← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

(١) فاحشة الزنا، مقدمات وروادع (١) الخطبة الأولى الحمد لله رب العالمين، حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن حفاظًا على الأفراد، وصيانة للمجتمعات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أحل الحلال ويسره، وحرم الحرام وعظمه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله كان من أحسن الناس خلقًا، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين وعلى آله الطيبين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فاتقوا الله معاشر المسلمين واعلموا أن من علامات التقى كف النفس عن موارد الهلكة والشهوات والشبهات. أيها المسلمون، جاء الإسلام حريصًا بتشريعاته على سمو الأنفس وطهارتها ناهيًا عن مواطن الريب وأماكن الخنا، فبين الحلال وشرف صاحبه، ونهى عن الحرام، ووضع الحدود الزاجرة لمقارفته، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ .... ﴾ (٢). أجل لقد قضت سنة الله أن الأمم لا تفنى والقوى لا تضعف وتبلى إلا حين تسقط الهمم وتستسلم الشعوب لشهواتها فتتحول أهدافها من مثل عليا وغايات نبيلة إلى شهوات دنيئة وآمال حقيرة متدنية فتصبح سوقًا رائجًا للرذائل ومناخًا لعبث العابثين، وبها ترتفع أسهم اللاهين والماجنين فلا تلبث أن تدركها السُّنة الإلهية بالهلاك والتدمير، ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن

стр. 702

نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ (١). أي مسلم يرغب أن يُخَوَّن في أهله؟ ! وأي عاقل يرضى أن يكون سببًا في اختلاط الأنساب من حوله؟ ! وأي مؤمن يرضى بالخيانة والخديعة والكذب والعدوان؟ ! ومن ذا الذي يجهل عداوة الشيطان وحرصه على انتهاك الأعراض، وقتل الذرية، وإهلاك الحرث؟ تلكم معاشر المسلمين وغيرها أعراض وآفات مصاحبة لفاحشة الزنا، هذه الجريمة التي جعلها الله قرينة للشرك بالله في سفالة المنزلة وفي العقوبة والجزاء فقال تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢). ويقول في الجزاء والعقوبة وهو يقرن بين الزنا وغيره من الموبقات: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً .... الآية﴾ (٣). ولا مقابل ذلك ربط السعادة وعلق الفلاح بخصال حميدة، منها حفظ الفروج عن الزنا فكان فيما أنزل الله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (٤) وتدل الآية على أن من قارف الزنا

стр. 703

وتجاوز الحلال إلى الحرام فقد فاته الفلاح، ووقع في اللوم، واتصف بالعدوان (١). أيها المؤمنون -وقاني الله وإياكم الفتن والشرور- وليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، فهو سلعة غالية، وهو مكانة عالية، وهو طريق السعادة في الدنيا والآخرة، لكنه جهاد ونية وصبر وتضحية وضبط لزمام النفس وتعال عن الشهوات المحرمة، والإيمان بإذن الله حارس للمرء عن الوقوع في المحرمات، وهو درع يحمي صاحبه عن المهلكات، لكن الزنا- معاشر المسلمين- يخرم هذا الحزام من الأمان، ويدك هذا الحصن الحصين، وينزع هذا السربال الواقي بإذن الله إلا أن يتوب، يقول ﵊: «إن الإيمان سربال يسربله الله من يشاء فإذا زنى العبد نزع منه سربال الإيمان فإن تاب رد عليه». ولا يجتمع الإيمان مع الزنا، والمصطفى ﷺ يقول: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن .... الحديث». وتُحَذِّر أم المؤمنين عائشة ﵂ وهي تروي هذا الحديث وأمثاله، تُحَذِّر الأمة وتقول: فإياكم وإياكم (٢) ..... كما جاء في رواية أخرى من روايات الحديث بيان الفرق بين الإيمان والزنا، وكرم هذا وخسة ذاك، فقد ورد: «لا يسرق السارق وهو مؤمن، ولا يزني الزاني وهو مؤمن، الإيمان أكرم على الله من ذلكم» (٣).

стр. 704

وورد أيضًا عنه ﷺ بهذا الخصوص قوله: «إذا زنا أحدكم خرج منه الإيمان وكان عليه كالظلة فإذا انقطع رجع إليه الإيمان» (١). إخوة الإيمان -عصمني الله وإياكم والمسلمين من الفواحش ما ظهر منها وما بطن- وكم أذل الزنا من عزيز، وأفقر من غنى، وحط من الشرف والمروءة والإباء، عاره يهدم البيوت ويطأطئ عالي الرؤوس، يُسوِّد الوجوه البيضاء، ويخرس ألسنة البلغاء، ينزع ثوب الجاه مهما اتسع، ويخفض عالي الذكر مهما علا، إنه شين لا يقتصر تلويثه على من قارفه، بل يشين أفراد الأسرة كلها .. إنه العار الذي يطول حتى تتناقله الأجيال. بانتشاره تضمر أبواب الحلال، ويكثر اللقطاء، وتنشأ طبقات بلا هوية طبقات شاذة تحقد على المجتمع وتحمل بذور الشر- إلا أن يشاء الله- وحينها يعم الفساد ويتعرض المجتمع للسقوط. أيها العقلاء فكروا قليلاً في الصدور قبل الورود، وتحسبوا لمستقبل الأيام، وعوادي الزمن قبل الوقوع في المحظور، واخشوا خيانة الغير بمحارمكم إذا استسهلتم الخيانة بمحارم غيركم، وكم هي حكمة معلِّمة تلك الكلمات التي قالها الأب لابنه حين اعتدى في غربته على امرأة عفيفة بلمسة خفيفة، فاعتدى في مقابل ذلك (السَّقاء) على أخته بمثلها وحينها قال الأب المعلم لابنه: «يا بني دقة بدقة ولو زدت لزاد السقا». وإياكم إياكم أن تلوثوا سمعتكم وفيما قسم الله لكم من الحلال غنية عن الحرام. وتصوروا حين تراودكم أنفسكم الأمارة بالسوء أو يراودكم شياطين الجن

стр. 705

والإنس للمكروه، تصوروا موقف العبد الصالح حين راودته التي هو في بيتها عن نفسه، وغلقت الأبواب وقالت هيت لك، قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون، أجل لقد رأى الصديق ﵇ برهان ربه، وصرف الله عنه السوء والفحشاء، وعدَّه في عباده المخلصين. وفي مثل هذه المواقع يبتلى الإيمان، وفي مثل هذه المواقف يمتحن الرجال والنساء، وفي مثل هذه المواطن تبدو آثار الرقابة للرحمن، وهل تتصور يا عبد الله أنك بمعزل عن الله مهما كانت الحجب، وأيًّا كان الستار؟ كلا، فالله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وهو الذي يعلم السر وأخفى، ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١). إذا ما خلوت الدَّهرَ يومًا فلا تقل خلَوتُ ولكن عليَّ رقيبُ إخوة الإسلام، ومُستَحِلُّ الزنا في الإسلام كافر خارج من الدين، والواقع فيه من غير استحلال فاسق أثيم، يرجم إن كان محصنًا، ويجلد ويغرب إن كان غير محصن (٢). لا ينبغي أن يدخل فيه الوساطة والشفاعة، وينهى المسلمون أن تأخذهم في العقوبة الرأفة والرحمة، وأمر المولى ﷻ أن يقام الحد بمشهد عام يحضره طائفة من المؤمنين ليكون أوجع وأوقع في نفوس الفاعلين والمشاهدين. قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣). نفعني الله وإياكم بهدي كتابه ...

стр. 706

الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، سن من الشرائع والأحكام ما فيه مصلحة للعباد في دينهم ودنياهم، وأشهد ألا إله إلا الله، يعلم ما يصلح الخلق في حاضرهم ومستقبل أيامهم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ما فتئ يحذر أمته من الخنا والفجور حتى وافاه اليقين. اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين. إخوة الإسلام، وإذا كان ما مضى جزءًا من شناعة عقوبة الزنا في الدنيا فأمر الآخرة أشد وأبقى. ولو سلم الزناة من فضيحة الدنيا، فليتذكروا عظيم الفضيحة على رؤوس الأشهاد، هناك تبلى السرائر ويكشف المخبوء، وما للإنسان حينها من قوة ولا ناصر، بل إن أقرب الأشياء إليه تقام شهودًا عليه: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١). وهل تغيب عن العاقل شهادة الجلود، وهل دون الله ستر يغيب عنه شيء وهو علام الغيوب ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢). يا أمة الإسلام، ولا يقف الأمر عند حد الفضيحة على الملأ مع شناعته بل يتجاوز إلى العذاب وما أبشعه؟ جاء في صحيح البخاري وغيره عن سمرة بن جندب ﵁ -في الحديث

стр. 707

الطويل- في خبر منام النبي ﷺ أن جبريل وميكائيل جاءاه قال: فانطلقا فأتينا على مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع فيه لغط وأصوات، قال: فاطلعنا فإذا فيه رجال ونساء عراة فإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا- أي صاحوا من شدة الحر- فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الزناة والزواني فهذا عذابهم إلى يوم القيامة (١). وروى الإمام أبو يعلى وابن حبان وصححه. عن أنس ﵁: (من مات مدمن الخمر سقاه الله جل وعلا من نهر الغوطة، قيل وما نهر الغوطة؟ قال: نهر يجري من فروج المومسات- يعني البغايا- يؤذي أهل النار ريح فروجهم). فأهل النار يعذبون بنتن ريح الزناة (٢)؟ أيها المسلم والمسلمة، وفي يوم عظيم أنتم في أشد حاجة إلى الظل تستظلون به من حر الشمس حين تدنو من الخليقة، والعرق يلجمهم على قدر أعمالهم- هل علمتم أن من أسباب ظل الله للعبد يوم لا ظل إلا ظله- البعد عن مقارنة الزنا، وتصور عظمة الله ورقابته. جاء في الحديث الصحيح أن أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله .. رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقالت إني أخاف الله. أيها المسلمون، إن عذاب الله شديد وعقابه أليم. وهو يمهل ولا يهمل، فلا تؤخذوا بالاستدراج، ولا ينتهي تفكيركم عند حدود الحياة الدنيا فإن يومًا عند ربكم كألف سنة مما تعدون. ولو عدنا مرة أخرى للدنيا لوجدنا من الزواجر والروادع، غير ما مضى، ما

стр. 708

يكفي للنهي عن هذه الفاحشة النكراء. فالأمراض المدمرة يجلبها الزنا وقد جاء في الحديث، أن النبي ﷺ أقبل على المهاجرين يومًا فقال: يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ الله أن تدركوهن فذكر منها: «ولم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيها الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم» (١). وهنا نحن اليوم نشهد نبوة النبي ﷺ في المجتمعات التي ينتشر فيها الزنا. أيها المسلم والمسلمة وكل منا محتاج إلى كشف الكربات التي تصادفه في الدنيا وكشف كربات القيامة من باب أولى، وقد ورد أن البعد عن الزنا سبب لتفريج الكربات، كما في قصة الذين انطبق عليهم الغار فاستصرخ كل منهم ربه بعمل عمله، وكان من أعمال أحدهم أنه راود يومًا امرأة في الحرام فلما وقع منها موقع الرجل من امرأته قالت له: يا عبد الله اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فخاف الله وأقلع عنها، وكان هذا العمل سببًا لرفع جزء من الصخرة عنهم ... وكذلك يفرج الله عن عباده العارفين به حال السراء إذا مسهم الضر وأصابهم البلاء .. أيها المسلمون، هذه مقدمات وروادع لفاحشة الزنا، وبيان لبعض عقوباتها في الآخرة والأولى. أما الأسباب المؤدية للجريمة، وأما العوامل المساعدة على الخلاص منها فتلك لأهميتها أرجئ الحديث عنها لخطبة قادمة بإذن الله. عصمني الله وإياكم من كل مكروه، وأخذ بأيدينا إلى الخير والفلاح هذا وصلوا على القائل: «ما من عبد يصلي علي إلا صلت عليه الملائكة ما دام يصلي علي فليقل العبد من ذلك أو ليكثر» (٢).

стр. 709

(٢) فاحشة الزنا الأسباب والعلاج (١) الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره .. أيها المؤمنون والمؤمنات وقد سبق الحديث عن مقدمات وروادع فاحشة الزنا، تلك التي يكفي أن الله قال في شأنها: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ (٢). وعدَّها العلماء من أكبر الكبائر الثلاث، الكفر، ثم قتل النفس بغير الحق، ثم الزنا كما رتبها الله في قوله: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ .. ﴾ (٣). وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود، ﵁، قال: قُلتُ: «يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندًا وهو خلقك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم منك، قلت ثم أي؟ قال: أن تزني بحليلة جارك». قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولهذا الترتيب وجه معقول، وهو أن قوى الإنسان ثلاث: قوة العقل، وقوة الغضب، وقوة الشهوة (٤). هذه الفاحشة التي ترفضها الفطر والعقول السليمة، ويأنف منها غير الآدميين

стр. 710

من الحيوان والطير، فقد ذكر البخاري في صحيحه عن أبي رجاء العطاردي أنه رأى في الجاهلية قردًا يزني بقردة فاجتمعت القرود عليه حتى رجمته، وقال ابن تيمية: وحدثني بعض الشيوخ الصادقين أنه رأى نوعًا من الطير قد باض، فأخذ الناس بيضه وجاؤوا ببيض جنس آخر من الطير، فلما انفقس البيض خرجت الفراخ من غير الجنس، فجعل الذكر يطلب جنسه حتى اجتمع منهن عدد، فما زالوا بالأنثى حتى قتلوها. قال الشيخ: مثل هذا معروف في عادة البهائم (١). أختاه في الله، ولِعِظَم جرم الزنا كان النبي ﷺ يبايع النساء على عدم مقارفته، كما يبايعهن على عدم الإشراك بالله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ ... ﴾ (٢) وكان العرب، وهم مشركون، يحرمون الفواحش، وربما قتل بعضهم البنات خشية العار، فنهى القرآن عن قتلهن بغير حق، ورتَّب العقوبة المناسبة للفاحشة، ولهذا استغربت هند بنت عتبة بن ربيعة، حين بايعها النبي ﷺ ، فيما بايعها على عدم الزنى وقالت: أوَ تزني الحرة؟ وكان الزنى معروفًا عندهم في الإماء (٣). أيها المسلمون والمسلمات، وليس شيءٌ يقع إلا وله أسباب، ومعرفتنا بالأسباب والعوامل المؤدية لفاحشة الزنى تضع أيدينا على الداء، والوقاية منها وسد الطرق الموصلة إليها يكمن فيها العلاج والدواء، والعاقل مَن وعى هذه الأسباب، وأبعد نفسه عن مخاطرها، وتأمل طرق العلاج وألزم نفسه فيها. وأول الأسباب المؤدية للزنى وأحراها ضعف الإيمان واليقين، فإذا ضعف هذا العامل نسي المرء أو تناسى الوعد والوعيد، وأمن العقوبة، وتباعد

стр. 711

الفضيحة، وقل ما حسه ميزان الرقابة، وانحسر الخوف من الجليل، وقد سبق الحديث: «لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن» وفي الحديث الآخر «من زنى خرج منه الإيمان، فإن تاب تاب الله عليه» (١)، ومن صفات المؤمنين-كما جاء في القرآن الكريم- أنهم لا يزنون. السبب الثاني: النظرة المحرمة، إذ هي سهم من سهام الشياطين، تنقل صاحبها إلى موارد الهلكة، وإن لم يقصدها في البداية، ولذا قال تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ .. ﴾ (٢). وتأمل كيف ربط بين غض البصر وحفظ الفرج في الآيات، وكيف بدأ بالغض قبل حفظ الفرج لأن البصر رائد القلب، كما أن الحمى رائد الموت، كما قال الشاعر: ألم تر أن العينَ للقلب رائدٌ فما تألف العينان فالقلب آلف. وفي السنة بيان لما أجمله القرآن في أثر النظرة الحرام، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة، ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة، فالعينان تزنيان، وزناهما النظر ... الحديث» فاتقوا زنى العينين، قال أهل العلم: لا يحل للرجل أن ينظر إلى المرأة- الأجنبية- ولا المرأة إلى الرجل- الأجنبي عنها- فإن علاقتها به كعلاقته بها، وقصدها منه كقصده منها (٣).

стр. 712

إخوة الإيمان، وكم نظرةٍ محرَّمةٍ قادت إلى نظرات أخرى، وقادت النظرات إلى همسات، ثم مواعد فلقاء، ومعظم النار من مستصغر الشرر: كم نظرةٍ فتكت في قلب صاحبها ... فتك السهام بلا قوس ولا ترِ والمرء ما دام ذا عين يُقَلِّبُها ... في أعيُن الغيد موقوفٌ على الخطرِ يسرُّ مُقلتَه ما ضرَّ مهجته ... لا مرحبًا بسرورٍ جاء بالضرر قال الإمام القرطبي ﵀: ولقد كره الشعبي أن يديم الرجل النظر إلى ابنته أو أمه أو أخته، وزمانه خير من زماننا هذا، وحرام على الرجل أن ينظر إلى ذات محرمه نظرة شهوة يرددها (١). فإذا كان هذا في القرن السابع الهجري فماذا لو رأى القرطبي زماننا نحن، ماذا عساه يقول عن كلام الشعبي؟ وإذا كان هذا في النظر إلى المحارم فكيف يكون الحال في النظر إلى الأجنبيات أو إلى الصور الخليعة أو المسلسلات الهابطة التي يختلط فيه النساء بالرجال؟ ومن الأسباب الداعية للزنا أيتها المرأة المسلمة: كثرة خروج المرأة وتبرج النساء، وتكسرهن في المشية، وإلانتهن في القول، فهذه وتلك فواتح للشر تطمع الذي في قلبه مرض. وتفتن المستمسك إلا أن يعتصم بالله، وقد نهى الله نساء المؤمنين عن ذلك كله حماية لأعراضهن وصونًا لغيرهن من مواطن الريب، قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ (٢). ويقول تعالى مخاطبًا نساء النبي ﷺ وغيرهن من باب أولى-: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ (٣).

стр. 713

إن مما يؤسف له أن تملأ نساء المسلمين الأسواق العامة، وأن تَظْهرَ المرأة بكامل زينتها، وأن يُنزع الحياءُ منها فتخاطب الأجانب وكأنما هم من محارمها، وربما ساءت الأحوال فكانت الممازحة والمداعبة، وتلك وربي من قواصم الظهر ومن أسباب إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا! إخوة الإيمان، ويستهين فريق من الناس بالخلوة بالنساء الأجنبيات ولو كن من ذوات الأقارب، ويتسامح آخرون في سفر المرأة دون محرم وهذه وتلك طرائق أخرى للجريمة العظمى، وما فتئ المصطفى ﷺ يحذر الأمة ويبعدها عن مناطق الخطر ويقول: «إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: أرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت- والحمو قريب الزوج-» (١). وفي الحديث الآخر قال ﵊: «لا يخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم» و «ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما». كما حرم الإسلام الخلوة بالمرأة الأجنبية في أي موضع وأي حال فقد حرم سفرها بدون محرم ومهما كانت الظروف والأحوال، فقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم عليها». إذا كان هذا منطق الإسلام وهدي سيد الأنام فما بال أقوام يتعللون بالثقة أحيانًا ويتذرعون بالحاجة أحيانًا أخرى، والثقة شيء وسد الذرائع الموصلة إلى الحرام شيء آخر، والمعرفة المجردة بالأحكام شيء، والانصياع والتطبيق والرضا والتسليم لشرع الله شيء آخر: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ

стр. 714

وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِيناً﴾ (١). أمة الإسلام، ومن أعظم دواعي الفاحشة استقدام الخدم والسائقين تلك، المصيبة التي عمت وطمت، وامتلأت بها البيوت لحاجة ولغير حاجة، واعتاد الرجال على الدخول مع النساء المستخدمات وكأنهن من ذوات المحارم وربما تطور الأمر عند آخرين فجعلها تستقبل الزائرين وتقدم الخدمة للآخرين؟ وليس أقل من ذلك إتاحة الفرصة للسائقين الأجانب بدخول البيوت دون رقيب، والذهاب بالنساء وحدهن دون حسيب، وليت شعري أُنزعت الغيرةُ من الرجال إلى حد يستأمنون فيه الذئاب على الشياه، ويودعون ماء الوجوه لأقوام لا خلاق لهم ولا حياء، وقد يكون بعضهم فاسقًا أو كافرًا بالله فلا ذمة ولا دين له؟ وإذا كان الإسلام حرم على قريب الزوج أن يدخل على زوجته دون محرم، وقد يكون ذا غيرة عليها، وعلى فراش قريبه، فكيف نسمح للأجنبي عنها وعن زوجها ونعطيه من الثقة ما ليس أهلاً لها؟ إن أحداث الزمن وواقع الناس يشهد بكثير من الجرائم والفواحش من وراء استقدام السائقين والخدم ... ولكن التقليد الأبله، والثقة العمياء ربما حجبت الرؤية عند قوم وأصمت آذان آخرين، ومصيبة أن يستيقظ المرء على الجريمة تقع في بيته، وليس من العقل أن يتأخر المرء حتى يصبح عبرة للآخرين فالعاقل من وعظ بغيره، والموفق من استبرأ لدينه وعرضه. أمة الإسلام مصيبة عظمى أن نسعى بأنفسنا لتهيئة أسباب الفاحشة لنسائنا وأزواجنا وأخواتنا في قعر بيوتنا، ونحن نسمح للسائقين بالخلوة بهن والذهاب

стр. 715

والمجيء معهن، وأن نهيج غرائز أبنائنا وإخواننا بتوفير الخادمات اللاتي يستعرضن أنواع الزينة، ويلبسن ما شف أو وصف ولم يغط الذراعين والساقين أو كليهما، ثم نطلب من هؤلاء المراهقين أن يكونوا بررة أتقياء؟ أو نتصور الأمور طهرًا ونقاء والله أعلم بما يجري في الخفاء. اتقوا الله معاشر الرجال في قوامتكم ومسؤوليتكم، واتقين الله معاشر النساء في رعايتكن للبيوت ولا تطلبن من الأزواج ما خالف الشرع أو كان سببًا للفحش، ومن يتق الله يجعل له مخرجًا.

стр. 716

الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين مستحق الحمد والثناء، وأشهد أن لا إله إلا الله ذي المجد والثناء، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وأنار الطريق للأمة وتركها على المحجة البيضاء فلا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وعلى آل محمد الطيبين الطاهرين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أيها المسلمون والمسلمات، ويبقى سبب مهم من الأسباب الداعية لفاحشة الزنا ألا وهو سماع الغناء والخنا، والعكوف على مشاهدة المسلسلات الهابطة والنظر إلى الأفلام الخليعة تلك التي تبثها وسائل الإعلام بمختلف قنواتها، إن هذه المشاهد المؤذية تروض البنين والبنات على الفحش، وتذهب عنهم ماء الحياء وإذا نزع الحياء من أمة فقد تودع منها، وأنى لكلمات الآباء وتوجيهات الأمهات أن تصل إلى الأولاد وهم يستقبلون كل يوم عشرات المشاهد والكلمات التي تنسخ بالليل ما سمعوه منهم بالنهار، ويظل الشيطان بالإنسان يغريه ويغويه حتى ينتقل من مرحلة إلى أخرى وكأنما خلق للهو والعبث فلا يكفيه أن يشاهد من الداخل بل يطمع بمشاهدة كل جديد ولو كان فيه حتفه وينصب بعضهم أعمدة البث المباشر خفية أول الأمر حتى إذا أمن عقوبة الناس أو تخفف بعض الشيء من نقدهم أعلنها وأعلاها وكأن نقد الناس هو العائق عن المجاهرة ... أما ما تحويه هذه (الدشوش) من بلاء وفتنة، وما تحمله من سموم مبطنة فتلك آخر ما يفكر فيها، وأما ما تحمله هذه المادة المبثوثة من غزو للأفكار مقصودة، ومن تدمير للأخلاق مبرمجة ومدروسة، فذلك ما تغيب عن باله في سبيل

стр. 717

اللذة .. الآنية، والنهم في معرفة ما لدى الآخرين، ومن عجب أنك لا تجد أحدًا- حين المناقشة- يخالفك الرأي في الأثر السيء لسماع الغناء والخنى، والنظر إلى المشاهد المثيرة للغرائز والعواطف، في أي وسيلة وعبر أي قناة ... ومع ذلك تحس بالإصرار على الخطأ أحيانًا، وتحس بالتجاهل لنتائج الدراسات العلمية لهذه البرامج على النشء مستقبلاً، لا أعتقد أن البعض جاهل إلى هذه الدرجة، والمأساة لا تحل به وحده، بل تطبع جيلاً من أبنائه وأبناء غيره لا هم لهم إلا ضياع الأوقات في زبالات الأفكار الواردة، والاستجابة لتربية الغرباء بدلاً من تربية الأمهات والآباء، وإنما القضية ضعف في اتخاذ القرار وانشطار في القوامة على البيوت بين الرجال والنساء وهي تحتاج لنوع من التفاهم لما فيه الخير، ونوع من التعاون على البر والتقوى لما فيه الرشد والفلاح، وسيحس الأبوان حينها بإشراق البيوت بنور الله، وامتلاء القلوب بذكر الله، وستفر الشياطين كالحمر المستنفرة، وستحل محلها الملائكة تشهد الخير وتنزل معها السكينة والرحمة، والفرق بين الحالتين كبير، والتجربة أكبر برهان. يا أمة القرآن، وليس يخفى أن من العوامل الخطيرة لإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا صيحات المنافقين، ودعوات العلمانيين، ومن سار في ركبهم لتحرير المرأة من كل حشمة ووقار، ومطالبتها بالخروج والاختلاط بالرجال وهي دعوات مبطنة تتخذ أساليب عدة- ليس هذا موضع تفصيلها- لكني أنبه إليها بإجمال ليحذر المؤمنون والمؤمنات أولئك الذين يخرجون باسم التقدم والحضارة، وباسم حماة المرأة والمهتمين بقضاياها، والله أعلم بما يبطنون، ولقد بلغت المرأة في بلادنا بفضل الله مبلغًا من العلم والوعي لم تعد فيه تنخدع أو تستجيب لهذه الدعوات التي يُعْرَف أصحابُها في لَحْن قولهم: ﴿أَمْ حَسِبَ

стр. 718

الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ (١). أيها المسلمون وثمة أسباب أخرى لا تقل أهمية، فالسفر للبلاد الإباحية دونما حاجة، والتردد كثيرًا على البلاد التي ينتشر فيها الفساد وتعلن الرذيلة أسباب جالبة لوقوع الزائر في الشراك، وإن لم يقصدها أول مرة، وضعف رقابة الآباء والأمهات على البنين والبنات، وغلاء المهور، وضعف التوعية في مدارس البنين والبنات عن مخاطر جريمة الزنا- كل هذه وتلك إذا وجدت فهي أسباب من الأسباب المؤدية إلى الزنا- نسأل الله السلامة لنا ولسائر المسلمين. أيها الإخوة والأخوات، وتبقى طرق العلاج رهينة معرفة الأسباب ومرتبطة بعلاجها، فمعرفة السبب وإزالة الداعي إلى الفتنة، أول طريق للعلاج، وبالتالي فإن تقوية الإيمان في النفوس، وصرف الأبصار عن الحرام (وإنما لك الأولى وليس لك الثانية). ولزوم الحجاب الشرعي للمرأة، وعدم اختلاطها بالرجال أو خلوتها بهم، والوعي بمخاطر سفر المرأة دون محرم، وعدم التهاون بذلك، والتنبه لمخاطر الهاتف والإعراض عن السفهاء، وعدم استقدام السائقين والخدم إلا لضرورة وبالمواصفات الشرعية، فالسائق مع زوجته، والخادمة مع زوجها، والاقتصار على المسلمين دون غيرهم، والحذر من وسائل الإعلام وما تبثه من برامج ساقطة وعدم الانخداع بدعوات المغرضين، أو الاستجابة لأصوات المنافقين، وتيسير المهور، ومراقبة البيوت، والإشراف ومزيد الاهتمام بالبنين والبنات، والاقتصاد في السفر للخارج- كل هذه إذا وضعها المسلم نصيب عينه، وأولاها من العناية ما تستحق فستكون بإذن الله عوامل ناجحة في العلاج وطرقًا مهمة لقطع دابر الفتنة.

стр. 719

ويبقى بعد ذلك دور الجهات المسؤولة في تنفيذ الأحكام، فلا يأخذ المسؤول لومة لائم في تطبيق الحدود وإقامة شرع الله كما أمر، (فالله تعالى يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن)، وبعض الناس يخيفه عذاب الدنيا ويخشى العار من الخلق أكثر من خوفه من عذاب الله، وخشيته من الفضيحة الكبرى، وهؤلاء لا تردعهم إلا القوة، ولا يصلح معهم الضعف والمسامحة، والله تعالى وهو أرحم الراحمين يقوله في تطبيق الحدود على الزناة: ﴿وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ (١). ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في هذا المعنى كلامًا جميلاً ومما قاله: وبهذا يتبين لك أن العقوبات الشرعية كلها أدوية نافعة يصلح الله بها مرض القلوب وهي من رحمة الله بعباده ورأفته بهم الداخلة في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (٢). فمن ترك هذه الرحمة النافعة كرأفة يجدها بالمريض، فهو الذي أعان على عذابه وهلاكه، وإن كان لا يريد إلا الخير إذ هو في ذلك جاهل أحمق .. إلى أن يقول: ومن الناس من تأخذه الرأفة بهم لمشاركته لهم في ذلك المرض وذوقه ما ذاقوا من قوة الشهوة وبرودة القلب والديانة، فيترك ما أمر الله به من العقوبة وهو في ذلك أظلم الناس وأريثهم في حق نفسه ونظائره، وهو بمنزلة جماعة من المرضى قد وصف لهم الطبيب ما ينفعهم فوجد كبيرهم مرراته فترك شربه ونهى عن سقيه للباقين) (٣). نعوذ بالله من الخذلان، ونسألك اللهم البعد عن الفواحش، والدياثة وسيء الأخلاق.

стр. 720

اللهم طهر قلوبنا من الآثام والأمراض، واحفظ جوارحنا عن الفواحش وسيء الأخلاق، اللهم احفظنا واحفظ لنا وطهرنا وطهر لنا، اللهم كما حفظت أنبياءك وأولياءك فاحفظنا .. اللهم ألهمنا رشدنا وبصرنا بمواطن الضعف في نفوسنا، اللهم اهد ضال المسلمين.

стр. 721

من فقه النوازل وثمار السنن (١) الخطبة الأولى الحمد لله رب العالمين أحاط بكل شيء علمًا، وخلق فسوى وقدر فهدى، وسعت رحمته كل شيء، وجعل بعد العسر يسرًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ما يقدر في هذا الكون من خيرٍ أو شرٍ فله الحكمة البالغة، يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر، وما جعل عليهم في الدين من حرج، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله بلغ رسالة ربه، واحتمل في سبيلها الأذى وأحاطت الفتن به وبأصحابه، فصبروا لأمر الله، ورضوا بما قدر الله، فأعقبهم الحسنى وكتب لهم النصر في الدنيا ووعدهم النعيم الدائم في الحياة الأخرى .. اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء الذي صبروا على اللأواء ... وعلى آل محمد المؤمنين، وارض اللهم عن أصحابه البررة المتقين وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا. اتقوا الله عباد الله، واخشوا يومًا ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفسٍ ما كسبت وهم لا يظلمون ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٢). معاشر المسلمين، وبإزاء النوازل الواقعة والفتن المتلاحقة في ديار المسلمين تكاد القلوب تطير هلعًا وجزعًا لهولها، وتكاد أقدام تزل بعد ثبوتها، أفيليق أن تهتزَّ القناعات لحدثٍ مدمرٍ، أو تغير الثوابت لمحنةٍ مزلزلة ... أو يفقد التوازن

стр. 722

لقدرٍ إلهي واقع؟ كلا .. والذين ينظرون بنور الله، ويقرؤون آياته ويحسنون الظنَّ بالله لا تروعهم الأحداث مهما كانت جسامتها ولا يفقدون الثقة بأنفسهم ولا يسيئون الظنَّ بربهم مهما أظلم الليلُ وهاجت الأعاصير، وأخافت أصوات الرعود والبروق، أولئك يفقهون قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (١). قال أبو عبيدة (عسى) من الله إيجاب، والمعنى عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقَّة وهو خيرٌ لكم، في أنكم تغلبون وتظفرون وتغنمون وتؤجرون، ومن مات مات شهيدًا، وعسى أن تحبوا الدَّ عةَ وترك القتال وهو شرٌ لكم، في أنكم تُغلبون وتُذلون ويذهب أمركم، قال القرطبي ﵀: تعليقًا على هذه الآية: وهذا صحيحٌ لا غبار عليه، كما اتفق في بلاد الأندلس، تركوا الجهاد وجنبوا عن القتال، وأكثروا من الفرار، فاستولى العدوُّ على البلاد، وأي بلاد؟ وأسر، وقتل، وسبى واسترق، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ذلك بما قدمت أيدينا وكسبته. وقال الحق- في معنى الآية- لا تكرهوا الملمات الواقعة، فلربَّ أمرٍ تكرهه فيه نجاتك، ولربَّ أمرٍ تحبه فيه عطبك (٢). أيها المسلمون، هكذا يدرك العارفون فقه النوازل، وكذلك ينبغي أن ينظر المسلم بنور الله إلى الفتن والحوادث. إن الشدة بعد الرخاء، والرخاء بعد الشدة، هما اللذان يكشفان عن معادن النفوس، وطبائع القلوب، ودرجة الغبش فيها والصفاء، ودرجة الهلع فيها

стр. 723

والصبر، ودرجة الثقة فيها بالله والقنوط، ودرجة الاستسلام فيها لقدر الله أو البرم والجموح. كذلك امتحن الله المسلمين فيما مضى وزلزلوا زلزالاً شديدًا، وكذلك يُمتحن المسلمون اليوم، وتموج الأرض من تحت أقدامهم .. ليميز الله الخبيث من الطيب .. وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين. إن سنن الله ثابتة، فالفساد في الأرض، والتمرد على شرع الله، والذل والهوان، والرغبة في العاجلة، والارتماء في أحضان الكافرين .. لابد وأن يعاقب الله عليه عاجلاً، حتى تصفو النفوس، وتستقيم القلوب، وتعود الشوارد، وتستجيب الصمُّ لنداء الحق. يقول ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (١). (أي لابد أن يعقد سببًا من المحنة، يظهر فيها وليُّه، وينفضح فيه عدوُّه، ويعرف به المؤمن الصابر، والمنافق الفاجر). عباد الله، ومع ما يقدر الله على العباد من محن وبلايا، وأحداث ورزايا، فقد كتب الرحمة على نفسه، فالابتلاء لحكمةٍ وفي المحن منح، وإن مع العسر يسرًا ﴿قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (٢). والمسلم العارف بربَّه يوافقه الشعور برحمة الله به في أي حال كان، يستيقن أن الرحمة وراء كلِّ لمحة، وكلِّ حالة، وأن ربَّه لا يعرضه للابتلاء لأنه تخلى عنه أو طرده من رحمته، فإن الله لا يطرد من رحمته أحدًا يرجوها، وإنما يطرد

стр. 724

الناس أنفسهم من هذه الرحمة حين يكفرون بالله، ويرفضون رحمته ويبعدون عنها. إن توفر الطمأنينة إلى رحمة الله تملأ القلب بالثبات، والصبر، وبالرضا، وبالرجاء، والأمل، وبالهدوء والراحة .. ألا وإنه لا ممسك لرحمةٍ يفتحها الله للناس، ولا مرسل لما أمسك ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١). أين الواثقون بعطاء الله، أين الإيمان بآيات الله، أين اليقين والرضا والتسليم بما قدر الله .. كيف تطلب الرحمة من غير واهبها؟ وكيف يطلب المسلمون الإرسال والمدد من البشر وبيد خالقهم مفاتيح النفع والضر؟ وهل تطيب النعم الظاهرة إذا كنت بمنأى عن رحمة الله؟ وهل تضير المحن والبلايا إذا ظللت أصحابها رحمة الله؟ يقول صاحب الظلال تعليقًا على هذه الآية- وما أروع ما قال-: (وما من نعمة- يمسك الله معها رحمته- حتى تنقلب هي بذاتها نقمة، وما من محنةٍ تحفها ﵀ حتى تكون هي بذاتها نعمة، ينام الإنسان على الشوك مع رحمة الله فإذا هو مهاد، وينام على الحرير وقد أُمسكت عنه فإذا هو شوك القتاد، ويعالج أعسر الأمور برحمة الله فإذا هي هوادةٌ ويسر، ويعالج أيسر الأمور، وقد تخلت رحمة الله، فإذا هي مشقة وعسر، ويخوض بها المخاوف والأخطار فإذا هي أمن وسلام، ويعبر بدونها المناهج والمسالك فإذا هي مَهْلَكةٌ وبوار. ولا ضيق مع رحمة الله إنما الضيق في إمساكها دون سواه، ولا ضيق ولو

стр. 725

كان صاحبها في غياهيب السجن، أو في جحيم العذاب، أو في شعاب الهلاك، ولا سعة مع إمساكها، ولو تقلب الإنسان في أعطاف النعيم وفي مراتع الرخاء، فمن داخل النفس برحمة الله تتفجر ينابيع السعادة والرضى والطمأنينة، ومن داخل النفس مع إمساكها تدب عقارب القلق والتعب والنصيب والكدر والمعاناة .. إلى أن يقول ﵀: رحمة الله لا تَعزُّ على طالب في أي مكان ولا في أي حال، وجَدَها إبراهيم ﵇ في النار، ووجدها يوسف ﵇ في الجُبِّ، كما وجدها في السجن، ووجدها يونس ﵇ في بطن الحوت، في ظلمات ثلاث، ووجدها موسى ﵇ في اليم وهو طفلٌ مجرد من كلِّ قوة ومن كلِّ حراسة، كما وجدها في قصر فرعون وهو عدوٌ له متربصٌ به ويبحث عنه، ووجدها أصحاب الكهف في الكهف حين افتقدوها في القصور والدور، فقال بعضهم لبعض: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته﴾ (١). ووجدها رسول الله ﷺ وصاحبه في الغار، والقوم يتعقبونهما ويقصُّون الآثار .. ووجدها كلُّ من آوى إليها يائسًا من كل ما سواها، منقطعًا عن كلِّ شبهةٍ في قوة، وعن كلِّ فطنة في رحمة الله، قاصدًا أبواب الله وحده دون الأبواب). إلخ كلامه الجميل يرحمه الله (٢) .. ألا ما أحوجنا إلى التأمل في كتاب ربِّنا، نستهلم فيه الأمنَ والإيمان يهدِّئ من روعنا، ويديم صلتنا بخالقنا، ويذهب قلقنا، وتستقيم معه حياتنا .. أجل لقد كان نبي الهدى والرحمة ﷺ يتمثل هذه المعاني ويحياها، يصبر على ما أصابه، ويثني على ربِّه، ولا ينسب الخير إلا له، وهو القائل: (والشر ليس إليك) (٣).

стр. 726

وعلَّم أمته حين تصاب بالهمِّ والحزن أن تقول- فيما تقول- (ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك) وذلك منتهى الرضا والتسليم والحمد والشعور بعدل رب العالين، وكذلك ينبغي أن يقتدي المسلم، فيستشعر الرضاء في كل قضاءٍ يختاره له ربُّه. ومن مأثور السلف، يُروى أنه اجتمع وهيبٌ بن الورد وسفيان الثوري ويوسف بن أسباط فقال الثوري: قد كنت أكره موت الفجأة قبل اليوم، وأما اليوم: وددت أني ميت، فقال له يوسف بن أسباط: ولِمَ؟ فقال: لما أتخوف من الفتنة، فقال يوسف: لكني لا أكره طول البقاء، فقال الثوري: ولم تكره الموت؟ قال: لعلِّي أصادف يومًا أتوب فيه وأعمل صالحًا، فقيل لوهيب: أي شيء تقول أنت؟ فقال: أنا لا أختار شيئًا، أَحبُّ ذلك إليَّ أحبُّه إلى الله، فقبَّل الثوري بين عينيه وقال: روحانية ورب الكعبة. قال ابن القيم معلقًا: وقد كان لوهيب المقام العالي من الرضا وغيره (١). أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ (٢). نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وسنة رسوله ﷺ ، أقول قولي هذا واستغفر الله ..

стр. 727

الخطبة الثانية الحمد لله على كلِّ حال، وأشكره على الدوام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يعلم ما لا نعلم ويقدر ما لا نقدِّر، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بعثه الله لاستنقاذ العباد من عبودية العباد إنما عبودية ربِّ العباد، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر المرسلين .. إخوة الإيمان، والمعرفة اليقينية بسنن الله في هذا الكون تورث في المسلم ثمارًا يانعة يحسها في الدنيا ويجد ثوابها يوم يلقى الله .. ومن هذه الثمار: ١ - تحقيق العبودية لله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، فإذا كنا نعلم أن من أسمائه: العليم، الحكيم، البر، الرحيم، اللطيف، الودود، ونحوها .. فلا معنى للتسخط لأي قدر يقدره الله .. بل لابد من الإيمان أن فيما يقدره الله في هذا الكون الخير، وسواء أدركنا ذلك أم لم ندركه، وينتج عن هذا الإيمان حسن الظنِّ بالله، وصدق التوكل عليه، وقوة اليقين والمحبة لله ولرسوله ولدينه. ٢ - كما تثمر هذه المعرفة اليقينية في القلب ثباتًا ورباطةَ جأشٍ وصبرًا أمام الابتلاءات والمصائب، والمسلم مثابٌ على صبره ويرجو رحمة ربه، هكذا علمنا القرآن وذلك فرق بين صبرنا وصبر أهل الملل والأديان: ﴿إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (١). وتأملوا فقه السلف في فهم حكم المصائب والنوازل، يقول الإمام ابن القيم ﵀: (إن كلَّ قدرٍ يكرهه العبد ولا يلائمه لا يخلو: إما إن يكون عقوبةً على الذنب،

стр. 728

فهو دواءٌ لمرضٍ لولا تدارك الحكيم إياه بالدواء لترامى المرضى إلى الهلاك، أو يكون سببًا لنعمةٍ لا تنال إلا بذلك المكروه، فالمكروه يرتفع ويتلاشى، وما يترتب عليه من النعمة دائم لا ينقطع، فإذا شهد العبد هذين المشهدين انفتح له باب الرضى عن ربه في كل ما يقضيه له ويقدره) (١). ٣ - وهذه وتلك تورث القلب شعورًا بالأنس والسعادة والطمأنينة والسكينة مهما اشتدت المصائب أو توالت المحن، وتلك وربي هي البلسم الشافي الذي افتقد في حياة كثير من المسلمين، وحل محلها القلق والاكتئاب، وساد عند البعض منهم شعور بالإحباط، وكادت الحياة تظلم بانتشار الهمِّ والغم والحزن وشتات القلب، وسوء الحال، وظن السوء بالله. ٤ - والنظرة الإيمانية الفاحصة في حجم المآسي والمصائب النازلة في ديار المسلمين تدعو أصحابها إلى محاسبة أنفسهم ومراجعة حساباتهم، وتفقد إيمانهم، والنظر في مصداقية علاقاتهم بخالقهم .. فما نزل بلاءٌ إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة- أو ليس قيل لخير القرون: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ (٢). إن المصائب الواقعة في الأمة درسٌ ينبغي أن يعوه، وخللٌ واقعٌ في أنفسهم لابد أن يصلحوه، وثغرات مفتحة لابد أن يسدوها، هنا تتحول المصائب إلى دروسٍ معلمةٍ للأمة، ومدرسةٍ للإصلاح والاستصلاح يفيء المسلمون فيها إلى خالقهم متضرعين بين يديه، بعد أن مدوا أيديهم زمانًا إلى غيره، فلم يغنهم من جوع ولم يؤمنهم من خوف، ويعودون إلى شريعة السماء بعد أن أفلست تعاليم

стр. 729

الأرض، وشرائع الخلق، ذلكم درسٌ لا يعيه إلا أهل القرآن الذين يقفون عند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١). وعند قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٢). ألا ومن أيقظته المصائب وردته إلى الله فتاب وأناب فإن المصيبة في حق هذا خيرٌ ونعمة، وأما من زادته طغيانًا وإمعانًا في الذنوب والمعاصي، فإنها في حقه فتنة ونقمة .. ولا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون .. ٥ - ومن ثمار الفطرة الإيمانية في سنن الله الكونية الأناة وعدم الاستعجال في المواقف، والبعد عن التصرفات الرعناء .. وكم تعجل أقوام أمورهم فصارت نتائجها وبالاً عليهم، وكم سئم أناسٌ من نعمةٍ هم فيها لكنهم تقالوها وملوها فانتقلوا بجهلهم إلى ما هو أسوأ منها. ويصف ابن القيم ﵀ هذا الداء الخفي حين يقول- وتنبهوا لما يقول-: (من الآفات الخفية العامة أن يكون العبد في نعمةٍ أنعم الله بها عليه واختارها له، فيملُّها العبد، ويطلب الانتقال منها إلا ما يزعم لجهله أنه خيرٌ له منها، وربُّه برحمته لا يخرجه من تلك النعمة ويعذره بجهله وسوء اختياره لنفسه، حتى إذا ضاق ذرعًا بتلك النعمة وسخطها وتبرم بها، واستحكم ملله لها سلبه الله إياها، فإذا انتقل إلى ما طلبه، ورأى التفاوت بين ما كان فيه وما صار إليه اشتد قلقه

стр. 730

وندمه وطلب العودة إلى ما كان فيه .. إلى أن يقول: والموفق من شهد نعمة الله عليه فشكره عليها وثبت عليها، فإن حدثته نفسه الانتقال منها استخار الله استخارة جاهلٍ بمصلحته مفوضٍ أمره إلى الله .. (ولا خاب من استخار وفوض أمره إلى العزيز الجبار)، ثم يختم بقوله: (فأكثر الناس أعداء نعم الله عليهم ولا يشعرون) (١). أيها المسلمون، وهناك ثمارٌ أخرى للتأمل في سنن الله في هذا الكون، يفتح الله بها على عباده المؤمنين الذين ينظرون بنور الله، ويزنون بميزان الكتاب والسنة، أولئك- فوق ما سبق- ينظرون إلى هذه الفتن والأحداث المؤلمة على أنها أضواء في طريق اليقظة، ومقدمات بين يدي النصر الموعود للمؤمنين. ينظرون إلى هذه الأحداث المؤلمة أحيانًا، والباعثة للفتن أحيانًا أخرى على أن فيها تعجيلاً لانصرام ظلام الليل، وبشائر لطلوع الفجر .. وقد علمنا الله من سننه أن الفوج بعد الشدة، وأن مع العسر يسرًا، وأن التمكين في الأرض يكون بعد الاستضعاف والتشريد، لكن لابد أن يعي المسلمون أسباب الضياع، ويبدؤوا طريق الإصلاح، ويدَعوا التواكل والسلبية، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم- وإن تتولوا يستبدله قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم .. اللهم ارحمنا برحمتك التي وسعت كل شيء واختر لنا ما اخترته لأوليائك المتقين .. اللهم انصر دينك وأعز أولياءك.

стр. 731

(١) الثورة الغالية (نماذج ووقائع) (١) الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ... أما بعد فاتقوا الله معاشر المسلمين في أنفسكم، ومَن تحت أيديكم احملوهم على طاعة الله، وجنبوهم مواطن الزلل، واستجيبوا لربكم حيث يخاطبكم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٢). أيها المسلمون، وحديثي إليكم اليوم عن الثروة الغالية .. عن الطاقة الحيوية المتجددة في الحاضر، وعن ثروة الأمة ومستودعها المذخور في المستقبل عن الشباب ذكرانًا وإناثًا .. ولئن كنا قد اعتدنا الحديث عن الشباب في المناسبات، كحلول الإجازات الصيفية مثلاً، فالحديث عن الشباب أشمل من ذلك وأكبر، وينبغي أن يكون متواصلاً يعكس حجم الاهتمام بالشباب والعناية بهم على الدوام. ولئن اعتاد بعضنا أن يكون حديثهم عن الشباب مقصورًا على اللوم والتقريع لا أكثر، فمن الإنصاف أن يكون الحديث تلمسًا لأسباب الداء، واجتهادًا في وصف الدواء ..

стр. 732

إن من السهل على أي منا أن يلوم الشباب ويُجرِّمهم، ويتحدث عن انحرافهم، ولكن التحدي يكمن في مساهمتنا في حل مشكلاتهم وتقويم ما انحرف من سلوكياتهم، واقتراح البرامج العملية المفيدة لاستثمار أوقاتهم، وتلبية رغباتهم والاستجابة لطموحاتهم وفق تعاليم الإسلام، ليس ذلك دفاعًا أبلهًا عن الشباب، ولا تجريدًا لهم عن المسؤولية الملقاة على عواتقهم، ولا تبريرًا لأخطائهم .. لكنها المسؤولية المشتركة لابد من بيانها، والتعرف على حقيقة المشكلة والأطراف المسؤولة عنها، وتلمس أفضل طرق العلاج بعيدًا عن التلاوم والمنازعة والخصام، دون إسهام في العلاج. إخوة الإسلام، وليس يخفى أن عنصر الشباب محل اهتمامٍ عالمي وهم كذلك محلُّ إشكال دولي، ومعدل الجريمة بينهم أكثر من غيرهم، ومن عجبٍ أن الأنظمة البشرية مهما كانت مُقنَّنةً وصارمةً، والتقنيات البشرية مهما تقدمت في أساليب مكافحة الجريمة، فيأبى الله إلا أن تتزايد نسب الجريمة، وترتفع معدلاته كلما ابتعد البشر عن منهج الله وشريعته، ويتراجع المؤشر وتنخفض نسب الجريمة كلما حُكم الناس بشرع الله، وصدق الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (١). ليس ذلك تنظيرًا بل الواقع يشهد به، ومهما بلغت نسب انحراف الشباب في المجتمعات الإسلامية، فهي لا تبلغ أو تقارب النسب في المجتمعات الكافرة، وهاكم الدليل والمثال: يقول الرئيس الأمريكي جون كندي: إن الشباب في أمريكا آخذ في الانحراف بصورة مزعجة، حتى أصبح لا يصلح للتجنيد منهم إلا شخصٌ واحد من كلِّ

стр. 733

سبعة أشخاص، وإذا كان ذلك فيما مضى، فلا نسأل عن جرائم الشباب وانحرافهم في تلك البلاد حاضرًا (١)؟ عباد الله ... وكيف لا تنخفض معدلات الجريمة في البلاد المسلمة، وشريعة الله عبر رسالات الرسل تهتم بالشباب، وتلفت الأنظار إليهم، وشباب المسلمين يجدون في كتاب الله نماذج للشباب القدوة، فإبراهيم ﵇ فتى الفتيان- كان أمة لله في طاعته وعبوديته لله، وكان أمة في تحطيم الأصنام ودعوة قومه إلى عبادة الواحد الديان، ويوسف ﵇ نموذجٌ رفيع للشباب المتعفف عن الرذيلة رغم قوة الداعي، وصنوف الإغراء: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ (٢). - وأهل الكهف فتية آمنوا بربهم، واعتزلوا قومهم ولم يشاركوهم تخبطهم وانحرافهم: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً (١٤) هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ (٣). - وفي وصايا لقمان لابنه وهو يعظه ما يؤكد عناية القرآن بتوجيه الشباب، وما أعظمها من وصايا لو عقلها وعمل بها الشباب. ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ

стр. 734

أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥) يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ (١٧) وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (١). معاشر الشباب، وعناية الإسلام بكم تبدأ قبل وجودكم، والزوج يؤمر بحسن اختيار الزوجة الصالحة: « .. فاظفر بذات الدين تربت يداك .. » (٢). وفي الحديث الآخر: «تخيروا لنطفكم فانكحوا الأكفاء، وأنكحوا إليهم» (٣). وتستمر العناية بعد وجودكم، فأول ما ينبغي أن يقرَّ في آذانكم ذكر الله وتوحيده، والشهادتان، إذ من السنة أن يؤذن في أذن المولود ويقام في الأخرى .. وتظل آداب الإسلام تحوطكم وترعاكم أطفالاً وبالغين، وفي آداب الاستئذان نموذج لهذه الرعاية والتربية: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٤).

стр. 735

وحتى لا يطلع الشباب على علاقات آبائهم الخاصة فينشغلوا بها قبل أوانها .. ومع كل ألوان التربية وأساليبها، واختلاف مراحلها، يثني الله على الآباء الذين يواصلون التربية بالدعاء للذرية، ويذكر من صفات عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ (١). وليس ذلك فحسب، بل تشهد سنة المصطفى ﷺ وسيرته العملية اهتمامًا واضحًا بالشباب، وهل كان أصحاب محمد ﷺ إلا شبابًا أحداثًا؟ وسأعرض لنموذجٍ واحدٍ فقط يؤكد مدى العناية بالشباب، علمًا، وعملاً، ودعوةً، واحتسابًا، وتضحيةً وجهادًا، وفي قصة السبعين الذين استشهدوا ببئر معونة خيرُ مثال على تكامل التربية وشمولها لشباب الإسلام .. وفي قصتهم أخرج البخاري في صحيحه عن أنس ابن مالك ﵁: (أن رعلاً وذكران وعصية وبني أحيان استمدوا رسول الله ﷺ على عدوًّ، فأمدهم بسبعين من الأنصار، كنا نسميهم (القُرَّاء) في زمانهم، كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل حتى كانوا ببئر معونة، قتلوهم وغدروا بهم .. الحديث) (٢). وفي صحيح مسلم عن أنس أيضًا- قال جاء ناسٌ إلى النبي ﷺ فقالوا: أن ابعث معنا رجالاً يُعلمونا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلاً من الأنصار يقال لهم القراء ... يقرؤون القرآن ويتدارسون بالليل، يتعلمون، وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد، ويحتطبون فيبيعونه، ويشترون به الطعام لأهل الصفة وللفقراء ... الحديث (٣).

стр. 736

وفي مسند الإمام أحمد عن أنس بن مالك- كذلك- قال: (كان شباب من الأنصار سبعين رجلاً يقال لهم القراء، يكونون في المسجد، فإذا أمسوا انتحوا ناحيةً من المدينة فيتدارسون ويصلون، يحسبهم أهلوهم في المسجد، ويحسبهم أهل المسجد في أهلهم، حتى إذا كان في وجه الصبح استعذبوا من الماء واحتطبوا من الحطب فجاءوا به فأسندوه إلى حجرة النبي ﷺ (١). ومن مجموع هذه الروايات نستخلص الأمور التالية: - أن هؤلاء السبعين من الشباب، كانت لهم همَّةٌ في قراءة القرآن ومدارسته، وتعلم العلم والاجتماع عليه، حتى عرفوا بالقراء، ويظهر حرصهم على أوقاتهم، فهم يكونون في السجد لشهود الصلاة مع المسلمين، فإذا أمسوا انتحوا ناحية من المدينة للمدارسة والصلاة ... حتى يحسبهم أهلوهم في المسجد، ويحسبهم أهل المسجد في أهليهم .. - وما أحلى الاجتماع إذا كان على طاعة الله- ﴿الأَخِلاَّء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢). ومع همتهم في تلاوة القرآن ومدارسة العلم، والمحافظة على الصلوات- فرضها ونقلها- وإذا كان لهم نصيبهم من صلاة الليل فلا تسأل عن صلاتهم بالنهار- أقول مع هذه الهمة في العبادة .. فلهم همَّة بالعمل فلم يكونوا عالةً على أهليهم أو على المجتمع من حولهم بل كانوا يحتطبون ويبيعون .. بل تجاوز نفعهم للآخرين (وكانوا يشترون الطعام للفقراء، ويوفرون الماء للمحتاجين من المسلمين). ولم يقعدهم ذلك كلُّه عن الجهاد في سبيل الله، والدعوة لدينه، ولم

стр. 737

يستكثروا أي شيء يقدمونه لهذا الدين، ولم يندموا إذا فاضت أرواحهم شهداء في سبيل الله. أما رسول الله ﷺ فقد تأثر لمصابهم وما وجد على أحدٍ ما وجد عليهم (أصحاب بئر معونة) كما قال أنس (١). وهاك نماذج لمواقفهم وعناية الله بهم، هي وربي قمم في الإيمان، وهي صالحةٌ للاعتبار في أوساط الشيوخ والشبان. فهذا حرام بنُ ملحان- خال أنس- ﵄، حينما أتاه رجلٌ من خلفه فطعنه برمحٍ حتى أنفذه، قال بالدم هكذا، ونضحه على وجهه ثم قال: (فزت ورب الكعبة) (٢). وهذا (عامر بن فهيرة) ﵁، قال عنه أحد الكفار حين قتل: (لقد رأيته بعدما قتل رُفع إلى السماء حتى إني لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض ثم وضع ... ) (٣). وقد ذكر الواقدي وابن المبارك: أن الملائكة وارته ولم يره المشركون، قال ابن حجر: وفي ذلك تعظيم لعامر بن فهيرة، وترهيب للكفار وتخويف (٤). أما قائدهم كما في رواية ابن إسحاق (المنذر بن عمرو الخزرجي)، فكان يلقب المُعْنِق ليموت وإنما لقب بذلك لأنه أسرع إلى الشهادة (٥).

стр. 738

ولا ينتهي عجبك من هؤلاء جميعًا حين تعلم أنهم سألوا الله أن يبلغ نبيه رسالتهم إليه وفيها: (اللهم بلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا) وقد بلغت وكانت قرآنًا فنسخ (١). كذلك أخرج الإسلام قومي ... شبابًا مخلصًا حرًا أمينًا شباب ذللوا سبل المعالي ... وما عرفوا سوى الإسلام دينًا تعهدهم فأنبتهم نباتًا ... كريمًا طاب في الدنيا غصونًا اللهم ألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، وأعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ﴾ (٢).

стр. 739

الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، خلق الإنسان من نطفةٍ فإذا هو خصيمٌ مبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يهدي من يشاء ويضل من يشاء ومن يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أخبر أن ربك يعجب من شاب ليس له صبوة (١). وأن أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه: شابٌ نشأ في طاعة الله (٢). اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر المرسلين .. فبين يدي الحديث عن انحرافات الشباب، أو نماذج من سلوكياتهم الخاطئة .. لابد من القول إن هناك العديد من الشباب في هذه البلاد- حرسها الله- وفقهم الله لالتزام الطريق المستقيم، فعرفوا حقَّ الله عليهم، وأدركوا قيمة الوقت في حياتهم، واعترفوا بالشكر لكل من أسدى إليهم معروفًا، فحياتهم سعيدة وقلوبهم مطمئنة، ونسأل الله أن يثبتنا وإياهم والمسلمين على الحقِّ حتى الموت .. وثمة طائفة أخرى بدأت تفيق من سبات نومها، وتتلمس الطريق المنقذ لها والآمن في حياتها، وتلك أدركت، بعد لأي، أن لا سعادة في الحياة الدنيا بعيدًا عن هدى الله .. ولا نجاة من عذاب الله إلا بسلوك صراط الله المستقيم .. وتلك الطائفة نسأل الله أن يبلغها مأمولها وأن يسدد في طريق الخير خطاها.

стр. 740

أما الفئة الثالثة فهي التي لا تزال واقعةً تحت تأثير طيش الشباب وغروره، لا تكاد تبلغها الدعوة- وإن سمعتها فكأنما على مضض تسمع، وربما خيل لها أن المخاطب بالحديث غيرها .. هذه الفئة يؤنبها الضمير حينًا فتفكر في الإقلاع عما هي فيه من بؤس وشقاء .. ولكن سرعان ما يغلبها الهوى وترتكس في حمأة الخطيئة، وتخادع نفسها بتنفس أجواء الحرية المزعومة .. وتظن أنها تتقلب في نعيم الشهوة ولو ساعة .. ثم تتكشف لها الحقائق بعد حين فإذا بها أسيرةٌ لعبودية الشهوة .. وتظل تتجرع مرارة المعصية أيامًا طويلة وربما لم تفق إلا على سياط الجلادين .. وضمن مجموعة المساجين، أَوَهكذا يُذلِّ الإنسان نفسه ويرضى بالعبودية والأسر، بعد الحرية والعافية؟ أيها الشاب، ومن الجهل ألا تكتشف المشكلة إلا إذا وقعت الواقعة وانتشرت الفضيحة، وينبغي أن تعلم أنك وإن ستر الله عليك في هذه الحياة، فسيفضحك- إن لم تتب- على رؤوس الأشهاد- بعد الممات. ولابد أن تدرك أن السجن ليس مقصورًا على السجن الحسي المعروف، فثمةَ نوعٌ من السجن لاشك أنك تحس به أكثر من غيرك، إنه سجن الشهوة، وألم المعصية، وأسر الهوى .. فالمحبوس حقًا من حُبس عن خالقه فلا يتلذذ له بعبودية، ولا ينعم له بمناجاة، والمأسور من أسره هواه .. فهو يقوده إلى كلِّ هاوية ويقعد به عن أخلاق الإسلام العالية. - أيها الشباب المصرُّ على السفاهة والغرور- وفي ظلِّ تشخيصي لمشكلتك .. كأني أراك غالب وقتك مهمومًا مغمومًا، قلقًا حائرًا .. تضيق بك الدنيا على سعتها .. وتكره الناس وهم يحبونك، ويظل الشيطان يلقي في روعك من الوساوس والأوهام ما ليس له في الواقع حقيقة ولا مقام؟ - أراك تتهرب من رؤية الوالدين .. وتخاف كثيرًا من المتدينين، وتأنس
следующие страницы →