← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١).

стр. 807

الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، له الحكم في الأولى والآخرة، وإليه ترجعون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى إخوانه من النبيين، وعلى عباد الله الصالحين. أما بعدُ، فمن الامتحان في الأخرى إلى الامتحان في الدنيا أذكركم، وفي هذه الأيام تطل الامتحانات برأسها على الطلبة والطالبات، وفي أجوائها أقف مذكرًا البيت والمعلم والطلاب بالأمور التالية، فأما البيت فأذكره بما يلي: ١ - هناك إفراط أو تفريط في رعاية أبنائهم أيام الامتحانات، فبيتٌ لا يكترث بالامتحانات، ولا يهمه كثيرًا أنجح أولادهم أم رسبوا، وربما كان هذا شأنهم معهم في كثير من أمور حياتهم، وبيتٌ آخر يبلغ به الاهتمام حدَّ السرف، وربما أمَلَّ الأولاد، ونفَّرهم، حتى وإن تظاهروا بالدراسة أمامهم، وإن حملوا الكتب في حالة مراقبتهم. وإذا رُفض الأسلوب أو ذاك فالمتابعة واللين والحكمة في التربية والتوجيه هي الطريق لصلاح الأولاد، واستفادتهم بإذن الله. ٢ - وليس من سمات البيت المسلم أن يقتصر في متابعة البنين أو البنات في حال دون حال، أو يقصروا اهتمامهم وتوجيههم على الدراسة والامتحانات فحسب، بل ينبغي أن يكون الاهتمام مستمرًا، والمتابعة والتوجيه والنصح شاملاً. ٣ - والبيت رديف للمدرسة في مسألة التربية والتوجيه، ولذا ينبغي ألا يعيش الطالب والطالبة حالة تناقض، فما تبنيه المدرسة تهدمه البيوت ... وما يأخذه الدارسون في المدارس من توجيهات تربوية تذهب أدراج الرياح في ضوء

стр. 808

ممارسات البيوت الخاطئة، .. وكذلك العكس بالنسبة للمدرسة إزاء ما تبنيه البيوت .. أما بالنسبة للمدرسة والمعلم فينبغي أن تكون محضنًا يشاع فيها روح المحبة، وتحاصر فيها أساليب الرهبة التي ربما أفقدت بعض الدارسين معلوماتهم، ويكفي شبح الامتحان خوفًا، فلا نزيد عليه .. بل نعطي الطلاب من الهدوء والراحة النفسية ما يتجاوزون به الامتحان بسلام. ٢ - وليس ذلك يعني بحال، التسامح المخل، والذي ربما تسلل من خلال الضعفاء، فالغش حرام في شريعتنا .. ونتائجه لا تبني أمةً قادرةً على العطاء والذين يمارسون الغش في مكان العلم، ومحضن التربية، ستكون جرأتهم عليه في مناحي الحياة الأخرى من باب أولى، فلنحارب هذا الداء العضال قبل أن يستشري في مجتمعنا. ٣ - ويخطئ المعلم- أو البيت- الذي يرسِّخ في ذهن الطالب أو الطالبة منذ الأيام الأولى للدراسة أن الهدف من التعليم هو الامتحان في نهاية العام فقط، فتلك النظرة تنسحب بظلالها على الدارسين وتصرفهم عن الهدف الأسمى من أهمية طلب العلم، ورفع الجهل، وإعطائه الأدوات الأولى التي يسلك بها مسالك العلماء .. كما تحرمه من الاستفادة من هذه المعلومات، وأساليب التربية في حياته العملية، فيعبد على بصيرة، ويستطيع التعامل مع خلقه بأدب وحكمة. أيها المعلمون، وأيتها المعلمات، أبناؤنا وبناتنا أمانة في أعناقكم وستُسألون عنها، فازرعوا ما شئتم اليوم، وستحصدون ما زرعتم غدًا، وإن غدًا لناظره قريب، وإننا إذ نذكِّركم بمسؤوليتكم لا يداخلنا شك في أمانتكم، لكنها الذكرى، والذكرى تنفع المؤمنين، بل ومن حقكم علينا أن ندفع التهم التي ربما

стр. 809

قيلت لكم جزافًا، وكم هو مؤلم لكم ولنا أن نطالع في إحدى زوايا الصحف مقالاً لإحدى الكاتبات تحت عنوان (الغرق تحت سطوة التعليب) وتبدأ الكاتبة مقالها بالقول: (أجدني، ومئات الآلاف من أفراد الأسر غرقى في مركب واحد أمام التناقضات الهائلة التي يواجهها صغارنا ومراهقونا بين ما يمارسهم معهم معلموهم داخل المدارس من أنماط سلوكية تسلطية مطلقة لأمور عامة لا تعكس في الحقيقة حرامًا أو حلالاً قدر ما يخضع تفسيرها لأساليب نيات وطبيعة ثقافة هؤلاء المعلمين، بحيث أضحى التلفزيون حرامًا، والدش حرامًا، والسائق حرامًا، والخادمة حرامًا، وقصَّة الشعر حرامًا، ولبس البنطلون حرامًا، ويعود الطفل إلى واقعه ليجد الخادمة وليجد السائق والدش، ويجد والده الذي يعمل في الجيش أو في المستشفى أو في الخطوط وقد ارتدى البنطلون كزي رسمي .. ) (١) إلخ مقالها الذي تختمه بالقول: هل أنت راض عن تعامل المعلم مع ابنك؟ وأنا هنا لا أقف مناقشًا لهذه الطروحات والأفكار بالتفصيل فليس هذا موطنها، لكنني أتساءل، وربما تساءل غيري، أَيسوغ طرح هذه القضايا في المزاد العلني، وعلى رؤوس الأشهاد بهذا التعميم والتهويل؟ وهل أصبحت قضايا الحلال والحرام كلأً مباحًا يقول فيه غير أهله بغير علم؟ ولمصلحة من تُبلبل عقول الناس، ويداخلهم الشك في أمانة ومسؤولية معلمي أبنائهم؟ وهل يعني ذلك إعطاء الفرصة لنقد المؤسسات الأخرى، إن بحق أو بغير حق؟ أم يضمر هؤلاء الكتاب هدفًا مبيتًا للتعليم؟ فمرَّةً تتهم المناهج، وأخرى يتهم المعلمون، وهل التعليم إلا منهج ومعلم؟ .

стр. 810

أم هي دعوة لإغراق البيوت التي سلمت من بعض هذه الآفات، فينبغي أن تكون صريحةً، وليست على طبق اتهام المعلمين؟ أم تراها رفضًا مبطنًا لفتاوى أصحاب الفضيلة العلماء، وقد قالوا قولتهم- وهم أصحاب الشأن- في هذه القضايا وأمثالها. إننا نستغرب هذه الجرأة، ونستغرب معها إتاحة الفرصة لمثل هذه الطروحات الفجة، والتهم التي تهدم ولا تبني، ولسنا بحاجة إلى فصام نكد بين البيت والمدرسة، وإنما حاجتنا إلى التفاهم والتعاون المثمر. أما أنتم- معاشر الطلبة والطالبات- فنوصيكم بتقوى الله، والإخلاص في طلب العلم، واستثمار ما تعلمتموه في حياتكم العملية، وإياكم والسلوكيات الخاطئة داخل قاعة الدرس والامتحان أو خارجها ... كونوا لوحة مشرقة للعلم النافع الذي تعلمتموه، ولا تكن الامتحانات نهاية المطاف في تعلمكم، فطلب العلم من المهد إلى اللحد، وهو من المحبرة إلى المقبرة، والعلم النافع سعادة في الحياة الدنيا، وطريق موصل إلى الله بأمان في الأخرى، ولتكن قاعات الدرس مؤهلة لكم لحضور حلق العلم، وثني الركب، والاستفادة من العلماء، وليكن رائدُكم في ذلك قولَ المصطفى ﷺ «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل الله له طريقًا إلى الجنة» (١). لاسيما وأنتم مقبلون على إجازة يليق بكم استثمارها في كل عمل نافع. وإياكم والأهواء المضللة، والنزغات الشيطانية، واحذروا رفقة السوء، وكلام الزور، وليكن خوفكم من خالقكم، وأدبكم مع والديكم ومعلميكم،

стр. 811

وصلتكم بزملائكم والناس من حولكم، ليكن ذلك كلُّه وفق النصوص الشرعية التي حفظتموها. اللهم ارحمنا أجمعين، أباءً وأمهاتٍ، وبنات وبنين، وعلمنا ما ينفعنا، وأنفعنا بما علمتنا ... عالمين ومعلمين ومتعلمين ... هذا وصلوا ..

стр. 812

المسلمون بين تعظيم القرآن وهجره (١) الخطبة الأولى الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب، ولم يجعل له عوجًا، قيِّمًا، فبشر به المؤمنين وأنذر به قومًا لُدًّا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، رفع بهذا القرآن أقوامًا ووضع به آخرين، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله بيَّن للناس ما نُزِّل إليهم من ربهم، ولو كان كاتمًا شيئًا لكتم أمثال قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ... ﴾ (٢). ولكتم قصته مع الأعمى ونزول قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَن جَاءهُ الأَعْمَى﴾ (٣). اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وكان بالقرآن أكثر الأنبياء تبعًا، وقد صح عنه أنه قال: «ما من الأنبياء نبي إلا أُعطيَ من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أُوتيتم وحيًا أوحاه الله إليَّ فأرجو أن أكونَ أكثرَهم تابعًا يوم القيامة» (٤). وارض اللهم عن أصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين،

стр. 813

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (١). إخوة الإيمان، ويطيب الحديث عن القرآن في كل آن، ويزكو في شهر رمضان، ففيه أُنزل، وفيه كان جبريل ﵇ يعارض النبي ﷺ بالقرآن (٢). ومعنى نزول القرآن في رمضان نزوله جملةً واحدةً إلى بيت العزَّة في السماء الدنيا، وإلا فقد نزل القرآن في أشهر أُخرى تثبيتًا لقلب النبي ﷺ ، وإفحامًا للمشركين كما قال ابن عباس، ﵄: نزل القرآن في شهر رمضان في ليلة القدر إلى هذه السماء الدنيا جملة واحدة، وكان الله يُحْدِث لنبيه ما يشاء، ولا يجيء المشركون بمثَل يخاصمون به إلا جاءهم الله بجوابه، وذلك قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً (٣٢) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ (٣). أيها المسلمون، والقرآن الكريم مصدق للكتب السماوية السابقة ومهيمن عليها كما قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ... الآية﴾ (٤). قال ابن عباس، ﵄: المهيمن: الأمين، والقرآن أمين على كل كتابٍ قبله (٥). والقرآن معجزة محمد ﷺ الكبري، والباقية المتجددة ما بقيت الأيام تترى، فلقد تحدى الله به أهل الفصاحة، والبلاغة قديمًا، وما زال، ولن يزال

стр. 814

يرغم أنوف الأعداء، وبه تحدى الله الخليقة إنسًا وجنًّا: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ (١). وعظمة الإعجاز في القرآن أنه مؤلفٌ من جنس كلام الناس، ومؤلف من نفس الحروف التي يتخاطبون بها ﴿الم، الر، ص، ق، كهيعص .. ﴾ ونحوها، ومع ذلك لا يستطيعون الإتيان بمثله، ولهذا انتصر ابن كثير، ﵀، في تفسيره لهذه الحروف المقطعة بأنها ذُكرت بيانًا لإعجاز القرآن، وقال: ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلابد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن، وبيان إعجازه وعظمته، وهذا معلوم بالاستقراء في تسع وعشرين سورة مثل: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ (٢). أيها المؤمنون، وإذا كان اعتراف المشركين قديمًا بعظمة القرآن وإعجازه مشهورًا ومعروفًا، فأكتفي بسوق نموذج لاعتراف المشركين حديثًا بعظمة هذا القرآن، فإن فرنسا قامت في سبيل القضاء على القرآن في نفوس شباب الجزائر بانتقاء عشر فتيات مسلمات جزائريات، أدخلتهن الحكومةُ الفرنسيةُ في المدارس الفرنسية، وألبستهن الثياب الفرنسية، ولقنتهنَّ اللغة الفرنسية، والثقافة الفرنسية، فأصبحن كالفرنسيات تمامًا، وبعد أحد عشر عامًا من الجهود هيأت لها حفلة تخرُج، دُعي لها الوزراء والمفكرون والصحفيون، ولما ابتدأت الحفلة فوجئ الجميع بالفتيات الجزائريات يدخلن بلباسهن الإسلامي الجزائري .. فثارت ثائرة الصحف الفرنسية وتساءلت: ماذا فعلت فرنسا في الجزائر إذن بعد مرور مائة وثمانية وعشرين عامًا؟

стр. 815

وحينها أجاب (لاكوست) وزير المستعمرات الفرنسي بقوله: وماذا أصنع إذا كان القرآن أقوى من فرنسا؟ (١). أيها المسلمون، وينبغي أن تسري عظمة القرآن في نفوسنا، وأن تلين له جلودنا، بعد أن تخشع له قلوبنا، تلكم هداية القرآن: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (٢). والقرآن يهدي لأقوم الطرق وأوضح السبل: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٣). يقول علي، ﵁ في وصف القرآن: (اعلموا أن هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغش، والهادي الذي لا يضل، والمحدِّث الذي لا يكذب، وما جالس هذا القرآن أحدٌ إلا قام عنه بزيادة أو نقصان، زيادة في هدى ونقصان من عمى، واعلموا أنه ليس على أحدٍ بعد القرآن من فاقة، ولا لأحد بعد القرآن من غنى، فاستشفوا به من أدوائكم، واستيعنوا به على لأوائكم، فإن فيه الشفاء من أكبر الداء وهو الكفر والنفاق، والغي والضلال، واعلموا أنه شافعٌ ومشَفعٌ، وقائلٌ ومصدَّق، وإنه من شفع له القرآن يوم القيامة شُفِّع فيه، فإنه ينادي منادي يوم القيامة: ألا إن كل حارث مبتلى في حرثه وعاقبة عمله، غير حرثة القرآن، فكونوا من حرثته وأتباعه، واستدلوا على ربكم، واستنصحوه على أنفسكم، واتهموا عليه آراءكم، واستغشوا فيه أهواءكم) (٤).

стр. 816

يا أمة القرآن، كم يوقظ القرآن ضمائرنا ولا تستيقظ، وكم يحذرنا ونظل نلهو ونلعب، وكم يبشرنا وكأن المبشَّر غيرنا، وكم تعيينا الأموال والعلل ولو استشفينا بالقرآن لشفانا الله به حسًّا ومعنى، وصدق الله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً﴾ (١). فهو يُذهب ما في القلوب من أمراض الشك والنفاق، والشرك والزيغ، وبه يحصل الإيمان والحكمة، وليس هذا إلا لمن آمن بالقرآن وصدقة واتبعه، وهذا شفاء القرآن المعنوي، أما شفاؤه الحسي فتؤكده ولاية البخاري عن أبي سعيد الخدري، ﵁، قال: (انطلق نفرٌ من أصحاب النبي ﷺ في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم، فلُدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء، لا ينفعه شيء، فقال: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا، لعله أن يكون عند بعضهم شيء، فأتوهم، فقالوا: يا أيها الرهط، إن سيدنا لُدغ وسعينا له بكل شيء، لا ينفعه، فهل عند أحدكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم والله، إني لأرقي، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلاً، فصالحوهم على قطيع من الغنم [وفي رواية: فأمر لنا بثلاثين شاة، وسقانا لبنًا) فانطلق يتفل عليه ويقرأ (الحمد لله رب العالمين) فكأنما نشط من عقال، فانطلق يمضي وما به قَلَبة، قال: فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله ﷺ فنذكر له الذي كان، فننظر ما يأمرنا، فقدموا على رسول الله ﷺ فذكروا له، فقال: وما يُدريك أنها رقية؟ ثم قال: قد أصبتم، اقسموا، واضربوا لي معكم سهمًا، فضحك النبي ﷺ (٢).

стр. 817

أيها المؤمنون، ويشهد القرآن بتعظيم من في السموات ومن في الأرض لله بأنسه، وملائكته، وشموسه، وجباله، وشجره، ودوابه، ويخرون لله سجدًا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (١). وهذه الجن تستجيب لنداء القرآن، ويؤمنون بالإسلام، ويسمعون محمدًا ﵊: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً﴾ (٢). ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ (٣). وملائكة السماء تدنو لتسمع صوت القارئ للقرآن كما في قصة أسيد بن حضير، وقول النبي ﷺ له: «تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم» (٤). وعن ابن مسعود، ﵁، نزلت سورة الأنعام يشيعها سبعون ألفًا من

стр. 818

الملائكة (١) وعن جابر، ﵁، لما نزلت سورة الأنعام سبح رسول الله ﷺ ثم قال: لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق (٢). فهل نعظم هذا الكتاب الذي عظمه الله، وعظمته ملائكته، واستجاب له إنسه وجنه؟ وهل نزداد له تلاوةً وتدبرًا في شهر نزوله؟ وهل نحافظ على الصلة به علمًا وعملاً، ولا نكون في عداد من هجره كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ (٣).

стр. 819

الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، أحمده تعالى وأشكره وأُثني عليه الخير كلَّه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر المرسلين. أما بعد، فيا أهل القرآن، احذروا شكوى محمد ﷺ لربه من هجر قومه وأمته للقرآن ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ وتأملوا في رد الله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ (١). قال صاحب أضواء البيان- يرحمه الله- (معنى هذه الآية الكريمة ظاهرٌ، وهو أن نبينا ﷺ شكا إلى ربه هجر قومه- وهم كفار قريش - لهذا القرآن العظيم، أي تركهم لتصديقه والعمل به، وهذه شكوى عظيمة، وفيها أعظم تخويفٍ لمن هجر هذا القرآن العظيم فلم يعمل بما فيه من الحلال والحرام والآداب والمكاوم، ولم يعتقد ما فيه من العقائد، ويعتبر بما فيه من الزواجر والقصص والأمثال) أهـ (٢). ويقول صاحب الظلال- يرحمه الله- (لقد هجروا القرآن الذي نزله الله على عبده لينذرهم ويبصرهم، هجروه فلم يفتحوا له أسماعهم إذ كانوا يتقون أن يجتذبهم فلا يملكون لقلوبهم عنه ردًا، وهجروه فلم يتدبروه ليدركوا الحق من خلاله، ويجدوا الهدى على نوره، وهجروه فلم يجعلوه دستور حياتهم، وقد جاء ليكون منهج حياةٍ يقودها إلى أقوم طريق، وإن ربه ليعلم- بحاله وحال قومه- ولكنه دعاء البث والإنابة يشهد به ربه على أنه لم يألُ جهدًا، ولكن قومه

стр. 820

لم يستمعوا لهذا القرآن ويتدبروه فيسليه ربه ويعزيه، فتلك هي السنة الجارية قبله في جميع الرسالات، فلكل نبي أعداءٌ يهجرون الهدى الذي يجيئهم به، ويصدون عن سبيل الله ... ولله الحكمة البالغة، فإن بروز المجرمين لحرب الأنبياء والدعوات يقوِّي عودها، ويطبعها بطابع الجد الذي يناسب طبيعتها، وكفاح أصحاب الدعوات للمجرمين الذين يتصدون لها- مهما كلَّفهم من مشقة، وكلَّف الدعوات من تعويق- هو الذي يميز الدعوات الحقة من الدعاوى الزائفة، وهو الذي يمحص القائمين عليها، ويطرد الزائفين منهم، فلا يبقى بجوارها إلا العناصر المؤمنة القوية المتجردة التي لا تبتغي مغانم قريبة، ولا تريد إلا الدعوة خالصة تبتغي بها وجه الله تعالى. ولو كانت الدعوات سهلة ميسورة، تسلك طريقًا ممهدة مفروشة بالأزهار، ولا يبرز لها في الطريق خصوم ومعارضون، ولا يتعرض لها المكذبون والمعاندون، لسهل على كل إنسان أن يكون صاحبَ دعوة، ولاختلطت دعوات الحق ودعاوى الباطل، ووقعت البلبلة والفتنة، ولكن بروز الخصوم والأعداء للدعوات هو الذي يجعل الكفاح لانتصارها حتمًا مقضيًا، ويجعل الآلام والتضحيات لها وقودًا .. إلخ كلامه (١). أيها المسلمون، وهكذا تكشف الآية عن عظم هجر القرآن أفرادًا أو جماعات، شعوبًا أو حكومات، وإذا رأيت في مجتمع المسلمين عددًا من المخالفات لهدي القرآن ظاهرًا، وعددًا من التجاوزات لتعاليم الإسلام واضحًا، وزهدًا بسنة محمد ﷺ صراحةً أو خداعًا، واستيرادًا للقوانين الوضعية، ووضعها للناس حكمًا، فاعلم أن ذلك من هجر القرآن، وتذكر حينها

стр. 821

قوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (١) وتأمل معنى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً﴾ (٢). عباد الله، وبإزاء هذه الصورة الهاجرة للقرآن، فهناك صورة التعظيم والتقديم لكتاب الله، يقدرها حق قدرها العلماء والربانيون الذين يعلمون منزلة الكتاب، وما فيه من أحكام وآداب، ووعد ووعيد، ولذا تراهم يقدمون تعلمها على كل شيء، حتى ولو كانت من سنن المصطفى ﷺ . روى البخاري في صحيحه عن حذيفة، ﵁، قال: حدثنا رسول الله، ﷺ ، حديثين، رأيتُ أحدهما وأنا أنتظر الآخر: حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن ثم علموا من السنة ... وحدثنا عن رفعها قال .... [الحديث ٧٠٨٦]. قال ابن حجر معلقًا: قوله: «ثم علموا من القرآن ثم علموا من السنة» كذا في هذه الرواية بإعادة (ثم) وفيه إشارة إلى أنهم كانوا يتعلمون القرآن قبل أن يتعلموا السنن، والمراد بالسنن ما يتلقون عن النبي ﷺ واجبًا كان أو مندوبًا (٣). ويقول أبو عمر بن عبد البر يرحمه الله: طلب العلم درجات ومناقب ورتب،

стр. 822

لا ينبغي تعديها، ومن تعداها جملة فقد تعدى سبيل السلف، ﵏، ومن تعدى سبيلهم عامدًا ضل، ومن تعداها مجتهدًا زلَّ، فأول العلم حفظ كتاب الله ، وتفهمه ... (١). وقال الحافظ النووي، ﵀: (وينبغي أن يبدأ من دروسه على المشايخ، وفي الحفظ والتكرار والمطالعة بالأهم فالأهم، وأول ما يبتدئ به حفظ القرآن العزيز فهو أهم العلوم، وكان السلف لا يُعَلِّمون الحديث والفقه إلا لمن حفظ القرآن ... ) (٢). أيها المسلمون، وإذا كان هذا منهجهم في تقديم القرآن في طلب العلم، فلا تسأل عن التزامهم بهدي القرآن، ووقوفهم عند الحلال والحرام، والعمل بمحكمه والإيمان بمتشابهه، وكان السلف، ﵏، وقَّافين عند كتاب الله، لا يتجاوزون هديه، ولا يعدلون شيئًا بحكمه، ومن قرأ في سيرهم وخبر آثارهم، عرف ذلك جليًا في حياتهم- ولولا مخافة الإطالة لسقت لكم نماذج- ولذا سادوا الدنيا، ورفعهم الله في الآخرة مكانًا عليًّا، وحين تخلَّف المسلمون اليوم عن هدى القرآن، واتخذوه مهجورًا، سامهم الأعداء سومًا، وبات رصيدهم للآخرة قليلاً، وكل ذلك جزاءً وفاقًا، ولا يظلم ربك أحدًا. فهل نتخذ- معاشر المسلمين- فرصةً لنعيد النظر في أنفسنا، وموقفنا من كتاب ربنا، إن ذلك خليقٌ بنا في شهر الصيام وبعده، ولعلَّه يكون أثرًا من آثار تقوى الصيام. اللهم أصلح أحوالنا، وردَّنا إليك ردًا جميلاً، اللهم حكم في المسلمين كتابك وسنة نبيك محمد ﷺ ..

стр. 823

تجربة صلاح الدين في تحرير فلسطين (١) الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ... إخوة الإسلام، ومن القرن الخامس عشر لهجرة المصطفى، على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام، إلى مشارف القرن الخامس للهجرة النبوية، أدعوكم إنما رحلة تاريخية، ملؤها العظة والاعتبار، ثم أدلف بكم إلى القرن السادس للهجرة، لتروا كيف تتشابه الظروف والأحوال عبر القرون، وكيف يتم الخلاص من عوامل الذل والهزيمة والهوان، ويتخلص المجتمع من أسباب الفرقة والضلال، وتعود إلى الناس الشهامة، وتستعلي النفوس بالجهاد، وتستنشق عبير الجنان ... ففي نهاية القرن الخامس الهجري، وعلى وجه التحديد حين دخلت سنة ثنتين وتسعين وأربعمائة للهجرة، أخذت الفرنج النصارى بيت المقدس، وكانوا في نحو ألف ألف مقاتل، وقتلوا في وسطه أزيد من ستين ألف قتيل من المسلمين، وجاسوا خلال الديار، وأفسدوا .. ، وذهب الناس على وجوههم هاربين من الشام إلى العراق ليستعينوا الخليفة على النصارى الفرنج، وفيهم العلماء والقضاة، فلما سمع الناس ببغداد هذا الأمر الفظيع هالهم ذلك وتباكوا، وقال قائلهم: مزجنا دمانا بالدموع السواجم ... فلم يبق منا عرضةٌ للمراحمِ وشر سلاح المرء دمعٌ يُريقه ... إذا الحرب شبَّت نارها بالصوارمِ

стр. 824

فإيهًا بني الإسلام إن وراءكم ... وقائع يلحقن الذرى بالمناسم وكيف تنام العين ملء جفونها ... على هفوات أيقظت كل نائمِ وإخوانكم بالشام يضحي مقتلهم ... ظهور المذاكي أو بطون القشاعمِ تسومهم الروم الهوانَ وأنتمُ ... تجرون ذيل الخفضِ فعلَ المسالمِ أيها المسلمون، وليس هذا الحدث إلا صورة من صور الضعف التي عاشها المسلمون في أواخر القرن الخامس والقرن السادس الهجري، فالمسلمون في وضع سياسي لا يحسدون عليه، حيث الفرقة والنزاع، ومع بقاء اسم خليفة المسلمين في بغداد إلا أن الدويلات التي ظهرت، واستقل بعضها واختصت كل دولة منها بجزء من بلاد المسلمين، لاشك أن ذلك أضعف هيبة الخلافة، وفرق قوة المسلمين، بل وصل الأمر إلى تنازع هذه الدويلات فيما بينها، وربما بلغ التنازع مبلغه فوجد في الدويلة الواحدة عدة أشخاص يتنازعون السلطان بينهم، ووصل بعضهم إلى درجة الاستعانة بالكافرين على إخوانهم المسلمين ... أفبعد هذا التمزق والخلاف يُحسد المسلمون على وضعهم السياسي؟ وليس الوضع العقائدي بأحسن حالاً من الوضع السياسي، حيث تسود العقائد الباطلة، ويروج سوقها، وربما أُلزِم الناس بها إلزامًا، ودولة العبيديين (المسماة بالفاطميين) نموذج واضح لهذا الفساد العقائدي، والتي استقلت بمصر وبلاد الشام وما حولها، وفي هذه الدولة كان السبّ جهارًا لصحابة رسول الله ﷺ ، وأزواجه الطيبات الطاهرات، هذا فضلاً عن إيذاء المؤمنين وقتلهم، وفضلاً عن تقريب اليهود والنصارى وتقليدهم المناصب .. إلي غير ذلك من انحرافات في العقائد، ذكرها المؤرخون، حتى قال الحافظ ابن كثير- وقد نقل شيئًا من ذلك- (وإنما حكيتُ هذا ليعلم ما في طوايا الروافض من الخبث والبغض لدين الإسلام وأهله، ومن العداوة الباطنة الكامنة في قلوبهم

стр. 825

لله ولرسوله وشريعته) (١). إخوة الإسلام، وهل يُعقل أن دولة كدولة العبيديين (الفاطميين) ستحافظ على مقدسات المسلمين، أو تجابه اليهود والنصارى والمعتدين؟ وهل علمت أن سقوط بيت المقدس كان على أيديهم، وفي عهد ملوكهم؟ (٢). وهو شاهد لك على أن المسلمين لا يمكن أن ينال العدو منهم ما يريد في حال عزتهم وتمسكم بعقيدتهم، وإنما يتسلل العدو إلى ديارهم إذا وقع الخلل في عقائدهم، وكان الضعف في هممهم، أو طلبوا النصير من أعدائهم، وفي تلك الحال تعم المصيبة وتحصل الفتنة، ويُستَذل المسلمون، ويستأسد المجرمون. ويكفي أن هذه الهزيمة التي حلَّت بالمسلمين باتوا يتجرعون كؤوسها مدةً تزيد على تسعين عامًا حتى أذن الله بالنصر، وعودة المسلمين مرة أخرى على يدي صلاح الدين الأيوبي، وجنده الصادقين- يرحمهم الله- فما هي قصة هذا الانتصار؟ وما هي أسبابه ومظاهره؟ وكيف نستفيد منه الدروس والعبَر؟ وإذا كنت، يا أخا الإسلام، قد أدركت سوء أحوال المسلمين في تلك الفترة فاعلم أن صلاح الدين لم ينتصر في يوم وليلة، ولم تكن المهمة سهلةً كما يتصور البسطاء، بل هو الجد والجهاد والصدق والعزيمة، والإعداد والتربية، حتى إذا اكتملت أسباب النصر، وتهيأ المجتمع، وقُطع دابر الفساد والفتن، أذن الله بالنصر والتمكين ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٣).

стр. 826

أجل، لقد بدأ صلاح الدين بالإصلاحات الداخلية، فقضى على النَّخَل الباطلة، ومحا من الوجود الدول المشبوهة، فعلى يديه كان سقوط دولة العبيدين، ووحد الكلمة، وقرب العلماء، حتى قال الذهبي- يرحمه الله- إن مجلسه كان حافلاً بأهل العلم يتذاكرون وهو يحسن الاستماع والمشاركة ومن جانب آخر كان عالي الهمة، حتى قيل: كانت له همة في الجهاد وإبادة الأضداد ما سمع بمثلها لأحد في دهر، وكان في نفسه صالحًا محبًا للخير، ولاسيما بعد ولايته لأمور المسلمين، فقد طلَّق الشهوات، وكان كثير البر والصدقات، ومقيلاً للعثرات، تقيًّا نقيًّا، وفيًّا صفيًّا ما رؤي صلى إلا في جماعة، هكذا قال العلماء في وصفه (١). ولاشك أنه الإمام يقتدي به من خلفه، والراعي تسير خلفه رعيته، والناس- كما قيل- على دين ملوكهم. فإذا كانت هذه سيرة الراعي فلا تسأل عن سيرة الرعية، وكأن صلاح الدين ساءته أحوال المسلمين، فأراد تربيتهم بالقدوة والعمل، وأراد شحذ هممهم في زوايا المساجد، وساحات الجهاد .. فاستجابت الأمة لندائه، ولبَّت الرعية دعوته، وكانت وقعة (حطين) الشهيرة، والتي كانت أمارةً متقدمةً وإشارةً لفتح بيت المقدس، وانتصر فيها المسلمون نصرًا مؤزرًا بعد طول جهاد وصبر ومنازلة، وكان صلاح الدين في مقدمة الصفوف، يحث الجيش ويحمل بهم، ويكبِّر أمامهم، حتى منح الله المسلمين أكتاف الأعداء، فقُتل منهم ثلاثون ألفًا في ذلك اليوم، وأُسر ثلاثون ألفًا من شجعانهم وفرسانهم، ولم يُسمع بمثل هذا اليوم في عز الإسلام وأهله، ودفع الباطل وأهله، حتى ذُكر أن بعض الفلاحين رُؤيَ يقود نيفًا وثلاثين أسيرًا من

стр. 827

الفرنج والنصارى، قد ربطهم بطنب خيمة، وباع بعضهم أسيرًا بنعلٍ ليلبسها في رجله، وجرت أمورٌ لم يُسمع بمثلها إلا في زمن الصحابة والتابعين، كما ذكر الحافظ ابن كثير ﵀ (١). وفي أثر هذه المعركة انكسرت شوكة النصارى، وحنق قادتهم، وخافوا أن يفلت زمام بيت المقدس من أيديهم، فجمعوا جموعهم، وألَّبوا رجالاتهم، وأعدوا عدتهم .. أما صلاح الدين فزاده الله شرفًا، وطار صيته في الآفاق، ولم تقف همته عند هذا، بل كان فتح بيت المقدس حلمًا يراوده، وهدفًا يسعى إليه: (وطار في الناس أن السلطان عازمٌ على فتح بيت المقدس، فقصده العلماء والصالحون تطوعًا، فاجتمع له من عباد الله ومن الجيوش شيء كثير جدًا (٢)، فقصد بهم في ملحمة، لا يزال اليهود والنصارى يذكرونها، ويذكرون معها صلاح الدين بكل عزَّة وافتخار، وكيف لا تكون الملحمة كبيرةً والذين يدافعون عن بيت المقدس من النصارى ستون ألف مقاتل أو يزيدون، وقد حصِّنت تحصينًا شديدًا، فوكل صلاح الدين إلى طائفةٍ من جيشه ناحيةً من السور وأبراجه، وبقي الحصار، وقُتل من قتل فيه من المسلمين، فاشتد صلاح الدين ورجاله، وقصدوا الزاوية الشمالية الشرقية من السور، فنقبوها، ثم حشوها، وأحرقوا فيها فسقط ذلك الجانب، وخرج البرج برمته، فإذا هو واجب، فلما شاهد الفرنج ذلك، وأحسوا بالهزيمة قصد أكابرهم السلطان وتشفَّعوا إليه أن يعطيهم الأمان فامتنع من ذلك وقال: لا أفتحها إلا عنوةً كما اقتحمتموها أنتم عنوةً، ولا أترك بها أحدًا من النصارى إلا قتلته كما قتلتم أنتم من كان بها من المسلمين، فطلب صاحب القدس الأمان ليحضر عند صلاح الدين، فلما أمنه،

стр. 828

وجاء عنده، ترقق لصلاح، وذل له ذلاً عظيمًا، وتشفع إليه بكل ما يمكن، فلم يجبه صلاح الدين إلى الأمان، فقال حينها: (إن لم تعطنا الأمان رجعنا فقتلنا كل أسير من المسلمين بأيدينا- وكانوا قريبًا من أربعة آلاف- وقتلنا ذرارينا وأولادنا ونساءنا، وخربنا الدور والأماكن الحسنة، وأحرقنا المتاع، وأتلفنا ما بأيدينا من الأموال، وهدمنا قبة الصخرة، وحرقنا ما نقدر عليه، وبعد ذلك نخرج فنقاتل قتال الموت، ولا خير في حياتنا بعد ذلك، فلا يقتل واحد منا حتى يقتل أعداد منكم، فماذا ترتجي بعد هذا من الخير؟ (١) فلما سمع صلاح الدين ذلك أجاب إلى الصلح مع عدد من الشروط أخذها عليهم، ووافقوا عليها .. وخرجوا منها أذلةً وهم صاغرون. وهكذا تكون نتائج العزة الإيمانية، وثمار الجهاد وآثار التربية الصادقة، وكذلك يذل الله الكافرين حين يصدق المسلمون، فهل من مدَّكر؟ اللهم أعزَّنا بطاعتك، ولا تذلنا بمعصيتك، وارزقنا حلاوة الإيمان بك، واعصمنا من التوكل على أحدٍ سواك.

стр. 829

الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، نصر عبده، وأعزَّ جنده، وهزم الأحزاب وحده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه، اللهم صل وسلم عليه، وعلى سائر المرسلين، وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، إخوة الإسلام، فينبغي أن نستفيد من هذه الأحداث والملاحم الواقعة في تاريخ المسلمين الدروس والعبر، وأن نستثمر ماضينا لصناعة حاضرنا، وأن نفكر دائمًا في مستقبلنا على ضوء حاضرنا وماضينا. وأول هذه الدروس أن الأيام دول بين الناس كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (١) والله يحكم، لا معقِّب لحكمه، وبقدر ما تتوفر أسباب النصر لطرف من الأطراف ينتصر، وانتصاره على حساب هزيمة الطرف الآخر. الدرس الآخر: إن النصر لأي طرف لا يأتي من فراغ، وليس ثمن النصر يسيرًا، ولا يُنال العز والشرف إلا على جسر من المتاعب، وبعد بذل الجهد، واستنفار القوى، وإحياء الهمم، والعمل دون كلل أو ملل .. وهذا ليس خاصًا بالمسلمين، وفي واقعنا المعاصر شاهد على ما نقول، فالأمم التي تتصدَّر القيادة اليوم كافحت في سبيل ذلك، واستخدمت كل طاقة، وسخرَّت كل إمكانية، حتى اكتملت قوتها، وفرضت على الناس هيبتها وسيطرتها، وأصبح الناس إلى جانبها مستوردين آخذين، وفرق بين الآخذ والمعطي. وفي ظل هذه الظروف ينبغي ألا ننكر واقعنا، ولا نتجاهل قوة خصومنا، وألا

стр. 830

نتوقع أن الحال ستتغير بين غمضة عين وانتباهتها .. نعم، إن الله قادر على كل شيء، وإذا أراد شيئًا قال له كن فيكون، لكنه تعالى علَّمنا من سننه الكونية القدرية أن دولةً ما لا تسقط حتى تستحكم فيها أسباب السقوط، ولا ترتفع دولة أخرى أو أمة من الأمم من غفوتها إلا حين تستجمع أسباب اليقظة، وتستكمل أسباب النصر، وإذا كانت تُحاسَب على الخطأ الاجتهادي، يقع من فئةٍ من رجالها، والنبي، ﷺ ، حاضر فيها: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ (١). فكيف إذا كانت الأمة دون ذلك؟ وكيف إذا كان الخطر أكبر من ذلك؟ وكيف إذا كان المخطئون كثيرًا؟ وهنا درسٌ رابع لابد أن نعيه، وهو أن بعض الناس، حين يتحدث الغيورون عن كثرة الفساد والمفسدين، وضعف الدول وهوان المجتمعات، واستعمار الدول وضياع المقدسات، وحين يتحسرون على الهزائم المذلة، ويتوجهون للضربات المتتالية، حين يحصل هذا أو مثله من الأخيار الغيورين على الدين والحرمات، يظن بعض الناس أن هؤلاء يتجاهلون الواقع بكل ما فيه، أو يدعون لمثاليات لا قبَل للناس بها، أو يراهنون على نصر ينبغي ألا يتجاوز بعض أيام أو ساعات! كلا فليس الأمر كذلك، وإنما يدعو هؤلاء إلى تشخيص الداء بكل شجاعةٍ وصراحة ترفع عن الأمة داء التحذير والمخادعة، ويدعون كذلك إلى رسم الدواء بكل أمانةٍ وجدية، بعيدًا عن الأماني الحلوة، والوعود المخدرة ليس إلا؛ ينادون بالأخذ بأسباب القوة، ويطمحون إلى أن تتلمس الأمة الطريق للخروج من الأزمة، فيربى الناس على العبودية لله وحده، وعلى الولاء لله وحده، وعلى التوكل عليه وحده، ينادون بأن تجمع طاقات الأمة ولا يهدر شيء

стр. 831

منها، وعلى أن يؤخذ الناس بالجدية، ويُرَبُّون على الجهاد والتضحية، والطاعة لله ورسوله وأولي الأمر الذين يسوسونهم بهذه الأمور كلها، وبعد ذلك فمهما كان تاريخ حصول النصر فذلك أمر آخر لا يُسأل عنه وقع ونحن أحياء، أو تحقق على أيدي أبنائنا أو أحفادنا، فذلك مرجعه إلى الله، وبمثل هذه الخطوات قاد الأمةَ رجالٌ أمثال صلاح الدين في تحرير فلسطين، بل نستفيد منه في تحرير كل شبر من أراضي المسلمين، وبمثل هذا نفهم توجيهات القرآن، ونعي أسباب النصر، وندرك شرط التغيير الوارد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١). وثمة تنبيه مهم، فعلى المصلحين- وغيرهم من باب أولى- أن تكون الحكمة أسلوبهم في التغيير، وأن يكون الرفق بالأمة خُلُقَهم، وألا يكلفوا الأمة ما لا تُطيقهُ في حاضرها، وأن يستفيدوا من الإيجابيات الواقعة في الأمة، ويجعلوها أساسًا لانطلاقهم ودعوتهم، وعليهم ألا يستعجلوا الخطا أو يتعجلوا النتائج إذا اجتهدوا في الوسائل وأخلصوا النوايا، فالنصر من عند الله، ينزله إذا شاء وهو العليم الحكيم. اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدًا، واكتب لنا العزَّة في الدنيا والفوز في الآخرة ... هذا وصلوا.

стр. 832

الهجرة النبوية (الحدث والتاريخ) (١) الخطبة الأولى الحمد لله رب العالمين، نصر عبده، وأعزَّ جنده، وهزم الأحزاب وحده، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، يحفظ أولياءه المتقين بحفظه، ويكلؤهم برعايته، ويبطل عمل المفسدين، ويجعل كيدهم في نحورهم .. وكذلك يفعل بالمجرمين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وخليله وحبيبه، في الهدى والرحمة، وأفضل البرية وأتقاها، صلى الله عليه وعلى إخوانه وآله، ورضي الله عن أصحابه، وأتباعهم إنما يوم الدين. أما بعد فاتقوا الله معاشر المسلمين، ويا فوز من كانت التقوى لباسه: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ (٢). أيها الإخوة المؤمنون، وكلما أقبل شهر الله المحرم من كل عام أقبلت معه ذكريات الهجرة النبوية واضحةً لكل ذي عين مبصرة، هاتفةً بكل ذي أُدُن واعية، وفيها للنائم يقظة، وللغافل لفتة، وللعاقل عبرة، وللمؤمن ذكرى، والذكرى تنفع المؤمنين، وهذه الذكريات المتجددة عبر آماد الزمان، وأبعاد المكان لا تني تذكرنا بأن الهجرة حدّ فاصل بين عهدين، عهد الاضطهاد وعهد البناء والجِلاد، ولكلٍّ منهما ملامح وسمات. ولكن الحد الفاصل بينهما هجرة المصطفى، ﷺ ، إلى المدينة واستقرار

стр. 833

المؤمنين بدار الهجرة، فكيف بدأت هذه الرحلة كيف كانت نهايتها؟ وما هي أبرز الدروس والعبر فيها؟ لقد سبقت هجرة المؤمنين، وتأخر الرسول، ﷺ ، حتى جاءه الإذن من ربه، وحين جاءه الإذن بالهجرة جاء إلى بيت أبي بكر، ﵁، متقنّعًا، وفي ساعة لم يكن يأتيه فيها، وذلك في نحر الظهيرة، فاستقبله أبو بكر: ﵁، وقال: فداك أبي وأمي، والله ما جاء بك في هذه الساعة إلا أمر؛ فقال له الذي، ﷺ : أخرجْ مَن عندك، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك- يعني عائشة ﵂ وكان قد زوجه إياها- فلما اطمأن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر ﵁، فإنه قد أُذن لي بالهجرة، فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله، قال: نعم، تقول أم المؤمنين عائشة، ﵂، فجهزناهما أحث الجهاز، ووضعنا لهم سفرةً في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر، ﵂، قطعةً من نطاقها، فربطت به على فم الجراب، وبذلك سُميت: ذات النطاقين. قالت: ثم لحق رسوله الله، ﷺ ، وأبو بكر بغار في جبل ثور، فكمنا فيه ثلاث ليال، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر- وهو غلام شاب ثقِفٌ لقٌ- فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح من قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرًا يُكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة- مولى أبي بكر- منحة من غنم، فيريحها عليهما حتى تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل- وهو لبن منحتهما ورضيفهما - حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث، حتى استأجرا رجلاً ماهرًا خريتًا ليصحبهما في الطريق (١).

стр. 834

وإن المرء ليعجب من هذه الواقف في أحداث الهجرة، فهو من جانب يعجب لتضحية أبي بكر وآل أبي بكر في سبيل خدمة الرسول، ﷺ ، بكل ما يملكون من المال أو الولد، والموالي كلهم يُسخَّرون لخدمة الدعوة، وكلهم يشرف بخدمة نبي الهدى والرحمة، ولكل دوره الذي يقوم به، ولا غرو في ذلك، ولا غرابة، فالصديق هو صاحب الرسول، ﷺ ، الأول، وهو الذي قال عنه محمد، ﷺ : «لو كنتُ متخذًا خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً) وأبو بكر هو صاحب رسول الله، ﷺ ، في الغار، كما نزل بذلك القرآن الكريم: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ... ﴾ (١)، وبكل حال فما موقف أبي بكر في الهجرة إلا نموذج لمواقف الإيمان والتضحية المشهودة للصديق، ﵁ وأرضاه، وحشرنا في زمرته، والصالحين من عباد الله. ومن جانبٍ آخر، يعجب المرء أشدّ العجب، وهو يقرأ هذا الحدَث في سيرة النبي ﷺ ... فلماذا يأتي الرسول، ﷺ ، إلى بيت أبي بكر وهو مخفٍ لشخصه وفي وقت لم يكن من عادته، هو، وربما غيره، أن يأتي فيه؟ ولماذا يخرج، هو وصاحبه، إلى جبال مكة الوعرة، ويختارا منها غارًا موحشًا مظلمًا؟ فيستتران فيه عن أعين الناس، ويختفيان فيه عن الطلب؟ ألهما جرم أو ذنبٌ يحاولان بسببه الانزواء عن الناس، وهما دعاة الهدى والرحمة ... ؟ وهل يجوز أن يُطَارَد الأنبياء والصديقون، ويُضطروا إلى هذه الألوان من الجهاد والصبر والتضحية؟ إنّ وراء ذلك كله كيدًا مدبَّرًا، ومكرًا ساحقًا- ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله- كشف الله خيوطه، وفضح أصحابه بقوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (٢).

стр. 835

وحديث مؤامرة المشركين على النبي، ﷺ ، في الهجرة حديثٌ مؤلمٌ محزن بكل ما تحمله هذه الكلمات من معان، فهو نوع من الغدر والخيانة، وهو أسلوب من أساليب العنجهية والفظاظة، وهو جهل بحاجتهم إلى رسالة السماء، وهو خروج على المألوف في حماية القريب والذود عنه، ونسيان لحق العشيرة والقرابة. إنه مؤلمٌ بكل المقاييس، ومُبْكِ للصغير والكبير، والقريب والبعيد، وحُقَّ لعين تتأمل الحدثَ وما فيه أن تبكيَ وتُبكي الآخرين. وهذه فاطمة بنت محمد، ﷺ ، دخلت على رسول الله، ﷺ ، وهي تبكي، فقال ما يُبكيكِ يا بُنَيَّة؟ قالت: يا أبتِ مالي لا أبكي، وهؤلاء الملأ من قريش في الحجر يتعاقدون باللات والعزَّى ومناة الثالثة الأخرى لو قد رأوك لقاموا إليكَ فيقتلوك، وليس فيهم إلا من قد عرف نصيبه من دمك، فقال: يا بُنية ائتني بوَضوء، فتوضأ رسول الله، ﷺ ، ثم خرج إلى المسجد، فلمَّا رأوه قالوا: إنما هو ذا فطأطأوا رؤوسهم، وسقطت أذقانهم بين أيديهم فلم يرفعوا أبصارهم، فتناول رسول الله، ﷺ ، قبضةً من تراب، فحصبهم بها، وقالت: شاهت الوجوه، فما أصاب رجلاً منهم حصاةٌ من حصيلته إلا قِتلَ يومَ بدر كافرًا (١). إخوة الإسلام، وكما يُبكي الحدَث ويُحزن، فهو من جانبه الآخر يسلي ويسري عن المؤمنين الذي يُضطهدون ويُطارَدون عبر القرون المتلاحقة، وفوق كل أرض، وتحت كل سماء ... فهذا قدوتهم يطارد ويلاحق، ثم هو يصبر ويصابر حتى نصره الله، وأظهر به الهدى والحق على رغم أنوف الكافرين.

стр. 836

ومطاردة الكافرين، وتبييتهم النوايا السيئة لقتل النبي، ﷺ ، تكشفت لنا أيضًا طبيعة الطغاة والمجرمين، الذين يسوؤهم انتشار الدين، ويقلق مضاجعهم غلبة المسلمين، وكثرة سوادهم فيحاولون- كما حاول أسلافهم- إطفاء نور الله بأفواههم، ويأتي الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون، ونحن نثق بنصر الله، ونؤمن إيمانًا جازمًا أن خطط المجرمين في الماضي كما انحسرت وتلاشت فسوف تنحسر وتتلاشى خطط اللاحقين، وسوف ينصر الله دينه، ويمكن لأوليائه المتقين، كما يكشف لنا هذا التبييت لحزب الله المؤمنين عبر القرون عن طبيعة الغل والحقد في قلوب الجرمين، وهم يحاولون قتل الدعاة أو نفيهم من الأرض، أو التضييق عليهم في معاشهم ومسكنهم، وهو تشابه يوحي بتشابه العقول حين تشذ في أسلوب التعامل مع الأحداث والأشخاص، فما كان الرسول، ﷺ ، يومًا من الدهر سببًا في عنت قريش، بل نالهم من بركاته ما كان سببًا في حل مشكلاتهم قبل بعثته، وبعد بعثته ما كان، ﷺ ، سببًا وليس الدعاة والمصلحون من بعده سببًا من أسباب تخلُّف الأمة في سياستها واقتصادها ووعيها حتى يستحقوا المطاردة والأذى، وكما لم تحصل قريش من وراء إخراج الرسول، ﷺ ، والمؤمنين إلا الخزي والذل والعار، وهم أهل البيت وسدنته والمقدَّمون على العرب شرفًا ونسبًا، في الوقت الذي بدأ تاريخ المدينة يُكتب، وبدأ ذكر الأنصار يشتهر حين استقبلت الرسول وصحبه، واحتضنت الدعوة والدعاة معه. فلن يحصل لمن آذى الدعاة الصادقين، وضيق على الدعوة والمحتسبين إلا كما حصل لأسلافهم، وأحداث التاريخ دائمًا تقول: إن العاقبة للمتقين، وأن النصر مع الصبر، وأن الغلبة للحق وأهله ولو بعد حين، ومصيبتنا حين لا نقرأ التاريخ، أو لا نستفيد من دروس الغابرين.

стр. 837

والله يدعونا جميعًا للتأمل في أخبار الماضين ويقول: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (١) لكن بشرط أن يستوفيَ المسلمون أسباب النصر، ويكونوا أهلاً للتمكين كما قال تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ (٢). نفعني الله وإياكم بهدي كتابه.

стр. 838

الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، أحمده تعالى وأشكره وأُثني عليه الخير كله، وأسأله المزيد من فضله، وأشهد ألا إله إلا إليه وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله .. بَّلغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين .. فصلوات ربي وسلامه عليه وعلى إخوانه وآله، ورضي الله عن صحابته وأتباعهم إلى يوم الدين .. وبعد: فإن أحداث الهجرة النبوية فيها من الدروس والعبر ما لو تأمَّله الناس لازداد إيمانهم، وقويت عزائمهم، وتوكلوا حق التوكل على خالقهم، ولم يبالوا بكيد الأعداء، إذ كانوا بحبل الله متمسكين، ولأسباب النصر عاملين، وحفظ الله تعالى لأوليائه المؤمنين، وإبطال كيد الكائدين، يظهر بجلاء لمن تأمل في الهجرة ... فالرسول، ﷺ ، في البداية يخرج من بين ظهراني المشركين وهم يرصدون، بل ونثر التراب على رؤوسهم، كما ورد في بعض الروايات، وحين علمت قريش بأن الرسول، ﷺ ، قد أفلت من يدها، وخرج من مكة تتبعوا أثره، حتى وصلوا إلى الغار الذي يكمن فيه وصاحبه، ولم يكن بينهم وبين أن يكتشفوه إلا أن يطأطئ أحدهم بصره على موضع قدميه- كما قال أبو بكر ﵁ فيبصرهم (١)، ولكن الله سلب أبصارهم عن الرؤية هنا، والرسول، ﷺ ، واثقٌ بنصر ربه، مطمئنٌّ لحفظه لأوليائه، ولذلك قال لصاحبه: لا تحزن إن الله معنا، وعادت جنود الكفر تجر رداء الخيبة والخسران، وهل يستطيع أحد محاربة أولياء الله، والله معهم؟ (مَن عادى لي وليًّا فقد آذنتُه بالحرب). بل وأكثر من ذلك، يسَخِّر الله للنبي، ﷺ ، وصاحبه دليلاً من أبناء الكافرين،

стр. 839

ماهرًا بدروب الصحراء، خبيرًا بالطرق غير المسلوكة، ويكون دليلهم، عبد الله بن أُريقط، وكان قد غمس حلفًا في العاص ابن وائل السهمي، وهو على دين الكفار، فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال. وفي الطريق تظهر آيات ومعجزات، تكشف عن إكرام الله لنبيه، وتيسير أمره، وهذا أبو بكر، ﵁، يقول: لقد أسرينا ليلتنا كلها حتى قام قائم الظهيرة، وخلا الطريق، فلا يمر به أحد حتى رفعت لنا صخرة طويلة لها ظل لا تأت عليه الشمس بعدُ، فنزلنا عندها .. وجاءها راعي غنم يريد منها الذي يريدون، وكأنما ساقه الله لهم ليشربوا من لبن غنمه، بعد أن يستريحوا بظل الصخرة، هم وإيّاه (١). أما المعجزة الأخرى، والآية العظمى، والدليل الأبلج على حماية الله لأوليائه فيتمثَّل في قصتهم مع سراقة ... وهو الرجل الذي تستهويه الجائزة التي رصدتها قريش لمن أتى بالنبي ﷺ ، حيًّا أو ميتًا، فيمتطي صهوة جواده، ويطوي الأرض طيًا حتى يقترب من النبي، ﷺ وصاحبه، وأبو بكر، ﵁، يكثر الالتفات مخافة على النبي ﷺ ، والرسول ثابت واثق بربه لا يلتفت، فلما اقترب منهم سراقة قال أبو بكر: أُتِينا يا نبي الله .. فلما اقترب أكثر ساخت قوائم فرسه في الأرض، ثم انتشلها .. فلما ركب في أثرهما ساخت أقدام الخيل مرة أخرى .. يقول سراقة: فأبيت إلا أن أتبعه، فركبت في أثره، فلما بدا لي القوم ورأيتهم عثر بي فرسي فذهبت يداه في الأرض، وسقطت عنه، ثم انتزع يديه من الأرض، وتبعهما دخان كالإعصار، قال سراقة: فعرفت، حين رأيت ذلك، أنه قد مُنع مني، وأنه ظاهر، قال: فناديتُ القوم فقلت: أنا سراقة، انظروني

стр. 840

أكلمكم، فوالله لا أريبكم ولا يأتيكم من شيءٌ تكرهونه .. فطلب منهم الأمان، وطلب منهم كتابًا يكون آيةً بينهم ... وقد قدّم لهم الكتاب يوم الفتح، وأسلم، وحسُن إسلامه (١). وهكذا كان سراقة آخر النهار مسلمةً للبني، ﷺ ، بعد أن كان جاهدًا عليه في أول النهار .. وكذلك سخَّر الله سراقةً ليعمي خبر النبي، ﷺ ، فما يهم أحد بالبحث في هذه الجهة إلا ويقول له: قد كفيتُك إياها، فصرف الله أنظار المشركين عنه، وكذلك يحمي الله جنده، ويحفظ أولياءه المتقين. أيها المسلمون، وينبغي أن نتعلم من أحداث الهجرة أن المسلم إذا توكل على الله كفاه، ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٢)، وإذا حفظ حدوده حفظه ورعاه (يا غلام، احفظ الله يحفظك)، ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ (٣)، فهل يفقه المسلمون أحداث السيرة ويستفيدون من دروسها وعبرها؟ إن في ذلك الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة .. ولله الأمر من قبل ومن بعد، اللهم هيء لنا من أمرنا رشدًا، واجعل لنا من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا ... إخوة الإسلام، ووصل الرسول، ﷺ ، إلى المدينة، واجتمع المسلمون واستقروا بها، وكان نجاح الإسلام وجهاد المسلمين في تأسيس وطن لهم وسط صحراء تموج بالكفر والجهالة أعظم كسبٍ حصلوا عليه منذ بدأت الدعوة، وتنادى المسلمون من كل مكان أن هلموا إلى المدينة، فلم تكن الهجرة إليها

стр. 841

تخلصًا من الفتنة والاستهزاء فحسب، بل كانت تعاونًا على إقامة مجتمع جديد في بلد آمن. وأصبح فرضًا على كل مسلم قادر أن يسهم في بناء هذا الوطن الجديد، وأن يبذل جهده في تحصينه، ورفع شأنه، وأصبح ترك المدينة بعد الهجرة إليها نكوصًا عن تكاليف الحق، وعن نصرة الرسول، ﷺ ، فالحياة فيها دين، والاجتماع بها مطلب، وكذلك ينبغي أن يعيش المسلم لدينه، وأن يضحى بالغالي والرخيص في سبيل عقيدته .. وألا تكون محبة المسلم لوطنه لذات التراب والطين، وإنما لأجل العقيدة والدين (١).

стр. 842

الثبات في المحن ودروس من غزوة أحد (١) الخطبة الأولى إخوة الإيمان، ونحن نقف على نهاية أيام عام هجري يؤذن بالانصرام حريٌّ بنا أن نتأمّل ونتفكَّر في أحداثه، وعِبري، وقد اشتمل على مسراتٍ وأحزان، وتوفّرت فيه الصحة لأقوام، وأقعد المرض آخرين، وفيه من شارف على الهلكة ثم متعه الله إلى حين، وفيه من فاجأته المنية، واحترمه ريب المنون، فيه قدّر ربّك الغنى لقوم، وأقنى الآخرين، وفيه أضحك ربّك وأبكى، وأمات وأحيى، وعليه النشأة الأخرى، كما اشتمل العام على قتل فئام من الناس، وتشريد آخرين، وإيذاء طوائف من المسلمين، لا ذنب لهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ (٢). أيها المسلمون، لا غرابة أن يقع هذا وغيره، فما هذه الدار بدار قرار، وليست خلوًا من المنغصات والأكدار، ويعلم العارفون أن هذه الدنيا لا يدوم على حال لها شأن، وأنها متاع الغرور، وأنها دار امتحان وابتلاء، ويخطئ الذين يغترّون بزينتها، فيفرحون بما أُوتوا وإن كان من حتفهم، ويأسون على ما فاتهم وإن كان خيرًا لهم، وكذلك يوجه القرآن، وما أسعد من يفقه توجيه القرآن: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا

стр. 843

آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (١). إن المصائب والمحن في هذه الحياة الدنيا ليست قصرًا على جيلٍ دون آخر، وليست خاصةً بأمةٍ دون أُخرى، بل هي عامةٌ في الأولين والآخرين من بني الإنسان، وتشمل الصالحين والطالحين، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (٣). ولكن الذي يختلف فيه الناس أسلوب التعامل مع مصائب الدنيا، ونكدها فإذا امتاز المؤمنون بالصبر والمصابرة، والرضى والتسليم بأقدار الله الجارية، مع بذل الجهد في تحصيل الخير وتحقيق العدل، ودفع المكروه والشر، ورفع الظلم في الأرض، فإن سواهم يضيق به الصدر، وتنقطع أوصاله من الحزن والقلق، ويُصاب بالضيق والإحباط، وربما ارتكب من الفواحش والآثام ما زاد في ألمه، وضاعف مصائبه، وربما أودى بحياته تخلصًا مما هو فيه، فانتقل إلى نكدٍ مؤبَّد، وإنما عذاب دائم ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ (٤). إخوة الإيمان، واقرؤوا سيرة النبي ﷺ ، والمؤمنين معه، وستجدون أنهم نالوا من المصائب والمحن ما نالهم، ومنهم أزكى البشرية وأتقاها، وجيلهم خير أجيال المسلمين، وأنقاها، وكل ذلك حتى يمتحَن المؤمنون، ويعلمَ الله الصابرين، ويكشف زيف المنافقين، وحتى يعلمَ هؤلاء، وتعلم الأمةُ من ورائهم قيمة الثبات على الحق، والصبر على الشدائد، حتى يأذن الله بالنصر والفرج. وإذا كان الناس في حال الرخاء يتظاهرون بالصلاح والتقى ففي زمن الشدائد

стр. 844

يميز الله الخبيث من الطيب، ويثبت الله المؤمنين، ويلقي الروع في قلوب آخرين. قفوا، معاشر المسلمين، عند غزوة أُحد، واقرؤوا بشأنها قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (١). وقوله ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢). وقوله ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ... الآية﴾ (٣). ولقد كانت أم المؤمنين عائشةٍ، ﵂، تدرك هول المعركة وشدتها على الرسول، ﷺ والمسلمين وهي تقول للنبي ﷺ : هل مرّ عليكَ يومٌ كان أشدَّ عليك من يوم أُحد؟ والواقع يشهد أن المسلمين حين خالفوا أمر رسول الله، ﷺ ، واختل ميزان المعركة، أُسقط في أيديهم، وتساقط الشهداء منهم في ميدان المعركة، وفقدوا اتصالهم بالنبي، ﷺ ، وشاع أنه قُتل، وفرَّ مَن فرَّ منهم، وأصابت الحيرة عددًا منهم، وآثر آخرون الموت على الحياة، وخلص المشركون إلى النبي، ﷺ ، فجرحوا وجهه، وكسروا رباعيته، وهشّمت البيضة على رأسه، وكانت

стр. 845

فاطمة، ﵂ تغسل الدم عن وجهه، وكان علىٌّ، ﵁، يسكب عليها الماء بالمجن، ولم يستمسك الدم حتى أحرقوا حصيرًا فلمّا كان رمادًا ألصقوه بالجرح فاستمسك الدم، كما في الحديث المتفق على صحته (١). وفي هذه الأجواء الصعبة، يثبت الرسول، ﷺ ، وينادي في المسلمين: إليَّ عباد الله، إليَّ عباد الله، قال تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ (٢). وفي ظل هذه الظروف العصيبة، يتنادى المسلمون، وتثبت طائفةٌ من شجعان المؤمنين، وتقاتل قتال الأبطال دفاعًا عن الرسول، ﷺ ، ويخلص بعض المشركين إلى النبي ﷺ ، وهو في سبعةٍ من الأنصار ورجلين من قريش، فيقول ﵊: «مَن يردهم عنّا وهو رفيقي في الجنة؟ فقاتلوا عنه واحدًا واحدًا حتى استشهد الأنصار السبعة (٣) ثم قاتل عنه طلحة بن عبيد الله قتالاً مشهورًا حتى شلت يده بسهم أصابها (٤) وقاتل سعد بن أبي وقاص، ﵁ وهو من مشاهير الرماة - بين يدي رسول الله، ﷺ ، وهو يقول له: ارم، فداك أبي وأمي. وأبو طلحة الأنصاري الذي قال للنبي، ﷺ : (بأبي أنت وأمي، لا تشرفْ على القوم يصبك سهم من سهامهم، نحري دون نحرك) (٥). وهكذا يكون حال المؤمنين، حين تعصف بهم المحن، الصبرَ والثباتَ، والجهاد والتضحية حتى يأذن الله بالنصر أو يفوزوا بالشهادة، فينالوا المغنم في
следующие страницы →