← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

القلب المؤمن، أمر العقيدة هو شغله الشاغل، وهو همه الأول، وشعور إبراهيم وإسماعيل بقيمة النعمة التي أسبغها الله عليهما- ألا وهي نعمة الإيمان تدفعها إلى الحرص عليها في عقبهما، وإلى دعاء الله ألا يحرم ذريتهما هذه الأنعام الذي لا يكافئه إنعام وهل أغلى وأعز ثمن من نعمة الإيمان والإسلام (١)؟ إنه الشعور الذي يحس به المسلمون عبر الأجيال والقرون، الدعاء بالهداية للأنفس والأقربين، وإذا كان إبراهيم الخليل إمام المتقين في هذا الدعاء، فدعاء المؤمنين بعده: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ (٢). وهو دعاء مشعر بالإحساس بالمسؤولية من جانب، وفيه إدراك لقيمة الدعاء والتربية من جانب آخر .. فهل يحس المسلمون وهم يقرؤون هذه الآية: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ أو وهم يطوفون بالبيت بهذا الإحساس الذي أحس به الخليل وابنه ﵉؟ تلك واحدة من فقه الحج ومنافعه والله تعالى يقول عن الحج: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (٣). ثم يسعى الحاج بين الصفا والمروة وهما من شعائر الله كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ .. ﴾ (٤). والمعنى: أي مما شرع الله تعالى لإبراهيم الخليل في مناسك الحج، ومن المعلوم أن أصل ذلك مأخوذ من تطواف هاجر وتردادها بين الصفا والمروة في طلب الماء لولدها لما نفذ ماؤها وزادها، فلما خافت الضيعة قامت تطلب

стр. 562

الغوث من الله ، ولم تزل تتردد في هذه البقعة المشرفة بين الصفا والمروة في هذا الوادي المقفر حيث لا ماء ولا مرعى ولا أنيس ولا سامع للصوت إلا الحي القيوم الذي سمع ما بهاجر من رقة وتذلل وتضرع وإحساس بالفقر إلى الله، فكشف الله كربتها، وآنس غربتها، وفرج شدتها، وأنبع لها زمزم التي ماؤها كما قال النبي ﷺ : «طعام طعم وشفاء سقم» أي يشبع الإنسان إذا شِرب ماءها كما يشبع من الطعام. قال أهل العلم: فالساعي بين الصفا والمروة ينبغي له أن يستحضر فقره وذله وحاجته إلى الله في هداية قلبه، وصلاح حاله، وغفران ذنبه، وأن يلتجئ إلى الله ليزيح ما هو به من النقائص والعيوب، وأن يهديه إلى الصراط المستقيم وأن يثبته عليه إلى مماته، وأن يحوله من حاله الذي هو عليه من الذنوب والمعاصي إلى حال الكمال، والغفران، والسداد، والاستقامة كما فعل بهاجر ﵍ (١). وتلك أخرى من فقه الحج ومنافعه. إخوة الإيمان، وكذلك ينبغي أن يتحرك الحجيج في مناسك الحج كلها، فقهًا وخشوعًا، وتأملاً، واقتداءً بأنبياء الله ورسله، وليس يخفى على المسلمين أن هذه المناسك سنها إبراهيم ﵇ واقتفى أثره منها خاتم المرسلين محمد ﷺ ، وأصبحت بعد عبادة يؤديها المسلمون ولم تكن هذه المشاعر محض اجتهاد من أبي الأنبياء ﵇، بل كانت استجابة أخرى لدعاء إبراهيم وابنه إسماعيل ﵉ لربهما حين قالا ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾. قال سعيد بن منصور: حدثنا عتاب بن بشير عن خصيف عن مجاهد قال: قال إبراهيم: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ فأتاه جبريل، فأتي البيت فقال: ارفع القواعد، فرفع

стр. 563

القواعد وأتم البنيان شعائر الله، ثم انطلق به إلى المروة فقال: وهذا من شعائر الله، ثم انطلق به نحو منى، فلما كان من العقبة إذا إبليس قائم عند الشجرة فقال: كبر وارمه، فكبر ورماه، ثم انطلق إبليس فقام عند الجمرة الوسطى، فلما حاذاه جبريل وإبراهيم قال له: كبر وارمه، فكبر ورماه، فذهب إبليس، وكان الخبيث أراد أن يدخل في الحج شيئًا فلم يستطع، فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به عرفات، قال: قد عرفت ما أريتك؟ قالها ثلاث مرار، قال: نعم) (١). وعن ابن عباس ﵄ قال: إن إبراهيم لما أُري المناسك، عرض له الشيطان عند المسعى فسابقه إبراهيم، ثم انطلق به جبريل حتى أتى به منى، فقال: مناخ الناس هذا، فلما انتهى إلى جمرة العقبة تعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم أتى به الجمرة إلى الجمرة القصوى فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، فأتى به جمعًا (يعني مزدلفة) فقال: هذا المشعر، ثم أتى به عرفة، فقال: هذه عرفة، فقال له جبريل: أعرفت (٢)؟ . إخوة الإيمان، وكما عرض الشيطان لأبي الأنبياء إبراهيم ﵇، وقبله عرض لأبي البشر آدم ﵇، فلا يزال يعرض لعباد الله في عبادتهم في كل زمان ومكان، فهل نقتدي بمن رماه وأخزاه، وهل نفقه من رمي الجمار أن ذلك تعبير عن عصيان الشيطان في كل حال وليس فقط حين رمي الجمار، أم يكون حالنا كحال من يصفعه بالنعال فضلاً عن السب والشتم، وواقعه يشهد باستحواذ الشيطان عليه وطاعته على الدوام ... وتلك ثالثة من فقه الحج ومنافعه فهل يفقه المسلمون أسرار العبادة وينتفعون بآثارها (٣)؟

стр. 564

إخوة الإسلام، وكلما فقه الحاج مناسك الحج، وعلم مشاعره، وأخلص لله في عبادته، واتبع هدي المرسلين في قوله وفعله، كان ذلك أعظمَ لأجره، وأزكى لعبادته، وأرضى لنفسه، وأشرح لصدره، وعلى كل حال فبشرى الحاج الذي خرج ابتغاء وجه الله، ولم يشرك مع الله أحدًا في عبادته، بشرى هؤلاء عظيمة، والمولى ﷻ يُغدق عليهم من رحماته الواسعة في عرفات، ويقول: انصرفوا مغفورًا لكم. ويا لها من بشرى، والحاج يتصور قول المصطفى ﷺ : «من حج فلم يرفُث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه» ويا لها من هدية تطرب لها النفوس، وتهون في سبيلها كل المصاعب والمتاعب، والهادي البشير، ﵊، يقول: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة». أسال الله أن يجعل حجّنا والمسلمين حجًا مبرورًا وسعيًا مشكورًا، وأن يجعل ذلك زادًا لنا يوم نلقى الله، وأن يرفع لنا به الدرجات، ويكفر به عنّا السيئات، كما نسأله تعالى أن يتغمد أموات المسلمين من حجاج بيت الله الحرام بواسع رحمته، وأن يكتب لهم أجرهم وأن يجزيهم على نيّاتهم، وإن لم يقدر لهم إكمال مناسكهم، وفضل الله واسع: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ (١) كما نسأله أن يرزق أهليهم وذويهم الصبر والسلوان، وأن يجعل في أهليهم وذرياتهم خلَفًا صالحًا، إنه سميع الدعاء. أقوله هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، وتوبوا إليه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 565

الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، أحمده تعالى، وأشكره، وأُثني عليه الخير كلّه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى سائر الأنبياء ورسله، وعلى الآل والأصحاب، والتابعين ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليمًا كثيرًا. إخوة الإسلام، وفاز بالدرجات العلى، والأجر العظيم كذلك- من غير الحجاج- من استثمر أيام العشر بعمل الصالحات، ومن جاهد نفسه على فعل الخيرات. وها هي الأيام تنقضي، وكذلك العمل ينصرم، ويبوء بالخيبة والخسران أصحاب الهمم الضعيفة، وساعة المندم يوم القيامة أشد وأنكى، يوم تكون شكوى بعض الأنفس: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ (١). هنا في هذه الحياة الدنيا يتباين الناس في الإيمان، فشخصٌ يعمل وكأن الآخرة أمامه يراها رأي العين، فيشتاق لحورها، ويشتهي من ثمارها، ويتمنى لو صار إلى أنهارها، وكلما أنس من نفسه ضيقًا في هذه الحياة ذكَّر نفسه بسعة الآخرة، وكلما أحس بمصيبة أو نكد، صبَّر نفسه ومناها بحياة لا نكد فيها ولا صخب في جنات ونهر، ومقعد صدق عند مليك مقتدر. وشخص آخر يعمل حين يرى الناس يعملون- لكن في بحار الشهوات غارق - وظلمة الدنيا تكاد تحجبه عن أنوار الآخرة، وغاية أمانيه أن يكون صاحبها حرث ونسل، أو صاحب ملك عريض تتنوع فيه ملاذ الدنيا وشهواتها .. وهو في ظل هذه الأحلام لا يتلذذ في العبادة .. وهو في هذه الغفلة لا يكاد يحمس بنعيم الآخرة ..

стр. 566

وتظل الغفلة تلاحقه وتظل هموم الدنيا تطارده، وفي أوديتها السحيقة متسع لهلاكه وأمثاله .. فلا يصحو إلا على طرق النذير، ولا يفيق إلا على صيحة الملك الموكل لقبض روحه .. وهنا في هذه اللحظات يبدأ الندم، ويدرك الشارد حقيقة الدنيا وخداعها، ويبدأ المرء يلوم نفسه، يتذكر ما مضى من عمره، حتى وإن كان من أنعم أهل الدنيا، فيخيل إليه وكأنه لم يمكث في الدنيا إلا ساعة، أو أقل، ويتذكر ما هو مقدم عليه .. وأن يومًا عند ربك كألف سنة مما تعدون، وهيهات أن ينفع الندم، بل وهيهات أن يعطى المرء فرصة لمزيد من التأمل والتفكر، فاللحظات حاسمة، والنهاية قريبة، والمشهد سريع، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (١). إخوة الإيمان، وفضل الله عظيم، ورحمته واسعة، وهو الذي يهب الناس من أعمال الخير ما يعوضون به ما فاتهم، ويلحقون به من سبقهم، وفي الأيام الخالية كان صيام عرفة لغير الحاج فرصة للتزود بزاد التقوى، وفرصة لتكفير السيئات، والرسول المصطفى ﷺ يقول: «صيام يوم عرفة احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده .. » فأي فضل بعد هذا؟ وأي نعمة تربو على هذه النعمة؟ أيها المسلمون من الحجاج والمقيمين وتبقى- بفضل الله ورحمته- صحائفكم في هذه الأيام بيضاء نقية، وقد غفر الله لكم، إن شاء الله، بالحج أو بصيام عرفة، ما تقدم من ذنوبكم .. فهل تحافظون على هذه المكاسب؟ لم يُسَوِّد بعضنا صحيفته بالآثام والموبقات، وكان موسمًا من مواسم الخير لم يمر به، أو نفحة من نفحات الله لم تدركه، وهل يضمن حياته إلى موسم آخر؟

стр. 567

إن مغفرة الذنوب هدف يسعى الخيرون له، ولكن هناك هدفًا آخر أعلى وأغلى، ألا وهو رفعة الدرجات في الجنات، وما فتئ المؤمنون يتنافسون في الحصول على هذه الدرجات أشد من تنافس أهل الدنيا بدنياهم، وتشهد الأرض في كل زمان رجالاً يمشون على هذه الأرض، وهم من أصحاب الدرجات العلى في الجنة، ليس بينهم وبين الجنة إلا أن يموتوا، وقد ختم الله لهم بالخير وثبتهم على الحق. أما الذين ماتوا وحطوا رحالهم في الجنة فأولئك لا خوف ولا هم يحزنون، نسأل الله أن يلحقنا بهم وأن يثبتنا على الحق كما ثبتهم. إخوة الإيمان، وطريق الجنة لاشك محفوف بالمكاره والمخاطر، ومعرض فيه السائر لأنواع من الفتن والبلايا .. ولكن الله تعالى يعين السائرين، ويوفق العاملين، ويسدد الخطا، ويغفر الزلات للمستغفرين.، ويهيئ دائمًا للناس فيه فرص الخير ما يكفرون به السيئات، ويرتفعون في الدرجات، فهل نحس بهذه النعمة؟ وهل نشكر المنعم على هذا الإحسان؟ إن اللبيب حقًا من يحضر الموسم، فإذا كان المغنم أمسك به ولم يفوت بقدر المستطاع، حتى يكسب في المغنم الآخر وهكذا- لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها- وليس الناس ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، ولكن الارتفاع بالنفس عن الكبائر والموبقات المهلكات، والتزود من عمل الصالحات، التي يكفر الله بها السيئات، وكلما أحس الإنسان بتقصير ضاعف العمل حتى يسدد النقص والخلل .. إخوة الإيمان، ومن فضل الله ورحمته أن هذا الموسم من مواسم الخير يأتي في نهاية عام أثقلت فيه الكواهل بحمل الخطايا والسيئات .. ثم تتاح الفرصة للتخفيف منها، واستقبال العام الجديد بصحف بيضاء، وهمم عالية، لا مكان

стр. 568

فيها للخطايا، أسأل الله أن لا يحرمنا وإياكم فضله، وأن يتقبل منا أعمالنا، وأن يتجاوز عن تقصيرنا، وأن لا يجعلنا من المحرومين المطرودىن، وأن يجعلنا في عداد الفائزين وأن يغفر لنا ما سلف، وأن يعيننا على عمل الصالحات فيما نستقبل من أيامنا، إنه جواد كريم، رؤوف رحيم.

стр. 569

من كلام النبوة الأولى (١) إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ..... عباد الله، اتقوا الله واخشوا يومًا ترجعون فيه إلى الله. إخوة الإيمان وطالما اعتاد كثير من الناس مقولة (استح يا فلان) وهي كلمة تقال لمن خالف شرع الله، أو وقع في شيء من محارمه، أو استهتر في شيء من الواجبات، وقلل الأدب مع خلق الله بأي شكل من الأشكال، والحق أنها كلمة ذات ولها معنى ولها مغزى، وشيوع الكلمة وكثرة إطلاقها دليل الغيرة، وعلامة الوعي، وهي أسلوب من أساليب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تصلح لفئة من الناس لم تُجْدَ معها الوسائل الأخرى، وبلغ بها الاستهتار بالمعاصي إلى حد المجاهرة بها دون خوف من الله، واستحياء من خلقه، وبلغ بها الاستهتار بحقوق الخلق إلى حد يضطر الناس معه إلى أن يقولوا استح يا فلان، ومع أهمية الحياء وحاجتنا إليه إلا أننا أحيانًا نجهل معنى الحياء، وربما فات على بعضنا الفرق بين الحياء الشرعي وغير الشرعي، أو فات علينا معرفة قيمة الحياء. وكلنا محتاج إلى معرفة الأسباب المؤدية للحياء الشرعي، والأسباب المساعدة على فشو قلة الحياء .. هذه وغيرها، معاشر المسلمين، مما يتعلق بالحياء أمور تمس الحاجة إليها في سبيل طاعتنا لخالقنا وحسن علاقتنا بإخواننا. وسأقف معكم في هذه الخطبة معرفًا بالحياء، وموضحًا ما يلتبس الأمر فيه، وعسى أن يكون فيها عبرة وعظة للمتحدث والسامع، إنه لسميع الدعاء.

стр. 570

إخوة الإسلام وإذا كانت قيمة الأخلاق في الإسلام لا تخفى، وقد سبق الحديث عن شيءٍ منها، فما مكانة الحياء من أخلاق الإسلام؟ يقول الرسول ﷺ موضحًا ذلك: «إن لكل دين خلقًا وخلق الإسلام الحياء» رواه مالك وابن ماجه بسند حسن (١). ولأهمية الحياء وقدره، وحاجة الحياة والأحياء له بقي سمة هذا الدين، وسمة الأديان السابقة، ولم ينسخ من بين ما نسخ من شرائع الله، ولهذا قال المصطفى، ﷺ : «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما تشاء) (٢). ويكفي الحياء قدرًا أنه من الإيمان، وأنه طريق إلى الجنة، وعكسه البذاء. يقول الرسول، ﷺ : «الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء والجفاء في النار» (٣). وعرف العلماء الحياء، لغة، بأنه تغير وانكسارٌ يعتري الإنسان من خوف ما يُعاب به (٤). أما تعريف الحياء في الشرع: فهو خلقٌ يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، ولهذا جاء في الحديث (الحياء خيرٌ كله) (٥) .. وقال الراغب الأصفهاني: الحياء انقباض النفس عن القبيح، وهو من خصائص الإنسان ليرتدع عن ارتكاب كل ما يشتهي، فلا يكون كالبهيمة، وهو

стр. 571

مركب من جبن وعفة، ولهذا لا يكون المستحي فاسقًا، وقلما يكون الشجاع مستحيًا (١). أما الإخوة المسلمون، والحياء علامة خير، وهو شعبةٌ من شعب الإيمان، كما قال ﵊: «الإيمان بضع وسبعون شعبة والحياء سبعة من الإيمان» (٢) والسؤال المهم: لماذا كان الحياء من الإيمان؟ ويليه سؤال آخر لا يقل أهمية: ولماذا أفرد من بين شعب الإيمان؟ أما لماذا كان الحياء من الإيمان، فقد قال ابن قتيبة، يرحمه الله: إن الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي، كما يمنع الإيمان، فسمي إيمانًا، كما يسمى الشيء باسم ما قام مقامه (٣). وقال ابن الأثير، يرحمه الله: جُعل الحياء، وهو غريزة، من الإيمان، وهو اكتساب، لأن المستحي ينقطع بحيائه عن المعاصي، وإن لم تكن له تقية- أي مانع- فصار كالإيمان الذي يقطع بين العاصي والمعصية، وإنما جُعل الحياء بعض الإيمان لأن الإيمان ينقسم إلى ائتمار بما أمر الله، وانتهاء عما نهى الله عنه، فإذا حصل الانتهاء بالحياء كان بعضَ الإيمان (٤). أما إفراده من بين شعب الإيمان الأخرى، فذلك لأن الحياء كالداعي إلى باقي الشعب، إذ الحيي يخاف فضية الدنيا والآخرة فيستمر وينزجر. وهكذا يتضح لكم، معاشر المسلمين، قدر الحياء وقيمتَه، فهو رقابةٌ داخليةٌ تتحكم في سلوكيات الإنسان، وتدفعه لفعل الجميل، وتكفه عن القبائح، حتى

стр. 572

وإن خالف ذلك هواه، وما تشتهيه نفسه، وإذا تمثل الإنسان الحياء قاده إلى كل خير، وحجبه عن كل سوء، لكن ذلك يحتاج إلى جدٍ واجتهاد، وترويضٍ للنفس، واحتسابٍ للأجر عند الله. وهذا هو الحياء الشرعي المطلوب، فالحياء الشرعي- كما قال أهل العلم- هو المقترن بالعلم والنية الطيبة، وهو الباعث على فعل المأمور، وترك المحظور، وهو الذي يقع على وجه الإجلال والاحترام للأكابر (١). وإذا كان هذا هو الحياء الشرعي، فهناك حياء غير شرعي؛ قال عنه الحافظ ابن حجر: ولا يقال: رب حياء يمنع عن قول الحق، أو فعل الخير، لأن ذلك ليس شرعًا (٢). وقال أيضًا: وأما ما يقع سببًا لترك أمر شرعي، فهو مذموم، وليس هو بحياء شرعي، وإنما هو ضعف ومهانة (٣). وهكذا يتضح الفرق بين الحياء الشرعي الذي يريده الله، ويؤجر عليه الإنسان، وبين الضعف والمهانة الذي يُنسَب للحياء، وليس منه في شيء. نسأله تعالى أن يبصرنا في ديننا، ويرزقنا الحياء، ويعصمنا البذاء والجفاء، وسوء الأخلاق.

стр. 573

الخطبة الثانية إخوة الإيمان، وقديمًا قال العارفون: الرجال ثلاثة: رجل عمل حسنةً فهو يرجو ثوابها، ورجل عمل سيئة ثم تاب منها، فهو يرجو المغفرة، والثالث: الرجل الكذاب، يتمادى في الذنوب، ويقول: أرجو المغفرة، ومن عرف نفسه بالإساءة ينبغي أن يكون خوفه غالبًا (١). فالأول والثاني يتمثل فيهم الحياء، والثالث مغالط لنفسه، وما فقه معنى الحياء، نسأل الله السلامة والعافية، ونسأله التوبة والمغفرة فإن قلتم: وما الطريق إلى الحياء الحق؟ وكيف يعرف الإنسان نفسه؟ أمن فئة المستحيين أم من زمرة الخادعين وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون؟ أُجبْتُم يما أجاب به النبي ﷺ صحابته حين قال لهم: استحيوا من الله حق الحياء، قالوا: والله إنا لَنستحي من الله يا رسول الله، والحمد لله، قال: ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا وآثر الآخرة على الأولى، فمن فعل ذلك فقد استحى من الله حق الحياء) (٢). إخوة الإسلام، ونستطيع القول في معاني الحياء وآثاره: - هو ترجمة للخوف من الجليل، وهو نوع من الأدب في التعامل مع الآخرين، هو طريق للخير والفلاح، وهو جسر للسعادة والصلاح، هو دليل رجاحة العقل، ومؤشر لميزان الإيمان، وعنوان للثقة بقيم الإسلام وأخلاقه، ورفضٍ واعٍ لمحاكاة الآخرين وتقليدهم في سواقط العادات والأخلاق.

стр. 574

وهو شعار المتقين، ودثار المؤمنين، وجلباب يستر الله به كثيرًا من الفضائح والعيوب. هو باختصار: سلوك يمتاز صاحبه بالهدوء، والرويّة ورجاحة العقل، والأصالة والثبات. أيها المؤمنون، ومن مظاهر قلة الحياء بشكل عام: - المجاهرة بالمعصية أيًا كانت هذه المعصية، فإن من يستحي من الله، ويستحي من خلقه لا يمكن أن يجاهر بالمعصية، والمجاهرة، كما هي مظهر لقلة الحياء، هي سبب لعدم المعافاة «كل أمتي معافى إلا المجاهرون». - التطبع بالأخلاق الرديئة، من السباب والفسوق واللجاج، وكثرة المزاح بما حلّ أو حرم، والتلفظ بالكلمات البذيئة، والكبر، والكذب، والخداع ... ونحوها. - عدم احترام الآخرين وتقدير مشاعرهم، فلا يرعى لكبير حقًا، ولا يغرس في صغير خلُقًا، همّه مصالحه الخاصة، تستحكم فيه الأنانية وحب الذات إلى درجة تسفيه أحلام الآخرين واحتقارهم. - ألف المحرمات، واستثقل الواجبات (سواء كانت للخالق أم للخلق)، فإن من يألف التهاون بالواجبات كالصلاة وشرب المسكرات، أو يستهين بحقوق الخلق، ولا يهتم بواجباتهم عليه هو شخص لم يستح من الله، ولا من خلقه.

стр. 575

من أسرار شهر الصيام (١) إن الحمد لله، نحمده ونستعينه .. إخوة الإسلام، وكم هو عظيم شهر الصيام، وكم فيه من حكَمٍ وأسرار، يدرك كل صائم منها بحسب علمه وإيمانه، وتعبَّدِه لِمولاه، ويكفيه أنه باب مشرِعٌ لكل طرق الخير، من صيام، وصلاةٍ، وزكاةٍ، وصدقةٍ، وذكرٍ، ودعاءٍ، وتلاوةٍ، وجودٍ، وإحسانٍ، وصبرٍ، ويقينٍ، واحتساب للأجر العظيم، ويكفيه أنه طريق للتقوى، والتقوى جماع الخير، وسبيل الفلاح والنجاح: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ .. ﴾ (٢)، ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣). كم تحجب الشهوات النفوس عن السمو، وشهر الصيام يحطم كبرياء النفس بكسر باعث الشهوة- قلب المعاصي- وهذا كما قال القرطبي، ﵀: وجه مجازي حسن في تأويل معنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٤). وقيل: لتتقوا المعاصي (بالصيام)، وقيل: وهو على العموم لأن الصيام كما ورد «الصيام جُنَّة ووجاء وسبب تقوى لأنه يُميت الشهوات» (٥). أجل، إن الصيام جنة يتقي بها الصائم عن المآثم والسيئات والهلكات

стр. 576

المؤدية إلى النار، كما يتقي المحارب بجنته حين القتال، فيمنعه القتل، ويسلمه من العدو، بإذن الله. يجسد هذا المعنى رسول الله ﷺ في أكثر من حديث ويقول: «الصيام جنة وإذا كان أحدكم صائمًا فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم- مرتين-» (١). وفي الحديث الآخر يقول ﵊: «الصيام جنة من النار كجنة أحدكم من القتال» (٢). وفي الحديث الثالث «الصيام جنة وهو حصن من حصون المؤمن .. » (٣). إخوة الإسلام وفي شهر الصيام فرصة للتخفيف من أثقال الأوزار، وفيه تطهير للنفوس من الأدران، وحماية القلوب من الرَّان، وهذه وتلك قد لا يحسن بوطأتها إلا من أثقلت نفوسهم المعاصي فضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فلما حل شهر رمضان وصاموا مع الصائمين ووقفوا يتضرعون مع القائمين، وبكوا على خطيئتهم وندموا على تفريطهم، وأحسوا بانشراح صدورهم، وخفة في أرواحهم، وانفراج في كربتهم، وأنس بدل وحشتهم، وكذلك يفعل الصيام وكذلك تنزل الرحمات في رمضان وغير رمضان. فبشراكم معاشر المسلمين، بشهر الصيام يرتفع فيه المؤمنون درجات وتحط به الأوزار عن أهل السيئات. ولا يزال الصيام بالمسلم يحوطه ويؤنسه، حتى يكون شافعًا له لدخول الجنة والنجاة من النار يوم القيامة، وكذلك يفعل القرآن، يقول النبي ﷺ : «الصيام

стр. 577

والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب إني منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه، فيشفعان» (١). أيها المسلمون ويدرك من فقه سر الصيام كم لرمضان من أثر على تربية النفس، وعبودية الجوارح بقية العام، ذلكم لأن شهر رمضان يدرب النفس على كثير من خلال الخير، فتحيا المراقبة لله، ويشيع الصدق في النفوس لصدقها مع الله في الصيام واجتناب الآثام، وتتطبع النفوس بالكرم والجود، وتهوى الإحسان إلى المحتاجين، والبر بالأقربين وتتهذب الأخلاق فلا تسمع الآذان الحرام، ولا تنطق الألسنة بالفحش والسبِّ ورديء الكلام، وتربي الأعين على عدم استدامة النظر في الحرام. ذلك كله يهدي العارفين والمدركين لأسباب الصوم أن بإمكان المرء أن يغير من واقعه، وأن الفساد والحرام ليسا ضربة لازب له، وتتحطم أسطورة الشيطان التي يوسوس بها في النفوس حين يوحي لأوليائه بثقل الطاعات وصعوبة ممارسة الخيرات، وعدم القدرة من الانفكاك من أسر الشهوات، وكذلك ينبغي أن يستثمر العاقل هذه التوبة إلى الله، وأن يسارع بتغيير واقعه إلى الأحسن بعد رمضان. ما أحوج الأمة إلى شهر الصيام يأتي ليحسسها بقيمة الوقت، وأهمية ملئه بالطاعات .. والصائم الفطن يقضي سحابة وقته في الذكر والتلاوة والصلاة والتحسر على الوقت يضيع دونما فائدة، وكذلك ينبغي أن يكون المسلم حريصًا على وقته في رمضان وبعد رمضان وأن يتخذ من حفظ وقته في رمضان وسيلة لحفظ أوقاته على الدوام.

стр. 578

وما أحوج الأمة إلى شهر الصيام وهو يجمع الكلمة الواحدة، ويوحد الصفوف، ويؤلف بين المسلمين فتراهم يلتزمون في وقت واحد، وتراهم ينتظرون الإفطار، ويفطر أهل كل قطر في زمان واحد، إنه مذكر بوحدة المسلمين، ودعوة إلى إخوتهم، وتوادهم، وشيوع المحبة بينهم ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (١). «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» وهذه الوحدة تقلق الأعداء وتراهم يسعون جاهدين لتفريق صف المسلمين .. فهل يفقه المسلمون قيمة وحدتهم ويتداعون لجمع كلمتهم .. ذلكم جزء من أسرار شهر الصيام وما يعقلها إلا العالمون. أيها الصائمون وشهر الصيام فرصة لمزيد من الاهتمام بتربية الأهل والأولاد على البر والإحسان والتقوى، فحثهم على الصلوات، وترغيبهم في الصدقات، وتدريبهم على الصيام، وتشجيعهم على كثرة الذكر وتلاوة القرآن، وسائر الطاعات كل ذلك يسير في التربية الواجبة في كل حال، لأن النفوس لديها استعداد في رمضان أكثر من غيره من مواسم البر ومواطن الدعاء، وقيام الليل، والاستغفار بالأسحار ما قد لا يتوفر مثله في سائر الأزمان، والأب الناصح هو الذي يستثمر الفرص ويذكر بفضلها، والأم الحانية هي التي تشجع على الخير وتؤازر الأب في تربية الأبناء، وإذا وقع في أذهان البعض أن الأبوين المثاليين هما من يوفران للأبناء ما يحتاجون، ويعاملون الأبناء بالحسنى فلا شك أن غفلة الآباء والأمهات عن توجيه أبنائهم وحثهم على الخير في هذه الأيام الفاضلة هو نوع من الغفلة لا تليق، ونتيجته الخسارة لا في الدنيا فحسب بل وفي الدين ..

стр. 579

فانتبهوا لتربية أبنائكم وبناتكم على الدوام، خصوا شهر الصيام والقيام بمزيد من العناية والاهتمام .. فذلك جزء من واجبكم في وقايتهم من النار، قال تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ .. ﴾ (١). وفي صلاحهم وتوجيههم نفع لكم في الحياة، وحين ترحلون إلى الدار الأخرى، فابن آدم إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث ومنها: الولد الصالح يدعو له .. وكم من مأساة أن ترى الآباء والأمهات في أيام رمضان مع القائمين والراكعين والساجدين .. وأبناؤهم يسرحون ويمرحون، وربما حصلت منهم الأذية للمصلين، أو ربما عكفوا وعكفت البنات معهم على مشاهدة ما لا يحل أو سماع ما حرم الله، والزمان زمان رحمة والأيام فاضلة، والدعوة مستجابة ومن تذكر فإنما يتذكر لنفسه .. ومن أساء فعليها. اللهم ألهمنا رشدنا، واهدنا واهد بنا، وتقبل صيامنا وقيامنا، واشرح صدورنا للخير والإيمان، ونور قلوبنا بالقرآن.

стр. 580

الخطبة الثانية إخوة الإيمان وشهر الصيام شهر المواساة .. ألا ترون الناس أجمع- غنيهم وفقيرهم، ذكرهم وإناثهم، وكبيرهم- يمسكون عن الطعام والشراب وسائر المباحات مع توفرها عند قوم وندرتها عند آخرين .. أفلا يوحي ذلك للقادرين أن بإمكانهم أن يتنازلوا عن بعرض ما يملكون إلى غيرهم من المحتاجين، ولئن نسي المنعمون أو غفلوا عن حوائج المحتاجين طوال العام - وما كان لهم أن ينسوه- فشهر الصيام خير مذكر، وخير داع للصلة والقربى والإحسان، إن المواساة تبدو في شهر الصيام في كثرة إطعمام الطعام، وإفطار الصائمين وكم هو مشهد إيماني محبب للنفس هذه الاجتماعات الجماعية على الإفطار، وهذه المشروعات الخيرة- بإذن الله- لإطعام الصائمين تلك التي تنتشر في المساجد أو خارج المساجد، فيشعر المسلم بقرب أخيه منه وحنانه عليه واهتمامه بأمره، وكم في الجلوس مع الفقراء أو الغرباء من معاني الرحمة والتآلف والتواضع والصلة والإحسان، وتزداد عظمة المشهد، كلما زادت مساحة التجمع وكثر المحتاجون وتبلغ قيمتها في المسجد الحرام بمكة، أو في الحرم النبوي في المدينة، وكم هي جديرة هذه الوحدة الرمضانية أن تؤلف بين المسلمين، وتجمع كلمتهم في سائر الشهور وسائر البقاع. ومن مظاهر المساواة- في شهر رمضان- قضاء الدَّين عن المدينين، وفك الرقاب على الغارمين، وتفريج الكربات للمعسرين، وشهر الصيام يقوي عزائم هؤلاء وأولئك ليهيموا على وجوههم بحثًا عن أهل الخير لسد حاجتهم، وعلى الموسرين أن تطيب نفوسهم بما يجودودن به لهؤلاء من صدقات مستحبة فضلاً عن دفعهم للزكاة الواجبة، ولا ضير من التحري والدقة والسؤال والمعرفة ولاسيما في أهل الزكاة والمستحقين لها.

стр. 581

وشهر رمضان فرصة للمواساة مع شعوب العالم الإسلامي ... تلك التي أثخنتها الجراح، وعز فيها الطعام، أو قل فيها الكساء، وكم هو مؤلم أن تندس الجمعيات اليهودية، أو الإرساليات النصرانية في ظل هذه الظروف المحرجة للمسلمين فتمدهم بالطعام والكساء، أو توفر لهم الشراب أو الدواء، كل ذلك حتى تغزوهم بالأفكار وتقدم لهم المبادئ الكافرة، وتصرفهم عن الإسلام الحق. أو ليس في غفلة المسلمين عن إخوانهم فرصة لنجاح مهمة هؤلاء الأبالسة الماكرين ... أو لسنا جميعًا نتحمل مسؤولية أي انحراف يقع نتيجة تراجعنا عن المساعدات الواجبة وتقدم غيرنا؟ أمَّا من يتضور جوعًا، أو يتقلب في قمم الجبال الباردة، ولا يتوفر عنده ما يقيه شدة البرد، فتلك مسؤولية أخرى يتحملها المسلمون بإزاء إخوانهم المسلمين. يا إخوة الإسلام، إذا توفرت لكم المعلومات عن حاجة هذه الشعوب المسلمة، وتوفرت لكم الأيدي والجمعيات الإسلامية والهيئات الموثوقة التي توصل هذه الصدقة إلى محتاجيها فأي عذر لكم عن الإحجام عن المساعدة أولستم في شهر الصيام تتذكرون حاجة النفس إلى الطعام حين صومكم، وقرقعة بطونكم؟ وتتذكرون حاجتها إلى الشراب حين يبس الشفاه، وشدة العطش؟ فتسلون أنفسكم بقرب الإفطار، وتوفره، فتَذكَّروا حاجة هؤلاء المحتاجين لا في رمضان فحسب، وتَذَّكروا أن هؤلاء منتظرون مدد السماء، وإعانات المحسنين وأهل البر والوفاء، أو لستم في فصول الشتاء تبحثون عن الفرش الوثيرة لتحتموا بها من لسع البرد القارص؟ فَتَذَكَّروا من يشعرون بشعوركم ويحتاجون لحاجتكم أو أشد، لكنهم لا يملكون ما به يتدثرون، وينتظرون العون ممن أفاء الله عليهم وفتح عليهم ما لم يفتح على غيرهم.

стр. 582

شهر الصيام جدير بتذكيرنا بهذه المعاني وأكثر لمن تأمل وتدبر، أما الذين ينتهي تفكيرهم في الصيام عند الإمساك عند الفجر، والإفطار عند تحقق الغروب، دون إحساس بالحكمة والسر العظيم من وراء ذلك، فما فقه هؤلاء حكمة الصيام، وما بالله حاجة أن يدع المرء طعامه وشرابه دون أن يورثه ذلك تقوى، تدعوه لفعل الخيرات، وتنأى به عن المحرمات، وتهذب نفسه، وترقق مشاعره، وتخفف من حدة الشح أو البخل المصاحبة للنفوس في غياب التقوى.

стр. 583

الصدقة الفاضلة (١) الحمد لله رب العالمين يدخل من يشاء في رحمته، ويظل المتقين تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، ويتفيأُ المتصدقون بظل صدقتهم يوم القيامة حتى يُقضى بين الناس، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحابته أجمعين وعن التابعين وأتباعهم إلى يوم الدين. أما بعد: إخوة الإسلام، فاتقوا الله واخشوا يومًا توجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون. ألا وإن من عوامل تقوى الله مداومة ذكر الله، وتلاوة كتاب الله، وإطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام. أيها المسلمون: وإذا كانت النفقة والجود والإحسان، والبر، وصلة الأرحام، تطيب في كل حال وزمان، فهي تركز وتتضاعف حسناتها في شهر رمضان، شهر الجود والإحسان. وما دمتم في شهر القرآن فتأملوا خاشعين، وقفوا متفكرين في آيات النفقة في القرآن، والحق ﵎ يقول: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢) قال سعيد بن جبير: (في سبيل الله) يعني في طاعة الله، وقال مكحول: يعني من الإنفاق في الجهاد ... وقال ابن عباس: الجهاد والحج يضاعف الدرهم

стр. 584

فيهما إلى سبعمائة ضعف (١). وسواء أكان هذا أو ذاك فهذا المثل التشبيهي محصلته سبعمائة ضعف، ولكن- والله أعلم- ذكر بهذه الصيغة ليكون أبلغ في النفوس، إذ فيه إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله لأصحابها كما ينمي الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة (٢). وجاء في صحيح السنة النبوية ما يؤكد مضاعفة الصدقة، بل ومضاعفة كل عمل صالح، يقول ﵊ في الحديث الذي رواه الإمام أحمد ومسلم في صحيحه: (كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله، يقول الله إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشهوته من أجلي ... الحديث) (٣). وهل تظن بربك- يا ابن آدم- إلا كل خير حين يختص بالصيام له، وهل يراودك شك أنه سيجزيك به أضعافًا مضاعفة، وهو الكريم الجواد، بل ويضاعف لك أجر الصدقات أضعافًا مضاعفة، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ (٤) وتعال بنا لنقف سويًا عند هذا الحديث الذي رواه أبو عثمان النهدي وتحمَّل في سبيله السفر حين يقول: لم يكن أحد أكثر مجالسة لأبي هريرة مني، فقدم قبلي حاجًا وقدمت بعده، فإذا أهل البصرة يأثرون عنه أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة، فقلت: ويحكم والله ما كان أحد أكثر مجالسة لأبي هريرة مني، فما سمعت هذا الحديث، قال: فتحملت

стр. 585

أريد أن ألحقه فوجدته قد انطلق حاجًا، فانطلقت إلى الحج أن ألقاه بهذا الحديث، فلقيته لهذا، فقلت: يا أبا هريرة ما حديث سمعت أهل البصرة يأثرون عنك؟ قال وما هو؟ قلت: زعموا أنك تقول: إن الله يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة، قال: يا أبا عثمان: وما تعجب من هذا والله يقول: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ (١) ويقول تعالى: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ (٢) والذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألفي حسنة» (٣). وإذا كان هذا ما نقله أبو هريرة ﵁ في مضاعفة أجر الصدقة، فاسمع إلى ما رواه ابن عمر ﵄ في هذا الصدد أيضًا، وقد روى ابن أبي حاتم بسنده إلى ابن عمر قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ .... ﴾ (٤) فقال رسول الله ﷺ : رب زد أمتي، فنزلت ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ (٥) قال: رب زد أمتي، فنزل: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٦). إخوة الإيمان، إذا كان هذا في مضاعفة أجر الصدقة يوم القيامة، فللصدقة والإنفاق الخِّير بشكل عام آثار أخرى، تشمل الدنيا والآخرة، فثواب أصحابهم محفوظ عند الله، وهم آمنون من مخاوف يوم القيامة حين يفزع الناس، وهم غير آسفين على ما خلَّفُوا من الأموال والأولاد وزهرات الدنيا، لأنهم قد صاروا

стр. 586

إنما ما هو خير من ذلك كله، يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١). وهل علمت أخا الإسلام أن الصدقة تظلل صاحبها في وقت هو أحوج ما يكون فيه إلى الظل، يقول الرسول ﷺ : «كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة حتى يُقضى بين الناس» (٢). وهل علمت أن الصدقة طريق إلى الجنة وسبب من أسباب دخولها، يقول الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ... الآية﴾ (٣). يا أخا الإسلام، أنفق ينفق الله عليك وأعط يعطك الله، وهل يغيب عنك أن الله يعوضك عمَّا أنفقت، وملَكَان يصيحان مع بداية كل يوم، يقول أحدهما: اللهم أعط كل منفق خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط كل ممسك تلفًا. أعط يا أخا الإسلام، وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغني، فهنا تنفع النفقة، وهنا تقبل الصدقة، وهنا يكون الامتحان وتصعب المنافسة ... أما إذا بلغت الروح الحلقوم وشعرت أنك ستخرج من الدنيا فهيهات وقد انتقل، أو قارب المال أن ينتقل إلى غيرك .. يقول ﵊ موضحًا ذلك كله: «أفضل الصدقة أن تصدُّق وأنت شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر، ولا تهمل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان كذا» (٤).

стр. 587

يا أخا الإيمان، ومهما كان فقرك وقلتك فحاول المساهمة في الصدقات مع المتصدقين وابدأ بالأقربين وإن كان المتصدق به قليلاً، فذلك جهد المُقِل الذي قال عنه النبي ﷺ : «أفضل الصدقة جهد المُقِل وابدأ بمن تعول» (١). أيها المسلمون، ولا يفوتنّ عليكم البدء في صدقاتكم لذوي الأرحام والأقربين، فإن الصدقة على المسكين البعيد صدقة، وهي على القريب المحتاج صدقة وصلة. ومهما وقع بينكم وبين أرحامكم من خلاف فلا يمنعكم ذلك من صلتهم، والتصدق عليهم، وإليكم توجيه المصطفى ﷺ في ذلك إذ يقول: «أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح» (٢). والكاشح: العدو الذي يضمر عداوته ويطوي عليها، وكشحه باطنه، أو الذي يطوي عنك كشحه ولا يألفك (٣). يا أخا الإيمان، وإذا قدرك الله على شيء من النفقة فلا يخالطها شيء من المن بالعطية أو الأذى لمن تعطي فذلك مبطل للصدقة، كما يبطلها الرياء والسمعة، من أجل أن يقول الناس هو جواد أو كريم، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ .. الآية﴾ (٤). وهل ترضى أن يعرض الله عنك يوم القيامة؟ والمصطفى ﷺ يقول: «ثلاث لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا

стр. 588

يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المنان بما أعطى، والمسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب» (١). وإيّاكَ إيّاكَ أن تأكل الحرام، أو تتصدق بالحرام، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وجاهد نفسك عن إنفاق الخبيث والرديء، وافقه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (٢). وقد جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد بسنده إلى ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: « ... ولا يكسب عبد مالاً من حرام فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدق فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره، إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيء بالسيء ولكن يمحو السيء بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث» (٣). أيها المسلمون، ولكم بمن سلف من صالحي الأمة مثل وعبرة، وقد استجابوا لله والرسول ﷺ ، فهذان الخَيّران: أبو بكر وعمر، ﵄، يتنافسان في الصدقة، فيجيء عمر بنصف ماله، ويأتي أبو بكر بماله كله ويكاد أن يخفيه من نفسه، ويقول له النبي صلى الله عليه وسيلم: وما خلفت وراءك لأهلك يا أبا بكر؟ فيقول: عدة الله وعدة رسوله، ثم يبكي عمر ويقول: بأبي أنت يا أبا بكر، والله ما استبقنا إلى باب خير قط إلا كنت سابقًا، ويقال فيهما نزلت: ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ ... الآية﴾ (٤).

стр. 589

وهذا أبو الدحداح الأنصاري ﵁ حين نزل قوله تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ (١). قال يا رسول الله: وإن الله ليريد منا القرض؟ قال: نعم يا أبا الدحداح، قال: أرني يدك يا رسول الله، فناوله يده، قال: فإني أقرضت ربي حائطي- وحائطه من سبعمائة نخلة- وأم الدحداح فيه وعيالها فجاء إليهم ونادى: يا أم الدحداح، قالت: لبيك، قال: أخرجي فقد أقرضته ربي (٢).

стр. 590

الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين أحمده تعالى وهو الغني الحميد وأشهد ألا إله إلا هو يجزي المتصدقين ويحب المحسنين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، قدوة المتصدقين ونموذج أعلى للمحسنين صلى الله عليه وعلى الأنبياء المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين إلي يوم الدين. أيها المسلمون ولسنا- معاشر البشر- ملائكة براء كما نزغ الشيطان، وأينا الذي لا يفكر ولا يتردد حين إخراخ الصدقة، فنفسه المطمئنة بوعد الله في الثواب تدعوه لمزيد من الإنفاق وتطمئنه أن الله سيخلفه، وأن ما أنفق له، وما ألقى فهو لغيره. ونفسه الأمارة بالسوء وهواه يخوفانه عواقب الفقر، وقلة ذات اليد، ويذكرانه أن هذا المال لم يأتك إلا بعد كدح وكد وعرق جبين أفتخرجه بهذه السهولة للفقراء والمحتاجين أو لذوي الأرحام والمساكين؟ هذه المعادلة صعبة، وتلك الوعود المتباينة أول من يعلمها في نفسك علام الغيوب، ولذلك أخبر عنها في كتابه العزيز وبين المخرج فقال: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١) وفي تفسير الآية ورد قول النبي ﷺ إن للشيطان للمةً بابن آدم، وللملك لمة فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فلتعوذ من الشيطان، ثم قرأ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً﴾ (٢).

стр. 591

فاعلم -أخي المسلم- هذه اللمة وافقه المخرج منها فذلك عون لك بإذن الله على الإنفاق والإحسان، وطريق إلى الجنان بإذن الله. إخوة الإسلام، ويتردد بعض المحسنين حين النفقة بين الإسرار بالصدقة أو الإعلان، والله تعالى امتدح الأمرين معًا فقال: ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١). فمتى يكون الإسرار بالصدقة أفضل، ومتى يكون إعلانها أفضل؟ قال العلماء في الآية دليل على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها لأنه أبعد عن الرياء، إلا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة من اقتداء الناس به فيكون أفضل من هذه الحيثية. والأصل أن الإسرار أفضل لهذه الآية لقول الرسول ﷺ في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله .. ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه (٢) ... وروى الترمذي والنسائي من حديث أبي ذر الغفاري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ثلاثة يحبهم الله، وثلاثة يبغضهم الله، فأما الذين يحبهم الله: فرجل أتى قومًا فسألهم بالله ولم يسألهم لقرابة بينه وبينهم، فمنعوه، فتخلف رجل بأعقابهم، فأعطاه سرًا لا يعلم بعطيته إلا الله والذي أعطاه (٣) .. وصح عنه ﷺ أنه قال: «صدقة السر تطفئ غضب الرب» (٤).

стр. 592

وفي لفظ صحيح آخر «والصدقة خفيًا تطفئ غضب الرب .. » قال ابن كثير: والآية عامة في أن إخفاء الصدقة أفضل سواء كانت مفروضة أو مندوبة لكن روى ابن جرير من طريق على بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ في تفسير هذه الآية قال: جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها فقال بسبعين ضعفًا، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها فقال: بخمسة وعشرين ضعفًا (١). أيها المسلمون، هذه بعض أحكام وآداب، وأجر النفقات والصدقات فتزودوا لأنفسكم، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون، وأذكركم ونفسي أخيرًا بمغانم جليلة للنفقة صورها النبي ﷺ في حديثه الصحيح فقال: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء، والصدقة خفيًا تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم زيادة في العمر، وكل معروف صدقة، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة» (٢). إخوة الإيمان، وليس يخفى عليكم أن هناك حاجات وهناك محتاجين، وهناك من لا يسألون الناس إلحافًا، والله أعلم بما يقتاتون .. فلا مددتم يد العون لهؤلاء وأولئك أجمعين، وإذا تجاوزتم الداخل فهناك جراح المسلمين في الخارج تنزف دمًا، ويعز المطعم والمشرب ويقل الملبس والكساء .. وهل يليق بنا أن نعيش آمنين مطمئنين وفي رغد العيش مترفين، وإخواننا في العقيدة والدين يعيشون المسغبة ويتجرعون كؤوس المآسي من أمم الكفر مجتمعين.

стр. 593

الخصلتان الحبيبتان (١) إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صلي وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد فاتقوا الله أيها المسلمون وراقبوه واعملوا بطاعته واجتنبوا معاصيه، وتخلقوا بالأخلاق الفاضلة وجاهدوا أنفسكم على الاتصاف بالصفات الحميدة فإنها سبيل إلى التقوى وطريق إلى السعادة في الدنيا والآخرة. إخوة الإسلام، وتضطرب على الدوام أمور الحياة، وتكثر في هذه الدار المنغصات والمكدرات، ويصور الشاعر طرقًا من هذه المعاناة حين يقول لبيد ابن ربيعه العامري: بُلينا وما تبلى النجوم الطوالع ... وتبقى الديارُ بعدنا والمصانعُ فلا جزعٌ إن فرَّق الدهر بيننا ... فكلُ امرئ يومًا له الدهر فارجعُ وما الناس إلا كالديار وأهلها ... بها يومٌ حلُوها وتغدو بلاقعُ ويمضون أرسالاً وتخلف بعدهم ... كما ضمَّ إحدى الراحتين الأصابعُ وما المرءُ إلا كالشهاب وضوئه ... يحور رمادًا بعد إذ هو ساطعُ وما المرء إلا مُضْمَرَاتٌ من التقى ... وما المال إلا عارياتٌ ودائعُ أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لُزوم العصا تُحنى عليها الأصابعُ

стр. 594

إلخ القصيدة (١). وأبلغ من ذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ (٢). وقوله جل ذكره: ﴿وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٣). وأمام هذه الحقيقة الماثلة يحتاج المسلم- بل العامل- إلى نوع من التعامل يجنّبه مزالق الطريق، ويجاوزه العقبات، وإلى نمط من الأخلاق يخفف عنه الصدمات ويسوي عنه حين الشدائد والأزمات، ويرشد الإسلام- فيما يرشد- إلى الخروج من المأزق بالتزام الهدوء وعدم العجلة والطيش في التصرفات، ويهدي النبي ﷺ خصلتين حبيبتين يحبهما الله ويقول عنهما رسول الله ﷺ لأشج عبد القيس «إن فيك خصلتين يحبهما الله الحلم والآناة» (٤). وما أعز هاتين الخصلتين في الناس، وما أشد حاجتهما إليهما، أما الحلم فهو العقل، وأما الأناة فهي التثبت وترك العجلة (٥). والحلم أفضل من كظم الغيظ، لأن كظم الغيظ عبارة عن التحلم أي تكلف الحلم، ولا يحتاج إلى كظم الغيظ إلا من هاج غيظه، ويحتاج فيه إلى مجاهدة شديدة، ولكن إذا تعود ذلك مدةً صار ذلك اعتيادًا، فلا يهيج الغيظ، وإن هاج فلا يكون في كظمه تعبٌ، وهو الحلم الطبيعي. وكذلك تدرب النفس على الحلم بالتحلم، كما حكاه الغزالي، يرحمه الله (٦).

стр. 595

معاشر المسلمين، ويكفي الحلمُ عزةً ورفعةً وعلوَّ شأن أنه من أسماء الله وصفاته، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (١). ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (٢). ﴿وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ (٣). والحلم حلية أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، والخليل ﵇ يصفه ربه بالحلم ويقول: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (٤). ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لحَلِيمٌ﴾ (٥). ويبشره ربه كذلك بابن حليم، ويكون الحلم من صفات إسماعيل ﵇. قال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ (٦). ويُوصف شعيب ﵇ بالحلم والرشد من قومه وإن كان على سبيل التهكم والاستهزاء، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ (٧). لكنه كذلك وإن رغمت أنوف الملأ ويكفيه حلمًا وعلمًا أن يقول لهم: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٨). أما صفوة الخلق وخيرة المرسلين، فيزكيه ربه بكمال الأخلاق ويقول:

стр. 596

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (١). ويجمع الله به القلوب بعد فرقتها، ويجمع به شمل النفوس بعد شرودها وضياعها ويقول له ربه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ (٢). أيها المسلمون، ويوصي الله بالحلم والرفق، ومجاهدة النفس عليهما وبَيَّن آثارهما، ويقول تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (٣). قال ابن كثير ﵀، أي وما يقبل هذه الوصية ويعمل بها إلا من صبر على ذلك فإنه يشق على النفوس .. ويقول جل ذكره: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ (٤). ويعلق الإمام الطبري على الآية بقوله: ولمن صبر على إساءة من أساء إليه، وغفر للمسيء إليه جرمه، فلم ينتصر منه وهو على الانتصار ومنه قادر ابتغاء وجه الله وجزيل ثوابه، إن ذلك لمن عزم الأمور ندب الله إليه عباده، وعزم عليهم العمل به. إخوة الإسلام، ونتيجة جهل الإنسان وضعفه، فقد يتبدى له أحيانًا أن أسلوب الشدة هو أقصر الطرق للوصول إلى هدفه، وأن ممارسة العنف قد تعجل له حصول النتائج التي يرنو إليها .. وليس الأمر كذلك فما يحصل بالحلم والرفق

стр. 597

والأناة خير في الآخرة والأولى، كذلك يهدي المصطفى ﷺ أمته ويقول: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه» (١). بل يؤكد النبي ﷺ أن الرفق والأناة سبب لكل خير، ويقول: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه». ويحذر ﵊ من فقد الرفق بفقد الخير كله وهو القائل: «من يُحرَم الرفق يُحرَم الخير» (٢). ومن ثم قيل: (الرفق في الأمور كالمسك في العطور) (٣). وقديمًا قيل: الحلم سيد الأخلاق. وما فتئ العارفون يتمثلون الحلم في حياتهم، والأناة في تصرفاتهم، ويهدون بها غيرهم، وقد ورد أن رجلاً سبَّ ابن عباس ﵄، فلما فرغ قال يا عكرمة هل للرجل حاجة فنقضيها؟ فنكس الرجل رأسه واستحى (٤). وقال أنس بن مالك ﵁ في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (٥). هو الرجل يشتمه أخوه فيقول: إن كنت كاذبًا فغفر الله لك، وإن كنت صادقًا فغفر الله لي (٦). وما أجمل ما قال الشافعي ﵀ يخاطبني السفيه بكل قبحٍ ... فأكره أن أكون له مجيبًا يزيد سفاهةً فأزيد حلمًا ... كعودٍ زاده الإحراق طيبًا (٧).

стр. 598

إخوة الإيمان، وإذا كانت الحاجة تدعو الحلم والأناة في كل حال في هذه الحياة الدنيا، فهي في زمن الشدائد والفتن أحرى وأولى، ففيها تطيش العقول، وتضطرب القلوب، وتختل المواقف، ولا يسعف المرء إلا التثبت والأناة والحلم والرفق في المدلهمات، لكن ذلك محتاج إلى صبرٍ ومصابرة، وتغليب حظوظ الآخرة على الدنيا، ويضرب ابن عمر ﵄ أروع الأمثلة في هدوئه وأناته ورفقه وحلمه في الفتنة ويقول: (دخلت على حفصة، ونَسْواتها تنطفُ- أي ذوائبها تقطر- قلت: قد كان من أمر الناس ما ترين، فلم يُجعل لي من الأمر شيءٌ، قالت: الحق فإنهم ينتظرونك، وأخشى أن يكون في احتباسك عنهم فرقة، فلم تدعه حتى ذهب، فلما تفرق الناس خطب معاوية قال: من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فلُيطلع لنا قرنه، فنحن أحق به ومن أبيه، قال حبيب بن مسلم لابن عمر فهلا أجبته؟ قال عبد الله، فحللت حبوتي، وهممت أن أقول: أحقُّ بهذا الأمر من قاتلك وأباك على الإسلام، فخشيت أن أقول كلمةً تفرق بين الجمع وتسفك الدم ويحمل عني غير ذلك، فذكرت ما أعد الله في الجنان، قال حبيب: (حفظت وعصمت) (١). وسواء وقعت هذه الحادثة حين تفرق الحكمان فيه (صفين) فلم يتفقوا عل أمير المؤمنين، أم كانت في زمن معاوية حين أراد أن يجعل ولاية العهد لابنه (يزيد) فهي تصور (أناة) ابن عمر ورغبته في تسكين الأمور وعدم إثارة الفتن بين المسلمين، والحرص على جمع الكلمة، وهو ما وافقه عليه الصحابي حبيبُ ابن مسلمة حين قال حُفِظْت وعُصِمت) (٢).

стр. 599

وكذلك ينبغي أن تكون الأناة والرفق والحلم منهجًا للمسلم في كل حال، وتتحتم أكثر حين تكون الفتن والفرقة والخلاف، فتلك خير وسيلة لمراغمة الشيطان وجمع كلمة المسلمين، ومن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، ومن يحرم الرفق يُحرم الخير كله .. أقول ما تسمعون.

стр. 600

الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين قدَّر أرزاق العباد، وقسَّم أخلاقَهم، والمغبوط حقًا من وفقه الله علمًا وحلمًا، قال عليٌ ﵁: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر علمك ويعظم حلمك، وأن لا يباهي الناس بعبادة الله، وإذا أحسنت حمدت الله تعالى، وإذا أسأت استغفرت الله تعالى (١). وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له يعطي الدنيا من أحبَّ ومن لم يحب ولكن لا يعطي الدين إلا من أحب، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه، علَّم الأمة بسلوكه القولي والفعلي، العلم والحلم والرفق والأناة، والخير كل الخير في اتباع سنته واقتفاء أثره. أيها المسلمون، ولم يكن الأناة والرفق وتسكين الأمور في الفتن سلوكًا خاصًا بابن عمر ﵄، بل كان ذلك ديدن الصحابة والتابعين لهم بإحسان ﵃، وهذا سعد بن أبي وقاص ﵁ وهو أحد المبشرين بالجنة، ثبت عنه أنه قال لابنه حين حث في القيام ببعض الأمور الفتنة قال لابنه: (يا هذا! أتريد أن أكون رأسًا في الفتنة، لا، لا والله) (٢). بل وصل الأمر بسعد ﵁ إلى أن اعتزل الناس حين وقعت الفتنة .... ولا شك أن سعدًا وابن عمر وغيرهما من الصحابة رضوان الله عليهم تعلموا سلوك الأناة والرفق والنظر في الأمور من محمد ﷺ الذي أدبه ربُّه فأحسن تأديبه، وزكاه في محكم تنزيله ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ
следующие страницы →