← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

تكرر عليَّ، لقد ذهبت عيني منذ أربعين سنة فما شكوتها إلى أحد (١). ٤ - ويضاد الصبر- كذلك- الهلع. وهو: الجزع عند ورود المصيبة، والمنع عند ذهابها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ (٢). قال الجوهري: الهلع: أفحش الجزع (٣). يا أخا الإيمان، وإذا سلمك الله من هذه الآفات المضادة للصبر، فاعلم أنك محتاجٌ على الدوام لمنازلة الأعداء، وفي مقدمتهم الشيطان الرجيم، وسلاحك في ذلك: الصبر والصابرة، والمرابطة والتقوى، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٤). يقول ابن القيم، ﵀: ولا يتم أمر هذا الجهاد إلا بهذه الأمور الأربعة، فلا يتم لنا الصبر إلا بمصابرة العدو، وهي مقاومته ومنازلته، فإذا صابر عدوه احتاج إنما أمر آخر، وهو المرابطة، وهي لزوم ثغر القلب وحراسته لئلا يدخل منه العدو، ولزوم ثغر العين والأذن واللسان والبطن واليد والرجل، فهذه الثغور، منها يدخل العدو فيجوس خلال الديار، ويفسد ما قدر عليه، فالمرابطة لزوم الثغر فلا يخلي مكانه، فيصادف العدو الثغر خاليًا فيدخل منه ... وإذا كان خيرة الخلق، بعد الأنبياء والمرسلين ﵈، أصحابُ محمد ﷺ حين أخلَوا المكان الذي أُمروا بلزومه يوم أحد دخل منه العدو، فكان ما كان، فلا تسأل عن غيرهم، واعلم أن جماع هذه الثلاثة وعمودها الذي تقوم به وهو: تقوى الله

стр. 772

تعالى، فلا ينفع الصبر ولا المصابرة ولا المرابطة إلا بالتقوى، ولا تقوم به التقوى إلا على ساق الصبر (١). أعوذ الله من الشيطان الرجيم ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ (٢). نفعني الله وإياكم بهدي كتابه ...

стр. 773

الخطبة الثانية الحمد لله يحب الصابرين، ويجزل المثوبة للشاكرين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. أما بعد فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة وكل ضلالةٍ في النار. أيها المسلمون، وإذا علمتم أقسام الناس في الصبر، وأعلى مقامات الصابرين، وتأملتم ما يضاد الصبر، فمن الأهمية بمكان أن تعلموا ما يعينكم على الصبر، فما هي يا ترى الأمور المعينة للمسلم على الصبر؟ ١ - إن أول ما يعين على الصبر معرفة العبد بطبيعة هذه الحياة، بمفاجآتها ونكدها وأكدارها، فهي ليست بدار قرار، ومن ركن إليها وظن فيها السعادة والسلامة من الآفات فقد أخطأ الفهم، والمولى يقول: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ (١) ويقول: ﴿وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٢). فسعادتك فيها، حينًا، طيفٌ عابر، ومصابك فيها حتم لازم، وهل سلم الصفوة من البلاء فتسلم أنت وأنا ونحن المساكين؟ ولكن عزاء المؤمنين (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط) (٣).

стр. 774

واستشعار المصاب لهذه الحقيقة يخفف عنه ألم المصيبة، ويدعو إلى الصبر واحتساب الأجر عند ربه. ٢ - ليس ذلك فحسبه، بل إن مما يدعو المسلم للصبر طمعه في ثواب الله، ومعرفته ما أعد الله للصابرين، ويكفيه أن يتأمل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (١). أو أن يستيقن معية الله له حين يصبر، والحق ﵎ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٢). قال أهل التفسير: وهذه معيَّة خاصة تقتضي محبته ومعونته، ونصره وقربه، وهذه منقبة عظيمة للصابرين، فلو لم يكن للصابرين فضيلة إلا أنهم فازوا بهذه المعيَّة من الله لكفى بها فضلاً وشرفًا (٣). وإن الله تعالى وعد على الصبر النصر والظفر، وهي الكلمة الحسنى التي وعد الله بها بني إسرائيل بما صبروا: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ (٤). إلى غير ذلك من معاني الصبر وآثاره التي وردت في القرآن أو صحيح السنة، وهي تكشف عن عواقب الصبر وآثاره في الدنيا والآخرة. ٣ - ألا يغيب عن ذهن المبتلى بمصيبةٍ إنها قد تكون خيرًا عجَّله الله له ليتذكر أنْعُمَ الله عليه فيشكره عليها من جانب، وليصبر ويحتسب على هذه المصيبة فيأجره الله عليها، ويرفع درجاته من جانب آخر، وكم تحوَّلت المحن- في حياة الصابرين- إلى منحٍ ما زالوا يشكرون الله عليها. وقد تكون للعبد المنزلة لا

стр. 775

يبلغها بعمله، فيبتليه الله بمصيبة فيرفعه الله بصبره عليها إلى هذه الدرجة العالية .. أفلا يسلي ذلك الصابرين؟ وقد يظلم نفسه، ويحملها من الأوزار ما يثقل كاهلها، فإذا ما ابتلاه ربه بمصيبة فصبر عليها، واحتسب أجروا كانت رفعة لدرجاته، ومكفرة لسيئاته، وفي صحيح مسلم: قال ﵊: «ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب، ولا سقم، ولا حزن، حتى الهم يُهمه إلا كُفِّر به من سيئاته» (١) وعند الترمذي: (ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة) (٢). وتأمل هذا الحديث: عن شداد بن أوس، ﵁، مرفوعًا (أن الله يقول: إذا ابتليت عبدًا من عبادي- مؤمنًا- فحمدني وصبر على ما ابتليته به فإنه يقوم من مضجعه ذلك كيوم ولدته أمه من الخطايا، ويقول الرب للحفظة: إني قيَّدت عبدي هذا وابتليته فأجروا له من الجر ما كنتم تجرون له قبل ذلك وهو صحيح) (٣). ٤ - ومما يعينك على الصبر، يا أخا الإسلام، النظر في مصائب الآخرين، والتسرية عن النفس بحال المبتلين من الأولين والآخرين. ففي النفس جزع يخفف منه معرفة آلام الآخرين، وفيها غفلةٌ يوقظها ذكر من هو أعظم منه بليَّة، وكم هو صالح للاعتبار ومخفف للمصاب أن نتذكر مصيبة عروة بن الزبير، يرحمه الله، حين ذهب إلى الوليد بن عبد الملك فأصابت رجلَه الأكَلَةُ، فلم يكن بد من قطعها، ثم فقد ابنه محمدًا في الرحلة نفسها حين ركلته بغلةٌ في إصطبلها فكان مما قال: (اللهم كان لي بنون سبعة وأخذت واحدًا وأبقيت لي

стр. 776

ستة، وكان لي أطرافٌ أربعة فأخذت طرفًا وأبقيت ثلاثة، ولئن ابتليت لقد عافيتَ، ولئن أخذت لقد أبقيت) (١). ألا ما أروع الكلمة التي وردت عن بعض السلف: (لولا مصائب الدنيا لوردنا الآخرة مفاليس) (٢). ٥ - ومما يعين على الصبر وتخفيف المصاب صدق اللجأ إلى الله، والتضرع بين يديه، فهو المعين وكاشف البلاء ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ (٣). وهل علمت شيئًا من بلاء أيوب ﵇ الذي قيل: إن الله يحج به يوم القيامة أهل البلاء؟ عن أنس بن مالك، ﵁، أن رسول الله وعلى الله عليه وسلم قال: «إن نبي الله أيوب ﵇ كان في بلائه ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد، إلا رجلين من إخوانه كانا يغدوان إليه ويروحان إليه، فقال أحدهما لصاحبه: تعلم، والله لقد أذنب ذنبًا ما أذنبه أحد من العالمين، فقال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله، فيكشف ما به، فلما راحا عليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك لأيوب، فقال ﵇: لا أدري ما تقول: غير أن الله يعلم أني كنتُ أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر الله إلا في حق .. إلخ القصة (٤) وفيها شفاه الله، ورد إليه ما كان سلبه منه، بعد أن

стр. 777

امتحن صبره، وجعله عبرة للصابرين (وذكرى للعابدين)، والمعنى كما قال ابن كثير: أي جعلناه قدوة لئلا يظن أهل البلاء أنما فعلنا بهم ذلك لهوانهم علينا، وليتأسوا به في الصبر على مقدورات الله في البلاء (١). ٦ - يا أخا الإسلام، ومما يعينك كذلك على الصبر- ولاسيما عن مقارفة الحرام- أن تعلم أن لذة الحرام ساعة، ثم تعقبها الندامة إلى قيام الساعة، وأن الكرام تعز أنفسها عن الورود على موائد اللئام: إذا كثُر الذبابُ على طعامٍ رفعتُ يدي ونفسي تشتهيهِ وتجتَنبُ الأسود ورودً ماءٍ إذا كان الكلاب يَلِغْنَ فيهِ (٢). اللهم اعصمنا من الزلل، وارزقنا الصبر حين البلوى والمحن. وبعد، إخوة الإسلام فهذه إطلالة يسيرة على موضوع من الأهمية بمكان، ما أحوجنا إليه في هذا الزمان، ومن رام المزيد فعليه أن يرد موارد العلماء الذين استوقفتهم آيات الكتاب، وعنوا بشرح أحاديث المصطفى ﵊. وأراني هنا محتاجًا لأن أقول لكم، وليس العبرة بمقولة اللسان، ولكن بتصديق الجنان، فالصبر عند الصدمة الأولى، والصابرون المحتسبون هم أولو الأحلام والنهى، وأهل البلاء هم أهل المصيبة، وإن عوفيت أبدانهم، وأهل العافية هم أهل الطاعة، وإن مرضت أبدانهم. وأجدني مضطرًا لأن أقول لكم كما قال مَن قبلي: (هذا جهد المقل، وقدرة المفلس، حذر فيه من الداء، وإن كان من أهله، ووصف فيه الدواء، وإن لم

стр. 778

يصبر على تناوله لظلمه وجهله، وهو يرجو أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين أن يغفر له غيه لنفسه بنصيحته لعباده المؤمنين) والله المستعان (١).

стр. 779

أمانة الكلمة ومسؤوليتها (١) الخطبة الأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ... إخوة الإسلام، والمتأمل في آيات القرآن الكريم وأحاديث المصطفى ﵊، يلحظ تركيزًا واضحًا واهتمامًا بالغًا بمسؤولية الكلمة وأمانة النطق، فالرقابة دقيقة: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (٢)، والمسؤولية شاملة: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ (٣). والكلمة في حس المسلم ليست عبثًا فراغًا، ولا لغوًا آثمًا: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (٤)، بل هي في ضمير المؤمن نهجٌ عادلٌ، وقولٌ سديدٌ راشدٌ، وهي طريق للصلاح والاستصلاح، ومغفرة للذنوب، وهي قرينة التقوى، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (٥). وإذا كانت تلك نظرة أهل الهداية والفضيلة، فليس الأمر كذلك عند أهل الغواية والرذيلة، وينبغي أن يترفع العالمون عن الجاهلين: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ

стр. 780

أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ (١). أجل، لقد ألزم الله المسلمين ﴿كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ (٢). أما الذين كفروا فحقت عليهم كلمة العذاب: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ﴾ (٣) أيها المسلمون، والكلمة كلمتان: طيبة وخبيثة، والطيبون للطيبات، والخبيثون للخبيثات، وفي أمثال القرآن عظةٌ وعبرة، والله يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (٤). ومن ظلال هذه الآية: إن كلمة الحق ثابتة لا تزعزعها الأعاصير، ولا تعصف بها رياح الباطل، ولا تقوى عليها معاول الطغيان، وإن خُيِّل للبعض أنها معرضة للخطر الماحق في بعض الأحيان، وهي سامقة متعالية، تطل على الشر والظلم من علٍ، وإن خيل للبعض أحيانًا أن الشر يزحمها في الفضاء، وهي مثمرة لا ينقطع ثمرها لأن بذورها تنبت في النفوس المتكاثرة آنًا بعد آن. أما الكلمة الخبيثة- كلمة الباطل- فهي كالشجرة الخبيثة، قد تهيج وتتعالى

стр. 781

وتتشابك، ويخيل إلى بعض الناس أنها أضخم من الشجرة الطيبة وأقوى، ولكنها تظل نافشة هشة، جذورها في التربة قريبة، حتى لكأنها على وجه الأرض، وما هي إلا فترة ثم تُجْتثٌ من فوق الأرض فلا قرار لها ولا بقاء (١). إخوة الإيمان، وما أعظم مسؤولية الكلمة، ونبي الهدى، ﵊ يقول: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يُلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يُلقي لها بالاً يهوي بها في جنهم» وفي لفظ «يزلُ بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب» (٢). قال ابن عبد البر، يرحمه الله: (الكلمة التي يهوي صاحبها بسببها في النار، هي التي يقولها عند السلطان الجائر، زاد ابن بطال: بالبغي أو بالسعي على المسلم، فتكون سببًا لهلاكه، وإن لم يُرد القائل ذلك، لكنها ربما أدت إلى ذلك فيكتب على القائل إثمها). والكلمة التي ترقع بها الدرجات، ويُكتَب بها الرضوان، هي التي يدفع بها عن المسلم مظلمة، أو يفرج عنه كربة، أو ينصر بها مظلومًا. ويضيف القاضي عياض: يحتمل أن تكون الكلمة من الخنا والرفث، وأن تكون في التعريض بالمسلم بكبيرة أو بمجون، أو استخفاف بحق النبوة والشريعة، وإن لم يعتقد ذلك. ويزيد النووي: في هذا الحديث حثٌ على حفظ اللسان، فينبغي لمن أراد أن ينطق أن يتدبر ما يقول قبل أن ينطق، فإن ظهرت فيه مصلحة تكلم، وإلا أمسك) (٣).

стр. 782

أيها المسلمون، وحين نعي له المسؤولية، فليس المهم أن نُمكَّن من القول، ولكن الأهم أن نعيَ ما نقول، وليس يكفي أن يرضى الناس أو بعضهم عما نقول، ولكن الغاية رضى رب العالمين. وفي إطار أمانة الكلمة احذر بدأ تكون شيطانًا ناطقًا، أو أخرسًا فتتحدث حين يلزمك الصمت، أو تسكت حين يلزم الأمر أو النهي، وهل يغيب عنك أن من لوازم الإيمان قول الخير أو الصمت: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» (١). وهل علمت أن أفضل المسلمين (من سلم المسلمون من لسانه ويده) (٢). وأين أنت من طريق الجنة، وهو مرهون بضمان اللسان والفرج؟ (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة) (٣). كفى بالويل رادعًا عن سواقط الكلم، وهمز الآخرين ولمزهم: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ (٤). وكفى بالكفر ذنبًا ماحقًا من جراء كلمةٍ ساخرة مسهزئة: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ (٦٥) لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٥). وإذا تعاظمت الفواحش- ما ظهر منها وما بطن- بقي القول على الله بغير

стр. 783

علم أعظمها وأفحشها ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (١). وإليك ما قاله العارفون في تأويل هذه الآية: يقول الإمام ابن القيم، ﵀: (رتب الله المحرمات أربع مراتب، وبدأ بأسهلها وهو الفواحش، ثم ثنى بما هو أشد تحريمًا منه وهو الإثم والظلم، ثم ثلث بما هو أعظم تحريمًا منهما وهو الشرك بالله سبحانه، ثم ربع بما هو أشد تحريمًا من ذلك كله وهو القول على الله بلا علم، وهذا يعم القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله، وفي دينه وشرعه) (٢). ألاما أعظم الخَطْبَ حين يشيع القول على الله، وعلى شرعه بغير علم، فتصبح الكلمة لا خطام لها ولا زمام، ويسري التحليل والتحريم على كل لسان، أو تُحاصر كلمة الحق، وتتحدث الرويبضة في أمر العامة وتخف كفة العدل في القول، والله يقول: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (٣). هنا، وفي هذه الأجواء، تشتد الحاجة لأمانة الكلمة، وتتعاظم مسؤوليتها على العلماء والأمراء، والدعاة والمفكرين، ورجالات الإعلام، والمربين، وكل بحسبه، فمسؤولية الكلمة لدي العلماء البيان وعدم الكتمان، وميثاق الله أولى بالقضاء، وهو فوق أعراض الدنيا: ﴿وَإِذَ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ (٤).

стр. 784

وزلة العالِم يزلُ بها عالَمٌ، ومَضروبٌ لها الطبل- كما يُقال- (١) أما الأمراء فيكفيهم أن يتذكروا قول المصطفى، ﷺ ، «ما من أمير عشرة إلا وهو يأتي يوم القيامة مغلولاً، حتى يفكه العدل أو يوبقه الجور) (٢). وفي الحديث الآخر «ما من أمير يلي أمر المسلمين، ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة» (٣). أما الدعاة فمسؤولية الكلمة في دعوتهم ألسنة صادقة، وقلوب مخلصة، وحكمة في الدعوة، وحسن في الموعظة، ومجادلة بالحسنى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٤). أيها المسلمون، ويسري الأدب في القول لعموم عباد الله، بحسن العبارة، وعدم الإثارة، وفي ذلك قطع لطريق الشيطان، وإغاظة له: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً﴾ (٥). ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ (٦). ألا فاستحضروا- يا عباد الله- أينما كانت مواقعكم، ومهما عظمت أو قلت مسؤولياتكم، شمولية البيعة التي بايع عليها أسلافكم، وهي شاملة لكم: (بايعنا رسول الله، ﷺ ، على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى ألا ننازع الأمرَ أهله وعلى أن نقول بالحق

стр. 785

أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم) (١). أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ (٢). نفعني وإياكم بهدي القرآن، وبصرَّنا بسنَّة خير الأنام، ... أقول ما تسمعون ...

стр. 786

الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، أسبغ على عباده من النعم ما لا يُعَد ولا يُحصى، وهل اللسان إلا آية ونعمة علتْ بها كفة أقوام، وخفت بها موازين آخرين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لم يُبح لأحد من خلقه أن يتقول عليه، ولو كان صفيَّه وخليلَه، ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ (٤٤) لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ (١). فكيف بالآخرين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أدبه ربه فأحسن تأديبه، فلم يكن سبَّابًا، ولا فاحشًا، ولا لاعنًا، اللهم صلى وسلم عليه وعلى سائر المرسلين، وعلى عباد الله الصالحين، أولئك الذين امتدحهم الله بقوله: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ (٢). أما بعد، عباد الله، فإن القلوب الكبيرة تترجمها الألسنة الصادقة التي تحترق لآلام الآخرين، وتُسَرُّ لنجاة المسلمين من العذاب المهين، حتى وإن احترقت في سبيل نجاتهم كالشموع تضيء للآخرين، وتحرق نفسها. وهل تخرج الكلمة الصادقة إلا بجد واجتهاد، وتجرد وإخلاص، وانتصار في معركة الهوى والشيطان، وحظوظ الدنيا. أما الألسنة الكاذبة، فهي لوحة كاشفة لمخبئات الصدور غالبًا، وهي أسلحة فتاكة تهلك الحرث والنسل، تزرع الضغينة، وتنشر بذور الفتنة، وتضلل العامة، وتسيء إلى الخاصة، وفرق بين الثرى والثُّريَّا ... إخوة الإيمان، ولا ينتهي أثر الكلمة الصادقة في هذه الحياة، فكم من رجال ونساء غيَّبتهم اللحود، وباتوا رممًا باليةً من أثر الأرض والدود، ومع ذلك بقيت

стр. 787

كلماتهم سراجًا يضيء الطريق للسالكين، ويذكر الأحياء بجهاد الأموات السابقين، إنها الحياة الممتدة للموتى، والذكر للمرء عمر ثان؟ أفيعجز الأحياء عن مقارعة الباطل بالكلمة الصادقة، والحوار المقنع، وجهادُ الكلمة ضربٌ من ضروب الجهاد، لا يقل أثرًا عن جهاد النفس والمال، كما قال ﵊ «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) (١). ألا ما أحوجنا إلى جهاد الكلمة حين تروج الشائعات الكاذبة، وتُطلُّ الفتن المضللة، ونحتاج إلى أمان الكلمة للدفاع عن عرض مسلم مظلوم، أو لردع ظالمٍ غشوم، وتتعاظم مسؤولية الكلمة حين يتبجَّح المتفيهقون، ويتصدرون زمام المجالس، ومراكز القيادة، وتشتد الحاجة لقول كلمة الحق، حين يسكت العلماء، ويحار العقلاء، في وقت يتنمر فيه المنافقون، وينطق السفهاء؟ ما أحوجنا لكلمة الحق حين تطال التهمة الأبرياء، وتحارَب الفضيلة علنًا، وحين تضعف الغيرة لدين الله، ويلهث الناس وراء المادة، فيصل اللصوص إلى قلوب العامة ... ويلتبس الحق بالباطل! وفي ظل هذه الظروف الصعبة لا يكفي التلاوم الشخصي، ولا يجدي النوح على الواقع المتردي، وليس بنافع ولا شافع عند الله ترحيل المسؤولية للآخرين، (فأنتَ وأنا وهو) كلٌّ مخاطبٌ بإنكار المنكر: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) والعقوبة إذا نزلت- لا سمح الله- تعم ولا تخص، ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَآصَّةً﴾ (٢). (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه) وفي رواية

стр. 788

(إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه أوشك أن يعمهم الله بعقاب) (١). أمة الإسلام، وإذا كان هذا على المستوى الفردي، فإن جهاد الكلمة ومسؤوليتها على مستوى المجتمع والأمة لا يقل أثرًا وخطرًا. ولو قدر للأمم الكافرة أن تتوارى عن التوجيه للرأي العام، نظرًا لغضب الرب عليها، أو ضلالها، أو حلول اللعنة عليها، أو قتلها لأنبيائها، أو تلبيس بالخطيئة المزعومة، وتحريف معتقداتها، وتشويهها للكتب السماوية المنزلة عليها ... أقول: لو قدِّر هذا، والواقع يشهد بخلافه ... فإن الواجب على أمة الإسلام أن تنبري للمهمة، معتزةً بسلامة المنهج، وصفاء المعتقد، وخيرَّته الرسالة والمرسَل .. ومن عجبٍ أن تتوارى كلمة أمة، تلك بعض سماتها، وتمسك بزمام القيادة أُمم، تلك بعض هناتها، وتظل الأسئلة حائرة تنتظر الجواب .. أين كلمة الإسلام الحق في المحافل الدولية؟ وأين سيطرة المسلمين على وسائل الإعلام؟ ووكالات الأنباء العالمية؟ أين التميز والأصالة في إعلام المسلمين؟ وهي منابر لنقل الكلمة الطيبة، وأسلوب فاعل من أساليب الدعوة. تُرى أيصح أن يتشبث الآخرون بهويتهم، وإن كانت مزورةً .. ويتراجع المسلمون وهم أصحاب الرسالة الحقة؟ أيها المسلم والمسلمة، وإذا تسارعت الفتن في الأمة، فينبغي أن يسرع الإنسان- بقدرها- إلى إمساك لسانه، فلا يقول إلا خيرًا، ولا يتحدث إلا بعلم، ولا يكفر مسلمًا، ولا يبدع أو يضلل مصلحًا، ولا يخطئ عالمًا صادقًا، جهلاً منه أو تسرعًا، وعليه أن يسعى في جمع كلمة المسلمين، ويحذر فرقتها، وأن يتثبت في الأمور قبل أن يصدر حكمًا عليها .. وأن يعي جيدًا قول

стр. 789

المصطفى، ﷺ ، «وهل يكبُّ الناس في النار علي وجوههم- أو قال على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم) (١). معاشر المسلمين، وإذا كان الاختلاف بين المسلمين واردًا فينبغي أن يكون اجتهادًا في الرأي، لا اختلافًا في القلوب، والعلماء الربانيون هم الذين يسعون في جمع الكلمة، وتأليف القلوب .. ومن فقه الواقع يسطر لنا شيخ الإسلام ابن تيمية، يرحمه الله، موقفًا رائعًا حين بلغه اختلاف المسلمين (في البحرين) في مسألة «رؤية الكفار لربهم» حتى ذكر وفدهم أن أمرهم إلى قريب من المقاتلة ... فتحدث الشيخ عن هذه المسألة ناقلاً لآراء أهل العلم، ومعاتبًا على حدتهم في الاختلاف، ومنتقدًا لهم على مفاتحتهم عوام المسلمين فيها، وهم في عافية وسلام عن الفتن، وعلَّمهم آدابًا تجب مراعاتها حين الاختلاف (ويليق بغيرهم من المسلمين أن يتعلموها في أدب الاختلاف). وفي نهاية رسالته إليهم أعرض- ﵀ عن بيان الراجح فيها، معللاً ذلك بقوله: (وأما استيعاب القول في هذه المسألة وغيرها، وبيان حقيقة الأمر، فربما أقول أو أكتب في وقت آخر، إن رأيت الحاجة ماسّةً إليه، فإني في هذا الوقت رأيت الحاجة إلى انتظام أمركم آكد) (٢). ألا ما أحوج الأمة إلى هذا النوع من العلماء الذين يعون مسؤولية الكلمة، ويجمع الله بهم الأمة. اللهم أصلح أحوالنا، واجمع كلمتنا واقمع أهل الزيغ والبدع والفساد في مجتمعاتنا.

стр. 790

وبالوالدين إحسانًا (١) الخطبة الأولى الحمد لله رب العالمين، أيقظ الغافلين، ونفع بالتذكرة المؤمنين، عرفوا ما لربهم من الحقوق فقاموا بها، وما عليهم من الواجبات لخلقه فأدُّوها. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر وقضى، ولا يأمر ربك إلا بالعدل والإحسان، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أزكى البشرية وأبرها يحقوق الله وحقوق خلقه، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن أصحابه الميامين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ (٣). أيها المسلمون، وحيث سبق الحديث عن الشباب، واستوقفنا الحديث عن الأبناء، فاستكمال الحديث اليوم عن الشيوخ والآباء .. ولكنه ليس حديثًا عن انحرافهم، بل تذكير ببرهم، وطرائق الإحسان إليهم، تلك العبادة التي غفل عنها بعض الناس، واستخف بأمرها كثيرٌ من الشباب، حتى وصل الداء إلى الخيرين، ولم يسلم منه الطيبون، وكان لابد من وقفة تذكير، عسى الله أن ينفعَ بها المتحدِّثَ والسامعين، وعموم المسلمين.

стр. 791

فمن هما الأبوان اللذان جاءت نصوص الشرع بالبر والطاعة لهما؟ وأي حق أو قدرٍ للوالدين اللذينِ أمر الله بالإحسان إليهما؟ هما أمك التي حملتك في أحشائها وهنًا على وهن، حملتك كرهًا ووضعتك كرهًا، ولا يزيدها نموَّك إلا ثقلاً وضعفًا ... غذَّتك بصحتها، تجوع هي لتشبع أنت، وتسهر لتنام أنت، ومع ذلك فأنت في فؤادها يقظان دائمًا، صغيرًا كنت أم كبيرًا، تتخذ من حجرها لك بيتًا، ومن يديها مركبًا، طالما أماطت عنك الأذى، ولم تضق بك ذرعًا، هي أم الصبر، وحبل الشوق، وعنوان التضحية ورمز الحنين، ومرفأ السلوى والشكوى ... وأبوك يكد لك ويسعى، يجوب الفيافي والقفار، ويتحمل الأخطار بحثًا عن لقمة عيشك، يدفع عنك صنوف الأذى، ويتعهدك بالحنان والتربية، أنت له مجبنة مبخلة، وأنت محل تفكيره، وبك غالب همومه، هو الخادم المجهول، والمكافح المغمور، وربما اخترمته ريب المنون، وهو في رحلة الجهاد للبنين والبنات، .. هذان الأبوان هما اللذان قال الله بيانهما: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ (١). وأمرنا بالشكر له ولهما: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ (٢). هما اللذان جاءت الوصية الإلهية بالإحسان إليهما: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً﴾ (٣)، بل أمر بمصاحبتهما بالظروف في الدنيا، وإن كانا كافرين: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ (٤).

стр. 792

الجهاد فيهما جهاد مقدم، والإذن منهما أمرٌ لازم، (جاء رجل إلى النبي ﷺ ، يستأذنه في الجهاد فقال: أحيٌّ والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد) (١). وإيناسهما، وإدخال السرور عليهما شرط للهجرة والجهاد: (جاء رجل إلى النبي، ﷺ ، فقال: جئتُ أُبايعك على الهجرة وتركتُ أبوي يبكيان، فقال: ارجع عليهما فأضحكهما كما أبكيتهما) (٢). وإذا كان هذا في عظائم الأمور فلا تسأل عما دون ذلك؟ أيها المؤمنون، والبر بالوالدين وفاءٌ وقربةٌ، وهو طريق إلى الجنة، عن أبي الدرداء، ﵁، قال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: (الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضِعْ ذلك البابَ أو احفظه) (٣). والمعنى، كما قال العلماء، أي خير أبواب الجنة (٤). وحنانيك- يا أخا الإسلام- قولَ المصطفى، ﷺ ، «رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه، قيل: من يا رسول الله؟ قال: مَن أدرك والديه عند الكبر، أحدهما أو كلاهما، ثم لم يدخل الجنة» (٥). هل يغيب عنك أن رضى الرب في رضاهما، وسخطه في شخطهما؟ أم نسيتَ أن دعوتهما لك لا تُرد، وأين أنت من بسط الرزق، والفسحة في الأجل، والمصطفى، ﷺ يقول: «مَن سره أن يُبْسَطَ لهُ في رزقه ويُنْسَأَ له في أثره فلْيصل

стр. 793

رحمه» (١). وهل هناك أقرب من الوالدين وأولى منهما بالصلة؟ بل يصل الأمر إلى أن يحفظ الله الأبناء، في أنفسهم وأموالهم، بصلاح الآباء: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ .... ﴾ (٢). ومن آثار بر الوالدين أنه سبب لكشف الشدائد والكربات بإذن الله، وفي الحديث أن أحد الثلاثة الذين أخذهم المطر فآووا إلى غار في الجبل، فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل فأطبقت عليهم، ولم يستطيعوا الخروج منها حتى دعوا الله بصالح أعمالهم، أحد هؤلاء كان بارًا بوالديه ففرج الله عنهم (٣). يا أخا الإيمان، وفوق ما يذكره الله لك من خيري الدنيا والآخرة بسبب البر، فيدعوك للبر كذلك معرفتك بسيرة البررة الأخيار من الأنبياء والصالحين: فيحيى، ﵇، يقول عنه مولاه: ﴿وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً﴾ (٤)، وعن عيسى، ﵇، قال تعالى: ﴿وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً﴾ (٥). وفرق بين البر والعصيان، وبين التجبر والإحسان! ! وتأمل يا من تتلو كتاب الله نموذجًا آخر للبر والإحسان، نالت عطف وإحسان موسى، ﵇، ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ

стр. 794

وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقَى لَهُمَا .. ﴾ (١). وتظل قصة المرأتين مثار عجب وقدوة، ولا يدري المتأمل في صنيعيهما، أيعجبه البر والإحسان والخدمة لأبيهما في أمر يقوم به الرجال غالبًا، أم يعجبه حياؤهما وعفتهما وبعدهما عن خلطة الرجال، وإذا جمعت الفتاتان بين الأمرين كان حقًا على الفتيان والفتيات ألا يقلوا عنهما برًا وإحسانًا. ومن مدرسة النبوة يبرز لنا «حارثة بن النعمان» ﵁، نموذجًا للبر، يشهد له النبي، ﷺ بحسن المكافأة، ويراه في الجنة، على بره، وهو بعدُ في الدنيا، ويقول ﵊: «نمتُ فرأيتني في الجنة، فسمعتُ صوتَ قارئٍ يقرأُ فقلتُ: من هذا؟ قالوا: هذا حارثه بن النعمان، فقال رسول الله، ﷺ : كذلك البر، كذلك البر، وكان أبرَّ الناس بأمه) (٢). ومن جيل التابعين، يخبر النبي، ﷺ ، عن رجل آخر من البررة، ويقول: يأتي عليكم أُويس بن عامر القرني من أمداد أهل اليمن، من مراد، ثم من قرن، كان به برصٌ فبرئ منه إلا موضع درهم، له والدةٌ، هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعتَ أن يستغفر لك فافعل، ثم تمر الأيام والسنون، ويلتقي عمر به ويتأكد من صفته واسمه، ويطلب منه أن يستغفر له فاستغفر له (٣). أيها المسلم والمسلمة، معاشر البررة، ويكون البر بلين القول، وطيب الكلام، وخفض الجناح، رحمةً وتقديرًا، والدعاء لهما أحياء وأمواتًا، وسد حوائجهما، ومؤانستهما ..

стр. 795

سُئل الحسن، يرحمه الله، ما بر الوالدين؟ قال: أن تبذل لهما ما ملكتَ، وتطيعهما فيما أمراك ما لم يكن معصية، قيل: فما العقوق؟ قال: أن تهجرهما وتحرمهما، ثم قال: أما علمتَ أن نظركَ في وجوه والديك عبادة فكيف بالبر بهما؟ وقال أبو هريرة، ﵁، لرجل، وهو يعظه في بر أبيه: لا تمش أمام أبيك، ولا تجلس قبله، ولا تدعُهُ باسمه. وقال طاووس: من السنة أن يُوقَّر أربعة: العالم، وذو الشيبة، والسلطان، والوالد، ومن الجفاء أن يدعو الرجل والده باسمه (١). أيها المسلمون، ويستمر البر بالوالدين في حياتهما وبعد مماتهما، ويستفيد الأموات من دعوات الأحياء واستغفارهم، وقد ورد عن أبي هريرة بإسناد حسن: (تُرفع للميت بعد موته درجته فيقول: أي رب، أي شيءٍ هذه؟ فيقال: ولدك استغفر لك) (٢). أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً (٢٤) رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً﴾ (٣).

стр. 796

الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، وأشهد ألا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام المتقين، وقدوة البارين، والبر لا يبلى، والديَّان ولا يموت، فكما تدين تدان، اللهم صل على نبينا محمد وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. أيها المسلمون، وإذا كان البر عنوانًا للوفاء، ودليلاً على العقل والمروءة والكرم، وطريقًا للسعادة في الدنيا والآخرة، فإن العقوق نكران للجميل، وهو دليل على دناءة المروءة وخسة الطبع، وهو انتكاس للفطرة السوية، وطريق للشقوة في الدنيا، والهاوية في الأخرى. ألا يكفي في التحذير من عقوق الوالدين أنه من أكبر الكبائر، وأنه رديف للشرك بالله؟ والصادق المصدوق، ﷺ ، يقول: «ألا أنَبِّئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى، قال ثلاثًا؟ الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئًا فجلس، فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، فما زال يقولها حتى قلنا: ليته سكت» (١). يا أيها المخذول، هل حينما كبرا فاحتاجا إليك جعلتهما أهون الأشياء عليك؟ قدَّمت غيرهما بالإحسان، وقابلت جميلهما بالنسيان، شق عليك أمرهما، وطال عليك عمرهما؟ (٢). أما علمتَ أن في بقائهما سعادتك، وفي برهما تتنزل البركات عليك وعلى عقبك، وأنتَ مخذول حقًا، إن لم تنل رضا ربك برضاهما، وتدخل الجنة بسبب برهما.

стр. 797

أنسيت أيام الصبا، أم غرَّتك الدنيا؟ وهل يرد في مخيلتك أنك لم تمر بمرحلة الضعف والطفولة؟ أم تراك أعجبك الشباب والفتوة، وغرَّك التعليم والثقافة، فظننتَ المال والجاه مؤهلين للترفُّع وداعيين للتأفف والتبرُّم؟ ! قل لي بربك ماذا تراك تصنع؟ وبأي نوع من المعروف تكافئ لو قُدِّر أن إنسانًا وجدك في فدفد من الأرض مجردًا من الثياب، خلوًا من الطعام والشراب، قد آلمتك الغربة، وأوحشتك الطفولة، وأنت أضعف من أن تجلب لنفسك سببًا في الحياة، وأهون من أن تدفع عنها الممات، وأنت في تلك الحال لا تملك إلا البكاء، فهدى الله إليك من أشفق عليك، وأنزل رحمته في قلبه لك، فكساك بعد العري، وأطعمك وقد قاربت الممات، ثم استمر يتعهدك بالمطعم والمشرب، وهيَّأ لك السكن تتقي به حر الهواجر، وتستكن به من زمهرير الشتاء- وما زال هذا دأبه يحوطك بالرعاية، ويدفع عنك كل مكروه يستطيع دفعه- حتى اشتد ساعدك، واكتملت قوتك .. أتراك تقابل الإحسان بالإساءة؟ أم تتصدد عن أداء الواجب حين جاء وقته ... إنني أترك لك فرصة التفكير لتختار لنفسك ما تشاء؟ أيها المؤمنون، والمتأمل في أسباب العقوق يجدها نتيجة جهل ضلَّ صاحبه، أو سبب مال أو جاه غرَّ صاحبيهما، أو بسبب سوء خلق ودناءة طبع أَنْسَتْ الماضي، وأَسَرَتْ العاق في لحظته الحاضرة أو بسبب طاعة الزوجة والأبناء ... وربما وجدت في قائمة العاقين سفيهًا لم يعرف للوالدين حقهما، أو شيخًا متصابيًا أَنْسته السنون فضلهما، وأعجبه عقله واكتمال قوته ومعرفته في مقابل صنعهما، وغياب كثير من الأمور عن مدركاتهما، أو فقيرًا ضاقت عليه الأرض بما رحبت، فراح ينسب لهما أسباب فقره وقلقه، وينزل بهما جام غضبه، وربما كان سر فقره وقلقه عقوقه وعصيانه. أو غنيًا ضنَّ بماله،

стр. 798

وضاق ذرعًا بمطالب والديه وإن كانت يسيرة، وفي الحديث. ( ... وأطع والديك وإن أمراك أن تخرج من دنياك فاخرج لهما ... ) (١). أو متعلمًا- في صورة جاهل- ساقه ما وصل إليه من علم إلى التعالي، وما حصل عليه من شهادة إلى الغرور والتباهي، فظن بوالديه الجهل، وقدَّر فيهما محدودية العقل، فتحدث إليهما حديث العالم للجاهل، ونظر إليهما نظرة احتقار ودونية، فلا يستطيب الحديث معهما، وربما تأفَّف أو كره شيئًا من أحاديثهما .. أو صاحب وجاهة، اتسع صدره للآخرين، وضاق عن الوالدين والأقربين ... ألا فاتقوا الله، عباد الله، وأنزلوا والديكم المنزلة التي أنزلها الله إياهم، واحذروا أسباب العقوبة بعقوقهما في الدنيا، والخزي والندامة في الآخرة. لقد عدَّ ابن عمر، ﵄ «بكاء الوالدين من العقوق» من الكبائر التسع (٢)، وقال للسائل الذي جاء يسأله عن ذنوب اقترفها: (أتفْرَق من النار وتحب أن تدخل الجنة؟ قلتُ: أي والله، وقال: أحيٌّ والداك؟ قال عندي أمي، قال: فوالله لو ألنتَ لها الكلام، وألهمتها الطعام لتدخلنَّ الجنة ما اجتنبت الكبائر). أيها المسلمون، وفي مقابل ذلك تحيق العقوبة في العاقين في الدنيا، وتصيب دعوة الوالدين الأبناء، وفي الحديث: ثلاث دعوات مستجابات لاشك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالدين على ولدهما. وإذا كانت دعوة الوالدين أصابت (جريجًا) الراهب العابد في صومعته، وكانت الصلاة سبب عصيانه، حين آثر الصلاة على إجابة دعوة أمه، فدعت عليه

стр. 799

قائلة: لا أماتك الله يا جريح حتى تنظر في وجه المومسات، فابتلي جريج، واتهم بتلك المرأة التي واقعها الراعي فولدت له، وحين سئلت نسبته إلى جريح كان ذلك سببًا في هدم صومعته، والإتيان به مغلولاً .. حتى مرَّ على المومسات، فلما رآهن تبتسَّم، فلما مَثُل بين يدي الملك قال: تزعم هذه أن ولدها منك، قال: أنتِ تزعمين؟ قالت: نعم، فطلب الصبي ثم قال له: مَن أبوك؟ فقال: راعي البقر (وكان أحد الذين تكلموا في المهد) فردَّت إليه صومعته، ثم سأله الملك عن تبسُّمه فقال: أمرًا عرفته، أدركتني دعوة أمي، ثم أخبرهم خبره .. فإذا كان هذا شأن جريج ودعوة أمه في أمر من أمور العبادة لله فكيف تكون الحال فيما هو دون ذلك؟ ألا وإن التوبة تجب ما قبلها فمن فرَّط فليستغفر، وليبدل السيئة بالحسنة إن كان والداه على قيد الحياة. والفرصة أمامه، كذلك، إن كانا قد فارقا الحياة، ففضل الله واسع، ورحمته واسعة، وذلك بكثرة الدعاء والاستغفار لهما، والصدقة عنهما، وصلة من كانا يرغبان صلته في الدنيا. قال عبد العزيز بن أبي رواد: إذا كان الرجل بارًا بوالديه في حياتهما ثم لم يف بعد موتهما بنذورهما، ولم يقض ديونهما، كتب عند الله عاقًا، وإذا كان لم يبرهما في حياتهما ثم أوفى بنذورهما، وقضى ديونهما كتب عند الله بارًا (١).

стр. 800

محاسبة بين المتحانين (١) الخطبة الأولى الحمد لله رب العالمين، كتب الفناء على هذه الدار، ومن عليها من الحياة والأحياء: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ (٢) وكتب الخلود في دار القرار: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٣). وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٤). وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، لو كان أحد جديرًا بالبقاء لبقي فيها حيًا مخلدًا، ولكن الحكمة اقتضت: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (٥). اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى آله المؤمنين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا ... أما بعد. فاتقوا الله، معاشر المسلمين، وتذكروا على الدوام ما ينتظركم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ

стр. 801

مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ (١). أيها المسلمون، وتظل مساحة الغفلة عند كثير من المسلمين أكبر من مساحة اليقظة، رغم النوازل والنُّذر، وكفى بالقرآن واعظًا، وكفى بالقرآن على أعمال العباد حكمًا. ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ (١) مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢). ولئن تحدث القرآن، وأزرى بغفلة الكافرين واستهزائهم فكيف تسوغ الغفلة عند المسلمين، وهم يؤمنون بقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ (٣). حاسبوا أنفسكم، معاشر المسلمين، على الدوام، قبل أن تحاسبوا، - وزنوها قبل أن توزنوا ... وتأمَّلوا في تتابع الليل والنهار، وتسارع الأيام والشهور والأعوام، واعلموا أن ذلك من أعماركم، وهي فرصٌ للتأمل والنجوى مع أنفسكم، إن لم تذكر بها الأيام والشهور ... فما أقل من ضرورة التذكر في انصرام عام ومجيء عام .. فمن أحسن ووفَّى فيما مضى فليستمر في الحسنى فيما يستقبل، ومن فرَّط أو سها فالفرصة لا تزال معه إذا ندم على ما مضى،

стр. 802

وعقد العزم على الجد فيما بقي، وربك أعلم بالمنتهى. وإذا كانت الغفل داءً واقعًا، فدواؤها باليقظة والتذكُّر، وتلك من علامات التُّقى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ (١). وإذا كان نزغ الشيطان واردًا فالاستعاذة بالله خير عاصم ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢). والانتفاع بالذكرى- حين تسيطر الغفلة أو يغلب الهوى- من علامات الخشية، ومجانبتها دليل الشقوة ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ (٣). وكذلك ينتفع المؤمنون بالذكرى ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤). أيها المؤمنون، ولئن كانت أسباب الغفلة كثيرة فإن من بينها طولي الأمل في هذه الحياة الدنيا، فتلك الآفة التي حذَّرنا القرآن منها: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٥). واتخاذ الدين لهوًا ولعبًا، وغرور الحياة الدنيا .. سبب آخر من أسباب الغفلة في الدنيا، ومُوردٌ للهلكة في الأخرى ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ

стр. 803

الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (١). عباد الله، لماذا نكره لقاء الله؟ لأننا لم نقدره حق قدره .. ولماذا نكره الموت؟ لأننا لم نستعد لما بعده .. رحم الله أقوامًا خافوا فأدلجوا، وعاشوا للآخرة فلم تفتنهم الدنيا. قدم- يومًا- ضرار بن ضَمرة على معاوية، ﵁، فقال له: صِف لي عليًّا، ﵁، قال: أوَ تعفيني يا أمير المؤمنين؟ قال: بل تصفه لي، قال: أما إذا لابد، فإنه، والله كان بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلاً، ويحكم عدلاً، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل وظلمته، كان، والله، غزير الدمعة، طويل الفكرة، يقلب كفه، ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب، كان، والله، كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، ويبتدينا إذا أتيناه، ويأتينا إذا دعوناه، ونحن، والله، مع تقريبه لنا، وقربه منا، لا نكلِّمه هيبة، ولا نبتديه لعظمته، فإن تبسّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظم أهل الدين، ويحب المساكين، لا يطمع القويُّ في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، فأشهد بالله لرأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، وقد مَثُل في محرابه قابضًا على لحيته، يتململ تململ السليم- يعني المريض- ويبكي بكاء الحزين، فكأني أسمعه، وهو يقول: يا دنيا يا دنيا، أبي تعرضتِ؟ أم لي تشوَّقتِ، هيهات هيهات، غِرّي غيري، قد بتتكِ ثلاثًا، لا رجعة لي فيكِ، فعمرك قصير، وعيشك حقير، وخطرك كبير، آهٍ من قلَّة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق.

стр. 804

قال: فذرفت دموع معاوية- ﵁ فما يملكها، وهو ينشفها بكمَّه، وقد اختنق القوم بالبكاء، ثم قال معاوية: رحم الله أبا الحسن، كان والله كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال: حزن مَن ذُبح ولدها في حجرها فلا ترقأ عبرتها، ولا تسكن حسرتها) (١). ومع استعدادهم وزهدهم وعدلهم فقد كان خوف الله حتى الممات ملازمًا لهم. عن سليمان بن يسار أن عمر بن الخطاب، ﵁، حين حضرته الوفاة، قال له المغيرة بن شعبة: هنيئًا لك يا أمير المؤمنين الجنة، فقال: (يا بن أم المغيرة! وما يدريك؟ والذي نفسي بيده لو كان لي ما بين المشرق والمغرب لافتديت به من هول المطلع) (٢). كانوا ينظرون إلى الدنيا وما فيها على أنها فيءٌ زائل، وإلى الآخرة على أنها المستودع الباقي، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، واسمعوا إلى أحدهم، وهو يصف الدارين، يقول شداد بن أوس ﵁: (إنكم لن تروا من الخير إلا أسبابه، ولن تروا من الشر إلا أسبابه، الخير كله بحذافيره في الجنة، والشر بحذافيره في النار، وإن الدنيا عرض حاضر، يأكل منها البر والفاجر، والآخرة وعد صادق، يحكم فيها ملك قاهر، ولكلٍ بنون فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا) (٣).

стр. 805

أيها المسلمون، ومن أعظم الأسباب الجالبة لليقظة والمبعدة للغفلة أن يتخيل المرء مشاهد القيامة، وهو بعدُ في الدنيا، ويتصور منازل الأبرار، وما أعدَّ الله لهم من الحسنى، ومنازل الفجار، وسوء حالهم، وتلك، وربي، لا يتمالك المتقون أنفسهم حيالها من البكاء. عن سوار أبي عبيدة قال: قالت لي امرأة عطاء السليمي: عاتبْ عطاءً في كثرة البكاء، فعاتبته فقال لي: (يا سوار، كيف تعاتبني في شيء ليس هو إلي؟ إني ذكرت أهل النار، وما ينزل بهم من عذاب الله تمثلت لي نفسي بهم، فكيف بنفس تُغلّ يدها إلى عنقها، وتسحب إلى النار، ألا تصيح وتبكي؟ وكيف بنفس تُعذَّب، ألا تبكي؟ ويحك يا سوار، ما أقلَّ غناء البكاء عن أهله إن لم يرحمهم الله! قال: فسكتُّ عنه) (١). أيها المسلمون، وفي سبيل محاسبة أنفسكم هاكم هذه الوصية فاعقلوها، وأنصفوا أنفسكم من خلالها، وتناصحوا بينكم. فعن سفيان بن عيينه، ﵀، قال: كان الرجل من السلف يلقى الأخ من إخوانه فيقول: (يا هذا، اتق الله، وإن استطعتَ ألا تسيء إلى من تحب فافعل، فقال له رجل يومًا: وهل يسيء الإنسان إنما من يحب؟ قال: نعم، نفسك أعز الأنفس عليك، فإذا عصيتَ فقد أسأتَ إلى نفسك) (٢). اللهم إنا نشهدك على محبة هؤلاء، وإن لم نلحق بهم، اللهم اسلك بنا طريقهم، واحشرنا في زمرتهم. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيَا

стр. 806

وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١).

стр. 807

الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، له الحكم في الأولى والآخرة، وإليه ترجعون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى إخوانه من النبيين، وعلى عباد الله الصالحين. أما بعدُ، فمن الامتحان في الأخرى إلى الامتحان في الدنيا أذكركم، وفي هذه الأيام تطل الامتحانات برأسها على الطلبة والطالبات، وفي أجوائها أقف مذكرًا البيت والمعلم والطلاب بالأمور التالية، فأما البيت فأذكره بما يلي: ١ - هناك إفراط أو تفريط في رعاية أبنائهم أيام الامتحانات، فبيتٌ لا يكترث بالامتحانات، ولا يهمه كثيرًا أنجح أولادهم أم رسبوا، وربما كان هذا شأنهم معهم في كثير من أمور حياتهم، وبيتٌ آخر يبلغ به الاهتمام حدَّ السرف، وربما أمَلَّ الأولاد، ونفَّرهم، حتى وإن تظاهروا بالدراسة أمامهم، وإن حملوا الكتب في حالة مراقبتهم. وإذا رُفض الأسلوب أو ذاك فالمتابعة واللين والحكمة في التربية والتوجيه هي الطريق لصلاح الأولاد، واستفادتهم بإذن الله. ٢ - وليس من سمات البيت المسلم أن يقتصر في متابعة البنين أو البنات في حال دون حال، أو يقصروا اهتمامهم وتوجيههم على الدراسة والامتحانات فحسب، بل ينبغي أن يكون الاهتمام مستمرًا، والمتابعة والتوجيه والنصح شاملاً. ٣ - والبيت رديف للمدرسة في مسألة التربية والتوجيه، ولذا ينبغي ألا يعيش الطالب والطالبة حالة تناقض، فما تبنيه المدرسة تهدمه البيوت ... وما يأخذه الدارسون في المدارس من توجيهات تربوية تذهب أدراج الرياح في ضوء

стр. 808

ممارسات البيوت الخاطئة، .. وكذلك العكس بالنسبة للمدرسة إزاء ما تبنيه البيوت .. أما بالنسبة للمدرسة والمعلم فينبغي أن تكون محضنًا يشاع فيها روح المحبة، وتحاصر فيها أساليب الرهبة التي ربما أفقدت بعض الدارسين معلوماتهم، ويكفي شبح الامتحان خوفًا، فلا نزيد عليه .. بل نعطي الطلاب من الهدوء والراحة النفسية ما يتجاوزون به الامتحان بسلام. ٢ - وليس ذلك يعني بحال، التسامح المخل، والذي ربما تسلل من خلال الضعفاء، فالغش حرام في شريعتنا .. ونتائجه لا تبني أمةً قادرةً على العطاء والذين يمارسون الغش في مكان العلم، ومحضن التربية، ستكون جرأتهم عليه في مناحي الحياة الأخرى من باب أولى، فلنحارب هذا الداء العضال قبل أن يستشري في مجتمعنا. ٣ - ويخطئ المعلم- أو البيت- الذي يرسِّخ في ذهن الطالب أو الطالبة منذ الأيام الأولى للدراسة أن الهدف من التعليم هو الامتحان في نهاية العام فقط، فتلك النظرة تنسحب بظلالها على الدارسين وتصرفهم عن الهدف الأسمى من أهمية طلب العلم، ورفع الجهل، وإعطائه الأدوات الأولى التي يسلك بها مسالك العلماء .. كما تحرمه من الاستفادة من هذه المعلومات، وأساليب التربية في حياته العملية، فيعبد على بصيرة، ويستطيع التعامل مع خلقه بأدب وحكمة. أيها المعلمون، وأيتها المعلمات، أبناؤنا وبناتنا أمانة في أعناقكم وستُسألون عنها، فازرعوا ما شئتم اليوم، وستحصدون ما زرعتم غدًا، وإن غدًا لناظره قريب، وإننا إذ نذكِّركم بمسؤوليتكم لا يداخلنا شك في أمانتكم، لكنها الذكرى، والذكرى تنفع المؤمنين، بل ومن حقكم علينا أن ندفع التهم التي ربما

стр. 809

قيلت لكم جزافًا، وكم هو مؤلم لكم ولنا أن نطالع في إحدى زوايا الصحف مقالاً لإحدى الكاتبات تحت عنوان (الغرق تحت سطوة التعليب) وتبدأ الكاتبة مقالها بالقول: (أجدني، ومئات الآلاف من أفراد الأسر غرقى في مركب واحد أمام التناقضات الهائلة التي يواجهها صغارنا ومراهقونا بين ما يمارسهم معهم معلموهم داخل المدارس من أنماط سلوكية تسلطية مطلقة لأمور عامة لا تعكس في الحقيقة حرامًا أو حلالاً قدر ما يخضع تفسيرها لأساليب نيات وطبيعة ثقافة هؤلاء المعلمين، بحيث أضحى التلفزيون حرامًا، والدش حرامًا، والسائق حرامًا، والخادمة حرامًا، وقصَّة الشعر حرامًا، ولبس البنطلون حرامًا، ويعود الطفل إلى واقعه ليجد الخادمة وليجد السائق والدش، ويجد والده الذي يعمل في الجيش أو في المستشفى أو في الخطوط وقد ارتدى البنطلون كزي رسمي .. ) (١) إلخ مقالها الذي تختمه بالقول: هل أنت راض عن تعامل المعلم مع ابنك؟ وأنا هنا لا أقف مناقشًا لهذه الطروحات والأفكار بالتفصيل فليس هذا موطنها، لكنني أتساءل، وربما تساءل غيري، أَيسوغ طرح هذه القضايا في المزاد العلني، وعلى رؤوس الأشهاد بهذا التعميم والتهويل؟ وهل أصبحت قضايا الحلال والحرام كلأً مباحًا يقول فيه غير أهله بغير علم؟ ولمصلحة من تُبلبل عقول الناس، ويداخلهم الشك في أمانة ومسؤولية معلمي أبنائهم؟ وهل يعني ذلك إعطاء الفرصة لنقد المؤسسات الأخرى، إن بحق أو بغير حق؟ أم يضمر هؤلاء الكتاب هدفًا مبيتًا للتعليم؟ فمرَّةً تتهم المناهج، وأخرى يتهم المعلمون، وهل التعليم إلا منهج ومعلم؟ .

стр. 810

أم هي دعوة لإغراق البيوت التي سلمت من بعض هذه الآفات، فينبغي أن تكون صريحةً، وليست على طبق اتهام المعلمين؟ أم تراها رفضًا مبطنًا لفتاوى أصحاب الفضيلة العلماء، وقد قالوا قولتهم- وهم أصحاب الشأن- في هذه القضايا وأمثالها. إننا نستغرب هذه الجرأة، ونستغرب معها إتاحة الفرصة لمثل هذه الطروحات الفجة، والتهم التي تهدم ولا تبني، ولسنا بحاجة إلى فصام نكد بين البيت والمدرسة، وإنما حاجتنا إلى التفاهم والتعاون المثمر. أما أنتم- معاشر الطلبة والطالبات- فنوصيكم بتقوى الله، والإخلاص في طلب العلم، واستثمار ما تعلمتموه في حياتكم العملية، وإياكم والسلوكيات الخاطئة داخل قاعة الدرس والامتحان أو خارجها ... كونوا لوحة مشرقة للعلم النافع الذي تعلمتموه، ولا تكن الامتحانات نهاية المطاف في تعلمكم، فطلب العلم من المهد إلى اللحد، وهو من المحبرة إلى المقبرة، والعلم النافع سعادة في الحياة الدنيا، وطريق موصل إلى الله بأمان في الأخرى، ولتكن قاعات الدرس مؤهلة لكم لحضور حلق العلم، وثني الركب، والاستفادة من العلماء، وليكن رائدُكم في ذلك قولَ المصطفى ﷺ «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل الله له طريقًا إلى الجنة» (١). لاسيما وأنتم مقبلون على إجازة يليق بكم استثمارها في كل عمل نافع. وإياكم والأهواء المضللة، والنزغات الشيطانية، واحذروا رفقة السوء، وكلام الزور، وليكن خوفكم من خالقكم، وأدبكم مع والديكم ومعلميكم،
следующие страницы →