﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (١). ويجمع الله به القلوب بعد فرقتها، ويجمع به شمل النفوس بعد شرودها وضياعها ويقول له ربه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ (٢).
أيها المسلمون، ويوصي الله بالحلم والرفق، ومجاهدة النفس عليهما وبَيَّن آثارهما، ويقول تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (٣).
قال ابن كثير ﵀، أي وما يقبل هذه الوصية ويعمل بها إلا من صبر على ذلك فإنه يشق على النفوس .. ويقول جل ذكره: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ (٤).
ويعلق الإمام الطبري على الآية بقوله: ولمن صبر على إساءة من أساء إليه، وغفر للمسيء إليه جرمه، فلم ينتصر منه وهو على الانتصار ومنه قادر ابتغاء وجه الله وجزيل ثوابه، إن ذلك لمن عزم الأمور ندب الله إليه عباده، وعزم عليهم العمل به.
إخوة الإسلام، ونتيجة جهل الإنسان وضعفه، فقد يتبدى له أحيانًا أن أسلوب الشدة هو أقصر الطرق للوصول إلى هدفه، وأن ممارسة العنف قد تعجل له حصول النتائج التي يرنو إليها .. وليس الأمر كذلك فما يحصل بالحلم والرفق
стр. 597
والأناة خير في الآخرة والأولى، كذلك يهدي المصطفى ﷺ أمته ويقول: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه» (١). بل يؤكد النبي ﷺ أن الرفق والأناة سبب لكل خير، ويقول: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه». ويحذر ﵊ من فقد الرفق بفقد الخير كله وهو القائل: «من يُحرَم الرفق يُحرَم الخير» (٢). ومن ثم قيل: (الرفق في الأمور كالمسك في العطور) (٣). وقديمًا قيل: الحلم سيد الأخلاق.
وما فتئ العارفون يتمثلون الحلم في حياتهم، والأناة في تصرفاتهم، ويهدون بها غيرهم، وقد ورد أن رجلاً سبَّ ابن عباس ﵄، فلما فرغ قال يا عكرمة هل للرجل حاجة فنقضيها؟ فنكس الرجل رأسه واستحى (٤).
وقال أنس بن مالك ﵁ في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (٥). هو الرجل يشتمه أخوه فيقول: إن كنت كاذبًا فغفر الله لك، وإن كنت صادقًا فغفر الله لي (٦).
وما أجمل ما قال الشافعي ﵀
يخاطبني السفيه بكل قبحٍ ... فأكره أن أكون له مجيبًا
يزيد سفاهةً فأزيد حلمًا ... كعودٍ زاده الإحراق طيبًا (٧).
стр. 598
إخوة الإيمان، وإذا كانت الحاجة تدعو الحلم والأناة في كل حال في هذه الحياة الدنيا، فهي في زمن الشدائد والفتن أحرى وأولى، ففيها تطيش العقول، وتضطرب القلوب، وتختل المواقف، ولا يسعف المرء إلا التثبت والأناة والحلم والرفق في المدلهمات، لكن ذلك محتاج إلى صبرٍ ومصابرة، وتغليب حظوظ الآخرة على الدنيا، ويضرب ابن عمر ﵄ أروع الأمثلة في هدوئه وأناته ورفقه وحلمه في الفتنة ويقول: (دخلت على حفصة، ونَسْواتها تنطفُ- أي ذوائبها تقطر- قلت: قد كان من أمر الناس ما ترين، فلم يُجعل لي من الأمر شيءٌ، قالت: الحق فإنهم ينتظرونك، وأخشى أن يكون في احتباسك عنهم فرقة، فلم تدعه حتى ذهب، فلما تفرق الناس خطب معاوية قال: من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فلُيطلع لنا قرنه، فنحن أحق به ومن أبيه، قال حبيب بن مسلم لابن عمر فهلا أجبته؟ قال عبد الله، فحللت حبوتي، وهممت أن أقول: أحقُّ بهذا الأمر من قاتلك وأباك على الإسلام، فخشيت أن أقول كلمةً تفرق بين الجمع وتسفك الدم ويحمل عني غير ذلك، فذكرت ما أعد الله في الجنان، قال حبيب: (حفظت وعصمت) (١).
وسواء وقعت هذه الحادثة حين تفرق الحكمان فيه (صفين) فلم يتفقوا عل أمير المؤمنين، أم كانت في زمن معاوية حين أراد أن يجعل ولاية العهد لابنه (يزيد) فهي تصور (أناة) ابن عمر ورغبته في تسكين الأمور وعدم إثارة الفتن بين المسلمين، والحرص على جمع الكلمة، وهو ما وافقه عليه الصحابي حبيبُ ابن مسلمة حين قال حُفِظْت وعُصِمت) (٢).
стр. 599
وكذلك ينبغي أن تكون الأناة والرفق والحلم منهجًا للمسلم في كل حال، وتتحتم أكثر حين تكون الفتن والفرقة والخلاف، فتلك خير وسيلة لمراغمة الشيطان وجمع كلمة المسلمين، ومن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، ومن يحرم الرفق يُحرم الخير كله .. أقول ما تسمعون.
стр. 600
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين قدَّر أرزاق العباد، وقسَّم أخلاقَهم، والمغبوط حقًا من وفقه الله علمًا وحلمًا، قال عليٌ ﵁: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر علمك ويعظم حلمك، وأن لا يباهي الناس بعبادة الله، وإذا أحسنت حمدت الله تعالى، وإذا أسأت استغفرت الله تعالى (١).
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له يعطي الدنيا من أحبَّ ومن لم يحب ولكن لا يعطي الدين إلا من أحب، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه، علَّم الأمة بسلوكه القولي والفعلي، العلم والحلم والرفق والأناة، والخير كل الخير في اتباع سنته واقتفاء أثره.
أيها المسلمون، ولم يكن الأناة والرفق وتسكين الأمور في الفتن سلوكًا خاصًا بابن عمر ﵄، بل كان ذلك ديدن الصحابة والتابعين لهم بإحسان ﵃، وهذا سعد بن أبي وقاص ﵁ وهو أحد المبشرين بالجنة، ثبت عنه أنه قال لابنه حين حث في القيام ببعض الأمور الفتنة قال لابنه: (يا هذا! أتريد أن أكون رأسًا في الفتنة، لا، لا والله) (٢).
بل وصل الأمر بسعد ﵁ إلى أن اعتزل الناس حين وقعت الفتنة ....
ولا شك أن سعدًا وابن عمر وغيرهما من الصحابة رضوان الله عليهم تعلموا سلوك الأناة والرفق والنظر في الأمور من محمد ﷺ الذي أدبه ربُّه فأحسن تأديبه، وزكاه في محكم تنزيله ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ
стр. 601
مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (١).
ومحمد ﷺ ، لأناته، وتقديره، لم يتعجل في تغيير بناء الكعبة، وهو القائل لعائشة ﵂: «لولا حدثانُ قومك بكفر لهدمت الكعبة ولبنيتها على قواعد إبراهيم ولجعلت لها بابين» (٢).
والبخاري ﵀ بوَّب على هذا الحديث بابًا عظيمًا فقال: (باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر الناس عن فهمه فيقعوا في أشد منه).
معاشر المسلمين، وهل علمتم أن الحلم والأناة سبب للحفظ والبقاء حتى وإن كان المحفوظ فاسقًا أو كافرًا؟ تأملوا في هذا الحديث الذي رواه الإمام مسلم ﵀ في صحيحه، وقد جاء فيه أن المستورد القرشي ﵁ قال- وعنده عمرو بن العاص ﵁ (سمعت رسول الله ﷺ يقول: تقوم الساعة والروم أكثر الناس! قال له عمرو: أبصِر ما تقول، قال المستورد: ومالي أن لا أقول ما قاله رسول الله ﷺ ، قال عمرو: إن كان كذلك فلأن في الروم خصالاً أربعًا، وعدّ منها: أنهم أحلمُ الناس عند الفتنة، وأنهم أسرع الناس إفاقةً بعد مصيبة ... وعدّ بقية الخصال الأربع، قال أهل العلم: هذا كلام من عمرو بن العاص ﵁، لا يريد أن يثني على الروم والنصارى الكفرة .. كلا، ولكن ليبين للمسلمين أن بقاء الروم وكونهم أكثر الناس علما أن تقوم الساعة، لأنهم عند وقوع الفتن أحلم الناس فهم لا يكملون ولا يعجلون ولا يغضبون، فَيقُوا أنفسهم ويقُوا أصحابهم القتل (٣).
стр. 602
ومن العجب أن يتساهل المسلمون فيما نص عليه دينهم ويتشبثَ بها من حُرِّفَت كُتُبُهم ونُسخت أديانُهم؟
أيها المؤمنون، وتشتد الحاجة للحلم كذلك حين تستثار المشاعر، فتحتاج إلى التهدئة والتسكين، وحين تشعر النفوس بالضيم فتتطلع إلى الانتصار وحين يشيع المنكر فترتفع أسهم الغَيْرَة لدين الله. لكنها ينبغي أن تُضْبَط يميزان الشرع وأن تحكم بالعقل، وأن تحلى بالحلم، وأن تُجَمَّل بالرفق (وما كان الرفق في شيءٍ إلا زانه). وعلى مسلمي اليوم أن يتذكروا أن الاستفزاز قديم وأن العاقبة للمتقين إن هم صبروا وصابروا ورابطوا واتقوا رب العالمين.
واقرؤوا القرآن الكريم وستجدون فيما أوحي إلى محمد ﷺ قوله تعالى: ﴿وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً (٧٦) سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً﴾ (١). وقال تعالي- في معرض الحديث عن صراع الحق والباطل بين موسى ﵇ وفرعون- ﴿فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعاً (١٠٣) وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً﴾ (٢).
إخوة الإسلام، ولا يعني الحلم والأناة تبلُّد الإحساس عن مصائب المسلمين، ولا موت المشاعر عن واقعهم المهين، ففئة تُقتَل أو تُهجّر- كما يحصل اليوم على أرض البوسنة والشيشان وغيرها- وربما مات الكثير من فقد الطعام والشراب، وفئة تؤذى أو تنفى أو تسجن أو تعذب كما في بلاد كثيرة من بلاد المسلمين.
стр. 603
وليس من الحلم والأناة إضاعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتكاسل في الدعوة إلى الله بالحسنى ولا القعود عن نصرة المظلومين، ومحبة المؤمنين، والبراءة من الكافرين، وبغض المنافقين، ولكن الحلم والأناة تريثٌ وتعقلٌ في الحركات، وتأن، وعدم عجلة في التصرفات، ونظرٌ محمود في العواقب، وتقديرٌ وتغليبٌ للمصالح والفاسد، إنه كبح جِماح النفس والهوى، واستشارة لذوي العلم والفضل والنهى، بالحلم والأناة يسود العلماء، وبالحلم والأناة والرفق شأن الولاة والأمراء. (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشقَّ عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به).
كذلك قال المصطفى ﷺ (١).
وتأملوا في عظيم هذه الحكمة التي أسداها واحد من سادات الحكماء ومن يُضرب بحلمه وسؤدده المثل. إنه الأحنف بن قيس ﵀، الذي يقال أنه كلم مصعب بن الزبير في محبوسين، وقال: أصلح الله الأمير إن كانوا حبسوا في باطلٍ فالعدل يسعهم، وإن كانوا حبسوا في حقٍ فالعفو يسعهم.
وهو القائل: لا ينبغي للأمير الغضب، لأن الغضب في القدرة لقاح السيف والندامة (٢).
وبالحلم والرفق والأناة ينبغي أن يربي الآباء والأمهات البنين والبنات، وأن يكون جزءًا مهمًا من وظيفة المربين، وأسلوبًا عمليًا للمعلمين، ونهجًا متّبعًا للقادة والمسؤولين، اللهم هيء للمسلمين من أمرهم رشدًا، وارزقهم الحلم والأناة والرفق في الأمور كلها.
стр. 604
شعاع من المحراب
الجزء الثالث
إعداد
د. سليمان بن حمد العودة
стр. 605
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 606
شعاع من الحراب
стр. 607
أبو موسى الأشعري ﵁ وقصة التحكيم (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ....
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
إخوة الإيمان، وما أجمل العيش في سير القادة العظماء، ويطيب أكثر إذا كان في مواقف وأخبار السادة النجباء، أصحاب محمد ﷺ ، فهم أَبرُّ قلوبًا، وأنقاها سريرة، وأصلحها سيرة، ويتحتم أكثر فأكثر حين يكون ذودًا عن المتهمين زورًا وكذبًا، وإيضاحًا للحقيقة صدقًا وعدلاً.
أجل لقد جاء الثناء على أصحاب محمد ﷺ في القرآن، ونوَّه الله بذكرهم في
стр. 608
التوراة والإنجيل، فقال تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ (١).
وفي هذه الخطبة استجلاء لشخصية أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري، ﵁، الذي ربما غابت بعض مواقفه البطولية عن بعض الناس، وربما ترسّخ في أذهان آخرين ما تنسبه إليه بعض الروايات التاريخية الساقطة من التغفيل والجهل بأبسط قواعد السياسة والحكم في قصة التحكيم، وهو العم والفقيه، والقاضي والوالي، والقارئ والكيس الفَطن، ويكفيه فخرًا أن القرآن نزل في الثناء عليه وعلى قومه، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢).
أخرج الحاكم وصححه ووافقه الذهبي عن عياض الأشعري قال: لما نزلت: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال رسول الله ﷺ : هم قومك يا أبا موسى وأومأ إليه (٣).
وأثنى النبي ﷺ ودعا لأبي موسى وعمه أبي عامر الأشعري في قصة تكشف عن شجاعة وصدق أبي موسى وعمه، وطلب عمه من النبي ﷺ الاستغفار له وهو في سياقة الموت، وشمول الدعوة لأبي موسى، فقد روى البخاري ومسلم- فى صحيحيهما- عن أبي موسى قال: لما فرغ رسول الله ﷺ من حنين بعث أبا عامر الأشعري على جيش أوطاس، فلقي دريد بن الصمة، فقتل دريد
стр. 609
وهزم الله أصحابه، فرمى رجل أبا عامر في ركبته بسهم فأثبته، فقلت: يا عم من رماك؟ فأشار إليه، فقصدت له فلحقته، فلما رآني ولَّى ذاهبًا، فجعلت أقول له: ألا تستحي؟ ألست عربيًا؟ ألا تثبت؟ قال: فَكَفَّ، فالتقيت أنا وهو فاختلفنا ضربتين فقتلته، ثم رجعت إلى أبي عامر فقلت: قد قتل الله صاحبك، قال: فانزع هذا السهم، فنزعته، فنزل منه الماء، فقال: يا ابن أخي: انطلق إلى رسول الله ﷺ فأقرئه مني السلام وقل له: يستغفر لي، واستخلفني أبو عامر على الناس، فمكث يسيرًا ثم مات، فلما قدمنا وأخبرت النبي ﷺ توضأ ثم رفع يديه ثم قال: اللهم اغفر لعبدك أبي عامر، حتى رأيت بياض إبطيه، ثم قال: «اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك» فقلت: وَلِي يا رسول الله؟ فقال: «اللهم اغفر لعبد الله ابن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلاً كريمًا» (١).
إخوة الإسلام، وأبو موسى الأشعري ﵁ في عداد العلماء الفقهاء أيام رسول الله ﷺ ، حتى قال صفوان بن سليم- أحد فقهاء التابعين الثقات-: (لم يكن يُفتِي في زمن رسول الله ﷺ غير هؤلاء: عمر وعلي ومعاذ وأبي موسى) (٢).
وقال مسروق: كان القضاء في الصحابة إلى ستة: عمر وعلي، وابن مسعود، وأُبي، وزيد، وأبي موسى (٣).
ولكفاءة أبي موسى وغزارة علمه، وحسب رأيه، استعمله النبي ﷺ ومعاذًا في اليمن، وولي أبو موسى أمرَ الكوفة لعمر ﵁، وكذلك البصرة وأحسن السيرة في أهلها حتى قال الحسن البصري: ما قدمها راكب خير لأهلها من أبي موسى (٤).
стр. 610
ومع هذه السيرة الحسنة والعدل في الرعية، فلم تكن الولاية في ذهن أبي موسى وغيره من صلحاء الأمة شهوةً جامحةً، أو سبيلاً للاستعلاء والسيطرة، وهذا عمر، ﵁، يطلب أبا موسى في رهط من المسلمين بالشام ويقول له: إني أرسلك إلى قوم عسكر الشياطين بين أظهرهم، قال أبو موسى: فلا ترسلني، قال عمر: إن بها جهادًا ورباطًا فأرسله إلى البصرة (١).
وكذلك تكون رغبة الجهاد والمرابطة في سبيل الله ضمانًا لموافقة أبي موسى وقبوله بالولاية.
أيها المسلمون، ويظهر اللهم الدقيق- في شخصية أبي موسى ﵁ لأمور الولاية في الإسلام، فهو الأمير والقاضي وهو المقرئ ومعلم الناس القرآن، وهو الكيس الفطن، وهو القائد الفاتح.
فقد قال أبو شوذب: كان أبو موسى إذا صلى الصبح استقبل الصفوف رجلاً رجلاً يقرئهم (٢).
وعن أنس قال بعثني الأشعري إلى عمر، فقال لي: كيف تركت الأشعري؟ قلت: تركته يعلم الناس القرآن، فقال عمر: أما إنه كيس ولا تسمعها إياه (٣).
وفي مجال الفتوح، فقد أُفْتُتِحَ في أثناء ولايته: البصرة، والأهواز، والرها، وسميساط، وما والاها، وفتح أصبهان (٤).
ولذا كتب عمر في وصيته: ألاَّ يقرّ لي عامل أكثر من سنة وأقروا الأشعري أربع سنين (٥).
стр. 611
هذا نموذج لولاية أبي موسى وحسن سياسته، وهو كما ترى مزيج بين الدين والدنيا، أما هذا الانشطار الغريب في الولاية بين أمور الدين والدنيا فلم يكن يعرفه أبو موسى ومن على شاكلته من ولاة المسلمين فيما مضى.
وإن تعجب- يا أخا الإسلام- من حسن سياسته وفهمه لمسؤولية الولاية والإمارة، فالعجب أشد حين تعلم شيئًا من نزاهته وترفعه عن متاع الدنيا وحطامها الفاني، فما ملك القصور والضياع، ولا جمع المال والمتاع، ولم تغيره الإمارة ولا اغتر بالدنيا (١).
وقال ابنه أبو بردة حدَّثتنِي أمي قالت: خرج أبوك حين نزع عن البصرة وما معه إلا ستمائة درهم عطاء عياله (٢).
أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع
يا أخا الإسلام، وكما أن الأشعري من فرسان النهار، ومن صلحاء أهل الولاية في الإسلام، فكذلك الأشعري كان من رهبان الليل، ومن أهل الذكر والدعاء والصلاة وتلاوة القرآن، فقد روى الإمام أحمد وغيره بإسناد صحيح عن بريدة ﵁ قال: دخلت مع رسول الله ﷺ بالمسجد ويدي في يده، فإذا رجل يصلي يقول: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، قال: فقال رسول الله ﷺ : دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا سُئِلَ به أعطى، وإذا دُعِيَ به أَجَاب، فلما كانت الليلة الثانية دخلت مع الرسول ﷺ المسجد، قال: فإذا ذلك الرجل يقرأ، قال: فقال لي رسول الله ﷺ : أتراه مُرَائِيًا- ثلاث مرات-، قال: فقال لي رسول الله ﷺ : بل
стр. 612
هو مؤمن منيب، عبد الله بن قيس أو أبو موسى أوتي مزمارًا من مزامير آل داود، قال: قلت: يا نبي الله ألا أبشره؟ قال: بلى، فبشرته فكان لي أخًا (١).
بل هو مؤمن منيب، تلك والله هي الشهادة العظمى، وأكرم بتزكية من لا ينطق عن الهوى، وعجَبُك لا ينقضي من هذا الصحابي المجاهد حتى لحظات حياته الأخيرة، وقد ورد أن أبا موسى، ﵁، اجتهد قبل موته اجتهادًا شديدًا فَقِيْلَ له: لو أمسكت ورفقت بنفسك؟ قال: إن الخيل إذا أرسلت فقاربت رأس مجراها أخرجت جميع ما عندها، والذي بقي من عمري أقل من ذلك (٢).
توفي أبو موسى ﵁ سنة أربع وأربعين للهجرة على الصحيح كما قال الذهبي (٣)، ﵁ وأرضاه، وألحقَنَا به وحَشَرنا في زمرته ...
أقول ما تسمعون وأستغفر الله.
стр. 613
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين وفق من شاء لطاعته وهداه، وأضل من شاء بعلمه وحكمته فلا إله إلا هو ولا رب سواه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له يمتحن الناس في هذه الحياة الدنيا، فيغتبط الصالحون ويندم المفرطون المفسدون، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ربَّي صحابته على الإيمان والتقى فكانوا منارات يستضاء بها في الأرض كَحَال النجوم في السماء، اللهم صلي وسلم على محمد وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ... وبعد:
فأي عقل لبيب وأي منطق سليم يرضى ويقنع بروايات أهل البدع والأهواء في هذا الجيل الفريد، وقاتل الله الرافضة فكم شوهوا في تاريخنا وكم حرَّفوا في مرويّاتنا، ولقد نال أبا موسى الأشعري ﵁ من هذا التشويه والتحريف ما أصبح مادةً لمن في قلوبهم مرض، فَرَامُوا تشويه تاريخ الصحابة بهدف تشويه الدين أساسًا، وتأمل مقولة الإمام مالك ﵀ في هدف الذين يقدحون في أصحاب رسول الله ﷺ ، يقول: إنما هؤلاء أقوام أردوا القدح في النبي ﷺ فلم يمكنهم ذلك، فقدحوا في أصحابه، حتى يقال رجل سوء ولو كان وجلاً صالحًا لكان أصحابه صالحين (١).
ومما ذاع وشاع في التاريخ قديمًا وحديثًا موقف الحكمين: أبي موسى الأشعري، وعمرو بن العاص، ﵄، في قصة التحكيم بين علي ومعاوية، ﵄، حين وقعت الفتنة، وأن موقف أبي موسى ﵁ يمثل موقف المغفل المخدوع، بينما يمثل موقف عمرو ابن العاص موقف الماكر الخادع، إذ اتفقوا -كما تقول
стр. 614
الرواية الساقطة- على أن يخلع كل منهما صاحبه أمام المسلمين وتُوَلِّي الأمة من أحبَّت، فابتدأ أبو موسى وخلع صاحبه عليًا، فلما جاء دور عمرو بن العاص وافق على خلع علي وأثبت صاحبه معاوية فهل تليق هذه المراوغة بالصالحين من أباء المسلمين فضلاً عن نسبتها للمؤمنين الصادقين من أصحاب محمد ﷺ .
إن المقام لا يتسع للحديث عن شخصية عمرو بن العاص الإيمانية ومواقفه الجهادية، وعسى أن تتاح الفرصة لذلك قريبًا.
ولكن القضية مرفوضة أولاً بميزان العقل والمنطق، فكيف يُتَّهَم أبو موسى الأشعري، ﵁، بالتغفيل وهو رسول رسول الله ﷺ إلى زبيد وعدن، واستعمله عمر ﵁ على البصرة حتى قتل، ثم استعمله عثمان على البصرة، ثم على الكوفة وبقي واليًا عليها إلى أن قتل عثمان فأقرَّه علي ﵁، فهل يتصور أن يثق رسول الله ﷺ ثم خلفاؤه من بعده برجل يمكن أن تجوز عليه مثل الخدعة التي ترويها قصة التحكيم (١)؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ معلِّقًا على حديث البخاري في بعث النبي ﷺ أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل إلى اليمن، قال: واستدل به على أن أبا موسى كان عالمًا حاذقًا، ولولا ذلك لم يوله النبي ﷺ الإمارة، ولو كان فَوَّضَ الحكم لغيره لم يحتج إلى توصيته بما وصاه به، ولذلك اعتمد عليه عمر ثم عثمان ثم علي، وأما الخوارج والروافض فطعنوا فيه، ونسبوه إلى الغفلة وعدم الفطنة، لما صدر منه في التحكيم بصفين (٢).
وكيف يسوغ أن يُتَّهم الفقيه القاضي، والعالم المتبحر بمثل هذا؟ بل ويقطع
стр. 615
الفاروق عمر ﵁ بكياسة أبي موسى، ومن هو الفاروق في تقويم الرجال؟ (ألا إنه كيِّس وإلا تسمعها إياه).
والقضية مرفوضة ثانيًا بميزان العلم والنقد، وليس نقد السند بأقل من نقد المتن، فرواتها الذين صدروها ابتداء متهمون وهم من أهل الأهواء والبدع ويكفي أن فيها أبا مخنف، لوط بن يحيى، وهو شيعي محترق كما قال أهل العلم، ومشهور بالكذب والافتراء والدس والتشويه في التاريخ، عمومًا وأحداث الفتنة بين الصحابة خصوصًا.
قال الحافظ الذهبي ﵀: ولا ريب أن غلاة الشيعة يبغضون أبا موسى ﵁ لكونه ما قاتل مع علي، ثم لما حكمه علي على نفسه عزله، وعزل معاوية وأشار بابن عمر فما انتظم من ذلك حال (١).
إخوة الإسلام، وإذا رفضنا هذه المرويات الكاذبة لسقوطها سندًا ومتنًا فما هي الرواية الصحيحة في التحكيم والتي تليق بمقام الصحابة رضوان الله عليهم؟ هناك رواية أخرجها البخاري في تاريخه مختصرًا بسند رجال ثقات، وأخرجها ابن عساكر مطولاً عن الحضين بن المنذر أن معاوية أرسله إلى عمرو ابن العاص فقال له: (إنه بلغني عن عمرو بعض ما أكره- يعني في مسالة التحكيم بينه وبين أبي موسى الأشعري- فأته فاسأله عن الأمر الذي اجتمع عمرو وأبو موسى فيه، كيف صنعتما فيه؟ قال: قد قال الناس وقالوا، ولا والله ما كان ما قالوا، ولكن لما اجتمعت أنا وأبو موسى قلت له: ما ترى في هذا الأمر؟ قال أرى أنه في النفر الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض قال- عمرو- فقلت أين تجعلني من هذا الأمر أنا ومعاوية؟ قال: إن يستعن بكما ففيكما معونة، وإن يُستغنى
стр. 616
عنكما فطالما استغنى أمر الله عنكما (١).
فأين الخداع، وأين الكذب، وأين التغفيل، والمراوغة، في مثل هذه المرويات الصحيحة؟
إن تاريخ الأمة المسلمة محتاج إلى استجلاء وتصحيح ونظر وتدقيق، وإن تاريخ الصحابة بالذات محتاج إلى تمحيص وفقه لأخذ الدروس والعبر، ومعرفة الطريق الأبلج، والمنهج الإسلامي، وكم من كنوز هذا التاريخ تحتاج إلى استخراج، وكم من عبر تنتظر السالكين إلى الله .. ويأبى الله إلا أن يدافع عن الذين آمنوا ولو كذب المنافقون، ولو تزيد المتزيدون. قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ﴾ (٢).
أيها المسلمون، إن من أعظم الدروس التي نستفيدها من هذا الحدث، أن تدرك كيف تروج إشاعات، وكيف تساق جزافًا الاتهامات، وإذا كان هذا في جيل محمد ﷺ ، فغيرهم من باب أولى!
فهل يتثبت المسلمون في أخبار الموتورين، وهل يتأكدون من الشائعات قبل ترويجها .. وهل نحافظ جميعًا على سمعة الخيرين من كذب المبطلين .. وهل نزن الأمور بميزان الشرع والحق، لا بميزان الهوى والباطل .. إن ذلك خليق بالمسلم الذي يقرأ قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ (٣).
стр. 617
المحاسبة، وقصر الأمل (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ...
أما بعد فاتقوا الله يا معشر المسلمين، وقوموا بأمره، واجتنبوا نواهيه، إخوة الإيمان، إن اللحظات التي يقف المرء فيها متأملاً متفكرًا لهي من أسعد اللحظات وأنفعها إذا أوتي الإنسان عقلاً حصيفًا ومنطقًا سليمًا .. ذلكم أن الإنسان في هذه الحياة أشبه بسائر فوق ظهر سفينة، تمخر به عباب البحر، فهو إن لم ينتبه لمسيرتها، ويتجنب أسباب عطبها، ويحذر الصوارف التي يمكن أن تصرفها عن طريقها، فلا شك أن مصيرها إلى الغرق، ومصيره هو إلى الهلاك.
وأينا الذي لا يصدق الموت، بل أينا الذي يستبعد نزوله في أي لحظة؟ لقد جلّى لنا المصطفى ﷺ الصورة، وضرب لنا الأمثلة الموضحة للحقيقة، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ (غرز عودًا بين يديه، وآخر إلى جنبه وآخر بعد، فقال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا الإنسان، وهذا الأجل -أراه قال- وهذا الأمل فيتعاطى الأمل فلحقه الأجل دون الأمل) (٢).
ولقد عقل الصحابة والسلف الصالح من بعدهم ﵃ أجمعين-
стр. 618
هذه المعاني، وقدروها حق قدرها، فسارت حياتهم العملية وفق هذه الموازين والقيم، وحذروا مَن بعدهم من الاغترار والغفلة.
قال علي ﵁: إنما أخشى عليكم اثنتين: طول الأمل واتباع الهوى، فإن طول الأمل ينسي الآخرة، وإن اتباع الهوى يصد عن الحق.
وقال عون: كم من مستقبل يوم لا يستكمله، ومنتظر غدًا لا يبلغه، لو تنظرون على الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره (١).
أيها المسلمون، لا يعني التأمل في قصر الأمل، السكون والاستسلام أو الكسل والإحجام، بل إن ذلك ينبغي أن يدفع إلى العمل والجدية وحث الخطى .. لكن أي عمل .. وأي جدية .. هل في جمع حطام الدنيا الفاني؟ لا .. فالدنيا لا تستحق هذا الجهد وهذا العناء .. ويكفي الإنسان ما يسد رمقه، ويكسو جسده، ويغنيه عن الآخرين .. وإنما عمل الصالحات هو الميدان الذي ينبغي أن تشمر له سواعد الجد، ويتسابق فيه المتسابقون .. وكلما طال العمر وازداد العمل الصالح، دل على توفيق الله للعبد، وقد سُئِل رسول الله ﷺ : أي الناس خير؟ فقال: من طال عمره وحسن عمله، قيل: وأي الناس شر؟ قالت: من طال عمره وساء عمله (٢).
وهل علمت يا أخا الإيمان، أن العبد ربما بلغه منازل الشهداء وربما زاد عليها- بسبب كثرة عبادته وطول عمره- حتى وإن مات على فراشه، وإليك ما يؤكد ذلك من مشكاة النبوة، فعن عبيد بن خالد أن النبي ﷺ آخى بين رجلين، فقتل أحدهما في سبيل الله، ثم مات الآخر، فصلوا عليه، فقال النبي ﷺ : ما
стр. 619
قلتم؟ قالوا: دعونا الله أن يغفر له ويرحمه ويلحقه بصاحبه، فقال النبي ﷺ : فأين صلاته بعد صلاته، وعمله بعد عمله؟ أو قال: صيامه بعد صيامه، لما بينهما أبعد مما بين السماء والأرض (١).
أرأيتم فضل الله، وعظيم أجر الصالحات، وقد ورد في بعض روايات الحديث أن الفرق بين وفاتيهما جمعة أو نحوها .. ألا فليسعد العاملون، وليستيقظ النائمون، وينتبه الغافلون.
وصدق المصطفى ﷺ وهو القائل: «إن الله إذا أراد بعبدٍ خيرًا استعمله، فقيل وكيف يستعمله يا رسول الله؟ قال: يوفقه لعملٍ صالح قبل الموت (٢).
اللهم وفقنا لعملٍ صالحٍ ترضاه عنا واجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم لقاك.
أيها الإخوة، لابد من تدقيق العمل وتجويده، ولابد من إخلاص العمل وتصويبه، فالله طيب لا يقبل إلا طيبًا، ومن أشرك مع الله غيره تركه الله وشركه، وأحبط عمله، فانتبهوا- رحمني الله وإياكم ووفقنا- للإخلاص، فهو أساس قبول العمل أو رده، وما أحوجنا جميعًا إلى أن نتذكر قصة شفي الأصبحي- ﵀ مع أبي هريرة ﵁، فقد دخل شفي المدينة فإذا هو برجلٍ قد اجتمع عليه الناس، فقال: من هذا؟ فقالوا: أبو هريرة، قال: فدنوت منه حتى قعدت بين يديه، وهو يحدث الناس، فلما سكت، وخلا قلت له: أسألك بحق وبحق، لا حدثتني حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ عقلته وعلمته، فقال أبو هريرة: افعل، لأحدثنك حديثًا حدثنيه رسول الله ﷺ عقلته وعلمته، ثم نشغ
стр. 620
أبو هريرة نشغة، فمكثنا قليلاً، ثم أفاق فقال: لأحدثنك حديثًا حدثنيه رسول الله ﷺ في هذا البيت، ما معنا أحد غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغة شديدة، ثم أفاق، ومسح وجهه، وقال: افعل، لأحدثنك حديثًا حدثنيه رسوا الله صلى الله وسلم أنا وهو في هذا البيت، ما معنا أحد غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغة شديدة، ثم مال خارًا على وجهه، فأسندته طويلاً، ثم أفاق، فقال حدثني رسول الله ﷺ : إن الله تعالى إذا كان يوم القيامة، ينزل إلى العباد ليقضي بينهم، وكل أمة جاثية، فأول من يدعو به رجل جمع القرآن، ورجل قتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قالا بلى يا رب، قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال كنت أقوم به آناء الليل وأطراف النهار، فيقول له: كذبت، وتقول الملائكة كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال فلان قارئ، فقد قيل ذلك، ويؤتى بصاحب المال فيقول الله: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى يا رب، قال: فماذا عملت فيما آتيتُك؟ قال: كنتُ أصل الرحم وأتصدّق، فيقول الله له: كذبت،
وتقول الملائكة له: كذبت، فيقول الله: بل أردت أن يقال: فلان جواد وقد قيل ذلك. ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله فيقول الله له: في ماذا قتلت؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك، فقاتلت حتى قتلت، فيقول الله له: كذبت، وتقوله له الملائكة كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال فلان جريء، فقد قيل ذلك، تم ضرب رسول الله ﷺ ركبتي فقال: يا أبا هريرة: أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة.
وقصة شفي لا تنتهي عند هذا الحد فهو يعقل هذا الحديث، ثم يدخل على معاوية ﵁ في خلافته، فيخبره بهذا الحديث العظيم ويبكيه، ويقول معاوية: قد فعل بهؤلاء هذا؟ فكيف بمن بقي من الناس؟ ثم بكى معاوية بكاءً شديدًا حتى
стр. 621
ظُنَّ أنه هالك، وقال من حوله: قد جاءنا هذا الرجل بِشَرٍّ، ثم أفاق معاوية، ومسح عن وجهه، وقال: صدق الله ورسوله (١) ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ (١٥) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢).
هكذا فهم الصحابة ومن بعدهم هذا الحديث، وتأثروا به، اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل وجنبنا الرياء والسمعة والزلل .. أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 622
الخطبة الثانية
الحمد لله الموفق من شاء لطاعته، والمكرم من شاء بدخول جنه، أحمده وأشكره، وهو أهل الحمد والثناء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله، ورضي عن أصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.
أيها المسلمون، كل الناس يغدو ويروح في هذه الحياة، لكن هناك من يعتق نفسه وهناك من يوبقها وكل الناس يسعون إلى الجنة، ويفرون من النار، لكن بعض الناس ربما خردل نفسه فيها، وبعض الناس يُجَرُّ إلى الجنة بسلاسل، ولكن ليُعْلَم أن سلعة الله غالية، وهي تحتاج إلى صبر ومصابرة، وتقوى ومراقبة، وذلك يسير على من يسرَّه الله عليه، ولا شك أنها صعبة على من اتَّبعَ الشهوات ووقع في الشبهات.
وإذا كانت الجنة قد حُفَّت بالمكاره، فإن النار قد حفت بالشهوات، وتأملوا معاشر المسلمين في هذا الحديث الذي أخرجه أهل السنن وغيرهم بإسناد حسن، عن أبي هريرة رضي الله أن عنه أن رسول الله ﷺ قال: دعا الله جبريل، فأرسله إلا الجنة، فقال: انظر إليها وما أعددت لأهلها فيها، فرجع إليه فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فقال فحجبت بالمكاره، فقال له: ارجع فانظر إليها، فرجع إليه، فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد، ثم أرسله إلى النار، فقال اذهب إليها، وانظر، ما أعددت لأهلها فيها، فرجع إليه فقال: وعزتك لا يدخلها أحد سمع بها، فحجبت بالشهوات، ثم قال: عد إليها فانظر، فرجع إليه، فقال: وعزتك لقد خشيت ألا يبقى أحدٌ إلا دخلها (١).
стр. 623
إن ذلك يستدعي ضبط النفس بحدود الشرع، وقصرها على الحلال، وإن كان صعبًا على النفس أحيانًا، وكفها عن الحرام حتى وإن كان سهلاً بل محببًا، فشهوة ساعة ينبغي ألا تورث الذل إلى ما لا نهاية.
ولهذا قال ابن مسعود ﵁ وهو يبين الفرق بين الحق والباطل
- (الحق ثقيل مريء، والباطل خفيف وبي، ورب شهوة ساعة أورثت حزنًا طويلاً).
وقال أبو الدرداء ﵁: لولا ثلاث لصلح الناس، شحٌ مطاع، وهوى مُتبع، وإعجاب المرء بنفسه).
وتأملوا كذلك مقولة أبي حازم- ﵀ إن كنت تريد العلاج والمخرج من مأزق الشهوات والشبهات، يقول: شيئان إذا عملت بهما أصبت بهما خير الدنيا والآخرة، . قيل: ما هما؟ قال: (تحمل ما تكره إذا أحبه الله، واترك ما تحب إذا كرهه الله) (١).
أيها المسلمون، احذروا اتباع الهوى، واتخاذ آلهة من دون الله فتقعوا في محذور قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (٢).
وقال ابن عباس ﵄: ليأتين على الناس زمانٌ يكونُ هم أحدهم فيه بطنه، ودينهُ هواه.
واحذروا، أيها الإخوة، من كل ناعق ومنافق، أولئك الدعاة على أبواب جهنم، من أجابهم، قذفوه فيها .. الذين يُحَسِّنون الباطل للناس فيعرضونه بصورة مغرية، والله أعلم بما يكتمون، ويصورون الحق بصورة مشوهة، والله
стр. 624
يشهد على ما يقولون، احذروا هؤلاء، فهم قطاع الطريق حقًا، وهم لصوص القلوب حتمًا.
اللهم احفظنا من كل سوء ومكروه، ووفقنا لكل خير ومعروف، وأجزل المثوبة لكل من هدانا إلى الصراط المستقيم، واكفنا واحفظنا وسلط على من يريدنا وبالمسلمين السوء والمكروه .. هذا وصلوا.
стр. 625
قيمة العلم وأمية المتعلمين (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ الله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم على سائر الأنبياء والمرسلين وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فاتقوا الله معاشر المسلمين حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة والوثقى، كان عبد الله بن مسعود ﵁، صاحب رسول الله ﷺ ، يقول إذا قعد: إنكم في ممر الليل والنهار في آجال منقوصة، وأعمال محفوظة، والموت يأتي بغتة، ومن زرع خيرًا يوشك أن يحصد رغبةً، ومن زرع شرًا يوشك أن يحصد ندامةً، ولكل زارع مثلما زرع، ولا يسبق بطيء بحظه، ولا يدرك حريص ما لم يقدر له، فمن أعطي خيرًا فالله أعطاه، ومن وقى شرًا فالله وقاه، المتقون سادة، والفقهاء قادة، ومجالستهم زيادة.
إخوة الإسلام، وبصورة مصغرة- ومع الفارق- نتذكر في هذه الأيام قيمة الجد والاجتهاد، ويدلف الطلبة والطالبات إلى قاعات الامتحانات، وسعيهم شتى، وهممهم متفاوتة، وحصيلتهم متباينة، وطموحاتهم مختلفة، غاية بعضهم أن يفرغ هذه المدة من ذهنه، وأن يتجاوزها بنجاح، ولو لم يبق لها أي رصيد في معارفه، أو يستفيد منها في حياته، ويراها آخرون فواتح في حياته، تفتح أمام
стр. 626
ناظريه مجالات العلم رحبةً واسعة، وتهذب من سلوكه، وتعزز تجاربه وتطلعه على شيءٍ من واقع أمته في الماضي، وتترك له المقارنة بالحاضر.
إن المناهج الدراسية- في عالمنا الإسلامي- يجب أن تكود مدرسة يتعلم فيها الدارس ما ينفعه في دينه، ويصلح له دنياه، ولا قيمة للعلم إذا لم يهد للإيمان، وإذا حارت العقول في تفسير عظمة هذا الكون فعقل المسلم قادر على الإجابة والبيان، أجل، إن عددًا من العلوم غير الموجهة، وكَّمًا من العلماء والباحثين يزيد عجائبنا ولا يحلها، فهذا الفلكي- مثلاً- بعلمه، ودقته، وحسابه، ورصده، وآلته، ماذا صنع؟ أبان لنا بأن ملايين النجوم في السماء، بالقوة المركزية بقيت في أماكنها، أو أتمت دورتها، كما أن قوة الجاذبية حفظت توازنها، ومنعت تصادمها، كما أبَان الفلكيون عن حجم الشمس والنجوم وسرعتها وبعدها عن الأرض، يزيدوننا عجبًا، ولكن ما الجاذبية؟ وكيف وجدت؟ وما القوة المركزية؟ وكيف نشأت؟ وهذا النظام الدقيق العجيب كيف وجد؟ أسئلة تخلى عنها الفلكي لما عجز عن حلها.
وأبان الجيولوجي لنا من قراءة الصخور كم من ملايين السنين قضتها الأرض حتى بردت .. وكيف غمرت بالماء؟ وكيف ظهر السطح؟ وأسباب البراكين المدمرة، والزلازل المهلكة .. وكذلك فعل علماء الحياة في حياة الحيوان، وعلماء النفس في نفس الإنسان، ولكن هل شرحوا إلا الظاهر، وهل زادونا إلا عجبًا، وسلوهم السؤال العميق المعبر، والذي يتطلبه العقل دائمًا، وهو: من مؤلف هذا الكتاب المملوء بالعجائب التي شرحتم بعضها، وعجزتم عن أكثرها، أتأليف ولا مؤلف! ، ونظام ولا منظم، وإبداع ولا مبدع؟ من أنشأ في هذا العالم حياة وجعلها تدب فيه؟ إنه الله تبارك الله أحسن الخالقين، وكذلك يقود العلم إلى الإيمان، ولقد شهد العلماء من غير المسلمين بالتقاء العلم
стр. 627
والإيمان، واعترف المتأخرون منهم بقيمة الدين وأثر الإيمان في الحياة، والفضل ما شهدت به الأعداء.
وانظروا مقولة (كارينجي) حين يقول: (إني لأذكر تلك الأيام التي لم يكن للناس فيها حديث سوى التنافر بين العلم والدين، ولكن هذا الجدال انتهى إلى غير رجعة، فإن أحدث العلوم وهو الطب النفسي يبشر بمبادئ الدين، لماذا؟ لأن أطباء النفس يدركون أن الإيمان القوي، والاستمساك بالدين، والصلاة كفيلة بأن تقهر القلق والمخاوف والتوتر العصبي، وأن تشفي أكثر الأمراض التي نشكوها)، ويقول الدكتور (بريل) ويعلنها صريحة: (إن المرء المتدين حقًا لا يعاني مرضً نفسيًا قط).
ويؤكد ذلك كذلك (وليم جيمس) حين يقول: (إن أمواج المحيط المصطخبة المتقلبة لا تعكر قط هدوء القاع العميق، ولا تقلق أمنه، وكذلك المرء الذي عمق إيمانه بالله خليق بألا تعكر طمأنينته التقلبات السطحية المؤقتة، فالرجل المتدين حقًا عصي على القلق، محتفظ أبدًا باتزانه مستعد دائمًا، لمواجهة ما عسى أن تأتي به الأيام من صروف) (١).
إن في ذلك لعبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، أجل لقد عادت أساطين العلم تعترف بالدين، وتقر بالعظمة لرب العالمين، ويل لمن ى زال شاردًا عن الدين، جاهلاً بحقائق العلم وتجارب العالمين، وهم يحسبون أنفسهم من كبار المثقفين! .
أيها الإخوة المؤمنون، ولا شك أن الجهل شر وبلاء، وأن الأمية ضياع وجفاء، ولكن علم المنحرفين وأمية المتعلمين أشد وأنكى، ومصيبة أن تتحول
стр. 628
المناهج الدراسية إلى نوع من المعرفة الآنية الباردة، وأن يبقى هذا الكم من المعلومات رصيدًا للثقافة العامة لا علاقة له بواقع الحياة، ولا صلة له كما ينبغي بتوجيه سلوك الفرد والإجابة على كثير من تساؤلاته، وترى المتعلم مثلاً يقرأ قيمة الصلاة في الإسلام، ويعلم سننها وواجباتها وأركانها، ولكنه في واقعه العملي من المقصرين في المحافظة عليها، أو من المخلين في أحكامها، وربما احتاج وهو المتعلم إلى استفتاء العارفين المحافظين، وإن كانوا دونه في التعليم، وتراه يقرأ معنى التوحيد الحق، ويقف على أنواع الشرك في المنهج، ثم تجده، في حياته أو حياة أسرته المحيطة به، مخلاً بما قرأ، جاهلاً لما تعلم، فربما ذهب للسحرة والمشعوذين، وربما ذبح واستغاث، أو استعان، أو نذر لغير الله، وليس أقل خطرًا ممن استهزأ بشيء من أمور الدين، ولربما استحيا من نفسه إن عاتبه على خطئه من لا يجيد القراءة ولا الكتابة أصلاً، لكنه عارف بأحكام العقيدة والدين.
وترى فئة ثالثة تعي وتدرك الثقافة الإسلامية الأصيلة وهم في واقعهم العملي من دعاة التغريب، ورابعة ترى وتسمع تراث النبلاء من المسلمين، ثم هم كلفوا بالدعوة للحداثة، مغرمون بأفكار الساقطين. ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ (١) هذه ضروب من أمية المتعلمين وانحراف المثقفين.
إخوة الإسلام، ويبقى للمناهج الدراسية قيمتها وأثرها في تنشئة أبناء المسلمين، فالتعليم فيها منذ الصغر، والدراسة فيها للذكر والأنثى، وإنما أصيبت أجيال المسلمين- أخيرًا- بالخواء الروحي، والشذوذ السلوكي يوم أن طورت المناهج- في زعم المطورين- فزُوحِمت لغة القرآن، وقُلِّصَت مواد
стр. 629
التربية الإسلامية أو فُرِّغت من بعض محتوياتها المهمة، وقطعت صلة الدارسين بتاريخ الإسلام وبطولات المسلمين، فتخرجت هذه الأجيال وهي لا تعلم من الإسلام إلا اسمه ولا من القرآن إلا رسمه، وويل لمن خان أمته، واستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.
أيها المعلمون، أيها المربون، وليس الامتحان للطلاب وحدهم، بل أنتم في نهاية الفصول مُمْتَحنون، ومسؤولون، فإن قلتم أنكم اعتدتم أن تَمتحِنوا ولا تُمْتَحَنوا، وتَسأُلوا ولا تُسأَلُوا، فدونكم هذه الأسئلة، وخليق بكم أن تعدوا للسؤال جوابًا: فما هي القيم التربوية التي عنيتم بها وأوصلتموها للطلاب؟ وكم من المبادئ الإسلامية غرستموها في الناشئة ودعوتم إليها الشباب؟ أي قدوة كنتم؟ وأي لون من ألوان المعاملة مع الطلاب اخترتم؟ كم فضيلة دعوتم إليها، وكم رذيلة حذرتم منها؟ وكم سلوك معوج نقدتموه، وكم ثقافة أصيلة رسختموها، وكم فكر منحرف حذرتم منه؟ أي ذكرى أبقيتم في ذهن الطلاب؟ وهل لازمتكم مسؤولية المربي طوال الفصل، وما نوع الثمار التي جنيتم في نهاية الفصل؟
تلكم وغيرها كثير من الأسئلة المهمة ينبغي أن يمتحن المربي نفسه فيها، فإن قلتم: هذه أسئلة مفاجئة، وذلك امتحان جديد، ومعذرة إن لم نعد لبعض الأسئلة إجابة، فهلا عرضتم هذه الأسئلة وغيرها على أنفسكم مع مطلع العام القادم بإذن الله، ذاك هو المرجَّى والمؤمل منكم فالأمانة عظيمة، والمسؤولية جسيمة، والامتحان مشترك والرسوب والفشل- لا قدر الله- ليس حاصلاً بالطلبة وحدهم فأنتم شركاء لهم واختاروا لأنفسكم ما تريدون.
ألا وإن من العدل والإنصاف ألا تحمل المدرسة والمعلم وحدهم مسؤولية النجاح أو الفشل، فالأسرة شريكة في المسؤولية وهذه الامتحانات تكشف عن
стр. 630
تفاوت الأسر في الاهتمام بمصلحة الأبناء، فالأسرة التي تهتم بأبنائها وبناتها أيام الامتحانات هي في الغالب مهتمة بهم في بقية الأوقات، والأسر التي لا تهتم بهم في مثل هذه المناسبات، هي لما سواها أضيع في بقية الأوقات، فلينتبه الغافلون، وليغتبط العاملون، وتبقى بعد ذلك كله دروس هذه الامتحانات حَرِيًا بالتذكير في الامتحان الأكبر، وموجبًا للآباء والأمهات، والبنين والبنات، بالاستعداد للعرض على رب العالمين، وهناك في أرض المحشر تبلى السرائر، وتطير القلوب، وتزيغ الأبصار، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد، اللهم آمن روعاتنا، وارحم في مقام العرض عليك صغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأُنثانا ... أقول ما تسمعون وأستغفر الله.
стр. 631
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، أحمده تعالى وأشكره وأثني عليه الخير كله، أيها المربون والمتربون، أيها المعلمون والمتعلمون، ويبقى السؤال المهم، ما هي حصيلة التربية المنظورة علمًا وعملاً، تربيةً وسلوكًا، فهمًا جيدًا لأحكام الدين، واستظهارًا واعيًا لعلوم ومعارف المسلمين، هل نعزو ما فينا من نقصٍ وتقصير للمنهج المقرر؟ أم للمعلم المكلف؟ أم لوسيلة التعليم؟ أم لذات الطالب المتعلم؟ أم للوقت المتاح للتعليم بإزاء الأوقات الأخرى التي تصرف لغير التعليم؟ وهل يعزى الضعف المشهود في المتعلمين إلى مؤسسات التعليم في المراحل المبكرة أم للتعليم الجامعي، كل ذلك محل دراسة التربويين، وأساتذة الجامعة المختصين ... لكن سأعرض لكم نموذجًا لتربية محمد بن عبد الله ﷺ وهي محل الأسوة والقدوة- وهذا النموذج لا يعد صاحبه فيمن لازم رسول الله ﷺ ملازمة طويلة، بل أسلم في نهاية الفترة المكية، وله ثماني عشرة سنة، وتوفي وهو ابن ثمان وعشرين وقيل ابن اثنتين وثلاثين- وقيل أكثر من ذلك- (١).
ومع قصر هذه المدة فقد حاز علمًا كثيرًا، ونال فضلاً عظيمًا، وهو أعلم الناس بالحلال والحرام (٢)، وهو محل الثقة والثناء من محمد ﵊ حين يقول: (نعم الرجل أبو بكر، ونعم الرجل عمر، نعم الرجل معاذ بن جبل) (٣).
стр. 632
ولم يكتم النبي ﷺ محبته إياه فأخبره بذلك وأوصاه «يا معاذ إني لأحبك في الله» قلت- والقائل معاذ بن جبل-: وأنا والله يا رسول الله أحبك في الله، قال: «أفلا أعلمك كلمات تقولهن دبر كل صلاة؟ رب أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» (١).
وعلى الرغم من صغر سن معاذ بن جبل ﵁ فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم إذا تحدَّثُوا وفيهم معاذ نظروا إليه هيبَةً له (٢).
وخطب عمر بن الخطاب ﵁ بالجالية فقال: (من أراد الفقه فليأت معاذ بن جبل)، وحَدَّث ابن مسعود ﵁ فقال: (إن معاذ بن جبل كان أمةً قانتًا لله حنيفًا ولم يكن من المشركين) (٣).
ومع هذه الخلال كلها ومع هذه الرفعة والمنزلة في الدنيا، فله نصيب وافر من المنزلة في الأخرى، وقد روي عن النبي ﷺ : «إن معاذًا يحشر يوم القيامة بين يدي العلماء برتوه» (٤). فإذا كان هذا مقامه بين العلماء فلا تسأل عن مقامه من دونهم؟ ولهذا وصفه أبو نعيم فقال: معاذ بن جبل إمام الفقهاء وكنز العلماء (٥). قال أحد الرواة لابن مسعود: إن إبراهيم كان أمةً قانتًا لله حنيفًا ولم يكن من المشركين، فقال ابن مسعود ﵁: (عن الأمة: معلم الخير، والقانت: المطيع، وإن معاذًا ﵁ كان كذلك) (٦).
стр. 633
أجل لقد كان معاذ ﵁ أُمةً في علمه، وأُمَّةً في عمله، كان قارئًا للقرآن، قائمًا لله في الليل والناس نيام، وفي حواره مع أبي موسى الأشعري ﵁ كما في البخاري وغيره- ما يكشف ذلك- قال معاذ لأبي موسى ﵄ حين بعثا لليمن-: كيف تقرأ القرآن؟ قال أبو موسى: أقرؤه في صلاتي، وعلى راحلتي، وقائمًا وقاعدًا، أتفوقه تفوقًا، يعني شيئًا بعد شيء، ثم قال: فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أول الليل فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم فأقرأ ما كتب الله لي فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي، قال الراوي: وكان معاذ فضّل على أبي موسى (١).
وكان زاهدًا ورعًا، وقد لحقه دَين فلم يبرح به غُرَماؤه حتى باع ماله وقسمه بينهم فقام ولا مال له، ثم بعثه النبي ﷺ إلى اليمن ليجبره، وحين قدم من اليمن ومعه رقيق لقى عمر بمكة، فقال له: ما هؤلاء؟ قال: أهدوا إلىِّ قال: ادفعهم إلى أبي بكر، فأبى، فبات فرأى (في المنام) كأنه يُجَر إلى النار وعمر يجذبه، فلما أصبح قال: يا ابن الخطاب ما أراني إلا مطيعك، إلى أن قال: فدفعهم أبو بكر إليه- لمعرفته بحاله- ثم أصبح فرآهم يصلون، قال: لمن تصلون؟ قالوا: لله، قال: فأنتم لله (٢).
وكان ﵁ واعظا صادقًا وناصحًا حكيمًا، فقد مرَّ أصحاب النبي ﷺ برجل، فقال: أوصوني، فجعلوا يوصونه، وكان معاذ في آخر القوم فقال: أوصني يرحمك الله، قال: قد أوصوك فلم يألوا، وإني سأجمع لك أمرك: اعلم أنه لا غنى بك عن نصيبك من الدنيا وأنت إلى نصيبك إلى الآخرة أفقر، فابدأ بنصيبك من الآخرة فإنه سيمر بك على نصيبك من الدنيا فينتظمه، ثم يزول معك أينما زلت (٣).
стр. 634
كما كان ﵁ ملاذًا للناس، شأنه كشأن العالم العامل، يفزعون إليه حين الشدة، فيسليهم، ويعلمهم أزمان وظروف الفتن والمحنة، وحين اشتدَّ الوجع بالمسلمين في طاعون عمواس صرخ الناس إلي معاذ: ادع الله أن يرفع عنا هذا الرجز، فقال: إنه ليس برجز ولكن دعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم، وشهادة يخص الله بها من يشاء منكم، أيها الناس أربع خلال من استطاع إلا تدركه، قالوا: ما هي؟ يأتي زمان يظهر فيه الباطل ويأتي زمان يقول الرجل: والله ما أدري ما أنا، ولا يعيش على بصيرة ولا يموت على بصيرة (١).
أيها الأحبة كيف خرجت هذه النوعية- وأمثالها كثير- كيف تعلمت، وكيف تربت، ما هي مجالات التربية التي امتازت بها، وميزت بها على الآخرين، تلك معالم تربوية تستحق الجمع والاهتمام ونماذجها قمم إيمانية صالحة للقدوة في كل زمان ومكان، وهذه وتلك تستحق أن تكون مجالاً للحديث في خطب لاحقة بإذن الله والله المستعان وعليه التُّكْلان.
стр. 635
من أحكام الحج وأخطاء الحجاج (١)
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، منَّ على عباده بمواسم الخيرات ليغفر لهم الذنوب، ويجزل لهم الهبات، أشكره تعالى وقد خص بالفضيلة أيامًا معدودة. وأماكن محدودة، الموَفَّق من اغتنمها بطاعة الله، والمغبون من فرط فيها مع قدرته عليها، وأشهد أن لا إله إلا الله أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة. ورضي لنا الإسلام دينًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، علم الأمة ما ينفعهما، ووجهها للعبادة، وفق ما شرع الله وهو القائل: «صلوا كما رأيتموني أصلي». وقال: «خذوا عني مناسمكم». اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطاهرين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فأوصي نفسي وإياكم معاشر المسلمين بتقوى الله، فهي وصية الله للأولين والآخرين. قال تعالى: ﴿ .. وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٢).
إخوة الإيمان، وحديثي إليكم عن شيءٍ من أحكام الحج وأخطاء الحجاج. وأبدأ الحديث مذكرًا بأهم أمر ينبغي أن يتذكره المسلم ويتمثله في كل عبادة لله - ومنها الحج- ألا وهو إخلاص العمل لله، والمتابعة لرسوله ﷺ ، وعبادة الله