وهو أنواعٌ مختلفة، وطرائق متباينة، ولذا قال الشنقيطي، ﵀:
«اعلم أن السحر لا يمكن حده بحد جامع مانع، لكثرة الأنواع المختلفة الداخلة تحته، ولا يتحقق قدر مشتركٌ بينها يكون جامعًا لها، مانعًا لغيرها، الداخلة تحته، ولا يتحقق قدر مشتركٌ بينها يكون جامعًا لها، مانعًا لغيرها، ومن هنا اختلفت عبارات العلماء قي حدة اختلافًا متباينًا» (١).
ومن السحر الصرف والعطف، والصرف هو صرف الرجل عما يهوى، كصرفه مثلاً عن محبة زوجته إلى بغضها، والعطف عملٌ سحري كالصرف، ولكنه يعطف الرجل عما لا يهواه إلى محبته بطرق شيطانية.
والسحر محرم في جميع شرائع الرسل ﵈ (٢) وهو أحد نواقض الإسلام- كما علمتِ- حتى قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، يرحمه الله: فمن فعله أو رضي به كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ﴾ (٣).
وقد دل القرآن الكريم، والأحاديث الصحيحة، وأقوال أهل العلم على أن للسحر حقيقة، كيف لا؟ والله يقول: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ (٤)، ويقول ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ .. ﴾ (٥)، ويقول عن موسى ﵇: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى (٦٧) قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأَعْلَى (٦٨)
стр. 422
وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ (١)، وفي الحديث المتفق على صحته: عن عائشة، ﵂، قالت: (سحر رسول الله ﷺ رجل من بني زريق يقال له لبيد ابن الأعصم حتى كان رسول الله ﷺ ، يخيل إليه أنه يفعل الشيء، وما يفعله (٢) .. الحديث).
قال النووي: (والصحيح أن السحر له حقيقة، وبه قطع الجمهور، وعليه عامة العلماء، ويدل عليه الكتاب والسنة الصحيحة المشهورة) (٣). بل قال الخطابي بعد أن أثبت حقيقة السحر، ورد على المنكرين: (ففي السحر جهلٌ، والرد على من نفاه لغوٌ وفضل) (٤).
إخوة الإيمان، أما مكمن الخطر فهو في تعليمه، والعمل به، لما في ذلك من الكفر والإشراك بالله من جانب، وإلحاق الأذى والضرر بعباد الله من جانب آخر، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٥).
ويبين الشيخ السعدي- يرحمه الله- وجه إدخال السحر في الشرك والكفر فيقول: (السحر يدخل في الشرك من جهتين: من جهة ما فيه من استخدام الشياطين ومن التعلُّق بهم، وربما تقرب إليهم بما يحبون، ليقوموا بخدمته،
стр. 423
ومطلوبه، ومن جهة ما فيه من دعوى علم الغيب، ودعوى مشاركة الله في علمه، وسلوك الطرق المفضية إلى ذلك، وذلك من شُعَب الشرك والكفر) (١).
ويقول الذهبي: ( .. فترى خلقًا كثيرًا من الضلال يدخلون في السحر، ويظنون أنه حرام فقط، وما يشعرون أنه الكفر .. ) (٢).
أيها المسلمون، ولهذا جاء تحذير المصطفى ﷺ عن السحر أكيدًا شديدًا، وجاء حكم الشريعة في السحرة صارمًا عدلاً، يقول ﵊: «اجتنبوا السبع الموبقات .. » (٣) فعد منهن السحر، والموبقات هي المهلكات.
وفي حديث آخر قال ﵊: «ثلاثة لا يدخلون الجنة مدمن خمر، وقاطع رحم، ومصدق بالسحر» (٤).
وفي حديث ثالث يبلغ تحذير النبي ﷺ أن يقول: «ليس منا من تطير أو تُّطيَّر له، أو تكهن أو تُكهِّن له، أو سَحر أو سُحر له، ومن أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ » (٥).
أما حكم السحرة وحدهم فيتولى ابن تيمية، ﵀: (أكثر العلماء على أن الساحر كافر يجب قتله، وقد ثبت قتل الساحر عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وحفصة بنت عمر، وعبد الله بن عمر، وجنوب بن عبد الله) (٦).
стр. 424
وعن بجالة بن عبدة أنه قال: كتب عمر بن الخطاب أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، فقتلنا ثلاث سواحر) (١). وفي رواية عن أبي داود بسند صحيح عن بُجالة ابن عبدة قال: جاءنا كتاب عمر، ﵁، قبل موته بسنة: (اقتلوا كل ساحر .. ) (٢).
قال ابن قدامة معلقًا على هذا الأثر: (وهذا اشتهر فلم يُنكَر، فكان إجماعًا) (٣).
وإنما جاء حكم الشريعة بقتل الساحر لأنه مفسد في الأرض يفوق بين المرء وزوجه، ويؤذي المؤمنين والمؤمنات، ويزرع البغضاء، ويشيع الرعب، ويفسد على الأُسَر ودها، ويقطع على المتوادين حبهم وصفاءهم، وفي بقائه على وجه الأرض فساد كبير على الأفراد والمجتمعات، وفي قتله قطع لفساده، وإراحة البلاد والعباد من خُبثه وبلائه. والله لا يحب المفسدين.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ (٤).
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه ...
стр. 425
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، عنده مفاتح الغيب، لا يعلمها إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إن يمسسك بضر فلا كاشف له إلا هو، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، تضرع إلى ربه حين ناله الأشرار بسوء فكشف الضر عنه وعافاه .. اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
أما بعد، فالسؤال المهم الذي ينبغي أن نشترك جميعًا في الإجابة عليه: لماذا يروج السحر ويكثر السَّحرَة في بلاد المسلمين؟
وللإجابة عليه يمكن رصد عدد من الأسباب، ومنها:
١ - ضعف الإيمان في نفوسنا أحيانًا، إذ الإيمان دعامةٌ كبرى، ووقايةٌ عظمى من كل فتنةٍ وشر ومكروه ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (١).
وفى الحديث: «إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم» (٢) فحين يضعف الرجاء بالله، ويقل الخوف منه، ويهتز جانب التوكل على الله، والرضاء بما قدر، واليقين بما قسم يتسامح بعض الناس بالذهاب للسحرة والمشعوذين فيزيدهم ذلك وهنًا على وهنهم وتستلب أموالهم وعقولهم.
٢ - الجهل بأحكام الشريعة، وما جاء فيها من زواجر عن الذهاب إلى هؤلاء السحرة والعرافين، وما ورد في ذلك من ضير على المعتقد والدين.
стр. 426
وهل يذهب إليهم من عرف وقدر قوله المصطفى ﷺ «من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» (١) الحديث.
أما إن سألهم وصدقهم فالخطب أكبر، والخطر أعظم، فقد روى الحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه فيما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ » (٢). وعند البزار بسند صحيح عن ابن مسعود ﵁، موقوفًا قال: «من أتى كاهنًا أو ساحرًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ » (٣).
٣ - سذاجة بعض المسلمين وجهلهم بحال أولئك السحرة والمشعوذين، فتراهم يذهبون يستطبون عندهم، وأولئك لا يملكون من أنواع العلاج إلا ما يضر ولا ينفع، تخرصات وأوهام، وفصدٌ للعروق تسيل منه الدماء، وتمتماتٌ وطلاسم، وكتاباتٌ ورُبُط تُباع بغالي الأثمان، وهي لا تساوي فلسًا عند أولي الألباب.
بل ولو ذهبت ترقُبُ أحوال هؤلاء المشعوذين الدينية والخلقية لرأيت العجب العجاب، ولأيقنت أنهم أحوج الناس إلى العلاج والاستصلاح، وإن نصبوا أنفسهم على هيئة الشيوخ، وحُذّاق الأطباء؟ !
٤ - طغيان الحياة المادية المعاصرة قست له القلوب، وجفت ينابيع الخير في أرواح كثير من الناس، ونتج عن ذلك العقد النفسية، والمشكلات الوهمية، وارتفاع مؤشر القلق، وزاد الطين بلة ظن أولئك المرضى أن شفاءهم يتم على
стр. 427
أيدي السحرة والمشعوذين، فراحوا يطرقون أبوا بهم، ويدفعون أموالهم، وينتظرون الشفاء على أيديهم، فكانوا كالمستجير من الرمضاء بالنار (١).
٥ - وباتت بعض بيوت المسلمين مرتعًا للشياطين، يقل فيها ذكر الله، وقل أن يقرأ فيها كتاب الله، أو تُوردَ فيها التعاويذ والأوراد الشرعية التي لا يستقرُّ معها الشياطين، وفي مقابل ذلك تجد هذه البيوت ملأى بأنواع المنكرات المرئي منها والمسموع، والصور العارية وغير العارية، وألوان الكتب والمجلات السيئة، وقد لا تخلو من مأكول أو مشروب محرَّم، وهذه البيوت الخربة، وإن كان ظاهرها العمران، تصبح مأوى للشياطين، وتصطاد أهلها وتصيبهم بالأدواء، فلا يجدون في ظنهم سبيلاً للخلاص إلا عن طريق السحر والشعوذة والكهانة، وهكذا يسري الداء، وكلما ابتعد الناس عن الله ومنهجه، عظمت حيرتهم وكثُر بلاؤهم، ووجد شياطين الجن والإنس لدجلهم رواجًا.
٦ - ضعف دور العلماء والمفكرين، وأهل التربية في التحذير من السحرة، وبيان الأضرار الناجمة عن الذهاب للمشعوذين والعرافين، وتلك، وربي، تستحق أن تُعْقَد لها الندوات، وأن تسلط عليها الأضواء في وسائل الإعلام المختلفة، حتى يتم الوعي ولا يؤخذ الناس بالدجل.
٧ - وإذا عُطِّلَ أو قل تنفيذ حكم الله في السحرة، أو ضعفت المتابعة لهم، انتشروا وراج دجلهم، وقد يكون من أسباب ذلك عدم الإثبات، وضعف تعاون الناس في البلاغ، إذ من الناس من يقل أو ينعدم خوفه من الله، فيسعى في الأرض مفسدًا، إلا أن تردعه قوة أو يخاف الحد، ومن المعلوم أن الله يزع
стр. 428
بالسلطان ما لا يذع بالقرآن، وقد جاء في حديث يصح وقفه- دون رفعه- «حد الساحر ضربة بالسيف» (١).
وينبغي أن يتعاون الناس في الرفع للجهات المسؤولة لمن يُثبتُ تعاطيه السحر.
٨ - انتشار العمالة الوافدة بشكل عام، ومن غير المسلمين بشكل أخص، والحذر الحذر من السائقين والخدم، ففيهم من يتعاطى السحر أو يتعاون مع أهله، ولهم على البيوت في ذلك آثار سيئة، ينبغي التفطن لها، ومن أعظم وسائلهم جمع الشعر وإرساله وعقد السحر فيه، وكم هو جهد مشكورٌ لموظف بريد أو رجل جوازات اكتشف شيئًا من وسائل السحر والشعوذة فأراح المسلمين أو غيرهم منها، وسلم الله المجتمع من أضرارها، بسبب يقظته وشعوره بالواجب.
٩ - استمرار المرض، وضيق الصدر، وقلّة الصبر، وضاعف الاحتساب للأجر عند الله، كل ذلك قد يدفع البعض للذهاب لهؤلاء، وإن لم يكن مقتنعًا في البداية، وربما أقنع نفسه أو أقنعه غيره أن ذلك من فعل الأسباب، والإنسان لا شك مأمور بفعل الأسباب، لكنها الأسباب المشروعة دون المحرمة.
١٠ - والدعاية الكاذبة سبب لرواج السحر وذهاب الناس لهؤلاء الدجالين، فقد يكتب الله شفاءً لمريض على أيدي هؤلاء لتكون له فتنة، فيطير بالخبر وينشر في الآفاق الدعوة للذهاب لهؤلاء ليفتن غيره كما فُتِن، وبعض الناس لديه القابلية للتصديق لأي خبر دون تمحيص أو النظر في العواقب، وهكذا يفتن
стр. 429
الناس بعضهم بعضًا، ويجرئ بعضهم بعضًا، ويكونون أداة للدعاية الكاذبة الخاسرة من حيث يشعرون أو لا يشعرون؟
عباد الله، هذه بعض الأسباب لرواج السحر، والذهاب للسحرة، وقد يكون هناك غيرها ..
ومن العدل والإنصاف أن يقال: إنه على الرغم من انتشار السحر، ووجود من يذهب إليهم، فثمة فئام من المسلمين يربؤون بأنفسهم ومن تحت أيديهم عن الذهاب لهؤلاء الدجالين من السحرة، والكهنة والعرافين والمشعوذين، يحميهم الدين، ويبصرهم العقل، وملاذهم التوكل واليقين، وزادهم الصبر واحتساب الأجر من رب العالمين، وتلك شموع تضيء، وهي نماذج للعلم والعقل والدين. جعلنا الله منهم وإخواننا المسلمين.
أيها المسلمون، ويبقى بعد ذلك حديثٌ مهمٌ عن عوامل الوقاية من هذا الداء، وطرق الخلاص المشروعة لمن ابتلى بشيء من ذلك، وأمور أخرى مهمة أرجئ الحديث عنها للخطبة القادمة بإذن الله.
اللهم إنا نسألك العفو والعافية في ديننا ودنيانا، اللهم اشف مرضانا وعافِ مُبتلانا، واحفظ علينا ديننا وأمتنا وإيماننا.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، ووفقهم للعمل بكتابك وسنة نبيك محمد ﷺ . اللهم ول على المسلمين خيارهم، وأكفهم شر شرارهم، اللهم ومن أرادنا أو أراد أمتنا بسوء فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره يا رب المسلمين، اللهم انصر دينك وكتابك وعبادك الصالحين .. اللهم اشف مرضى المسلمين، واقض الدين عن المدينين، ونفس كرب المكروبين، وارحم موتاهم ..
стр. 430
(٢) السحر (طرق الوقاية والعلاج) (١)
إن الحملة لله، نحمده ونستعينه، ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى آل محمد وأزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يون الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ (٣).
أيها المسلمون، وحيث سبق الحديث عن السحر، حقيقته وحكمه، وجزاء السحرة والذهاب إليهم، وأسباب رواج السحر في بلاد المسلمين .. فإن حديث اليوم استكمال لما سبق، وإذا كان ما سبق تشخيصٌ للداء، فحديث اليوم توصيف للدواء، وتلمسٌ مشروعٌ للوقاية وطرق العلاج.
وليس يخفى أن اتقاء السحر قبل وقوعه أولى وأحرى من التعب في استخراجه بعد الوقوع، ويحفظ الناس من مأثور الحكم: (الوقايةُ خيرٌ من العلاج).
стр. 431
وإليكم، إخوة الإسلام، شيئًا من الطرق الوقائية للسحر قبل وقوعه، وما أحرانا جميعًا بتأملها والعمل بها.
أولاً: تجديد الإيمان في النفوس كلما آنس المرء من نفسه ضعفًا، والالتجاء إلى الله كلما خاف المرء على نفسه عدوًا، ومن يركن إلى الله فإنما يأوي إلى ركنٍ شديدٍ، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، وهذا الحبيب المصطفى ﷺ يدعونا إلى تجديد إيماننا ويقول «إن الإيمان ليُخلَق في جوف أحدكم كما يَخلَقُ الثوب، فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم» (١).
وأي قوة مهما بلغت، وأي عدو، مهما كانت شراسته، لا شيء أما قوة الله وجبروته ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢).
ومن لوازم الإيمان الاستمساك بشرع الله أمرًا ونهيًا، علانيةً وسرًا، وهل علمتم أن من أسباب انتشار السحر قديمًا، وفساد بني إسرائيل خصوصًا بعدهم عن الشريعة التي أنزل الله عليهم، ونبذهم تعاليمها، واتباعهم للشياطين الذين استدرجوهم إلى السحر وزينوه لهم، وسولت لهم أن تسخير الجن والإنس والطير والريح لسليمان ﵇ من اتباع الشياطين:
﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ .. ﴾ (٣)(٤).
ثانيا: نشر العلم بقضايا العقيدة، والحرص على سلامتها، وبيان ما يخدشها، وتعميم الوعي بمخاطر السحر والشعوذة، وتحذير الناس منها
стр. 432
بمختلف وسائل الإعلام، وتوسيع دائرة الوعي بمدارس البنين والبنات، وبالطرق المناسبة، واستخدام المحاضرة والندوة والمطوية أسلوبًا من أساليب التوعية عن هذه الأدواء.
ثالثا: تشجيع المؤسسات الحكومية ذات العلاقة على الرقابة الدقيقة لكل ما يرد أو يصدر لهذا البلد الآمن، والأخذ بجزم كل من تسول لهم أنفسهم الإضرار بالآخرين، ولابد من تعاون الناس مع هذه الجهات المسؤولة، وسرعة البلاغ عما يثبت من محاولات الإفساد، والكشف عن أماكن التجمعات المشبوهة، ورصد التحركات المريبة، والله يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١).
رابعًا: إصلاح البيوت وعمارتها بالذكر والصلاة وتلاوة القرآن، وفي الحديث «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة» (٢). وفي حديث آخر قال ﵊ موجهًا لأثر صلاة النافلة في البيت «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورًا» (٣).
قال النووي معلقًا: (حث على النافلة في البيت لكونه أخفى وأبعد عن الرياء؛ وأصون من المحبطات، وليتبرك البيتُ بذلك، وتنزل فيه الرحمة والملائكة وينفر منه الشيطان) (٤).
стр. 433
ودونكم أثر السلام، وهو نوع من الذكر، أدّبنا الله إلى البدء به حين الدخول إلى البيوت فقال جل ذكره ﴿فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ (١). وأرشدنا إليه المصطفى ﷺ ، واعتبره ضمانًا على الله للحفظ والأمان فقال: «ثلاثة كلهم ضامنٌ على الله ، وذكر منهم، رجلاً دخل بيته بسلام فهو ضامنٌ على الله » (٢).
ولا تسأل عن أثر قراءة آخر آيتين من سورة البقرة، ﴿آمَنَ الرَّسُولُ .... ﴾ ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا .. ﴾ فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة كفتاه» (٣).
ومن المعاني الواردة في قوله (كقتاهُ) أي من الشيطان، ولهذا جاء في حديثٍ آخر «إن الله كتب كتابًا وأنزل منه آيتين، ختم بهما سورة البقرة، لا يقرءان في دار فيقرُّ بها الشيطان ثلاث ليال» (٤).
فهل نحضن بيوتنا، ونحفظ أنفسنا وأولادنا وأهلينا بذكر الله والصلاة وتلاوة القرآن ... مع استبعاد كل ما يجمع الشياطين من الصور والكلاب والغناء ونحوها من المنكرات الأخرى ... ذلكم لمن رام النجاة في الدنيا والآخرة.
خامسًا: ومما يدفع الله به الإصابة من السحر، التصبح بسبع تمرات من تمر العجوة، وفي ذلك يقول ﵊: «من تصبح بسبع تمراتٍ من تمر
стр. 434
العجوة لم يُصِبه سمِّ ولا سحر» (١). وقد اشترط كثيرٌ من أهل العلم في التمر أن يكون من العجوة- كما في الحديث- وذهب آخرون إلى أن لفظ العجوة خرج مخرج الغالب، فلو تصبَّح بغيرها نفع، وهو قولٌ قويّ، وإن كان تمر العجوة أكثر نفعًا وتأثيرًا، كذا قال أهل العلم- والله أعلم- (٢).
سادسًا: التنبُّه لمخاطر العمالة الوافدة، والاستغناء عن السائقين والخدم ما أمكن، وإذا لزم الأمر فلابد من المراقبة الدقيقة لتصرفاتهم حتى لا يكونوا سببًا في نشر السحر والشعوذة والناس غافلون.
سابعًا: ونظرًا لسهولة انتشار السحر والشعوذة عند النساء أكثر منه في الرجال فينبغي على المرأة أن تحفظ نفسها في بيتها ولا تُكثر من الخروج للأسواق، وألا ترتاد الأماكن المشبوهة، وعلى الأزواج أن يحافظوا على أهليهم في بيوتهم ويوفروا لهم حوائجهم.
ثامنًا: أما الحصنُ الحصين، والسبب الوافي المنيع- بإذن الله- من كل سوء ومكروه فهو المحافظة على الأوراد الشرعية في الصباح والمساء، وهي صالحة للاستشفاء قبل وقوع السحر أو بعد وقوعه، وكيف لا؟ وهي الأدوية الإلهية كما يسميها ابن القيم، ﵀، ومع مسيس حاجة الإنسان لهذه الأذكار فما أكثر ما يقع التفريط فيها! وإليكم نماذج منها وأثرها:
(أ) فمن قرأ أية الكرسي حين يأوي إلى فراشه لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح. كذلك صح الخبر (٣).
стр. 435
(ب) ومن قرأ بالآيتين الأخيرتين من سورة البقرة كفتاه، وقد سبق البيان.
(جـ) وقراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس﴾ حين تُمسي وحين تصبح ثلاث مرات، يكفيك من كل شيء (١)، كما صح عن النبي ﷺ .
(د) وكان ﵊ يعوذ الحسن والحسين ويقول: إن أباكما كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق «أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان، وهامة، ومن كل عين لامة) (٢). والهامة ذات السموم، وقيل: كل ما له سم يقتل، واللامة: كل داء وآفة تلمّ بالإنسان من جنون وخبل (٣).
(هـ) وصح في الخبر عن النبي ﷺ أنه قال: «من نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك».
فهل يصعب عليك ذلك يا أخا الإسلام وأنت محتاجٌ لذلك لكثرة حلولك وارتحالك؟ وهل تعجز أن تقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة «بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء» ثلاث مرات؟ وهي كفيلة بإذن الله أن لا يضرك أي شيء كما صح عن النبي ﷺ (٤).
أيها المسلمون، وكتب الأذكار مليئةٌ بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي يدفع الله بها، ويمنع من كل مكروه .. وحري بالمسلم أن يطالعها ويعمل بها
стр. 436
ويحافظ على ورده منها صباحًا ومساءً، وأن يعلمها أهله وذويه، ومع المحافظة لابد من الصدق والإيمان والثقة بالله والاعتماد عليه، وانشراح الصدر لما دلت عليه، فبذلك ينفع الله بهذه الأوراد، ويدفع، كما قرره أهل العلم (١).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً (٨٢) وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُوساً (٨٣) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً﴾ (٢).
نفعني الله وإياكم بهدى القرآن وسنة المصطفى ﵊.
стр. 437
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحبُّ ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خيرٌ حافظًا وهو أرحم الراحمين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله نصح الأمة ورسم لها طريق الاستقامة. اللهم صل وسلم عليه وعلى إخوانه من الأنبياء ...
أيها المسلمون، وإذا وقع السحر أو حصل الأذى على المسلم بشكل عام فحريٌ به أن يصبر ويحتسب، وتزداد ثقته بالله وتوكله عليه، وأن يضرع إليه بالدعاء لكشف الضر، فلا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا جُناح عليه بفعل الأسباب المباحة شرعًا لعلاج السحر فما هي وسائل علاج السحر بعد وقوعه؟ .
لاشكَّ أن الرقى والتعاويذ الشرعية سبب مهمٌ، وعلاج نافع بإذن الله، كيف لا والله يقول: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ﴾ (١).
والرسول ﷺ يقول: « .. لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك» (٢) وفي حديث آخر «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه» (٣).
قال أهل العلم: إن الرُّقى تكون مشروعةً إذا تحقق فيها ثلاثة شروط:
الأول: أن لا يكون فيها شرك ولا معصية كدعاء غير الله.
الثاني: أن تكون بالعربية أو ما يفقه معناه.
الثالث: أن لا يعتقد كونها مؤثرةً بنفسها، أن يكون القارئ لها صالحًا وموقنًا بنفعها.
стр. 438
أيها المسلمون، وينفع الله بالرقى المشروعة- وقايةً أو علاجًا- إذا توفر صدق اليقين، والتوكُّلُ، وكونُ القلبِ معمورًا بذكر الله ودعائه ... وفي هذا يقول الإمام ابن القيم، ﵀:
( ... فالقلب إذا كان ممتلئًا من الله، معمورًا بذكره، وله من التوجُّهات والدعوات والأذكار والتعوُّذات وردُ لا يُخَلُّ به، يطابقُ فيه قلبه لسانَه كان هذا من أعظم الأسباب التي تمنع إصابة السحر له، ومن أعظم العلاجات له بعد ما يصيبه ... ) إلى أن يقول- موضحًا من يتأثرون بالسحر- (وعند السحرة أن سحرهم إنما يتم تأثيُره في القلوب الضعيفة المقفلة، والنفوس الشهوانية التي هي معلقة بالسُّفليات، ولهذا فإن غالب ما يؤثر في النساء، والصبيان، والجهال، وأهل البوادي، وقد ضَعُف حظُّه من الدين والتوكل والتوحيد، ومَن لا نصيبَ له من الأوراد الإلهية، والتعوذات النبوية) (١).
ئانيًا: ومن طرق علاج السحر بعد وقوعه بذل الجهود في معرفة موضع السحر، واستخراجه وإبطاله، والاستعانة على ذلك بالدعاء والتضرع لله، كما صح ذلك عن النبي ﷺ أنه سأل ربه- حين سُحِرَ- فدُلَّ على مكان السحر .. وفي هذا تقول أم المؤمنين عائشة، ﵂: (حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة، وهو عندي، لكنه دعا، ودعا، ثم قال: يا عائشة، أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه؟ أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ فقال: مطبوب، قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشمٍ ومُشاطة، وجُفِّ طلعةِ نخلةٍ ذكر، قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان، فأتاها رسول الله ﷺ ، في ناسٍ من
стр. 439
أصحابه، فجاء فقال: يا عائشة، كأن ماءها نقاعةُ الحناء، وكأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين» (١).
وهكذا أطلع الله نبيه على موضع السحر فاستخرجه واستراح منه، وعصمه الله من آثاره السيئة، ولم يكن ذلك قادحًا في مقام النبوة كما قرر أهل العلم. قال القاضي رياض، فظهر بهذا أن السحر إنما على جسده وظواهر جوارحه لا على تميزه ومعتقده، بل ذهب بعضُ أهل العلم إلى أن ذلك من دلائل نبوته وعلائم عصمته حيث دله الله على مكانه ولم يؤثر فيه السحر، وفي مرسل عبيد الرحمن بن كعب عند ابن سعد (فقالت أختُ لبيد بن الأعصم: إن يكن نبيًا فسيُخبر، وإلا فسيذهله هذا السحر حتى يذهب عقله) (٢).
أيها المسلمون وهنا يرد السؤال: هل يجوز الذهاب للسحرة للتعرف منهم على مكان السحر ومن سحر؟ وما معنى قول ابن المسيب كما في البخاري معلقًا عن قيادة: قلت لابن المسيب: رجل به طِبٌ أو يُؤخذ عن امرأته أيحل عنه أن ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه (٣).
أقول سبق البيان في الخطبة الماضية عن حكم الذهاب للسحرة لسؤالهم أو تصديقهم .. وأنقل لكم الآن طرقًا من أقوالِ أهلِ العلم في حل السحرِ عن المسحور يقول ابن القيم ﵀: حلُّ السحر عن المسحور نوعان، أحدهما: حلُّ بسحرٍ مثله وهو الذي من عمل الشيطان ..
والثاني النشرة بالرقية والتعويذات والأدوية والدعوات المباحث فهذا
стр. 440
جائز .. أما ما رواه البخاري عن ابن المسيب، فهو محمول على نوع من النشرة لا محذور فيه، لأن الحديث قد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «لما سئل عن النشرة: هي من عمل الشيطان» (١) وقال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم يرحمه الله: وقال بعض الحنابلة: «يجوز الحُّل بسحرٍ ضرورةً، والقول الآخر أنه لا يحل، وهذا الثاني هو الصحيح .. - في كلامٍ وتدليلٍ يطول نقله-» (٢) ويقول سماحة الشيخ ابنُ باز ﵀: «وأما علاجُ السحر بعمل السحرةِ الذي هو التقربُ إلى الجنِ بالذبح أو غيره من القربات، فهذا لا يجوز لأنه من عمل الشياطين، بل من الشرك الأكبر فالواجب الحذر من ذلك كما لا يجوز علاجه بسؤال الكهنة والعرافين والمشعوذين واستعمال ما يقولون لأنهم لا يؤمنون ولأنهم كذبةٌ فجرةٌ يدَّعون علم الغيب ويلبسون على الناسِ، وقد حذر الرسول ﷺ من إتيانهم وسؤالهم- كما سبق بيان ذلك» (٣) أهـ.
ثالثًا: ومن الأدوية المباحة لعلاج السحر: الحجامة وقد فصل القول فيها ابن القيم، وأجاب عن العلاقة بين السحر والحجامة (٤) ....
كما ذكر ابن بطال، ونقله ابن حجر في الفتح، وابن باز في رسالته عن السحر علاجًا يصلح للرجل إذا حبس عن أهله: وهو: أن يأخذ سبع ورقاتٍ من سدر أخضر فيدقه بين حجرين، ثمَّ يضربه بالماء، ويقرأ فيه آية الكرسي، وقل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، وثم يحسو منه ثلاث
стр. 441
حسيات ثم يغتسل به، فإنه يذهب عنه كلَّ ما به وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله) (١).
(ألا فاتقوا الله عباد الله وإذا تداويتم فلا تتداووا بالحرام، يقول ﵊ «إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواءً، فتداووا، ولا تداووا بالمحرم» (٢). وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود ﵁ «إن الله لم يجعل شفاءكم في ما حرم عليكم» (٣).
ألا وإني أُذكر المسلمينَ عمومًا والمرضى بالسحر خصوصًا .. التضرع إلى الله وسؤاله الشفاء وفي محكم التنزيل ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (٤).
وأُخوِّفُ السحرة والمشعوذين بالله وأن يتوبوا إلى بارئهم وأن يكفوا عن أذى خلقه، فإن أمد الحياة قصير، والله يمهل الظالم ولا يهمله، وإذا أخذه فإن أخذه أليم شديد .. وفرق بين سحرة فرعون حين كانوا سحرة أشرارًا وحين، انضموا إلى قافلة المؤمنين فخروا لله ساجدين وكان مما قالوا: ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَن تَزَكَّى﴾ (٥).
اللهم اصرف عنا الأشرار، وأبطل كيد الفجار، وثبت الهداة الأخيار، واهد إليك قلوب العباد ...
стр. 442
آفة العين وطرق الوقاية والعلاج (١)
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، اللهم صل وسلم عليه، وعلى إخوانه من الأنبياء، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
فأما بعد فأوصي نفسي وإياكم، معاشر المسلمين، بتقوى الله امتثالاً لقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (٣).
أيها المسلمون، وحديث اليوم امتداد للحديث السابق عن الآفات والعلل التي تُصيبُ بعض بني الإنسان، وكيف يحفظ الله منها.
حديث اليوم عن آفة تستنزل الفارس عن فرسه و (تورد الرجلَ القبرَ وتُدَّخِلُ الجمل القِدْرَ) (٤).
إنها «العين» و (العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين، وإذا
стр. 443
استغسلتم فاغتسلوا) (١) كذا قال المصطفى ﷺ .
جاءت الإشارة إلى العين في القرآن الكريم على لسان يعقوب ﵇ حين خاف على أبنائه فقال: ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (٢).
وهكذا يفعل المؤمنون الأسباب، ويبقى التوكل على الله ملاذًا آمنًا، ومعتقدًا صادقًا، يأخذون بالحيطة والحذر، ويؤمنون بالقضاء والقدر، ويثقون بقدرة الواحد الأحد ﴿وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾.
وجاء في القرآن أيضًا إخبارٌ من الله لرسوله ﷺ عن حسد الكافرين له، ومحاولة إنفاذه بأبصارهم ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ (٣).
قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: (لَيُزْلِقُونَكَ) أي يعينونك بأبصارهم، بمعنى يحسدونك ... قال ابن كثير: وفي هذه الآية دليلٌ على أن العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر الله كما ورد بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة) (٤).
إخوة الإيمان، وينبغي أن يعلم أن العين إنسيةٌ وجنِّيةٌ، بمعنى أنها تصيب من الجنّ كما تُصيبُ من الإنس، فعن أم سلمة، ﵂، أن رسول الله صلى الله عنه وسلم قال لجارية
стр. 444
في بيتها، رأى في وجهها سفعة: (بها نظرة استرقوا لها) (١).
والسفعة علامة من الشيطان، وقيل ضربةٌ واحدةٌ منه (٢). والمعنى: بها عينٌ أصابتها نظرةٌ من الجن أنفذ من أسنة الرماح (٣).
ولهذا (كان ﷺ يتعوذ من (الجان)، ومن (عين الإنسان) حتى إذا نزلت المعوذتان أخذ بهما، وترك ما سوى ذلك) (٤).
عباد الله، ومع ثبوت العين وأثرها بإذن الله، حتى قال ﵊ «أكثر من يموت من أمتي بعد قضاء الله وقدره بالعين) (٥). فلا ينبغي الإفراط ولا التفريط بشأنها، وكما لا يسوغ إنكارها .. فلا ينبغي الإسراف بشأنها ونسبة كل شيء إليها .. وفوق ما مضى من الأدلة يردُّ ابن القيم، ﵀، على المنكرين لأثر العين بقوله: (فأبطلت طائفةٌ ممن قل نصيبهم من السّمع والعقل، أمر العين وقالوا: إنما ذلك أوهامٌ لا حقيقة لها، وهؤلاء من أجهل الناس بالسمع والعقل، ومن أغلظهم حجابًا، وأكثفهم طباعًا، وأبعدهم معرفةً عن الأرواح والنفوس وصفاتها وأفعالها وتأثيراتها، وعقلاءُ الأمم علي اختلاف مللهم ونِحَلهم، لا تدفع أمر العين ولا تُنكرِه، وإن اختلفوا في سببه، وجهة تأثير العين .. ) (٦).
أما المسرفون بشأن العين فتطاردهم الأوهام، ويحاصرهم القلق، ويضيف عندهم اليقين، ويختل ميزان التوكل. أولئك يعظمون البسيط، وينسبون كل
стр. 445
إخفاق أو فشل إلى العين، وإن لم يكن بهم عين، وربما استدرجهم الشيطان فأمرضهم وما بهم مرض، وأقعدهم عن العمل وما بهم علّة، ذلكم أن نسبة العجز والكسل إلى الآخرين أسهل من الاعتراف به وتحمّل لوم الآخرين.
وبين هؤلاء الجفاة والغلاة تقف طائفة من الناس موقفًا وسطًا، تؤمن بالعين وتصدق بآثارها نقلاً وعقلاً، ولا تُغالي فتنسب كل شيء إليها، تتقي العين قبل وقوعها، وتفعل الأسباب المأذون بها شرعًا بعد وقوعها.
أيها المسلمون، وإذا كان هذا كله يقال (للمَعين) فيقال للعائن: اتق الله، ولا تضر أحدًا من إخوانك المسلمين، وإياك والحسد فإنه منفذٌ للعين فكل عائنٍ حاسدٌ، وليس كل حاسدٍ عائنًا، ولما كان الحاسدُ أعمَّ من العائن كما في قوله تعالى ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ (١).
والعائن ربما فاتته نفسه أحيانًا، فوقعت منه العين، وإن لم يردها، وقد يكون العائن صالحًا، وربما أصاب أقرب الناس إليه، وإن لم يقصد، من والدٍ أو ولد. ولذا يوصى المسلم عمومًا، والعائن خصوصًا بذكر الله والتبريك حينما يعجبه شيء، وتلك وصية من وصايا الحبيب المصطفى ﷺ يأمرنا بها حين يقول:
«وإذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو من أخيه ما يُعجبُه فليَدعُ له بالبركة فإن العين حق) (٢).
إن النفوس المؤمنة لا يفارقها الذكر، ولا ترضى للآخرين بالضُّرِّ، ويصاحبها الدعاء والتبريك والشكر ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ
стр. 446
بِاللَّهِ﴾ (١). على أن المسلم نفسه ينبغي أن يحتاط لنفسه، ويدفع غوائل الشر عنه ما استطاع، وإذا كانت العينُ سهمًا تخرجُ من نفس الحاسد أو العائن نحو المحسود والمعين فهي تصيب تارةً وتُخطئُ تارة، فإن صادفته مكشوفًا لا وقاية عليه أثرت فيه ولابد، وإن صادفته حذرًا شاكي السلاح لا مَنفَذَ فيه للسهام لم تؤثر فيه (٢) كذا قال العارفون.
فإن قلتَ: وكيف أتقي العين؟ وما أعظم سلاح ألوذُ به؟ أجبت بأن الأذكار والأوراد الشرعية أعظم ما يحفظ الله بها الإنسان، فاسم الله الأعظم لا يضر معه شيء، و (قل أعوذ برب الفلق)، و (قل أعوذ برب الناس) ما تعوذ متعوذ بمثلهما، وقراءة آية الكرسي والآيتين الأخيرتين من سورة البقرة يحفظ الله بهما عباده المؤمنين، وقد سبق لك البيان ... إلى غير ذلك من أوراد الصباح والمساء التي بسطها العلماء في كتب الأذكار.
قال ابن القيم: ومما يدفع به إصابة العين قول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، روى هشام بن عروة عن أبيه أنه كان إذا رأى شيئًا يُعجبهُ أو دخل حائطًا من حيطانه قال: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله.
ومنها رُقية جبريل ﵇ للنبي ﷺ التي رواها مسلم في صحيحه (بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك، باسم الله أرقيك) (٣).
ولقد رخص النبي ﷺ بالرقية، وقال لأسماء بنت عُمَيس، ﵂: (مالي أرى
стр. 447
أجسام بني أخي ضارعة- أي نحيفة-؟ يصيبهم الحاجة؟ قالت: لا، ولكن العين تسرع إليهم، فقال: ارقيهم، فعرضت عليه فقال: ارقيهم) (١).
أعوذ الله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم.
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِن شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾.
نفعني الله وإياكم بهدي الكتاب، وسنة المصطفى ﵇، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 448
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، أحمده تعالى وأشكره، وأثني عليه الخير كله، وهو أهل الثناء والحمد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
أيها المسلمون، ومن وسائل اتقاء العين- أيضًا- التبريك، وهو قولك: (اللهم بارك عليه) للشيء تراه أو يُذكرُ لك فيُعُجبُكَ، إذ قد تقع منك العين وإن لم تردها، فعن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: (اغتسل أبي، سهل بن حنيف، بالخرار (١) فنزع جبةً كانت عليه، وعامرٌ بنُ ربيعةَ ينظر إليه، وكان سهلُ شديدَ البياض، حسنَ الجلد، فقال عامر: ما رأيتُ كاليوم، ولا جلدَ مخبأةٍ عذراء، فوُعكَ سهلٌ مكانه واشتد وعكه، فأخبر رسول الله ﷺ بوعكهِ فقيل له: ما يرفعُ رأسه، فقال: هل تتهمون له أحدًا؟ قالوا: عامر بن ربيعة، فدعاه رسول الله ﷺ فتغيَّظَ عليه فقال: علامَ يقتلُ أحدُكم أخاه؟ ألا برَّكتَ؛ اغتسل له، فغسل عامرٌ وجههُ ويديهِ، ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه، وداخِلَةَ إزاره في قَدَحٍ، ثم صُبَّ عليه من ورائه، فبرأَ سهلٌ من ساعتِه) (٢).
عباد الله، وإذا كان التبريك سببًا واقيًا بإذن الله عن وقوع العين، فإن اغتسال العائن ووضوءه بماء يُصب على المعين شفاءٌ له بإذن الله- كما سمعتم بقصة سهل بن حنيفٍ وعامر بن ربيعة، ﵄ وهو مفسرٌ لقوله، ﷺ ، «وإذا استغسلتم فاغتسلوا» (٣).
стр. 449
ولذا، فينبغي للمسلم ألا يمتنع عن الاغتسال إذا اتهمه أهل المعين، أو أحسّ هو من نفسه أنه عانَ أحدًا من المسلمين.
أيها المسلمون، وثمة وقايةٌ من العين، بإذن الله، يغفل عنها كثيرٌ من الناس، ألا وهي: ستُر محاسن من يخاف عليه العين، بما يردها عنه، فقد ذكر البغوي في شرح السنة أن عثمان، ﵁، رأى صبيًا مليحًا، فقال: (دسموا نونته كيلا تُصيبه العين).
ثم شرحه بقوله: ومعنى دسّموا: أي سودوا، والنونة: الثقبة أو النقرة التي تكون في ذقن الصبي الصغير (١).
إخوة الإيمان، ويبقى بعد ذلك أمران مهمان: يسنُ التنبيه إليهما- حين الحديث عن العين-.
الأول منهما: ألا أكثر من التطير والتشاؤم، وأحسن الظن بالله، وتُقوي جانب التوكل عليه، وأن يلازمنا الفأل الحسن فقد كان ﵊ يُعجبه الفأل، ونهى عن الطيَرة فقال: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن يُذهبُه الله بالتوكل» (٢). وفي قوله: وما منا إلاّ ولكن: أي وما منّا إلا ويعتريه التطّير، ويسبق إلى قلبه لكراهة له .. ولكنّ الله يُذهبه بالتوكل، ولا يؤاخذه الله بما عرض له، ولم يعبأ له وسلم أمره لله (٣).
ثانيًا: ألا ننسى حظوظ النفس وآثار المعاصي في وقوع المصائب والكوارث لبني الإنسان، فكثيرٌ من الناس إذا وقع لهم مرضٌ أو اعترته مصيبةٌ عزاه للعين
стр. 450
مباشرة دون أن يتهم نفسه، أو يفتش في أحواله وعلاقته بربه، صحيحٌ أن العين حق- وقد سبق البيان- ولا يُماري في ذلك مسلمٌ يؤمن بنصوص الكتاب والسنة، ولا عاقلٌ يرى أثر العين رأي العين ... ولكن الذي ينبغي ألا يُنسى أن للذنوب أثرًا في وقوع المصائب، كيف لا؟ والحق ﵎ يقول:
﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (١).
قال الحسن: لما نزلت هذه الآية قال النبي ﷺ : «ما من اختلاجِ عِرقٍ، ولا خدشِ عودٍ، ولا نكبة حجر إلا بذنب، ولمِاَ يعفو الله عنه أكثرُ» (٢). وقال عكرمة: ما من نكبةٍ أصابت عبدًا فما فوقها إلا بذنوب لم يكن الله ليغفره له إلا بها، أو لينال درجة لم يكن ليوصله إليها إلا بها» (٣).
ويقول تعالى: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ (٤). روى الإمام مسلم، عن أبي هريرة، ﵁، قال: لما نزلت هذه الآية بلغت من المسلمين مبلغًا شديدًا، فقال رسول الله، ﷺ : «قاربوا وسددوا، ففي كل ما يصاب به المسلم كَفَّارة، حتى النّكبَةُ يُنكُبها، أو الشوكة يُشاكها» (٥).
قال ابن عبد البر، ﵀: (الذنوب تكفرها المصائب والآلام، والأمراض والأسقام، وهذا أمر مجتمع عليه) (٦).
أيها المسلمون، ولا يقف الأمر في المصائب التي يبتلي الله بها عباده عند
стр. 451
حدود تكفير السيئات، بل فيها زيادة حسناتٍ ورفعة درجات، فعن أم المؤمنين، عائشة ﵂ قالت: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما ضرب على مؤمن عرقٌ قطُّ إلا حطّ الله به عن خطيئته، وكتب له حسنة، ورفع له درجةً) (١).
ألا فاحتسبوا ما يُقدّر الله عليكم من المصائب والأسقام .. واستغفروا ربكم واشكروه، ولا تُحيلوا كل شي للعين وإن كانت العين حقًا.
عصمني الله وإياكم من الذنوب والآثام، وعافانا والمسلمين من كيد الفجار وحسد الحساد.
стр. 452
دلائل الإيمان في القرآن (١)
الحمد لله رب العالمين، خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فالق الحب والنوى، يُخرج الحيَّ من الميتِ، ومخرج الميت من الحي، ذلكم الله فأنى تُؤفكون، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، أزكى البشرية وأتقاها، وأعظمها إيمانًا بربِّ العالمين، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن أصحابه الغر الميامين، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
فأما بعد أوصيكم ونفسي بتقوى الله، ولزوم طاعته، فتلك وصية الله للأولين والآخرين ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً﴾ (٢).
أيها المسلمون، ، ويقلبُ العقلاء أفئدتهم وأبصارهم في ملكوت الله العظيم فيزيدهم ذلك إيمانًا بعظمة الخالق، ودقة الصانع: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٣).
ويتأمل المختصون بعلوم البحار في عالم البحار، وقاع المحيطات، فيرون في اختلاف مياهها ملوحةً أو عذوبةً، حرارةً أو برودةً، وأنواعًا من الحيتان
стр. 453
تختلف أشكالها، وطعومها، وأحجامها، وخَلَقًا آخر، وجواهرَ، ودُررًا لا يُحيطُ بها إلا من خلق وهو اللطيف الخبير. فمن أقام بين البحرين حاجزًا، وجعل بينهما برزخًا وحجرًا محجورًا؟ ومن أزجي الفلك وسيّرها على ظهره وأجرى الرياح وسخرها ليبتغي الناس من فضله؟ أو ليس الله رب العالمين ... فبأي آلاء ربكما تكذبان؟ ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ (٣٢) إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ﴾ (١).
ويقرأ العالمون بالفلك ويرى غيرهم في عالم السماء كيف رفع الله السبع الشداد بلا عمد، وجعلَ فيها أنواعًا من المخلوقات لا يعلمها إلا الله، وأودع فيها من الغيوب والأرزاق ما اختص الله بعلمه، وينزله للناس في حينه بقدر ويُبصِر الناسُ، كلَّ الناسِ، كيف زيَّن الله السماء الدنيا بمصابيح يهتدي بها المسافرون، ويُرجَم بها الشياطين، وجعل للنجوم مواقع، وللشمس والقمر منازل بها يستدل الحاسبون، ويعرف الناسُ الأزمان والشهور .. تُرى مَن أجراها على الدوام وسخرها، وأغطش ليلها وأخرج ضحاها؟ إنه الله الولي الحميد. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢).
ويح أولئك الذين لا يشكرون، وما أكثر الذين هم عن نعم ربهم غافلون
стр. 454
﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ (١).
أيها السلمون ويبحث علماء الجغرافيا أو الجيولوجيا في طبقات الأرض العلوية أو السفلية، فيرون مختلف الجبال وأنواع الصخور، فهذه جُددٌ بيض وتلك حُمرٌ مختلفٌ ألوانُها، وثالثة غرابيب سود، ويلفت نظرهم قممُ الجبالِ العالية وبطون الأودية السحيقة وبين هذا وذاك تنبت أنواعٌ من النباتات وتنتشر أنواع من الحيوانات وإذا اعتدل الهواء في المناطق المتوسطة باتت قمم الجبال العالية السوداءِ بيضاءَ من الثلوج النازلة، وفي حين تنعدم الحياة في المناطق الاستوائية لشدة الحرارة ... تُرى من قَدَّر لهذه وتلك قَدَرهَا .. وهل في مُكنةِ البشر أن ينقلوا جوَّ هذه إلى تلك أو العكس ... أو يبعثوا الحياةَ في الأرض الميتة .. ؟ ! كلا بل هو الله العليم القدير، ويدرك العالمون أكثر من غيرهم أن جوف الأرض يحتفظ بأنواع من المياه الجوفية تختلف في مخزونها، وفي مذاقها، وقربها أو بعدها، فمَن يُمسك البنيانَ إذ يُبنى على ظهر الماء؟ ومن يمنع الأرض أن تتحول إلى طوفان بطغيان الماء في أعلاها وأسفلها إلا الله الذي أنزل من السماء ماء بقدَرٍ فأسْكنه في الأرض، وهو القادر على أن يذهب به متى شاء.
وعلى سطح البسيطة تنتشر أنواعٌ من البشر، تختلف في ألوانها وألسنتها، وتختلف في عوائدها وطرائق حياتها، فمن بثّها وبعث الحياة فيها وألهم كلّ نفس فجورها وتقواها؟ إنه الله يعرفه ويخشاه العالمون، ولا يكفر به إلا الظالمون المعاندون.
стр. 455
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (١).
إخوة الإيمان، ودلائل الإيمان تبدو للإنسان نفسه حتى وإن كان أُميًا، وهو يتأمل في نفسه، ويبصر عظمةَ الخلق فيها، كيف خلقها الله ابتداءً من ماءٍ مهين، ثم كانت بهذا الشكل القويم، وأودع فيها من أسرار الخلق ما يعجز الطب عن كنهه، ويبقى الأطباء في حيرة منه ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (٢).
وهذا نموذجٌ للإعجاز والتحدي.
تُرى من يرعى دقات قلب المرء في حال اليقظة والمنام؟ وأقرب الناس إليه لا يملك من أمره شيئًا؛ بل وهل يملك الإنسان نفسه التصرف في حركة التنفس؟ فيتنفسن متى شاء، ويوقف أنفاسه إذا لم يشاء؛ ألم ير الإنسان كيف يُدخل الطعام مدخلاً ثم يُخرجه الله مخرجًا آخر؟ أله في ذلك قدرةٌ وشأنٌ؟ وما حيلته لو اختنق النفسُ أو احتبس البول؟ كم في جسم الإنسان من جهاز وطاقة؟ وكم فيه من أعضاءٍ وخلية؟ أيملك التصرفَ بشيءٍ منها؟ وصدق الله وهو أصدق القائلين ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ وهو القائل: ﴿خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (٣).
إن القرآن، يا عباد الله، كتاب مفتوح للتأمل في ذات الإنسان وفي ملكوت الله، وخلقْه الآخر، وكم تُلفت آيات القرآن للتأمل والعبرة، وتدعو للتفكّر،
стр. 456
وتَثرّب على العقول الخاملة، والقلوب الميتة، وكم في القرآن من مثل ودعوة .... وكم من مثل قوله تعالى ﴿أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ﴾، ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾، ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾، ﴿أفلا تؤمنون﴾ ...
﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (١).
فهل يزداد المسلم إيمانًا حين يتلو آيات القرآن؟ وهل يتعاظم الإيمان في قلبه حين يُطلق لفكره وقلبه التأمل في مخلوقات الله العظام؟ .
إن العلم يدعو للإيمان، وإن دلائل القرآن تؤكد نبوةَ محمد ﵊، فَمن أين لمحمدٍ الأمّيِّ أن يخبَر عن حركات الأمواج ويصف الظلمات في البحار اللجيّة، ويقول للناس: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ (٢)
تُرى أركب البحر محمدٌ ﷺ ، أم توفر له في حينه ما توفر في عالم اليوم من الغواصات والآلات؟ كلا .. إن هو ﴿إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٣).
بل ومن أين لمحمد ﷺ الذي عاش في بيئةٍ يقلّ فيها العلم، وينتشر فيها الجهل أنْ يخبر عن أطوار خَلْق الجنين في بطن أُمِّه، كما قال تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ (٤). وإذا لم يعلم محمد ﷺ بهذه الظلمات قبل تعليم الله إياه، افتراه يعلم أو يقول من ذات نفسه عن خلق الإنسان ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً
стр. 457
فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (١).
تُرى هل مارس محمد ﷺ الطبَّ أم كان على صلةٍ بالأطباء، وهل كان الأطباء حينها يعلمون ذلك؟ كلا، بل هو كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ﴾ (٢).
نفعني الله وإياكم بهدي الكتاب وسنة الحبيب المصطفى ﷺ .
стр. 458
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، أعطى كل شيءٍ خلقه ثم هدى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمات وأحيا، وخلق الزوجين من نطفة إذا تمنى، أمسك السموات والأرض أن تزولا، وأهلك عادًا الأولى، وثمودَ فما أبقى والمؤتفكة أهوى فغشاها ما غشى، فبأي ءالاء ربك تتمارى ...
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أنزل الله عليه من البينات والهدى ما تخشع له الصخور الصم، وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار، وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء، وإن منها لما يهبط من خشية الله، وما الله بغافل عما تعملون ... اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين.
عباد الله، ويجد المتدبِّرُ لكتاب الله ألوانًا من المواعظ والعبر، تدعوه إلى الإيمان إن كان في بحثه صادقًا، وتُثِّبتُ إيمانه وتزيده إن كان من قبلُ مؤمنًا، وقل أن يستفيد من وقفات القرآن من يهذه هذ الشعر أو يقرؤه كما يقرأ الكتاب أو الجريدة، كحال من يختمون القرآن وهم لا يفقهون منه شيئًا .. إن أثر القرآن عظيمٌ في النفوس حين تقشعر منه الجلود، ثم تلين له القلوب، وإن مواعظه وعِبَره أكثر من أن تُحصى حين يُقْرأُ بتأملٍ وتدبُّر ... وحسبُنا في هذه الوقفة أن نذكر بمنهج القرآن في تثبيت الإيمان من خلال دلائل الكون في الأنفس والآفاق، ومن عظمة القرآن أن تبقى مواعظه صالحةً نافعةً في كلِّ زمان ومكان، أبى الله أن يبلى كتابه، أو يَخْلق من كثرة الترداد على تعاقب الأجيال.
وإليكم نموذجًا يلفت فيه ربنا ﵎ أنظارنا من خلال آي القرآن إلى التأمل والاعتبار، في مشاهد تتكرر في كل آن، ونراها رأي العيان، ومع ذلك فقد نغفل عنها كثيرًا، أو لا تدعونا لمزيد من الإيمان .. للجهل بها أو لكثرة
стр. 459
أُلْفها، أو لثباتها، علمًا بأن في ثباتها واستمرارها دليلاً على بقاء موجدها على الدوام.
تأملوا الحدَث واستلهموا العبرة، وجددوا الإيمان، يقول ﵎:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً (٤٥) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً (٤٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً (٤٧) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً (٤٩) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً (٥٠) وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً (٥١) فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً (٥٢) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً (٥٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً (٥٤) وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيراً﴾ (١).
قال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآيات: من هاهنا شرع في بيان الأدلة الدالة على وجوده وقدرته التامة على خلق الأشياء المختلفة والمتضادة. ونقل عن ابن عباس وابن عمر وغيرهم أن المقصود بالظل في الآية هو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ولو شاء لجعله ساكنًا، أي مستمرًا، ولولا أن الشمس تطلع عليه لما عُرف ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً﴾ ثم يقبض الله الظل حتى لا يبقى منه في الأرض إلا ما كان تحت سقفٍ أو شجرة (تفسير ابن كثير عند آيات الفرقان). يقول صاحب الظلال: (هذا التوجيه إلى تلك الظاهرة التي نراها كل يوم، ونمر بها غافلين هو طرفٌ من منهج القرآن في استحياء الكون
стр. 460
دائمًا في ضمائرنا، وفي إحياء شعورنا بالكون من حولنا، وفي تحريك خوامد إحساسنا التي أفقدها طول الألفة إيقاع المشاهد الكونية العجيبة، وطرفٌ من ربط العقول والقلوب بهذا الكون الهائل العجيب (١).
أيها المسلمون، كم في إرسال الرياح وإنزال المطر من آية تدل على أن مرسلها ومنزل المطر بعدها واحدٌ قادر، والرياح كما يقول العلماء أنواع في صفاتٍ كثيرة من التسخير، فمنها ما يثير السحاب ومنها ما يحمله، ومنها ما يسوقه، ومنها ما يكون بين يدي السحاب مبشرًا، ومنها ما يكون قبل ذلك تقُمُّ الأرض، ومنها ما يلقح السحاب ليمطر، وإلى ذلك أشار ربنا في قوله:
﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ (٢) وآيات غيرها في القرآن كثير. فإذا أنزل الله المطر أحيا به الأرض، روى عكرمة قال: ما أنزل الله من السماء قطرةً إلا أنبت بها في الأرض عشبةً، أو في البحر لؤلؤة. ومع هذه القدرة البالغة، فلله القدرة كذلك على تصريفه من مكان لآخر، وسَقي هذه الأرض أو البلد دون تلك- ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا ... ﴾ (٣).
قال ابن عباس وابن مسعود، ﵃: ليس عامٌ بأكثر مطرًا من عام، ولكن الله يصرفه كيف يشاء، ثم قرأ هذه الآية ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا ... ﴾ والقدرةُ هنا مُذكّرة بالقدرة على إحياء الموتى بعد أن كانت عظامًا ورفاتًا، أو ليذّكّر من مُنع المطر أنما أصابه ذلك بذنبٍ أصابه، فيقلع عما هو فيه ... كذا نقل الحافظ ابن كثير ﵀ في معنى الذكرى هنا (٤).