وفي مسند الإمام أحمد عن أنس بن مالك- كذلك- قال: (كان شباب من الأنصار سبعين رجلاً يقال لهم القراء، يكونون في المسجد، فإذا أمسوا انتحوا ناحيةً من المدينة فيتدارسون ويصلون، يحسبهم أهلوهم في المسجد، ويحسبهم أهل المسجد في أهلهم، حتى إذا كان في وجه الصبح استعذبوا من الماء واحتطبوا من الحطب فجاءوا به فأسندوه إلى حجرة النبي ﷺ (١).
ومن مجموع هذه الروايات نستخلص الأمور التالية:
- أن هؤلاء السبعين من الشباب، كانت لهم همَّةٌ في قراءة القرآن ومدارسته، وتعلم العلم والاجتماع عليه، حتى عرفوا بالقراء، ويظهر حرصهم على أوقاتهم، فهم يكونون في السجد لشهود الصلاة مع المسلمين، فإذا أمسوا انتحوا ناحية من المدينة للمدارسة والصلاة ... حتى يحسبهم أهلوهم في المسجد، ويحسبهم أهل المسجد في أهليهم .. - وما أحلى الاجتماع إذا كان على طاعة الله- ﴿الأَخِلاَّء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢).
ومع همتهم في تلاوة القرآن ومدارسة العلم، والمحافظة على الصلوات- فرضها ونقلها- وإذا كان لهم نصيبهم من صلاة الليل فلا تسأل عن صلاتهم بالنهار- أقول مع هذه الهمة في العبادة .. فلهم همَّة بالعمل فلم يكونوا عالةً على أهليهم أو على المجتمع من حولهم بل كانوا يحتطبون ويبيعون ..
بل تجاوز نفعهم للآخرين (وكانوا يشترون الطعام للفقراء، ويوفرون الماء للمحتاجين من المسلمين).
ولم يقعدهم ذلك كلُّه عن الجهاد في سبيل الله، والدعوة لدينه، ولم
стр. 737
يستكثروا أي شيء يقدمونه لهذا الدين، ولم يندموا إذا فاضت أرواحهم شهداء في سبيل الله.
أما رسول الله ﷺ فقد تأثر لمصابهم وما وجد على أحدٍ ما وجد عليهم (أصحاب بئر معونة) كما قال أنس (١).
وهاك نماذج لمواقفهم وعناية الله بهم، هي وربي قمم في الإيمان، وهي صالحةٌ للاعتبار في أوساط الشيوخ والشبان.
فهذا حرام بنُ ملحان- خال أنس- ﵄، حينما أتاه رجلٌ من خلفه فطعنه برمحٍ حتى أنفذه، قال بالدم هكذا، ونضحه على وجهه ثم قال: (فزت ورب الكعبة) (٢).
وهذا (عامر بن فهيرة) ﵁، قال عنه أحد الكفار حين قتل: (لقد رأيته بعدما قتل رُفع إلى السماء حتى إني لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض ثم وضع ... ) (٣).
وقد ذكر الواقدي وابن المبارك: أن الملائكة وارته ولم يره المشركون، قال ابن حجر: وفي ذلك تعظيم لعامر بن فهيرة، وترهيب للكفار وتخويف (٤).
أما قائدهم كما في رواية ابن إسحاق (المنذر بن عمرو الخزرجي)، فكان يلقب المُعْنِق ليموت وإنما لقب بذلك لأنه أسرع إلى الشهادة (٥).
стр. 738
ولا ينتهي عجبك من هؤلاء جميعًا حين تعلم أنهم سألوا الله أن يبلغ نبيه رسالتهم إليه وفيها: (اللهم بلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا) وقد بلغت وكانت قرآنًا فنسخ (١).
كذلك أخرج الإسلام قومي ... شبابًا مخلصًا حرًا أمينًا
شباب ذللوا سبل المعالي ... وما عرفوا سوى الإسلام دينًا
تعهدهم فأنبتهم نباتًا ... كريمًا طاب في الدنيا غصونًا
اللهم ألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، وأعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ﴾ (٢).
стр. 739
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، خلق الإنسان من نطفةٍ فإذا هو خصيمٌ مبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يهدي من يشاء ويضل من يشاء ومن يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أخبر أن ربك يعجب من شاب ليس له صبوة (١).
وأن أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه: شابٌ نشأ في طاعة الله (٢).
اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر المرسلين ..
فبين يدي الحديث عن انحرافات الشباب، أو نماذج من سلوكياتهم الخاطئة .. لابد من القول إن هناك العديد من الشباب في هذه البلاد- حرسها الله- وفقهم الله لالتزام الطريق المستقيم، فعرفوا حقَّ الله عليهم، وأدركوا قيمة الوقت في حياتهم، واعترفوا بالشكر لكل من أسدى إليهم معروفًا، فحياتهم سعيدة وقلوبهم مطمئنة، ونسأل الله أن يثبتنا وإياهم والمسلمين على الحقِّ حتى الموت ..
وثمة طائفة أخرى بدأت تفيق من سبات نومها، وتتلمس الطريق المنقذ لها والآمن في حياتها، وتلك أدركت، بعد لأي، أن لا سعادة في الحياة الدنيا بعيدًا عن هدى الله .. ولا نجاة من عذاب الله إلا بسلوك صراط الله المستقيم .. وتلك الطائفة نسأل الله أن يبلغها مأمولها وأن يسدد في طريق الخير خطاها.
стр. 740
أما الفئة الثالثة فهي التي لا تزال واقعةً تحت تأثير طيش الشباب وغروره، لا تكاد تبلغها الدعوة- وإن سمعتها فكأنما على مضض تسمع، وربما خيل لها أن المخاطب بالحديث غيرها .. هذه الفئة يؤنبها الضمير حينًا فتفكر في الإقلاع عما هي فيه من بؤس وشقاء .. ولكن سرعان ما يغلبها الهوى وترتكس في حمأة الخطيئة، وتخادع نفسها بتنفس أجواء الحرية المزعومة .. وتظن أنها تتقلب في نعيم الشهوة ولو ساعة .. ثم تتكشف لها الحقائق بعد حين فإذا بها أسيرةٌ لعبودية الشهوة .. وتظل تتجرع مرارة المعصية أيامًا طويلة وربما لم تفق إلا على سياط الجلادين .. وضمن مجموعة المساجين، أَوَهكذا يُذلِّ الإنسان نفسه ويرضى بالعبودية والأسر، بعد الحرية والعافية؟
أيها الشاب، ومن الجهل ألا تكتشف المشكلة إلا إذا وقعت الواقعة وانتشرت الفضيحة، وينبغي أن تعلم أنك وإن ستر الله عليك في هذه الحياة، فسيفضحك- إن لم تتب- على رؤوس الأشهاد- بعد الممات.
ولابد أن تدرك أن السجن ليس مقصورًا على السجن الحسي المعروف، فثمةَ نوعٌ من السجن لاشك أنك تحس به أكثر من غيرك، إنه سجن الشهوة، وألم المعصية، وأسر الهوى .. فالمحبوس حقًا من حُبس عن خالقه فلا يتلذذ له بعبودية، ولا ينعم له بمناجاة، والمأسور من أسره هواه .. فهو يقوده إلى كلِّ هاوية ويقعد به عن أخلاق الإسلام العالية.
- أيها الشباب المصرُّ على السفاهة والغرور- وفي ظلِّ تشخيصي لمشكلتك .. كأني أراك غالب وقتك مهمومًا مغمومًا، قلقًا حائرًا .. تضيق بك الدنيا على سعتها .. وتكره الناس وهم يحبونك، ويظل الشيطان يلقي في روعك من الوساوس والأوهام ما ليس له في الواقع حقيقة ولا مقام؟
- أراك تتهرب من رؤية الوالدين .. وتخاف كثيرًا من المتدينين، وتأنس
стр. 741
بالقرب من العابثين ... ويطيب لك حديث البطاطين، تنام عن الصلوات، وتتساهل بالواجبات، وتكثر من السفر للخارج، وتبالغ في الرحلات، - وكم نظرت إليك بأسى ورحمة وأنت تتسكع في الشوارع وتتخذ لك من الطرقات مجلسًا .. ومن الخطوط الدائرية مربعًا تقضي بها الساعات الطوال .. لا أنت في شغل من الدنيا فتحمد، ولا أنت في عملٍ للآخرة فتُغبط، تؤذي هذا، وتزعج ذاك، وتعتدي على حرمات ثالث، ثم تعود في الهزيع الأخير من الليل .. وقد حملت نفسك من الأوزار ما تنوء به .. وربما رجعت وأنت على خلاف وبغض مع أقرب الأصحاب إليك .. ، فإذا البيت الملتزم والصابر على لأوائك وسفهك ينتظرك بالكلمات الغاضبة نصحًا لك وشفقة عليك .. وربما أصابتك دعوة من أحد والديك .. وافقت ساعة استجابة فكانت سببًا لشقوتك إلى يوم الدين .. وهل تلوم الوالدين إذا فعلا معك المستحيل ثم لم يبق كما من سلاح إلا الدعاء .. فاظفر منهما بالدعاء الجميل قبل أن يسخطا عليك ويرسلا عليك سياط العذاب عبر الدعاء .. ودعاء الوالدين لا حجاب بينه وبين السماء؟
أيها الشاب والشابة، وكم من مؤلم لكما وللأمة من ورائكما أن تضيعا أوقاتكما بمشاهدة الأفلام الساقطة، والمسلسلات الهابطة، وتُديما النظر في الصور الخليعة، وتتخذا من المجلات الهابطة وسيلةً لتزجية الفراغ، وتتيحا لأسماعكما سماع الخنا والغناء والقول الساقط وكلام الزور، ويتعاظم الخطب إن بلغت بك هذه الوسائل المنحرفة مبلغها، فأردتك صريع الشهوة، فتجاسرت على حدود الله، واستحللت ما حرم الله من الزنا واللواط، وانتهكت محارم الآخرين، وأنت لا ترضى ذلك لأمك وأختك، ولا ترضينه لأبيك وأخيك إن كان بكما غيرة وشهامة وكذلك أظنكما؟
فإن تطور الأمر إلى تعاطي المخدرات وشرب المسكرات فتلك الطامة
стр. 742
الكبرى وتلك المأساة التي يراهن عليها الأعداء .. وليس على لبيب جُرم أمِّ الخبائث يخفى؟
يا أخا الإسلام، وفي ظلِّ حرب العقائد المعلنة، وصراع الحضارات الحقيقية والمصطنعة، فمن العار عليك أيها الشاب أن تخذل أمتك بتقليد أعدائك في هيأتك أو ملبسك، أو طريق تفكيرك، أو أسلوب حياتك أو التشكك في معتقدك الحق، ومن خوارم المروءة أن تتشبه بالنساء، وأن يكون قدوتك سواقط الفنانين والفنانات، ومثلك يأبي أن يستنوق الجمل؟ ومن العار أختي الشابة أن تطيري مع كلِّ موضة، وأن تُغرمي بالتقليد لكل ناعق وناعقة .. وفي عصر عودة الحجاب إياك أن تنخدعي بدعايات السفور أو أن تسمعي للمنافقات المستهترات بالحجاب؟
وفي زمنٍ أفلست فيه تجربة الاختلاط، وعادت مجالس الأمة تصوت بأغلبية ساحقة على قرار منع الاختلاط في التعليم .. فإياك أن تسمعي للأصوات المخدوعة التي تطرح بوضوح أو بأسلوب ملفوف الحاجة للاختلاط، ولو في الصفوف الدنيا من التعليم .. فإذا ابتدأ المرض في أسفل الجسم أو في طوف منه، لحق بأعلاه وشمله كله .. والوقاية خيرٌ من العلاج .. والبداية من حيث انتهى الآخرون دليل العقل والحكمة .. والدخول في النفق المظلم أو محاكاة التجربة الفاشلة نوعٌ من الجهل والتبعية والرغبة في محاكاة الآخرين لا أكثر.
وفي الختام .. عذرًا أيها الشباب ذكرانًا وإناثًا إن لم أستطع التشخيص لكلِّ أدوائكم، أو قصرت في تشخيص حل مشكلاتكم، فليست محاكمًا، هدفي تتبع عوراتكم، ولا مشهَّرًا، أبغي الوقوف على كلِّ سقطاتكم، وإنما أنا لكم ناصحٌ وعليكم مشفق، واللبيب بالإشارة يفهم، ومن تذكر فإنما يتذكر لنفسه .. ومن ضلَّ فإنما يضل عليها .. فإن قلتم وما بالك شخصت الداء أو بعضه- ولم
стр. 743
تبيِّن شيئًا من أسبابه وطرق علاجه، وما القنوات المسؤولة عن استصلاح الشباب؟ وهل ترى المشكلة ستبدأ وتنتهي بنا أم هناك من جزءًا من مسؤولياتنا.
أجبتكم أن ذلك لأهميته يحتاج مني لحديث خاصٍ أرجو من الله العون عليه في الجمعة القادمة بإذن الله.
سددكم الله ورعاكم .. وهدانا وإياكم للحقِّ وجنبنا الشرور ومزالق الردى هذا وصلوا ..
стр. 744
(٢) الثروة الغالية أسباب المشكلة وطرق العلاج (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ..
إخوة الإسلام، تحدثت إليكم في خطبة مضت عن الشباب، نماذج من القرآن وسيرة محمد ﵊ لشباب كانوا قممًا في إيمانهم، قدوة في أخلاقهم وسلوكياتهم ..
وكذلك يكون الشباب حين يملأ الإيمان قلوبهم، وتكون الآخرة محطَّ أنظارهم، ثم أعقبت ذلك بحديث عن نماذج من السلوكيات الخاطئة للشباب حين ينحرف عن صراط الله المستقيم، مكتفيًا بوصف الظاهرة ..
وقد وعدت باستكمال الحديث عن أسباب انحراف الشباب وطرق الوقاية والعلاج- وهو من ضوء حديث اليوم-.
وأبدأ الحديث بسؤال طرحته في الأسبوع الماضي ويقول:
هل تبدأ مشكلة انحراف الشباب وتنتهي بهم، أم هناك جهاتٌ أخرى تتحمل كفلاً من المسؤولية معهم؟
وأسارع بالإجابة قائلاً: يتكلف الذين يحملون المجتمع كلَّ أسباب الانحراف ويخلون الشباب من أي مسؤولية.
стр. 745
ويخطئ الذين يُحملون الشباب وحدهم مسؤولية انحرافهم.
والنظرة المتزنة تقول: إن المسؤولية مشتركة بين الشباب والمجتمع، فكلٌ يتحمل قسطًا من المسؤولية.
ويرى صاحب كتاب (من أجل الشباب) أن مشكلة انحراف الشباب تنحصر في أسباب ثلاثة: بعضها ذاتي، وبعضها محلي، وبعضها خارجي .. ثم يقول:
أما السبب الخارجي لانحراف الشباب المسلم ومشكلاته فهو العدوى السريعة الفتاكة التي انتقلت من شباب الغرب العلماني، وشباب الشرق الإلحادي إلى شباب العالم الإسلامي .. أما السبب المحلي فهو التناقض الاجتماعي العجيب الذي يشيع في جوانب شتى من حياة الشباب، في البيت والمدرسة، والسوق والشارع والنادي، فهو يتعلم في مدرسته أمور دينه، ويستمع من العلماء والوعاظ إلى دروس أخلاقية ... ثم ينطلق إلى البيت والسوق والنادي فلا يرى أثرًا أو صورًا أو مثالاً لما تعلمه في المدرسة أو استمع إليه في المسجد (وحتى نكون منصفين فلابد من القول إن هذا التناقض لا يشمل كلَ بيت- ولا أظن الكاتب يقصد هذا بقدر ما أراد الإشارة إلى وجود هذا التناقض في حياة الشباب).
ويواصل الكاتب تحليله لهذا التناقض ويقول: (ثم يتكرر هذا التناقض عندما يرى الشاب في التلفاز، أو يسمع في المذياع قصةً إسلاميةً رائعةً تبدو فيها الأسرة مسلمةَ العقيدة والسلوك، أو حديثًا دينيًا يحث على مكارم الأخلاق، ويروي أو ينقل بعض الآداب القرآنية والنبوية .. ثم بعد ذلك مباشرةً يرى أو يسمع من نفس المذياع أو ذات التلفاز قصصًا تمثيلية أو أغنيات أو أحاديث تغري بمشاهدتها وحركاتها بالفسق والفجور وعظائم الأمور.
стр. 746
هذا إلى جانب ما يرى- في المكتبات التجارية- من كتبٍ وصحف ومجلات تناقض موضوعاتها وصورها وقصصها، وتلوث في قلوب الشباب حيرةً وضلالاً لا يميِّز معها الطيب من الخبيث .. ويختم الكاتب حديثه عن هذا السبب قائلاً: وهذا السبب في نظرنا أهمَّ الأسباب الثلاثة، وأخطرها، وأجدرها أن نبدأ بإصلاحه وتقويمه.
أما السبب الثالث- في نظر الكاتب- فهو راجعٌ لطبيعة الشباب من الحدَّة، والجدة، وحبَّ الانطلاق، والحرص على الحرية، والفراغ من المهمات والفراغ من المهمات والشواغل (١).
أيها المسلمون، وتعالوا بنا لنحاسب أنفسنا، ونقف وقفة جادة مع بيوتنا، وأثرها في سلوكيات الشباب، وطرائق تربيتهم، إذ من المقطوع به أن البيت هو العامل النبوي الأمثل، والوعاء الثقافي الأول في تنشئة الفرد وتكوينه .. ومع المصارحة لابد من القول: إن بعض الآباء- هداهم الله- يفهم من تربية الأولاد أنها توفيرٌ للمطعم والمشرب، والمسكن والملبس، لا أكثر، بينما تفهم عدد من الأمهات أن مسؤولية التربية من نصيب الآباء، وليس للأمهات نصيب فيها، وهذا الصنف المهمل للتربية يقابله صنفٌ آخر يشتد في التربية، ويتجاوز في أساليبها، وربما كانت هذه الشدة، في غير موضعها- سببًا من أسباب الانحراف- لا قدر الله- فإذا أُضيف التسابق المحموم عند بعض الأسر في توفير وسائل المتعة والترفيه، ولو كانت مما يهدم الدين والقيم، أدركنا أثر بعض البيوت في انحراف الشباب.
واسمحوا لي أن أنقلكم نقلة بعيدة ولكنها معبرة، فإذا علمتم أن إمام أهل
стр. 747
السنة والجماعة، الإمام أحمد بن حنبل يرحمه الله، قد توفي أبوه وهو في الثالثة من عمره (١) وأن أمه هي التي تولت كفالته وتربيته .. أدركتم نماذج لتربية البيوت في تلك الأزمان، وإذا كان هذا نموذجًا لتربية النساء، فلا تسال عن تربية الرجال!
ألا وإن اهتمام البيوت بالشباب من علائم الوعي، ومؤشر للغيرة، وإذا كان أحد الأسباب في الانحراف، فهو أول الطريق لاستصلاح الشباب.
إخوة الإسلام، وتشكل المدرسة محضنًا تربوية صالحًا، لا يقل أثرُه عن البيوت، فقد يتقبل الشاب من معلميه ما لا يتقبله من أهل بيته. ولكن المدرسة التي هذا شأنها قد تكون سببًا في انحراف الشباب لا قدر الله وذلك حينما تغفل عن الاهتمام بسلوكيات الشباب أو الشابات، أو لا تعير اهتمامًا للعلاقات المريبة التي تنشأ بين بعضهم. وتحية للمديرين والوكلاء والمعلمين والمرشدين الذين يولون هذه القضايا عنايتهم، ويتعهدون الشباب والشابات بالتوجيه والمتابعة.
إن المجتمع، بكامل مؤسساته، وأفراده مسؤول عن استقامة الشباب أو انحرافهم، فإذا قصرت المؤسسات التربوية في أداء رسالتها، وانشغل التجار بتجارتهم، واستنكف العلماء والمفكرون عن محاورة الشباب وحل مشكلاتهم، ولم تتوفر أو تشجَّع المحاضن المناسبة لملء فراغ الشباب، وحركت وسائل الإعلام غرائز الشباب، ولم تسمُ بها، ورُبِّيت أفراخ الصقور تربية بغاث الطيور، وأشبال الأسود تربية الخراف، كما قال التربويون (٢) هنا لا تسأل عن واقع الشباب، ولا تستغرب انحرافهم.
стр. 748
وإذا كان هذا يقال عن الأسباب المحلية التي قد تؤدي إلى انحراف الشباب، فليس هذا مبررًا لانحراف الشباب، ولا بمخلٍ لهم عن مسؤولية انحرافهم، فالتبعة في الإسلام فردية، ولا تزر وازرةٌ وزر أخرى، والله تعالى هدى الإنسان النجدين، وحباه عقلاً يميز به بين الضار والنافع، والخير والشر، وبالتالي فهو يتحمَّل تبعة تقصيره، ولا يتعارض هذا مع تحمل الآخرين مسؤولياتهم.
ومن الأسباب الخاصة بالشباب والمؤدية بهم إلى الانحراف ضعف الإيمان بالله، وأنه مطلعٌ على السرائر وما تخفي الصدور، وضعف الإيمان بالملائكة الكاتبين، وبالرسل المبشرين المنذرين، وما حوته آيات القرآن من الوعد والوعيد، واستبعاد اليوم الآخر وما فيه من مشاهد القيامة التي تشيب لها النواصي، وتذهل المرضعات عما أرضعت، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد، وكذا ضعف الإيمان بالقدر خيره وشره، مما يورث الهم والقلق على الحاضر، أو أشباحًا من الخوف على المستقبل، فيقود ذلك كله الشباب إلى الانحراف.
ومع أثر ضعف الإيمان في الانحراف، فلا يقل عنه أثرًا ضعف العلم الشرعي الذي يقود الشباب للفرار من مشكلة للوقوع فيما هو أشكل منها ... ويرتكب المحظور- وكأنما يقوم بالمأمور-.
وتشكل رفقة السوء منعطفًا خطيرًا في حياة الشباب ... منها تبدأ المشاكل، وفي جحيمها يتورط الشباب بأمور قد يكونون كارهين في ذوات أنفسهم، ولكن الخلطة السيئة جرتهم إليها، وجرأتهم على فعلها.
كما تشكل المكالمات الهاتفية الساقطة، واللصوص الجبناء الذين يتحدثون من وراء .. ولا يقع في شراكهم إلا المخدوعون والضعفاء .. أقول تشكل هذه المكالمات الهاتفية سببًا من أسباب انحراف البنين والبنات.
стр. 749
والشباب والشابات الذين يعيشون في بحبوحة من العيش، ويكون عندهم من أوقات الفراغ ما لا يستطيعون توجيهه في عبادة صائبة أو تعلم علم نافع، أو استثماره في عمل دنيوي بما يتناسب وطبيعة كل منهما، هؤلاء الذين لا يستطيعون ملء وقت فراغهم بالنافع سيملؤونه بالضار، فالشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة.
والقراءة في الكتب المنحرفة، ومطالعة المجلات الخليعة، وتبادل الأشرطة الساقطة، والقرب من مروجي المخدرات أو متعاطيها، كل ذلك يدعو للانحراف، ويقضي على القيم، ويقتل الحياء .. وإذا فقد الحياء فقد الخير والإيمان.
يعيش المرء ما استحيا بخيرٍ ... ويبقى العود ما بقي اللحاءُ
إذا لم تخش عاقبة الليالي ... ولم تستحي فاصنع ما تشاءُ
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ (١).
стр. 750
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، أحمده تعالى وأشكره، وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا إله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر المرسلين.
أما بعد، فإذا توصيف الداء أمكن مباشرة العلاج، وأول طرائق العلاج العناية بإزالة أسباب الانحراف.
فالبيت ينبغي أن يتحمل مسؤوليته كاملة في تربية الفتيان والفتيات، وذلك بالمتابعة والتعرف على أحوالهم، والمسارعة بحل مشكلاتهم، ولكُم أن تتصوروا حجم إهمال بعض البيوت من خلاله الدراسة الميدانية التي أُجريت على عينة من الشباب، وأظهرت النتائج التالية:
نسبة من يطلعون على أسرار أبنائهم دائمًا هي ٣.٢% وهي نسبة قليلة جدًا، في حين أن نسبة من لا يطلعون على أسرار أبنائهم الشباب ٥. ٦٤%، أما الذين يطلعون أحيانًا فهي ٣٢.٣%، وبالتالي تكون نسمة من لا يطلعون أصلاً أو يطلعون أحيانًا على مشكلات أبنائهم ٩٦.٨% وهي نسبة مذهلة، وهل يستطيع بيتٌ حل مشكلة وهو لا يدرك بها أصلاً، أو يعرف شيئًا ويجهل أشياء؟ (١).
وعلى المدرسة أن تتجاوز في مهمتها التربوية التلقين وحشد أكبر قدر من المعلومات، وأن تعنى بأخلاق الطلبة والطالبات، وتتعرف على مشكلاتهم وتساهم في حلها، وأن توفر لهم المناخ المناسب للتربية بجوانبها المختلفة.
ووسائل الإعلام، ورجالات الإعلام، عليهم كفلٌ من مسؤولية الشباب
стр. 751
وعليهم ألا يثيروا غرائز الشباب بصورة فاتنة، أو ألحان حب وغرام محرمة، أو خبر مثير، وألا يستهلكوا أوقاتهم، ويبددوا طاقاتهم بما لا يخدمهم ولا ينفع أمتهم.
وشعور المجتمع كله بقيمة الشباب، وتلمس مشكلاتهم، والإسهام في حلها يقلل الانحراف، ويحصر المنحرفين. وإذا كان هذا يقال للشباب العاجزين عن حل مشكلاتهم، فيقال لمن بلي بشيء من الانحراف ولديه استعداد لسماع موعظة الناصحين.
إن الإيمان سبب للسعادة والأمان، وطلب العلم يفتح لصاحبه آفاقًا من المعرفة تصرفه عن مواطق الردى، ويسهل الله به طريقًا إلى الجنة، ورفقة الخير عون على الطاعة، والترفع عن السواقط من المروءة، والاعتبار بمن هلك منحرفًا كفيلٌ بالمراجعة والمحاسبة، وعلو الهمة سبب للمكرمات، وصارف بإذن الله عن الفضائح والموبقات، ولهذا يروى عن عمر، ﵁، أنه قال:
(لا تصغرنَّ همتكم، فإني لم أر أقعدَ عن المكرمات من صغر الهمم) (١).
أيها المسلمون، وثمة قنوات ووسائل لاستصلاح الشباب، وحفظ أوقاتهم، وبيوت الله أولى ما حفظ الشباب بها أوقاتهم تعلمًا لكتاب الله، وأداءً لفرائضه، وحضورًا لمجالس العلم، واستفادةً من العلماء، والنشاط المدرسي الموجه وسيلة لبناء شخصية الشباب، وحفظ أوقاتهم، وتنمية مهاراتهم، وكم هي خطوة رائدة لتعليم البنات حين استثمرت أوقات فراغ بعض الطالبات بإيجاد حلق لتحفيظ القرآن الكريم، والأندية الأدبية رافد من روافد المعرفة، فهي تستقطب الشباب بمسابقة القصة الهادفة، وتعليم الخطابة، وربط الشباب بهموم الأمة عبر
стр. 752
الحوار الهادف، والأمسية، والمقال، وقراءة الكتاب، ولئن شكت من روادها أثناء الدراسة فهل تجدد نشاطها في الإجازة، وتضع الجوائز الحافزة؟
والأندية الرياضية تدرك أن الرياضة وسيلة لا غاية، ولها رسالة ثقافية، وعليها مسؤولية اجتماعية، وينبغي أن تعي دورها في استصلاح الشباب، وتقويم سلوكياتهم، وأن تكون يقظة لعلاقات الشباب، واختلاط الصغار مع الكبار.
أما الجمعيات الخيرية فلها رسالة جليلة حين تعنى بتعليم كتاب الله، وتقيم الدورات والمسابقات للبنين والبنات، وحين تهتم بالخدمات الاجتماعية فتعين الأسر المحتاجة، وتقيم الدورات النافعة والمؤهلة للشباب، أو تساهم في إعانة المتزوجين، أو تعنى باليتامى والمعاقين، أو تتلمس حاجات المجتمع هنا وهناك فتسدها، ولا ننسى جهود مساعدة الراغبين في الزواج، وجهودها مشكورة في مساعدة الشباب على الزواج، وتجاوز مرحلة العزوبة الخطرة.
ألا وإن من حق هذه الجماعات والجمعيات واللجان الخيرية علينا الدعم والمساندة والدعاء، وتحيةً وسلامًا للعاملين المخلصين المتطوعين فيها.
وتشكر مكاتبُ التوظيف والعمل حين تتيح فرصًا وظيفية للشباب في الصيف يقضون بها أوقاتهم، ويسددون بمخصصاتها المالية حاجاتهم أو حاجات أهليهم.
ومن علائم الخير أن تسهم مؤسسة التعليم الفني والتدريب المهني -مشكورة- في افتتاح مراكز صيفية، أو دورات تدريبية للشباب في الصيف، فتسهم مع الجامعات وقطاعات التعليم في توفير فرص صالحة لاستثمار فراغ الشباب في الصيف، وتدريبهم على المهارات المفيدة.
وتشكر وزارة المعارف حيت تفتتح المراكز الصيفية وتنشرها في عدد من
стр. 753
المدن في بلادنا الحبيبة.
والقطاعات العسكرية كذلك تشكر حين تتبنى دورات نافعة للشباب، فيعنى الدفاع المدني بدورات في السلامة، وأنسب الطرق لإطفاء الحريق- لا قدر الله- ويعنى المرور بإقامة دورات مستديمة لأصول القيادة وفنها، والتحذير من مخاطر التهور والسرعة، وعرض نماذج لآثارها، وإحصاءات تبين مخاطرها. وتعنى مكافحة المخدرات بتحذير الشباب من مخاطر المخدرات على الدوام، وليس في الأيام العالمية لمكافحة المخدرات فحساب، وتتخذ من الوسائل الحديثة أداة لإيصال رسالتها، فتستخدم الشريط والمطوية والمحاضرة والندوة، وتصل إلى الذكر والأنثى، والغني والفقير، والصغير والكبير، فشبح المخدرات مخيف، والعصابات فيه عالمية، والحرب فيه مدمرة، ولابد من توعية كاملة ومقنعة للأمة، وبخاصة الشباب والشابات عن المخاطر وطرق الوقاية.
إخوة الإسلام، ليس ذلك إحصاءً لجهود الجهات المشاركة في توعية الشباب، وليس حصرًا للقطاعات المساهمة بقدر ما هي إشارة إلى أهمية تكاتف الجهود للمؤسسات والجمعيات لاستصلاح الشباب واستثمار أوقاتهم والعناية بهم، وعلى الشباب أن يُثَمِّنوا هذه الجهود، وأن يستفيدوا منها لحاضرهم ومستقبلهم، وأن يحفظوا أوقاتهم ويقدروا محياهم ومماتهم، وأن يتصوروا قول الشاعر:
ومن عجب الأيام أنك جالس ... على الأرض في الدنيا وأنت تسيرُ
فسيرك يا هذا كسير سفينةٍ ... بقوم جلوس والضلوع تطيرُ (١)
стр. 754
(١) عبودية الضراء (١)
الخطبة الأولى
حاجتنا إلى الصبر
الحمد لله الصبور الشكور، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واهب النعم، ومحل النقم، أحمده تعالى وأشكره وأُثني عليه الخير كله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أوصاه ربه بالصبر فقال: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ (٢).
اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، أثنى الله عليهم بالصبر فقال: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لأُوْلِي الأَلْبَابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِب بِّهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (٤). وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، صبروا وصابروا حتى سادوا العالمين، وكانوا أئمةً في الدين، وعن التابعين، ومن تبعهم وسار على نهجهم، وصبر على طريقهم إلى يوم الدين:
أما بعد، فاتقوا الله معاشر المسلمين، واعلموا أن مع الصبر والتقوى لا يضر
стр. 755
كيد العدو ولو كان ذا تسليط: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (١). والصبر والتقوى طريق العز والتمكين، كذلك أخبر الله عن يوسف ﵇: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢).
أيها المسلمون:
حديث اليوم عن عبادة الضَّراء، وعُدَّة المسلم حين نزول البلاء، وزاد المؤمن حين وقوع الابتلاء، عن الطاقة المدَّخَرة في السراء، والحبل المتين في الضراء .. إنه الصبر تبدو مرارته ظاهرًا، ويصعب الاستشفاء به عند الضعفاء، لكن مرارته تغدو حلاوةً مستقبَلاً، ويأنس به رفيقًا الأقوياء النبلاء.
وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائمُ ... وتأتي على قدر الكرام المكارمُ
ويكبر في عين الصغير صغيرها ... وتصغر في عين العظيم العظائمُ
جعل الله الصبر جوادًا لا يكبر، وصارمًا لا ينبو، وجندًا لا يهزم، وحصنًا حصينًا لا يهدم ولا يُثْلَم.
وهو كما قيل: آخيّة المؤمن، يجول ثم يرجع إليها، مثله للإنسان مثل العروةُ تَّثبتُ في الأرض أو الحائط، تُرْبَط بها الدابة، فتجول ثم تعود إليها.
وهو ساق إيمان الزمن فلا إيمان لمن لا صبر له، وإن كان فإيمان قليل في غاية الضعف، وصاحبه ممن يعبد الله على حرف فإن أصابه خير أطمأنَّ به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه، خسر الدنيا والآخرة .. فخير عيش أدركه السعداء بصبرهم، وترقوا إلى أعالي المنازل بشكرهم، فساروا بين جناحي
стр. 756
الصبر والشكر، إلى جنات النعيم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (١) ..
أيها المؤمنون لا غنى عن الصبر في هذه الحياة، وإذا استوى الأبرار والفجار في حاجتهم للصبر على نكد العيش ومفاجأة الحياة، فاز الأبرار بالثواب العظيم على صبرهم لأنهم يصبرون في ذات الله، وخاب الفجار لأنهم لا يرجون من وراء صبرهم جزاءً ولا شكورًا.
وإذا كانت مرارة الدواء يعقبها الشفاء، فقد رتب الله على الصبر المحتسب عظيم الجزاء فقال جل من قائل: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٢)، قال الأوزاعي ﵀: (ليس يوزن لهم ولا يكال إنما يغرف لهم غرفًا) (٣).
عباد الله وإذا كان المسلم محتاجًا للصبر في كل حال فحاجته إليه أشد إذا مرجت العهود، وضعفت الذمم واختلت المقاييس والقيم، ونحتاج للصبر إذا خُوِّنَ الأمين، وسُوِّدَ الخؤون، وألبس الحق بالباطل، وسكت العالمون، وتنمرَّ الجاهلون.
والصبر المشروع هنا ليس يأسًا مُقيطًا، ولا عجزًا مُقعِدًا، إنه الثبات على الحق، والنصح بالتي هي أحسن للخلق، والشعور بالعزة الإيمانية مع الظلم والهضم، والثقة بنصر الله وإن علت رايات الباطل برهة من الزمن، فالصبر والنصر- كما قيل- أخوان شقيقان، والفرج مع الكرب، والعسر مع اليسر.
أيها المسلم والمسلمة، وأنت محتاج للصبر على طاعة الله، وعن معاصي الله، وعلى أقدار الله ....
стр. 757
تحتاج للصبر على الطاعة شكرًا للمنعم، وأُنْسًا بالخالق، واستجلابًا لراحة القلب وطمأنينة النفس، وتحتاج للصبر على الطاعة لطول الطريق، وقلة الرفيق، وكثرة الأشواك.
كما تحتاج للصبر عن المعاصي لقوة الداعي، وضعف النفوس، وكيد الشيطان وغروره، أماني النفس بتقليد الهالكين ..
تحتاج للصبر هنا لآفات الذنوب والمعاصي عاجلاً، وقبح الورد على الله آجلاً.
وتحتاج للصبر على أقدار الله حين تطيش النفوس بفقدان الحبيب، وتعلو خفقات القلب للنازلة المفاجئة، وتصاب بالحيرة والاضطراب للمصيبة الجاثمة ...
أجل: إن الله يفتح بالصبر والاحتساب على عباده آفاقًا لم يحتسبوها، ويغدو البلاء في نظرهم نعمة يتفيؤون ظلالها ويأنسون بخالقهم من خلالها، ويتحول الضيق في تقدير غيرهم إلى سعة يغتبطون بها، ولسان حالهم ومقالهم يقول: نخشى أن تكون طيباتنا عجلت لنا في الحياة الدنيا، وربما ذهبت إلى مصاب مبتلى معنَّى- في نظرك- فتجاسرت على تعزيته في مصيبته فكان المُعَرِّي هو المُعَزَّى وعاد المُعَزَّى يذكر لك من أنعم الله عليه ما خفف المصاب عنه وأنسى فلا إله إلا الله لا يتخلى عن أوليائه في حال الضراء إذا كانوا معه في حال السراء. وما أجمل الصبر وصية للمؤمن في حال الشدة والرخاء.
أيها المسلمون، كم تُسلينا آيات القرآن بالصبر فلا نرعوي، وكم تهدينا سنَّةُ المصطفى ﷺ ونظلُ بعدُ في حيرةٍ من أمرنا ليس عبثًا أن يتكرر الصبر في القرآن وفي تسعين موضعًا .. كما قال الإمام أحمد ﵀، وقد عدَّ لها العارفون أكثر من
стр. 758
عشرين معنى، ليس تعليق الإمامة في الدين بالصبر واليقين إلا نموذجًا لها كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (١).
فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين (٢).
وعلَّق خصال الخير بالصبر فقالت تعالى: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ﴾ (٣).
وحكم بالخسران حكمًا عامًا على كلِّ من لم يؤمن ولم يكن من أهل الحقِّ والصبر فقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٤).
وقرن الصبر بأركان الإسلام ومقامات الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٥)، ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ﴾ (٦)، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (٧)، ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾ (٨).
أيها المسلمون، ومن مشكاة النبوة قبسٌ يُسلي الصابرين ويقول عليه الصلاة
стр. 759
والسلام: «ما أُعطي أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر» (١).
وكم هي إضاءة قوله ﵇: «والصبر ضياء» (٢). قال النووي ﵀: (والمراد أن الصبر محمود ولا يزال صاحبه مستضيئًا مهتديًا مستمرًا على الصواب) (٣). وقيل: إن عاقبة الصبر ضياءٌ في ظلمة القبر، فبصبره على الطاعات والبلايا في سعة الدنيا، جازاه الله بالتفريج والتنوير في ضيق القبر وظلمته) (٤).
وهل علمت أن الصبر من أعلى درجات الإيمان .. سئل رسول الله ﷺ : (أي الإيمان أفضل؟ قال: الصبر والسماحة) (٥).
وعلق عليه ابن القيم بقوله: (وهذا من أجمع الكلام وأعظمه برهانًا، وأوعبه لمقامات الإيمان من أولها إلى آخرها، فإن النفس يراد منها شيئان: بذل ما أُمرت به وإعطاؤه، فالحامل عليه السماحة، وترك ما نهيت عنه، والبعد عنه، فالحامل عليه الصبر) (٦).
أجل لقد كان في وصية النبي ﷺ لابن عباس ﵄: (واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا) (٧).
стр. 760
يا أخا الإسلام، وعرف السلف للصبر مكانته وقدره، فقال علي ﵁: (ألا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد- فإذا انقطع الكأس بان الجسد- ثم رفع صوته فقال: ألا لا إيمان لمن لا صبر له) (١).
وقال عمر ﵁: وجدنا خير عيشنا بالصبر (٢).
وقال عمر بن عبد العزيز يرحمه الله: (ما أنعم الله على عبدٍ نعمةً فانتزعها منه، فعاضه مكانها الصبر، ما عوَّضه خيرًا مما انتزعه) (٣).
وتمثل بعضهم:
صبرتُ فكان الصبرُ خير مغبَّةٍ
وهل جزعٌ يُجدي عليَّ فأجزعُ
ملكتُ دموعَ العينِ حتى رددُتها
إلى ناظرِي فالعينُ في القلب تدمعُ (٤).
اللهم اجعلنا ممن إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ (١٥٦) أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٥).
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه.
стр. 761
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا طاهرًا مباركًا كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله قدوة الصابرين، وإمام المجاهدين، وخير البرية أجمعين، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى إخوانه من النبيين والمرسلين، وعلى آله المؤمنين ومن تبعهم إلى يوم الدين.
أيها المسلمون، ويرد السؤال: ما هي حقيقة الصبر؟ ومتى ومَن يحتاج إليه؟ وقد قيل: الصبر ثباتُ باعثِ العقلِ والدينِ في مقابلةِ باعث الهوى والشهوة) (١).
وهذا يعني أن الصبر ناتجٌ عن العقل والدين، وأنَّ الجزعَ والخور سائقهما الهوى والشهوة.
سُئل الجنيدُ عن الصبر فقال: (تجرع المرارة من غير تعبس) (٢).
هو باختصار كما قال العلامة ابن القيم ﵀: خُلقٌ فاضلٌ من أخلاق النفس يُمتنع به من فعل ما لا يحسن ولا يجمل (٣).
الصبر سيد الأخلاق، وبه ترتبط مقامات الدين، فما من خلق فاضل إلا ويمر بقنطرة من الصبر، وإن تحول إلى اسم آخر، فإن كان صبرًا عن شهوة فرجٍ محرمةٍ سُميَ عِفةً، وإن كان عن فضولِ عيشٍ سُمي زُهدًا، وإن كان عن دواعي غضبٍ سُميَ حلمًا، وإن كان صبرًا عن دواعي الفرار والهرب سُميَ شجاعة،
стр. 762
وإن كان عن دواعي الانتقام سُميَ عفوًا، وإن كان عن إجابة داعي الإمساك والبخل سُميَ جُودًا .. وهكذا بقية الأخلاق فله عند كلِّ فعلٍ وتركٍ اسمٌ يخصه بحسب متعلقه، والاسم الجامع لذلك كلَّه (الصبر) فأكرِمْ به من خلق وما أوسع معناه، وأعظم حقيقته (١).
والصبر ملازم للإنسان في حياته كلِّها وفي حال فعل الطاعات أو ترك المعاصي، وحين نزول البلاء.
قال السعدي يرحمه الله؟ فالصبر هو المعونة العظيمة على كلِّ أمر، فلا سبيل لغير الصابر أن يدرك مطلوبه، وخصوصًا الطاعات الشاقة المستمرة، فإنها مفتقرة أشد الافتقار إلى تحمل الصبر وتقع المرارة الشاقة، وكذلك المعصية التي تشتدُّ دواعي النفس ونوازعها إليها وهي في محلِّ قدرة العبد، وكذلك البلاء الشاق خصوصًا إن استمر فهذا تضعف معه القوى النفسانية والجسديةُ ويوجد مقتضاها وهو التسخط إن لم يقاومها صاحبها بالصبر لله والتوكل عليه (٢) ..
أيها المسلمون، ويظنُّ الناس أن الصبر يُحتاج إليه في وقت الضراءِ فحسب، والعارفون يرون الصبر في حال السراء أشد، قال بعض السلف: (البلاء يصبر عليه المؤمن والكافر، ولا يصبر على العافية إلا الصديقون)، وقال عبد الرحمن بن عوف ﵁: (ابتلينا بالضراءِ فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر) (٣).
ويقول ابن القيم ﵀: وإنما كان الصبر على السراء شديدًا لأنه مقرونٌ بالقدرة، والجائع عند غيبة الطعام أقدر منه على الصبر عند حضوره (٤) ..
стр. 763
والصبر في حال السراء والضراء يرشدك إلى اقتران الصبر والشكر وحاجتك إلى كليهما، قال بعض الأئمة: (الصبر يستلزم الشكر، لا يتم إلا به، وبالعكس، فمتى ذهب أحدهما ذهب الآخر، فمن كان في نعمةٍ ففرضه الشكر والصبر، أما الشكر فواضح، وأما الصبرُ فعن المعصية، ومن كان في بلية ففرضه الصبر والشكر، أما الصبر فواضحٍ، وأما الشكر فالقيام بحقِّ الله عليه في تلك البلية فإنَّ لله على العبد عبوديةً في البلاء، كما له عبوديةً في النعماء) (١).
يا أخا الإسلام، وإذا علمت أنك محتاج للصبر في حال السراء والضراء، وفي حال النعمة أو البلِّية، فاعلم كذلك أنك محتاج للصبر قبل العمل وأثناء العمل، وبعده، فإن قلت وكيف ذلك؟ أُجبتَ: بأن حاجتك للصبر قبل الشروع في العمل تكون بتصحيح النية والإخلاص وتجنب دواعي الرياء والسمعة وعقد العزم على توفية المأمورية حقَّها، أما الصبر حال العمل فيلازم العبد الصبر عن دواعي التقصير والتفريط فيه، ويلازم الصبر على استصحاب ذكر النية وعلى حضور القلب بين يدي المعبود، أما الصبر بعد الفراغ من العمل فذلك بتصبير نفسه عن الإتيان بما يبطل عمله، وعلى عدم العُجب بما عمل والتكبر والتعظم بها فإن هذا أضرُّ عليه من كثير من المعاصي الظاهرة، وأن يصبر كذلك على عدم نقلها من ديوان السرِّ إلى ديوان العلانية، فإنَّ العبد يعمل العمل سرًا بينه وبين الله سبحانه فيكتب في ديوان السرِّ، فإن تحدث به نُقل إلى ديوان العلانية فلا يظنُّ أن بساط الصبر انطوى بالفراغ من العمل.
وهذا تقرير نفيس فافهمه واحرص عليه (٢).
стр. 764
وبعد يا إخوة الإسلام، فالحاجة ماسةٌ للصبر في كلِّ أحوالنا، وكذلك ينبغي أن نستصحب هذه العبادة في كلِّ شأن من شؤون حياتنا.
فالصبر سلوتنا على الطاعة لله إخلاصًا ومتابعةً وديمومةً وحفظًا.
والصبر عدتنا عن مقارفة المعاصي ومغالبة الشهوة والهوى، والرضى بأقدار الله المؤلمة حين تفجعنا، وما أحوجنا للصبر في تعلم العلم وتعليمه، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله بالحسنى.
والصبر رفيق الدربِّ حين تُظلم الدنيا في وجوهنا فيفتح الله به علينا ما لم يكن في حسباننا، نحتاج للصبر حين يَظلمُ القريب ويجور البعيد، ونحتاج للصبر في الثبات على الحقِّ المجردِ من كلِّ قوةٍ إلا قوة الجبَّار ﷻ ، والخالي من كلِّ منحةٍ إلا منح الرحمن يوم القيامة، ونحتاج للصبر في عدم الاغترار بالباطل إذا دُعم بالمال وتكاثر حوله أشباه الرجال، واستشرفت له النفوس، وتطاولت له الأعناق حرصًا على مغنمٍ عاجلٍ أو خوفًا من بأسٍ ينزل، وإذا علم الله صدق النوايا، وتميز الصابرون الصادقون، وانقطعت العلائق بأسباب الأرض، وتعلقت القلوب بالله وحده، ورُجيَ النصر منه دون سواه، جاء نصر الله والفتح، وتحققت سنة الله في النصر لعباده الصابرين وفي مقدمتهم الأنبياء والمرسلون: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (١).
هذه معاشر المسلمين بعض المفاهيم والمعاني حول الصبر، ويبقى حديثٌ عن مقامات الصبر وأعظم أنواعه، وأقسام الناس في الصبر وأفضل الصابرين، ونماذج للصبر، وآثار الصبر عاجلاً وآجلاً، والأمور المعينة على الصبر وما
стр. 765
يضاد الصبر .. ونحوها من مفاهيم أخرى أرجئ الحديث عنها للخطبة القادمة بإذن الله.
أسال الله أن يجعلني وإياكم والمسلمين من الصابرين الشاكرين، وأن يرزقنا العفو والعافية في الدنيا والآخرة، وأن يجيرنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن .. هذا وصلوا ...
стр. 766
(٢) عبودية الضراء (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اتقوا الله، معاشر المسلمين، وراقبوه، واعملوا بطاعته، واجتنبوا معاصيه، واستعينوا بالصبر والصلاة، إن الله مع الصابرين، واستجيبوا لنداء ربكم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢).
إخوة الإسلام، وإذا سبق الحديث عن بعض مفاهيم الصبر، وحقائقه، ومدى الحاجة إليه، وارتباطه بمقامات الدين كلها، وتقدمه على الأخلاق الفاضلة جميعها، فإنني أستكمل اليوم معاني ومفاهيم أخرى حول الصبر، وأبتدئ بأنواع الصبر على البلايا والمحن، وأعلى مراتب الصابرين المحتسبين.
قال العارفون: هناك مصائب تجري على العبد دون اختياره، كالمرض، وموت العزيز عليه، وأخذ اللصوص ماله، ونحو ذلك مما يُثاب المسلم على الصبر عليه، وإن كان وقع بغير اختياره، وإنما يُثاب على الصبر عليها، لا على
стр. 767
ما يحدث من المصيبة، بتكفير خطاياه، أما الثواب فإنما يكون على الأعمال الاختيارية، وما يتولد عنها (١).
وأعلى من هذا النوع ما يصيب المرء باختياره، طاعةً لله، وامتثالاً لأمره، واحتسابًا لما يصيبه من مكروه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية، يرحمه الله: (وهكذا إذا أوذي المؤمن على إيمانه، وطُلب منه الكفر أو الفسوق أو العصيان، وان لم يفعل أوذي وعوقب، فاختار الأذى والعقوبة على فراق دينه: إما الحبس، وإما الخروج من بلده، كما جرى للمهاجرين حيث اختاروا فراق الأوطان على فراق الدين، وكانوا يُعَذَبون ويُؤذون ...
وهذا أشرف النوعين، وأهله أعظم درجةً، فإنهم إنما أُصيبوا وأُوذوا باختيارهم طاعةً لله فيثابون على نفس المصيبة، ويُكتب لهم بها عملٌ صالحٌ، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢) إلى أن يقول الشيخ، ﵀: فالذين يُؤذون على الإيمان، وطاعة الله ورسوله، ويحدث لهم بسبب ذلك حرج أو مرض، أو حبسٌ أو فراق وطن، وذهاب مالٍ وأهل، أو ضربٌ أو شتمٌ، أو نقص رياسة ومال، هم في ذلك على طريقة الأنبياء وأتباعهم كالمهاجرين الأولين (٣).
إخوة الإيمان، وكذلك تتفاوت مراتب الناس على الصبر على المقدور،
стр. 768
واختيار معالي الأمور، فمن الناس من يجزع للمقدور ليس منه مفر، ومنهم من يسلم لما ليس له فيه اختيار ويصبر عليه ويحتسب، وأصحاب القدح المعلى، والدرجات العلى، هم أولئك الذين يختارون بمحض إرادتهم الصبر على الأذية في سبيل نصرة الملة. وفي هذه المرتبة العلية عزاءٌ لمن ابتلي من أهل السنة، فصبر واحتسب، وحضٌّ لمن يضنون بالجهاد بأنفسهم في سبيل نصرة دينهم خشية أن يؤذوا ويُتَّهموا ... شريطة ألا يعرضوا أنفسهم للبلاء لما يطيقون وألا يتمنوا لقاء العدو.
نسأل الله لكل مبتلى العفو والعافية والثبات على الحق والنصرة.
أيها المسلمون، وثمة تقسيمٌ آخر للناس إذا ما حلَّت بهم المصائب الكونية القدرية، فهم ينقسمون حسب صبرهم وتقواهم إلى أربعة أقسام:
أحدها: أهل التقوى والصبر، وهم الذين أنعم الله عليهم من أهل السعادة في الدنيا والآخرة.
والثاني: الذين لهم نوع من التقوى بلا صبر، مثل الذين يمتثلون ما عليهم من الصلاة ونحوها، ويتركون المحرمات، لكن إذا أُصيب أحدهم في بدنه بمرض ونحوه أو في ماله أو في عرضه أو اُبتلى بعدو يخيفه عظم جزعه، وظهر هلعه.
والقسم الثالث: قوم لهم نوع من الصبر بلا تقوى، مثل الفجار الذين يصبرون على ما يصيبهم في مثل أهوائهم كاللصوص والقطاع الذين يصبرون على الآلام فيما يطلبون من أخذ الحرام، والكتاب وأهل الديوان الذين يصبرون على ذلك في طلب ما يحصل لهم من الأموال بالخيانة وغيرها، وكذلك طلاب الرئاسة والعلو على غيرهم، يصبرون مع ذلك على أنواع من الأذى، لا يصبر عليها أكثر الناس، لكن دون تقوى تميُّز لهم بين المأمور والمحظور.
стр. 769
وأما القسم الرابع: فهم شر الأقسام، لا ييقون إذا قدروا، ولا يصبرون إذا ابتلوا، بل هم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ (١). وهؤلاء تجدهم من أظلم الناس وأجبرهم إذا قدروا، ومن أذلِّ الناس وأجزعهم إذا قُهروا، إن قهَرْتهم ذلوا لك ونافقوك، وحاَبَوك واسترحموك، وإن قهروك كانوا من أظلم الناس، وأقساهم قلبًا، وأقلَّهم رحمةً وإحسانًا وعفوًا ... مثل التتار الذين قاتلهم المسلمون، وَمَن يشبههم في كثير من أُمورهم، وإن كان متظاهرًا بلباس جند المسلمين وعلمائهم وزهادهم وتجارهم وصنَّاعهم، فالاعتبار بالحقائق، فإن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) (٢).
هكذا يقرر شيخ الإسلام ابن تيمية، يرحمه الله، ويبين أحوال الناس في الصبر والتقوى، والمؤمن من وفقه الله، والمخذول من خذله الله.
يا أخا الإسلام، إذا أردت أن تمتحن صبرك فانظر في نفسك، وهل أنت واقع في شيء من الأمور المضادة للصبر؟ وقد ذكر أهل العلم من الأمور المضادة للصبر ما يلي: الشكوى إلى المخلوق على وجه التسخط والاسترحام، وقد قيل: من شكا ربه إلى مخلوق مثله فقد شكا من يرحمه إلى من لا يرحمه، أما الشكوى لله، أو لمخلوق على وجه الاسترشاد والتوصل إلى زوال ضرره فلا يقدح في الصبر (٣).
ومع ذلك فمن يشتكي ربه، وهو بخير فهو أمقت الخلق عند الله، روى الإمام
стр. 770
أحمد بسنده أن كعب الأحبار قال: إن من حسن العمل سُبْحة الحديث، ومن شر العمل التحذيف، قيل لعبد الله (أحد الرواة): ما سبحة الحديث؟ قال: سبحان الله وبحمده في خلال الحديث، قيل: فما التحذيف؟ قال: يصبح الناس بخير، فيسألون فيزعمون أنهم بشرٍ (١).
٢ - ومما ينافي الصبر: شق الشباب عند المصيبة، ولطم الوجه، والضرب بإحدى اليدين على الأخرى، وحلق الشعر، والدعاء بالويل، وكل ما نهى عنه المصطفى ﷺ ، أما بكاء العين، وحزن القلب دون تسخط فتلك رحمة جعلها الله في قلوب العباد، ولا ينافي الصبر، قال تعالى عن يعقوب ﵇: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (٢) قالت قتادة: كظيمٌ على الحزن، فلم يقل إلا خيرًا (٣).
وقال ﷺ : «تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، والله إنَّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» (٤).
٣ - ومما يقدح في الصبر إظهار المصيبة والتحدث بها، وكتمانها رأس الصبر، وقد روي: (من البر كتمان المصائب والأمراض والصدقة) (٥) وقيل: لما نزل في إحدى عيني عطاء الماء مكث عشرين سنة لا يعلم به أهله حتى جاء ابنه يومًا من قبل عينيه فعلم أن الشيخ قد أصُيب.
وقال مغيرة: شكا الأحنف إلى عمه وجع ضرسه، فكرر ذلك عليه، فقال: ما
стр. 771
تكرر عليَّ، لقد ذهبت عيني منذ أربعين سنة فما شكوتها إلى أحد (١).
٤ - ويضاد الصبر- كذلك- الهلع. وهو: الجزع عند ورود المصيبة، والمنع عند ذهابها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ (٢). قال الجوهري: الهلع: أفحش الجزع (٣).
يا أخا الإيمان، وإذا سلمك الله من هذه الآفات المضادة للصبر، فاعلم أنك محتاجٌ على الدوام لمنازلة الأعداء، وفي مقدمتهم الشيطان الرجيم، وسلاحك في ذلك: الصبر والصابرة، والمرابطة والتقوى، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٤).
يقول ابن القيم، ﵀: ولا يتم أمر هذا الجهاد إلا بهذه الأمور الأربعة، فلا يتم لنا الصبر إلا بمصابرة العدو، وهي مقاومته ومنازلته، فإذا صابر عدوه احتاج إنما أمر آخر، وهو المرابطة، وهي لزوم ثغر القلب وحراسته لئلا يدخل منه العدو، ولزوم ثغر العين والأذن واللسان والبطن واليد والرجل، فهذه الثغور، منها يدخل العدو فيجوس خلال الديار، ويفسد ما قدر عليه، فالمرابطة لزوم الثغر فلا يخلي مكانه، فيصادف العدو الثغر خاليًا فيدخل منه ... وإذا كان خيرة الخلق، بعد الأنبياء والمرسلين ﵈، أصحابُ محمد ﷺ حين أخلَوا المكان الذي أُمروا بلزومه يوم أحد دخل منه العدو، فكان ما كان، فلا تسأل عن غيرهم، واعلم أن جماع هذه الثلاثة وعمودها الذي تقوم به وهو: تقوى الله
стр. 772
تعالى، فلا ينفع الصبر ولا المصابرة ولا المرابطة إلا بالتقوى، ولا تقوم به التقوى إلا على ساق الصبر (١).
أعوذ الله من الشيطان الرجيم ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ (٢).
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه ...
стр. 773
الخطبة الثانية
الحمد لله يحب الصابرين، ويجزل المثوبة للشاكرين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
أما بعد فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة وكل ضلالةٍ في النار.
أيها المسلمون، وإذا علمتم أقسام الناس في الصبر، وأعلى مقامات الصابرين، وتأملتم ما يضاد الصبر، فمن الأهمية بمكان أن تعلموا ما يعينكم على الصبر، فما هي يا ترى الأمور المعينة للمسلم على الصبر؟
١ - إن أول ما يعين على الصبر معرفة العبد بطبيعة هذه الحياة، بمفاجآتها ونكدها وأكدارها، فهي ليست بدار قرار، ومن ركن إليها وظن فيها السعادة والسلامة من الآفات فقد أخطأ الفهم، والمولى يقول: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ (١) ويقول: ﴿وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٢).
فسعادتك فيها، حينًا، طيفٌ عابر، ومصابك فيها حتم لازم، وهل سلم الصفوة من البلاء فتسلم أنت وأنا ونحن المساكين؟ ولكن عزاء المؤمنين (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط) (٣).
стр. 774
واستشعار المصاب لهذه الحقيقة يخفف عنه ألم المصيبة، ويدعو إلى الصبر واحتساب الأجر عند ربه.
٢ - ليس ذلك فحسبه، بل إن مما يدعو المسلم للصبر طمعه في ثواب الله، ومعرفته ما أعد الله للصابرين، ويكفيه أن يتأمل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (١). أو أن يستيقن معية الله له حين يصبر، والحق ﵎ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٢). قال أهل التفسير: وهذه معيَّة خاصة تقتضي محبته ومعونته، ونصره وقربه، وهذه منقبة عظيمة للصابرين، فلو لم يكن للصابرين فضيلة إلا أنهم فازوا بهذه المعيَّة من الله لكفى بها فضلاً وشرفًا (٣).
وإن الله تعالى وعد على الصبر النصر والظفر، وهي الكلمة الحسنى التي وعد الله بها بني إسرائيل بما صبروا: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ (٤). إلى غير ذلك من معاني الصبر وآثاره التي وردت في القرآن أو صحيح السنة، وهي تكشف عن عواقب الصبر وآثاره في الدنيا والآخرة.
٣ - ألا يغيب عن ذهن المبتلى بمصيبةٍ إنها قد تكون خيرًا عجَّله الله له ليتذكر أنْعُمَ الله عليه فيشكره عليها من جانب، وليصبر ويحتسب على هذه المصيبة فيأجره الله عليها، ويرفع درجاته من جانب آخر، وكم تحوَّلت المحن- في حياة الصابرين- إلى منحٍ ما زالوا يشكرون الله عليها. وقد تكون للعبد المنزلة لا
стр. 775
يبلغها بعمله، فيبتليه الله بمصيبة فيرفعه الله بصبره عليها إلى هذه الدرجة العالية .. أفلا يسلي ذلك الصابرين؟ وقد يظلم نفسه، ويحملها من الأوزار ما يثقل كاهلها، فإذا ما ابتلاه ربه بمصيبة فصبر عليها، واحتسب أجروا كانت رفعة لدرجاته، ومكفرة لسيئاته، وفي صحيح مسلم: قال ﵊: «ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب، ولا سقم، ولا حزن، حتى الهم يُهمه إلا كُفِّر به من سيئاته» (١) وعند الترمذي: (ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة) (٢). وتأمل هذا الحديث: عن شداد بن أوس، ﵁، مرفوعًا (أن الله يقول: إذا ابتليت عبدًا من عبادي- مؤمنًا- فحمدني وصبر على ما ابتليته به فإنه يقوم من مضجعه ذلك كيوم ولدته أمه من الخطايا، ويقول الرب للحفظة: إني قيَّدت عبدي هذا وابتليته فأجروا له من الجر ما كنتم تجرون له قبل ذلك وهو صحيح) (٣).
٤ - ومما يعينك على الصبر، يا أخا الإسلام، النظر في مصائب الآخرين، والتسرية عن النفس بحال المبتلين من الأولين والآخرين. ففي النفس جزع يخفف منه معرفة آلام الآخرين، وفيها غفلةٌ يوقظها ذكر من هو أعظم منه بليَّة، وكم هو صالح للاعتبار ومخفف للمصاب أن نتذكر مصيبة عروة بن الزبير، يرحمه الله، حين ذهب إلى الوليد بن عبد الملك فأصابت رجلَه الأكَلَةُ، فلم يكن بد من قطعها، ثم فقد ابنه محمدًا في الرحلة نفسها حين ركلته بغلةٌ في إصطبلها فكان مما قال: (اللهم كان لي بنون سبعة وأخذت واحدًا وأبقيت لي