الحل، إنها هجر المساجد، والتهاون بصلاة الجماعة، تلك التي رتب الله عليها من الفضل والأجر ما تعلمون، بل اشترطها كثير من العلماء لصحة الصلاة وقبولها، ولو كان واسعا أحدًا عذر لوسع النبي الرحيم بأمته ﷺ لذلك الشيخ الكفيف الذي يفصل بينه وبين المسجد واد كثير السباع والهوام .. ولكنه قال له في النهاية «أجب فإني لا أجد لك رخصة» فكيف بمن أفاء الله عليه ببيوت لا تكاد يفصلها عن المسجد إلا بضعة أمتار، والطرق معبدة، والهوام نافرة، والقوة جيدة، والقوى مكتملة؟ إنني أستثير في هؤلاء الرجال همم الرجال الأوفياء ... وأدعوهم إلى مراجعة حساباتهم مع خالقهم، وأذكرهم أن المسلمين لم يدَعُوا صلاة الجماعة وإن كانوا في منازلة الأعداء حيث شرع لهم صلاة الخوف بشكل جماعي ... فماذا يعني ذلك؟
أيها المسلمون لأي شيء عمرت المساجد؟ إذا ساغ لبعض المسلمين أن يفهموا أن بإمكانهم أن يصلوا في بيوتهم ... أهي للجمعة فحسب أم ترونها شيدت لتكون آثارا إسلامية يبصرها الناس؟ كلا كلا ... فالمساجد مكان للرحمة، وموضع للملائكة، وهي شاهدة للمسلم، أو شاهدة عليه بصدق الإسلام والمحافظة على الصلوات والاستجابة لنداء الرحمن.
إخوة الإيمان، وإياكم والعزلة عن المسلمين، ففي اجتماع المسلمين الخبير كل الخير .... والذئب إنما يأكل القاصية من الغنم، والشيطان يفرح حينما يدع المسلم الصلاة بالكلية، فإن لم يستطع رضي له بالعزلة عن جماعة المسلمين في البداية ولا يزال يضعفه حتى ينسيه أو يراه يتكاسل في أدائها، واستمع إلى هذا التوجيه النبوي الكريم لتعلم قيمة صلاة الجماعة ... يقول ﷺ : «ما من ثلاثة في قرية ولا بدو ولا تُقَام فِيهمِ الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليكم
стр. 667
بالجماعة فإنما يأكل الذئب من القاصية» (١).
أخي في الله، لا أراك مستغنيًا عن رحمة الله، وراغبًا في النار والنفاق فهل سمعت قول المصطفى ﷺ وهو يُرَغِّب في صلاة الجماعة، ويقول: «من صلى لله أربعين يومًا في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كُتِبَ له براءتان: براءة من النار، وبراءة كما النفاق» (٢).
أخي في الله، الناس يبحثون عن الضمان وإن كان من البشر، أرأيت الضمان من الله؟ أليس أعز وأغلى؟ ثم إن كان ذلك حاصلاً بسبب خروجك لصلاة الجماعة أفلا يدعوك ذلك للخروج: قال ﵊: «ثلاثة في ضمان الله : رجل خرج إلى مسجد من مساجد الله ، ورجل غازيًا في سبيل الله تعالى، ورجل خرج حاجًا» (٣).
أيها المسلمون، أناشدكم جميعًا بالتعاون على إقامة هذه الشعيرة ونصح المتخلفين عنها، وإياكم والشدة في القول أو الغلظة في الموعظة فما كان الرفق في شيء إلا زانه ... ومن يتق الله ليجعل له مخرجًاأ، ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه ... والله هو الغني وأنتم الفقراء، وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ... نفعني الله وإياكم بما نسمع، ورزقنا الإخلاص والتوبة النصوح ... هذا وصلوا ..
стр. 668
من أمراض القلوب (١)
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين مقلب القلوب والأبصار، ومكوِّر الليل على النهار، ومكوِّر النهار على الليل، وفي ذلك آياتٌ لأولي الألباب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلى وسلم عليه وعلى إخوانه وآله، وارض اللهم عن أصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أيها المسلمون، اتقوا الله، وراقبوه، وأصلحوا سرائركم يصلح الله علانيتكم، واهتموا بإصلاح وعلاج قلوبكم تستقم وتصلح لكم سائر جوارحكم.
يقول المصطفى ﷺ : «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، إلا وهي القلب» (٢).
إخوة الإسلام، ويهتم الناس، كل الناسِ، بعلاج أجسامهم، والحفاظ على سلامة جوارحهم، فتقام المستشفيات، وتزار العيادات، ويستشار الأطباء، ويختص الإخصائيون، كلٌّ بمعالجة جانبٍ من جوانب الجسم، ولا ضير في ذلك ولا جناح، بل كان من هدي المصطفى ﷺ وصف العلاج لذوي الحاجة من المرضى، ولكن الذي ينبغي التنبه له أنه ليس هناك عيادات معلنة لعلاج مرض القلب، وليس هناك مستشفيات تعنى بفساد القلب الذي نريد، ذلك أن
стр. 669
العلم المادي توصل إلى معالجة بعض ما يعتري القلب من آفات مادية، وأمراض حسية، أما معالجة القلب من أدوائه الحقيقية، وإصلاح القلب من أدغاله وعلله الباطنية، فذلك ما لا تستطيعه أيدي البشر، وإنما هو من صنع الرحمن، خالق القلوب، ومقلبها، والعالم بمنحنياتها، والخبير بسبل علاجها، وهذا ما يدعونا إلى الوقوف عند هذا الأمر مليًا قبل أن ينتشر فساد القلب فيحتاج إلى استئصال الجوارح كلها، وإذا كان الناس يفزعون لمرض السرطان لسرعة انتشاره وخطره، فليس أقل منه خطرًا مرضُ القلب أو موتُه. وإن كان ليس مدرجًا لكل الناس، أما صاحب القلب نفسه فهو يحس بالخطر، ويتأذى من المرض، لكن ربما لم يدرك حقيقة الأمر، أو لم يهتد بعد للعلاج النافع.
وها نحن- أولاً- نعرف بشيءٍ من أمراض القلوب وأدوائها، ثم نعرض بعد حين- بإذن الله- إلى سبيل العلاج والأدوية النافعة للشفاء بإذن الله، والموفَّق من وفقه الله، فأصْغى سمعه، وقوم نفسه، فإن وجد خيرًا فليحمد لله، وإن وجد غير ذلك فلا تزال فرص الإصلاح ميسورة، وطرق الخير مشروعة.
وقبل أن نعرض لهذا وذاك، لابد من القناعة بأهمية موقع القلب بالنسبة للإنسان وجوارحه، فهو- كما قيل- مَلِك الأعضاء، وبقيَة الأعضاء جنوده، وهم مع هذا جنود مطيعون له، منبعثون في طاعته وتنفيذ أوامره، لا يخالفونه في شيء من ذلك، فإن كان الملكُ صالحًا كانت هذه الجنود صالحة، وإن كان فاسدًا كانت جنوده بهذه المثابة فاسدةً، ولابد من العلم كذلك أنه لا ينفع عند الله إلا القلب السليم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (١).
стр. 670
ويروى أنه كان من دعاء النبي ﷺ قوله: «اللهم إني أسألك قلبًا سليمًا» والقلب السليم هو السالم من الآفات والمكروهات كلها، وهو القلب الذي ليس فيه سوى محبة الله وخشيته.
وقد امتدح الله خليله إبراهيم، ﵇، بسلامة القلب فقال: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (١).
وربط النبي ﷺ بين استقامة الإيمان، وصلاح القلب فقال ﵊ «لا يستقيمُ إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، ولا يدخل الجنة حتى يأمن جارُه بوائقه» وبوائق الجار غشه وظلمه (٢).
ولهذا كان السلف- ﵏ ينصح بعضهم بعضًا بإصلاح القلب ومداواته، فقد قال الحسن- ﵀ لرجل: داو قلبك فإن حاجة الله إلى العباد صلاح قلوبهم، والمعنى: الإصلاح للقلوب حتى تستقر فيها معرفة الله وعظمته ومحبته وخشيته ومهابته، ورجاؤه والتوكل عليه، ويمتلئ من ذلك، وهذا هو حقيقة التوحيد، وهو معنى قول: لا إله إلا الله (٣).
إخوة الإسلام، إذا عُلم هذا كله فليُعلَم أن أدواء القلب كثيرة، وأمراضه متنوعة، وعلله وأسقامه خفية، ومن أمراض القلب الغل والحقد والحسد، وهذه مواد فاسدة إذا أُصيب بها القلب حُجب عن النور والخير، وبات دائمًا تأكل هذه الأدواء الفاسدة قلبه، وتحجبه عن السمو والطهر، وهي أدواء غالبًا ما تنشأ من
стр. 671
ضعف اليقين، وضحالة التوكل على الله، وإلا فما زوى الله من نعمةٍ عن شخصٍ، لا يمكن أن ينتزعها الناس له ولو اجتمعوا، كما أن ما أصاب المرء من خير لا يمكن أن يرفعه الناس ولو تكالبوا على ذلك وتعاونوا.
وثقة المرء دائمًا بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه فيها إراحة للقلب والضمير وفيها قناعة ورضا بالمكتوب .. ولن يحصل الحسود على غير ما قسم الله له، ولن يفلح الحقود بمقصده، ولن يسلم ذو الغل من آفة تقلق مضجعه وتنغص عليه عيشه.
ومن أمراض القلب كذلك الكبر والعجب والرياء وهي أَدْواء نسأل الله السلامة منها، إذ تعزل الفرد غالبًا عن مجتمع الناس، وتخيل لصاحب الكبر والعجب أنه في منزلةٍ يقصر الناس دونها فلا يسايرهم في حياتهم ولا يأنس بوجوده معهم، تراه دائمًا عبوس الوجه، مقطب الجبين، والدنيا أقل من ذلك وأهون، لا سيما إذا لم يكن ذلك في طاعة الله ومن أجل الانتصار لدين الله، بل وما أُثر في دين الله تقطيب الجبين، ومحمد ﷺ ، وهو خير الدعاة، كان يبتسم في وجه كل أحد، ويطيب خلقه مع كل من قابله، وربما كان حُسن خلقه سببًا في إسلام خصومه والمناوئين له.
فالكبر والعجب آفات قاتلة، وهي أمراض خطيرة وحَرِيَّة بالعلاج، وصدق الشاعر حينما قال:
كن كالنجم لاح لناظر ... على صفحات الماء وهو رفيع
ولا تكن كالدخان يعلو بنفسه ... إلى طبقات الجو وهو وضيع
أما الرياء فهو الآخر آفة قاتلة- نسأل الله السلامة منه- وهو تَزَيُّن أمام المخلوقين وخداع ومراوغة أمام رب العالمين، وهو من كونه معصية للخالق
стр. 672
العظيم، هو نقص في العقل لا يحتاج إلى دليل، وإلا فكيف يَتَزَيَّن الإنسان ظاهرًا وباطنه خراب، وكيف يخشى الخلق والله أحق أن يخشاه، وما أجمل مقولة القائل:
فليتك تحلو والحياة مريرة ... وليتك ترضى والآنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر ... وبيني وبين العالمين خراب
إذا صح منك الود فالكل هين ... وكل الذي فوق التراب تراب
إخوة الإيمان، وهناك أمراض خفية للقلوب، منها خسف القلوب، ومسخ القلوب، ونكس القلوب وحجب القلب عن الرب، والختم على القلب وكل واحدة من هذه تحتاج إلى وقفة بيان ....
نفعني وإياكم بهدي كتابه .. أقول هذا القول ...
стр. 673
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين وفق من شاء لطاعته فاجتباه وهداه وأضل من شاء بحكمته وعلمه فأبعده وقلاه.
وأشهد ألا إله إلا الله العليم الخبير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله النبي الأمين .. اللهم صل وسلم عليه وعلى إخوانه وآله، وارضَ اللهم عن أصحابه وأتباعه ومن تبعهم إلى يوم الدين.
إخوة الإسلام، راقبوا قلوبكم واحرصوا على تخليصها من أدوائها، ولتكن عنايتكم بها أشد من عنايتكم بالأجسام، فالله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.
أما خسف القلب، فقد قيل أنه يخسف بالقلب كما يُخسف بالمكان وما فيه، فيخسف به إلى أسفل السافلين، وصاحبه لا يشعر، وعلامة الخسف به أنه لا يزال جوالاً حوله السفليات والقاذورات والرذائل، كما أن القلب الذي رفعه الله وقربه إليه لا يزال جوالاً حول العرش، قال بعض السلف: (إن هذه القلوب جوَّالة فمنها ما يجول حول العرش ومنها ما يجول حول الحش).
أما مسخ القلب، فهو يمسخ كما تمسخ الصورة، كما قيل فيصير القلب على قلب الحيوان الذي شابهه في أخلاقه وأعماله وطبيعته، فمن القلوب ما تمسخ على قلب خنزير لشدة شَبَه صاحبه به، ومنها ما يمسخ على خلق كلب أو حمار أو حية أو عقرب وغير ذلك، وهذا تأويل سفيان بن عيينة في قوله: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم﴾ (١) قال: منهم من يكون على
стр. 674
أخلاق السباع العادية، ومنهم من يكون على أخلاق الكلاب وأخلاق الخنازير وأخلاق الحمير، ومنهم من يتطوس بثيابه كما يتطوس الطاووس في ريشه، ومنهم من يكون بليدًا كالحمار، ومنهم من يؤثر على نفسه كالديك، ومنهم من يألف ويؤلف كالحمام، ومنهم الحقود كالجمل، ومنهم الذي هو خير كله كالغنم، ومنهم أشباه الثعالب التي تروغ كروغانها.
أما نكس القلب، فهو الذي يرى صاحبه الحق باطلاً والباطل حقًا، ويصد عن سبيل الله وهو يرى أنه يدعو إليه، ويشتري الضلالة بالهدى وهو يرى أنه على الهدى، ويتبع هواه وهو يزعم أنه مطيع لمولاه، وكل هذا من عقوبات الذنوب الجارية على القلب.
أما حجب القلب عن الله، فهو حجبه في الدنيا، والحجاب الأكبر يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ (١). فمنعتهم الذنوب أن يقطعوا المسافة بينهم وبين قلوبهم، فيصلوا إليها فروا ما يصلحها ويزكيها وما يفسدها ويشقيها.
وويل لمن حجب قلبه عن الله في الدنيا فتاه في أوديتها، وغمرته بزخارفها، وألهته عن طاعة مولاه والاستعداد لما وراءه، وويل ثم ويل لمن قدم على الله وهو محجوب عنه، ومن له غير الله والأمر أمره والشفاعة كلها بيد، - اللهم لا تصدنا ولا تحجبنا بسبب ذنوبنا-.
أما الداء العضال الآخر ... فهو: الختم على القلب، وجعل الغشاوة عليه والريبة والطبع عليه، وإغفاله عن ذكر الله، وإنساء الإنسان لنفسه، وجعل الصدر ضيقًا حرجًا كأنما يصعد في السماء، وصرف القلب عن الحق وزيادة
стр. 675
مرضه وانتكاسه .. فاحذر أخي المسلم من هذه الأدواء، وعالج قلبك قبل أن يستفحل الخطر، وسبحان الله فكم من قلب منكوس وصاحبه لا يشعر، وقلب ممسوخ وقلب مخسوف به، وكم من مفتون بثناء الناس عليه، ومغرور بستر الله عليه، ومستدرج بنعم الله عليه، وكل هذه عقوبات وإهانات ويظن الجاهل أنها كرامة (١).
وعليك أن تمتحن نفسك وتنظر موقع قلبك من هدى المصطفى ﷺ حيث يقول: «القلوب أربعة: فقلبٌ أجرد فيه سراج يزهر فذلك قلب مسلم، وقلب أغلف فذلك قلب كافر، وقلب منكوس فذلك قلب المنافق، وقلب تمده مادتان، مادة إيمان ومادة نفاق، وهو لما غلب عليه فيهما».
فَلْنُدَاو قلوبنا ولنعالج أمراضنا، وإن سألتم عن سبيل العلاج لمرض القلب، فذلك ما سيكون الحديث عنه في الجمعة القادمة، بإذن الله، نسأل الله الإعانة والتسديد وصلاح القلوب والسلامة من الهوى ... هذا وصلوا ...
стр. 676
الرسل والرسالات (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، ورضي الله عن الصحابة أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فيا أيها الإخوة المسلمون، اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، وتبصروا حقيقة دينكم، وعُوا قضية إيمانكم الذي به تلقون ربكم.
إن من قضايا العقيدة التي تحتاج إلى تذكير، الإيمان بالرسل والرسالات والإيمان بالرسل أصل من أصول الإيمان، قال تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (٢).
والذين يزعمون أنهم مؤمنون بالله ولكنهم يكفرون بالرسل، أو ينكرون شيئًا مما أنزل الله عليهم، هؤلاء لا يقدرون الله حق قدره: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ (٣)، وليس من الإيمان في شيء التفريق بين الله ورسله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا
стр. 677
بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً (١٥٠) أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً﴾ (١).
فقد نصت الآية على كفر من زعم الإيمان بالله وكفر بالرسل، كما في قوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ ولهذا قال الإمام القرطبي- ﵀ في تفسير هذه الآية: نص سبحانه على أن التفريق بين الله ورسله كفر، وإنما كان كفرًا لأن الله فرض على الناس أن يعبدوه بما شرعه على ألسنة الرسل، فإذا جحدوا الرسل ردوا عليهم شرائعهم، ولم يقبلوها منهم، فكانوا ممتنعين من التزام العبودية التي أُمِروا بالتزامها، فكان كجحد الصانع سبحانه، وجحد الصانع كفر لما فيه من ترك التزام الطاعة والعبودية وكذلك التفريق بين الله ورسله (٢).
أيها الإخوة المسلمون، اقتضت حكمة الله تعالى الأمم الماضية أن يرسل في كل منها نذير ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (٣)، ورسالة محمد ﷺ كانت عامة للبشر كلهم، وكانت خاتمة فلا رسالة بعدها. واقتضى عدل الله ألا يعذب أحدًا من الخلق حتى يكون البلاغ وتقوم الحجة ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (٤) ... ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (٥).
ولهذا كان الأنبياء والمرسلون عددًا كثيرًا، وجمًا غفيرًا، روى الإمام أحمد
стр. 678
وغيره عن أبي ذر ﵁ قال قلت يا رسول الله: كم وفاء عدد الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، المرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جمًا غفيرًا (١).
وهذا العدد الكبير يجب الإيمان بهم كلهم، وإن لم نعرف منهم إلا القليل، ومحمد ﷺ وهو الموحى إليه من ربه قال الله له: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ (٢).
ولم يرد في القرآن الكريم إلا ذكر خمسة وعشرين نبيًا ورسولاً، وهؤلاء ذكروا بأسمائهم، وهناك من ذكرت نبوته ولم يذكر اسمه، وهم الأسباط أولاد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم- ﵈ وعددهم اثنا عشر رجلاً، عرَّفنا القرآن بواحد منهم وهو يوسف ﵇، أما الأحد عشر فقد أخبر الله أنه أوحى إليهم ويجب الإيمان بما أنزل عليهم، ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ﴾ (٣).
إخوة الإيمان ولقد بين العلماء- ﵏ حاجة العباد إلى الرسل وتعاليمهم، فقال ابن القيم- ﵀.
(ومن هنا تعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول وما جاء به، وتصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفه الطيب والخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا يُنال رضى الله البتة إلا على أيديهم
стр. 679
فالطيب من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلا هديهم وما جاءوا به فيه الميزان الراجح الذي على أقوالهم وأخلاقهم توزن الأخلاق والأعمال وبمتابعتهم يتميز أهل الضلال، فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها .... ) (١) إلى آخر كلامه القيم- ﵀.
ويفرق ابن القيم في كتابه القيم (٢) بين حاجة الأبدان إنما علوم الطب، والأرواح إلى تعاليم الرسل، فيقول: (حاجة الناس إلى الشريعة ضرورية فوق حاجتهم إلى كل شيء ولا نسبة لحاجتهم إلى علم الطب إليها، ألا ترى أن أكثر العالم يعيشون بغير طبيب ولا يكون الطبيب إلا في بعض المدن الجامعة، وأما أهل البدو كلهم، وأهل الكفور كلهم- وعامة بني آدم- لا يحتاجون إلى طبيب وهم أصح أبدانًا وأقوى طبيعة ممن هو متقيد بطبيب، ولعل أعمارهم متقاربة) إلى أن يقول: (فليس الناس قط إلى شيء أحوج منهم إلى معرفة ما جاء به الرسول ﷺ والقيام به، والدعوة إليه والصبر عليه، وجهاد من خرج عنه حتى يرجع إليه، وليس للعالم صلاح بدون ذلك البتة، ولا سبيل إلى الوصول إلى السعادة والفوز الأكبر إلا بالعبور على هذا الجسر).
أيها المسلمون، أَصِلُ بكم إلى بيان وظائف الرسل ومهماتهم فتعلَّموها، ثم اعملوا بما تطيقون منها، وتنبهوا إلى أن من يقوم بها إنما هو من ورثة الأنبياء، فالأنبياء- ﵈ لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم.
وأول هذه الوظائف للرسل البلاغ المبين، قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ
стр. 680
بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ .. ﴾ (١). والبلاغ يحتاج إلى الصدق والشجاعة وعدم الخشية من الناس حينما يأمرهم بما يستنكرون، أو ينهاهم عما يألفون- مما أمر الله به أو نهى عنه- قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ﴾ (٢).
الثاني من وظائف الرسل: الدعوة إلى الله، فلا تقف مهمة الرسل وأتباعهم عند بيان الحق وإبلاغه للناس، بل عليهم دعوة الناس إلى الأخذ بدعوتهم، وترغيبهم في الخير، وتحذيرهم من الشر، وتحقيق هذا الخير في أنفسهم قولاً وعملاً. وهذا لاشك يكلف الرسل وأتباعهم من الدعاة إلى الله والمصلحين ..
لكن من يتصدى لإصلاح الناس وتوجيه مسيرتهم وتعريفهم بربهم لابد له من الصبر والتحمل وأجره على الله، ألا ما أكرم المرسلين وأتباعهم من الدعاة والمصلحين وهم يجهدون أنفسهم في سبيل تقديم الخير للآخرين، وإليكم هذا المثل المعبر عن هذه الحقيقة، فقد روى البخاري وغيره أن النبي ﷺ قال: «إني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي، وميكائيل عند رجلي، يقول أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلاً، فقال: اسمع سمعت أذنك، واعقل عقل قلبك، إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ دارًا، ثم بنى فيها بيتًا، ثم جعل فيها مائدة، ثم بعث رسولاً يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول ومنهم من تركه، فالله هو الملك، والدار هو الإسلام، والبيت الجنة، وأنت يا محمد رسول، من أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكل ما فيها» (٣).
стр. 681
ومن وظائف الرسل التبشير والإنذار، فهم يبشرون من أطاعهم بالجنة والمغفرة، ويخوفون وينذرون من عصاهم التعاسة والنار، وليست بشارتهم قاصرة على الآخرة بل يبشرون الهداة الطائعين بالحياة الدنيا ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (١). وفي المقابل يخوفون العصاة المجرمين بالشقاوة في الدنيا قبل الآخرة ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾ (٢).
إخوة الإيمان، تأملوا هذا المثل الذي يوضح حال الدعاة والمدعوين، ويقرب الصورة لأثر الاستجابة لداعي الهوى، وعاقبة الإعراض لمن ضل وغوى، يقول إمام الدعاة (محمد ﷺ : «مثلي ومثل ما بعثني الله كمثل رجل أتى قومًا فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا، وانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذبته طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب بما جئت من الحق» (٣).
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه ..
стр. 682
الخطبة الثانية
الحمد لله حَمْد الشاكرين الذاكرين، وأشهد ألا إله إلا الله رب العالمين، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله، وخيرته من خلقه، صلى الله عليه وعلى إخوانه وآله ورضي عن أصحابه وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد إخوة الإيمان، اتقوا الله وأطيعوه، واهتدوا بهدي رسوله ولا تخالفوه، واعلموا أن الأجل قصير والموت قريب، وكل آت قريب.
ثم اعلموا أن الوظيفة الرابعة للرسل- ﵈ صلاح النفوس وتزكيتها، وهذه من رحمة الله بعباده أن يحيي نفوسهم بالوحي، وينور بصائرهم بالهدى ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ (١). وتأملوا كيف سمى الله رسالته روحًا، والروح إذا عدم فقدت الحياة، ثم تأملوا- كذلك- كيف يضرب الله المثل ويشبه الوحي المنزل من السماء على أيدي الرسل بالماء الذي ينزل من السماء، فتكون به حياة الأرض، يقول تعالي: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ﴾ (٢).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ معلقًا على هذه الآية: (فشبه العلم بالماء المنزل من السماء، لأن به حياة القلوب، كما أن المراد بالماء حياة الأبدان
стр. 683
وشبه القلوب بالأودية لأنها محل العلم، كما أن الأودية محل الماء، فقلب يسع علمًا كثيرًا، وواد يسع ماءً كثيرًا، وقلب يسع علمًا قليلاً، وواد يسع ماءً قليلاً، وأخبر تعالى أنه يعلو على السيل من الزبد بسبب مخالطة الماء وأنه يذهب جفاءً، أي يرمي به ويختفي، والذي ينفع الناس يمكث في الأرض ويستقر، وكذلك القلوب تخالطها الشهوات والشبهات، ثم تذهب جفاءً، ويستقر فيها الإيمان والقرآن الذي نفع صاحبه والناس- إلى آخر كلامه- ﵀ (١) ..
ومن وظائف الرسل- ﵈ كذلك تقويم الفكر المنحرف والعقائد الزائفة، فحين كان الناس على التوحيد الخالص لله، والفطرة السليمة التي فطرهم الله عليها، لم يحتاجوا إلى مرسلين فلما تفرقوا واختلفوا، ومالوا عن التوحيد إلى الشرك بعث الله فيهم المرسلين لتصحيح عقائدهم، وتقويم ما انحرف من أفكارهم، يقول تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ (٢)، أي كانوا أمةً واحدةً، فلما اختلفوا أرسل الله النبيين مبشرين ومنذرين.
وقد واجه الأنبياء- ﵈ مع أقوامهم من الشدة والأذى في سبيل إصلاح معتقداتهم وتقويم ما انحرف من سلوكهم ما الله به عليم، فهذا ينكر عبادة الأصنام ويبطلها بالحجة والبرهان، ونبي آخر ينكر على قومه الاستعلاء في الأرض- كما فعل هود ﵇ وثالث ينكر على قومه الفساد في الأرض واتباع المفسدين- كما هو شأن صالح ﵇ ونبي يحارب جريمة اللواط التي انتشرت في مجتمعه كما فعل لوط ﵇، وخامس يقاوم جريمة التطفيف في المكيال
стр. 684
والميزان كما صنع شعيب ﵇، ثم جاء خاتم المرسلين محمد ﷺ ، ليحارب هذه الجرائم كلها، وينكر هذه النكرات على الأمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وما يزال أتباعه من الدعاة والمصلحين، يكشفون زيف المنحرفين ويبطلون ضلالات المبتدعين، ويواجهون حربًا ضروسًا من اليهود والنصارى والكفرة والمنافقين، كان الله في عونهم، حدثا لا رسل ولا رسالات بعد محمد ﷺ ، وليس لهم إلا عون الله وميزان محمد ﷺ ، يتقدمون به ليسقطوا كل راية تخالف هديه، ويكشفوا كل دسيسة تحاوله النيل من الإسلام وأهله، وإن أقل حقوق هؤلاء العلماء، والدعاة والمصلحين علينا أن نناصرهم وندعو لهم، ونكون وإياهم يدًا واحدة في سبيل الدعوة إلى الخير، والتحذير من الشر.
ومن وظائف الرسل- ﵈ إقامة الحجة على الناس، فلا يعتذر أحد بالجهل، ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (١).
لهذا تسقط حجة المكذبين وهم يساقون إلى النار سوقًا ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ (٢). ثم يعرفون ويندمون حيث لا ينفع ذلك ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (٣).
وأخيرًا- من وظائف الرسل- ﵈ سياسة الأمم، فالويل هم الذين يحكمون
стр. 685
بين الناس في حياتهم، ويجب أن يتحاكم الناس إلى هديهم بعد مماتهم ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ﴾ (١)، هكذا قيل لمحمد ﷺ ، وقيل لداود- ﵇ ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ (٢).
وهكذا كان أنبياء بني إسرائيل- ﵈ يسوسون بني إسرائيل كلما هلك نبي قام نبي، كما ورد في الحديث عن النبي صلى الله وسلم، وأخرجه البخاري ومسلم وأحمد وابن ماجه.
أما الذين يشرعون للبشر من ذوات أنفسهم، ويحكمونهم بأهوائهم بعيدًا عن شرع الله، ويضعون لهم من القوانين المستوردة ما يرون به حياتهم، فهؤلاء مخطئون في حق أنفسهم، وظالمون لرعاياهم، ومعتدون على حقوق ربهم حيث شرعوا في الأرض ما لم يأذن به، وحكموا عباده بغير حكمه، وعليهم أن يتأملوا قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٣)، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٤)، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٥).
أبعد الله عن أمتنا الشرور والضلالة والغي، وأعادها إلى تحكيم الشرع المطهر عاجلاً، وأصلح الله رعايا الأمة ورعاتها .. هذا وصلوا ..
стр. 686
متاع الغرور (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره.
أما بعد إخوة الإسلام، فيقول الحق ﵎ وهو أصدق القائلين-: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (٢). ففي الآية تقرير من الله لما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من متاع وأنواع الملاذ التي بها يتعلقون، وبها أحيانًا يفتنون وعن طريقها يغنمون وأحيانًا أخرى يغرمون. فهذه الملاذ تختلف باختلاف أحوال الناس تجاهها .. فهي لفئة مأثم ومغرم، ونقمة وفتنة.
وهي لفئة أخرى نعمة ومغنم، ووسيلة للفلاح والنجاح في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.
فإن قلت كيف يكون ذلك والمتاع هو المتاع، والناس هم الناس؟ أجبت بأن الهدف يختلف من شخص لآخر، والنظر لهذا المتاع واستخدامه يختلف من فئة لأخرى. فالذين يتعاملون مع ملاذ الحياة على أنها المبدأ والنهاية، والهدف الأول والأخير هؤلاء غارمون آثمون لأن الدنيا بملاذها لا تستحق أن ينقطع الإنسان لها، وأن يصب كل جهده ويوليها كل عنايته بعيدًا عن طاعة الله وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وهل الدنيا إلا وسيلة إلى الآخرة فمن استخدمها بهذا
стр. 687
الفهم وجعلها معبرًا للنعيم الدائم فقد أفلح وأنجح، ومن كانت الدنيا همه فرق الله عليه شمله، ويجعل فقره بين عينيه، ولم يعطه الله إلا ما كتب له.
أما الذين يستعينون بمتاع الدنيا على الطاعة، وينصرفون بها إلى الجنة ورضوان الله فهؤلاء يحققون السعادة لأنفسهم في الحياة الدنيا ويضمن لهم الله السعادة الحقة يوم القيامة، ومن كانت الآخرة همه جعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة.
إخوة الإسلام، وبدأ الله المتاع الدنيوي بالنساء لأن الفتنة بهن أشد، والرسول ﷺ يقول في الحديث الصحيح: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء». وتنقلب المرأة أحيانًا عدوًا للإنسان، فتلهيه عن طاعة الله، أو تدعوه إلى ما حرم الله، أو تعوقه عن الخير بكل طرقه ووسائله، ولهذا حذر المولى منها في تلك الحال فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ (١).
فأما إذا كان القصد بالنساء إعفاف الفروج، وكثرة الأولاد الصالحين وكانت المرأة مثالاً للطاعة، ونموذجًا في العبادة فهذا مطلوب ومرغوب، بل ومندوب إليه، بل هو خير المتاع كما قال ﵊: «الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة، إن نظر إليها سرته، كان أمرها أطاعته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله» (٢).
وفي الحديث الصحيح «وإن خير هذه الأمة كان أكثرها نساءً» (٣)، وتقول
стр. 688
عائشة ﵂: (لم يكن أحب على رسول الله ﷺ من النساء إلا الخيل، وفي رواية من الخيل إلا النساء) (١).
وإذا كان هذا في النساء فحب البنين تارة يكون للتفاخر والزينة، فهو داخل في النهي والفتنة كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (٢). وتارة يكون لتكثير النسل، وتكثير أمة محمد ﷺ ، ممن يعبد الله وحده لا شريك له، ومن يسدون الثغور، وينفع الله بهم البلاد والعباد فهذا محمود ممدوح ومطلوب، كما في وصية الرسول ﷺ : «تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة».
ولهذا كان كل دعاء الصالحين: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ (٣).
إخوة الإيمان، وكما تحرصون على اختيار النساء وتربية الأولاد، فاحذروا الافتتان بهم، وقد قيل: إن في النساء فتنتين، وفي الأولاد فتنة واحدة، فأما اللتان في النساء فإحداهما تؤدي إلى قطع الرحم، لأن المرأة تأمر- أحيانًا- زوجها بقطعه عن الأمهات والأخوات، أو من ذوي القرابات بشكل عام، والثانية يبتلى بسببها بجمع المال من الحلال والحرام، وأما البنون فالفتنة معهم واحدة، وهي جمع المال لأجلهم (٤).
بل قد يكون الأبناء سببًا لبخل الآباء، وجبنهم، وحزنهم، وفي الخبر أن النبي ﷺ قال للأشعث بن قيس: هل لك من ابنة حمزة من ولد؟ قال: نعم، لي
стр. 689
منها غلام، وتوددت أن لي به جفنة من طعام أطعمها من بقي من منى جبلة، فقال النبي ﷺ : لئن قلت ذلك إنهم لثمرة القلوب وقرة أعين، وإنهم مع ذلك لمجبنة مبخلة محزنة (١).
أيها المؤمنون، وحب المال لذلك تارة يكون للفخر والخيلاء، والتكبر على الضعفاء، والتجبر على الفقراء، فهذا مذموم، وتارة يكون للنفقة في القرابات، وصلة الأرحام والقرابات، ووجوه البر والطاعات، فهذا ممدوح عليه شرعًا (٢).
والناس بين هذا وذاك، فالمال يرفع أقوامًا في درجات الجنان، أولئك الذين قال عنهم النبي ﷺ : «لا حسد إلا في اثنتين وذكر منهما رجلاً آتاه الله مالاً فهو ينفق منه آناء الليل وأطراف النهار» وتارة يستعبد الإنسان ويذله ويتعسه ويشغله، وهؤلاء هم الذين وصفهم الرسول ﷺ بقوله: «تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتفش، .. الحديث» فإياكم معاشر المسلمين أن تستعبدكم أموالكم أو تذلكم تجارتكم والحق أن ليس لكم منها إلا ما قدمتم لآخرتكم، وما عدا ذلك فهو للوارث من بعدكم، وتأملوا حديث رسول الله ﷺ وهو يحدد المال الحقيقي للإنسان، والمال الآخر الذي يظنه له وليس كذلك فيقول: «اعملوا أنه ليس منكم من أحد إلا مال وارثه أحب من ماله، مالك ما قدمت ومال وارثك ما أخرت» (٣).
أما الخيل المسومة وهي الراعية الحسان أو ذوات الغرِّ والتحجيل فهي على ثلاثة أقسام، فإن ربطها صاحبها في سبيل الله متى احتاج إليها غزا عليها فهي
стр. 690
مغنم ويؤجر عليها صاحبها، وإن ربطها فخرًا ونواء لأهل الإسلام فهذه على صاحبها وزر، وإن جعلها للتعفف واقتناء نسلها، ولم ينس حق الله فهي لصاحبها ستر.
ويمكن قياس غيرها عليها من الدواب التي تركب وتستخدم للخير أو الشر مما يتوفر في كل زمان ومكان محببًا للنفوس.
ومثل ذلك يقال في الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم مما كانت العرب تقتنيها وتستخدمها، ولا يزال الناس يحبون هذه الأنعام ويرعونها وربما فتنت بعضهم فأبعدتهم عن الجمع والجماعات، أو قطعته عن الأرحام وذوي القرابات والأمر كذلك بالنسبة للزروع والحرث التي تعلق الناس بها في زماننا، حتى نأت بأصحابها الديار، وعمرت بسببها الصحاري والقفار، واغتنى بسببها قوم وافتقر آخرون.
وعلى كل حال المعجزة تتحقق، والخير يصدق، وواقع الناس يؤكد ارتباطهم ومحبتهم لهذه الزينة في الحياة الدنيا، كما قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (١).
لكن ما الذي وراء هذه الآية، وما هو التوجيه الرباني بعدها؟ وإذا كان هذا متاع الدنيا، فما هو متاع الآخرة، يقول تعالى في الآية التي بعدها ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (٢).
стр. 691
فهذا هو المتاع الحق، وتلك هي الزينة الباقية، والبساتين تنخرط بين جوانبها وأرجائها الأنهار من أنواع الأشربة من العسل واللبن والخمر والماء وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
أما الأزواج هناك فهي مطهرة من الدنس والخبث والأذى والحيض والنفاس وغير ذلك مما يعتري نساء الدنيا.
وفوق هذا وذاك فرضوان الله يحل بهم فلا يسخط عليهم أبدًا، وحيثما كانوا في النعيم فلا يتحول عنهم أبدًا. وأعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾ (١).
стр. 692
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين وفق من شاء لطاعته، وأعان أولياءه على استخدام زينة الحياة الدنيا في الوصول إلى الزينة الحقيقية الكبرى، وافتتن آخرون فأشغلتهم الدنيا عن الدين، وصرفتهم الحياة الفانية عن التأمل والمسارعة للحياة الآخرة الباقية.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله .. اللهم صل وسلم عليه وعلى إخوانه وآله وصحبه أجمعين.
أيها المؤمنون، انظروا في واقعكم، وتأملوا في نهايتكم، واستعدوا للقاء ربكم، واحذروا الفتنة فيما حولكم، وحيث قد علمتم زينة الحياة الدنيا والآخرة والفرق بينهما كبير، فإن لمتاع الحياة الآخرة وزينتها الباقية ثمنًا ليس بالعسير ولا المستحيل، بل هو يسير على من يسره الله عليه، وهو ما ذكره تعالى في الآية الثالثة بعد الآيتين السابقتين فقال: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ (١).
ثم قال تعالى في وصفهم (الصابرين) والمعنى صابرون في قيامهم بالطاعات وتركهم المحرمات .. ولاشك، إخوة الإسلام، أن الطاعات تكليف يحتاج إلى الصبر والمصابرة ومجاهدة للنفس، وترويض حتى تألف الطاعة وتحبها وتداوم عليها، وأن المحرمات أحيانًا تلتقي مع شهوة النفس وحظوظ الهوى ولذا يحتاج المرء الذي يتطلع إلى الجنان أن يكبح جماح النفس ويلزمها الطريق ويصبر على
стр. 693
مرارة الدواء، ولولا الحاجة للصبر على الطاعات والصبر عن المحرمات لتساوى الناس في منازلهم.
قال المفسرون، وفائدة التمثل بأنواع الزينة في الحياة الدنيا أن الجنة لا تنال إلا بقطع مفاوز المكاره، وبالصبر عليها، وأن النار لا منجى منها إلا بترك الشهوات وفطام النفس عنها.
وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «طريق الجنة حزن بربوة، وطريق النار سهل بسهوة». وهو معنى قوله ﷺ : «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات». أي طريق الجنة صعبة المسالك فيه أعلى ما يكون من الروابي، وطريق النار سهل لا غلظ فيه ولا وعورة وهو معنى قوله سهل بسهوة (والحزن هو الغليظ الخشن) (١) أما قوله تعالى (الصادقين) فهي تعني صدقهم فيما أخبروا به من إيمانهم بما يلتزمون به من الأعمال الشاقة على كثير من النفوس، فليس إيمانهم بالتمني ولا بالتحلي، ولكن شيء وقر في النفوس فانبعثت له الجوارح مصدقة، و (القانتين) هم أهل الطاعة والخضوع، و (المنفقين) من أموالهم في جميع ما أمروا به من الطاعات، وصلة الأرحام والقربات، وسد الخلات، ومواساة ذوي الحاجات وآخر صفة لأصحاب النعيم الدائم: (المستغفرين بالأسحار).
وهذا كما قال أهل العلم دليل على فضيلة الاستغفار بشكل عام ووقت الأسحار بشكل خاص وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم، أن رسول الله ﷺ قال: «ينزل الله ﵎ في كل ليلة إلى سماء الدنيا حتى يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فاستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ » (٢) الحديث.
стр. 694
وكان ابن عمر ﵄ يصلي من الليل ثم يقول: يا نافع هل جاء السحر؟ فإذا قال: نعم، أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح، ونقل عن حاطب ﵁ أنه قال: سمعت رجلاً في السحر في ناحية المسجد وهو يقول: رب أمرتني فأطعتك، وهذا سحر فاغفر لي، فنظرت فإذا ابن مسعود ﵁ (وكأنه تأول قوله تعالى: والمستغفرين بالأسحار).
إخوة الإسلام والإيمان، تزودوا من دنياكم لآخرتكم ولا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور، وليس بغائب عنكم أن الدنيا ظل زائل، وهي حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون؟ وبأي واد ترتعون؟ وأي طريق تسلكون؟ ويا ويح من عض أصابع الندامة والحزن والروح تبلغ الحلقوم، وهيهات أن يعاد المرء إلى الحياة الدنيا بعد أن خرج منها وأعطي من المهلة ما هو كاف للامتحان، ومهما كانت ذنوبك وخطاياك فقف باب ربك سائلاً ومستغفرًا، واستمع إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلَى قَدْ جَاءتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٥٩) وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠)﴾ (١).
стр. 695
فريضة الحج في أعماق الزمن (١)
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، شرع الشرائع، وسن الأديان، وأنزل الكتب، وأرسل المرسلين، والتقت الأديان السماوية في التوحيد والعبودية لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله هو أعلم بما كان وما يكون، وله الحكم في الأولى والآخرة، وهو الغفور الرحيم.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أكمل الله به الدين، وختم به الرسالات والمرسلين، وكانت بعثته إلى الناس أجمعين، حتى يوم الدين.
اللهم صل وسلم عليه وعلى إخوانه من النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد أيها المسلمون، فاتقوا الله وراقبوه وتأملوا في حقيقة دينكم، واعبدوا الله على بصيرة، فلم يعد هناك فرصة للجهل أو للتقليد في أحكام الدين.
إخوة الإسلام، والمتأمل في فريضة الحج في أعماق الزمن يرى عجبًا ويزداد إيمانًا، ويحس بترابط الأديان، والصلة بين الأنبياء والمرسلين، على الرغم من تباعد الأزمان واختلاف الأقوام والأوطان، ويحس كذلك بأن العبادة لله عميقة الجذور قديمة التاريخ والإنسان.
وفريضة الحج- التي تقترب أيامه ونعيش الآن في أحد شهوره -نموذج لهذا
стр. 696
العمق وذاك الترابط، فما هو تاريخ الحج؟ وكيف بدأت فرضيته؟ وما هي أدلة وجوبه، وما الشروط المعتبرة للوجوب؟
تبدأ رحلة الحج في أعماق الزمن، منذ ضاقت الحياة بإبراهيم ﵇ مع قومه الوثنيين الجاحدين في العراق، فرحل منها إلى فلسطين، ومعه زوجته سارة وابن أخيه لوط ﵈ كما قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١).
وأقام الخليل ﵇ في فلسطين، ثم رحل إلى مصر وأقام فيها ما شاء الله له أن يقيم، ووقعت له هناك قصة الابتلاء لزوجته سارة من قبل ظالم مصر، الذي حالت قدرة الله دون الاعتداء على المؤمنة العفيفة، وكان ذلك سببًا في إهدائها جارية لخدمتها، ألا وهي (هاجر) ومن هاجر بدأت قصة أخرى أكثر صلة بالحج، وبناء البيت العتيق.
حيث رجع إبراهيم- ﵇ مرة أخرى إلى فلسطين، وكانت زوجته سارة عاقرًا لا تلد، فأشارت على زوجها إبراهيم بالزواج من جاريتها (هاجر) لعل الله أن يهبه منها ولدًا، فكان، وولدت (هاجر) إسماعيل ﵇، كما شاء الله أن تلد (سارة) إسحاق ﵇، ومع البقاء، وطبيعة النساء، غارت سارة من هاجر ولم تطق رؤيتها، وصارحت إبراهيم بما تجد في نفسها فكان ذلك سببًا في هجرته بهاجر وإسماعيل إلى مكة.
وهناك في أرض لا زرع فيها ولا ماء، ولا أنيس ولا جليس ترك إبراهيم المرأة وطفلها، وهَّم بالعودة إلى فلسطين مرة أخرى فتعلقت به الأم (هاجر) وهي تقول: إلى من تكلنا ونحن في هذا الوادي المقفر الموحش؟ فقال النبي
стр. 697
الخليل ﵇: إلى الله، واستوحت المرأة أن ذلك بأمر الله، فقالت: له: الله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذًا لا يضيعنا ..
وانصرف الخليل ﵇ وصوت دعائه يجلجل في السماء: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (١).
واستجاب الله دعاء خليله ﵇، بعد أن عاشت هاجر وابنها إسماعيل لحظات عصيبةً أوشك الوضيع فيها على الهلاك، وكادت الوحشة وقلة الطعام والشراب أن تودي بالمرأة وطفلها، لولا فضل الله ورحمته، وهل يخيب من رجاه، وهل يضيع من تولاه- ومن هذه اللحظات الحرجة تبدأ قصة بناء البيت، وقصة سعي الناس بين الصفا والمروة، كلما حجوا أو اعتمروا، وكلما طافوا بالبيت العتيق- ومن هنا كذلك تبدأ قصة زمزم، ذلك الماء العذب الزلال والبلسم الشافي للأسقام بإذن الله.
وإليكم القصة بتمامها- كما أخرجها البخاري في صحيحه- وهي قصة جديرة بالاهتمام، وجديرة بالتذكر، كلما سعى الناس بين الصفا والمروة، وكلما شربوا من زمزم، حتى لا تكون المشاعر مجردة من الفقه والإيمان، وحتى لا يكون الحج مجرد طقوس يقلد الأحفاد فيها الأجداد، دون علم أو بصيرة أو هدى. عن سعيد بن جبير، قال ابن عباس: (أول ما اتخذ النساء المنطَقَ من قِبَل أم إسماعيل اتخذت منطقًا لتعفي أثرها عن سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها- وهي ترضعه- حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء فوضعها هناك، ووضع جرابًا فيه تمرٌ وسقاء فيه
стр. 698
ماء، ثم قفى إبراهيم منطلقًا، فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء، فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بذلك؟ قال: نعم قالت: إذن لا يضيعنا. ثم رجعت فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه فقال: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (١).
وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى- أو قال: يتلبط- فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادي رفعت طوف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : فلذلك سعى الناس بينهما، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا فقالت: صه- تريد نفسها- ثم تسمعت أيضًا فقالت: قد أسمعت إن كان غواث، فإذا هي بالملَك عند موضع زمزم فبحث بعقبه، أو قال: بجناحه، حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه، وتقول بيدها هكذا وجعلت تغرف من الماء في سقائها، وهو يفور بعدما تغرف، قال النبي ﷺ : يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم أو قال: لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينًا معينًا، قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الضيعة فإن هاهنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله، وكان البيت
стр. 699
مرتفعًا من الأرض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم- أو أهل بيت من جرهم- مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرًا عائفًا، فقالوا؟ إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جريًا أو جريين فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء فأقبلوا- قال وأم إسماعيل عند الماء- وقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ فقالت: نعم، ولكن لا حق لكم الماء قالوا: نعم.
قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس، فنزلوا، وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام وتعلم العربية منهم، وأنفسهم وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأة، وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته، فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن العيش وهيئتهم، فقالت: نحن بشر، نحن في ضيق وشدة، فشكت إليه. قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇ وقولي له يغير عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئًا فقال: هل جاءكم أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا، فأخبرته أنا في جهد وشدة، قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غير عتبة بابك، قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك، الحقي بأهلك، فطلها وتزوج منهم أخري، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاه بعد، فلم يجده فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله. فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم. قتال: فما شرابكم؟ قالت: الماء. قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء. قال النبي ﷺ : ولم يكن لهم يومئذ حب، ولو كان دعا لهم فيه، قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه.
стр. 700
قال: إذا جاء زوجك فاقرئي ﵇، ومريه يثبت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل ﵇، قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة- وأثنت عليه- فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا بخير. قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبيت عتبة بابك. قال: ذاك أبي وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك. ثم لبث عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلاً له تحت دوحة قريبًا من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل: إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك. قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتًا- وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها- قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر فوضعه له فقال عليه، وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١).
стр. 701
(١) فاحشة الزنا، مقدمات وروادع (١)
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن حفاظًا على الأفراد، وصيانة للمجتمعات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أحل الحلال ويسره، وحرم الحرام وعظمه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله كان من أحسن الناس خلقًا، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين وعلى آله الطيبين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فاتقوا الله معاشر المسلمين واعلموا أن من علامات التقى كف النفس عن موارد الهلكة والشهوات والشبهات.
أيها المسلمون، جاء الإسلام حريصًا بتشريعاته على سمو الأنفس وطهارتها ناهيًا عن مواطن الريب وأماكن الخنا، فبين الحلال وشرف صاحبه، ونهى عن الحرام، ووضع الحدود الزاجرة لمقارفته، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ .... ﴾ (٢). أجل لقد قضت سنة الله أن الأمم لا تفنى والقوى لا تضعف وتبلى إلا حين تسقط الهمم وتستسلم الشعوب لشهواتها فتتحول أهدافها من مثل عليا وغايات نبيلة إلى شهوات دنيئة وآمال حقيرة متدنية فتصبح سوقًا رائجًا للرذائل ومناخًا لعبث العابثين، وبها ترتفع أسهم اللاهين والماجنين فلا تلبث أن تدركها السُّنة الإلهية بالهلاك والتدمير، ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن
стр. 702
نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ (١).
أي مسلم يرغب أن يُخَوَّن في أهله؟ ! وأي عاقل يرضى أن يكون سببًا في اختلاط الأنساب من حوله؟ ! وأي مؤمن يرضى بالخيانة والخديعة والكذب والعدوان؟ ! ومن ذا الذي يجهل عداوة الشيطان وحرصه على انتهاك الأعراض، وقتل الذرية، وإهلاك الحرث؟
تلكم معاشر المسلمين وغيرها أعراض وآفات مصاحبة لفاحشة الزنا، هذه الجريمة التي جعلها الله قرينة للشرك بالله في سفالة المنزلة وفي العقوبة والجزاء فقال تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).
ويقول في الجزاء والعقوبة وهو يقرن بين الزنا وغيره من الموبقات: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً .... الآية﴾ (٣).
ولا مقابل ذلك ربط السعادة وعلق الفلاح بخصال حميدة، منها حفظ الفروج عن الزنا فكان فيما أنزل الله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (٤) وتدل الآية على أن من قارف الزنا
стр. 703
وتجاوز الحلال إلى الحرام فقد فاته الفلاح، ووقع في اللوم، واتصف بالعدوان (١).
أيها المؤمنون -وقاني الله وإياكم الفتن والشرور- وليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، فهو سلعة غالية، وهو مكانة عالية، وهو طريق السعادة في الدنيا والآخرة، لكنه جهاد ونية وصبر وتضحية وضبط لزمام النفس وتعال عن الشهوات المحرمة، والإيمان بإذن الله حارس للمرء عن الوقوع في المحرمات، وهو درع يحمي صاحبه عن المهلكات، لكن الزنا- معاشر المسلمين- يخرم هذا الحزام من الأمان، ويدك هذا الحصن الحصين، وينزع هذا السربال الواقي بإذن الله إلا أن يتوب، يقول ﵊: «إن الإيمان سربال يسربله الله من يشاء فإذا زنى العبد نزع منه سربال الإيمان فإن تاب رد عليه».
ولا يجتمع الإيمان مع الزنا، والمصطفى ﷺ يقول: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن .... الحديث».
وتُحَذِّر أم المؤمنين عائشة ﵂ وهي تروي هذا الحديث وأمثاله، تُحَذِّر الأمة وتقول: فإياكم وإياكم (٢) .....
كما جاء في رواية أخرى من روايات الحديث بيان الفرق بين الإيمان والزنا، وكرم هذا وخسة ذاك، فقد ورد: «لا يسرق السارق وهو مؤمن، ولا يزني الزاني وهو مؤمن، الإيمان أكرم على الله من ذلكم» (٣).
стр. 704
وورد أيضًا عنه ﷺ بهذا الخصوص قوله: «إذا زنا أحدكم خرج منه الإيمان وكان عليه كالظلة فإذا انقطع رجع إليه الإيمان» (١).
إخوة الإيمان -عصمني الله وإياكم والمسلمين من الفواحش ما ظهر منها وما بطن- وكم أذل الزنا من عزيز، وأفقر من غنى، وحط من الشرف والمروءة والإباء، عاره يهدم البيوت ويطأطئ عالي الرؤوس، يُسوِّد الوجوه البيضاء، ويخرس ألسنة البلغاء، ينزع ثوب الجاه مهما اتسع، ويخفض عالي الذكر مهما علا، إنه شين لا يقتصر تلويثه على من قارفه، بل يشين أفراد الأسرة كلها .. إنه العار الذي يطول حتى تتناقله الأجيال.
بانتشاره تضمر أبواب الحلال، ويكثر اللقطاء، وتنشأ طبقات بلا هوية طبقات شاذة تحقد على المجتمع وتحمل بذور الشر- إلا أن يشاء الله- وحينها يعم الفساد ويتعرض المجتمع للسقوط.
أيها العقلاء فكروا قليلاً في الصدور قبل الورود، وتحسبوا لمستقبل الأيام، وعوادي الزمن قبل الوقوع في المحظور، واخشوا خيانة الغير بمحارمكم إذا استسهلتم الخيانة بمحارم غيركم، وكم هي حكمة معلِّمة تلك الكلمات التي قالها الأب لابنه حين اعتدى في غربته على امرأة عفيفة بلمسة خفيفة، فاعتدى في مقابل ذلك (السَّقاء) على أخته بمثلها وحينها قال الأب المعلم لابنه: «يا بني دقة بدقة ولو زدت لزاد السقا». وإياكم إياكم أن تلوثوا سمعتكم وفيما قسم الله لكم من الحلال غنية عن الحرام.
وتصوروا حين تراودكم أنفسكم الأمارة بالسوء أو يراودكم شياطين الجن
стр. 705
والإنس للمكروه، تصوروا موقف العبد الصالح حين راودته التي هو في بيتها عن نفسه، وغلقت الأبواب وقالت هيت لك، قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون، أجل لقد رأى الصديق ﵇ برهان ربه، وصرف الله عنه السوء والفحشاء، وعدَّه في عباده المخلصين.
وفي مثل هذه المواقع يبتلى الإيمان، وفي مثل هذه المواقف يمتحن الرجال والنساء، وفي مثل هذه المواطن تبدو آثار الرقابة للرحمن، وهل تتصور يا عبد الله أنك بمعزل عن الله مهما كانت الحجب، وأيًّا كان الستار؟ كلا، فالله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وهو الذي يعلم السر وأخفى، ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١).
إذا ما خلوت الدَّهرَ يومًا فلا
تقل خلَوتُ ولكن عليَّ رقيبُ
إخوة الإسلام، ومُستَحِلُّ الزنا في الإسلام كافر خارج من الدين، والواقع فيه من غير استحلال فاسق أثيم، يرجم إن كان محصنًا، ويجلد ويغرب إن كان غير محصن (٢).
لا ينبغي أن يدخل فيه الوساطة والشفاعة، وينهى المسلمون أن تأخذهم في العقوبة الرأفة والرحمة، وأمر المولى ﷻ أن يقام الحد بمشهد عام يحضره طائفة من المؤمنين ليكون أوجع وأوقع في نفوس الفاعلين والمشاهدين. قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣).
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه ...