويعتدى على مقدساتها ... ويعبث المنافقون بشريعة محمد ﷺ ، والمسلمون في شغل شاغل بينهم، ورحى المعركة تدور لتحصد البقية الباقية منهم، وتركز على الصفوة منهم ... إنها الطامة الكبرى، والحالقة للدين، وإنها الأجواء التي يتنفسن فيها المنافقون، ويستثمرها لصالحهم المجرمون، ويمتد على حسابها أعداء الأمة العابثون.
لابد لتستعيد الأمة المسلمة مجدها وكرامتها من تنقية الأجواء بين المسلمين، ولابد من إصلاح السرائر ودفن الضغائن، لابد من التخلي عن حظوظ النفس، ولابد من التجرد من الهوى، ولابد من مراغمة الشيطان، وأساس ذلك كله تقوى الله وإصلاح ذات البين، وحسن الظن، وتقديم القول الحسن، وكل ذلك من طاعة الله وطاعة رسوله، وهكذا أُدِّبَ المسلمون حين وقع الخلاف بينهم:
стр. 407
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (١).
وكذلك أمر المسلمون بالتخاطب فيما بينهم: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً﴾ (٢).
عباد الله، لا قوام للأمة المسلمة ولا فلاح إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣). وتتخلى الأمة عن خيريتها إذا تخلت عن هذه الشعيرة المهمة من شعائر دينها ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (٤).
والنقد البناء في طريقنا في البناء، وأي مجتمع تسود أفراده الأنانية وتقديس الذات فهو إلى فناء، وأي أمة لا تأبه بالخطأ يقع، ولا يتناهى أبناؤها عن المنكر يحل فلن تسلم من غضب الجبار ولعنته:
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٥).
ولكن إلانة القول في النصح مطلب، والرفق بالنقد منهج، وإليكم شيئًا من آداب ومطالب وضوابط النقد للآخرين فافقهوها، واعملوا بها تنجوا وتفلحوا.
стр. 408
١ - العلم أولاً، فلابد من العلم فيما يؤمر به أو ينهى عنه خشية أن يأمر بمنكر وهو يظنه معروفًا، أو ينهى عن معروف وهو يظنه منكرًا، وهنا يغلط صنفان من الناس: صنف يعلم ويسكت خوفًا أو مجاملةً أو لأي غرض من أغراض الدنيا، وصنف يأمر وينهى ولكن دون علم، وبسبب ذلك تقع المصائب والفتن والشرور.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية، يرحمه الله: (وإذا كان الكفر والفسوق والعصيان سبب الشر والعدوان فقد يذنب الرجل أو الطائفة ويسكت آخرون عن الأمر والنهي فيكون ذلك من ذنوبهم، وينكر عليهم آخرون إنكارًا منهيًا عنه فيكون ذلك من ذنوبهم، فيحصل التفرق والاختلاف والشرور، وهذا من أعظم الفتن والشرور قديمًا وحديثًا .. ومن تدبر الفتن الواقعة رأى سببها ذلك، ورأى أن ما وقع بين أمراء الأمة وعلمائها ومن دخل في ذلك من ملوكها ومشايخها ومن تبعهم من العامة من الفتن، هذا أصلها) (١).
٢ - الإخلاص في النصح والصدق في النقد، وذلك بأن يشعر بالأسى وهو يرى أخاه المسلم واقعًا في المعاصي فلا يهدأ له بال حتى يقوم بنصحه شفقة عليه، وتتمالكه الرأفة والرحمة وتدعوه روابط الأخوة إلى انتشال أخيه من وحشة الذنب، ويظهر على محياه الصدق، وعلى كلماته نور الإخلاص حتى يستشعرها صاحبه، فلا يملك إلا أن يستجيب له .. ويقدر له نصحه.
أما إذا كان النقد لأغراض شخصية، أو ثأرًا لعداوةٍ قديمة، أو دافعه الحسد والبغضاء، أو التنازع على مكانة أو رئاسة أو لإظهار الشماتة أو التحقير أو الفرح بالخطأ يقع من أجل إظهار الفضيحة والتشهير، فذلك أبعد ما يكون عن الإخلاص والصادق، والأعمال بالنوايا، ولكل امرئ ما نوى ..
стр. 409
بل ذكر العلماء أن الناقد ولو كان بحق لكن قصده العلو في الأرض، أو الفساد كان بمنزلة الذي يقاتل حميةً ورياءً، وإن تكلم لأجل الله مخلصًا كان من الجاهدين في سبيل الله من ورثة الأنبياء (١) فاحرصوا معاشر المسلمين على الإخلاص جهدكم فربكم أعلم بما تكن صدوركم، وإياكم والكذب ومخادعة النفس أو مخادعة الآخرين، فلا يصح إلا الصحيح، وحبل الصدق متين، وبضاعة الكذب مزجاة، ولحوم العلماء مسمومة؟ ! !
٣ - ولابد مع العلم والإخلاص والصدق من العدل في القول، قال تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ (٢).
فلا يعني خطأ المرء مرة وصمه بالخطأ أبد الدهر، ولا تنسف سيئةٌ أو أكثر أضعافها من الحسنات، ولا ننسي تاريخ المجاهد المتفاني في عدد من المعارك والجولات عثرة فرسه في إحدى اللقاءات.
ومن ذا الذي تُوضَى سجاياه كلها
كفى المرء نُبلاً أن تُعَدَّ معايبُهْ
وإذا كان الإسلام يأمر بالعدل مع الخصوم، وألا تقعد بنا بالعداوة عن قول الحق والعدل كما في قول الحق ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى .. ﴾ (٣).
فكيف يسوغ لنا أن ننسى العدل مع إخواننا والأقربين من المسلمين؟
بالعدل أيها الإخوة قامت السموات والأرض، وبالظلم تحطمت صروح الحضارات، وفنيت الأمم، بالعدل يقيم الله الدولة العادلة، وإن كانت كافرة
стр. 410
ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة (١)! هكذا قيل قديمًا، وكذلك يشهد التاريخ حديثًا.
إن التجافي عن العدل يحطم مقدور الأمة، ويهدر طاقاتها، ويصاب بالإحباط ذوو القدرات من أبنائها إذا زلت بهم القدم مرة أو غلبتهم أنفسهم أخرى، وإن العدد سبيل إلى النهوض، وأمانُ من اليأس والقنوط: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ (٢).
لقد كان أهل السنة والجماعة قديمًا وحديثًا أعدل الناس، يترحمون على المجتهد المصيب، وينكرون على المبتدع الضال، وينصفون المجتهد المخطئ، فلا يتركون الأخذ عن عالمٍ أخطأ في مسألة، وله من الحسنات ما يكفر عن هذه السيئة، ولا ينسفون جهوده كلها بسبب زلة وقعت له، وما أروع ما سطره الإمام الذهبي في عدد من تراجمه لسير أعلام النبلاء، وإليك بعضًا منها:
يقول عن قتادة بن دعامة السدوسي (المفسر): ( ... كان يرى القدر نسأل الله العفو، ومع هذا فما توقف أحد في صدقه وعدالته وحفظه، ولعل الله يعذر أمثاله ممن تلبس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه، وبذل وسعه، والله حكمٌ عدلٌ، لطيفٌ بعباده، ولا يسأل عما يفعل، ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه واتباعه يغفر له زلله، ولا نضلله ونطرحه وننسى محاسنه، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك) (٣).
стр. 411
أما ابن حزم، العالم البحر، فقد كانت له اجتهاداتٌ خاطئة، وجرت بينه وبين عدد من العلماء مناظراتٌ وخصومات، وقد أنصف الذهبي من نفسه حين قال عنه: (ولي أنا ميلٌ أبي محمد لمحبته في الحديث الصحيح، ومعرفته به، وإن كنت لا أوافقه في كثير مما يقوله في الرجال والعلل، والمسائل البشعة في الأصول والفروع، وأقطع بخطئه في غير ما مسالة، ولكن لا أكفره ولا أضلله، وأرجو له العفو والمسامحة وللمسلمين، وأخضع لفرط ذكائه، وسعة علومه .. ) (١).
فهل رأيتم كهذا المنهج النقدي عند علم من أعلام المسلمين؟ ألا ما أحوجنا في حياتنا المعاصرة إلى الاعتدال في تقييم الآخرين ... وما أحرانا بتلمس مناهج وطرائق السابقين ... أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ (٢).
نفعني الله وإياكم بهدى القرآن، وهدانا لاتباع شرع محمد ﵊. أقول ما تسمعون واستغفر الله.
стр. 412
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين يقصُّ الحقَّ وهو خير الفاصلين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، حرّم على نفسه الظلمَ وجعله بين عباده محرمًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أثنى عليه ربه بجلائل الأخلاق وكرم الشمائل، فقال جل من قائل عليمًا: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (١).
وزكى خلقه ربه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٢).
اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين، وأرض اللهم عن أصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، أيها المسلمون، فلئن قعد الضعف واتباع الهوى بأقوام عن إنصاف غيرهم من المسلمين المجتهدين فنالوهم بالتجريح والأذى والتهوين، فقد بلغ التجدد بأخرين أن يترفعوا عن سباب من آذاهم، بل ويوصوا أتباعهم بعدم الانتصار لهم، وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية، يرحمه الله، تكثر التهم حوله حين أُدخِل السجن، ويروج الكذاب والشائعات حول منهجه ومؤلفاته، فيكتب رسالة مطولة لأتباعه، ومما قال فيها:
( ... تعلمون كثرة ما وقع في هذه القضية من الأكاذيب المفتراة، والأغاليط المظنونة، والأهواء الفاسدة، وأن ذلك أمر يجل عن الوصف، وكل ما قيل من كذب وزور هو في حقنا خيرٌ ونعمة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُو بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ .. ﴾ (٣).
стр. 413
وقد أظهر الله من نور الحق وبرهانه ما رد به إفك الكاذب وبهتانه، فلا أُحبُّ أن يُنْتَصَتَر من أحدٍ بسبب كذبه عليَّ أو ظلمه وعدوانه، فإني قد أحللتُ كل مسلمٍ، وأنا أحبُّ الخير لكل المسلمين، وأُريدُ لكل مؤمنٍ من الخير ما أُحبه لنفسي، والذين كذبوا وظلموا فهم في حلٍّ من جهتي .. ).
وهذا القول من الشيخ سبقه كلامٌ عن نعَم الله عليه المتزايدة، وهو في السجن، وانتشار كتبه، وإقبال الخلق على سبيل السنة والجماعة، وحاجة الأمة إلى تأليف القلوب، واجتماع الكلمة، وصلاح ذات البين (١).
وهو كلام نفيس جدير بمن ينتسبون إلى العلم والديانة أن يقرؤوه، ومن يبحثون عن منهج أهل السنة والجماعة في أدب الاختلاف أن يتأملوه، وينهجوه .. وتبقى بعد ذلك الدعاوى إذا لم يقم عليهن دليلٌ أصحابها أدعياء؟
٤ - إخوة الإيمان، ومن الآداب المشروعة في نقد الآخرين إلانةُ القول وتحري دواعي القبول .. فهذا فرعون قد حكم الله بكفره وضلاله واستكباره، يؤمر الرسولان الكريمان في سبيل دعوته بإلانة القول له ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٢). وكذلك يؤمر المصطفى ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾ (٣).
فإذا كانت إلانة القول في النصح مطلبًا وإن عُلِم عدم استجابة المنصوح، فكيف ترونه ينبغي أن يكون الأمر عند من يُرجى قبوله النصح؟
إن الكلمة الطيبة سهمٌ ينفذ إلى القلوب، فينفع الله بها من أراد له الهدى، وإن
стр. 414
فظاظة القول، وقسوة الخطاب، حاجز عن سماع الحق، موجبًا لنفرة الخلق ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (١).
ولئن كانت مهمة المرسلين- ﵈ البلاغ المبين، فلا يُطلب من غيرهم هداية المنحرفين- وما عليهم إلا تحري دواعي القبول بالكلمة الطيبة، والموعظة البليغة، وذكر المحسان في المقدمة ... فإن البدء بما للمرء من محاسن يحطم الكبرياء في النفس، ويهِّيءُ النفس لسماع ما بعده من الحق والنقد ولكن ... لا ينبغي الإسراف فيه بحيث يداخل النفس العُجْبَ والغرور ... أو الاكتفاء به بحيث يرى المرء أن حياته كلها حسنات، فلا يستسيغ السماع بعد، ممن جاءه مذكرًا إياه بالأخطاء والسيئات.
٥ - ومن ضوابط النقد المجادلة بالتي هي أحسن، وذلك بأن يكون صاحبه قاصدًا لإيضاح الحق أو طامعًا في أتباع خصمه له .. أما إن كان قصدُه الغلبة على الخصم، ومجرد الظهور تحقيقًا لحظ النفس، وتدعيمًا لشهوة الهوى، فذلك المراء المذموم شرعًا ... إذا كنا معاشر المسلمين مأمورين بالتي هي أحسن في مجادلة أهل الكتاب، كما قال تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٢) فهل ترونه يسوغ بين المسلمين تبادل التُّهم، والرغبة في الانتصار على الخصم لا أكثر؟
وهكذا ينبغي أن يكون سلاح المجادلة، الكلمة الصادقة، والحجة القاطعة لا غير، أما استخدام القوة الغاشمة سبيلاً إلى النصرة بغير حق فذلك طريق العاجزين، وما أجمل ما قاله ابن القيم ﵀، وهو يتحدث عن مجادلة أهل
стр. 415
الكتاب وغيرهم من الكفار في زمن الرسول ﷺ وأصحابه من بعده، ومما قال: (وإنما جعل السيف ناصرًا للحجّة، وأعدل السيوف سيفٌ ينصر حُجَج الله وبيناتِه، وهو سيف رسوله وأمُته) (١).
٦ - النصح بين السر والعلن، لقد سبق القول أن النصح لمجرد التشهير مخالف للإخلاص، ولاشك أن خلوتك بشخصٍ يستخفي بذنبه أدعى لنصحه وأقرب لقبول نفسه:
تَعَمَّدْني بِنُصْحِكَ في انفرادي ... وجنِّبني النصيحةَ في الجماعة
فإن النصحَ بين الناس نوعٌ ... من التوبيخ لا أرضى اسمتاعهُ
فإن خالَفْتَني وعَصَيْتَ أمْري ... فلا تغضبْ إذا لْم تُعْطَ طاعة
ولهذا قال أهل العلم: فمن أظهر المنكر وجب عليه الإنكار، وأن يُهْجَر ويُذمّ على ذلك، وهذا معنى قولهم: من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له، بخلاف من كان مستترًا بذنبه، مستخفيًا فإن هذا يُسْتَر عليه، لكن يُنصح سرًا، ويهجره من يعرف حاله حتى يتوب (٢).
ويتحدث شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀، عن نوعين من أعداء الدين، لابد من جهادهما، وبيان حالهما للناس، ويقول: (وقد أمر الله نبيه بجهاد الكفار والمنافقين في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (٣).
فإذا كان أقوامٌ منافقون يبتدعون بدعًا تخالف الكتاب، ويُلّبسونها على الناس، ولم تُبَيَّن للناس، فسد أمر الكتاب، وبُذِّل الدين، كما فسد دين أهل
стр. 416
الكتاب قبلنا بما وقع فيه من التبديل الذي لم يُنْكَرْ عل أهله .. ) بل يصِفُ الشيخ طائفةً ثالثةً لابد من الإنكار عليها علانية، وبيان حالها للناس فيقول في كلامٍ بديعٍ أنقله لكم بنصه وحروفه: (وإذا كان أقوامٌ ليسوا منافقين، لكنهم سمّاعون للمنافقين، قد التبس عليهم أمرهم حتى ظنوا قولهم حقًا، وهو مخالفٌ للكتاب، وصاروا دعاةً إلى بِدَع المنافقين، كما قال تعالى: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ (١)، فلابد أيضًا من بيان حال هؤلاء، بل الفتنة بحال هؤلاء أعظم، فإنّ فيهم إيمانًا يوجِبُ موالاتهم، وقد دخلوا في بِدَعٍ من بِدَعِ المنافقين التي تُفْسد الدين، فلابد من التحذير من تلك البِدَع وإن اقتضى ذلك ذكرهم وتعيينهم، بل ولو لم يكن قد تلقوا تلك البدعة عن منافق، لكن قالوها ظانين أنها هدى، وأنها خير، وأنها دين- ولم تكن كذلك- لوجب بيان حالها) (٢).
وهكذا تتضح الحاجة إلى النصح سرًا وعلنًا، حسب مقتضيات الأحوال والظروف.
أيها المسلمون، هذه بعضٌ من الشروط والضوابط والآداب في نقد الآخرين، يُلْحَقُ بها: نقد الفكرة أَوْلى من نقد الأشخاص، وبيان المنهج الحق كفيلٌ ببيان عورِ المناهج المنحرفة، لأن الأشخاص يذهبون، والأفكار تبقى، وإغفال الناقد وإهماله- أحيانًا- أقصر الطرق لنسيانه، وربما أعطاه فرصةً للتأمْل في ذاته، بل كان من منهج أهل السنة والجماعة، أحيانًا، إغفال الفكرة كذلك وعدم الرد عليها حتى لا يكون ذلك سبيلاً إلى بقائها بعد فناء أصحابها، ومعرفة أجيال لم تشهدها من قبل.
стр. 417
ويلحق كذلك بطرائق النقد وأساليبه: ألا تطول سلسلة النقد، وجواب النقد، فجواب الجواب، حتى لا تثير الضغائن والأحقاد بين الأفراد، بعضهم لبعض، بصفةٍ دائمةٍ، ويُوقَف الكلام عند حدود اتضاح الوجوه المختلفة للطرفين (١).
إخوة الإيمان، وفي زحمة المناظرات والردود، والانتصار للنفس، تضيع أغلى مهمة للنقد، ألا وهي الرغبة في الإصلاح، ودفع الفساد .. وذلك حين يسوف المنتقد في نقد من انتقده، وربما تناسى غيره من الخصوم الصرحاء، بل ربما وسوس له الشيطان أن ذلك المنتقد أخطر وأولى بالنقد ... وهكذا يتسلل الأعداء، ويفرح المنافقون، إذ تخلو الساحة من الرقابة عليهم ... ويأمنون من متابعة الخيرين لمخططاتهم، إذ هم في شغُلٍ شاغلٍ بينهم ... وتُسْتباح المحرمات، وتُرْسِم البرامج والمخططات، ويصطلي بنارها الناقد والمنقود .. ولا يفرق المجرمون بين غالب أو مغلوب، ما داموا في دائرة الخيرين .. وهكذا تُحْفَر القبور بأيدي أصحابها .. وتُطْرَف العيون بأقرب عضو إليها! !
ألا ما أحوج الصادقين لجمع الكلمة .. وإصلاح ذات البين، وتجميع الطاقات، فمكر الأعداء كبيرٌ، وأنفاس الحياة معدودةُ، والانشغال بالبناء ومجاهدة الكفار والمنافقين أولى وأحرى من إشغال النفس بالهدم والتقليل من شأن المسلمين.
حذار عباد الله أن يتجارى بكم الشيطان كما يتجارى بأصحاب الأهواء فترون المنكر معروفًا، وتظنون المصلحين مفسدين، وحذار معاشر العلماء والدعاة وطلبة العلم من التخلي عن دوركم في الإصلاح والإنكار فيتحمل الدعوة غيركم ممن لافقه في الإنكار عندهم، فيبقى دوركم مقتصرًا على نقدهم والاستهانة بهم.
(١) السحر، حقيقته وحكمه ولماذا ينتشر ؟ (١)
الحمد لله الذي أنار بنور كتابه دياجير الظُّلم، ونوّر بأنوار هدايته قلوب العرب والعجم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أحاط علمه بالكائنات، فلا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السموات، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ما فتئ يحذر الأمة من كل داء يضر بها في الدين والدنيا، ويدعوها إلى الخير والهدى حتى توفاه الله، وترك في الأمة نورين يتجدد ضياؤهما، ولا يزال الناس بخير ما استمسكوا بهما، وعنهما قال: «تركتُ فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما، كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض» (٢).
اللهم صل وسلم على نبينا محمد، وعلى إخوانه من الأنبياء، وارض اللهم عن آل بيته المؤمنين، وصحابته الخيّرين، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إنما اليوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.
فأما بعد فاتقوا الله عباد الله وارجوا اليوم الآخر ولا يصدنكم الشيطان فينسيكم ذكر الله ..
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٣).
واحذروا أن تكونوا ممن قال الله فيهم: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٤).
стр. 420
أيها المسلمون، وبقي من الحديث عن نواقض الإسلام، الحديث عن السحر، ذلكم البلاء المستشري، والحقيقة المرة.
داءٌ من أدواء الأمم قديمًا، عرفته، ولسوء أثاره اتهمت به الأنبياء، وهم منه براء ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ (١).
وهو مشكلةٌ من مشكلات الزمن حديثًا، وفي عصر التقدم المادي تزداد ظاهرة السحر والشعوذة نفوذًا، وتجري طقوسه في أكثر شعوب العالم تقدمًا، وربما أقيمت له الجمعيات والمعاهد، أو نظمت له المؤتمرات والندوات (٢).
وهنا لابد من وقفة تُجيب على عدة أسئلة، منها:
ما معنى السحر؟ وهل له حقيقة؟ وما حكم تعلمه والعمل به؟ وما جزاء السحرة؟ ولماذا يروج السحر في بلاد المسلمين؟ وما حكم الذهاب للسحرة والعرافين؟ وما عقوبة الذاهبين؟ وما هي عوامل الوقاية وطرق الخلاص من السحرة والمشعوذين؟
إخوة الإسلام، أما معنى السحر فيطلق في لغة العرب على كل شيء خفي سببه، ولطف ودق، ولذلك قالوا «أخفى من السحر» (٣).
أما تعريفه في الشرع فهو كما قال ابن قدامة: «عقد ورُقى يتكلم به، أو يكتبه، أو يعمل شيئًا يؤثر في بدن المسحور، أو قلبه، أو عقله، من غير مباشرة له» (٤).
стр. 421
وهو أنواعٌ مختلفة، وطرائق متباينة، ولذا قال الشنقيطي، ﵀:
«اعلم أن السحر لا يمكن حده بحد جامع مانع، لكثرة الأنواع المختلفة الداخلة تحته، ولا يتحقق قدر مشتركٌ بينها يكون جامعًا لها، مانعًا لغيرها، الداخلة تحته، ولا يتحقق قدر مشتركٌ بينها يكون جامعًا لها، مانعًا لغيرها، ومن هنا اختلفت عبارات العلماء قي حدة اختلافًا متباينًا» (١).
ومن السحر الصرف والعطف، والصرف هو صرف الرجل عما يهوى، كصرفه مثلاً عن محبة زوجته إلى بغضها، والعطف عملٌ سحري كالصرف، ولكنه يعطف الرجل عما لا يهواه إلى محبته بطرق شيطانية.
والسحر محرم في جميع شرائع الرسل ﵈ (٢) وهو أحد نواقض الإسلام- كما علمتِ- حتى قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، يرحمه الله: فمن فعله أو رضي به كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ﴾ (٣).
وقد دل القرآن الكريم، والأحاديث الصحيحة، وأقوال أهل العلم على أن للسحر حقيقة، كيف لا؟ والله يقول: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ (٤)، ويقول ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ .. ﴾ (٥)، ويقول عن موسى ﵇: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى (٦٧) قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأَعْلَى (٦٨)
стр. 422
وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ (١)، وفي الحديث المتفق على صحته: عن عائشة، ﵂، قالت: (سحر رسول الله ﷺ رجل من بني زريق يقال له لبيد ابن الأعصم حتى كان رسول الله ﷺ ، يخيل إليه أنه يفعل الشيء، وما يفعله (٢) .. الحديث).
قال النووي: (والصحيح أن السحر له حقيقة، وبه قطع الجمهور، وعليه عامة العلماء، ويدل عليه الكتاب والسنة الصحيحة المشهورة) (٣). بل قال الخطابي بعد أن أثبت حقيقة السحر، ورد على المنكرين: (ففي السحر جهلٌ، والرد على من نفاه لغوٌ وفضل) (٤).
إخوة الإيمان، أما مكمن الخطر فهو في تعليمه، والعمل به، لما في ذلك من الكفر والإشراك بالله من جانب، وإلحاق الأذى والضرر بعباد الله من جانب آخر، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٥).
ويبين الشيخ السعدي- يرحمه الله- وجه إدخال السحر في الشرك والكفر فيقول: (السحر يدخل في الشرك من جهتين: من جهة ما فيه من استخدام الشياطين ومن التعلُّق بهم، وربما تقرب إليهم بما يحبون، ليقوموا بخدمته،
стр. 423
ومطلوبه، ومن جهة ما فيه من دعوى علم الغيب، ودعوى مشاركة الله في علمه، وسلوك الطرق المفضية إلى ذلك، وذلك من شُعَب الشرك والكفر) (١).
ويقول الذهبي: ( .. فترى خلقًا كثيرًا من الضلال يدخلون في السحر، ويظنون أنه حرام فقط، وما يشعرون أنه الكفر .. ) (٢).
أيها المسلمون، ولهذا جاء تحذير المصطفى ﷺ عن السحر أكيدًا شديدًا، وجاء حكم الشريعة في السحرة صارمًا عدلاً، يقول ﵊: «اجتنبوا السبع الموبقات .. » (٣) فعد منهن السحر، والموبقات هي المهلكات.
وفي حديث آخر قال ﵊: «ثلاثة لا يدخلون الجنة مدمن خمر، وقاطع رحم، ومصدق بالسحر» (٤).
وفي حديث ثالث يبلغ تحذير النبي ﷺ أن يقول: «ليس منا من تطير أو تُّطيَّر له، أو تكهن أو تُكهِّن له، أو سَحر أو سُحر له، ومن أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ » (٥).
أما حكم السحرة وحدهم فيتولى ابن تيمية، ﵀: (أكثر العلماء على أن الساحر كافر يجب قتله، وقد ثبت قتل الساحر عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وحفصة بنت عمر، وعبد الله بن عمر، وجنوب بن عبد الله) (٦).
стр. 424
وعن بجالة بن عبدة أنه قال: كتب عمر بن الخطاب أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، فقتلنا ثلاث سواحر) (١). وفي رواية عن أبي داود بسند صحيح عن بُجالة ابن عبدة قال: جاءنا كتاب عمر، ﵁، قبل موته بسنة: (اقتلوا كل ساحر .. ) (٢).
قال ابن قدامة معلقًا على هذا الأثر: (وهذا اشتهر فلم يُنكَر، فكان إجماعًا) (٣).
وإنما جاء حكم الشريعة بقتل الساحر لأنه مفسد في الأرض يفوق بين المرء وزوجه، ويؤذي المؤمنين والمؤمنات، ويزرع البغضاء، ويشيع الرعب، ويفسد على الأُسَر ودها، ويقطع على المتوادين حبهم وصفاءهم، وفي بقائه على وجه الأرض فساد كبير على الأفراد والمجتمعات، وفي قتله قطع لفساده، وإراحة البلاد والعباد من خُبثه وبلائه. والله لا يحب المفسدين.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ (٤).
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه ...
стр. 425
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، عنده مفاتح الغيب، لا يعلمها إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إن يمسسك بضر فلا كاشف له إلا هو، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، تضرع إلى ربه حين ناله الأشرار بسوء فكشف الضر عنه وعافاه .. اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
أما بعد، فالسؤال المهم الذي ينبغي أن نشترك جميعًا في الإجابة عليه: لماذا يروج السحر ويكثر السَّحرَة في بلاد المسلمين؟
وللإجابة عليه يمكن رصد عدد من الأسباب، ومنها:
١ - ضعف الإيمان في نفوسنا أحيانًا، إذ الإيمان دعامةٌ كبرى، ووقايةٌ عظمى من كل فتنةٍ وشر ومكروه ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (١).
وفى الحديث: «إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم» (٢) فحين يضعف الرجاء بالله، ويقل الخوف منه، ويهتز جانب التوكل على الله، والرضاء بما قدر، واليقين بما قسم يتسامح بعض الناس بالذهاب للسحرة والمشعوذين فيزيدهم ذلك وهنًا على وهنهم وتستلب أموالهم وعقولهم.
٢ - الجهل بأحكام الشريعة، وما جاء فيها من زواجر عن الذهاب إلى هؤلاء السحرة والعرافين، وما ورد في ذلك من ضير على المعتقد والدين.