ضمور القلب وهزاله، والأدهى من ذلك أن يموت ويصاب بالران، ويقفل عليه: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١)، ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٢)، ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (٣).
إخوة الإيمان، وكان المسلمون في عصور العزة والغلَبة والتمكين لدين الله يخشون الفتن والمصائب، وقد أخرج الإمام أحمد الطبراني بسند حسن من حديث خالد بن الوليد، ﵁، أن رجلاً قال له: (يا أبا سليمان، اتق الله فإن الفتن ظهرت، فقال: أما وابن الخطاب حي فلا، إنما تكون بعده، فينظر الرجل، فيفكر هل يجد مكانًا لم ينزل له مثل ما نزل بمكانه الذي هو به من الفتنة والشر فلا يجد، فتلك الأيام التي ذكر رسول الله ﷺ بين يدي الساعة أيام الهرج) (٤).
فإذا كان هذا واردًا في القرون المفضلة فلا تسأل عن القرون اللاحقة، لاسيما والرسول ﷺ يقول في الحديث الصحيح: «لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده أشد منه حتى تلقوا ربكم» (٥).
فإذا عُلم وقع الفتن في كل زمان، وكثرتها في آخر الزمان، فالسؤال المهم: ما هي أسباب الفتن ودواعي المصائب؟ وما علاقة أهل الزمان بقلة الفتن أو كثرتها؟
نجد الإجابة واضحةً في كتاب الله، فكلما انتشر الفساد وظهرت المنكرات
стр. 527
وعمت، وغاب المصلحون والمنكرون، وكثر الطالحون على حساب الصالحين، كلما اشتدت المصائب، واستحكمت الفتن. قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (١). ويقول تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (٢) ويقول تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣).
وتأمل في آيات الأعراف بين أثر الإيمان والتقوى، وآثار التكذيب والمعاصي والذنوب، يقول تعالى عن الأولى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ (٤) ثم يقول عن الأخرى: ﴿وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٥). ثم يقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾ (٦).
وهذا يعني أن أهل الزمان هم المسؤولون عن المصائب والذنوب إذا فسدوا، وهم المستفيدون من آثار البركات والخيرات إذا صلحوا، وكل واحدٍ منهم
стр. 528
بسلوكه الشخصي يُساهِمُ في إصلاح المجتمع وإفساده، ويتحمّل كفلاً من تبعةِ هذا الفساد إذا كان من المفسدين، وله نصيبه من الأجر إن كان من المصطلحين.
نعم أيها المسلمون، ليس لنا أن نحمل مسؤوليتنا غيرنا، أو أن نقذف دائمًا بأخطائنا على غيرنا .. صحيح أن المسؤولية تتفاوت .. ولكن لكلٍ نصيبه، وعلى كلٍ مسؤوليته.
فلنتق الله جميعًا، ولنعلم أننا في مركبٍ واحد، على كلِّ منا حفظ هذا المركب من الغرق، فإلقاء اللائمة على الآخرين دائمًا لا يكفي وتحميل المسؤولية كلها جهة بعينها غير صحيح.
فدعوا الأنانية والاتكالية، وليأخذ كلٌ منّا نصيبه، وليبدأ إصلاح نفسه، ومن تحت يده على هدى من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .. وثقوا أن التعاون على البر والتقوى طريق للفلاح والنجاح، وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ (١).
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه.
стр. 529
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، يحكم ما يشاء، ويفعل ما يريد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى آل محمد الطيبين، وارض اللهم عن أصحابه والتابعين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.
أما بعد إخوة الإسلام، فاتقوا الله، واعلموا أنكم ملاقوه، أصلحوا سرائركم يصلح الله علانيتكم، وانصحوا لخلق الله، وكونوا عناصر خير، ورسل إصلاح، فأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، وإذا وقع بأرضكم فتنة أو مكروه فاسعوا إلى التهدئة قدر الإمكان، وإلى التسكين قدر المستطاع، ولا خير فيمن يندسّ في الصفوف ليشعل الفتيل ويخالف بين المجتمعين، ويسعى جهده لتفريق الصفوف، أولئك أهل الريب والنفاق الذين يسوءهم أن يبقى الناس في صفاء ووئام، ويقلق مضاجعهم اتحاد الكلمة، أما الخيرون فهم يسعون للإصلاح جهدهم، ويحتسبون للأجر عند خالقهم، والله يقول: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (١) يقربون وجهات النظر، ويحفظون هوة الخلاف التي يصنعها أهل الشائعات، هؤلاء ينصحون بالتريث والحكمة وقت الشدة والأزمة، ويقطعون على الشيطان طريق الإفساد والوقيعة بين المسلمين، وكم من راشد أبصر نفسه غضبان قلقًا فملك زمام نفسه، حتى إذا هدأت ثائرة الغضب، وخف دفع الشيطان، أدرك قيمة الأناة والرفق، وتذكر قول المصطفى ﷺ «ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» ومن لم يستطع الإصلاح،
стр. 530
أو لم يتبين له الحق لظروف الفتنة فيسعه السكوت واعتزال الفتن، كما صنع سعد وابن عمر ومحمد بن سلمة وأبو بكوة، ﵃، والأحنف بن قيس وغيرهم (١).
بل قال بعض أهل العلم: إنه يُستحب هجران البلدة التي يقع فيها إظهار المعصية، فإنها سبب وقوع الفتن التي ينشأ عنها عموم الهلاك، قال مالك: تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهارًا، وقد صنع ذلك جماعة من السلف (٢).
وعلى المسلم، في كل وقت وحال، العدل في القول. قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (٣). والقسط في الشهادة والنطق ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ (٤).
وحفظ اللسان عن الحكم فيما لا يعلم ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ (٥) ولنتذكر جميعًا قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (٦) ونتذكر قوله ﷺ : «إن العبد ليتفوه بالكلمة من غضب الله ما يلقي لها بالاً يهوي بها سبعين خريفًا في النار».
стр. 531
فاحفظوا ألسنتكم عن الحرام وتحملوا قول المصطفى ﷺ لمعاذ ﵁: «وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم».
لاسيما وثمة وظائف أخرى للسان يستطيع المرء أن يشغله بها، فالذكر من أجلِّ القربات، وبذكر الله تطمئن القلوب، والدعاء مطلوب في كل حال وهو في أوقات الشدائد أحوج، كما هدى إلى ذلك الرسول ﷺ أمهات المؤمنين، ففي صحيح البخاري عن أم سلمة ﵂ قالت: استيقظ رسول الله ﷺ ليلة فزعًا يقول: «سبحان الله ماذا أنزل الله من الخزائن، وماذا أنزل من الفتن، من يوقظ صواحب الحجرات -يريد أزواجه- لكي يصلين .. » (١).
قال الحافظ ابن حجر ﵀: وفي الحديث الندب إلى الدعاء والتضرع عند نزول الفتن ولاسيما في الليل لرجاء وقت الإجابة لتكشف أو يسلم الداعي ومن دعا له (٢).
كما يجدر بالمسلم في أوقات الفتن الإكثار من العبادة فللعبادة بشكل عام وأوقات الفتن بشكل خاص منزلة عظيمة، حتى قال النبي ﷺ : «العبادة في الهرج كهجرة إلي» (٣).
والذي يظهر- والله أعلم- أن أوقات الفتن يضطرب الناس وتنشغل القلوب، وتكل النفوس، وبالتالي ينشغل الناس عن بعض العبادات، . ولذا أرشد المصطفى ﷺ إليها لأن المتلفت إليها قليل، أو لما فيها بإذن الله دفع الغوائل ورفع الكربات لما تشتمله على ذكر وتضرع لله تعالى، ولجوء إليه وحده فهو كاشف البَليَّات.
стр. 532
إخوة الإيمان، ومع التهدئة والتسكين، ومحاولة الإصلاح وقول المعروف لمن استطاع، والصمت وكف اللسان لمن لم يتبين له الأمر، وورود الاعتزال والهجرة عن مواقع الفتن، والدعاء بشكل خاص، والعبادة بشكل عام، فثمة أمر آخر أرشد الله إليه في كتابه إلا وهو التوبة والاستغفار والإقلاع عن الذنوب والمعاصي فتلك سبب بإذن الله لرفع المصائب والمحن، قال الله تعالى: ﴿أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (١).
اللهم لا تفتنا في ديننا، اللهم احفظ علينا أمننا وإيماننا، اللهم ومن أرادنا أو أراد أمتنا بسوءٍ فأشغله بنفسه يا سميع الدعاء.
стр. 533
زلازل الذنوب (١)
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ...
إخوة الإيمان، يقول الحق ﵎: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُوراً (٦٧) أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً ثُمَّ لاَ تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً (٦٨) أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفا مِّنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً﴾ (٢).
وهكذا تقرر الآيات ضعف البشر أمام قوة الله وقدرته، وتؤكد ألا مفرَ من الله إلا إليه، فلا مستقلُّ البحر بمأمن من عذاب الله إذا نزل، ولا السائر في البر بآمنٍ من مخاوف الخسف والزلازل، والأمطار المصحوبة بالحجارة إذا أراد الله.
أجل، ما أهون الخلق على الله إذا هم عصوا أمره، واستطعموا رزقه، ولم يشكروا نعمته، ومتعهم بالصحة والأمن ورغد العيش، فلم يكترثوا بأمره ونهيه، ما هذه الغشاوة على القلوب وهي تستمرئ المنكر، وتضيق بالمعروف، وما هذه السكرة بالنعم؟ فتنسيها اللحظة الحاضرة مشاهد القيامة وأهوال الساعة، وما هذه الغفلة عن سنن الله في الإهلاك والتدمير؟ وأين حياة القلوب وهي ترى المصائب تحل ذات اليمين وذات الشمال، ثم لا تلين لذكر الله ولا ترعوي؟
لقد لانت قلوب الجبابرة والمجرمين أمام جبروت الله وقدرته، وتفجرت الأنهار من الحجارة الصم بإذن الله، وتشقق بعض منها فخرج منه الماء، وهبط
стр. 534
بعض منها خشيةً لله، أفتكون الحجارة الصم أطوع لله وأخشى من قلوب الخلق؟ ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (١).
ولقد آمن بآيات الله الكافرون، وأسلم لوجه الله الشاردون وهم يبصرون النذر توقظ ضمائرهم، والمخاوف تحيط بهم، فلا ملجأ من الله إلا الله، ولا منقذ إلا هو وحده. وهاك نموذجًا لهؤلاء:
لقد آذى عكرمة بن أبي جهل، ﵁، قبل أن يسلم، رسول الله والمؤمنين معه، ومع مرور الزمن بدأ صوت الحق يعلو وصوت الباطل يخف، حتى أذن الله بفتح مكة، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وعفا الرسول ﷺ عمن آذوه وطردوه، وقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، وكانت تلك لمسةَ وفاء، وجزءًا من أخلاقه وشمائله، ﵊.
ومع أنه ﷺ أمَّن الناس كلهم إلا أنه استثنى نفرًا من المشركين، منهم عكرمة، وأمر بقتلهم، وذلك لشدة أذاهم للنبي ﷺ ولما ألحقوه من أذى وتنكيل بالمسلمين.
وكيف لا يكون عكرمةُ في طليعة هؤلاء وهو ابن فرعون هذه الأمة .. وربما خُيّل لعكرمة يومًا أنه سيخلفُ أباه، وربما بلغ به الغرور أنه سيحطم الدعوة، أو يشل من حركة المؤمنين، ومن عادى وليًا لله كان في حرب مع الله، وتطامنت الكبرياءُ، وزال أمام عظمة الله كل دواعي الغرور .. فها هو عكرمة يفرُّ من مكة إلى اليمن، هائمًا على وجهه خوفًا من الرسول ﷺ ، ثم يركب البحر
стр. 535
ليدخل الحبشة مع قوم مسافرين، فجاءتهم ريحٌ عاصف، فقال القوم بعضهم لبعض: أخلصوا، فإنه لا يغني عنكم إلا أن تدعوا الله وحده، هنا استيقظ الإيمان في قلب عكرمة، وتبدّى له الحقُّ دون حجاب وقال قولته العاقلة: (والله لئن كان لا ينفع في البحر غيره، فإنه لا ينفع في البر غيره، اللهم لك عليَّ عهد لئن أخرجتني منه، لأذهبن، فأضعنَّ يدي في يده، فلأجدنه رؤوفًا رحيمًا، فخرجوا من البحر، فرجع إلى رسول الله ﷺ ، فأسلم وحسن إسلامه (١)، ومع شؤم المعصية التي اقترفها عكرمة، ومع الصدود والإعراض وإيذاء المؤمنين قبل، فإنها التوبةُ النصوح والصدق والإخلاص في الجهاد في سبيل هذا الدين بعدُ .. وها هو عكرمة يأتي النبي ﷺ ليقول له: يا رسول الله، والله لا أنزلُ مقامًا قُمتُه لأصد به عن سبيل الله، إلا قمت مثله في سبيل الله تعالى، ولا أترك نفقةً أنفقتها لأصد عن سبيل الله، إلا أنفقت مثلها في سبيل الله، عزل وجل ..
وصدق عكرمة مع الله وشهدته ساحات الوغى جنديًا مقاتلاً في سبيل الله، حتى إذا كان يوم اليرموك نزل فترجَّل فقاتل قتالاً شديدًا فقُتل ﵀، فوُجد به بضعٌ وسبعون من بين طعنةٍ وضربةٍ ورمية ﵁ وأرضاه (٢).
أيها المسلمون، يمهل الله ولا يهمل، ويُري الناس من آياته وعجائب قدرته ما تشهد به قلوب المؤمنين، ويغفل عنه المستكبرون وتحيط القوارع والنذر بالناس أجمعين، وما تغني الآيات والنذر عن قوم لايؤمنون .. وتتوالى الفتن وتعصف بالناس عواصف المحن، والقلة القليلة منهم هي التي تتذكر وتستغفر ﴿أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (٣).
стр. 536
ومن ذا الذي لا يقع في معصية، ومن منا لا يقترفُ الخطيئة، وهذا الحبيب المصطفى يقسم ويقول «والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم» (١).
لكن الإيمان والتقى يذكر صاحبه بعظمة من عصى فيرعوي ويستغفر ولا يصرُّ على الخطأ والمنكر ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٢).
أمما الجهل والطغيان فيسهل على صاحبه المعصية ويهون أمر الله عنده فلا يزال عن الحق معرضًا وللشرِّ والباطل واردًا حتى يهلك غير مأسوف عليه ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ﴾ (٣).
معاشر المسلمين، تأملوا أحوالكم مع خالقكم، وفتشوا عن أنفسكم ففرقٌ بين من يقترف المعصية وهو لها كاره، وهو من ربه خائفٌ مشفق ينظر إلى ذنوبه كأصل جبل يخاف أن يقع عليه، وبين من يمارس الذنب إثر الذنب، ولا يتمعّر وجهه خشية الله، بل يرى ذنوبه أشبه بذباب وقع على أنفه فقال بيده يهشه هكذا!
وهكذا يتفاوت الناس في أحوالهم حين مقارنة المعاصي، وفرق بين من يراها كالجبال وآخرون يرونها كالذباب، وتأمل هذا النص وصنف نفسك حيث هي:
فقد روى البيهقي في شعب الإيمان عن ابن السماك أنه قال: أصبحتِ الخليقةُ على ثلاث أصناف: صنف من الذنب تائب، موطِّن لنفسه على هجران ذنبه، لا
стр. 537
يريدُ الرجوع إلى شيءٍ من سيئته، هذا هو المبرِّر، وصنف يذنب ثم يندم، ويذنب ويحزن، ويذنب ويبكي، هذا يرجى له ويُخاف عليه، وصنف يذنب ولا يندم ولا يحزن ويذنب ولا يبكي، فهذا الكائن الحائر عن طريق الجنة إلى النار (١). يا أخا الإسلام، إياك من الفرح بالخطيئة، وإيَّاك أن تنسيك لذة الهوى مرارة الخطيئة، وأن تحرق نار الهوى بذرة الإيمان في قلبك، وإيَّاك إيَّاك والمجاهرة بالذنب، أو عداوة من يهديك للحق أو استحقار من يعلمك الخير، أو التضايق ممن يصدقك الحديث، فصديقك حقًا من صدقك القول لا من صدَّقك في كل ما تقول وتعمل، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٢).
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه ...
стр. 538
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فالق الإصباح وجعل الليل سكنًا والشمس والقمر حسبانًا ذلك تقدير العزيز العليم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر المرسلين.
أيها المسلمون، ويتخوف المؤمنون من كثرة ما يُسمع من محن ومصائب وما يقع من زلازل، وفتن في بلاد المسلمين وهم يقرؤون أمثال قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (١).
وإذا كانت الآية تربط بين كثرة الفساد في الأرض ومعاصي الخلق وتدعوهم إلى التأمل في ذوات أنفسهم والعودة إنما خالقهم بالتوبة والطاعة فثمة آيات أخر تربط بركات السماء والأرض بالإيمان والتقى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٢).
قال العلامة ابن القيم ﵀ (وقد دلَّ العقلُ والنقلُ والفطرةُ وتجاربُ الأمم على اختلاف أجناسها ومللها ونحلها على أن التَقربَ إلى ربِّ العالمين وطلب مرضاتِه، والبرِّ والإحسان إلى خلقه من أعظم الأسباب الجالبةِ لكلِّ خير،
стр. 539
وأضدادها من الأسباب الجالبة لكل شر، فما استجلبت نعم الله تعالى واستدفعت نقمتُه بمثل طاعته والتقريب إليه والإحسان إلى خلقه) (١).
كيف لا؟ إخوة الإسلام، والقرآن الكريم يُذكرنا بمصير السابقين ويقول جل ذكره: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (٢) ويقول تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (٥) وتأملوا معاشر المسلمين قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾ (٦).
قال الإمام علي، ﵁: (ما نزل بلاءٌ إلا بذنب وإلا رفع إلا بتوبة) (٧).
أيها المسلمون، والفساد الناشئ في الأرض لكثرة خطايا العباد وإسرافهم في الذنوب لا تنتهي آثاره على العصاة وحدهم، بل يعم الناسَ إذا لم يتناصحوا ويأخذوا على أيدي السفهاء (إن الناس إذا رأوا الظالم ثم لم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده).
ولا تقف العقوبة عند حدود الآدميين، بل يطال شؤم المعصية الأحياء
стр. 540
والمخلوقات الأخرى، قال أبو هريرة ﵁: (إنّ الحبارى لتموت في وكرها من ظلم الظالم) (١). وقال مجاهد، ﵀: إن البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا اشتدت السنة وأمسك المطر، ويقول: هذا بشؤم معصية ابن آدم).
أيها المسلمون، أما العصاة أنفسهم، أما المفسدون في الأرض، فيكفيهم ما ذل المعصية هوانهم على الله ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾ (٢).
قال الحسن البصري، ﵀: هانوا على الله فعصوه، ولو عزوا عليه لعصمهم، وإذا هان العبد على الله لم يكرمه أحد- كما قال تعالى: ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾ - وإن الناس في الظاهر لحاجتهم إليهم أو خوفًا من شرهم، فهم في قلوبهم أحقر شيء وأهونه (٣).
ويكفي العصاة المفسدين في الأرض أيضًا محقُ بركة أعمارهم وأموالهم وعلمهم وعملهم، فكل وقتٍ عُصي الله فيه، وكلّ ما عُصى الله فيه، أو بدن، أو جاه، أو علمٍ، أو عملٍ، فهو على صاحبه، ليس له، إذ ليس له من ذلك كله إلا ما أطاع الله فيه.
ولهذا قال العارفون: فمن الناس من يعيش في هذه الدار مائة سنة أو نحوها، ويكون عمره لا يبلغ عشر سنين أو نحوها، كما أن منهم من يملك القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، ويكون ماله قي الحقيقة لا يبلغ ألف درهم أو نحوها، وهكذا الجاه والعلم (٤).
стр. 541
وقد صح الخبر عن المعصوم ﷺ أنه قال: «الدنيا ملعونةٌ، ملعونٌ ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، وعالم أو متعلم» (١). وفي الحديث الآخر: «الدنيا ملعونةً، ملعونٌ ما فيها إلا ما كان لله» (٢).
إخوة الإيمان، تذكروا أنكم خلق من خلق الله، وأن خلق السموات والأرض أكبر من خلقكم، وهذه السموات والأرض في قبضة الله وليس له من شريك في تصريفهما: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ (٣). ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (٤).
أجل، إن الله جعل الأرض ذلولاً ليمشي الناس في مناكبها، ويأكلوا من رزقه، وإذا شاء حركها فمادت من تحتهم تذكيرًا لهم، فهم غير آمنين من خسف الله بهم، وهم غير آمنين من أن يرسل عليهم حاصبًا من السماء فيهلكهم: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ (٥).
ألا فاشكروا الله على نعمه، ولا تستعينوا بنعم الله على معصيته، ولا تغتروا بإمهال الله لكم، ولا تمرن عليكم الزلازل والمحن، والمصائب والفتن، دون
أثر القرآن الكريم (١)
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره .. أما بعد فاتقوا الله معاشر المسلمين، وتمسّكوا بحبله المتين، واستقيموا على صراطه المستقيم.
ألا وإن القلوب تصدأ وجلاؤها القرآن الكريم، والقرآن هو النبع الحقيقي الذي لا ينضب، وهو الدستور الذي يحق للأمة المسلمة أن تفاخر به في الوقت الذي تساق فيه الأمم والشعوب الأخرى سوقًا إلى الدساتير الوضعية والقوانين البشرية.
القرآن الكريم هو المعجزة الخالدة لهذا الدين، وهو الكتاب الحكم الذي أنزل على النبي الكريم، وإذا كان الأنبياء السابقون ﵈ قد أوتوا من المعجزات ما آمن عليه البشر في وقتهم ثم انتهت هذه المعجزات بموتهم وفناء أقوامهم، فإن الذي أُوْتيه محمد ﷺ ظلَّ وسيظلّ معجزة يدركها اللاحقون بعد السابقين، ويراها المتأخرون كما رآها المتقدمون .... وتلك- وربِّي- معجزة تتناسب وطبيعة هذا الدين الذي أراد الله له أن يكون آخر الأديان، وتتناسب مع القرآن الذي أراد الله أن يكون آخر كتاب ينزل من السماء، يقول النبي ﷺ في ذلك كله «ما من الأنبياء نبيٍ إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة» (٢).
لقد نزل القرآن في أمةٍ تتباهى بالفصاحة والبيان، وتفاخر بالبلاغة وجزل الكلام، تعقد لها الاجتماعات، ويجتمع في الأسواق والمناسبات فحول
стр. 544
الشعراء، وأرباب الفصاحة للحوار والمفاخرة وإظهار التحدي .. فنزل القرآن ليتحداهم جميعًا، إنسهم، وجنهم ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ (١) بل بلغ التحدي إظهار عجزهم عن تأليف سورة من مثله ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٢).
وفوق ذلك فقد استطاع القرآن الكريم أن يخترق قلوبهم وهم بعد على الكفر والضلال، وما زال يؤثر فيها حتى قاد أصحابها إلى الهدى والإيمان، يقول جبير بن مطعم بن عدي القرشي النوفلي ﵁ وكان من أكابر قريش وعلماء النسب فيها: قدمت على النبي ﷺ المدينة (وذلك في وفد أسارى بدر) فسمعته يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ الآية ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ (٣) كاد قلبي يطير (كما روى ذلك الشيخان في صحيحيهما) (٤).
وفي رواية (كان ذلك أول ما دخل الإيمان في قلبي) وإن كان قد تأخر إسلامه إلى ما بين الحديبية والفتح) (٥) وقبل جبير كانت قصة عتبة بن ربيعة، وهي مشهورة، وإسنادها حسن، وخلاصتها أن قريشًا بعد ما رأت انتشار الإسلام اختارت أحسن رجالاتها ليكلم النبي ﷺ ، فجاء أبو وليد عتبة بن ربيعة، وكلم النبي ﷺ كثيرًا، وهو منصت له، فلما فرغ قال: أفرغت يا أبا الوليد؟ قال:
стр. 545
نعم، قال أنصت فقرأ عليه مطلع سورة فصلت حتى بلغ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ (١) فأمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم، ورجع إلى أهله، واحتبس عن قريش فترة، وفي بعض الروايات أنه جاء إليهم، فقال بعضهم لبعض: نقسم، لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا ما وراءك؟ قال ورائي أني سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالسحر، ولا بالشعر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها لي، خلوا بين الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم وإن يظهر عليهم فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك يا أبا الوليد بلسانه، قال هذا رأي فيه فاصنعوا ما بدا لكم (٢).
وكان للقرآن أثره البالغ على أفئدة قساوسة النصارى ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٣).
بل تأثر مردة الجان الذين كانوا قبل نزوله يسترقون السمع، فقالوا: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً﴾ (٤).
وأخرج الحاكم وغيره بإسناد حسن عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: هبطوا- يعني الجن- على النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة فلما سمعوه قالوا أنصتوا، قالوا صه! وكانوا تسعة، أحدهم زوبعة، فأنزل الله : ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا
стр. 546
إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ (١).
وإذا كان هذا منطق الجن تجاه القرآن، فللملائكة كذلك شأن مع القرآن الكريم، فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما واللفظ للبخاري عن أسيد بن حضير ﵁ قال: بينما هو يقرأ القرآن من الليل سورة البقرة، وفرسه مربوطة عنده إذ جالت الفرس فسكت فسكتت، فقرأ فجالت الفرس، فسكت فسكتت الفرس، ثم قرأ فجالت الفرس فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبًا منها، فأشفق أن تصيبه، فلما اجتره- يعني ولده حتى لا تطأه الفرس- رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها، فلما أصبح حدث النبي ﷺ ، فقال له: اقرأ يا بن حضير اقرأ يا بن حضير، قال: فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى وكان منها قريبًا، فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها، قال: وتدري ما ذاك؟ قال: لا، قال: تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو أنك قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى عنهم (٢).
وفي صحح مسلم- أيضًا- عن البراء قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف وعنده فرس مربوط بشطنين (والشطن: الحبل الطويل المضطرب، وإنما ربطه بشطنين لقوته وشدته) فتغشته سحابة فجعلت تدور وتدنو، وجعل فرسه ينفر منها، فلما
стр. 547
أصبح أتى النبي ﷺ ، فذكر له ذلك، فقال: تلك السكينة تنزلت للقرآن (١).
إخوة الإيمان، وكذلك يكون أثر القرآن حين يتلى، وليس بمستغرب أن يحيل القرآن قلوب اللصوص المجرمين إلى قلوب علماء متميزين، وعباد صالحين، والفضيل بن عياض العالم العابد- عليه رحمة الله- نموذج واضح لما أقوله وقد حكى الذهبي في سير أعلام النبلاء قصة توبته وتأثره بالقرآن فقال: كان الفضيل ابن عياش شاطرًا، (يقطع الطريق) بين أبيورد وسرجس وكان سبب توبته أنه عشق جارية، فبينما هو يرتقي الجدران إليها إذ سمع تاليًا يتلو: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ... الآية﴾ (٢) فلما سمعها قال: بلى يا رب، قد آن، فرجع، فآواه الليل إلى خربة، فإذا فيها سابلة (أي مسافرون)، فقال بعضهم نرحل، وقال بعضهم حتى نصبح فإن فضيلاً على الطريق يقطع علينا، قال: ففكرت وقلت: أنا أسعى بالليل في المعاصي وقوم من المسلمين هنا يخافونني، وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع، اللهم إني قد تبت إليك وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام (٣) رحم الله الفضيل حجة زمانه، وعابد دهره، وأورع الناس من حوله .. وأكرم وأعظم بهذا الكتاب الذي أحيا أمة بعد أن كانت في عداد الموتى.
وصدق الله، وهو أصدق القائلين ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٤).
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه .. وألان قلوبنا وفقهها لمحكم تنزيله .. أقول هذا وأستغفر الله.
стр. 548
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وأسمائه وصفاته، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه صلى الله عليه وعلى إخوانه من الأنبياء.
أيها المسلمون، ولأثر القرآن على النفوس خشي المشركون على أبنائهم أن يتأثروا به حين يسمعونه من المسلمين الخاشعين لتلاوته، وقصة أبي بكر ﵁ مع ابن الدغنة تكشف عن هذا، وذلك حين خرج أبو بكر مع من خرج يريد الهجرة إلى الحبشة فلقيه (ابن الدغنة) فقال: مثلك لا يخرج يا أبا بكر، وأنا جار لك، ثم جاء ابن الدغنة إلى قريش في ناديها وأعلن جواره له، فلم تكذبه قريش لكن قالوا له: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها، وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا في ذلك ولا يستعين به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فقال ذلك لأبي بكر، فمكث فترة كذلك، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدًا بفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فيتقذف (يجتمع) عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه، وينظرون إليه- وكان أبو بكر رجلاً بكاءً لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين فأرسلوا إلى ابن الدغنة يشتكون أبا بكر إليه، ويقولون إنا خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهَهُ. إلخ القصة التي رواها البخاري في الصحيح (١).
إذا كان هذا أثر القرآن وهو غيض من فيض وقليل من كثير فالسؤال هنا الذي يجب أن نسأله أنفسنا: ما هو أثر القرآن علينا نحن المسلمين في هذه الأزمة؟
стр. 549
وقبل هذا السؤال سؤال آخر: ما هو نصيبنا من قراءة القرآن؟ وما حظنا من الخشوع والتدبر حد يتلى القرآن؟
إن واقع كثير من المسلمين اليوم واقع مر، يرثى له مع الأسف الشديد فالمصاحف تشكو من تراكم الغبار عليها، والهجر أصبح ديدن المسلمين إلا من رحم الله، البضاعة من كتاب الله مزجاة، ويرحم الله زمانًا كان الشيخ الكبير يأتي إلى النبي ﷺ ويقول: أقرئني يا رسول الله؟ قال له: اقرأ ثلاثًا من ذات (ألر). فقال الرجل: كبرت سني واشتد قلبي وغلظ لساني، قال: فاقرأ من ذات (حم) فقال مثل مقالته الأولى، فقال اقرأ ثلاثًا من المسبحات، فقال مثل مقالته، فقال الرجل: ولكن أقرئني يا رسول الله سورة جامعة، فأقرأه (إذا زلزلت الأرض) حتى إذا فرع منها قال الرجل: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليها أبدًا، ثم أدبر الرجل فقال رسول الله ﷺ أفلح الرويجل، أفلح الرويجل (١) ..
وإذا كان فضل سورة (الزلزلة) هذا، فما بال من تتوفر لهم الأداة لقراءة القرآن كله، ويتوفر لهم من النشاط والقوة ما يمكنهم من إعادة قراءة القرآن مرة تلو المرة؟ اللهم لا تحرمنا فضلك، ولا تصدنا بسبب ضعف نفوسنا وغلبة شهواتنا عن كتابك.
إخوة الإسلام، هل نسينا أن الحسنة بعشرة أمثالها وأن (ألم) فيها ثلاثة أحرف، يقول النبي ﷺ لا أقول (ألم) حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف .. فكيف سيكون تعداد الحروف في الصفحة الواحدة، وكم سيكون عدد الحسنات فيها ألا إن فضل الله واسع .. ولكن هل من ساع إلى الخير جهده؟ أليس من اللائق بك أخي المسلم أن تبكر في المجيء إلى
стр. 550
الصلوات الخمسة لتحظى بقراءة قسط من القرآن وتحصل على رصيد كبير من الحسنات، فإن أبيت، بكرت فيما تستطيع التبكير منها، فإن تكاسلت أليس يجدر بك أن تبكر يوم الجمعة لتقرأ ما تيسر من القرآن، وخاصة سورة الكهف التي أخبر النبي ﷺ أن من قرأها يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضيء به يوم القيامة، وغفر له ما بين الجمعتين) (١).
أيها المسلمون صلوا على النبي ﷺ .
стр. 551
بين المصائب والذنوب (١)
تصيب الأممَ والجماعات المصائبُ والنكباتُ، وتحل البلوى والمحن بالأفراد والدول والمجتمعات، وليس ذلك بمستَغرب، فسنة الله ماضية في نكد العيش، ومنغصات هذه الحياة، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (٣). وقال تعالي: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٤).
والأمر في هذه القضية لا يحتاج لمزيد أدلة من الكتاب والسنة لإثباته، فواقع الحياة وحال الناس يشهد به.
ولكن الأمر المهم هو تأمل هذه السنة الربانية والتعرف على أسبابها وحكمها، وكيفية الوقاية أو التقليل منها.
والحق أن الناس يتفاوتون في هذا الأمر تفاوتًا كبيرًا، وذلك على قدر علمهم وفقههم، ودرايتهم بكتاب الله وفهم نصوصه.
فهناك من تنزل به المصائب وتحل به المحن صباحًا مساءً، وهو لا يدري شيئًا من أسبابها، ولا يعلم كيف يتخلص منها، فيظل ينتقل من محنة إلى أخرى ومن غم إلى آخر حتى تنقرض حياته، وربما كانت آخرته امتدادًا لشقائه في حياته
стр. 552
الدنيا، وهذه حال الذين غفلوا عن ذكر الله، وهم الذين قال الله بشأنهم: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ (١).
وهذه التعاسة التي يعيشها والمحن التي يلاقيها جزاء معجل له في هذه الحياة بسبب إعراضه عن ذكر الله، ونسيانه آلاءه ونعمه وتأمل قوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (٢).
أيها الإخوة، ولا يعني أن هذا الصنف من الناس لا عقول لهم، بل هم في مجال الحياة الدنيا لا ينازعون، وفي سبيل جمع حطامها لا يُسايرون، ولكن أمر الهداية والتوفيق للخير فضل ومّنةٌ من الله، يتفضل به على من عرف صدقه وإخلاصه وإنابته إلى الله، أما الذين رضوا من عقولهم أن تكون مسخَرة لجمع الدرهم والدينار فحسب، ولم يتجاوزوا بها إلى ما ينفعهم في حاضرهم ومستقبلهم، ولم يستخدموها في التفكير في هدف الحياة ومصير الناس، فهؤلاء رضوا من الغنيمة بالإياب، وعليهم أن يصبروا ويتحملوا ما يأتيهم من فتن ومحن ما داموا في غفلتهم يعمهون، وما داموا يسمعون الذكر فلا يستفيدون.
وليتذكروا قول الحق ﵎: ﴿أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (٣).
أيها المسلمون، ومهما أدّعى المفرطون والمسرفون على أنفسهم بالسيئات العلم مفلسون بالجهل، ولهذا قال السلف: كل من عصا الله فهو جاهل ..
стр. 553
ولهذا أثبت الله للكفرة العلم في أمور الحياة الدنيا، لكن أخبر أنهم عن الآخرة جهلةٌ غافلون: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ (١). يقول أبو العالية: سألت أصحاب محمد ﷺ عن هذه الآية: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ (٢). فقالوا: كل من عصى الله فهو جاهل، ومن تاب قُبَيل الموت فقد تاب من قريب (٣) ..
وقال قتادة: أجمع أصحاب محمد رسول الله ﷺ على أنّ كلّ من عصى ربه فهو في جهالة عمدًا كان أو لم يكن، وكل من عصى الله فهو جاهل، وكذلك قال التابعون ومن بعدهم (٤).
وإذا كان هذا حال الجهل، فإن حال العلم والعلماء خلاف ذلك، فليس العلم الحقّ حفظ النصوص، ومعرفة المتون فحسب، وليس العالم الرباني هو الذي يستظهر العلوم دون عملٍ بها، بل العلم الحقيقي يكمن في خشية الله والعمل بما علم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٥).
ولهذا قال رجلٌ للشعبي: أيها العالم، فقال: إنما العالم من يخشى الله، وقال ابن مسعود، ﵁: كفى بخشية الله علمًا، وكفى بالاغترار جهلاً (٦).
ومن رحمة الله بعباده، وفضله على بني آدم عامة، أنه تفضل عليهم بأمرين، هما أصل السعادة، فلم يُعَنِّهِمْ في أمر الهداية، ولم يكلفهم ما لا يطيقون:
стр. 554
الأول: أنه فطرهم على الخير، فكل مولود يولد على الفطرة، وأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه- أما الذين يبقون على الإسلام فهم باقون على أصل الفطرة- وكان أبو هريرة، ﵁، إذا قرأ هذا الحديث يقول: اقرؤوا إن شئتم قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (١).
وفي صحيح مسلم، قال ﷺ : يقول الله تعالى: «خلقتُ عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين، وحرّمت عليهم ما أحللْتُ لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا» (٢).
الثاني: من فضل الله على الناس، أنه قد هداهم هداية عامة بما جعل فيهم بالفطرة من المعرفة وأسباب العلم، وبما أنزل إليهم من الكتب، وأرسل إليهم من الرسل، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الإِنسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (٣). وقال ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (٤). أي بيّنا له طريق الخير وطريق الشر (٥).
أيها الإخوة، إذا تقرر هذا فليعلم أن هناك صنفًا من عباد الله يعرفون أسباب المحن ودواعي الفتن، ويعلمون أسباب رفعها وطريق الخلاص منها، أولئك الذين ينظرون بنور الله، وأولئك الذين يقرؤون كتاب الله فيجدون من بين آياته قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (٦).
стр. 555
وقال عكرمة: (ما من نكبة أصابت عبدًا فما فوقها إلا بذنبٍ لم يكن الله ليغفره له إلا بها، أو لينالَ درجةٍ لم يكن لِيُوصلَه إليها إلا بها) (١). وهكذا تفهم العارفون أمور الحياة والأحياء.
إخوة الإسلام، هل نتعامل فيما يصيبنا وما ينزل بنا من مصائب في هذه الحياة الدنيا، بهذا الأسلوب الإيماني الرفيع، وهل نتأدب بهذا الأدب القرآني الكريم؟
لاشك أن ذلك يخفف مصابنا، ويقضي بنا على أسباب المحن، ويصل بنا - بمشيئة الله- إلى تجاوز المواقف الصعبة والمحرجة في هذه الحياة الدنيا ... ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ (٢).
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه .. أقول هذا القول .. وأستغفر الله ..
стр. 556
الخطبة الثانية
الحمد لله على آلائه والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة مقرّ بوحدانيته وجلاله وكبريائه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه، بلغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمة، فتركها على محجةٍ بيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله وسلم عليه وعلى إخوانه من النبيين، وعلى آله وصحابته والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلي يوم الدين.
أيها الإخوة، يسيرٌ على النفس أن تُعلق أخطاءها على غيرها، ومرغوبٌ عندنا أن نبحث في أي مشكلة تواجهنا عن عنصر آخر خارج محيطنا لنلصق به التهمة .. ذلك ضعف فينا، وقصور في إرادتنا، وعجزٌ عن مواجهة أنفسنا بأنفسنا، ولو أن كل واحد منا تحمل أخطاءه بنفسه، وبحث في سيرته عن أسباب ما أصابه، وعالج الخطأ، وأناب إلى الصواب، لصلحت الحياة بنا، وصلحت أحوالنا.
ومشكلةٌ أخرى لدينا، هي أننا ننسى- أحيانًا- ما يأتينا من خير من الله، ومن نعمة الصحة، والولد، والمال وغيرها .. وهي كثيرةٌ، لا تعد ولا تُحصى. ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ (١). وفي المقابل نتألم لأي نازلة تنزل بنا، ونتضايق عند وقوع أي مصيبة فينا، حتى ولو كانت صغيرة إلى جانب نعم الله علينا، فهل ذلك من العدل والإنصاف، أم إن ذلك سببه تقصيرنا في طاعة الله، وفي سلوك، وفي أداء فرائضه؟ وهذا يذكرنا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (٢١) إِلاَّ الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ
стр. 557
عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ (٢٤) لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ (١) .. الآيات.
أيها الإخوة: أينا الذي وقف عند تفسير قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ (٢).
والمصيبة الثالثة: إننا نخطئ كثيرًا، ونظلم أنفسنا ونظلم الناس من حولنا، وقد نشعر بهذا أو لا نشعر .. المهم أننا لا بهتم بذلك، فإذا ما أُصِبنا أو لحق بنا ضرر في أنفسنا أو في أهلينا أو أموالنا، عجبنا واستغربنا. وكرهنا وفزعنا، فهل، ذلك من العدل والإنصاف؟ وأينا الذي وقف عند قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ (٣) قال جمهور السلف: لفظ الآية عام، والكافر والمؤمن مجازى بعمله السوء، وأما مجازاة الكافر فالنار لأن كفره أوبقه وأما المؤمن فبنكبات الدنيا، كما روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾. بلغت المسلمين مبلغًا شديدًا، فقال: اللهم أصلح أحوالنا، وبصرنا بمواطن الضعف في نفوسنا، واجعلنا هداة مهتدين، لا ضالين ولا مضلين.
قال رسول الله ﷺ : «قاربوا وسددوا ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها، والشوكة يشاكها».
стр. 558
وكان ممن فزع لهذه الآية أبو بكر الصديق ﵁ وهو في الفضل والبر والإيمان- فجاء إلي رسول الله ﷺ ، قال: كيف الصلاح يا رسول الله مع هذا؟ كل شيء عملنا جزينا به؟ فقال غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تنصب، ألست تحزن، ألست تصيبك اللأواء؟ قال: بلى، قال: فذلك مما تجزون به (١) ..
أيها المسلمون هل نعي هذه المعاني، وتكون نبراسًا يضيء لنا الطريق في هذه الحياة، وهل نربط بين المصائب والذنوب والمعاصي، وهل نتجرد في إصلاح ذواتنا ومعرفة أقصر الطرق لرفع المحن والمصائب عنا، وعن أمتنا .. أو نستمر في الخطأ، ونرتكس في أوحال الخطيئة، فننتقل من بلية إلى أخرى، ومن وضع مُردٍ إلى آخر أسوأ منه؟ ذلك خياره بأيدينا .. لكن لنثق أن الله تعالى لن يغير ما بنا حتى نغير ما بأنفسنا. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٢). وسوف تستمر تجاربنا الخاطئة حتى نهتدي إلى صراط الله المستقيم. وسنظل نتخبط في الظلمات، حقي نفيء إلى أنفسنا ونبصر نور الله، والمصيبة أن الشقاوة لا تنتهي في هذه الحياة الدنيا، فمن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً، ومن يضلل الله فما له من هاد.
стр. 559
من فقه الحج ومنافعه (١)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره.
أما بعد، فاتقوا الله معاشر المسلمين، واستقيموا على طاعته، وأديموا له العبودية، وأخلصوا له العبادة.
وقد مرت بالمسلمين أيام اغتبط المشمرون فيها بطاعة الله وفاز العاملون المحتسبون فيها بعظيم عفو إن الله ومغفرته.
أجل لقد عاد حجاج بيت الله بعد أن أهلوا بالتوحيد الخالص لله وألسنتهم تلهج لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، وكم هي كلمات عظيمة لو فقهها كل الملبون .. وتمثلها واقعًا علميًا جميع المسلمين؟
وطاف الحجاج حول الكعبة أول بيت وضع للناس، وكم هي عظيمة تلك الذكريات التي تذكر المسلم بأن إسلامه كان استجابة من الله لدعاء إبراهيم الخليل ﵇، وابنه إسماعيل ﵇، حينما قالا، وهما يرفعان بنيان البيت: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ (٢).
قيل: إنهما كانا مسلمين ولكنهما سألا الله الثبات وقيل: المعنى مخلصين لك، ومستسلمين لأمرك خاضعين لطاعتك (٣).
إخوة الإيمان ويكتمل التوحيد ويشهد الحاج منافع الحج إذا تخلص من الشرك والشركاء، وعاد من حجه مدركًا قيمة التوحيد متمسكًا بها، عارفًا
стр. 560
بالشرك، رافضًا للشركاء مخلصًا لله في عبادته، وتأملوا كيف تربط شعائر الحج بعدم الإشراك بالله منذ أن بوأ الله لخليله عليه الإسلام مكان البيت، يقول تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (١). قال المفسرون: هذا فيه تقريع وتوبيخ لمن عبد غير الله، وأشرك به من قريش في البقعة التي أسست أول يوم على توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، وقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾. أي طهره من الشرك واجعله خالصًا لهؤلاء الذين يعبدون الله وحده لا شريك له (٢).
ثم يقول تعالى في الآيات بعدها: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ (٣).
وهكذا يرتبط التوحيد الخالص بالحج، ويجب أن يعود الحجاج من حجهم وقد تخلصوا من الشرك دقيقه وجليله، حقيره وعظيمه، فلا طواف حول القبور ولا استغاثة إلا بالله، ولا محبة إلا في الله، ولله، ولا عبادة للدرهم والدينار، ولا ذهاب للسحرة والكهان والعرافين .. وتلك وربي، من منافع الحج، وما فقه الحج ومنافعه من عاد يمارس شيئًا من أنواع الشرك التي حرم الله، وإياك أخي المسلم، أن تعرض نفسك للخطر، وتخرجها من دائرة الذين يغفر الله لهم ثم إذ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ (٤).
стр. 561
القلب المؤمن، أمر العقيدة هو شغله الشاغل، وهو همه الأول، وشعور إبراهيم وإسماعيل بقيمة النعمة التي أسبغها الله عليهما- ألا وهي نعمة الإيمان تدفعها إلى الحرص عليها في عقبهما، وإلى دعاء الله ألا يحرم ذريتهما هذه الأنعام الذي لا يكافئه إنعام وهل أغلى وأعز ثمن من نعمة الإيمان والإسلام (١)؟
إنه الشعور الذي يحس به المسلمون عبر الأجيال والقرون، الدعاء بالهداية للأنفس والأقربين، وإذا كان إبراهيم الخليل إمام المتقين في هذا الدعاء، فدعاء المؤمنين بعده: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ (٢).
وهو دعاء مشعر بالإحساس بالمسؤولية من جانب، وفيه إدراك لقيمة الدعاء والتربية من جانب آخر .. فهل يحس المسلمون وهم يقرؤون هذه الآية: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ أو وهم يطوفون بالبيت بهذا الإحساس الذي أحس به الخليل وابنه ﵉؟ تلك واحدة من فقه الحج ومنافعه والله تعالى يقول عن الحج: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (٣).
ثم يسعى الحاج بين الصفا والمروة وهما من شعائر الله كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ .. ﴾ (٤).
والمعنى: أي مما شرع الله تعالى لإبراهيم الخليل في مناسك الحج، ومن المعلوم أن أصل ذلك مأخوذ من تطواف هاجر وتردادها بين الصفا والمروة في طلب الماء لولدها لما نفذ ماؤها وزادها، فلما خافت الضيعة قامت تطلب
стр. 562
الغوث من الله ، ولم تزل تتردد في هذه البقعة المشرفة بين الصفا والمروة في هذا الوادي المقفر حيث لا ماء ولا مرعى ولا أنيس ولا سامع للصوت إلا الحي القيوم الذي سمع ما بهاجر من رقة وتذلل وتضرع وإحساس بالفقر إلى الله، فكشف الله كربتها، وآنس غربتها، وفرج شدتها، وأنبع لها زمزم التي ماؤها كما قال النبي ﷺ : «طعام طعم وشفاء سقم» أي يشبع الإنسان إذا شِرب ماءها كما يشبع من الطعام.
قال أهل العلم: فالساعي بين الصفا والمروة ينبغي له أن يستحضر فقره وذله وحاجته إلى الله في هداية قلبه، وصلاح حاله، وغفران ذنبه، وأن يلتجئ إلى الله ليزيح ما هو به من النقائص والعيوب، وأن يهديه إلى الصراط المستقيم وأن يثبته عليه إلى مماته، وأن يحوله من حاله الذي هو عليه من الذنوب والمعاصي إلى حال الكمال، والغفران، والسداد، والاستقامة كما فعل بهاجر ﵍ (١).
وتلك أخرى من فقه الحج ومنافعه.
إخوة الإيمان، وكذلك ينبغي أن يتحرك الحجيج في مناسك الحج كلها، فقهًا وخشوعًا، وتأملاً، واقتداءً بأنبياء الله ورسله، وليس يخفى على المسلمين أن هذه المناسك سنها إبراهيم ﵇ واقتفى أثره منها خاتم المرسلين محمد ﷺ ، وأصبحت بعد عبادة يؤديها المسلمون ولم تكن هذه المشاعر محض اجتهاد من أبي الأنبياء ﵇، بل كانت استجابة أخرى لدعاء إبراهيم وابنه إسماعيل ﵉ لربهما حين قالا ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾.
قال سعيد بن منصور: حدثنا عتاب بن بشير عن خصيف عن مجاهد قال: قال إبراهيم: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ فأتاه جبريل، فأتي البيت فقال: ارفع القواعد، فرفع
стр. 563
القواعد وأتم البنيان شعائر الله، ثم انطلق به إلى المروة فقال: وهذا من شعائر الله، ثم انطلق به نحو منى، فلما كان من العقبة إذا إبليس قائم عند الشجرة فقال: كبر وارمه، فكبر ورماه، ثم انطلق إبليس فقام عند الجمرة الوسطى، فلما حاذاه جبريل وإبراهيم قال له: كبر وارمه، فكبر ورماه، فذهب إبليس، وكان الخبيث أراد أن يدخل في الحج شيئًا فلم يستطع، فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به عرفات، قال: قد عرفت ما أريتك؟ قالها ثلاث مرار، قال: نعم) (١).
وعن ابن عباس ﵄ قال: إن إبراهيم لما أُري المناسك، عرض له الشيطان عند المسعى فسابقه إبراهيم، ثم انطلق به جبريل حتى أتى به منى، فقال: مناخ الناس هذا، فلما انتهى إلى جمرة العقبة تعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم أتى به الجمرة إلى الجمرة القصوى فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، فأتى به جمعًا (يعني مزدلفة) فقال: هذا المشعر، ثم أتى به عرفة، فقال: هذه عرفة، فقال له جبريل: أعرفت (٢)؟ .
إخوة الإيمان، وكما عرض الشيطان لأبي الأنبياء إبراهيم ﵇، وقبله عرض لأبي البشر آدم ﵇، فلا يزال يعرض لعباد الله في عبادتهم في كل زمان ومكان، فهل نقتدي بمن رماه وأخزاه، وهل نفقه من رمي الجمار أن ذلك تعبير عن عصيان الشيطان في كل حال وليس فقط حين رمي الجمار، أم يكون حالنا كحال من يصفعه بالنعال فضلاً عن السب والشتم، وواقعه يشهد باستحواذ الشيطان عليه وطاعته على الدوام ... وتلك ثالثة من فقه الحج ومنافعه فهل يفقه المسلمون أسرار العبادة وينتفعون بآثارها (٣)؟
стр. 564
إخوة الإسلام، وكلما فقه الحاج مناسك الحج، وعلم مشاعره، وأخلص لله في عبادته، واتبع هدي المرسلين في قوله وفعله، كان ذلك أعظمَ لأجره، وأزكى لعبادته، وأرضى لنفسه، وأشرح لصدره، وعلى كل حال فبشرى الحاج الذي خرج ابتغاء وجه الله، ولم يشرك مع الله أحدًا في عبادته، بشرى هؤلاء عظيمة، والمولى ﷻ يُغدق عليهم من رحماته الواسعة في عرفات، ويقول: انصرفوا مغفورًا لكم.
ويا لها من بشرى، والحاج يتصور قول المصطفى ﷺ : «من حج فلم يرفُث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه» ويا لها من هدية تطرب لها النفوس، وتهون في سبيلها كل المصاعب والمتاعب، والهادي البشير، ﵊، يقول: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة».
أسال الله أن يجعل حجّنا والمسلمين حجًا مبرورًا وسعيًا مشكورًا، وأن يجعل ذلك زادًا لنا يوم نلقى الله، وأن يرفع لنا به الدرجات، ويكفر به عنّا السيئات، كما نسأله تعالى أن يتغمد أموات المسلمين من حجاج بيت الله الحرام بواسع رحمته، وأن يكتب لهم أجرهم وأن يجزيهم على نيّاتهم، وإن لم يقدر لهم إكمال مناسكهم، وفضل الله واسع: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ (١) كما نسأله أن يرزق أهليهم وذويهم الصبر والسلوان، وأن يجعل في أهليهم وذرياتهم خلَفًا صالحًا، إنه سميع الدعاء.
أقوله هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، وتوبوا إليه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 565
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، أحمده تعالى، وأشكره، وأُثني عليه الخير كلّه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى سائر الأنبياء ورسله، وعلى الآل والأصحاب، والتابعين ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليمًا كثيرًا.
إخوة الإسلام، وفاز بالدرجات العلى، والأجر العظيم كذلك- من غير الحجاج- من استثمر أيام العشر بعمل الصالحات، ومن جاهد نفسه على فعل الخيرات. وها هي الأيام تنقضي، وكذلك العمل ينصرم، ويبوء بالخيبة والخسران أصحاب الهمم الضعيفة، وساعة المندم يوم القيامة أشد وأنكى، يوم تكون شكوى بعض الأنفس: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ (١). هنا في هذه الحياة الدنيا يتباين الناس في الإيمان، فشخصٌ يعمل وكأن الآخرة أمامه يراها رأي العين، فيشتاق لحورها، ويشتهي من ثمارها، ويتمنى لو صار إلى أنهارها، وكلما أنس من نفسه ضيقًا في هذه الحياة ذكَّر نفسه بسعة الآخرة، وكلما أحس بمصيبة أو نكد، صبَّر نفسه ومناها بحياة لا نكد فيها ولا صخب في جنات ونهر، ومقعد صدق عند مليك مقتدر.
وشخص آخر يعمل حين يرى الناس يعملون- لكن في بحار الشهوات غارق - وظلمة الدنيا تكاد تحجبه عن أنوار الآخرة، وغاية أمانيه أن يكون صاحبها حرث ونسل، أو صاحب ملك عريض تتنوع فيه ملاذ الدنيا وشهواتها .. وهو في ظل هذه الأحلام لا يتلذذ في العبادة .. وهو في هذه الغفلة لا يكاد يحمس بنعيم الآخرة ..