← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وتَثرّب على العقول الخاملة، والقلوب الميتة، وكم في القرآن من مثل ودعوة .... وكم من مثل قوله تعالى ﴿أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ﴾، ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾، ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾، ﴿أفلا تؤمنون﴾ ... ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (١). فهل يزداد المسلم إيمانًا حين يتلو آيات القرآن؟ وهل يتعاظم الإيمان في قلبه حين يُطلق لفكره وقلبه التأمل في مخلوقات الله العظام؟ . إن العلم يدعو للإيمان، وإن دلائل القرآن تؤكد نبوةَ محمد ﵊، فَمن أين لمحمدٍ الأمّيِّ أن يخبَر عن حركات الأمواج ويصف الظلمات في البحار اللجيّة، ويقول للناس: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ (٢) تُرى أركب البحر محمدٌ ﷺ ، أم توفر له في حينه ما توفر في عالم اليوم من الغواصات والآلات؟ كلا .. إن هو ﴿إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٣). بل ومن أين لمحمد ﷺ الذي عاش في بيئةٍ يقلّ فيها العلم، وينتشر فيها الجهل أنْ يخبر عن أطوار خَلْق الجنين في بطن أُمِّه، كما قال تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ (٤). وإذا لم يعلم محمد ﷺ بهذه الظلمات قبل تعليم الله إياه، افتراه يعلم أو يقول من ذات نفسه عن خلق الإنسان ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً

стр. 457

فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (١). تُرى هل مارس محمد ﷺ الطبَّ أم كان على صلةٍ بالأطباء، وهل كان الأطباء حينها يعلمون ذلك؟ كلا، بل هو كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ﴾ (٢). نفعني الله وإياكم بهدي الكتاب وسنة الحبيب المصطفى ﷺ .

стр. 458

الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، أعطى كل شيءٍ خلقه ثم هدى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمات وأحيا، وخلق الزوجين من نطفة إذا تمنى، أمسك السموات والأرض أن تزولا، وأهلك عادًا الأولى، وثمودَ فما أبقى والمؤتفكة أهوى فغشاها ما غشى، فبأي ءالاء ربك تتمارى ... وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أنزل الله عليه من البينات والهدى ما تخشع له الصخور الصم، وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار، وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء، وإن منها لما يهبط من خشية الله، وما الله بغافل عما تعملون ... اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين. عباد الله، ويجد المتدبِّرُ لكتاب الله ألوانًا من المواعظ والعبر، تدعوه إلى الإيمان إن كان في بحثه صادقًا، وتُثِّبتُ إيمانه وتزيده إن كان من قبلُ مؤمنًا، وقل أن يستفيد من وقفات القرآن من يهذه هذ الشعر أو يقرؤه كما يقرأ الكتاب أو الجريدة، كحال من يختمون القرآن وهم لا يفقهون منه شيئًا .. إن أثر القرآن عظيمٌ في النفوس حين تقشعر منه الجلود، ثم تلين له القلوب، وإن مواعظه وعِبَره أكثر من أن تُحصى حين يُقْرأُ بتأملٍ وتدبُّر ... وحسبُنا في هذه الوقفة أن نذكر بمنهج القرآن في تثبيت الإيمان من خلال دلائل الكون في الأنفس والآفاق، ومن عظمة القرآن أن تبقى مواعظه صالحةً نافعةً في كلِّ زمان ومكان، أبى الله أن يبلى كتابه، أو يَخْلق من كثرة الترداد على تعاقب الأجيال. وإليكم نموذجًا يلفت فيه ربنا ﵎ أنظارنا من خلال آي القرآن إلى التأمل والاعتبار، في مشاهد تتكرر في كل آن، ونراها رأي العيان، ومع ذلك فقد نغفل عنها كثيرًا، أو لا تدعونا لمزيد من الإيمان .. للجهل بها أو لكثرة

стр. 459

أُلْفها، أو لثباتها، علمًا بأن في ثباتها واستمرارها دليلاً على بقاء موجدها على الدوام. تأملوا الحدَث واستلهموا العبرة، وجددوا الإيمان، يقول ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً (٤٥) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً (٤٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً (٤٧) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً (٤٩) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً (٥٠) وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً (٥١) فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً (٥٢) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً (٥٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً (٥٤) وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيراً﴾ (١). قال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآيات: من هاهنا شرع في بيان الأدلة الدالة على وجوده وقدرته التامة على خلق الأشياء المختلفة والمتضادة. ونقل عن ابن عباس وابن عمر وغيرهم أن المقصود بالظل في الآية هو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ولو شاء لجعله ساكنًا، أي مستمرًا، ولولا أن الشمس تطلع عليه لما عُرف ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً﴾ ثم يقبض الله الظل حتى لا يبقى منه في الأرض إلا ما كان تحت سقفٍ أو شجرة (تفسير ابن كثير عند آيات الفرقان). يقول صاحب الظلال: (هذا التوجيه إلى تلك الظاهرة التي نراها كل يوم، ونمر بها غافلين هو طرفٌ من منهج القرآن في استحياء الكون

стр. 460

دائمًا في ضمائرنا، وفي إحياء شعورنا بالكون من حولنا، وفي تحريك خوامد إحساسنا التي أفقدها طول الألفة إيقاع المشاهد الكونية العجيبة، وطرفٌ من ربط العقول والقلوب بهذا الكون الهائل العجيب (١). أيها المسلمون، كم في إرسال الرياح وإنزال المطر من آية تدل على أن مرسلها ومنزل المطر بعدها واحدٌ قادر، والرياح كما يقول العلماء أنواع في صفاتٍ كثيرة من التسخير، فمنها ما يثير السحاب ومنها ما يحمله، ومنها ما يسوقه، ومنها ما يكون بين يدي السحاب مبشرًا، ومنها ما يكون قبل ذلك تقُمُّ الأرض، ومنها ما يلقح السحاب ليمطر، وإلى ذلك أشار ربنا في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ (٢) وآيات غيرها في القرآن كثير. فإذا أنزل الله المطر أحيا به الأرض، روى عكرمة قال: ما أنزل الله من السماء قطرةً إلا أنبت بها في الأرض عشبةً، أو في البحر لؤلؤة. ومع هذه القدرة البالغة، فلله القدرة كذلك على تصريفه من مكان لآخر، وسَقي هذه الأرض أو البلد دون تلك- ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا ... ﴾ (٣). قال ابن عباس وابن مسعود، ﵃: ليس عامٌ بأكثر مطرًا من عام، ولكن الله يصرفه كيف يشاء، ثم قرأ هذه الآية ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا ... ﴾ والقدرةُ هنا مُذكّرة بالقدرة على إحياء الموتى بعد أن كانت عظامًا ورفاتًا، أو ليذّكّر من مُنع المطر أنما أصابه ذلك بذنبٍ أصابه، فيقلع عما هو فيه ... كذا نقل الحافظ ابن كثير ﵀ في معنى الذكرى هنا (٤).

стр. 461

عباد الله، ومن ماء السماء إلى ماء الأرض يقص علينا القرآن عجائب قدرة الله ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ (١). فالحلو منها كالأنهار والعيون والآبار، قاله ابن جُريج واختاره ابن جرير، وقال ابن كثير: وهذا المعنى لاشك فيه، فإنه ليس بحر ساكن وهو عذب فرات .. ، أما الملح الأُجاج فهو هذه البحار والمحيطات الكبيرة في المشارق والمغرب، وهذه البحار حين أراد الله أن تكون ساكنة لا تجري، بل تتلاطم أمواجها وتضطرب، أو يحصل فيها المد والجزر بقدرة الله، وهي ثابتة في أماكنها .. حين أراد الله لهذه المياه الغامرة لجزءٍ كبيرٍ من سطح الأرض أن تكون كذلك قدّر- وله الحكمة البالغة- أن تكون مياهها مالحةُ ... أتدرون لماذا؟ قال أهل العلم: خلقها الله مالحة لئلا يحصل بسببها نتن الهواء فيفسد الوجود بذلك، ولئلا تجوى الأرض بما يموت فيها من الحيوان، ولما كان ماؤها ملحًا كان هواؤها صحيحًا وميتتها طيبة (٢) .. أليس ذلك تقدير العزيز العليم؟ بل قيل في حكمة الله وتقديره لعدم اختلاط البحرين: أنّ مجاري الأنهار، غالبًا، أعلى من سطح البحر، ومن ثَمَّ فالنهر العذبُ هو الذي يصبّ في البحر الملح، ولا يقع العكس إلا نادرًا، وبهذا التقدير الدقيق لا يطغى البحر، وهو أضخم وأغزر، على النهر الذي منه الحياة للناس والأنعام والنبات، فتبارك الله أحسن الخالقين (٣). أيها المسلمون، وثمة ماءٌ ثالث هو أعجبُ من ماء السماء وماء البحار .. إنه ماء الحياة ... إنه الماء المهين الذين ينشأُ منه البشر أجمعون، وتنتشر فيه الحياة والأحياء، وتأملوا القدرة الإلهية في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ

стр. 462

نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً﴾ (١) فالمخلوق في إبتداء أمره ولدٌ نسيب، ثم يتزوج فيصير صهرًا، ثم يصير له أصهار وأختان وقرابات ... وكلّ ذلك من ماء مهين .. تلكم من عجائب قدرة الله ... وتلكم أدلة على وحدانية الله .. إلا وإن فيها بواعث للإيمان واليقين لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ...

стр. 463

تمكين ذي القرنين .. الحديث والعبرة (١) إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره .. أيها الإخوة المسلمون، وحيث سبق الحديث عن التوكل وآثاره، وعن صنف من غير المتوكلين وسلوكياتهم، فقد آن الأوان لعوض نموذج للمتوكلين على الله، وأولئك الذين فهموا حقيقة التوكل على الله، وما عطلوا الأخذ بالأسباب المأذون بها شرعًا، فأورثهم ذلك استقامة على الهدى وتمكينًا في الأرض، ورضى الخالق، ومحبة الخلق، دون عُلُوٍ واستكبار، ودون ضعفٍ ومسكنةٍ واستجداء الآخرين، أو تعلق وركون إلى الكافرين. تلك، وربي، هي حقيقة التمكين التي تستحق الإشارة والذكر، وسواها من أنواع الغلبة والرئاسة، لا تعدو أن تكن تسلطًا على رقاب الناس، وتحكمًا في مصالح الخلق ومعاشهم، وحجرًا أبلهًا على أفكارهم ومعتقداتهم، لا تلبث أن تزول لأنها لا تملك مقومات الثبات، ولا تستخدم أسلوب الإقناع، أو تسمع للدليل، بل تقيس الأمور بمقياس السادة والعبيد! هذا التمكين في الأرض مطلبٌ يبحث عنه السادة والزعماء، ويظل يلهثُ في بيداء سرابه المغرمون بالكراسي، فتنقطع أنفاس الكثيرين منهم دون أن يحققوه، لأنه منحةٌ إلهية ذات مواصفات وشروط معينة لا يهبها الله إلا من شاء من خلقه. وغاية ما يمكن أن يحققه الكثير منهم رغد العيش له ولمن حوله، والاستمتاع بشهوات الدنيا فترة من الزمن، وربما فاجأته الأقدار فتكدّر صفو العيش، وتحولت المسرات إلى أحزان، واقتيد الملوك الأباطرة، وأصبحوا في عداد

стр. 464

العبيد المأسورين، وتضاءل الملك العريض من حوله، وكان نصيبه من الدنيا ملجأً ضيقًا يستتر به إن لم يكن حظه سجنًا مظلمًا يُغيَّبُ فيه. وإذا كان هذا جزاءً وفاقًا لما تنكبوا عن صراط الله المستقيم، ونّحوا شرع الله عن أرضه وخلقه، وغرتهم الحياة الدنيا، وغرهم بالله الغرور، فتعالوا بنا لنقف على صورة أخرى من التمكين، ﵂، وخلد القرآن ذكرها وكان ذو القرنين نموذجها: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾ (١). وذو القرنين من عباد الله الصالحين، ونتوقف في نبوته، كما توقف النبي ﷺ ، حين قال «وما أدري، كما توقف النبي ﷺ ، حين قال: «وما أدري أتبع نبي أم لا؟ وما أدري ذا القرنين نبيًا أم لا» (٢). لقد أعطاه الله ملكًا عظيمًا فيه من كل أدوات التمكين والجنود مما يؤتاه الملوك، ودانت له البلاد، وخضعت له ملوك العباد، وخدمته الأمم من العرب والعجم، وطاف الأرض كلها حتى بلغ قرني الشمس، مشرقها ومغربها، ولهذا سمي بذي القرنين. وليس يتم التمكين إلا بالعلم الذي يصون الملك عن أسباب التفكك والانهيار، ويمنع الملوك من التكبر والظلم الذي يجعل مصيرهم الدمار والهلاك، وبهذا فسر ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي وقتادة والضحاك قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ يعني علمًا (٣). أجل، إن ذا القرنين، مع توكله على الله، لم يتواكل ويغفل الأسباب المؤدية إنما تمكينه في الأرض، بل استخدم ما منحه الله من علم في سبيل تعريف

стр. 465

الخلق بالخالق، وتحطيم قوى الشرك وإذلال المشركين، وتحقيق العبودية لله رب العالمين، مما هو في مكنة أمثاله من ملوك الأرض، فلم يترقَّ في أسباب السموات، ولم يصنع شيئًا يستحيل أن يصنعه البشر، وما ينسج عنه في ذلك من الإسرائيليات والقدرات الخارقة للعادة، لا تستقيم مع النقد، وهذا أنكر معاوية، ﵁، على كعب الأحبار، في حوار لطيف، حين قال له: أنت تقول إن ذا القرنين كان يربط خيله بالثريا؟ فقال له كعب: إن كُنتُ قلت ذاك فإن الله تعالى قال: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾. ثم علّق ابن كثير على هذه المحاورة بقوله: وهذا الذي أنكره معاوية، ﵁، على كعب الأحبار هو الصواب، والحق مع معاوية في الإنكار (١). إخوة الإيمان، وحتى تعلموا طرَفًا من علم ذي القرنين وعدله ودستوره وسياسته في الملك في البلاد التي افتتحها تأملوا في معنى قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً (٨٦) قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً﴾ (٢). قال أهل التفسير: إنه سلك طريقًا حتى بلغ إلى أقصى ما يُسلَك فيه من الأرض من ناحية المغرب، حتى أبصر الشمسَ في منظره تغرب في البحر المحيط في عين حمئة، قيل: ماء وطين أسود، وقيل: إنها حارة لمواجهتها وهج الشمس عند غروبها. وملاقاتها الشعاع بلا حائل، وبه جمع العلماء بين مختلف الأقوال في العين الحمئة (٣).

стр. 466

المهم أنه بلغ أمةً من الأمم، ذُكر أنها كانت عظيمةٌ من بني آدم، وحين مكّنه الله منهم، وحكمهُ فيهم، وأظفره بهم خيره، إن شاء قتل وسبى، وإن شاء مّن أو فدى، فعرف عدله وإيمانه حين قال: ﴿أَمَّا مَن ظَلَمَ﴾ أي استمر على كفره وشركه بربه ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ أي في الدنيا بنوع من العذاب، ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً﴾ أي في الآخرة، وفيه إثبات المعاد والجزاء ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ﴾ أي تابعنا إلى ما ندعوه إليه من عبادة الله وحده لا شريك له ﴿فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ في الدار الآخرة عند الله ، ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً﴾ أي قولاً معروفًا. وهذه غاية العدل، وقمّةُ العلم، وعلامة الهدى ودليل التمكين في الأرض دون جهلٍ أو استعلاء، وتلك تجربةٌ خاضها ذو القرنين، فما أفشى القتل جزافًا، أو استخدم البطش تجّبرًا وتسلطًا. ومن مغرب الأرض إلى مشرقها يصل ذو القرنين، ويُمَكِّنُ الله له في الأرض، ويقهر الأمم، ويدعوهم إلى الله فإن هم أطاعوه وإلا أذلَّهم، وأرغم أنوفهم، واستباح أموالهم، واستخدم من كل أمةٍ ما يستعين به- بعد الله- ومع جيوشه على أهل الإقليم المتاخم لهم، وهكذا جاب الأرض، طولها وعرضها، في مدةٍ قال بنو إسرائيل: إنها بلغت ألفًا وستمائة سنة، والله أعلم. ولما انتهى إلى مطلع الشمس، وجدها تطلع على قوم لم يجعل الله لهم من دونها سترًا، قيل: المعنى أنهم كانوا يسكنون سهولاً شاسعةً، ولا يوجد عندهم جبال تحجب عنهم الشمس، وقيل كانوا لا يملكون بيوتًا أو أبنيةً تمنع عنهم أشعةَ الشمس وحرّها، وقيل: ما كانوا يملكون شيئًا يغطون به أجسادهم، وكانوا عُراةً فإذا أشرقت أصابتهم بأشعتها (١).

стр. 467

وإذا كان القرآن لم يقص علينا من أخباره معهم كما قصّ في أخبار من كانت الشمس تغرب عندهم، فلا شك أن المعاملة بالعدل والحسنى، والدعوة إلى الإيمان والهدى، منهجٌ داوم عليه ذو القرنين في كل الممالك التي مر بها والقرى، استوجَبتْ ذكره في القرآن، ورضي عنه الرحمن، وكان بذلك نموذجًا صالحًا للمُمكَّنين في الأرض. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ (١). اللهم انفعنا بالقرآن، واملأ قلوبنا بالإيمان، ولا تجعلنا من أهل الشقوة والخسران.

стр. 468

الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، مالك الملك يؤتي الملك من يشاء، وينزعه ممن يشاء، ويعزّ من يشاء، ويذلّ من يشاء بيده الخير، وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الخلق خلقه، والأمر أمره، وإليه المرجع والمآل وحده، وكل شيء هالك إلا وجهه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أوحى إليه ربّه، وعلمه ما لم يكن يعلم، وتلك من دلائل نبوته، وصدق رسالته. اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى وأزواجه وذريته الطيبين الطاهرين .. وارض اللهم عن صحابته أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، إخوة الإسلام، فلم يكن تطواف ذي القرنين ينتهي عن حدود مغرب الأرض ومشرقها، بل هيأ الله له من الوسائل والإمكانات، ما بلغه شمالَها، وهناك وجد أمةً لا يكادون يفقهون قولاً: وذلك لاستعجال كلامهم وبعدهم عن الناس (١). وهي أمة عاجزة عن الدفاع عن نفسها، واتكالية ترغب من الآخرين حلّ مشكلتها، ولذلك قالوا لذي القرنين: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً﴾ (٢) (٣) وهذه الأمة تجاورها أمتان كثير عدّها، ويستفحل خطرها، وتعيث فسادًا فيما حولها، إنهما يأجوج ومأجوج الذين قال الله في وصفهم: ﴿وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾ (٤).

стр. 469

هما أمتان من سلالة آدم ﵇، ما كانتا في شيءٍ إلا كثرتاه، وهما المكثرتان لبعث النار، كما قال المصطفى ﷺ : «إن الله تعالى يقول: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فيقول: أبعث بعث النار، فيقول: وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألفٍ تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة، فحينئذٍ يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها فيقال: إنّ فيكم أُمتين، ما كانتا في شيء إلا كثرتاه، يأجوج ومأجوج» (١). لقد كان من رحمة الله لهذا الأمة أن وصلها ذو القرنين، وكان بناؤه السد برهانًا آخر على تمكينه في الأرض، فكيف وقع ذلك كله؟ لقد بلغ ذو القرنين بين السدين، وهما جبلان متقابلان، بينهما ثغرةٌ يخرج منها يأجوج ومأجوج على بلاد الترك، فيعيثون فيهم فسادًا، ويهلكون الحرث والنسل، ويقال: إن هذه المنطقة الواقعة جنوبي جبال القوقاز، وهي المُسماةُ الآن بأرمينيا وجورجيا وأذربيجان- والله أعلم- (٢). فطلب القوم الذين يسكنون فيها من ذي القرنين أن يجعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج سدًا، ويعطوه من المال ما يعينه على هذه المهمة ... ولكن ذا القرنين، بعلمه وتمكين الله له، رد عليهم بقوله: ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ يعني: ما أعطاني الله من الملك والتمكين خير لي من الذي تجمعون، وكذلك قال سليمان- ﵇ حين جاءته هدايا وأموال (بلقيس) صاحبة سبأ ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ (٣).

стр. 470

وكذلك تلتقي كلمات الصالحين مع كلمات الأنبياء والمرسلين، ﵈، وكلها الثقة بالله، والتوكل عليه وحده، والاستغناء بما عنده وأعطاه دون أُعطيات الناس وهداياهم، وكذلك يظهر لك توكل ذي القرنين، واعتماده أساسًا على الله ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (١). ثم شرع ذو القرون في بناء السد، وكان عملاً جبارًا، وتخطيطًا رائعًا، فهو أولاً يطلب من هذه الأمة المشاركة بمجهودها العضلي، وما تملكه من آلات البناء، ثم يطلب قطع الحديد حتى إذا حاذى به رؤوس الجبلين طولاً وعرضًا قال: انفخوا: أي أججوا عليه النار، ولك أن تتصور حجم وضخامة هذه النار التي يلزمها صهر هذه الأطنان من الحديد في هذا الممر الشاهق الارتفاع. ولما كانت هذه المجموعة مشغولة بجمع قطع الحديد وصهرها، فهناك مجموعة أخرى تجمع النحاس، وتذيبه في القدور. فلما تم صهر الحديد في الممر، وتم صهر النحاس في القدور- أو في أي مكان آخر- جاءت المرحلة الأخيرة من مراحل بناء السد ﴿قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً﴾ والقطر كما قال ابن عباس وغيره: النحاس المذاب، فأمرهم بصب النحاس المصهور المذاب على الحديد المذاب فتخلل النحاس وسط الحديد واختلطا وصارا معدنًا واحدة قويًّا متينًا ثم تُركا حتى جُمدا، فصار سدًا منيعًا عجيبًا مدهشًا، وإذا أردت أن تعلمَ مرة أُخرى علمَ ذي القرنين، وتُدرك حجم تمكينه في الأرض، وتفقه معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ فاقرأ كتابًا متخصصًا في الصناعة الحديثة، وقف على ما انتهى عليه عالم اليوم بمصانعه الضخمة، وآلياته الجبارة، وتقنياته المقدمة، وستدرك أَنّ ذا القرنين، بما علمه الله، سبق هذه الصناعة بقرون، وعلمه الله ما لم يعلمه غيره إلا بعد آلاف السنين.

стр. 471

يقول سيد قطب- ﵀ (وقد استُخْدمت هذه الطريقة حديثًا في تقوية الحديد، فوجد أن إضافةَ نسبةٍ من النحاس إلى الحديد تضاعف مقاومته وصلابته، وكان هذا الذي هدى الله إليه ذا القرنين وسجله في كتابه الخالد سبقًا للعلم البشري الحديث بقرون لا يعلم عددها إلا الله) (١). وهكذا، إخوة الإيمان، ينبغي أن تكون دعائمُ التمكين في الأرض توكلاً على الله، ينفي الاعتماد على غيره، أو الاستعانة بما سواه. وقوةً وتخطيطًا تأخذ بكل أسباب القوة الممكنة شرعًا وعقلاً، فلا تدع مجالاً للتواكل والتراخي، وإضاعة الفُرص، وهدر الطاقات سدىّ. وسياسةً حازمةً عادلةً مع خلق الله، تسوسُهم بشرع الله، تكافئ المحسن وتفرّق بين المؤمنين والكافرين، وتكرم العلماءَ والصلحاء، وتأخذ على أيدي الفسَقة والسفهاء، وتضطرهم على الحق أطرًا. إن الأرض أرض الله، وإن الخلق خلقُه، والسموات مطوياتٌ بيمينه، وتعْسًا لمن يحارب الله وهو الذي أوجده ومكنه، ولن يُفلحَ قومٌ نصبوا العداوةَ لشرعه، وعادَوا أولياءه، وما أنكد عيش مَن كان هّمه صرف الناس عن العبودية الحقة لله، ومهما طال ليل الظالمين فالعاقبة في النهاية للمتقين، ولا يُقدّر التمكين حقّ قدره إلا المؤمنون، فبالحقّ يحكمون، وبالعدل يسوسون، ولا تغتر بالمستكبرين، ولا يستخفنك الذين لا يوقنون.

стр. 472

(١) مؤتمر الإسكان الدولي بين العقل والشرع (١) الحمد لله القائل في محكم التنزيل ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٢). وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك ملكه، والخلق خلقه، والمعتدون على شرعه والمشاركون له في ربوبيته أو إلهيته أو أسمائه وصفاته لا يفلحون ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ (٣). وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بلغ رسالة ربه، وأنقذ الله به البشرية من ظلام الجاهلية إلى نور الإسلام، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة. اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وعلى الآل والأصحاب والتابعين إلى يوم الدين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٤)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (٥). أمة الإسلام، ويشهد التاريخ قديمًا وحديثًا على تعَدّي الطغاة والمجرمين على حُرُمات الله، والتجاوز على شريعته، ومحاولة صرف الناس عن الملة الحنيفية السّمحة إلى تشريعات وقوانين لم يأذن بها الله، ويشهد التاريخ كذلك

стр. 473

أن الله أهلك الذي قال: «ما علمت لكم من إله غيري» وانتقم من الذي قال: «أنا أحيي وأميت» ومنذ زمن المغول وتشريعات جنكيز خان البشرية وإلى زماننا هذا، حيث تنتشر القوانين البشرية المحادة لشرع الله، والبشرية لم تفلح ولم تسعد بهذه القوانين، وأنَّى لها أن تسعد أو تفلح وهي تنحي شرعةَ العليم الخبير ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١) ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢). وعلى الرغم من أن هذه المحاولات العابثة، وهذه الجهود الضخمة المبذولة، بقيت تعاليم السماء منارةً يستضيء بها السالكون، وبقي القرآن الكريم محفوظًا يشهد على عظمة المُنزِل وإعْجاز المُنزِل ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٣). إخوة الإسلام، ومؤتمر الإسكان والتنمية الدولي الذي يعقد هذه الأيام في القاهرة، نموذجٌ للتطاول على شرع الله، ومحاولةٌ عابثة للتلاعب بآيات القرآن الكريم، وقد تضمنت مسودة العمل المقدَّمة للمؤتمر من اللجنة التحضيرية خلاصة الأفكار التي أراد مناقشتها في مائة وإحدى وعشرين صفحة مكونة من ستة عشر فصلاً ومما جاء فيها: ١ - الدعوة إلى الحرية والمساواة بين الرجل والمرأة، والقضاء التام على أي فوارق بينهما، وتجاهل ما قررته الشرائع السماوية، واقتضته الفطرة وحّتمته طبيعة المرأة وتكوينها. ٢ - العودة إلى فتح باب العلاقات الجنسية المحرمة شرعًا، ومناقشة كل ما يخدم هذه القضية بدءًا بزعزعة وضع الأسرة المسلمة ومرورًا باتخاذ كافة

стр. 474

الوسائل لمنع الحمل وتقليل النسل، وإضفاء الشرعية على الإجهاض، وإسقاط المواليد، وانتهاءً بإمكانية قيام الأسرة من ذكرين بدل قيامها على ذكر وأنثى. وباختصار فالمؤتمر والمؤتمرون أباحوا لأنفسهم مناقشة ما جاءت به الشرائع السماوية، وعدم الالتفات إلى ما جاء في القرآن، فضلاً عمّا جاءت به السنة النبوية من أحكام وتشريعات، ولهذا وغيره أفتى مجلس هيئة كبار العلماء بوجوب مقاطعة المؤتمر وقالوا: إن الوثيقة كفرٌ وضلال ومخالفة للإسلام وجميع الشرائع السماوية (١). وإذا كان هذا المؤتمر غير مستغربٍ وقوعه من الدول الكافرة، إذ هو في عداد الهجمات الشرسة على الإسلام والمسلمين، فإن مما يندى له الجبين استجابة الدول في العالم الإسلامي للمشاركة فيه، وأدهى من ذلك وأمرَ أن تحتضنه حاضرة من حواضر العالم الإسلامي؟ . إخوة الإسلام، وتعالوا بنا لننظر في ظروف عقد المؤتمر، زمانًا، ومكانًا. أما الزمان الذي يعقد فيه المؤتمر فهو زمان بدأت الأمة المسلمة تفيق من رقدتها وتحس بالمخاطر المحدقة بها، وهو زمان تنامى فيه الشعور الإسلامي، وبدأ الوعي بتعاليم الدين والعودة إلى قيم الإسلام تنتشر بين أجيال المسلمين، وبدأ الاهتمام بصناعة الأسرة المسلمة ويكثر نسل المسلمين، هو زمان بواكير الصحوة وإن كان بعد ثمة غفوة، وإن كان ثم مطاردة وجلة وظلمة. وهو من جانب آخر زمان التضليل الإعلامي وفشوُّ النفاق الاعتقادي، هو زمان التخطيط الماكر والكيد المحكم من قبل الأعداء، فالحرب الباردة تصفي أو على الأقل يؤجل النظر فيها وتجمد آلياتها، والنظام العالمي الجديد تحاك

стр. 475

خيوطه ويبرز بديلاً للحياة والمستقبل، ولعل المؤتمر ثمرة من ثمار هذا التخطيط الماكر، وإفراز مبكر لهذا النظام العالمي المزعوم؟ . أما ظروف المكان فأرض الكنانة مصر العزيزة، حيث المآثر الإسلامية القديمة، وحيث درج الأنبياء ﵈، وحيث العلم والعلماء، مصر يرتبط بها العالم الإسلامي قديمًا وحديثًا تبعث إليه البعوث وتصدر إليه الأفكار، وفوق ذلك كله فهي واحدة من مناطق الكثافة السكانية، فلا غَرو أن يركز عليها وأن تختار أرضها مقرًا للمؤتمر والمؤتمرين. ولكِ الله يا مصر كم دهاك من خطوب، ولك الله يا شعب مصر كم بليت بغارات الأعداء، وكم جثم على أرضك من زعماء اعتبروا الأعداء أصدقاء؟ ! إخوة الإيمان، وثمة سؤال مهم لابد أن نطرحهُ ونجيب عليه لماذا يعقد المؤتمر في ديار المسلمين ويُدعى له المسلمون، والدول المخططة له لا تحتاج إلى بنوده ولا تضيف توصياته إن كانت جديدة إلى واقعها فالنسل محدد، والاختلاط واقع والإجهاض سائد، والحياة الاجتماعية بشكل عام ووضع الأسرة بشكل خاص، من التفكك والضياع لا مزيد عليه، والزنا واللواط، وانتشار الجنس الثالث، وكل ما يخطر ببالك مما صور البهيمية والانحطاط الخلقي مشرعة له الأبواب، وتحميه الديمقراطية وتدعو له الحرية المزعومة. فلماذا إذًا تحرص هذه الدول على عقد مثل هذا المؤتمر؟ الإجابة باختصار حتى من دخل في النفق المظلم من أبناء المسلمين، ويدخل نفق الرذيلة من لم يدخله بعد باسم التنمية والإسكان أو ما شابهها من عبارات خادعة كاذبة.

стр. 476

أيها المسلمون، والمسلم كيس فطن، ويجب ألا ينخدع بمعسول الكلام وظاهر القول، وأن يعي جيدًا ما يريده الأعداء لنا، فهدف المؤتمر تحطيم القيم عند المسلمين، والقصد تنحية شرع الله عن الوجود، ولئن طنطن المؤتمرون حول الخدمات الصحية للمرأة فما موقع الإجهاض من الصحة المزعومة، وهل يكون علاج مرض الإيدز أو غيره من أموال العلاقات الجنسية المحرمة بفتح الباب على مصراعيه للعلاقات الجنسية والإباحية المطلقة، سبحانك هذا بهتان عظيم؟ ولئن تنادى المنافقون بتوفير فرص التعليم للمرأة فيما علاقة ذلك بالحرص الشديد على الاختلاط مع الرجال، وتجربة التعليم المختلط ثبت فشلها وصيحات الخطر تسمع من هنا وهناك محذرة منها، ومؤكدة ضعف الحصيلة العلمية من ورائها حيث تهدر الفوارق بين الجنسين، وتطغى العلاقات الجنسية بين المختلطين، وهل لم يبق من أنواع الثقافة إلا الثقافة الجنسية يُنَشّأَ عليها أبناء المسلمين في سن الطفولة والمراهقة كما في الوثيقة الظالمة؟ . وإذا كان الإنسان أهم عامل في التنمية فلماذا نصت فصول الوثيقة على التنفير من الزواج المبكر، ومعاقبة من يتزوج قبل السن القانونية لولا أنه يراد تجفيف المنابع وتقليل جمهور المسلمين، وإتاحة بدائل أخرى يتمرغ المنخدعون بها في أوحال الرذيلة بعيدًا عن دفء الأسرة وحنان الأمومة والأبوة للطفل. بل وما علاقة السماح بحرية الجنس وإباحة أنواع الاقتران الأخرى غير الزواج- والتي نصت عليها بنود الوثيقة- بموضوع التنمية لولا أن هذه وتلك وغيرها من أفكار سيئة هي بيت القصيد، وأما شعارات التنمية ومصطلحات التعليم والصحة ونحوها ليست إلا أغطية مضللة ينخدع بها البسطاء ويكشف زيفها العقلاء ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ (١).

стр. 477

إخوة الإسلام- في كل مكان- وكما يستطيع المنطق السليم كشف حقيقة المؤتمر وأهدافه، يستطيع المتأمل كذلك إسقاط فكرة المؤتمر الأساسية التي زعم المؤتمرون أنهم جاؤوا لمناقشتها ووضع الحلول لها، إذ تقوم فكرة المؤتمر على النظر في مشكلة الانفجار السكاني، وقلة الموارد وحتمية الفقر للشعوب وتضاعف الديون على الدول، والواقع يقول أن الشعوب الإسلامية ليس فيها انفجار سكاني إذا ما قورنت بالشعوب الكافرة الأخرى كالصين مثلاً، وبلاد المسلمين من أكثر البلاد موارد لو أحسن استغلالها، وهي أحوج ما تكون إلى كثرة السكان التي تسهم في استخراج مواردها ويستغني شعوبها عن استيراد العمالة من شعوب الأرض الأخرى- كما هو الواقع الآن. ولو كانت هذه الدول الكافرة صادقة في حل إشكالية الفقر للشعوب لما أحرقت كل عام كميات هائلةً من المنتجات الزراعية خشية تأثير الأسعار ولبعثت بها إلى من تراهم رأى العين يتضورون جوعًا ويموتون فقرًا. ولو نطقت البحار لشهدت على الكميات من الموارد التي تهدر فيها وللسبب ذاته فأين حل مشكلة الفقر والحال تلك؟ بل وأين حل المشكلة وكيف نستطيع التوفيق بين مزاعم هذه الدول في حل مشكلة الفقر المستقبلية المتوقعة، وواقعها الحاضر يشهد على فرض العقوبات الاقتصادية على شعوبها حتى يهلكوا لقلة الغذاء والدواء ويتآمروا جميعًا على ممارسة الحصار الاقتصادي على دول حتى يحاولوا عزلها عن الدول الأخرى؟ أما الديون المتراكمة على الدول النامية فيدرك الغرب الكافر أنها لن تحل بقلة السكان وتخفيض النسل، وهم وغيرهم يعلمون أن الديون تعود بالدرجة الأولى إلى إهدار موارد الأمة وعدم الاستفادة من كل طاقتها، وإضافة إلى تزايد السرقات من الزعماء والقادة لهذه الموارد لحساباتهم الخاصة، ومن حولهم من

стр. 478

المنافقين المنتفعين، وبالتالي فليست مشكلة الفقر شبحًا مخيفًا للأعداء لهذه الدرجة، وليست النية صادقة لحل إشكال العالم النامي كما يزعمون، وهم أقل وأبخل من النظر والتصدي لهذه القضية، وصدق الله إذا يقول لأسلافهم من الكافرين ﴿قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ وَكَانَ الإنسَانُ قَتُوراً﴾ (١).

стр. 479

الخطبة الثانية الحمد لله القائل ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (١). وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يمهل ولا يهمل ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ (٢). وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أخبر عن دعاة على أبواب جهنم من أطاعهم قذفوه فيها. اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وعلى آل محمد الطيبين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. إخوة الإيمان، وما مضى من الحديث يمكن أن يكون محاكمة عقلية ومجادلة موضوعية لإثبات كذب المدعي، وبيان حقيقة الدعوة وهذه المناقشة العاجلة للمؤتمر نافعة بإذن الله لكل ذي عقل منصف مهما كانت ديانته وأنَّى كانت هويته. أما أهل الإسلام والقرآن فينبغي أن يكون لهم حديث آخر، منطلق من الأصول التي تربوا عليها، ويعتمد الأدلة التي طالما سمعوها وأعيذ المسلمين جميعًا أن يكون حظهم من الإسلام اسمه، ومن القرآن رسمه.

стр. 480

وإنها لمهزلة أن يحضر المؤتمر منتسبون للإسلام يستشهدون بآيات القرآن الكريم، وبنود الوثيقة المرسومة سلفًا، بل وفكرة المؤتمر أساسًا تضرب عرض الحائط بهذه الآيات كلها، بل تريد أن تقيم فلسفة بعيدة عن هدي القرآن والسنة وتعاليم الإسلام. وإلى أهل الإسلام الصادقين، وإلى المؤمنين حقًا بالقرآن الكريم نقول: إن شبح الفقر، والخوف من قلة الأرزاق سمة من سمات الكافرين في الماضي والحاضر ولذلك قام هذا المؤتمر على أساسها، وقديمًا كان المشركون يقتلون أحب الناس إليهم خشية الفقر فحذر الله من صنعهم وضمن أرزاقهم فقال: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ (١). بل قدّم رزقهم على رزق آبائهم في آيات أخرى ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم﴾ (٢). ومن سعة رحمة الله ورزقه أنه يكتف بضمان رزق من يعقلون ويعملون بل تكفل بحمل الرزق لمن لا يستطيعون ولا يعقلون ﴿وَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٣). ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (٤). وعلى الذين يعتمدون في أرزاقهم على غير الله أن يعيدوا النظر في أنفسهم

стр. 481

وفيمن يعتمدون ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (١). ومهما بلغت طاقة البشر وقدراتهم فلا يملكون لأنفسهم رزقًا إلا ما يأذن به الله، فضلاً عن ضمان الرزق لغيرهم: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ (٢) ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ (٣). هذه الآيات وغيرها كثير كفيلة بطمأنة المسلم في ضمان رزقه وعدم اعتماده فيه على أحد غير الله فليعبده وليتوكل عليه ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٤) ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ (٥). وإذا كان خوف الفقر سمة الجاهلية الأولي والآخرة فإن قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق- أجنة كانوا أو وليدًا- سمة الجاهلين قديمًا وحديثًا، والفرق بين الجاهلية الأولى والآخرة أن الجاهلية الأولى تمارس القتل والقرار بوسائلها البسيطة الأولى فتحفر للبنت وتدفنها وهي حية، وتضع المرأة على حفرة فإن كان المولود بنتًا ردمت عليها الحفرة إلى الأبد. أما الجاهلية المعاصرة فتستخدم التقنية وسيلة للقتل، وتقترح إنشاء مصحّات خاصة بالإجهاض علنًا وهي لا تكتفي بإزهاق أرواح البنات بل تشمل في جريمتها الذكور والإناث على حدٍ

стр. 482

سواء، وبالتالي تتفوق الجاهلية الآخرة على الجاهلية الأولى في جريمتها النكراء. ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ (١). ويحاول المؤتمرون نسف آيات الزنا نسفًا، وفتح بيوت الدعارة والخنا علنًا، والله يخاطب المؤمنين ويقول: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ (٢) ويقول: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً﴾ (٣). أما اللواط ونحوه من أنواع الشذوذ الجنسي الذي يدعو المؤتمر إلى تحقيقه، فإذا كانت الفطرة السليمة تستهجنه، ففي تجارب البشر قديمًا ما يربط بين أهل الشذوذ في الماضي والحاضر، وقد تحدث القرآن عن قوم لوط الذين قالوا لنبيهم ﵇ ومن آمن معه ﴿أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (٤). ويا ليت شعري، وكيف يرضى منتسب للإسلام، أو قارئ مؤمن بالقرآن أن يناقش- وبالأمس القريب- مع المناقشين مسألة مساواة المرأة بالرجل في الميراث، والله تعالى يقول وقوله الفضل وهو أحكم وأعلم: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ وهو يعلم عقلاً أن حاجة الذكر إلى المال أكثر من حاجة الأنثى، فله القوامة، وعليه النفقة، وله الفضل بنص القرآن ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (٥).

стр. 483

وليس في ذلك أي غضاضة على امرأة، فهي محل التكريم والتقدير أمًا وأختًا وبنتًا، تشب وتشيب معززة مكرمةً مصونة العرض، محفوظة الحقوق، وليست كالأنعام السائبة في الحظائر المختلطة، أو كقصعة الأيتام في مائدة اللئام، وكالفريسة التائهة بين الذئاب الجائعة، كما يريد لها الكفرة والمنافقون. إخوة الإسلام، هذه ذكرى لا يتسع المقام لأطول منها، وإلا لذكرتكم بآياتٍ أُخر من القرآن، وطائفة من أحاديث النبي ﵊. ولكن القصد أن تعلموا أنه يراد للمؤتمر الطعن في عقيدة المسلمين، ويزيد المؤتمرون التشكيك في مصادر التلقي عند المؤمنين، ويريد الذي يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيمًا، والله من ورائهم محيط، ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين. ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (١٥) وَأَكِيدُ كَيْداً (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ (١). أيها المسلمون، وإذا سقطت أفكار المؤتمر عقلاً وشرعًا، واتضح الهدف دينًا ودنيا، فيبقى حديث عن الدروس والعبر، والأهم من ذلك، ما هو الدور والعمل الذي يجب أن يقوم به المسلمون على كافة المستويات تجاه هذا المؤتمر وأمثاله من مؤتمرات القرار؟ .. ذلك أرجئ الحديث فيه للخطبة القادمة بإذن الله. أسال الله أن يلهمنا رشدنا، ويعلمنا ما ينفعنا.

стр. 484

(٢) مؤتمر الإسكان الدولي العبرة والواجب (١) الحمد لله رب العالمين، قال وهو أصدق القائلين ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (٢)، وأشهد إلا إله إلا الله وحده لا شريك له يتولى الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله النبي الأمين عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين أفضل الصلاة وأزكى التسليم. أمَّا بعد فاتقوا الله معاشر المسلمين والتزموا شرعه وقفوا عند حدوده: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٣)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٤). معاشر المسلمين كان حديثي إليكم في الجمعة الماضية عن مؤتمر السكان بين العقل والشرع، ووعدتكم استكمال الحديث في هذه الخطبة عن الدروس التي نبتغي أن نعيها وندركها، والموقف الذي يجب أن نتخذه ونعمل به إزاء هذا المؤتمر وأمثاله. فالمؤتمر أولاً يؤكد العداوة الظاهرة من اليهود والنصارى واللادينيين للإسلام وأهله، وهذه دول الكفر تتنادى من بقاع الأرض للتآمر على المسلمين، وهتك ما بقي لهم من خلق وحياء، واستغلال ضعف المسلمين وتفرق كلمتهم في فرض الوصاية عليهم وإملاء القوانين والدساتير والبنود المناسبة لهم حتى وإن صادمت عقائد المسلمين أو كانت طعنة نجلاء في نحورهم وتنحية متعمدة لما

стр. 485

جاءت به شرائعهم، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ (١). وليس يخفى أن هذه العداوة قديمة تتجدد عبر القرون، والمطلعون يؤكدون أن هذا المؤتمر حلقة قي سلسلة تحكم حلقاتها في هذا الزمان فقد سبقه مؤتمر للسكان الأول في بوخارست عام ١٩٧٤ م، ثم أعقبه المؤتمر الثاني للسكان والمعقود بالمكسيك عام ١٩٨٤ م، وهذا المؤتمر الثالث وما برحت الأمم المتحدة وهياكلها المخصصة تثير هذه القضية وتروج لها عالميًا عبر العقود، وتتخذ لها سياسة النفس الطويل، وسياسة التخطيط طويل المدى ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ (٢)﴾ (٣). والمؤتمر يكشف هوية الأمم المتحدة وأمثالها من المنظمات العالمية التي يسيطر عليها اليهود والنصارى، ويكشف أهدافها، وإنك لتعجب من أمينها الصليبي (بطرس غالى) حين يقول في المؤتمر (واعتبر أن دور الأمم المتحدة في قضايا السكان والتنمية مكمل لدورها في حفظ السلام والأمن الدوليين) (٤). ونحن نقول: وهل نجحت أصلاً هيئة الأمم المتحدة في حفظ السلام والأمن في العالم، والواقع يشهد بفشلها في الصومال، وانحيازها المكشوف مع النصارى الصرب ضد مسلمي البوسنة والهرسك حتى تستكمل دورها في القضايا الأخرى، أم أن تلك أقنعة تتستر بها، وتعمل وفق أهدافها ما يخدم مصالحها ويحقق رسالتها

стр. 486

والمتأمل في الموضوعات المطروحة للنقاش في المؤتمر يدرك هدف الغرب وحرصهم على فرض الحضارة الغربية وقِيَمها البالية على كافة شعوب العالم، ويدرك أيضًا محاولة الغرب ترحيل مشكلاته إلى الآخرين، وإجبارهم على حل هذه المشكلات وتقنينها، فالإجهاض مثلاً- وهو من أكبر القضايا المثيرة للجدل- مشكلة كبرى وقضية مثيرة للجدل هناك، وتتصدر الأخبار عندهم حوادث قتل الأطباء الذين يمارسون عمليات الإجهاض، وتقف بعض الجمعيات تدافع عن القاتلين، لأنهما حين قتلا إنما كانا يدافعان عن حق الأجنة في الحياة. إذًا هذه مشكلة وهي تحتاج إلى دراسة وتقنين، وهذا المؤتمر فرصة لدراستها وتقنينها، ولو كانت على حساب الآخرين، وزواج الرجل بالرجل يمارس علنًا في ظل هذه الحضارة المزعومة، بل وتحميها وتباركها (الكنيسة المضللة)، وفي جامعة فرجينيا مثلاً- وهي من أكبر الجامعات تميزًا في أمريكا يعرض الأستاذ في مقرر الأصول الاجتماعية للتربية على الطلبة فيلمًا وثائقيًا لهذه الظاهرة وفيه يظهر العروسان وعدد من المدعوين في الكنيسة، والقسيس وهو يتحدث عن الحياة الزوجية وأهميتها ويطلب منها مراعاة كل منهما للآخر والمحافظة على مشاعره، فهل يتصور عاقل هذا الزواج؟ وهل من قيم الحضارة ترحيل هذه المشكلات للآخرين (١). إخوة الإسلام، لقد بلغت البهيمية عند هؤلاء ذروتها، وتصدع جدران الأسرة وتحطمت أركانها، وغرقوا في الوحل واعترفوا بالضياع فأرادوا جر غيرهم وإشراك العالم في مشكلاتهم، ولم يكن ذلك منسجمًا ولا متوازنًا مع ما بلغوه من العلم المادي، والتقدم التكنولوجي، وهذا أحد زعمائهم، السيناتور (ويلم

стр. 487

فوليرايت) رئيس لجنة العلاقات الخارجية في الكونجرس الأمريكي لعدة دورات، ومؤلف كتاب (حماقة القوة) يُسأل عن انطباعه حين حققت أمريكا ما حققت في عالم الفضاء فيقول غير مبهور ولا مأخوذ بما وصلوا إليه (لقد وضعنا رجلاً على سطح القمر ولكن أقدامنا مغروسة في الوحل). وهو بذلك يشير إلى المآسي الأخلاقية والاجتماعية التي يعاني منها المجتمع (١). فهل يفيق المغرمون بهذه الحضارة وهل يكون الأتباع أشد عجبًا من المتبوعين، وهل يكون الأدعياء من أهل الدار الأصلاء؟ ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (٢). والمؤتمر رسالة مكشوفة لإفساد الأسرة المسلمة وهدِّ بنيانها وهو سهم طائش، ظالم تجاه المرأة، إذ يملأ رحمها زورًا وبهتانًا ثم يعمد إلى إجهاضها ظلما وعدوانًا، وهو تحريض مسيس لثورتها على الأصول والثوابت وتشكيك لها في الوحيين: في القرآن والسنة، ولا أخال المرأة المسلمة الواعية تجهل مداخلهم الخفية من أبواب الحرية، والمساواة، والتعليم والثقافة، تلك التي تستجر بسطاء النساء وتعي ما وراءها الواعيات من النساء. ومن دروس المؤتمر أنه كشف عن جهل أو ضعف بعض المسلمين الذين شاركوا فيه دون استحضار هذه القيم والمعاني والأهداف المرسومة سلفًا، وأعطت مؤشرًا لبعض من يثقون بالغرب ثقة عمياء ويتخذونهم أولياء والله تعالى

стр. 488

يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ﴾ (١). وكشف المؤتمر عن المنافقين الذين يتعاملون مع المسلمين بوجه ويتعاملون مع الكافرين بوجه آخر، وأولئك يروجون للمؤتمر ويدفعون عجلته أكثر من أصحابه، بل يصورون المؤتمر فرصة لتوضيح مبادئ الإسلام، والهدف من التشكيك في أصول الإسلام وثوابته، فالمؤتمر وإن كانت ديار المسلمين تحضنه فهو غربي المنشأ والتخطيط، صليبي الغرض والهدف، يبرز فيه الفاتيكان مناقَشًا ومعترضًا ظاهرًا والله أعلم بما يدور ويخطط في الخفاء، وحين يكون يوم الأحد إجازة للمؤتمرين فذلك إحكام للنصارى السيطرة على المؤتمر شكلاً ومضمونًا. والله المستعان. إخوة الإيمان، ومع ذلك كله ومع غير هذه الوقفات والدروس التي يطول سردها فينبغي ألا يخامر المسلمين أدنى شك في دينهم، أو يدخل اليأس والإحباط إلى قلوبهم، وهذا هو الواجب الأول على المسلم تجاه هذه المؤتمرات، بل ينبغي أن يزداد المؤمن ثقة بدينه وحماسًا للتمسك به ونشره، فليس يحارب إلاَّ الأقوياء، وليس يبتلى إلا المؤمنون الأشداء، ولو لم يكن هذا الدين من العظمة والسمو والقدرة على غزو الآخرين والتأثير فيهم لما هابه الأعداء وخططوا للقضاء عليه، فإذا كان هذا مع ما في المسلمين من ضعف ومع ما في تطبيق تعاليم الإسلام من قصور في واقع المسلمين فكيف لو عادت للمسلمين قوتهم، وكيف لو سادت الأرض أحكام الإسلام ... الله أكبر إنه التخوف من شبح الإسلام، والقلق لهذه القوة المسلمة أن تتفجر يومًا من الأيام،

стр. 489

فليس أمام قوى الكفر إلاَّ أن يمنعوا الانفجار، وليس لهم بُدٌ من التخطيط لإبعاد المسلمين عن هذا الإسلام ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين، يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون. نفعني الله وإياكم ....

стр. 490

الخطبة الثانية الحمد لله القوي العزيز، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى إخوانه وآله، وارض اللهم عن أصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. إخوة الإسلام، وفي إطار ما يجب على المسلم عمله إزاء هذه المؤتمرات فليس يكفي مجرد الاعتقاد بعظمة هذا الدين ومعرفة خبث الكافرين وتخطيطهم بل لابد من خطوة عملية ألا وهي العمل بما شرع الله والانتهاء عن ما حرم الله، ورفض القوانين البشرية المخالفة لذلك مهما قُنَّنت ومهما هذبت ما دامت تتعارض مع نصوص الكتاب والسنة، ودعوة الآخرين إلى ذلك بالقول والعمل. وعلى أهل الاختصاص المساهمة بتوضيح الصورة- كلٌ فيما يخصه- فأساتذة الجامعات المختصون يؤصلون بحوثهم عن الأسرة المسلمة ويطرحونها نموذجًا رفيعًا للتطبيق ويبينون للناس حقيقة الوضع السكاني في العالم الإسلامي مقارنًا بالانفجار السكاني في العالم الآخر، وما وراء ذلك من أهداف. وتطرح قضية التحديد للنسل واحدة من مخططات الأعداء، ويكشف عن مساوئ التعليم المختلط، وتبرز الإحصائيات في آثار الجريمة بسبب العلاقات الجنسية الشاذة، ويكشف الأطباء عن آثار الإجهاض، وأسباب انتشار أمراض الجنس المحرمة، ويربطون بين أنظمة الإسلام وتشريعاته وتوفر الأجواء الصحية النظيفة. ولابد من حماية الأسرة السلطة من المؤثرات المضللة والدعايات المغرضة عبر وسائل الإعلام كلها، فحرب الإعلام اليوم حرب ضروس. والغزو الثقافي أقصر طريق توصّل إليه الأعداء في غزو المسلمين فلننتبه لهذا جيدًا.

стр. 491

ولابد من الاهتمام بالمرأة على الخصوص، حماية وتربية وإقناعًا، وتثقيفها بالثقافة الإسلامية الواعية ضمانة كبرى بإذن الله دون هجمات الأعداء، وعلى المؤسسات التربوية والإعلامية كفل كبير من هذه المسؤولية، ومن ذا الذي لا يستطيع منا أن يهتم بأسرته، أو يعني بأمه أو زوجته وبنته وأخته، إنها مسؤولية فردية يحتمها الواجب الشرعي أساسًا، وتؤكدها الظروف المحيطة بنا وسهام الأعداء المسمومة الموجهة لنا. وعلى العلماء، والمفكرين، والجمعيات والمنظمات الإسلامية، والمنابر بشكل عام أن يسهموا في تنوير الأمة وكشف هذه الغمة، بعقد المؤتمرات والندوات، وتأليف الكتب ونشر الإحصائيات والدعوة بكل وسيلة لحماية الفضيلة، والتحذير من الرَّذيلة، وإقامة المحاورات والمناظرات الجادة التي تحق الحق، وتبطل الباطل ويستبين بها سبيل المجرمين. وينبغي أن تُؤصِّلَ هذه المؤتمرات وتلك المؤامرات عداوتنا للكافرين، وتحدد عمق الهوة بين المسلمين والكافرين والمنافقين، وتكشف لنا عن عمق تخطيطهم واعتمادهم الدراسة والتنظيم أساسًا لطروحاتهم، ومن الحماقة والجهل أن يُتَصور أن هذا المؤتمر وليد الساعة وتتجاوز مدة تنظيمه السنة أو السنتين مثلاً وحتى أؤكد ذلك أُشِير إلى كتاب صدر لأحد مفكريهم قبل ما يقرب من ثلاثين عامًا بعنوان: (شمس الإسلام تسطع على الغرب)، وذكر فيه ثلاث مقومات للمسلمين تسهم في نصرة المسلمين وتفوقهم ويهدد بالخطر القادم على غيرهم، هذه المقومات هي: ١ - الموقع الجغرافي. ٢ - الموارد المتوفرة. ٣ - الخصوبة في الإنتاج (يعني كثرة النسل).

стр. 492

فهل هذا المؤتمر وما قبله أسلوب من أساليب التعويق لهذا الخطر القادم ليس ذلك ببعيد ولا مستغرب؟ وينبغي كذلك أن لا يدعونا هذا التخطيط الماكر للتشنج أو مجرد الاستنكار والشجب ليس إلا، بل يجب أن يؤكد ذلك دعوتنا إلى عمل وتخطيط وإنتاج نثبت به قدراتنا للآخرين، ونخرج بحلول عملية نغيظ بها الكافرين، ونُبصِّر بها الحائرين ونكشف الغمة عن المترددين، فعددنا كبير، وطاقاتنا كثيرة، ومفكرونا ليسوا أقل شأنًا من مفكريهم، ولكنا بحاجة إلى لَمِّ الشمل، وتوحيد الكلمة والاستفادة من طاقتنا والتعاون فيما يخدم المصلحة ويحقق نصرة الدين وإعلاء كلمة المسلمين. إخوة الإسلام وعلى الرغم من الحضور الكبير للمؤتمر، فحضور المؤتمر لا يمثل وجهة نظر الشعوب الإسلامية، فهناك دول لم تشارك فيه، وهناك هيئات وجمعيات ومنظمات استنكرته، وهناك أصوات واحتجاجات ومسيرات، وهذه وتلك تؤكد الوعي عند طائفة من المسلمين، يجب ألاَّ تستقل نفسها أو تنخدع بالصياغات والتعديلات الطفيفة التي لا تأتي على أصل المؤتمر وهدفه. وثمة واجب آخر على من تلبَّس واشترك، أو دخل بحسن نية فاتضح له الهدف أن يكشف ما في المؤتمر من ممارسات وأباطيل، وأن يكون أمينًا في نقله دقيقًا في تصويره، وأن يعتبر نفسه النذير العريان لمن لا يزال مخدوعًا وما راءٍ كمن سمع؟ والحق بغية المسلم، واللبيب لا يخضع والحر لا يكذب، والشجاع لا يتردد، والناطق بالباطل شيطان ناطق، والساكت عن الحق شيطان أخرس.

стр. 493

وأخيرًا إخوة الإسلام وكما قال تعالى: ﴿فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ (١)، وما يدريكم أن يكون هذا المؤتمر نقطة ضوء للمسلمين وبداية حركة مثمرة لأهل القرآن، فالضغط يولد الانفجار، والنار تصفي الذهب من الشوائب، والفرج حين تشتد الأزمة، والنور يبدو حين تستحكم الظلمة، والله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

стр. 494

دروس من قصة موسى ﵇ مع فرعون (١) الحمد لله معزّ المؤمنين، وناصر أوليائه المتقين، ومذلّ الطغاة والمستكبرين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ... اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر المرسلين، وعلى آله وصحابته والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد فاتقوا الله يا عباد الله، وثقوا بنصر الله إذا توفرت أسبابه من الصدق والإخلاص والاستقامة على شرعه، والتضرع بين يديه ورجائه والخوف منه وحده دون سواه. أيها المسلمون، وتكثر القصص في القرآن بشكل عام، وفي كل قصة عبرة وما يعقلها ولا العالمون، وتحكي قصص القرآن صورًا من الصراع القديم بين الحق المؤيَّد من السماء، والباطل الذي يلوذ به الملأ والكبراء خداعًا وعنادًا واستكبارًا وحفاظًا على الذوات ليس إلاَّ، كما تكشف قصص القرآن عن مواقف المؤمنين وحقيقة وآثار الإيمان، ومواقف الظالمين ونهاية الفجار. ولئن كانت القصص تشغل مساحة عريضة في القرآن، فإن قصة موسى ﵇ مع فرعون تتميز بكثرة عرضها وتنوع مشاهدها وهي من أطول قصص الأنبياء ﵈ في القرآن، فما الحكمة من كثرة ذكرها؟ قال المفسرون: لأنها من أعجب القصص، فإن فرعون حذر من موسى كل الحذر، فسخره القدر أن رُبِّي هذا الذي يحذر منه على فراشه ومائدته بمنزلة الولد، ثم ترعرع، وعقد الله له سببًا أخرجه من بين أظهرهم، ورزقه النبوة

стр. 495

والرسالة والتكليم، وبعثه إليه ليدعوه إلى الله تعالى ليعبده ويرجع إليه، هذا مع ما كان عليه فرعون من عظمة المملكة والسلطان، فجاءه برسالة الله، وليس له وزير سوى أخيه هارون ﵇، فتمرد فرعون واستكبر وأخذته الحميَّة، والنفس الخبيثة الأبية، وقوة رأسه وتولى بركنه، وادعى ما ليس له، وتجرّأ على الله وعتا وبغى وأهان حزب الإيمان من بني إسرائيل، والله تعالى يحفظ رسوله موسى وأخاه هارون- ﵉ ويحوطهما بعنايته ويحرسهما بعينه التي لا تنام، ولم تزل المحاجة والمجادلة والآيات تقوم على يدي موسى شيئًا فشيئًا ومرة بعد مرة مما يبهر العقول ويدهش الألباب، مما لا يقوم له شيء ولا يأتي به إلا ما هو مؤيد من الله ﴿وَمَا نُرِيهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ (١) وصمم فرعون وملؤه- قبحهم الله- على التكذيب بذلك كله ... حتى أحل الله بهم بأسه الذي لا يرد وأغرقهم في صبيحة واحدة: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ (٣). أجل إخوة الإيمان، لقد تعمد فرعون قتل أبناء بني إسرائيل، لأنه بلغه أن غلامًا منهم سيولد ويكون هلاك ملك مصر على يديه، فانزعج لذلك وأمر بقتل كل مولود يولد لبني إسرائيل حذرًا من وجود هذا الغلام- ولا يغني الحذر عن القدر- ومع حرص فرعون وطغيانه وجبروته فقد قدر الله أن يولد موسى ﵇ في السنة التي يقتل فيها كل مولود لبني إسرائيل، وأن ينجوَ من بأسه وقتله، وقد حزنت أمه حين حملت به خوفًا عليه، وحين وضعته، واستمر الخوف يلاحقها حتى أُوحي إليها أن ترضعه، فإذا خافت عليه فلتضعه في صندوق ثم تُلق به في
следующие страницы →