← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، أحمده تعالى وأشكره وأثني عليه الخير كله، أيها المربون والمتربون، أيها المعلمون والمتعلمون، ويبقى السؤال المهم، ما هي حصيلة التربية المنظورة علمًا وعملاً، تربيةً وسلوكًا، فهمًا جيدًا لأحكام الدين، واستظهارًا واعيًا لعلوم ومعارف المسلمين، هل نعزو ما فينا من نقصٍ وتقصير للمنهج المقرر؟ أم للمعلم المكلف؟ أم لوسيلة التعليم؟ أم لذات الطالب المتعلم؟ أم للوقت المتاح للتعليم بإزاء الأوقات الأخرى التي تصرف لغير التعليم؟ وهل يعزى الضعف المشهود في المتعلمين إلى مؤسسات التعليم في المراحل المبكرة أم للتعليم الجامعي، كل ذلك محل دراسة التربويين، وأساتذة الجامعة المختصين ... لكن سأعرض لكم نموذجًا لتربية محمد بن عبد الله ﷺ وهي محل الأسوة والقدوة- وهذا النموذج لا يعد صاحبه فيمن لازم رسول الله ﷺ ملازمة طويلة، بل أسلم في نهاية الفترة المكية، وله ثماني عشرة سنة، وتوفي وهو ابن ثمان وعشرين وقيل ابن اثنتين وثلاثين- وقيل أكثر من ذلك- (١). ومع قصر هذه المدة فقد حاز علمًا كثيرًا، ونال فضلاً عظيمًا، وهو أعلم الناس بالحلال والحرام (٢)، وهو محل الثقة والثناء من محمد ﵊ حين يقول: (نعم الرجل أبو بكر، ونعم الرجل عمر، نعم الرجل معاذ بن جبل) (٣).

стр. 632

ولم يكتم النبي ﷺ محبته إياه فأخبره بذلك وأوصاه «يا معاذ إني لأحبك في الله» قلت- والقائل معاذ بن جبل-: وأنا والله يا رسول الله أحبك في الله، قال: «أفلا أعلمك كلمات تقولهن دبر كل صلاة؟ رب أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» (١). وعلى الرغم من صغر سن معاذ بن جبل ﵁ فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم إذا تحدَّثُوا وفيهم معاذ نظروا إليه هيبَةً له (٢). وخطب عمر بن الخطاب ﵁ بالجالية فقال: (من أراد الفقه فليأت معاذ بن جبل)، وحَدَّث ابن مسعود ﵁ فقال: (إن معاذ بن جبل كان أمةً قانتًا لله حنيفًا ولم يكن من المشركين) (٣). ومع هذه الخلال كلها ومع هذه الرفعة والمنزلة في الدنيا، فله نصيب وافر من المنزلة في الأخرى، وقد روي عن النبي ﷺ : «إن معاذًا يحشر يوم القيامة بين يدي العلماء برتوه» (٤). فإذا كان هذا مقامه بين العلماء فلا تسأل عن مقامه من دونهم؟ ولهذا وصفه أبو نعيم فقال: معاذ بن جبل إمام الفقهاء وكنز العلماء (٥). قال أحد الرواة لابن مسعود: إن إبراهيم كان أمةً قانتًا لله حنيفًا ولم يكن من المشركين، فقال ابن مسعود ﵁: (عن الأمة: معلم الخير، والقانت: المطيع، وإن معاذًا ﵁ كان كذلك) (٦).

стр. 633

أجل لقد كان معاذ ﵁ أُمةً في علمه، وأُمَّةً في عمله، كان قارئًا للقرآن، قائمًا لله في الليل والناس نيام، وفي حواره مع أبي موسى الأشعري ﵁ كما في البخاري وغيره- ما يكشف ذلك- قال معاذ لأبي موسى ﵄ حين بعثا لليمن-: كيف تقرأ القرآن؟ قال أبو موسى: أقرؤه في صلاتي، وعلى راحلتي، وقائمًا وقاعدًا، أتفوقه تفوقًا، يعني شيئًا بعد شيء، ثم قال: فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أول الليل فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم فأقرأ ما كتب الله لي فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي، قال الراوي: وكان معاذ فضّل على أبي موسى (١). وكان زاهدًا ورعًا، وقد لحقه دَين فلم يبرح به غُرَماؤه حتى باع ماله وقسمه بينهم فقام ولا مال له، ثم بعثه النبي ﷺ إلى اليمن ليجبره، وحين قدم من اليمن ومعه رقيق لقى عمر بمكة، فقال له: ما هؤلاء؟ قال: أهدوا إلىِّ قال: ادفعهم إلى أبي بكر، فأبى، فبات فرأى (في المنام) كأنه يُجَر إلى النار وعمر يجذبه، فلما أصبح قال: يا ابن الخطاب ما أراني إلا مطيعك، إلى أن قال: فدفعهم أبو بكر إليه- لمعرفته بحاله- ثم أصبح فرآهم يصلون، قال: لمن تصلون؟ قالوا: لله، قال: فأنتم لله (٢). وكان ﵁ واعظا صادقًا وناصحًا حكيمًا، فقد مرَّ أصحاب النبي ﷺ برجل، فقال: أوصوني، فجعلوا يوصونه، وكان معاذ في آخر القوم فقال: أوصني يرحمك الله، قال: قد أوصوك فلم يألوا، وإني سأجمع لك أمرك: اعلم أنه لا غنى بك عن نصيبك من الدنيا وأنت إلى نصيبك إلى الآخرة أفقر، فابدأ بنصيبك من الآخرة فإنه سيمر بك على نصيبك من الدنيا فينتظمه، ثم يزول معك أينما زلت (٣).

стр. 634

كما كان ﵁ ملاذًا للناس، شأنه كشأن العالم العامل، يفزعون إليه حين الشدة، فيسليهم، ويعلمهم أزمان وظروف الفتن والمحنة، وحين اشتدَّ الوجع بالمسلمين في طاعون عمواس صرخ الناس إلي معاذ: ادع الله أن يرفع عنا هذا الرجز، فقال: إنه ليس برجز ولكن دعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم، وشهادة يخص الله بها من يشاء منكم، أيها الناس أربع خلال من استطاع إلا تدركه، قالوا: ما هي؟ يأتي زمان يظهر فيه الباطل ويأتي زمان يقول الرجل: والله ما أدري ما أنا، ولا يعيش على بصيرة ولا يموت على بصيرة (١). أيها الأحبة كيف خرجت هذه النوعية- وأمثالها كثير- كيف تعلمت، وكيف تربت، ما هي مجالات التربية التي امتازت بها، وميزت بها على الآخرين، تلك معالم تربوية تستحق الجمع والاهتمام ونماذجها قمم إيمانية صالحة للقدوة في كل زمان ومكان، وهذه وتلك تستحق أن تكون مجالاً للحديث في خطب لاحقة بإذن الله والله المستعان وعليه التُّكْلان.

стр. 635

من أحكام الحج وأخطاء الحجاج (١) الخطبة الأولى الحمد لله رب العالمين، منَّ على عباده بمواسم الخيرات ليغفر لهم الذنوب، ويجزل لهم الهبات، أشكره تعالى وقد خص بالفضيلة أيامًا معدودة. وأماكن محدودة، الموَفَّق من اغتنمها بطاعة الله، والمغبون من فرط فيها مع قدرته عليها، وأشهد أن لا إله إلا الله أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة. ورضي لنا الإسلام دينًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، علم الأمة ما ينفعهما، ووجهها للعبادة، وفق ما شرع الله وهو القائل: «صلوا كما رأيتموني أصلي». وقال: «خذوا عني مناسمكم». اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطاهرين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فأوصي نفسي وإياكم معاشر المسلمين بتقوى الله، فهي وصية الله للأولين والآخرين. قال تعالى: ﴿ .. وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٢). إخوة الإيمان، وحديثي إليكم عن شيءٍ من أحكام الحج وأخطاء الحجاج. وأبدأ الحديث مذكرًا بأهم أمر ينبغي أن يتذكره المسلم ويتمثله في كل عبادة لله - ومنها الحج- ألا وهو إخلاص العمل لله، والمتابعة لرسوله ﷺ ، وعبادة الله

стр. 636

وفق ما شرع الله، فلا رياء، ولا سمعة، ولا جهل، ولا إخلال بالسنَّة، أولئك هم الذين يرجون لقاء ربهم، وأولئك هم الذين يتقبل الله أعمالهم. قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ (١). ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢). وحرىٌّ بمن عزم على السفر للحج أن يوصي أهله بتقوى الله، وأن يكتب وصيته، وماله وما عليه، وأن يبادر بالتوبة النصوح، ورد المظالم وقضاء الديون، لأنه لا يدري ما يعرض له، كما أن عليه اختيار الرفقة الصالحة، ومعرفة أحكام السفر والحج. فإذا وصل الميقات سنَّ له أن يغتسل ويتنظف، ويتخذ من شعره وأظافره ما يحتاج إلى أخذ، وليس هذا من خصائص الإحرام، ولكنه مطلوب عند الحاجة، وهو سنة، ولذا قال بعض أهل العلم إن من كانت له أضحية وعزم على الحج فإنه لا يأخذ من شعره وأظافره إذا أراد الإحرام، لأن هذا سنة، فيرجح جانب الترك المنهي عنه، على جانب الأخذ المسنون، وهذا بخلاف التقصير أو الحلق للعمرة أو للحج فإن ذلك نسك فلا بد منه (٣). فإذا اغتسل، وتنظف، وتطيب في جسده- دون إحرامه- ولبس ثياب الإحرام استحب له أن يحرم عقيب صلاة مفروضة إن كانت، وإلا فليس للإحرام صلاة تخصه كما رجح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله (٤).

стр. 637

واستحب له كذلك قبل الدخول في الإحرام أن يحمد الله، ويسبحه، ويكبره، لحديث أنس ﵁، وفيه: (ثم ركب رسول الله ﷺ حتى استوت به راحلته على البيداء، حمد الله، وسبح، وكبر، ثم أَهَل بحج وعمرة) (١). وهذا من السنن التي قلَّ من يتفطن لها، ولذا قال الحافظ ابن حجر ﵀: (وهذا الحكم وهو استحباب التسبيح، وما ذكر معه قبل الإهلال، قلّ من تعرض لذكره مع ثبوته) (٢). ثم ينوي بقلبه الدخول في النسك الذي يريد، فإن كان قارنًا قال: لبيك عمرةً وحجًا، وإن كان متمتعًا قال: لبيك عمرةً متمتعًا بها إلى الحج، وإن كان مفردًا قال: لبيك حجة (٣). ومعنى التمتع أن يحرم بالعمرة ثم يفرغ منها، ثم يحرم بالحج في عامه، وعليه هدي كما أن عليه طوافًا وسعيًا للعمرة، وطوافًا وسعيًا آخر للحج، ولكثرة أعماله، ولأمر النبي ﷺ به أصحابه، اعتبره عدد من العلماء أفضل أنواع النسك (٤). أما القران فمعناه أن يحرم بالحج والعمرة جميعًا، وعليه هدي كالمتمتع، وليس عليه إلا سعي واحد بين الصفا والمروة فإن سعى مع طواف القدوم كفاه عن سعي الحج أيام التشريق، أما طواف القدوم فلا يكفيه عن طواف الحج أيام التشريق، لأن هذا الطواف ركن في الحج لجميع الحجاج لا يبدأ إلا في يوم العيد.

стр. 638

أما الإفراد فهو أن يحرم بالحج وحده، وليس عليه هدي، أما في الطواف والسعي فهو مثل القارن ليس عليه إلا سعي واحد، أما الطواف فيلزمه طواف الحج في أيام التشريق، ولو طاف للقدوم (١). ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض الحجاج إعلانهم النية، كأن يقول: اللهم إني نويت الإحرام بالحج متمتعًا أو قارنًا أو مفردًا، فهذا لا ينبغي لأن النية محلها القلب والتلفظ بها بدعة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: تنازع العلماء هل يستحب أن يتكلم بذلك، كما تنازعوا هل يستحب التلفظ بالنية في الصلاة؟ والصواب المقطوع به أنه لا يستحب شيء من ذلك، فإن النبي ﷺ لم يشرع للمسلمين شيئًا من ذلك، ولا كان يتكلم قبل التكبير بشيءٍ من ألفاظ النية، لا هو ولا أصحابه (٢). وهذا التلفظ بالنية المنهي عنه غير رفع الصوت بالتلبية في النسك الذي يريد- كما تقدم- فهذا مطلوب، فيكتفي الحاج المتمتع بالقول لبيك عمرة متمتعًا بها إلى الحج، والقارن لبيك عمرة وحجًا، والمفرد لبيك حجًا، ويسن رفع الصوت بالتلبية للرجال، وتخفيها النساء وهي من شعائر الحج، وفي فضلها قال ﵊: «ما من ملبٍ يلي إلا لبى ما عن يمينه وعن يساره من شجر، وحجر حتى تنقطع الأرض من هنا وهناك» (٣). قال ﵊: «أمرني جبريل برفع الصوت في الإهلال فإنه من شعائر الحج» (٤). فإذا وصل الحاج إلى البيت قدم رجله اليمنى، وقال ما ورد عند دخول

стр. 639

المسجد، ثم قصد الحجر إن تيسر له ذلك دون مزاحمة، وإيذاء الآخرين، وقبَّله وإلا استلمه بيده اليمني، فإن لم يتيسر أشار إليه، ثم يبدأ الطواف قائلاً: (بسم الله والله أكبر) اللهم إيمانًا بك وتصديقًا بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك محمد ﷺ ، ويكثر من الدعاء والذكر وتلاوة القرآن، بقلب خاشع متأمل، وليس للطواف أدعية مخصوصة بكل شوط، ومن أخطاء الحجاج أنهم يصطحبون معهم حال الطواف أدعية مكتوبة قد لا يفقهون معناها، بل ولا يحسنون نطقها، ولو أنهم دعوا بما عرفوا ويفقهون لكان أولى لهم وأحرى باستجابة دعائهم، فإذا وصل إلى الركن اليماني استلمه من غير تقبيل إن تيسر، ويقول بين الركنين. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، وكلما مر بالحجر الأسود كبّر مرةً واحدة، وأشار إليه بيده اليمنى إن لم يتيسر تقبيله ولا استلامه. وهنا خطأ يقع فيه كثير من الحجاج وهم يقبِّلون أو يستلمون أو يتمسحون بجوانب من البيت أو المقام، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ولا يستلم من الأركان إلا الركنين اليمانيين دون الشاميين فإن النبي ﷺ استلمهما خاصة لأنهما على قواعد إبراهيم، والآخرين هما في داخل البيت .. وأما سائر جوانب البيت ومقام إبراهيم، وسائر ما في الأرض من المساجد وحيطانها، ومقابر الأنبياء والصالحين كحجرة نبينا ﷺ ، ومغارة إبراهيم .. وصخرة بيت المقدس فلا تستلم ولا تقبل باتفاق الأئمة (١). ويستحب في طواف القدوم الاضطباع والرمل، والاضطباع أن يجعل وسط ردائه تحت إبطه الأيمن وطرفه على عاتقه الأيسر، فيكون المنكب الأيمن،

стр. 640

مكشوفًا إظهارًا للجلادة في مقام العبادة، ويظن البعض أن الاضطباع من حين يحرم إلى أن يخلع ثياب الإحرام، وإنما محله الطواف فقط، قال ابن عابدين: (والمسنون الاضطباع قبيل الطواف إلى انتهائه لا غير) (١). أما الرمل فهو إسراع المشي مع تقارب الخطا من غير وثب، وهو في الأشواط الثلاثة الأولى فقط إن تيسر، فإذا فرغ من الطواف سوى رداءه وصلى ركعتي الطواف خلف المقام، أو في أي مكان من البيت إن لم يتيسر، يقرأ في الأولى (الكافرون) وفي الثانية (قل هو الله أحد) ثم يذهب إلى الصفا والمروة ليسعى بينهما مبتدئًا بما بدأ به (الصفا) ويرقى عليه، ويستقبل القبلة ويوحد الله ويكبره ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيءٍ قدير، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده- يكرر هذا ثلاث مرات، ويدعو بين ذلك رافعًا يديه- كما ثبت ذلك من حديث جابر ﵁ في صحيح مسلم رقم (١٢١٨). وهذا الذكر والدعاء قلَّ من يتمسك به مع ثبوته، ثم يسعى إلى المروة، ويسرع بين العلمين الأخضرين، ويدعو ويذكر الله بما شاء، أو يتلو القرآن، ومن الأدعية الثابتة في السعي، عن ابن عمر وابن عباس ﵄: (رب اغفر وارحم إنك أنت الأعز الأكرم) (٢). وعلى الحاج أن يتذكر بشكل عام عظمة هذه المشاعر وهو يؤديها، فلا يتحرك جسمه، وقلبه سارح عن الهدف والحكمة منها، وفي السعي مثلاً، قال أهل العلم في حكمته: ١ - أن يشعر الساعي بأن حاجته إلى الله وفقره إلى خالقه كحاجة وفقر أم إسماعيل ﵇ في ذلك الوقت الضيق والكرب العظيم.

стр. 641

٢ - وليتذكر أن من كان يطيع الله كإبراهيم ﵇، لا يضيعه، ولا يخيب دعاءه، وهذه حكمة بالغة ظاهرة دلَّ عليها حديث صحيح- كما قال الشنقيطي ﵀ (١) - أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ (٢).

стр. 642

الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين أحمده تعالى وأشكره وأثني عليه الخير كله، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. إخوة الإيمان .. فإذا كان يوم التروية وهو اليوم الثامن، أحرَم من لم يكن مُحرِمًا بالحج، فإذا كان فجر التاسع تحرك الحجاج إلى عرفات (والحج عرفة) كما قال النبي ﷺ ، والوقوف بها يبدأ من زوال الشمس إلى تحقق الغروب، وينبغي التأكد من الوقوف بعرفة فإن بطن عرنة ليست من الموقف، ولا يجوز للحاج أن ينصرف إلا بعد تحقق الغروب وينبغي استشعار عظمة هذا اليوم واستثماره بالذكر والدعاء وتلاوة القرآن مع حضور القلب وخشوعه، فما رُئِي الشيطان أحقر ولا أذل منه في يوم عرفة، إلا ما رؤيَ في يوم بدر، ويخطئ بعض الحجاج في عدم استثمار هذا اليوم وإضاعته بكثرة الأحاديث التي لا قيمة لها، أو غيرها أولى منها، ويخطئ آخرون بإضاعة وقتهم في صعود جبل الرحمة فهو لا أصل له ولا فضيلة فيه، قال الشنقيطي: وما قاله الطبري والماوردي في استحباب ذلك لا يعول عليه (١). قال ﵊ مبينًا قيمة الدعاء في هذا اليوم: «خير الدعاء دعاء عرفة وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» (٢).

стр. 643

فإذا تحقق الغروب سار الحجاج إلى مزدلفة ملبين بسكنية ووقار، فإذا وصلوا مزدلفة صلوا بها المغرب والعشاء جمعًا وقصرًا ثم يبيتون بها، حتى إذا أصبحوا صلوا الفجر في أول وقتها- كما جاء عن النبي محمد ﷺ ثم يستقبلون القبلة يذكرون الله تعالى ويدعونه حتى يسفروا جدًا، ثم يدفعون إلى مِنى قبل طلوع الشمس ملبين وعليهم السكينة، والمبيت بمزدلفة واجب لا ينبغي التساهل فيه، وقد أذن النبي ﷺ للضعفاء أو أصحاب الأعذار بالدفع منها بعد مغيب القمر. فإذا وصل الحجاج إلى منى رَمَوا جمرة العقبة- وهي أقرب الجمرات إلى مكة- بسبع حصيات ولا يرمون غيرها في هذا اليوم، أما اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر لمن تأخر فيرمي الجمرات الثلاث مبتدئًا بالصغرى ثم الوسطى ثم العقبة، وهنا عدة أمور يحسن التنبيه عليها في الرمي: ١ - أن الرمي كغيره من أعمال الحج لإقامة ذكر الله- كما ورد في الحديث- وهذه حكمة عامة، وهناك حكمة خاصة ألا وهي تذكر موقف إبراهيم ﵇ حين أتى المناسك فاعترض له الشيطان في جمرة العقبة فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثانية فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له في الجمرة الثالثة فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، قال ابن عباس ﵄: (الشيطان ترجمون وملة أبيكم تتبعون). فالاقتداء بأبينا إبراهيم ﵇ مطلب، واستشعار عداوة الشيطان مطلب، كذلك الرمي بالحجارة من أكبر مظاهر العداوة (١). ٢ - من السنة بعد رمي الجمرة الأولى والثانية التوقف بعدهما بالدعاء، فتلك

стр. 644

من السنن المهملة عند كثير من الحجاج، أما جمرة العقبة فلا دعاء عندها لا يوم النحر ولا أيام التشريق. ٣ - ينبغي أن يتأكد الرامي من وقوع الحصى في المرمى، وموضع الرمي مجتمع الحصى لا ما سال منه ولا الشاخص، يخطئ من الحجاج من يرمي من بُعد وقد تقع في المرمى وقد لا تقع، ويظهر آخرون أصواتًا عند الرمي لم تَرِد، ويستخدم البعض النعال عند الضرب، وكل هذا جهل. ٤ - ومن أشد الأخطاء التي تمارس حال الرمي إظهار القوة واستخدام العنف مع المسلمين مما يتسبب في مضايقة المسلمين وربما أدى إنما هلاكهم فليتق الله الحجاج وليرفقوا بأنفسهم وإخوانهم المسلمين. ٥ - ويتسامح بعض الحجاج في التوكيل بالرمي ولو لم يكن هناك حاجة، والأدهى والأمر أن بعضهم يوكل ويسافر عائدًا إلى بلده، والأولى عدم التوكيل إلا لحاجة شرعية. ٦ - ويجوز تأخير الرمي في اليوم الحادي عشر إلى اليوم الثاني عشر أو الثالث عشر لأن أيام التشريق كلها وقت للرمي، فيرمي عن الحادي عشر ثم يرجع ويبدأ الرمي عن اليوم الثاني عشر، وهذا أولى من التوكيل. كما يجوز الرمي ليلاً قال النووي: (الرمي في الليل فيه وجهان أصحهما الجواز) (١). وبعد رمي جمرة العقبة ينحر المتمتع والقارن هديه- وكل أيام التشريق وقت للهدي- لكن هنا ينبغي التنبيه لكون النحر في الحرم، فمن ذبح هديه خارج

стр. 645

حدود الحرم في عرفة أو غيره من الحل لم يجزئه على المشهور (١). وينتبه للسِّن المشروعة في الهدي، ويأكل ويهدي ويتصدق منها ثم يحلق رأسه أو يقصر والحلق أفضل، فإذا أتم الحجاج رمي الجمار في اليوم الثاني عشر لمن تعجل، وفي اليوم الثالث عشر لمن تأخر، وعلى من أراد التعجل أن يخرج قبل غروب الشمس، عادوا إلى البيت ليطوفوا طواف الوداع لمن طاف للحج وسعى، ومن أخَّر طواف الإفاضة- وهو طواف الحج- فطافه عند الخروج أجزأ عن الوداع، لكن ينويه للحج لأنه ركن، وطواف الوداع يدخل ضمنه. وعلى الحاج أن يسال الله ويبتهل إليه دائما بالدعاء وطلب القبول، ومغفرة الذنوب .. فتلك مواطن تُسْكَبُ فيها العبَرات، وتُسْتجاب فيها الدعوات، ويُكفِّر الله بها السيئات. وعلى الحاج، كذلك، أن يتعرَف على إخوانه المسلمين، ويعاون المحتاج منهم، ويعلم الجاهل، فالحج فرصةٌ لتعارف المسلمين، وتآلفهم، وتعاونهم على البر والتقوى. وإطعام الطعام من بر الحج، وإهداء الأشرطة أو الكُتيِّبات النافعة من سبيل الدعوة إلى الله. أيها المسلمون جميعًا، وستظلكم هذه الأيام أيام فاضلة عند الله، ألا وهي عَشر ذي الحجة، أقسم الله بها في كتابه فقال: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ (٢)، وأخبر النبي ﷺ عن فضلها بقوله: «مَا مِن أيامٍ، العمل الصالح فيهن أحبُّ إلى الله منه في هذه الأيام العشر، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا

стр. 646

الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء» (١). فاغتنموا هذه الأيام- رحمكم الله- بأنواع الطاعات، ولا تكن الأيام عندكم سواء، واسألوا الله التوبة والمغفرة والقبول، وألحوا على الله بإصلاح أحوال المسلمين، ونصرة هذا الدين فإن الله سميع مجيب. واعلموا- رحمكم الله- أنه يجب على من أراد أن يضحي أن يُمسك عن الأخذ من شعره وظفره وبشرته، كما أخبر النبي ﷺ ، ويُخطئ بعض المضحين، ولاسيما النساء، حين يوكَل قريبًا له في أُضحيته حتى يأخذ أو تأخذ هي من شعرها وهذا غير صحيح، فالحكم متعلقٌ بالمضحي، سواء وكَّل غيره أم لا، والذي يظهر، كما قال أهل العلم، أن هذا الحكم يخص صاحبَ الأضحية، ولا يعم الزوجة ولا الأولاد إذا أراد أن يشركهم في الثواب، إلا إن كان لأحدهم أضحية تخصه (٢). اللهم هيئ للمسلمين حجهم، ويسر للمسلمين عباداتهم .. وتقبلها منهم إنك سميع الدعاء.

стр. 647

بين هَمي الدنيا والآخرة الخطبة الأولى: الحمد لله رب العالمين أغنى وأقنى، وأهلك عادًا الأولى وثمود فما أبقى وأشهد أن لا إله إلا الله له الآخرة والأولى، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله كان عيشه وأهل بيته كفافًا، وما شبعوا ثلاثًا تباعًا من خبز البر حتى فارقوا الدنيا .. اللهم صل وسلم عليه وعلى إخوانه من الأنبياء، وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد فاتقوا الله معاشر المسلمين فتلك وصية الله للأولين والآخرين: ﴿وَللَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (١)، إخوة الإسلام، وهناك حقيقة يشهد بها الواقع ويجليها المصطفى ﷺ فيقول: «من كانت الآخرة همَّه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همَّه جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدم له» (٢). وبنظرة متأملة في كلمات هذا الحديث الشريف يتبين أولاً أن الغنى ليس عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفوس، كما أخبر بذلك المصطفى ﷺ في حديث آخر.

стр. 648

ويشهد الواقع أن عددًا من الناس يملكون القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والخيل المسومة، والأنعام والحرث، ومع ذلك يعيشون النكد في حياتهم ولا يشعرون بلذة المال، ولا راحة البدن، كدحًا وتفكيرًا، وهمومًا، ومشاجرة وخصومة، ومنعًا وحرمانًا للفقراء والمساكين، والأصحاب الأقربين. ويهدي الحديث ثانيًا أن الآخرة هي الأصل في تفكير الإنسان، وهي التي تستحق أن تبذل لها الأوقات، ويتنافس فيها المتنافسون، وهي التي ينبغي أن تستحوذ على تفكير الإنسان، وفيها ينبغي أن تكون همومه وآماله وأمانيه. وفوقها ما في التفكير في الآخرة من جمع الشمل، وإراحة الفكر، وغنى النفس، فليس يفوت على الإنسان بسبب الانشغال بها ما كتب الله له من نصيبه في الحياة الدنيا. وفي مقابل ذلك فإن كثرة التفكير في الدنيا لا يدعو إلى الغنى ولا يسلم صاحبها من تشتت الشمل، بل هو طريق إلى الفقر، إذ ليس يأتي للمرء من الدنيا إلا ما قدر الله له وقضى. وعلينا- إخوة الإسلام- ونحن نعي هذا الحديث جيدًا أن نعي معه الحديث الآخر الذي قال فيه النبي ﷺ : «إن لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال» (١). والله تعالى يمتحن الناس بهذا المال، كما يمتحنهم بالأزواج والأولاد، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٢).

стр. 649

فمن الناس من يتخذ المال وسيلة للكبر والبطر، أو الشح والبخل، أو للغفلة عن ذكر الله والطغيان على العبودية لله رب العالمين، قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ (١). ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (٢). ومن الناس من يسعده المال، ويسعد هو بالمال، فهو يعرف لله فيه حقًا، ينفق منه ذات اليمين، وذات الشمال، يأخذه من حله، ويصرفه في مصارفه الشرعية، لا يلهيه عن ذكر الله، ولا يطغيه أو يدعوه لازدراء خلق الله، أولئك في أموالهم حق للسائل والمحروم، وأولئك من أهل الإيمان والتقى كما قال ﵎: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٣). إخوة الإيمان، وليس يخفى أنَّ أودية الدنيا سحيقة، وشعابها كثيرة متفرقة، والخلاص من فتنتها والسمو عن زخرفها والنجاة من غرورها يحتاج إلى مجاهدة للنفس، واستعانة بالعلي الأعلى، فحب الدنيا مغروس في النفوس. ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ (٤). وكلما زاد المال أو تقدم بالإنسان السن زاد ولعه وتعلقه بالدنيا، وصدق المصطفى ﷺ وهو يقول: «يهرم ابن آدم ويشب منه اثنتان: الحرص على العمر، والحرص على المال» (٥).

стр. 650

عباد الله وإذا كانت تلك حقائق يشهد الواقع بها ويؤكدها القرآن والسنة، فما سبيل الخلاص من فتنة الدنيا المهلكة؟ إن أول طريق للخلاص هو التفكير المستمر في الآخرة، وإعطاؤها ما تستحق من الجهد والوقت والتفكير، ففي القلب استعداد للانصراف للآخرة، كما فيه استعداد للانصراف للدنيا، وحين تزاحم إحداهما الأخرى، فسيكون نصيب المغلوب ضئيلاً، سواء كان ذلك للآخرة أم الدنيا، وليختر العاقل ما شاء بين متاع الغرور وبين النعيم الدائم والحبور. وثمة أمر آخر يعين على الخلاص من فتنة الدنيا، ألا وهو القناعة بما رزق الله والكفاف بالعيش، وفي الحديث الصحيح: «طوبى لمن هُدي للإسلام، وكان عيشه كفافًا وقنع» (١). والإسلام يصحح المفهوم الخاطئ في الغنى، ويعتبر الأمن، والعافية والقوت القليل تعدل الدنيا بأسرها، فعن عبيد الله بن محصن الخطمي ﵁، قال، قال رسول الله ﷺ : «من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا» (٢). ذلك يعدل النظرة السائدة .. ويطامن من كبرياء النفوس نحو التعلق بالمال، وجمع الحطام، ويدعو إلى القناعة والرضى والعفاف والغنى بالمال، بل هو سبيل إلى عدم التشاغل والتلهي الزائد بالدنيا، كما قال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ (٣).

стр. 651

عن عبد الله بن الشخير ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وهو يقرأ: (ألهكم التكاثر) قال: «يقوله ابن آدم: مالي مالي! وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت» (١). أيها المسلمون، ومما يعين على الخلاص من فتنة المال، أن يعلم الناس أن المسكنة ليست عيبًا، فهذا صفوة الخلق ﷺ كان يدعو ويقول: «اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة» (٢). ويسري عن الفقراء، وهو يخبر، أنهم يدخلون الجنة قبل الأغنياء فيقول: «يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، وهو خمسمائة عالم» (٣). وفي رواية: «يدخل فقراء المسلمين قبل أغنيائهم بأربعين خريفا» (٤). إخوة الإيمان، وتأملوا هذا العلاج النبوي للخلاص من هموم الدنيا، يصفه النبي ﷺ لكل علاج ويقول: «من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالله، فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل» (٥). إنه التوكل الحق على الله، والاستغناء به وحده عما سواه، وسؤال الله وحده والالتجاء إليه لكشوف الكربة، وإزالة الغمة، والله هو الغني الحميد، وهو أكرم الأكرمين، ومن رفع يديه إليه سائلاً لا يمكن أن تعود إليه صفر اليدين، إنها دعوة للتعفف عما في أيدي الناس، وهي تحذير عن المسألة، إلا في الحدود المأذون

стр. 652

بها شرعًا، فأين الواثقون بالله يسد فاقتهم، وأين المستعينون بالله وحده يقضي حوائجهم؟ ! أيها المسلمون، وفضل الله واسع، ورحمته تنال في الدنيا والآخرة لمن وفقه الله، وهمة المرير ينبغي ألا تكون قصرًا على الدنيا. فالله تعالى يقوله: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ (١). والمعنى: يا من ليس همه إلا الدنيا، اعلم أن عند الله ثواب الدنيا والآخرة، وإذا سألته من هذه أعطاك، وأغناك، وأقناك، كما قال تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ (٢٠٠) وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٢). قال ابن كثير: وزعم ابن جرير أن المعنى في قوله: (من كان يريد ثواب الدنيا) أي من المنافقين الذين أظهروا الإيمان لذلك (فعند الله ثواب الدنيا) أي ما حصل لهم من المغانم وغيرها مع المسلمين، وقوله (والآخرة) أي وعند الله ثواب الآخرة، وهو ما ادخره لهم من العقوبة في نار جهنم. قال ابن كثير: ولا شك أن هذه الآية معناها ظاهر، وأما تفسير الآية الأولى بهذا ففيه نظر، فإن قوله: (فعند الله ثواب الدنيا والآخرة) ظاهر في حضور الخير في الدنيا والآخرة .. فلا يقتصرن قاصر الهمة على السعي للدنيا فقط، بل لتكن همته سامية إلى نيل المطالب العالية في الدنيا والآخرة (٣) ...

стр. 653

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (١). نفعني الله وإياكم بهدي كتابه ..

стр. 654

الخطبة الثانية الحمد لله رب العالين، أحمده تعالى على مزيد نعمه، وعظيم إحسانه. وأشكره وأسأله المزيد من فضله، وأشهد أن لا إله إلا الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه .. اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى الآل والأصحاب أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلي يوم الدين. أيها الإخوة المؤمنون، أيتها الأخوات الآمنات، وإذا أردتم أن تزدادوا معرفةً بقيمة الدنيا وحقارتها وهوانها، وعظيم قدر الآخرة، واستحقاقها للسعي وبذل الجهد، فتأملوا في عيش خيار الخلق، وصفوة الأمة وخير القرون. فهذا رسول الله ﷺ كما تقول عائشة ﵂ (ما شبع من خبز شعيرٍ يومين متتابعين حتى قبض) (١). ويقول ابن عباس ﵄: وكان رسول الله ﷺ يبيت الليالي المتتابعة طاويًا، وأهله لا يجدون عشاءً، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير) (٢). وسئل سهل بن سعد ﵁: أكل رسول الله ﷺ النقي؟ يعني الحواري، فقال سهل: ما رأى رسول الله صلى الله عله وسلم النقي حتى لقي الله، فقيل له: هل كانت لكم مناخل؟ قال: ما كانت لنا مناخل، قيل: كيف تصنعون بالشعير؟ قال: كنا ننفخه فيطير منه ما طار ثم نثريه فنعجنه) (٣).

стр. 655

والخبز الحواري: هو الذي نخل مرة بعد أخرى (١). وليس يخفى أنه ﵊ ربما ربط على بطنه الحجر والحجرين من الجوع، وهو الذي لو شاء وسأل الله أن تتحول له الجبال ذهبًا لأجابه .. ولكنه عرف قدر الدنيا وآثر عليها الآخرة .. وكذلك كان أصحابه رضوان الله تعالى عليهم، واسمعوا إلى واحد من خيارهم يشخص حالته ونفرًا من أصحابه فيقول سعد بن أبي وقاص ﵁: إني لأول رجل أهراق دمًا في سبيل الله، وإني لأول رجلٍ رمى بسهم في سبيل الله، ولقد رأيتني أغزو في العصابة من أصحاب محمد ﷺ ، ما نأكل إلا ورق الشجر، والحبلة حتى إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة والبعير (٢) .. وعن فضالة بن عبيد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى بالناس يخرُّ رجال من قامتهم في الصلاة من الخصاصة، وهم أصحاب الصفة، حتى تقول الأعراب: هؤلاء مجانين أو مجانون، فإذا صلى رسول الله ﷺ انصرف إليهم فقال: «ولو تعلمون ما لكم عند الله لأحببتم أن تزدادوا فاقةً وحاجةً» قال فضالة: وأنا يومئذ مع رسول الله ﷺ (٣). أما أبو هريرة ﵁ فَيُحدِّث عن نفسه ويقول: وقد رؤي عليه ثوبان ممشقان من كتان فمخط في إحداهما ثم قال: بخ بخ يمتخط أبو هريرة في الكتان؟ لقد رأيتني وإني لأخر فيما بين منبر رسول الله ﷺ وحجرة عائشة من الجوع مغشيًا عليَّ، فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي يرى أن بي الجنون، وما بي

стр. 656

الجنون، وما هو إلا الجوع (١). إخوة الإيمان وما ضرَّ هؤلاء حالهم، ولا انتقص الفقر من أقدارهم، وإذا كُنتُ أسلفتُ أن هناك أغنياء تضيق عليهم الدنيا مع سعتها، ولا تذهب الوحشةَ عنهم أموالُهم رغم كثرتا، فيشهد الواقع أن ثمة طائفة أخرى يعيشون السعادة بكل معانيها، ويحسون بالأمن والطمأنينة بكل ألوانها وليسوا يملكون من الدنيا إلا ما به عن الخلق يستغنون، ولا من العيش إلا ما به يقتاتون .. لكنهم يملكون رصيدًا من الإيمان بالله به يهتدون، ويملكون الرضا والقناعة والزهد في الدنيا وبهذا وذاك يستغنون، وهؤلاء وأولئك يؤكدون قول المصطفى ﷺ : «من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له» كما سبق الحديث-. وبعد أيها المسلمون، فهذه الدنيا وقدرها، وتلك نماذج من فهم العارفين بها .. أتستحق الاهتمام إلى درجة ينسى فيها المرء الواجبات المتحتمات، أو يتهاون في سبيلها بالكبائر والمحرمات؟ ألا ما بال أقوام يستهينون في جمعها مما حلَّ أو حرَّم، فلا ينتهون عن الربا، ولا يتورعون عن الغش في البيع والشراء، ولا يبالون بالكذب والخداع، وربما فهموها نوعًا من الشطارة في الأخذ والعطاء. وما بال أقوام يستغلون الفرص فيرفعون الأسعار، ويزيدون في السلع دون مبرر لهذا أو ذاك، أو ما علم أولئك أن القليل من الحلال يبارك الله فيه، وأن

стр. 657

الكثير من الحرام يمحقه الله؟ وهل غاب عنهم أن المتضرر إخوانهم، وأنهم يضيفون إلى همومهم همومًا أخرى كان حريًا بإخوانهم أن ينفسوا عنهم وأن يعينوهم، بدل إلحَاق الحيف بهم ومزيد تعنيتهم، ألا فاتقوا الله عباد الله وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، وتراحموا فالراحمون يرحمهم الله. أيها المسلمون، وإذا كان هذا طرفًا من الحديث عن الفقراء الشاكرين، ومن عوامل الزهد والقناعة في الدنيا دون الدين .... فثمة حديث آخر عن الأغنياء الشاكرين، وعن الموسرين الباذلين، أرجئ الحديث عنه لخطبة لاحقة بإذن الله.

стр. 658

الصلاة- بعض فضائلها وأحكامها (١) الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ... أما بعد فحديثي إليكم اليوم معاشر المسلمين عن شعيرة عظمى من شعائر هذا الدين، وركن أساسي من أركان الإسلام، بهذه الشعيرة يحكم على المرء من خلالها بالإسلام أو يوصف بالكفر والنفاق، شعيرة طالما فرط فيها المسلمون .. وطالما أوصى بها النبي الكريم حتى قال وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة «الصلاة وما ملكت أيمانكم، الصلاة وما ملكت أيمانكم» (٢). هذه الشعيرة التي يجب أن تستنهض همم المسلمين للقيام بها كما أمر الله، ويجب أن يتآزر المسلمون على حفاظ المجتمع المسلم بأسره على آدائها، يستوي في ذلك الذكران والإناث، والصغار والكبار، ويفترق الرجال على النساء في حضور صلاة الجماعة، والأمة إذا لم تستطيع القيام بهذا الواجب فأنى لها أن تتطلع إلى تحقيق أهدافها، أو تعد نفسها بالنصر على أعدائها، أو التمكين في الأرض؟ فالمرء الذي لا يستطيع أن يتغلب على شهوته، أو يتخلص من محبوبات نفسه من أكل أو شرب أو نوم أو عمل أو ما شاكل ذلك ليقطعه إذا نودي للصلاة، غير جدير بأن يتغلب عليها إذا ما ادلهمت الخطوب، وحزبت الأمور، واحتاجت إلى الرجال الأشداء الأقوياء لا في أجسادهم فحسب، بل في هممهم وعزائمهم، وهذه هي القوة الحقيقة.

стр. 659

أمة الإسلام يا من أفاء الله عليهم بالنعم ... أليس من حق المنعم عليكم أن تشكروه؟ والشكر ليس مجرد كلمات تقال باللسان، بل هو مع ذلك سلوك تصدقه الجوارح، لقد كان أسلافكم فيما مضى في شظف من العيش، وقلة من الدنيا، ومع ذلك كان للصلاة عندهم قدر ومكان ... أفهكذا يكون الشكر؟ أم هكذا يقابل الإحسان؟ وعلى الذين يظنون أن الصلاة ربما عاقتهم عن الرزق والكسب المباح أن يعلموا أن الصلاة سبب للرزق وزيادة في الفضل وقد ورد القرآن الكريم عدة آيات تعد الذين يقيمون الصلاة بالرزق وزيادة الفضل، يقول تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (١). أرأيتم كيف قرن الله بين من لا تلهيهم التجارة ولا البيع عن ذكر الله وعن الصلاة، وبلين الرزق وزيادة الفضل؟ وحتى لا يرد في النفس تساؤل ومن أين يأتي الرزق لمن هو عاكف أو مقيم في المسجد، قال تعالى في نهاية الآية: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٢). ثم تأمل أخي الكريم هذه الآية الأخرى التي تؤكد هذا المعنى وتضمن للمقبلين رزقهم، بل توفيهم وتزيدهم، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (٣).

стр. 660

ثم قف مع نفسك وقفة صادقة، أساسها الثقة بما كتب الله، وميزانها الطاعة والاستسلام لأمر الله، وليكن ذلك شأنك مع نفسك وأهلك، وأنت تسمع إلى وصية الله لنبيه ﷺ حين أمره بالصلاة وتكفل له بالرزق: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ (١). أخا الإيمان، نحن لا ننتقدك في طلب الرزق، ولا نفترض أنك ملك كريم لا هم لك إلا الذكر والصلاة، بل من الطبيعي أن تفكر في أمور العيش لك ولمن تعول، ولقد قال من كان قبلك ممن هو أفضل منك كذلك، حتى إذا ما خرج بعض صحابة رسول الله ﷺ من المسجد يوم الجمعة والرسول- ﷺ يخطب لعلمهم بتجارة قدمت، جاءهم التوجيه الإلهي ليلفت نظرهم إلى أن ما عند الله خير وأبقى، وليؤكد لهم أنه تعالى خير الرازقين: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (٢). وهو توجيه قرآني تأدب به الصحابة والتزموا به فيما بعد، وعقلوه وحري بك أن تلتزم به، وأن ترعاه وتعقله. أما الذين يفِرُّون من النفاق والمنافقين، ويرغبون لأنفسهم البعد عن صفاتهم وسماتهم لقبح النفاق، وخسة المنافقين، فعليهم أن يعلموا أن التكاسل عن الصلاة من سمات المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاَةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (٣) وإذا كنت في مقابل ذلك تبحث عن الإيمان فالصلاة من صفات المؤمنين: ﴿قَدْ أَفْلَحَ

стр. 661

الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (١) وفي سورة (البقرة) يصف الله المتقين بقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (٣) والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢). أخا الإسلام، وإذا ما ضايَقَتْك سيئاتُك يومًا من الدهر، أو آلمك وخز ضميرك المؤنب لثقل الخطايا، فتذكر أن الصلاة وسيلة لتكفير الخطايا والسيئات، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (٣). أتدري- أخي في الله- سبب نزول هذه الآية؟ لقد روى البخاري ومسلم في سبب نزول هذه الآية: أن رجلاً من أصحاب الرسول ﷺ أحبَّ امرأة فقبَّلها قبلةً، فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له فأنزلت عليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (٤) قال الرجل ألي هذه؟ فأجاب المصطفى ﷺ : بل لمن عمل بها من أمتي (٥). ألا ما أعظم عفو الله! وما أجمل هذه الصلاة! بل إن الصلاة تمنع صاحبها، ابتداءً، من ارتكاب الفواحش والآثام ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ (٦) والواقع يقول إن المحافظين على

стр. 662

الصلوات أقل وأسلم من غيرهم، وأقرب إلى الخير وأبعد عن الشر، والقرآن الكريم يصدق هذا كله ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (٢١) إِلاَّ الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ (١). أيها المسلم، أنت محتاج إلى إعانة الله وتوفيقه إياك في كل لحظة، وفي كل عمل، وفي أي زمان أو مكان، أليس كذلك؟ إذا لم يكن عون من الله للفتى، فأول ما يجني عليه اجتهاده، وإذا كان ذلك كذلك فلا تنس أن في الصلاة عونًا ومساعدة، واستمع إلى خالقك حين يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٢). وقد فقه ذلك خير البرية ﵊ فكان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، واقتفى أثره من بعده صحابته الكرام، فكانت الصلاة ملاذهم عند الشدائد والمحن، ومستراحهم في عتمات الليل والناس هجع، أو في ضحى النهار والناس في هلع، أو عند الصائب والناس شأنهم الجزع. وقد روي أن ابن عباس، ﵄، كان في مسيرة فنعي إليه ابن له فنزل، فصلى ركعتين، ثم استرجع، وقال: فعلنا كما أمرنا الله ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ﴾ (٣). وهكذا كان خيار الأمة من بعدهم وإلى زماننا هذا، وأنت أحيانًا تسمع عن عالم من العلماء أو داعية من الدعاة، أو مجاهد من المجاهدين تسمع عن هؤلاء أنهم يقومون بأعمال تعجب لقيامهم بها لكثرتها وثقلها على النفس، لكن عجبك يزول حينما تعلم حرص هؤلاء على الصلاة التي اتخذوها وسيلة لمناجاة ربهم

стр. 663

والخلوة بخالقهم وسؤاله الإعانة والتسديد ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ (١) بل فوق ذلك تحس أن نفوسهم راضية أو أن حاجاتهم مقضية، وهم في رضا، والناس إليهم مسرعون، وفي مقابل هؤلاء ربما أبصرت شخصًا لا تكاليف عنده، ولا هموم للأمة تطارده، ولا أعمال عظمى تطلب منه، ومع ذلك كله تراه مقصرًا في الواجبات متهاونًا في الطاعات، يستثقل الخفيف الهين ويستصعب السهل اللين، وهو في وحشة مع نفسه، والناس منه في جفوة، فإذا ما فتَّشت عن سيرة هذا الصنف وجدت رصيده من الصلاة ضحلاً ... ومن العبادة بشكل عام نزرًا ... ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾ (٢) ... فتنبهوا معاشر المسلمين لقيمة الصلاة وأهميتها، والبدار البدار إلى تأديتها كما أمر الله، دون كسل أو تهاون أو تفريط. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ (٣).

стр. 664

الخطبة الثانية الحمد الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، وأشهد ألا إله إلا الله وحده، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه .... إخوة الإسلام، وبعهد الصلاة أخاطبكم بالإسلام، والمصطفى ﷺ يقول: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» (١). فإذا كنت لا ترضى، أخا الإسلام، أن يصفك واصف بغير الإسلام فكيف ترضى لنفسك أن تصلي أحيانًا وتدع الصلاة أحيانًا أخرى؟ وكأن القضية قضية مزاج، بل كيف يسوغ لك أن تصليها أحيانًا في وقتها ثم يشهد الله عليك مرات وكرات أنك أخرتها عن وقتها أو تهاونت في أدائها وربما جمعت بين صلاة والتي تليها دونما عذر يخولك لهذا؟ أخي في الله، أرأيت إن كنت موظفًا أو عاملاً في أي نوع من الأعمال، أتراك ترضى لنفسك أن تذهب يومًا وتدع الذهاب يومًا آخر أو تجتهد في عملك صباحًا، ثم تفرط فيه وقت المساء؟ وحتى لو رضيت لنفسك هذا المسلك ولا أخالك كذلك، فهل ترى هذا الصنيع مرضيًا لمسؤولك أو حتى للمجتمع من حولك. أخي في الله، تفطن أن الناس ربما غفلوا عنك أحيانًا، وربما خفيت عليهم منك بعض هفواتك، لكن خالقك لا تخفى عليه منك خافية، فلا تتخذ من ستره عليك في هذه الحياة فرصة للتمرد والفسوق والعصيان، فليس ذلك من شأن

стр. 665

الكرماء، ولا من شيم الأباة العظماء، وكن دائمًا وأبدأ على حذر، وبئس الرجل أنت إن لم تفق من غفلتك إلا عند سكرات الموت، وعند معاينتك لملك الموت يقبض روحك؟ أخا الإسلام، ليس هناك من البشر من هو معصوم من الخطأ إلا من عصم الله، ولكن هل علمت أن هذه الصلاة شبهت بالنهر الجاري عند بابك فإذا كنت تغتسل منه في اليوم خمس مرات فهل تراه يبقى على جسدك درن؟ ومهما كانت أخطاؤك، فإياك أن تتهاون في الصلاة فتهلك، فهي آخر ما تفقد من الدين، والذي فقد الصلاة فقط قبلها أمور الدين الأخرى، وليس له، إن لم يتب، عند الله من خلاق. أيها المسلم- وقد تكون من المتصدقين المحسنين، وقد تكون من ذوي الأخلاق الفاضلة والطباع الكريمة، وقد تكون بارًا بوالديك أو محسنًا لأقاربك وجيرانك، إلى غير ذلك من أعمال البر التي ترجو أجرها عند الله، لكن هل علمت أن قبول ذلك كله مرهون بالقيام بركن الصلاة- يقول الحبيب المصطفى ﷺ : «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله وإن فسدت فسد سائر عمله» (١). فهل تنبهت إلى هذا الأمر ووضعته نصب عينيك، وهل يقودك هذا الشعور إلى أن يتحسر فؤادك، وينقطع قلبك، حينما تسمع عن أخ لك مقصر في هذه الصلاة، فيقودك ذلك إلى تقديم النصح له بأسلوب طيب وعبارة ناصحة جميلة؟ . أيها المسلمون ... هناك داء قد استفحل، وظاهرة تحتاج إلى المساعدة في

стр. 666

الحل، إنها هجر المساجد، والتهاون بصلاة الجماعة، تلك التي رتب الله عليها من الفضل والأجر ما تعلمون، بل اشترطها كثير من العلماء لصحة الصلاة وقبولها، ولو كان واسعا أحدًا عذر لوسع النبي الرحيم بأمته ﷺ لذلك الشيخ الكفيف الذي يفصل بينه وبين المسجد واد كثير السباع والهوام .. ولكنه قال له في النهاية «أجب فإني لا أجد لك رخصة» فكيف بمن أفاء الله عليه ببيوت لا تكاد يفصلها عن المسجد إلا بضعة أمتار، والطرق معبدة، والهوام نافرة، والقوة جيدة، والقوى مكتملة؟ إنني أستثير في هؤلاء الرجال همم الرجال الأوفياء ... وأدعوهم إلى مراجعة حساباتهم مع خالقهم، وأذكرهم أن المسلمين لم يدَعُوا صلاة الجماعة وإن كانوا في منازلة الأعداء حيث شرع لهم صلاة الخوف بشكل جماعي ... فماذا يعني ذلك؟ أيها المسلمون لأي شيء عمرت المساجد؟ إذا ساغ لبعض المسلمين أن يفهموا أن بإمكانهم أن يصلوا في بيوتهم ... أهي للجمعة فحسب أم ترونها شيدت لتكون آثارا إسلامية يبصرها الناس؟ كلا كلا ... فالمساجد مكان للرحمة، وموضع للملائكة، وهي شاهدة للمسلم، أو شاهدة عليه بصدق الإسلام والمحافظة على الصلوات والاستجابة لنداء الرحمن. إخوة الإيمان، وإياكم والعزلة عن المسلمين، ففي اجتماع المسلمين الخبير كل الخير .... والذئب إنما يأكل القاصية من الغنم، والشيطان يفرح حينما يدع المسلم الصلاة بالكلية، فإن لم يستطع رضي له بالعزلة عن جماعة المسلمين في البداية ولا يزال يضعفه حتى ينسيه أو يراه يتكاسل في أدائها، واستمع إلى هذا التوجيه النبوي الكريم لتعلم قيمة صلاة الجماعة ... يقول ﷺ : «ما من ثلاثة في قرية ولا بدو ولا تُقَام فِيهمِ الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليكم

стр. 667

بالجماعة فإنما يأكل الذئب من القاصية» (١). أخي في الله، لا أراك مستغنيًا عن رحمة الله، وراغبًا في النار والنفاق فهل سمعت قول المصطفى ﷺ وهو يُرَغِّب في صلاة الجماعة، ويقول: «من صلى لله أربعين يومًا في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كُتِبَ له براءتان: براءة من النار، وبراءة كما النفاق» (٢). أخي في الله، الناس يبحثون عن الضمان وإن كان من البشر، أرأيت الضمان من الله؟ أليس أعز وأغلى؟ ثم إن كان ذلك حاصلاً بسبب خروجك لصلاة الجماعة أفلا يدعوك ذلك للخروج: قال ﵊: «ثلاثة في ضمان الله : رجل خرج إلى مسجد من مساجد الله ، ورجل غازيًا في سبيل الله تعالى، ورجل خرج حاجًا» (٣). أيها المسلمون، أناشدكم جميعًا بالتعاون على إقامة هذه الشعيرة ونصح المتخلفين عنها، وإياكم والشدة في القول أو الغلظة في الموعظة فما كان الرفق في شيء إلا زانه ... ومن يتق الله ليجعل له مخرجًاأ، ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه ... والله هو الغني وأنتم الفقراء، وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ... نفعني الله وإياكم بما نسمع، ورزقنا الإخلاص والتوبة النصوح ... هذا وصلوا ..

стр. 668

من أمراض القلوب (١) الخطبة الأولى الحمد لله رب العالمين مقلب القلوب والأبصار، ومكوِّر الليل على النهار، ومكوِّر النهار على الليل، وفي ذلك آياتٌ لأولي الألباب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلى وسلم عليه وعلى إخوانه وآله، وارض اللهم عن أصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أيها المسلمون، اتقوا الله، وراقبوه، وأصلحوا سرائركم يصلح الله علانيتكم، واهتموا بإصلاح وعلاج قلوبكم تستقم وتصلح لكم سائر جوارحكم. يقول المصطفى ﷺ : «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، إلا وهي القلب» (٢). إخوة الإسلام، ويهتم الناس، كل الناسِ، بعلاج أجسامهم، والحفاظ على سلامة جوارحهم، فتقام المستشفيات، وتزار العيادات، ويستشار الأطباء، ويختص الإخصائيون، كلٌّ بمعالجة جانبٍ من جوانب الجسم، ولا ضير في ذلك ولا جناح، بل كان من هدي المصطفى ﷺ وصف العلاج لذوي الحاجة من المرضى، ولكن الذي ينبغي التنبه له أنه ليس هناك عيادات معلنة لعلاج مرض القلب، وليس هناك مستشفيات تعنى بفساد القلب الذي نريد، ذلك أن

стр. 669

العلم المادي توصل إلى معالجة بعض ما يعتري القلب من آفات مادية، وأمراض حسية، أما معالجة القلب من أدوائه الحقيقية، وإصلاح القلب من أدغاله وعلله الباطنية، فذلك ما لا تستطيعه أيدي البشر، وإنما هو من صنع الرحمن، خالق القلوب، ومقلبها، والعالم بمنحنياتها، والخبير بسبل علاجها، وهذا ما يدعونا إلى الوقوف عند هذا الأمر مليًا قبل أن ينتشر فساد القلب فيحتاج إلى استئصال الجوارح كلها، وإذا كان الناس يفزعون لمرض السرطان لسرعة انتشاره وخطره، فليس أقل منه خطرًا مرضُ القلب أو موتُه. وإن كان ليس مدرجًا لكل الناس، أما صاحب القلب نفسه فهو يحس بالخطر، ويتأذى من المرض، لكن ربما لم يدرك حقيقة الأمر، أو لم يهتد بعد للعلاج النافع. وها نحن- أولاً- نعرف بشيءٍ من أمراض القلوب وأدوائها، ثم نعرض بعد حين- بإذن الله- إلى سبيل العلاج والأدوية النافعة للشفاء بإذن الله، والموفَّق من وفقه الله، فأصْغى سمعه، وقوم نفسه، فإن وجد خيرًا فليحمد لله، وإن وجد غير ذلك فلا تزال فرص الإصلاح ميسورة، وطرق الخير مشروعة. وقبل أن نعرض لهذا وذاك، لابد من القناعة بأهمية موقع القلب بالنسبة للإنسان وجوارحه، فهو- كما قيل- مَلِك الأعضاء، وبقيَة الأعضاء جنوده، وهم مع هذا جنود مطيعون له، منبعثون في طاعته وتنفيذ أوامره، لا يخالفونه في شيء من ذلك، فإن كان الملكُ صالحًا كانت هذه الجنود صالحة، وإن كان فاسدًا كانت جنوده بهذه المثابة فاسدةً، ولابد من العلم كذلك أنه لا ينفع عند الله إلا القلب السليم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (١).

стр. 670

ويروى أنه كان من دعاء النبي ﷺ قوله: «اللهم إني أسألك قلبًا سليمًا» والقلب السليم هو السالم من الآفات والمكروهات كلها، وهو القلب الذي ليس فيه سوى محبة الله وخشيته. وقد امتدح الله خليله إبراهيم، ﵇، بسلامة القلب فقال: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (١). وربط النبي ﷺ بين استقامة الإيمان، وصلاح القلب فقال ﵊ «لا يستقيمُ إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، ولا يدخل الجنة حتى يأمن جارُه بوائقه» وبوائق الجار غشه وظلمه (٢). ولهذا كان السلف- ﵏ ينصح بعضهم بعضًا بإصلاح القلب ومداواته، فقد قال الحسن- ﵀ لرجل: داو قلبك فإن حاجة الله إلى العباد صلاح قلوبهم، والمعنى: الإصلاح للقلوب حتى تستقر فيها معرفة الله وعظمته ومحبته وخشيته ومهابته، ورجاؤه والتوكل عليه، ويمتلئ من ذلك، وهذا هو حقيقة التوحيد، وهو معنى قول: لا إله إلا الله (٣). إخوة الإسلام، إذا عُلم هذا كله فليُعلَم أن أدواء القلب كثيرة، وأمراضه متنوعة، وعلله وأسقامه خفية، ومن أمراض القلب الغل والحقد والحسد، وهذه مواد فاسدة إذا أُصيب بها القلب حُجب عن النور والخير، وبات دائمًا تأكل هذه الأدواء الفاسدة قلبه، وتحجبه عن السمو والطهر، وهي أدواء غالبًا ما تنشأ من
следующие страницы →