ولابد من الاهتمام بالمرأة على الخصوص، حماية وتربية وإقناعًا، وتثقيفها بالثقافة الإسلامية الواعية ضمانة كبرى بإذن الله دون هجمات الأعداء، وعلى المؤسسات التربوية والإعلامية كفل كبير من هذه المسؤولية، ومن ذا الذي لا يستطيع منا أن يهتم بأسرته، أو يعني بأمه أو زوجته وبنته وأخته، إنها مسؤولية فردية يحتمها الواجب الشرعي أساسًا، وتؤكدها الظروف المحيطة بنا وسهام الأعداء المسمومة الموجهة لنا.
وعلى العلماء، والمفكرين، والجمعيات والمنظمات الإسلامية، والمنابر بشكل عام أن يسهموا في تنوير الأمة وكشف هذه الغمة، بعقد المؤتمرات والندوات، وتأليف الكتب ونشر الإحصائيات والدعوة بكل وسيلة لحماية الفضيلة، والتحذير من الرَّذيلة، وإقامة المحاورات والمناظرات الجادة التي تحق الحق، وتبطل الباطل ويستبين بها سبيل المجرمين.
وينبغي أن تُؤصِّلَ هذه المؤتمرات وتلك المؤامرات عداوتنا للكافرين، وتحدد عمق الهوة بين المسلمين والكافرين والمنافقين، وتكشف لنا عن عمق تخطيطهم واعتمادهم الدراسة والتنظيم أساسًا لطروحاتهم، ومن الحماقة والجهل أن يُتَصور أن هذا المؤتمر وليد الساعة وتتجاوز مدة تنظيمه السنة أو السنتين مثلاً وحتى أؤكد ذلك أُشِير إلى كتاب صدر لأحد مفكريهم قبل ما يقرب من ثلاثين عامًا بعنوان: (شمس الإسلام تسطع على الغرب)، وذكر فيه ثلاث مقومات للمسلمين تسهم في نصرة المسلمين وتفوقهم ويهدد بالخطر القادم على غيرهم، هذه المقومات هي:
١ - الموقع الجغرافي.
٢ - الموارد المتوفرة.
٣ - الخصوبة في الإنتاج (يعني كثرة النسل).
стр. 492
فهل هذا المؤتمر وما قبله أسلوب من أساليب التعويق لهذا الخطر القادم ليس ذلك ببعيد ولا مستغرب؟
وينبغي كذلك أن لا يدعونا هذا التخطيط الماكر للتشنج أو مجرد الاستنكار والشجب ليس إلا، بل يجب أن يؤكد ذلك دعوتنا إلى عمل وتخطيط وإنتاج نثبت به قدراتنا للآخرين، ونخرج بحلول عملية نغيظ بها الكافرين، ونُبصِّر بها الحائرين ونكشف الغمة عن المترددين، فعددنا كبير، وطاقاتنا كثيرة، ومفكرونا ليسوا أقل شأنًا من مفكريهم، ولكنا بحاجة إلى لَمِّ الشمل، وتوحيد الكلمة والاستفادة من طاقتنا والتعاون فيما يخدم المصلحة ويحقق نصرة الدين وإعلاء كلمة المسلمين.
إخوة الإسلام وعلى الرغم من الحضور الكبير للمؤتمر، فحضور المؤتمر لا يمثل وجهة نظر الشعوب الإسلامية، فهناك دول لم تشارك فيه، وهناك هيئات وجمعيات ومنظمات استنكرته، وهناك أصوات واحتجاجات ومسيرات، وهذه وتلك تؤكد الوعي عند طائفة من المسلمين، يجب ألاَّ تستقل نفسها أو تنخدع بالصياغات والتعديلات الطفيفة التي لا تأتي على أصل المؤتمر وهدفه.
وثمة واجب آخر على من تلبَّس واشترك، أو دخل بحسن نية فاتضح له الهدف أن يكشف ما في المؤتمر من ممارسات وأباطيل، وأن يكون أمينًا في نقله دقيقًا في تصويره، وأن يعتبر نفسه النذير العريان لمن لا يزال مخدوعًا وما راءٍ كمن سمع؟
والحق بغية المسلم، واللبيب لا يخضع والحر لا يكذب، والشجاع لا يتردد، والناطق بالباطل شيطان ناطق، والساكت عن الحق شيطان أخرس.
стр. 493
وأخيرًا إخوة الإسلام وكما قال تعالى: ﴿فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ (١)، وما يدريكم أن يكون هذا المؤتمر نقطة ضوء للمسلمين وبداية حركة مثمرة لأهل القرآن، فالضغط يولد الانفجار، والنار تصفي الذهب من الشوائب، والفرج حين تشتد الأزمة، والنور يبدو حين تستحكم الظلمة، والله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
стр. 494
دروس من قصة موسى ﵇ مع فرعون (١)
الحمد لله معزّ المؤمنين، وناصر أوليائه المتقين، ومذلّ الطغاة والمستكبرين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ... اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر المرسلين، وعلى آله وصحابته والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فاتقوا الله يا عباد الله، وثقوا بنصر الله إذا توفرت أسبابه من الصدق والإخلاص والاستقامة على شرعه، والتضرع بين يديه ورجائه والخوف منه وحده دون سواه.
أيها المسلمون، وتكثر القصص في القرآن بشكل عام، وفي كل قصة عبرة وما يعقلها ولا العالمون، وتحكي قصص القرآن صورًا من الصراع القديم بين الحق المؤيَّد من السماء، والباطل الذي يلوذ به الملأ والكبراء خداعًا وعنادًا واستكبارًا وحفاظًا على الذوات ليس إلاَّ، كما تكشف قصص القرآن عن مواقف المؤمنين وحقيقة وآثار الإيمان، ومواقف الظالمين ونهاية الفجار.
ولئن كانت القصص تشغل مساحة عريضة في القرآن، فإن قصة موسى ﵇ مع فرعون تتميز بكثرة عرضها وتنوع مشاهدها وهي من أطول قصص الأنبياء ﵈ في القرآن، فما الحكمة من كثرة ذكرها؟
قال المفسرون: لأنها من أعجب القصص، فإن فرعون حذر من موسى كل الحذر، فسخره القدر أن رُبِّي هذا الذي يحذر منه على فراشه ومائدته بمنزلة الولد، ثم ترعرع، وعقد الله له سببًا أخرجه من بين أظهرهم، ورزقه النبوة
стр. 495
والرسالة والتكليم، وبعثه إليه ليدعوه إلى الله تعالى ليعبده ويرجع إليه، هذا مع ما كان عليه فرعون من عظمة المملكة والسلطان، فجاءه برسالة الله، وليس له وزير سوى أخيه هارون ﵇، فتمرد فرعون واستكبر وأخذته الحميَّة، والنفس الخبيثة الأبية، وقوة رأسه وتولى بركنه، وادعى ما ليس له، وتجرّأ على الله وعتا وبغى وأهان حزب الإيمان من بني إسرائيل، والله تعالى يحفظ رسوله موسى وأخاه هارون- ﵉ ويحوطهما بعنايته ويحرسهما بعينه التي لا تنام، ولم تزل المحاجة والمجادلة والآيات تقوم على يدي موسى شيئًا فشيئًا ومرة بعد مرة مما يبهر العقول ويدهش الألباب، مما لا يقوم له شيء ولا يأتي به إلا ما هو مؤيد من الله ﴿وَمَا نُرِيهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ (١) وصمم فرعون وملؤه- قبحهم الله- على التكذيب بذلك كله ... حتى أحل الله بهم بأسه الذي لا يرد وأغرقهم في صبيحة واحدة: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ (٣).
أجل إخوة الإيمان، لقد تعمد فرعون قتل أبناء بني إسرائيل، لأنه بلغه أن غلامًا منهم سيولد ويكون هلاك ملك مصر على يديه، فانزعج لذلك وأمر بقتل كل مولود يولد لبني إسرائيل حذرًا من وجود هذا الغلام- ولا يغني الحذر عن القدر- ومع حرص فرعون وطغيانه وجبروته فقد قدر الله أن يولد موسى ﵇ في السنة التي يقتل فيها كل مولود لبني إسرائيل، وأن ينجوَ من بأسه وقتله، وقد حزنت أمه حين حملت به خوفًا عليه، وحين وضعته، واستمر الخوف يلاحقها حتى أُوحي إليها أن ترضعه، فإذا خافت عليه فلتضعه في صندوق ثم تُلق به في
стр. 496
البحر وسيحفظه الله ويرده إليها ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١).
ولكم معاشر المسلمين أن تعجبوا من قدر الله وقدرته وأمواج البحر بدأت تقذف بتابوت الرضيع (موسى ﵇ ذات اليمين وبات الشمال حتى أوصلته إلى بيت فرعون، وكأن الله تعالى أراد- فيما أراد- أن يظهر عجز فرعون وضعفه أمام قوة الله الجبار وقدرته، فإذا كان فرعون يقتل الغلمان من أجل هذا الغلام، فها هو الغلام يولد، ويسلم من القتل رغم المتابعة الدقيقة، فإذا سلم وصل إلى بيت فرعون دون عناء أو بحث، فهل يستطيع الملك الطاغية أن يقتل غلامًا ما زال في المهد؟ كلا وعناية الله تحيط بالغلام، ورعايته سبحانه تتولاه وصدق الله ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ (٢) وتحقق وعد الله ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٣).
ويبدأ، ويستمر موسى ﵇ في دعوة فرعون وملئه .. ويصر أولئك على الكفر والمعاندة ويلين الدعاة بالقول تارة، ويؤكد موسى وهارون ﵉ نبوتهما بالبراهين القاطعة والمعجزات الظاهرة، ويظل الحوار مع فرعون صريحًا جادًا تؤكد فيه الربوبية الحقة لله رب العالمين، وتسلخ من فرعون الدعم العنيد وتنسف الدعوة الكاذبة رغم المكابرة والاستهزاء والتهديد: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ (٢٤) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ
стр. 497
أَلا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ (٢٦) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١).
وحين شعر فرعون أن موسى ﵇ قد غَلبَه بالحجة والبرهان لجأ إلى القوة والسلطان وهدد بسجن موسى إن هو عبد الله وحده ورفض ما عليه الناس من عبودية فرعون: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ (٢).
أيها السلمون، وحين نتجاوز كثيرًا من المشاهد والمواقف ونصل إلى نهاية القصة نجد العبرة فيها أكثر والدروس أبلغ، وموسى والمؤمنون معه يفرون بدينهم من وجه الطاغية بأمر الله، ويصر فرعون وجنده على اللحاق بهم، بل ويرسل فرعون في المدائن حاشرين، ويقول عن المؤمنين: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ (٣). ويبلغ الكرب بالمؤمنين نهايته، والبحر أمامهم، والعدو خلفهم، وهم لا يدرون ماذا في غيب الله وعلمه ﴿فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ (٦٤) وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (٤).
إخوة الإيمان، وبين البدء والنهاية في هذه الملحمة العظيمة التي وقعت في اليوم العاشر من هذا الشهر شهر الله المحرم عدد من الدروس والعبر المهمة ومنها:
стр. 498
١ - أن نور الله غالب مهما حاول المجرمون طمس معالمه، وأن الطغاة وإن أثّروا في عقول الدهماء فترة من الزمن، واستمالوهم بالمنح والعطايا، فإن القلوب بيد الله يصرفها كيف يشاء، وتأملوا في فرعون وسحرته وكم وعدوا ومع ذلك انقلبوا فجأة عليه، واستهانوا بما وعد به حين أبصروا دلائل الإيمان، وحين لاذوا بحمى الملك الديان، فكانوا أول النهار سحرة وآخره شهداء بررة ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْوا إِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (١١٣) قَالَ نَعَمْ وَإَنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قَالَ أَلْقُوْا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ (١).
إنه موقف من المواقف الحاسمة في تاريخ البشرية هذا الذي كان بين فرعون وملئه والمؤمنين من السحرة السابقين، إنه موقف حاسم بانتصار العقيدة على الحياة وانتصار العزيمة على الألم، وانتصار الإنسان على الشيطان (٢).
وليس هذا أول خرق في سفينة فرعون فقد كان في بيته مؤمنون، ومع ضعف النساء فقد تحدت آسية امرأة فرعون زوجها، وشمخت بإيمانها ولم تفتنها الدنيا ومباهجها، وضرب الله بها مثلاً للمؤمنين وقالت ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٣) ووجد في آل فرعون مؤمنون ناصحون رغم العنت والأذى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ
стр. 499
إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ .. ﴾ (١) بل وجد سوى هؤلاء من آل فرعون آمنوا بموسى رغم الخوف وخشية الفتنة في الدين: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٢).
قال العوفي عن ابن عباس ﵄ في تأويل هذه الآية- (فإن الذرية التي آمنت لموسى من أناس غير بني إسرائيل، من قوم فرعون يسيرٌ، منهم امرأة فرعون، ومؤمن آل فرعون، وخازن فرعون وامرأة خازنه وقال ابن كثير: قليل من قوم فرعون من الذرية وهم الشباب ورد على ابن جرير الذي اختار أن الذرية من بين إسرائيل، لا من قوم فرعون وقال ابن كثير: وفي هذا نظر لأنه أراد بالذرية الأحداث والشباب وإنهم من بني إسرائيل والمعروف أن بني إسرائيل كلهم آمنوا بموسى ﵇ واستبشروا به، وكانوا يعرفون نعته وصفته والبشارة به من كتبهم المتقدمة) (٣) ..
وكذلك يبدد نور الإيمان دياجير الظلمات في أجواء تُخْنَق فيها العبودية لله رب العالمين ويُكره الناس على عبودية البشر من دون الله ..
стр. 500
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، أحمده تعالى وأشكره وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحابته أجمعين ..
أيها المسلمون، أما الدرس الثاني من قصة موسى ﵇ مع فرعون فقد عاش المسلمون في أيام فرعون ظروفًا عصبية ملؤها الخوف والأذى، ووصل بهم الأمر أن يُسروا بصلاتهم ويتخذوا المساجد في بيوتهم قال الله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١).
والمعنى: كما قال العوفي عن ابن عباس في تفسير الآية: قالت بنو إسرائيل لموسى ﵇: لا نستطيع أن نظهر صلاتنا مع الفراعنة وأذن الله لهم أن يصلوا في بيوتهم وقاله مجاهد: لما خاف بنو إسرائيل من فرعون أن يقتلوا في الكنائس الجامعة ... أمروا أن يجعلوا بيوتهم مساجد مستقبلة الكعبة يصلون فيها سرًا، وكذا قال قتاده والضحاك (٢).
الدرس الثالث: وفي ظل هذه الظروف العصيبة أُمر المسلمون بالصبر عليها والاستعانة بالله على تجاوزها بالوسائل التالية:
أ) الصبر والصلاة، قال الله تعالى لهم ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾ (٣) وقال لهم ولغيرهم:
стр. 501
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (١) فالصلاة سمة المسلم حين الرخاء وهي ملاذه حين الشدة والضراء.
ب) والإيمان بالله والتوكل عليه ضرورة للمسلم في كل حال وهما في حال الشدة عدة ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ﴾ (٢).
ج) وكذلك الدعاء وصدق اللجوء إلى الله، أمان من الضيق وفيه فرج من الكروب وخلاص من فتنة الظالمين، ونجاة من الكافرين:
﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (٣).
﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ (٤).
د) ومع ذلك فلابد من الاستقامة على الخير وعدم الاستعجال في حصول المطلوب فذلك أمر يقدره الله أنى شاء وكيف شاء ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (٥). قال ابن جُريج: يُقالُ أن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة، وقال محمد بن على بن الحسين، مكث أربعين يومًا (٦).
стр. 502
أمة الإسلام، أما الدرس الرابع الذي تكشفه قصة الحوار بين موسى ﵇ والمؤمنين معه، وفرعون وملئه، فهو الخداع والتدليس الذي يمارسه المجرمون على رعاع الناس وجهلتهم، وتأملوا في مقولة فرعون للسحرة -حين آمنوا- كما قال تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (١).
وقال في الآية الأخرى: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ (٢).
قال ابن كثير ﵀: وفرعون يعلم، وكل من له لبّ، أن هذا الذي قاله من أبطل الباطل، فإن موسى ﵇، بمجرد ما جاء من (مدين) دعا فرعون إلى الله وأظهرَ لهُ من المعجزات ما جعله يبعث في مملكته لجمع السحرة لإبطال سحر موسى، كما زعم، وموسى، ﵇، لا يعرف أحدًا منهم، ولا رآه ولا اجتمع به .. إلى أن يقول ابن كثير: (وفرعون يعلم ذلك، وإنما قاله تستُرًا وتدليسًا على رعاع دولته وجهلتهم، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ فإن قومًا صدّقوه في قوله ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ من أجهل خلق الله وأضلهم، انتهى كلامه ﵀ (٣).
أيها المؤمنون، ومع الخداع والتدليس على الدهماء تُقْلب الحقائق، ويُتَّهَم الأبرياء- وهذا هو الدرس الخامس- فلم يكتف فرعون وقومه بالقول عن المؤمنين الصادقين ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ (٤)، بل اتّهَم الملأ وجلساءُ السوء موسى والمؤمنين معه، بالإفساد في الأرض: ﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ
стр. 503
مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ (١).
وهكذا إخوة الإيمان، فليس كل من ادّعى النزاهة والعدالة مُحِقًا صادقًا، وليس كلُّ مَنْ رُميَ بالتَّطَرُّف أو أُتَّهِمَ بالفساد مبطلاً كاذبًا، وليست تغير الألفاظ والاتهامات الباطلة من واقع الأمر شيئًا، لكنها السنة في الابتلاء تمضي في الأولين والآخرين؟
ومن حق ابن كثير أن يعجب لهذه المقولة الكاذبة ويقول: (يا الله العجب صار هؤلاء يُشفقون من إفساد موسى وقومه، ألا إن فرعون وقومه هم المفسدون ولكن لايشعرون) (٢).
الدرس السادس: أن الصراع مهما امتد أجله، والفتنة مهما استحكمت حلقاتها فإن العاقبة للمتقين .. لكن ذلك يحتاج إلى صبر ومصابرة واستعانة بالله صادقة ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣).
أجل، فلا ينبغي أن يخالج قلوب المؤمنين أدنى شكٍ بوعد الله، ولا ينبغي أن يساورهم القلق وهم يصبرون على الضراء، ولا ينبغي أن يخدعهم أو يغرّنهم تقلّبُ الذين كفروا في البلاد فيظنوه إلى الأبد، وما هو إلا متاع قليل، ثم يكون الفرج والنصر البين للمؤمنين.
أيها المسلمون، ويحسّ المسلمون برباط العقيدة، مهما كانت فواصل الزمن، وكما تجاوز المؤمنون من قوم موسى ﵇ المحنة، فكذلك ينبغي أن
стр. 504
يتجاوزها المسلمون في كل عصر وملة، وكما صام موسى ﵇ يوم عاشوراء من شهر الله المحرم شُكرًا لله على هذا النصر للمؤمنين صامه محمد ﷺ والمؤمنون، ولا يزال المسلمون يتواصون بسنة محمد ﷺ بصيام هذا اليوم، ويرجون بره وفضله.
وقد قال ﵊ بشأنه: « .. وصوم عاشوراء يُكّف السنة الماضية» (١) وفي لفظ «وصيام يوم عاشوراء، إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله» (٢).
فقدّروا لهذا اليوم قدره .. وسارعوا فيه إلى الطاعة واطلبوا المغفرة، وخالفوا اليهود، وصوموا- تطوّعًا لله- يومًا قبله أو يومًا بعده، وإن صمتم العاشر ويومًا قبله ويومًا بعده فذلك أكمل مراتب الصيام، كما قال ابن القيم، ﵀ (٣).
стр. 505
بين الاتباع والابتداع (١)
الحمد لله رب العالين، أتم الشريعة وأكمل الدين، وختم الأنبياء ﵈ بشريعة محمد ﵊، فمن اتبع واقتفى وفق واهتدى، ومن خالف أو ابتدع ضل الطريق وغوى، وأشهد أن لا إله إلا الله شرع من الدين ما يصلح البلاد والعباد، وأبي الجاهلون والمنافقون إلا أن يشرعوا لأنفسهم ما لم يأذن به الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، لا خير إلا دل الأمة عليه ولا شر إلا حذرها منه، ﷺ تسليمًا كثيرًا، ورضي الله عن أصحابه الميامين الذين اقتفوا أثره وبشرعه كانوا مستمسكين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
إخوة الإسلام، ويعجب المرء حين يلحظ فئامًا من المسلمين كلفوا أنفسهم ما لم يأذن به الله، واتبعوا شرائع وطرائق لم يعملها صفوة الخلق محمد ابن عبد الله ﷺ ، ولا صحابته الأخيار فابتدعوا في الدين ولو كلفوا أنفسهم السؤال عن أصلها والهدف منها، وما فيها من المغرم والمأثم لما عادوا إليها مرة أخرى فليس الدين- معاشر الإخوة- شهوة جامحة، ولا تقليدًا أبلهًا .. إنما هو الشرع الموحي، والسنة الموروثة عن أولي البصائر والأحلام والنهى «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة بالنار».
نعم إن الإسلام- أيها الأخوة- دين الله، والله تعالى أعلم بما يصلح للبشر ويقيم سلوكهم ويطهر قلوبهم، ولم يمت محمد ﷺ إلا وقد أكمل الله دينه،
стр. 506
وأتم شريعته، وكان من أواخر ما خوطب به النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾ (١) وشرائع الإسلام وسننه كافية شافية، وليس يسوغ للمسلم كلما سمع صيحة هنا أو دعوة هناك تشبَّث بها حتى وإن كانت بدعةً محدثةً في الدين .. وحتى وإن كان مقصرًا فيما صح أمر الله به وفعل رسوله ﷺ له، فلا بد للمسلم إذًا أن يستسلم لشرع الله وأمر رسوله ويسأل نفسه قبل الإقدام على هذا العمل أهو في كتاب ربه أو أمر به الرسول ﷺ في سنته، أم عمل به سلف الأمة وخيارها؟ فإن لم يجد من ذلك شيئًا فلا يغتر بكثرة الهالكين، ولا يكن دليله أنه وجد الناس يعملون هذا العمل فهو لهم تبع فالله تعالى يقول: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ (٣) وينعى القرآن على الذين قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون.
إخوة الإيمان، شأن البدعة عظيم، وأمر العبادة لا يسوغ من مجرد التقليد، ولزوم السنة والاتباع فضل من الله عظيم.
ولخطورة البدع، ما ظهر منها وما بطن، اسمعوا ما قاله الأئمة الأعلام لتحذير الأمة من ضلالات الشيطان.
يقول الإمام مالك ﵀: (من أحدث في هذه الأمة شيئًا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله ﷺ خان الدين لأن الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
стр. 507
دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾ (١) فما لم يكن يومئذ دينًا لا يكون اليوم دينًا (٢).
ويقول سفيان الثوري ﵀: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها (٣) وذلك أن المبتدع الذي يتخذ دينًا لم يشرعه الله ورسوله قد زين له سوء عمله فرآه حسنًا، فهو لا يتوب ما دام يراه حسنًا لأن أول التوبة العلم بأن فعله سيء ليتوب منه، فما دام يراه حسنًا، وهو سيئ في واقع الأمر، فإنه لا يتوب، ومع ذلك فالتوبة ممكنة لمن وفقه الله وهداه كما هدى الله الكفار وأصحاب الباطل الذين أبصروا ما هم عليه من الباطل ورغبوا في الحق (٤).
إخوة الإسلام، وقد يسأل سائل ويقوله: ما هي الظروف والأزمان التي تنتشر فيها البدع؟ ولماذا تتعلق بعض النفوس بالبدع؟
والجواب: إذا انتشرت الجهالة بدين الرسل ﵈ بين الناس ونما زرع الجاهلية في نفوسهم، وكثر الدعاة المبطلون، واختفى أو قل دور الدعاة المصلحين سارعت الطباع إلى الانحلال من ربقة الاتباع، لأن النفس فيها نوع من الكبر فهي تحب أن تخرج من العبودية بحسب الإمكان، كما قال أحد السلف: ما ترك أحد سنة إلا تكبر في نفسه).
فهي تصير إلى البدعة كمخرج من تكاليف الشرع المستمرة إلى ضروب البدعة والأعمال المؤقتة، إذًا المحافظة على السُّنة تحتاج إلى صبر ومصابرة، ومجاهدة
стр. 508
للنفس لديمومتها على ذلك حتى تلقى الله وهو راضٍ عنها .. أما البدع فهي عبادات مؤقتة، وهي لقاءات موسمية، وهي أحيانًا اجتماعات عامة قد تطرب لها بعض النفوس المريضة وتظنها نوعًا من القربة والمغنم، وهي في واقع الحال معصية ومأثم.
والبدع، معاشر المسلمين، كثيرة ومتنوعة فمنها لا يتكرر في العام إلا مرة واحدة كبدعة المولد التي أحدثها العبيديون في مصر والمسمَّون ظلمًا بالفاطميين، وهؤلاء العبيديون كانوا يظهرون الرفض (أي ينتسبون إلى الرافضة- ويبطنون الكفر المحض، يقول عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (واتفق طوائف من المسلمين علماؤهم وملوكهم وعامتهم من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم على أنهم كانوا خارجين عن شريعة الإسلام وأن قتالهم كان جائزًا .. وأن الذين يوجدون في بلاد الإسلام من الإسماعيلية والنصيرية والدرزية وأمثالهم من أتباعهم (١) ..
ويقول عنهم ابن كثير ﵀: (وقد كان الفاطميون من أغنى الخلفاء، وأجبرهم وأظلمهم، وأنجس الملوك سيرةً، وأخبثهم سريرة، ظهرت في دولتهم البدع والمنكرات، وكثر أهل الفساد، وقل عندهم الصالحون من العلماء والعباد، وكثر بأرض الشام النصرانية والدرزية والحشيشية، وتغلب الإفرنج على سواحل الشام بكامله حتى أخذوا القدس وغيرها .. وقتلوا من المسلمين خلقًا وأممًا لا يحصيهم إلا الله) (٢).
فإذا كان بدعة المولد وأمثالها من البدع من ترويج هؤلاء الضالين المضلين
стр. 509
فأيُّ خير يرجى في هذه البدع .. وكيف ساغ للمسلمين أن يتشبثوا بها إلى زماننا هذا، زمان العلم والمعرفة والوعي بتاريخ الأمور سلفًا وخلفًا.
ومن هذه البدع بدعة القيام ليلة النصف من شعبان، وتخصيصها بعبادات وأذكار وأدعية لم ترد في الشرع المطهر ولم تؤثر عن النبي ولا صحابته الغرر.
ومن هذه البدع بدعة الرجبية الذين يعظمون أيامًا أو ليالي من شهر رجب، ولاسيما ليلة السابع والعشرين منه إذ يزعمون أن ليلة الإسراء وقعت فيه، ولم يثبت ذلك بالنقل الصحيح ولو ثبت لم يكن ذلك مسوغًا لتعظيم هذه الليلة أو غيرها من ليالي رجب، وهناك من يعتقد أفضلية خاصة لشهر رجب فتراهم يخصونه بعبادات لا يعلمونها في غيره، وربما فضله بعضهم على شهر رمضان .. وهكذا تفعل البدع بأصحابها، وكذلك يصرف الشيطان الجهلة عن الفاضل إلى المفضول، وصدق من قال: لا تعمل بدعة إلا أبطلت سنة.
ومن البدع ما يتكرر في اليوم أكثر من مرة، كبدعة النية في الصلاة حين إرادة الدخول فيها فيقول القائل (اللهم إني نويت أن أصلي لله كذا وكذا من الركعات لصلاة كذا (فيسميها) وأين من قال ذلك من الصالحين والأئمة المهديين؟ هذا من ناحية النقل، أما العقل فهل يسوغ أن تُعْلِم العليم الذي يعلم السر وأخفى أنك تريد أن تصلي له كذا وكذا؟ إنها بدع متوارثة حري بالمسلم أن يسأل عن أصلها وحكمها ... وقمنٌ به أن يُقلع عنها إذا تيقن له الخطأ في فعلها.
أعوذ الله من الشيطان الرجيم ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (١).
نفعني وإياكم بهدي كتابه ...
стр. 510
الخطبة الثانية
الحمد لله القائل في محكم التنزيل ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ (١) وأشهد أن لا إله إلاً الله وفق من شاء لاتباع الملة والسنة، وأبى الجاهلون إلا المخالفة والابتداع: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٢).
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه .. وهو القائل: «ما تركتُ شيئًا يقربكم إلى الله إلا وقد أمرتكم به، وما تركت شيئًا يبعدكم عن الله إلا وقد نهيتكم عنه» (٣). اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر المرسلين.
إخوة الإسلام، ويرد السؤال الآخر، وما هي مفاسد البدعة لا سيما وأصحابها يزعمون أنهم يتقربون بها إلى الله زلفى؟
وللبدع مفاسد كثيرة، ومن أول هذه المفاسد أن أصحابها يتهمون شريعة الله بالنقص، إذ يُصرون على قُرُباتٍ لم يأذن بها الله، ولم تثبت عن رسول الله ﷺ ، وإنما عبدوا الله بمستحسنات العقول، وفي ذلك قدحٌ في كمال هذا الدين، وكأنّ أولئك يستدركون على الشريعة، ومنها أن أصحاب البدع يزهدون في السنن الثابتة، وتفتر عزائمهم عن العمل بها، وينشطون في البدع، فتراهم ينفقون أموالهم، وينصبون أبدانهم، ويضيعون أوقاتهم في إحياء البدع، وربما وجدوا خفّة ونشاطًا لما يشعرون به من موافقة الهوى، ولو كان الجهد -على غير هدى-
стр. 511
ينفع أصحابه لانتفع به رهبان النصارى الذين كانوا ينقطعون في صوامعهم وأديرتهم على غير هدى، فقال الله فيهم وأمثالهم:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً﴾ (١) وتأمل قوله تعالى ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ (٢).
ومن مفاسد البدع أنها السبب للفرقة والخلاف، فتحيا شعارات الجاهلية وتنطمس أنوار الإسلام، إذ يحس كل فريق أن ما هو عليه الحق وما عداه الباطل ويتحقق قوله تعالى ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (٣) فتنشأ الإحن والعداوات بين المسلمين، ولو اعتصموا بحبل الله واستمسكوا بشريعته المنزلة الجامعة لكان فيها أمانٌ من الفرقة والخلاف. قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ (٤)(٥).
ولا يقف الأمر عند حدود الفرقة والخلاف- مع ما فيها من شر وبلاء- بل يحتدم الجدل، ويروج سوق المراء بين المسلمين، وتحصيل الخصومة في الدين، ويضيع بها جزءٌ من وقت المسلمين دون فائدة، قال قتادة- ﵀ قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (٦)، قال: هم أهل البدع.
стр. 512
وتأملوا حديث المصطفى ﷺ وهديه إذ يقوله: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل) (١).
ومن مفاسد البدع أنها تفسد الدين الصحيح، حتى يظنّ من لا يعرف حقيقة الإسلام أنه مجموعةٌ من الخرافات والطقوس الفارغة، فينصرف عنه من يريد الدخول فيه، وهذا ما يريده ويخطط له الكافرون والمنافقون حتى يصدوا عن الدين الحق، ويشغلوهم بترهات باطلة، وعقائد محرمة، وبدع فاسدة .. وهل يستطيع أرباب البدع مقاومة الباطل والمبطلين وهم في الباطل واقعون؟ وهل يستطيعون محاربة الشيطان وصدّه وهم له متبعون؟
كتب عمر بن عبد العزيز- ﵀ إلى عدي بن أرطأة بشأن بعض القدرية، يقول له: (أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره، واتباع سنة نبيه، ﷺ ، وترك ما أحدث المحدثون فيما قد جرت به سنة، فعليك بلزوم السنة، فإن السنة إنما سنها من قد عرف ما في خلافها من الخطأ والزلل والحمق والتعمق، فارض لنفسك بما رضي به القوم لأنفسهم، فإنهم على علم وقفوا، وببصر ناقدٍ كُفُوا، وهم كانوا على كشف الأمور أقوى، وبفضل كانوا فيه أحرى، إنهم هم السابقون، تكلموا بما يكفي، ووصفوا بما يشفي، فما دونهم مقصر، وما فوقهم محسر، لقد قصر منهم قوم فجفَوا، وتجاوز آخرون فغَلوا، وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم) (٢).
معاشر الإخوة، كلماتٌ توزن بماء الذهب لمن عقل وتدبر ووعى، على أن دور السلف الصالح لم يقف عند حدود التحذير المجرد، للبدع وأصحابها، بل
стр. 513
استلزم منهم أحيانًا النهي الفعلي، وتفريق المجتمعين على البدع، فقد أخرج الدارمي بسند صحيح أن أبا موسى الأشعري قال لابن مسعود، ﵄: إني رأيت في المجلس قومًا حلقًا جلوسًا ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى فيقول: كبروا مائة فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة فيهللون مائة، فيقول: سبحوا مائة فيسبحون مائة، قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء، ثم أتى حلقةً من تلك الحِلق فوقف عليهم فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن، حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد، قال: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن، أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد؛ ما أسرع هلكتكم! هؤلاء أصحابه متوافرون، وهذا ثيابه لم تبل، والذي نفسي بيده أنتم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد أو مفتتحو باب ضلالة؟ قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن، ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه (١).
هذه كلمات واضحةٌ صريحة، توزن بماء الذهب لمن عقل ووعى، وهي نهي مبكر عن الابتداع في الدين، وهي تحذيرات من جيل الصحابة والتابعين، وليست نظرات وهابية كما يخيل للجاهلين وأصحاب الأهواء المبتدعين.
وتأمل أخي المسلم كيف يدخل الشيطان على الإنسان من باب القربة والطاعة حتى يبعده عن السنة والجماعة، ويرحم الله الإمام الشافعي وهو القائل: (لأن يلقى الله العبد بكل ذنب- خلا الشرك- خيرٌ من أن يلقاه بشيء من الهوى).
وقيل لسفيان بن عتبة ﵀: ما بال أهل الأهواء لهم محبة شديدة لأهوائهم
стр. 514
فقال: أنسيت قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ (١) وقال أبو قلابة: لا تجالسوا أهل الأهواء فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم أو يلبسوا عليكم بعض ما تعرفون) (٢).
فاتقوا الله معاشر المسلمين، وإياكم والبدع واتباع الهوى وعليكم بالاتباع والسنة .. واعلموا أن قدم الإسلام لا تثبت إلا على قنطرة التسليم (٣).
رزقني الله وإياكم العلم النافع والعمل الصالح وسددنا في الأقوال والأفعال وجنبنا الأهواء والبدع ومقالات ..
стр. 515
كيف تصح القلوب ؟ (١)
أحمد الله الذي ظهر لأوليائه بنعوت جلاله، وأنار قلوبهم بمشاهدة صفات كماله، وتعرف إليهم بما أسداه إليهم من إنعامه وأفضاله، فعلموا أنه الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، ولا يحصي أحذ ثناءً عليه.
وأشهد ألا إله إلا الله، إلهًا واحدًا جل عن الشبه والأمثال، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا معقب لأمره.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله والأمين على وحيه، والحجة على خلقه، شرح الله به الصدور، وأنار به القلوب، وهدى به أقوامًا من الضلالة إلى الهدى، اللهم صل عليه وعلى إخوانه الأنبياء وعلى آله، وارض اللهم عن أصحابه أعلام الهدى، ومن سار على نهجهم علما يوم الملتقى.
أما بعد فقد أمر الله نبيه ﷺ فيما أوحى إليه بطهارة القلب وتزكيته من أدرانه فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٢).
وجمهور المفسرين من السلف ومن بعدهم كما يقول ابن القيم- ﵀ على أن المراد بالثياب هنا القلب، والمراد بالطهارة إصلاح الأعمال والأخلاق، ولئن ذهب بعض المفسرين إلى أن الآية على ظاهرها، وأن المقصود تطهير الثياب من النجاسات التي لا تجوز معها الصلاة، فقد قيل: إن الآية تعم هذا كله، وتدلل عليه بطريق التنبيه واللزوم، إن لم تتناول ذلك لفظًا، فإن المأمور به، إن كان
стр. 516
طهارة القلب، فطهارة الثوب وطيب مكسبه تكميل لذلك، فإن خبث الملبس يكسب القلب هيئة خبيثة، كما أن خبث المطعم يكسبه ذلك (١).
ومن هنا تعلم، أخي المسلم، أن أول شيء من عوامل إصلاح القلب طيب المطعم، وطيب الملبس، وكونهما من حلال، وليست بخافٍ عليك أن خبيث المكسب تُحجب دعوته دون السماء، وهو يقول: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام وغذي بالحرام، فأني يستجاب له؟ لذلك، كما أخبر الصادق المصدوق عليه أفضل الصلاة والسلام اللهم لا تحرمنا فضلك بسبب شح نفوسنا وتجاوزها الحلال إلى الحرام.
والبعد عن المحرمات بشكل عام عامل مهم من عوامل إصلاح القلوب، وتأمل كيف ربط الله في كتابه العزيز بين طهارة القلب وتزكيته وبين الخلاص والنهي عن عدد من الذنوب، كالنظر المحرم، والزنا، وهتك عورات المسلمين، قال تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (٢).
وقال تعالي: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣). قال ذلك عقب تحريم الزنا والقذف ونكاح الزانية فدل أن التركي هو باجتناب ذلك.
وقال تعالى: - في آية ثالثة- ﴿وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ (٤). قال ذلك في الاستئذان على أهل البيوت، فإنهم إذا أمروا بالرجوع فامتثلوا ولم
стр. 517
يطلعوا على عورة، لا يحب صاحب المنزل أن يطلع عليها، كان ذلك من تزكية القلوب، ومن عظمة هذا الدين.
إخوة الإيمان، والأصلُ في ذلك كله غض البصر، وعدم إطلاقه في المحرمات والعورات وقد قيل:
كل الحوادث مبدؤها من النظر ... ومعظم النار من مستصغر الشرر
وقال العارفون: إن غض البصر يوجب ثلاث فوائد عظيمة الخطر، جليلة القدر، إحداها: حلاوة الإيمان ولذته، فإن من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، ذلكم أن العين رائدة القلب، فإذا أطلق الإنسان بصره في المحرم تعلق قلبه به، فيصير القلب عبدًا لمن لا يصالح أن يكون هو عبدًا له، وحينئذ يقع القلب في الأسر، ويصبح أسيرًا بعد أن كان ملكًا، ومسجونًا بعد أن كان حرًا طليقًا. وتبدأ همومه وشكواه وصبابته وتيهه وغرامه وعشقه في غير الله وهكذا يتوزع قلبه وينصرف عما خلق له، وهذا إنما تمتلئ به القلوب الفارغة من حي الله والإخلاص له، إذ القلب لابد له من تعلق، وفرق بين من تعلق بالله فهداه وبين ما تعلق قلبه بغير الله فأضله وأرداه.
الفائدة الثانية من فوائد غض البصر للقلب أنه يورثه النور وصحة الفراسة: وقد عقب الله على قصة لوط ﵇ بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ (١) وهم المتفرسون الذين سلموا من النظر المحرم والفاحشة .. هذا في فراسة القلب، أما نوره فقد قال تعالى عقب أمره إلى المؤمنين بغض أبصارهم وحفظ فروجهم ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (٢). وسر هذا كما قال ابق القيم- ﵀ أن الجزاء من
стр. 518
جنس العمل، فمن غض بصره عمّا حرم الله عليه عوضه الله تعالى من جنسه ما هو خير منه، فكما أمسك نور بصره عن المحرمات أطلق الله نور بصيرته وقلبه فرأى به ما لم يره من أطلق بصره ولم يغضه عن محارم الله.
أما الفائدة الثالثة من فوائد غض البصر للقلب فهي تورثه كذلك قوةً وثباتًا، وشجاعةً وقد قيل في الأثر: (إن الذي يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله). أما المتبع لهواه، والمطلق عنان شهواته فيوجد عنده من ذل النفس، وضعفها ومهانتها ما جعله الله لمن عصاه، وقد قضى الله بالعزة لمن أطاعه واتقاه ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً﴾ (٢).
أخي المسلم، مهما طلبتَ العزة فلق تجدها في غير طاعة الله، ومهما طال أمد تجاربك فستعود صفر اليدين من العزة ما دمتَ للمعاصي ملازمًا، وللطاعات مقلاً، قال بعض السلف: (الناس يطلبون العز بأبواب الملوك، ولا يجدونه إلا في طاعة الله).
أيها الإخوة، ومهما تبد لكم عزة أصحاب المعاصي فهي سراب خادع، وهي أُنس لحظات، ويعقبها هّم وحسرةٌ لعدّة ساعات، وقال الحسن: (إنهم وإن هملجت بهم البراذين، وطقطقت بهم البغال، فإن ذلّ المعصية لفي قلوبهم، أبى الله إلا أن يُذل من عصاه) (٣).
أمة الإسلام، ومن أنفع الأدوية لعلاج مرض القلب القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ﴾ (٤).
стр. 519
وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١).
وحاصل ذلك أن جماع أمراض القلوب هي أمراض الشبهات والشهوات، والقرآن شفاء للنوعين، ففيه البينات والبراهين القاطعة ما يبين الحق من الباطل، فتزول أمراض الشبه المفسدة للعلم والتصور والإدراك، وليس تحت أديم السماء كتاب متضمّن للبراهين والآيات من التوحيد وإثبات المعاد والنبوات ورد النحل الباطلة والآراء الفاسدة مثل القرآن ... فهو الشفاء على الحقيقة من أدواء الشبه والشكوك .. ولكن ذلك موقوف على فهمه، ومعرفة المراد منه، فمن رزقه الله ذلك أبصر الحق والباطل عيانًا بقلبه كما يرى الليل والنهار .. وكما يرى الشمس ليس دونها سحاب.
وأما شفاء القرآن من مرض الشهوات فذلك بما فيه من الحكمة والموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب والتزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة .. فيرغب القلب السليم إذا أبصر ذلك فيما ينفعه في معاشه ومعاده، ويرغب عَّا يضره فيصير القلب محبًا للرشد مبغضًا للغي .. وهكذا يعود القلب إلى فطرته التي فطره الله عليها، فلا يقبل إلا الحق، ولا يفعل إلا الخير، وهكذا يزكو القلب ويطيب وتنساق له الجوارح بعمل الصالحات (٢)، وباختصار فالقرآن يذهب ما في القلوب من أمراض، من شك ونفاق، وشرك وزيغ، وقيل: ليس هذا إلا لمن آمن به وصدقه واتبعه (٣) وفي القرآن كذلك شفاء للأجسام إذا رقيت به وفيها بلاء، كما يدل على ذلك قصة اللديغ الذي رُقيَ بالفاتحة وهي صحيحة ومشهورة (٤).
стр. 520
إخوة الإيمان، وهذا العلاج القرآني يدعونا إلى مزيدٍ من الاهتمام بكتاب الله وتلاوته وتدبر معانيه، ولن يخيب شخص طلب الدواء مظانَّه الحقيقة، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملاً، فاستجيبوا له واطلبوا الشفاء منه، وتعرضوا لنفحاته وهو تعالى مقلب القلوب ومصرفها كيف يشاء، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (١).
أتدرون كيف يحول الله بين المرء وقلبه؟ قال ابن عباس ﵄: يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر والإيمان. وقال السدي: المعنى: لا يستطيع أن يؤمن ولا يكفي إلا بإذنه (٢).
ومن هنا نعلم- معاشر المسلمين- أهمية الدعاء والتضرع لله في إصلاح القلوب واستقامتها على منهج الله، وقد كان خير البرية ﷺ يكثر من الدعاء وخاصة لإصلاح القلب ويقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، وحين سئل عن سر إكثاره من ذلك أجاب بقوله: «إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله تعالى يقلبها» وفي رواية: «فإن شاء أقامه وإن شاء أزاغه»، فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب (٣) ..
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، أقول هذا القول وأستغفر الله.
стр. 521
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالين، خلق فسوى وقدر فهدى، وأخرج المرعى وكذلك يحي الموتى وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن لا إله إلا الله بيده مقاليد السموات والأرض، وبيده مفاتيح الهدى لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أزكى البشرية نفسًا وأطيبهم قلبًا، اللهم صلّ عليه وسلم وعلى إخوانه من الأنبياء، وعلى آله، وارض اللهم عن أصحابه والتابعين ومن تبعهم إلى يوم الدين.
أيها المسلمون، ومن الأدوية الناجحة بإذن الله لإصلاح القلوب ذكر الله تعالى، قال الله تعالى ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (١) فبذكر الله تأنس القلوب وتصفو الأرواح، ولكن ذلك هبة من الله يهبها لمن آمن به وتوكل عليه ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٢).
ويكفي أن تعلم أخي السلم أن الفرق بين الذاكر لله والغافل عن ذكره كالفرق بين الحي والميت، كما أخبر بذلك النبي ﷺ ، ولاشكّ أنّ من أحبّ شيئًا تعلّق به وأكثرَ من ذكره، والذاكرون لله هم من أولياء الله والمحبون له، وأولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وحتى نعلم أن الذكر هبةٌ وتوفيقٌ من الله تأمّل في سهولة الذكر، إذ لا يحتاج إنما طهارة، ولا إلى كلفة، وليس له أوقات مخصصة، ويستطيعه الإنسان قائمًا وقاعدًا، مسافرًا ومقيمًا، صحيحًا أو مريضًا ... ومع ذلك يتفاوت الناس فيه، فمنهم من لا يزال لسانه رطبًا بذكر الله، ومنهم من يجد صعوبة في استدامة ذكر الله، وهناك فئة ثالثة تشمئز قلوبها
стр. 522
وتضيق وتنقبض حينما يذكر الله، وهؤلاء هم الكافرون الذين قال الله عنهم: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (١).
أخي في الله، وإذا أضيفَ إلى ذكر الله سلامة القلب من الغش والحسد، كان ذلك علامة صحة القلب، وقاد ذلك صاحبهما إلى الجنة ونعم المآب، وتأمل كيف اجتمع الأمران لرجل فكانا سببًا في دخوله الجنة في قصة تستحق الوقفة والتأمل، فقد أخرج الإمام أحمد وغيره عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنا جلوسًا مع رسول الله ﷺ فقال: «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه قد تعلق نعليه في يده الشمال، فلما كان الغد قال النبي ﷺ مثل ذلك .. فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان اليوم الثالث قالت النبي ﷺ مثل مقالته أيضًا، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى ..
فلما قام تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄ فقال: إني لاحيت أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثًا فإن رأيت أن تؤوييني إليك حتى تمضي، فعلت؟ قال: نعم، قال أنس: وكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئًا، غير أنه إذا تعار- أي تنبه من نومه- وتقلب على فراشه ذكر الله حتى يقوم لصلاة الفجر، قال عبد الله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرًا، فلما مضت الثلاث ليال، وكدت أن أحتقر عمله، قلت يا عبد الله: إني لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجر ثَمَّ، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول ثلاث مرار يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة وطلعت أنت الثلاث مرار، فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فأقتدي به، فلم أرك تعمل كثير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله ﷺ ؟ فقال الرجل: ما هو
стр. 523
إلا ما رأيت، قال عبد الله: فلما وليت دعاني، فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد نفسي لأحد من المسلمين غشًا ولا أحسد أحدًا على خير أعطاه الله إياه، فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك وهي والله التي لا نطيق) (١).
إخوة الإسلام، تشبهوا بالصالحين، واقتدوا بالهداة الراشدين، ولا يلقين الشيطان في روعكم أن تلك أمة خلت، فمن يؤمن بالله يهد قلبه، ومن يتق الله يجعل له مخرجًا .. والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا.
ثم اعلموا- وفقني الله وإياكم للخير- أنه لن تتم لكم سلامة قلوبكم حتى تسلم من خمسة أشياء: من شرك يناقض التوحيد، وبدعة تخالف السنة، وشهوة تخالف الأمر، وغفلة تناقض الذكر، وهوى يناقض التجريد والإخلاص (٢).
وإذا علمتم ذلك فاعلموا كذلك أن خير ما اكتنز الناس- كما أخبر النبي ﷺ ثلاثة: قلب شاكر، ولسان ذاكر، وزوجة صالحة تعينك على أمر دنياك ودينك (٣).
وفقني الله وإياكم للخير وعصمنا من الشر، وجعلنا هداة مهتدين لا ضالين ولا مضلين ... وصلوا، رحمكم الله، على خير نبي .. فقد أمركم الله بذلك.
أخي في الله، كلنا في قلوبنا مرض، لكن حجم هذا المرض يختلف من شخص لآخر، وكلنا محتاجون إلى تعاطي الأدوية الناجعة لعلاج مرضى القلب، فلنسارع إلى العلاج، ولنأخذ بالأسباب، ولا يكن نصيبنا من الخط سماعه.
وإنما قدمت لك بعض ما يسمح الوقت به من الأدوية وربما خطر لك علاج آخر تفطنت لدواء ناجع فعليك به.
стр. 524
الفتن والمخرج منها (١)
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى آل محمد الطيبين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فعليكم بوصية الله للأولين والآخرين ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٢). تقوى الله معاشر المسلمين كثرة حين القلة، وقوة حين الضعف والمسكنة، وهي أمان بإذن الله، وفيها مخرج حين المحن والمصائب والفتنة.
أيها المسلمون، وهناك سنة إلهية حين تغيب عن الأذهان، وحين يجهلها المسلمون، يفاجؤون بكل نازلة ويرتبكون عند أدنى مصيبة، ويسهل عليهم أن يحيلوا الأمر لغيرهم، وإن يحملوا الآخرين أخطاءهم.
فمن سنن الله الثابتة بنص القرآن الكريم أن الناس لا تصيبهم مصيبة إلا بما كسبت أيديهم، مع كثرة عفو الله وستره وتجاوزه، قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (٣) وما فتئ القرآن يُحَذّر من مخالفة أمر الله ويذكر أنها سبب للمصائب ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤).
стр. 525
ولو كان أحدٌ يعفى من آثار خطئه لعفي عن الصحابة الأبرار ﵃، فحين وقع الخطأ منهم حصل ما وقع لهم من الشدة والمصيبة في غزوة أحد وقال الله لهم: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١).
وليس لأحد أن يتطير بأحدٍ أو ينسب الشر إليه، مع ما هو واقع فيه هو والمجتمع من حوله من ذنوب وسيئات، وهل نفع آل فرعون حين تطيروا بموسى ﵇ وحاولوا ترحيل أخطائهم إليه، وتحميل أوزارهم عليه، لقد استنكر القرآن صنيعهم، وأوحى الله فيما أوحى إلى نبيه ﷺ بيانًا صادقًا لأسباب مصائبهم ونكباتهم فقال تعالي: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (٢).
ويرحم الله أقوامًا كانوا يعرفون أثر معاصيهم في دوابهم التي تحملهم، فإذا أخطؤوا، وجفلت بهم دوابهم تذّكروا خطأهم بتغير خُلُق دوابهم أو بمعصية نسائهم أو لعقوق أبنائهم أو بشدة مواليهم، وعادوا يستغفرون ربهم ويتوبون إليه من أخطائهم، أولئك يرون بنور الله، وأولئك الموفقون لطاعته، وأولئك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
أما الغافلون .. أما اللاهون السادرون، فأولئك تمر المصائب تترى فلا يعون أو يتذكرون، ويُفتنون في كل عام مرةً أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون ... وتلك علامة من علامات موت القلوب، ولا قيمة للجسد إذا انتفخ على حساب
стр. 526
ضمور القلب وهزاله، والأدهى من ذلك أن يموت ويصاب بالران، ويقفل عليه: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١)، ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٢)، ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (٣).
إخوة الإيمان، وكان المسلمون في عصور العزة والغلَبة والتمكين لدين الله يخشون الفتن والمصائب، وقد أخرج الإمام أحمد الطبراني بسند حسن من حديث خالد بن الوليد، ﵁، أن رجلاً قال له: (يا أبا سليمان، اتق الله فإن الفتن ظهرت، فقال: أما وابن الخطاب حي فلا، إنما تكون بعده، فينظر الرجل، فيفكر هل يجد مكانًا لم ينزل له مثل ما نزل بمكانه الذي هو به من الفتنة والشر فلا يجد، فتلك الأيام التي ذكر رسول الله ﷺ بين يدي الساعة أيام الهرج) (٤).
فإذا كان هذا واردًا في القرون المفضلة فلا تسأل عن القرون اللاحقة، لاسيما والرسول ﷺ يقول في الحديث الصحيح: «لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده أشد منه حتى تلقوا ربكم» (٥).
فإذا عُلم وقع الفتن في كل زمان، وكثرتها في آخر الزمان، فالسؤال المهم: ما هي أسباب الفتن ودواعي المصائب؟ وما علاقة أهل الزمان بقلة الفتن أو كثرتها؟
نجد الإجابة واضحةً في كتاب الله، فكلما انتشر الفساد وظهرت المنكرات
стр. 527
وعمت، وغاب المصلحون والمنكرون، وكثر الطالحون على حساب الصالحين، كلما اشتدت المصائب، واستحكمت الفتن. قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (١). ويقول تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (٢) ويقول تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣).
وتأمل في آيات الأعراف بين أثر الإيمان والتقوى، وآثار التكذيب والمعاصي والذنوب، يقول تعالى عن الأولى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ (٤) ثم يقول عن الأخرى: ﴿وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٥). ثم يقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾ (٦).
وهذا يعني أن أهل الزمان هم المسؤولون عن المصائب والذنوب إذا فسدوا، وهم المستفيدون من آثار البركات والخيرات إذا صلحوا، وكل واحدٍ منهم
стр. 528
بسلوكه الشخصي يُساهِمُ في إصلاح المجتمع وإفساده، ويتحمّل كفلاً من تبعةِ هذا الفساد إذا كان من المفسدين، وله نصيبه من الأجر إن كان من المصطلحين.
نعم أيها المسلمون، ليس لنا أن نحمل مسؤوليتنا غيرنا، أو أن نقذف دائمًا بأخطائنا على غيرنا .. صحيح أن المسؤولية تتفاوت .. ولكن لكلٍ نصيبه، وعلى كلٍ مسؤوليته.
فلنتق الله جميعًا، ولنعلم أننا في مركبٍ واحد، على كلِّ منا حفظ هذا المركب من الغرق، فإلقاء اللائمة على الآخرين دائمًا لا يكفي وتحميل المسؤولية كلها جهة بعينها غير صحيح.
فدعوا الأنانية والاتكالية، وليأخذ كلٌ منّا نصيبه، وليبدأ إصلاح نفسه، ومن تحت يده على هدى من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .. وثقوا أن التعاون على البر والتقوى طريق للفلاح والنجاح، وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ (١).
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه.
стр. 529
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، يحكم ما يشاء، ويفعل ما يريد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى آل محمد الطيبين، وارض اللهم عن أصحابه والتابعين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.
أما بعد إخوة الإسلام، فاتقوا الله، واعلموا أنكم ملاقوه، أصلحوا سرائركم يصلح الله علانيتكم، وانصحوا لخلق الله، وكونوا عناصر خير، ورسل إصلاح، فأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، وإذا وقع بأرضكم فتنة أو مكروه فاسعوا إلى التهدئة قدر الإمكان، وإلى التسكين قدر المستطاع، ولا خير فيمن يندسّ في الصفوف ليشعل الفتيل ويخالف بين المجتمعين، ويسعى جهده لتفريق الصفوف، أولئك أهل الريب والنفاق الذين يسوءهم أن يبقى الناس في صفاء ووئام، ويقلق مضاجعهم اتحاد الكلمة، أما الخيرون فهم يسعون للإصلاح جهدهم، ويحتسبون للأجر عند خالقهم، والله يقول: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (١) يقربون وجهات النظر، ويحفظون هوة الخلاف التي يصنعها أهل الشائعات، هؤلاء ينصحون بالتريث والحكمة وقت الشدة والأزمة، ويقطعون على الشيطان طريق الإفساد والوقيعة بين المسلمين، وكم من راشد أبصر نفسه غضبان قلقًا فملك زمام نفسه، حتى إذا هدأت ثائرة الغضب، وخف دفع الشيطان، أدرك قيمة الأناة والرفق، وتذكر قول المصطفى ﷺ «ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» ومن لم يستطع الإصلاح،
стр. 530
أو لم يتبين له الحق لظروف الفتنة فيسعه السكوت واعتزال الفتن، كما صنع سعد وابن عمر ومحمد بن سلمة وأبو بكوة، ﵃، والأحنف بن قيس وغيرهم (١).
بل قال بعض أهل العلم: إنه يُستحب هجران البلدة التي يقع فيها إظهار المعصية، فإنها سبب وقوع الفتن التي ينشأ عنها عموم الهلاك، قال مالك: تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهارًا، وقد صنع ذلك جماعة من السلف (٢).
وعلى المسلم، في كل وقت وحال، العدل في القول. قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (٣). والقسط في الشهادة والنطق ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ (٤).
وحفظ اللسان عن الحكم فيما لا يعلم ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ (٥) ولنتذكر جميعًا قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (٦) ونتذكر قوله ﷺ : «إن العبد ليتفوه بالكلمة من غضب الله ما يلقي لها بالاً يهوي بها سبعين خريفًا في النار».